← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

و"مررت بامرُؤٍا". الثالثة: إجراءُ حركات الإعراب الثلاث على "الراء" بحسب العوامل، فتقول: "هذا امرُؤٌ"، و"رأيت امرَأً"، و"مررت بامرئٍ" (١). قالوا: ولا جمع له من لفظه. وتقول: "هذه امرأة"، مفتوح "الراء" على كل حال، فإن صغَّرت أسقطتَ ألف الوصل، فقلت: "مُرَيء" و"مُرَيْئة" (٢). وإنما جاء اسم "ليس" نكرة لتقدّم خبرها في المجرور. و"المسلم": بالجر صفة للمرء، وهو اسم فاعل، الألِف واللام فيه موصولة بمعنى "الذي". واختلف في حرفيتها، والأكثرون على أنها اسم (٣). قوله: "وفي لفظ": يتعلق بفعل مقدّر، أي: "وجاء في لفظ"، أو: "رُوي في لفظ". "إلا زكاة": هذه الجملة في محلّ رفع، إمَّا على الفاعلية إنْ قدَّرْت "جاء"، ويكون الإسناد إلى اللفظ لا إلى مدلوله، أو مفعول لم يُسمَّ فاعله إن قدَّرْت "رُوي". قوله: "إلا زكاة الفطر": يجوز في "زكاة" النصب بالاستثناء، ويجوز الرفع على البدَل، والرّفع أوجَه. والبدَل بعض من كُل، وقد قُرئ: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

стр. 877

[النساء: ٦٦] بالرّفع والنصب (١). قوله: "في عبده": أي: "عن عبده"، ولذلك يقدَّر: "إلا زكاة الفطر عن الرقيق". و"الرقيق": "فعيل" بمعنى "مفعول"، وقد يُطلق على الجمع، فهو ["فعيل"] (٢) بمعنى "مفعول" (٣). ولمَّا كان معنى "الصدقة": "الزكاة" صحّ الاستثناء منه؛ لأنّه من جنسه. الحديث الرّابع: [١٧١]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ" (٤). قوله: "العجماء جبار": قال الجوهري: إنما سُميت "عجماء" لأنها لا تتكلّم، فكُل من لا يتكلّم أصلًا فهو "أعجَم مُستعجَم". و"الأعجم" الذي لا يُفصح ولا يبين كلامه وإن كان من العَرب، والمرأة "عجماء"، ويُقال له: "أعجم" وإن أفصح، إذا كان في لسانه عجمة (٥). قال الشيخ تقيّ الدّين: "الجبار": "الهَدَر"، و"ما لا يُضمَن". و"العجماء": "الحيوان البهيم" (٦).

стр. 878

قال ابن الأثير: سُميت "عجماء" لأنها لا تتكلّم، وكل من لا يقدر على الكلام فهو "أعجم مستعجم" (١). و"العجماء جبار": مبتدأ وخبر، لكن بتقدير مضاف، أي: "جُرح العجماء"، وكذلك ما عطف عليه. و"المعدِن": بكسر "الدال"، سمي بذلك؛ لأن الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء (٢). و"البئر": مؤنثة، وجمعها في القلة: "أَبْؤر" و"أَبْآر"، وفي الكثرة: "بئار" و"بيار" بقلب "الهمزة" ياء (٣). ومركز كل شيء "معدنه"، ومن ذلك: "جنات عدن" (٤). وجملة "قال": في محل خبر "أنَّ"، وجملة "العجماء جبار" في محل معمول القول، وجملة " ﷺ " لا موضع لها من الإعراب؛ لأنها معترضة بين اسم "أن" وخبرها، و"أن" في محل مفعول لمتعلق حرف الجر. وتقدّم الكلام على "أبي هريرة" وما كان مثله من الأسماء المضافة في الحديث الثاني من أول الكتاب. وفي قوله: "والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" بَحْثٌ في المناسبة بينه وبين ما تقدَّم، إذْ أول الحديث في الضمان وعدمه، وآخره في "الركاز"، وهو من باب الزّكاة، ولعله لمَّا ذكر المعدِن وله حكمان: عدم ضمان من عطب فيه، والزكاة، فبيَّن ﷺ حكم ما جُهل حكمُه، وهو عدم الضمان في المعدن، والزكاة في الركاز. وقدَّم ذِكْر

стр. 879

العجماء والبئر توطئةً واتساعًا في البيان. وأحال بيان المعدن على ما تقدَّم من قوله: "في الرِّقَّةِ [رُبُع] (١) العُشْر" (٢)، والله أعلم. الحديث الخامس: [١٧٢]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ. فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ؟ وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، وَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَأَمَّا الْعَبَّاسُ: فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا". ثُمَّ قَالَ: "يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ " (٣). قوله: "بعث رسولُ الله": أي: "أنه قال: بعث رسولُ الله"، فـ "أنه قال" معمول متعلق حرف الجر، وجملة "بعث" في محل مفعول القول. و"عمر" لا ينصرف للعدل والعلمية، وعدْله تقديريٌّ، كـ "زُفَر"، وتقدَّم في الحديث الأول تقرير ذلك [بزيادة] (٤). قوله: "على الصدقة": يتعلق بحال من "عمر" أي: "عاملا على الصدقة"، أو يتعلق بـ "بعث". والألف واللام في "الصدقة" للعهد، أي: "الصدقة المفروضة". قوله: "فقيل: منع ابن جميل": جملة معطوفة على محذوف مفهوم من سياق الكلام، أي: "بعث عمر فذهب، فامتنع ابن جميل، فقيل"، فهو معطوف على "امتنع"، وهو مبنيٌّ لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه، والقائم مقام الفاعل: الجملةُ على الحكاية،

стр. 880

فيكون الإسناد إلى اللفظ لا إلى مدلوله. قال أبو حيان: هو مذهب كوفيٌّ (١). وقيل: يقدر ضمير قول. وتقدَّم توجيه البناء في الفعل المعتل الوسط والقائم مقام الفاعل في الرابع عشر من "الجنائز". وفيه ثلاثة أوجه: كسر "الفاء"، وضمها، والإشمام. والألف واللام في "الوليد" وفي "العباس" للمح الصفة (٢). ومفعول "منع" محذوف، أي: "منع دفع الصدقة"، أو: "منع الساعي من أخْذ الواجب". [قوله] (٣): "فقال رسول الله ﷺ ": "الفاء" سببية. "ما ينقم ابن جميل إلا أنّ كان فقيرًا فأغناه الله": "نقم" بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، والعكس (٤). قال الشيخ تقيّ الدّين: "نَقم" هنا بمعنى "أنكر"، وهذا يدلّ على أنه لا عذر له في الترك، إذ لم يحصل له موجب للمنع، إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله، فلا موجب للمنع وهذا مما يقصد به العرب النفي على سبيل المبالغة بالإثبات، كما قال الشاعر:

стр. 881

ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم ... بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ (١) لأنه إن لم يكن لهم عيب إلا هذا فهذا ليس بعيب فيهم، بل هو مدح. (٢) قال ابن الأثير: "نَقِم من فلان الإحسان"، إذا "جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة". ومعنى الحديث: أي: "ما ينقِم ابنُ جميل شيئًا من منع الزكاة إلا أنْ يكفر النعمة"، فكأنَّ غناه أدَّاه إلى كُفر نعمة الله (٣). قوله: "إلا أنْ كان فقيرًا": الاستثناء مفرَّغ، و"نقِم" متعدٍّ بمعنى أنكر، قال الشيخ تقي الدين: أي: "ما أنكر إلا غناه" (٤). وعلى قول ابن الأثير يُقدَّر ما بعد "إلا" بالإحسان، أي: "ما نقم ابنُ جميل من الله إلا الإحسان إليه"، وهما يرجعان إلى معنى واحد، فتكون "أنْ" مع صلتها في محل مفعول "ينقم" المقدر بـ "أنكر". ويحتمل أن تكون "أنْ" وصلتُها في محل مفعول لأجله، وتكون "ينقم" بمعنى: "يعيب"، أي: "ما يعيب ابن جميل طلب الزكاة إلا أن أغناه". وذكر أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾ (٥) [المائدة: ٥٩] إعرابًا، فقال: ""منَّا" مفعول لـ "تنقمون"، و"إلا أنْ آمنا" هو المفعول الأول، فالاستثناء مفرَّغ له ما قبله. قال: ولا يجوز أن تكون "مِنَّا" حالًا من "أنْ" والفعل لأمرين، أحدُهما: تقدُّم

стр. 882

الحال على "إلا". والثاني: تقدُّم ما في الصّلة على الموصول" (١). قال أبو حيان: الظاهر أن "مِنْ" هنا بمعنى "على"، أي: "هل تنقمون علينا؟ "، لأنَّ "نقم" يتعدى بـ "على" (٢)، كقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧]، أي: "على القوم" (٣). قلت: أراد أبو البقاء في "مِنَّا" أنها مفعول ثان، أنَّ الفعل يتعدى إلى المجرور، فهو في محل نصب، وكونه [ثانيًا] (٤) لأن تعدِّى الفعل إلى المفعول به بغير واسطة أقوى من تعديه بواسطة، وكونها لا تكون حالًا مقدَّمة، يريد لأنَّ "أنْ" المصدرية تقدر باسمٍ مفرد، فكأنه قال: "إلا إيمانًا كائنًا منه"، فهو صفة له لو تأخر فمنع منه الاستثناء. وكون الحال صلة - فلا تتقدّم على الموصول - ظاهر؛ لأنَّ "أنْ" مصدرية كـ "ما" و"أنَّ" المشددة، والحال من تمام الصلة؛ فلا تتقدم على الموصول. "وأما خالد": "أمَّا" حرف تفصيل، تقدَّم الكلام عليها في السادس من "باب الاستطابة"، وجوابها: "فإنكم تظلمون" في محلّ خبر "إن"، وجملة "قد احتبس" في محل الحال من "خالد"، أو من فاعل "تظلمون"، والرابط "الواو"، وعلى الأول: الرابط "الواو" والضمير. قوله: "أدراعه وأعتاده": مفعول، ومعطوف عليه. قال ابن الأثير: "الأدرع": جمع "دِرْع"، وهي "الزَّرَدِيَّة" (٥). قال: و"الأعتاد": هو "ما أعده الرجل من السلاح والدواب وآلة الحرب"،

стр. 883

و"الأَعْتُد" جمع قلة للعتاد، ويجمع على "أعتدة" أيضًا. قال: وفي الرّواية: "أنه احتبس أدراعه واعتاده" (١). قال الدَّارقطني: قال أحمد بن حنبل: قال علي بن حفص: "وأعتاده"، وأخطأ فيه [وصحَّف] (٢)؛ فإنما هو: "وأعتُده" (٣). قلت: انظر كيف جعل "الأعتاد" خطأ مع ثبوتها في الصحيحين؟ ! قال الشيخ تقيّ الدّين: وقع في هذه الرواية: "أعتاده"، ووقع في روايةٍ أخرى: "أعتده"، واختلف فيها: فقيل: "أعتده" بالتاء، وقيل: "أعبُده" بالباء ثاني الحروف، وعلى هذا اختلفوا. فالظاهر أن "أعبُده" جمع "عبد"، وهو الحيوان العاقل المملوك. وقيل: إنه جمع صفة، من قولهم: "فرسٌ عبدٌ"، وهو "الطيب"، وقيل: "المُعَدُّ للركوب"، وقيل: "السريع الوثْب". ورجّح بعضهم هذا بأنّ العَادة لم تجر بتحبيس العبيد في سبيل الله، بخلاف "الخيل" (٤). وإعراب "خالد" بعد "أمَّا" رفعٌ بالابتداء، وخبره في الجواب، والتقدير: "مهما يكن من شيء فخالد مظلوم"، وقد تبين ذلك في موضعه مع "أمَّا" وأحكامها. وكان وجه الكلام: "فإنكم تظلمونه"؛ لأن المضمر أخصرُ، ولكنه قد يكون الإظهار أبلغ في التنبيه على الشيء، كما يجيء ذلك في التعظيم والتهويل، كما وقع في

стр. 884

قوله: لَا أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ ... نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا (١) فأعاد المظهر للتعظيم والتهويل، وقد يعاد للتلذذ بذكره، كما قال: وما سعاد غداة البين. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . بعد قوله: بانت سعاد. . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . (٢) وقد يكون التكرار هنا للتفخيم له، إذ فعل خيرًا وزاد على غيره منْقَبةً، والمراد: "أنَّ من احتبس ماله فلا مال له تجب زكاتُه". قوله: "وأمَّا العباس: فهي علىَّ ومثلها": قال الشيخ تقيّ الدّين: فيه وجهان، أحدُهما: أن يكون هذا اللفظ صيغة إنشاء لالتزام ما لزم العباس، ويرجّحه قوله: "أن عم الرجل صنو أبيه"، ففي هذا اللفظ إشعار بما ذكرناه؛ فإن كونه صنو أبيه يُناسب تحمُّل ما عليه. الثاني: [إخبارًا] (٣) عن أمر وقع ومضى، وهو تسلُّف صدقة عامين من

стр. 885

العباس، وقد رُوي في ذلك حديث منصوص: "إنَّا تعجَّلنا منه صدقة عامين" (١). و"الصِّنْو": "المثلُ"، وأصله من "النَّخْل": أنْ يجمع النخلتين أصل. (٢) انتهى. قوله: "فهي علىَّ": أي: "الزكاة علىَّ"، والجملة في محل الخبر كما تقدم، و"مثلها" معطوف على "هي". ويحتمل أن يكون معطوفًا على الضمير في متعلق المجرور على مذهب الكوفيين في العطف على الضمير [المرفوع] (٣) من غير تأكيد ولا فصل (٤)، إلا أن يقال: حرف الجر فصل. والله أعلم.

стр. 886

الحديث السادس: [١٧٣]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَسَمَ فِي النَّاسِ، وَفِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ. فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مفترقين فَأَلَّفَكُمْ اللهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللهُ بِي؟ ". كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ: "فمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ ". قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ: "لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا. أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا. الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ. إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ" (١). قوله: "لما أفاء": محكي بالقول. و"أفاء" "أَفْعَلَ" من "الفَيْء" (٢)، لأنَّ أصله "أَفْيَأ" فنُقلت حركة "الياء" إلى "الفاء"، فتحركت "الياء" في الأصل، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألِفًا، فصار "أَفَاء". وهو يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بنفسه، والثاني بحرف الجرِّ، يقال: "أَفَاءَ الله"، "يُفِيءُ" بضم "الياء"، "إِفَاءَةً" (٣). و"لمَّا" تقدَّم الكلام عليها في الحديث الرابع من "باب المذي"، وتقدّم الكلام على جوابها في السادس من "صفة الصلاة". و"على رسوله": يتعلق بـ "أفاء"، ومتعلق "أفاء" محذوف، أي: "أفاء على رسوله

стр. 887

أموالهم". وجواب "لمَّا": "قَسَم"، وهو العامل فيها. وجملة "أفاء" في موضع جر بالإضافة إلى الظرف، و"في الناس" يتعلق به، و"يوم" ظرف زمان، العامل فيه "أفاء". و"حُنَيْن" منصرف؛ لأنه أراد به المكان. وأسماء البقاع منها ما غلب فيه التأنيث فلم ينصرف، مثل: دمشق وعمان وخراسان ومصر وبغداد وجُوز (١)، فلا ينصرف للتعريف والتأنيث. وضَرْبٌ صُرِف؛ لأنه غلب عليه التذكير، فجعل اسمًا للمكان والموضع، مثل: واسط ودابق وحُنين. وضَرْبٌ ثالث لم يغلب عليه تذكير ولا تأنيث، فيجوز فيه الصرف وعدمه، والأحسن تغليب التأنيث، فيمتنع من الصرف، ويجوز خلافه (٢). قوله: "في الناس": يحتمل أن يكون "في" بمعنى على وقد جاءت بمعناها كثيرًا، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أي: على جذوع النخل (٣). و"في المؤلفة قلوبهم": معطوف عليه. و"قلوبُهم" مرفوع بـ "المؤلفةِ" على أنه مفعول لم يُسمَّ فاعلُه، والألف واللام فيه موصولة بمعنى "الذي"، والضمير المضاف إليه "قلوبهم" يعود على الألف واللام.

стр. 888

قوله: "ولم يعط الأنصار شيئًا": معطوف على قوله: "قَسَمَ". وعَدَل عن أن يقول: "ولم يقسِم على الأنصار" إلى قوله: "لم يُعط"؛ لأنَّ تَرْك القَسْم لا يمنع الإعطاء، ونَفي الإعطاء ينفي القَسْم. و"شيئًا" مفعول ثانٍ لـ "يُعْطِ"، وتصغيره "شُيَئ" و"شِيَئ" بكسر الشين، والجمع: "أشياء" غير مصروف (١). ويأتي الكلام على ذلك في التاسع من "الرَّهن". و"الأنصار": جمع "نصير" كـ "شَريف" و"أشراف". ويحتمل أن يكون جمع "ناصر"، كـ "صاحب" و"أصحاب"، لكن "فاعل" على "أفعال" قليل. قوله: "فكأنهم وجدوا في أنفسهم": "كأنهم" هنا في محل حال من مفعول فعل محذوف تقديره: فرآهم كأنهم وجدوا في أنفسهم، أي: مشبهين مَن وَجَد في نفسه. قال الشيخ تقيّ الدين: هذا تعبيرٌ حَسَنٌ، كُسِىَ حُسْنَ الأَدَبِ في الدِّلالة على ما كان في أنفسهم (٢). وأَحْسنَ الراوي في ترك ذِكر مَن وَجَدُوا عليه، [فإنه] (٣) لو قال: "فوجدوا في أنفسهم من النبي ﷺ " لم يكن فيه أدبٌ. وجملة "وَجدوا" في محل خبر "كأنَّ". وتقدم الكلام على "كأنَّ" في الحديث الثاني من "الأذان". و"وجد" هنا بمعنى: "حزن"، تقول: "وجدتُ وَجْدًا"، [أيْ: حزنتُ

стр. 889

حزنًا] (١)، وهو لا يتعدّى إلى مفعول، وتقدم الكلام على "وجد" في الحديث الثاني من باب الاستطابة. قوله: "إذْ لم يصبْهم ما أصاب الناس": تقدم الكلام على "إذْ" في السادس من الجنائز، وفيها معنى التعليل، أي: "فوجدوا في أنفسهم لأجل أنه لم يصبهم شيء". قال أبو حيان: وهي اسم ثنائيّ الوضع، وبُني لشبهه بالحرف وَضْعًا وافتقارا، وهو ظرف زمان ماض، وتقع بعده الجملة الاسمية نحو: "قام زيدٌ إذْ عمْرو قائم"، والفعلية كما وقع هنا. ويقبُح أن يليها اسم بعده فعل نحو: "إذ زيد قام". وإذا أضيفت إلى مضارع أو عمل فيها صيَّرتْه ماضيًا. والظَّرْفِيَّة لازمة لها إلا أن يضاف إليها زمان، نحو: "يومئذ"، و ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. ولا يجيء مفعولًا به، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] (٢)، ولا حرف تعليل، نحو: "أكرمت زيدًا إذ هو عالم"، ولا المفاجأة كقوله: . . . . . . . . . . . . ... [فبينما] (٣) العُسْرُ إذ دارتْ مياسيرُ (٤)

стр. 890

ولا ظرف مكان، ولا زائدة، خلافًا لزاعمي ذلك (١)، انتهى من كلام أبي حيّان. ويظهر في "إذْ" هنا - كما تقدم - التعليل كما ذهب إليه القائل به، والتقدير: "وجدوا في أنفسهم لأجل أنه لم يصبهم ما أصاب الناس". وعلى قول من منع تكون "إذ" هنا ظرفًا معمولًا لـ "وجدوا"، أي: "وجدوا في أنفسهم وقت تركهم وعدم استوائهم مع غيرهم". قوله: "ما أصاب الناس": "ما" بمعنى "الذي" فاعل، والتقدير هنا: "إذ لم يصبهم مثل ما أصاب الناس"، فحذف المضاف، أو يكون المراد أنَّ الذي أصاب الناس كان لهم فيختصون به دون من قسم له من غيرهم، فلا يحتاج إلى تقدير "مثل"، والأول أظهر؛ لأنهم ما نقموا إلا أن يكون غيرُهم يُعْطَى دونهم. قوله: "فخطبهم": "الفاء" سببية، وفاعل "خطبهم" ضمير يعود على "النبي ﷺ ". يقال: "خطب على المنبر"، "خُطبة"، بضم الخاء، و"خَطَب المرأةَ"، "خِطْبَةً"، بكسر الخاء. ومعنى "خطب الناس": "وعظ الناس". ثم فسَّر "الخُطبة" بلفظ خاص يتعلق بتلك الواقعة: "يا معشر الأنصار، ألم أجدْكم ضُلَّالا"؛ لأن خُطَبَه ﷺ بحسب الوقائع والنوازل، وتقدم الكلام على تعدِّي "خطب" في الحديث الرّابع من "صلاة الجمعة". قوله: "ألم أجدكم ضُلَّالا": "ألم" للتقرير والتوبيخ. وقوله: "ضُلَّالا": قال في "النهاية" لابن الأثير: "أضللته" إذا "ضيعته"،

стр. 891

و"ضلَّ الناسي": إذا "غاب عنه حفظ الشيء"، ويقال: "أضللت الشيء" إذا "وجدته ضالًا"، كما يقال: "أحمَدته" و"أبخلتُه" إذا وجدته محمودًا وبخيلًا. ومنه: أنّ النبي ﷺ أتى قومه فوجدهم ضُلالًا غير مهتدين إلى الحق (١). و"وجد" هنا هي المتعدية إلى مفعول واحد، من قولهم: "وجدت الضالة، بمعنى "أصبت". وتقدم الكلام عليها في الثاني من "باب الاستطابة". و"ضلالا": مفعول به، ومفرده: "ضال". قوله: " [فهداكم] (٢) الله بي": "هَدَى" يتعدَّى تارة إلى واحد، وتارة إلى اثنين، وتارة إلى الثاني بحرف الجرِّ. قوله: "بِي": يتعلق بـ "هداكم"، ومعناها السببية. [قوله] (٣): "وكنتم متفرقين فألَّفكم الله بي": تحتمل الجملة الاستئناف، وتحتمل أن تكون في محلّ حال، و"الواو" واو الحال، و"قد" مقدرة، أي: "وقد كنتم متفرقين". قوله: "وعالة": معطوف على "متفرقين"، ويحتمل أن يعطف على "ضُلَّالا" أي: "ألم أجدكم ضُلَّالا وعالة؟ "، والمعنى فيهما مُتقارب. قوله: "فأغناكم الله بي": "الباء" في جميعها سببية. قوله: "كلما قال شيئًا، قالوا: الله ورسوله أمنُّ": "كلَّما" فيها معنى الشرط، وجوابها "قالوا"، و"الله" مبتدأ، و"أمنُّ" خبره، وهو "أفعل من"، والمتعلق به محذوف، أي: "أمنُّ من غيره".

стр. 892

و"كُلّ" من ألفاظ العموم، لازم للإضافة، وهو اسم جمع، إلا أن ما أضيف إليه يجوز حذفه وهو مَنْوِيٌ، نحو: "مررت بكلٍّ قائمًا". قال ابن مالك: إلا أن يقع توكيدًا، نحو: "مررتُ بهم كلهم"، أو: نعتًا، نحو: "هذا الرجل كلُّ الرجل"؛ فلا يحذف المضاف إليه. وأجاز الفرّاء والزّمخشري حذفه إذا كان توكيدًا، كقراءة من قرأ: "إنّا كُلًّا فيها" (١). (٢) وإذا حذف المضاف إليه عوض منه التنوين. وقيل: هو تنوين صرف. وإذا كان المضاف إليه معرفة بقيت "كل" على تعريفها فيجيء منها الحال، نحو: مررت بكلٍّ قائمًا، ولا يُعرَّف باللام عند الأكثرين، خلافًا للأخفش والفارسي، فلا يقال: "الكل" و"البعض" (٣). وتقدم في الحديث الأول من الكتاب الكلام على "كل". وأما "كلما" هنا: فهي ظرف، وكذا كل موضع لها فيه جواب. و"ما" مصدرية، والزمان محذوف، أي: "كُل وقت"، وسَرَتْ الظرفيةُ إلى "كلّ" لإضافته إلى "ما" المصدرية الظرفية، أي: "كُل وقت" (٤). وجاءت "ما" ههنا على الغالب من وصلتها بالماضي. وقد جاء وصل "ما" المصدرية بالمضارع، نحو قوله:

стр. 893

أُطَوِّفُ ما أُطَوِّفُ، ثُمَّ آوِي ... إِلى بَيْتٍ قَعِيدَتُهُ لَكاعِ (١) وفي وصلها بالجملة الاسمية، نحو: وَاصِلْ خَلِيلَكَ ما التَّواصُلُ مُمْكِنٌ ... . . . . . . . . . . . . . . (٢) خلاف (٣). وتختصّ عن سائر الموصولات الحرفيه بنيابتها عن ظرف زمان (٤)، ولهذا جَزم بها بعض العَرب في قوله: فمَا تَحْيَ لَا نَسْأَمْ حَياةً وَإنْ تَمُتْ ... فَلَا خَيرَ فِي الدّنْيا وَلَا العَيْشِ أجمَعَا (٥) وتدخل عليها "كُل" فتؤكّد عمومها في الزمان. وما يذكره الأصوليون من عموم "كلما": فَلِمَا تدلّ عليه من التكرار، لأنه وضعها، فإن قلت: "كلما جئتني أكرمتك"، فالمعنى: "أُكْرِمُك في كل فرد من أفراد جيئاتك إليَّ" (٦). انتهى من "المجيد". واعلم أنّ "كُلّ" قد تتصل بها "ما" الموصولة، فتكتب منفصلة منها، كقول ابن دريد:

стр. 894

فَكُلُّ مَا لَاقَيْتُهُ مُغْتَفَرٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . (١) أي: "كل الذي". ومتى كانت الشرطية - كما هي هنا في الحديث - فتكتب متصلة (٢). والعامل فيها جوابها، والواقع بعدها في محل جرٍّ بها. قوله: "قالوا: الله ورسوله أمَنُّ": جملة من مبتدأ وخبر، الخبر "أمنُّ"، وهو "أفعل" التفضيل. و"أفعل" تستعمل بـ "مِن"، أي: "أمَنّ من سائر الخلق". قوله: "قال": فاعله ضميرُ "النبي ﷺ ". "ما يمنعكم؟ ": "ما" استفهامية في موضع رفع بالابتداء، والخبر في قوله "يمنعكم"، أيْ: "أيُّ شيءٍ يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ ". "أنْ" في محل جرٍّ أو نصب على الخلاف المتقدّم، والجملة معمولة للقول. قوله: "قال: لو شئتم": "لو" حرف امتناع لامتناع، وقد تقدَّم الكلام عليها في الحديث الأول من "الصلاة"، وكذلك تقدَّم الكلام على "شئت" في الحديث الأول من "باب الإمامة".

стр. 895

وجواب "لو": "اللام" في "لقلتم". و"جئتنا": فعل وفاعل ومفعول، [العامل] (١) فيها القول. قال أبو حيان: مذهب سيبويه أن أصله "شَيِء" على وزن "فَعِل" بكسر "العين"، وإذا أُسْنِد إلى ضمير الفاعل كما وقع هنا، أو "النون" نحو: "شِئْن"، أو "التاء"، نحو: "شِئْت" سُكِّن آخرُه، ونُقِلَتْ حركةُ المعتل وهي الكسرة إلى "الشين"، وهي "فاء" الكلمة، فسكن حرف العلة، والآخِرُ ساكن للضمير، فحذف حرف العلة لالتقاء الساكنين (٢). ومذهب المبرِّد أن أصله "فَعَل" بفتح "العين"، فلما اتصل بالضمير ذهبت "الألف" المنقلبة عن "عين" الكلمة لالتقاء الساكنين بها، وكُسرت "الشين" لتدل على أنّ المحذوف "ياء"، كما في "بِعْت" (٣). انتهى. قوله: "لقلتم": "اللام" جواب "لو"، وقد جاء حذفها كثيرًا في القرآن وغيره، كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ﴾ [الواقعة: ٧٠] (٤). قوله: "جئتنا": أصله "جَيَأْتَنا" (٥) تحركت "الواو" وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، ثم حُذفت لسكونها وسكون آخر الفعل لأجل الضمير، ثم كسر أوّله ليدلّ على "الياء" المحذوفة.

стр. 896

قوله: "كذا وكذا": من الكنايات، كـ "كم"، وهما للعَدَد المبهم، فـ "ذا" اسم إشارة، و"الكاف" حرف جر، و"ذا" في موضع جر بالكاف، كما أن "ذا" من "حبَّذا" في موضع رفع مع تركيبها مع "حب"، ولذلك ظهر الجر في "أيّ" لما كانت معربة في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الحج: ٤٨]. فـ "كذا" مركب من "كاف" التشبيه واسم الإشارة، وتلزم "ذا" بعدها طريقًا واحدة، فلا تؤنث، ولا تثنى ولا تجمع، فهذا حكمها إذا رُكِّبت (١). وقد تأتي [كلمتين] (٢) باقيتين على أصلهما، وهما "كاف" التشبيه و"ذا" الإشارية، وقد تدخلها "هاء" التنبيه، كقوله تعالى: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢] " (٣). و"كذا" في الحديث هنا كلمة واحدة مركّبة من كلمتين، مكنيا بها عن غير عدد، كما جاء في الحديث الآخر أنه "يُقَالُ للعَبْد يَوْمَ القِيَامَة: أتَذْكُر يَوْمَ كَذَا وَكَذَا؟ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا؟ " (٤). إذا ثبت ذلك: فقوله في الحديث: "كذا وكذا" كناية عن الحديث، أي: "جئتنا قليلًا فكثَّرْناك، وجئتنا غير منصور فنصرناك"، وما أشبه ذلك. قوله: "ألا": هذه المخففة المفتوحة، ولها أقسام مذكورة في الثاني من "التشهد"، وهي هنا للتحضيض والعرض، كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وشرطها: أن تدخل على فِعْل (٥)، كما في الحديث والآية.

стр. 897

قوله: "أن يذهب": "أن" المصدرية الناصبة، و"يذهب" منصوب بها، وتقدَّم الكلام عليها وأقسام "أن" مطلقًا في الرابع من أوّل الكتاب. ومحل "أن" مع الفعل مفعول بـ "ترضون"، وأصله: "ترضوون" تحركت "الواو"، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، ثم حذفت لسكونها وسكون "الواو" فصار "ترضون". و"النون" علامة الرفع، ولو جاء على هذه الصفة للمؤنثات لكانت "النون" ضمير الفاعل، والفعل معها مبنيٌّ. قوله: "أن يذهب الناس [بالشاة] (١) ": قال في "الصّحاح": أصل الشاة "شاهة"؛ لأنَّ تصغيرها "شويهة"، والجمع: "شياه" بالهاء في العدد (٢)، تقول: "ثلاث شياه"، إلى العشرة، فإذا جاوزت فبالتاء، فإذا كُثِّرَتْ قيل: "هذه شاء كثيرة"، وجمع "الشاء": "شَوِىّ"، و"الشاة" أيضًا: "الثور الوحشيُّ" (٣). انتهى، وسيأتي من ذلك في الثاني من "الحدود". قوله: "وتذهبون برسول الله ﷺ ": معطوف على " [يذهب] (٤) الناس"، وحقُّه أن يكون منصوبًا بحذف "النون". واختلفت النُّسخ في ذلك، ففي بعضها: "وتذهبوا" على القاعدة، وفي بعضها: "وتذهبون"، والكلُّ جائز. ووجْه الرّفع: القطع، أي: "وأنتم تذهبون"، والجزم أقوى على وجه الإعراب،

стр. 898

وفي القطع ضربٌ من التفخيم والتعظيم، ذكره أهل المعاني. و"الباء" في "برسول الله" باء التعدية، وتتعلّق بـ "تذهبوا". قوله: "إلى رحالكم": يتعلق بـ "تذهبوا" أيضًا، وفي تنصيصه على "الرِّحَال" فائدة وإشارة إلى أنها صُحبة إقامة معهم، لا صُحبة طريق. قوله: "لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار": تقدّم الكلام على "لولا" في الأول من "السواك"، وفي الثالث من "استقبال القبلة". و"لولا" حرف امتناع لوجود. و"الهجرة" مبتدأ، وتقدّم ذكر المواضع التي يحذف فيها الخبر في الأوّل من "باب السواك"، وتقدّم في الثّاني عشر من "الجنازة" عند قوله: "ولولا ذلك أُبرز قبره" الكلام على حُكم الاسم الواقع بعد "لولا". قوله: "لَكُنْتُ": جوابُ "لولا"، والخبر واجب الحذف هنا، وفي مثل قولهم: "لعمرك لأفعلنَّ"، ومثل قولهم: "كُل رجل وضيعته"، ومثل: "ضربي زيدًا قائمًا" (١). وانظر باقي الكلام عليها فيما تقدّم. قوله: "امرأً": همزته "همزة" وصل، وتقدّم ذكر همزات الوصل في الحديث الأوّل من الكتاب. وأمّا "امرؤ" و"امرأة" ففيه لغتان: - إحداهما: أن تُلحق في أولهما "ألف" الوصل فيقال: "امرء"، و"امرأة"، وفي القرآن: ﴿امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ [النساء: ١٢٨].

стр. 899

واللغة الأخرى: أن لا تلحقها "ألف" الوصل فيقال: "مَرْءٌ"، و"مَرْأَةٌ"، و"مَرَةٌ"، بلا [همز] (١) (٢)، فإذا أدخلوا الألف واللام أدخلوهما على هذه اللغة الخاصة دون الأخرى، فقالوا: "المرء"، و"المرأة"، ولم يقولوا: "الامرء"، ولا: "الامرأة"، وفي التنزيل: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. واعلم أنّ حركة ما قبل "الهمزة" و"الميم" في قولك: "امرؤ" و"ابنم" تابعة لإعرابهما في الرفع والنصب والخفض، وليست بإعراب (٣)، وتقدّم ذلك قريبًا في الثالث من "الزكاة". [قوله] (٤): "من الأنصار": يتعلّق بصفة لـ "امرئ"، يعني في الأحكام وفي العِداد، أي: "يُعَدُّ منهم"، ذكره الشّيخ تقيّ الدّين (٥) وقال: في جوابهم ﵃[بما] أجابوه به، فيه استعمال الأدب والاعتراف بالحق، والذي كني عنه بـ "كذا وكذا" جاء مبيَّنًا في رواية أخرى (٦) مصرحًا به (٧). قلت: يحتمل كونه منهم؛ لأنّ أخواله من الأنصار؛ و"ابن أخت القوم منهم" (٨). قوله: "ولو سلك الناس واديًا أو شعبًا": "لو" حرف امتناع لامتناع، تقدّم الكلام عليها قريبًا، وجوابها: "لسلكتُ".

стр. 900

و"لو" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "الصّلاة"، و"أو" في الثالث من "باب السواك". وأضاف الوادي والشِّعب إلى "الأنصار" إضافة تخصيص. و"الشِّعْب" بكسر الشين: "الطريق بين الجبلين" (١)، وبفتحها: "القبيلة العظيمة" (٢)، والمراد هنا الأوّل. قوله: "الأنصار شعار": مبتدأ وخبر، وهي جملة مستأنفة لا محلّ لها، ويحتمل أن تكون مفسرة لكونه منهم. و"الشِّعار": ما يلي الشَّعر، و"الدِّثار": هو الذي فوق الشِّعار (٣). قوله: "إنكم ستلقون بعدي أَثَرَةً": "إنَّ" واسمها، وجملة "ستلقون" خبرها، و"بَعْدِي" ظرف ومخفوض به، و"أثرةً" مفعول به، والفعل مستقبل، وتقدم الكلام على سين الاستقبال قريبًا، و"إنَّ" لها الصدر، فلا يتقدم معها فعلُها عليها. قال السهيلي: لا تقول: "غدًا سيقوم زيد"، بتقديم الظرف، لوجهين: - أحدهما: أن "السين" تدلّ على الاستقبال والاستئناف، والاستقبالُ إنما هو بإضافته إلى ما قبله، فإن كان قبله ظرف أخرجته "السين" عن الوقوع في الظرف، فبقي الظرف بلا عامل. فإذا قلت: "ستقوم غدًا"، دلت "السين" على أن الفعل مستقبل بالإضافة إلى ما قبله، وليس قبله إلا حالةُ المتكلم، ودلت "غد" على استقبال اليوم، فتطابقا، وصار ظرفًا له (٤).

стр. 901

ورُويَ: "أُثْرةً" بضم "الهمزة" وسكون "الثاء". قال ابن الأثير: "الأَثَرة" بفتح "الهمزة" و"الثاء": الاسم من "آثَرَ، يُؤْثِرُ، إِيثَارًا" إذا أعطى، أراد به: يُستأثرُ على الأنصار، فيُفَضَّل غيرُهم عليهم في نصيبه من الفيء. و"الاستئثار": "الانفراد بالشيء" (١)، ومنه حديث عمر: "والله ما استأثرت بها عليكم" (٢) (٣)، لما تكلم عليٌّ والعباسُ في الميراث. قوله: "فاصبروا": "الفاء" سببية، أي: "فبسبب ذلك اصبروا". قوله: "حتى تلقوني على الحوض": "حتى" حرف غاية، وتقدم الكلام عليها في الحديث الثاني من أوّل الكتاب. و"تَلْقَوْنِي" فِعل مضارع، و"نون" الوقاية، ومفعول، وهو منصوب بإضمار "أنْ" بعد "حتى". وأصله: "تَلْقَيُونَنِي"، تحركت "الياء"، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، ثم حذفت "الألِف" لسكونها وسكون "الواو"، ثم حذفت "النون" الأولى التي هي علامة الرفع للناصب، فصار: "تَلْقَوْنِي". وتقدّم الكلام على "نون" الوقاية ومواضعها في الحديث الأول من "باب الطمأنينة". و"على الحوض" [يتعلّق] (٤) بـ " [تلقوني] (٥) "، وتقدّم الكلام على معاني "على" في الخامس من "الجنابة".

стр. 902

بَاب صَدَقَة الفِطْر [الحديث الأوّل] (١) [١٧٤]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "فَرَضَ النبي ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ - أوْ قَالَ: رَمَضَانَ - عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالْحْرِّ وَالْمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ". قَالَ: "فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ" (٢). وَفِي لَفْظٍ: " [أنْ] (٣) تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلاةِ" (٤). قوله: "فرض رسول الله ﷺ ": فِعْل وفاعل، و"صدقة الفطر" مفعول "فرض". قوله: "أو قال: رمضان": يعني: "أو قال: فرض صدقة الفطر"، وهذا المحذوف يفسره ما قبله. قوله: "على الذّكَر": يتعلّق بـ "فرض". و"فرض" بمعنى: "أوجب"، وجعله بعضهم بمعنى: "قدَّر". قال الشيخ تقيّ الدّين: وهو أصله في اللغة، لكنه نقل عن عُرْفِ الاستعمال إلى الوجوب، فالحمل على أنه بمعنى "فرض" أَوْلَى؛ لأنّ ما اشتُهر في الاستعمال فالقصد إليه هو الغالب (٥). و"أو" تقدّم ذكرُها والكلام عليها في الحديث الثّالث من "باب السواك".

стр. 903

قوله: "صدقة الفطر": يحتمل أن يريد: "صدقة شهر الفطر"، على حذف مضاف، ويحتمل أن يُريد: "صدقة وقت الفطر من رمضان". ويُقال للمُخْرَجِ: "فِطْرَة"، بكسر "الفاء"، وهي لفظة مولَّدة، لا عربية ولا معرَّبة، بل اصطلاحية للفقهاء (١). والمراد بالمعرَّبة: أن تكون عَجميَّة، فيتكلّم بها العَرَب على منهاجها (٢). قوله: "على الذكر والأنثى": يتعلّق بـ "فرض"، ويصح أن يتعلّق بصفة لـ "صاع"، تقدّم فانتصب على الحال. قوله: "صاعًا": يحتمل أن يكون بدلًا من "صدقة الفطر"، ويحتمل أن يكون حالًا مقدّرة، و"من تمر" يتعلّق بصفة لـ "صاع". قوله: "أو صاعًا من شعير": قال أبو البقاء في حديثٍ "أنَّ رَسُولَ الله ﷺ فَرَضَ صَدَقَة [رَمَضَان] (٣) نصْفَ صَاع مِن بُرٍّ أوْ صَاع مِن تمْرٍ": الجيد النصب، عطف على قوله: "نصف". و"نصف" منصوب، وفي نصبه وجهان، أحدهما: أن يكون بدَلًا من "صدقة"، والثاني: أن يكون حَالًا من "صدقة". وأمّا الرفع في "صاع": ففيه وجهان، أحدهما: أن يروى: "نصفُ صاع" بالرفع، وهو أوْجَه إذا رفعت "صاعًا"، ويكون التقدير: "هي نصفُ صاع"، فحذف المبتدأ، وبقي الخبر.

стр. 904

والثاني: أن ينصب "نصفًا"، ويكون التقدير: "أو قال: صاع"، فيُحمل "فرض" على معنى القول، تحكي بها الجملة بعدها. ويجوز أن يكون التقدير على الشّك من الرّاوي، كأنّ الرّاوي قال: "أو قال رسول الله ﷺ " (١)، انتهى. و"أو" هنا للتقسيم، لا للتخيير. والله أعلم. قوله: "قال": فاعله ضمير "ابن عمر"، و"عدل الناس" أي: "جعلوا عدْل الصاع من التمر نصفَ صاعٍ من البُرِّ". قال في "الصّحاح": قال الأخفش: "العِدْل" بالكسر "المثل"، و"العَدْل" بالفتح أصله مصدر قولك: "عدلت بهذا عَدلًا حسنًا"، تجعله اسمًا للمثل، ليُفَرَّقَ بينه وبين "عدل المتاع" (٢). وقال الفراء: "العَدْل" بالفتح "ما عادل الشيء من غير جنسه". و"العِدْل" بالكسر: "المثل"، تقول: "عندي عِدْل غلامك" و"عِدل شاتك"، إذا كان غلامًا يعدل غلامًا، أو شاة تعدل شاة، فإذا أردت قيمته من غير جنسه نصبت العين، وربما كسرها بعض العَرَب، وكأنّه منهم غلط، وقد أجمعوا على واحد "الأعدال" أنه: "عِدْل" بالكسر (٣)، و"العديل": "الذي يعادلك في الوزن" (٤). وتقدّم الكلام على حكم "على" في الخامس من "الجنابة". و"الباء" في قوله: "به" للتعدية، ويُضَمَّنُ "عَدَل" معنى "بَدَّل"، أي: "بدَّل

стр. 905

الناس بالصاع نصف صاع من بُرٍّ". و"الباء" في "بدل" عند الأكثرين تدخل على المتروك، وكذلك وقع هنا. قوله: "من": "من" هي الدّاخلة في تقدير التمييز، ولو قال: "نصف صاع بُرًّا"، صح المعنى. وقوله: "من بُرٍّ": يتعلق بصفة لـ "نصف صاع"، أي: "نصف صاع كائنًا من بر". قوله: "على الصغير والكبير": يتعلق أيضًا بصفة لـ "نصف صاع"، ويحتمل أن يتعلّق بحال من الضّمير الذي في الاستقرار المتعلق به "من بُرٍّ". قوله: "وفي لفظ": يتعلق بمحذوف، أي: "وروي في لفظ"، أو: "جاء في لفظ"، فتكون الجملة في محلّ رفع محكية، إمَّا بـ "جاء" وإمَّا بـ "روي"؛ فهو إسناد إلى اللفظ، لا إلى المدلول. قوله: "أن تؤدَّى": في محلّ نصب، بدلًا من قوله: "صدقة الفطر"، اي: "فرض أن تؤدَّى"، أو يكون محل "أنْ" نصبٌ أو جرٌّ، بتقدير الباء، أي: "فرض بأن تُؤدَّى". قوله: "قبل": ظرف زمان، وتقدّم الكلام عليها في الرّابع من الأوّل، والثالث من "التيمم". و"خروج الناس": مُضاف ومُضاف إليه، و"خروج" مصدر مُضاف إلى الفاعل، و"إلى الصّلاة" يتعلّق بالمصدر (١).

стр. 906

الحديث الثّاني: [١٧٥]: عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: "كُنَّا نُعْطِيهَا في زَمَانِ النبي ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، [أو صَاعًا مِنْ تَمْر] (١)، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ". فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيةُ، وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ قَالَ: أَرَى مُدًّا [مِنْ هَذِهِ] (٢) يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. (٣) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: "أَمَّا أَنَا، فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَما كُنْتُ أُخْرِجُهُ (٤) " (٥). (٦) قوله: "كنا نُعطيها": "كان"، واسمها. وجملة "نعطيها": الخبر. والضمير في "نُعطيها" يعُود على: "زكاة الفِطْر"، وإن لم يتقَدَّم لها ذكْر؛ لأنّه معلومٌ عند المخاطب، كما عُلِم في قَوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. (٧)

стр. 907

قالوا: ويعُودُ الضّميرُ على ما ينتجه [العقل] (١) والذهن، وذلك في مواضع، منها: - ١ - ضمير الأمر والشأن، نحو: "هو زيدٌ قائمٌ". ٢ - وفي تنازع الفعلين، نحو: " [ضرباني] (٢) وأكرمتُ الزيدين". ٣ - وفي نحو: "رُبَّه رَجُلا"، ونحو: "نعم رَجُلا زيد". ٤ - ونحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. ٥ - وفي قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]. (٣) إذا ثبت ذلك: فـ "نُعطيها": فعل، وفاعل. ومفعُولُ المفعول الثاني محذوفٌ، أي: "نُعطيها الفُقراءَ".

стр. 908

ويجُوزُ في باب "أعطى" حَذْفُ مَفْعُولي الفِعْل، وأحَدهما. ولا يجُوزُ في باب "ظَنّ" حَذْفُ أحَدهما. (١) وتقَدّم ذِكْر ذلك في الخَامِس من "الجنائز". ولا يجُوزُ الحذفُ في بابِ "أعطى" في مَواضِع، منها: - ١ - إذا خِيف اللبسُ، كـ "أعطيتُ زَيدًا عمرا". ٢ - أو كان الثاني محصورًا، نحو قولك: "ما أعطيتُ زيدًا إلّا درهمًا". أو ظاهرًا، والأوّل ضمير، نحو: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. (٢) قال ابنُ عُصفور في "المقرّب" ما معناه: من الأفعال ما يتعدّى إلى مفعولين - غير أفعال القُلوب - فيصل إلى المفعُولين بنفسه، وهو كُلّ فِعْل يطلُب مفعُولين، يكُون الأوّل منهما فَاعِلا في المعنى، نحو قولك: "أعطيتُ زيدًا درهمًا". ألا ترى أنَّ "زيدا" آخِذُ "الدرهم". أو يصل إلى الثّاني بحَرف الجر، نحو قولك: "اخترتُ من الرّجال عمرا". فيكُون - في هذين المثالين (٣) - حَذْفُ المفعُولين أو أحَدِهِما اختصارًا أو

стр. 909

اقتصارًا. فمن الاقتصار: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥، ٦]. ولا يجوزُ حَذْفُ حَرْف الجرّ، ووصْل الفِعْل إليهما بنَفْسه، إلا فيما سُمِع، وذلك في: "اختار"، و"استغفر"، و"سمّى"، و"كنّى"، و [دَعَى] (١) بمعنى "سَمّى". انتهى. (٢) فينقَسِم [مفْعُولا] (٣) "أعْطيتُ" ثلاثة أقسام: - ١ - قسمٌ يجب فيه تقْديم ما أصْله الفاعل. ٢ - وقسمٌ يجب فيه تقديم الثاني. ٣ - وقسمٌ يجُوز فيه الأمْرَان. فيجبُ تقْديمُ الذي أصْله الفَاعِل، وهو الأوّل، إذا: - ١ - خيف اللبس، كـ "أعطيتُ زَيدًا عمرا". ٢ - أو كان الثّاني محصُورًا، نحو: "ما أعطيتُ زيدًا إلّا دِرهمًا". ٣ - أو يكُون الثّاني ظَاهرًا، والأوّل ضَمير، نحو: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. ويجب تقديمُ الثّاني إذا: -

стр. 910

١ - اتصل الأوّل بضَمير الثاني، نحو: "أعطيتُ المالَ كُلّه مَالكه". ٢ - أو كان الأول محصورًا، نحو: "ما أعطيتُ الدّرهمَ إلّا زَيدًا". ٣ - أو يكون ضميرًا مُتصلًا، نحو قولك: "الدّرهم أعطيتُه زَيدًا". (١) فهُنا في الحديث: حُذِفَ الأَوّل؛ للعِلْم به، وأُبقي الثّاني ضَميرًا مُتّصلًا. قوله: "صَاعًا": بَدَلٌ مِن ضَمير المفْعُول، أي: "يعطى صَاعًا". وتحتمل الحال. و"مِن طَعَام": يتعَلّق بصَفة لـ "صَاع". و"أو": هُنا - قَالَ الباجي - على قَوْل جماعةٍ مِن أصْحَابنا، ليست للتخيير، وإنّما هِي للتقسيم. ولَو كَانَت للتخيير لاقتَضَى الحديثُ أنْ يُخرج الشّعير مَن قُوْتُهُ غيره، ومِن التمر مَن قُوْتُه الحنطة. (٢) ومِن أمثلة ذلك قولهم: "الكَلِمَة: اسمٌ أو فِعْلٌ أو حَرْفٌ". وجَعَلها ابنُ مالك للتقسيم، وغيره للتفصيل. (٣) ولـ "أو" أقْسَامٌ تقَدّمَت في الثّالث مِن "بَاب السّواك". قوله: "مِن طَعَام": "مِن" للتبعيض إذا أُريد بالطّعَام الحنْطَة، أو لبيان الجنس

стр. 911

إنْ أُريد الجنس من سَائر الأطْعِمَة. والأوّلُ أظْهَر. (١) وتقَدّمت أقسامُ "مِن" في العَاشِر مِن أوّل الكتاب. قوله: "فلمّا جَاء مُعَاوية": "لمّا" مع الماضي ظَرْفُ زَمَان بمَعنى "حين"، وعلى ذلك أكثر المعربين. واختار سيبويه أنّها حرفُ وجُوب لوجوب. وعلى الأوّل: يكون الفِعلُ الواقع بعدها في محلّ خَفْض بالإضَافة إليها. وعلى الثّاني: لا محلّ له. والعاملُ فيها جَوابها، عند الفارسي ومَن قَال بقَوله. (٢) وتقَدّم الكَلامُ على "لما" في الرّابع من "المذي". قوله: "قَالَ: أرَى مُدًّا": أي: "قال مُعَاوية". والرؤية هنا عِلْمية؛ لأنّه لا يُغيِّر ما كان في أيّام النبي ﷺ [ويتبع] (٣) فيه إلا بعِلْم. وقال [القاضي] (٤): هو رَأيٌ رَآه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 912

وقَد خُولِف في ذَلك. (١٢٦٤) ويحتمل أن تكُون بمعنى "الظنّ"، أي: "أظُنّ"؛ فيكون "يعْدل" المفعول الثاني، و"مُدًّا" مفعول أوّل، و"مُدّين" مفعول "يعْدل". قوله: "قال أبو سعيد: أمّا أنا": "أمّا" حرفُ تفصيل، يقع بعدها المبتدأ والخبر. (١٢٦٥) وتقَدَّم الكَلامُ عليها في السّادس من "باب الاستطابة". وجوابها هنا: "فَلا أزَالُ أُخرجه". قال أبو عُمر ابن عبد البر: فلمّا قَدم مُعَاوية من الشّام كان مما كَلّم به النّاس أنْ قَال: "ما أرَى مُدّين من سَمراء الشّام إلا تعْدِل صَاعًا مِن هذا"؛ فأخَذ النّاسُ بذلك. (١٢٦٦) [فقوله] (١٢٦٧) في الحديث: "فلما جاء مُعاوية": يُريد: "من الشام إلى المدينة". قوله: "وجَاءَت السّمراء": أي: "حُملت السّمراء إلى المدينة" (١٢٦٨)،

стр. 913

فالأوّل (١) في حَقّ مُعَاوية حَقيقة، والثاني مَجَاز. و"لا أزَالُ": من أخَوَات "كان"، ترفَع الاسم، وتنصِب الخبر (٢)، اسمها مُستتر فيها، وخبرها في جملة "أُخْرجه". وأصْلُ "زال": "زَوِل"، بكَسْر الواو، ومُضَارعها: "يزال". قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ﴾ [المائدة: ١٣]. وليست هذه "زال": "تنحّى" و"انتقل"؛ لأنّ مُضَارع هذه: "يزول"، وماضيها: "زَوَل"، بفتح "الواو". (٣) ومنه قَول كَعْب: زَالُوا، فَمَا زَال أنْكَاسٌ، وَلَا كُشُفٌ ... عِنْدَ اللّقَاءِ، ولَا مِيلٌ مَعَازِيل (٤) وتقَدّم الكَلامُ على "زَال" وأخَواتها في الحديث الأوّل من "فضل الجماعة". قوله: "كما كُنتُ أُخرجه": "الكَافُ" نَعْتٌ لمصْدر محذُوف، أي: "إخراجًا مثل

стр. 914

ما كنتُ أخرجه". واختار سيبويه أن تكُون حَالًا من المصْدَر المفهُوم من الفِعْل المتَقَدِّم بعد الإضمار على طَريق الاتّسَاع (١)؛ فيكُون التقديرُ: "فلا أزَالُ أُخْرِجه الإخراج مِثْل ما [أخرجته] (٢) ". والضّميرُ في"أُخْرجه" يعُود على "الصّاع"، أو يعُود على " [الواجب] (٣) ". و"مَا" مع "الكَاف" مَصْدَريّة، أي: "كإخْراجي"، أو " [ككَونه] (٤) أُخْرجه"، إنْ قُلنا: إنّ "كَان" لها مَصْدَر. (٥) وتقَدّم الكَلامُ على إعْرَاب "كَما" في الثّاني من "الجنابة"، وفي الخَامس مِن "الصّلاة". والله أعْلم. ***

стр. 915

كتاب الصّيام الحديث الأوّل: [١٧٦]: عَنْ أَبِي هُريرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، [ولا] (١) يَوْمَيْنِ، إلَّا [رَجُلًا] (٢) كَانَ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ" (٣). قوله: "لا تَقَدّمُوا": "لا" ناهية. و"تَقَدّموا": فعلُ مُضارع، وفاعل، مجزوم بالنهي، وعلامةُ الجزم حذفُ "النون". وأصْلُ "تقَدّمُوا": "تتقدّموا"، حُذف منه إحدى التاءين، قيل: "تاء" الفِعْل، وبقيت "تاء" المضَارع؛ لأنّها جاءَت لمعنى. وقيل: حُذِفَت "تاء" المضَارعة؛ لقيام "تاء" الفِعْل مَقَامها، ودلالتها عليه. وشرْطُ هذا الحذف: أن تتماثل الحرَكَتان، كقوله تعالى ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ومنه: "لَا تَحَاسَدُوا" (٤). وأما إن اختلفت الحرَكَتان - مثل: " [تتغافر] (٥) " و"تتعَلّم الحِكْمة" - لم يجز الحذف؛ لاختلاف الحرَكَتين. (٦) و"رمَضَان": مفعُولٌ به. وهو لا ينصرف؛ للعَلَمية وزيادة الألف والنون.
следующие страницы →