← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وتقَع "الكَاف" في الخِطَاب للمُفْرَد المُذكّر مفْتُوحة، ويُكتَفَى بها عَن الجماعة. (١) والعَامِلُ في "بَيْنَا" الخبر، أو العَامِلُ: "أُتِيّ النبي"، والتقدير: "بين أوْقَاتٍ نحْن فيها كَذلك أُتِيَ النبي". (٢) و"العَرَقُ": جمعُ "عرقة"، وهِي ضَفيرة تُجْمَع إلى غَيرها. ورُوِي: "بعرق" (٣) بسُكُون "الرّاء". (٤) قوله: "فيه تمرٌ": يتعَلّق بصِفَةٍ للعَرَق. قال: "والعَرَقُ: المِكْتَل": مُبتدأ وخَبر. قوله: "قَالَ": أي: "النبي ﷺ ". "أين السّائِل؟ ": مُبتدأ وخبر، الخبرُ في "أين". (٥) وهي (٦) سُؤالٌ عَن المكَان، مَبنيّة؛ [لتضَمّنها] (٧) معْنى حَرْف الاستفهام. (٨)

стр. 947

وتكُون للشَّرْط؛ فتَجْزم الفِعْل المضَارع (١). وتستغرق في السّؤال جميعَ الأمْكِنة، ولذلك إذا قُلت: "أين زَيد؟ " يلزَم المجيب أنْ يُعيّن مَكَانه، بخِلافِ السّؤال بـ "الهمْزَة"، فَلَو قُلت: "أزيدٌ في [الدّار] (٢)؟ " فإنّه إنْ لم يكُن في الدّار يُجيبك بـ "لا"، ولا يلزمه أنْ يُجيب بتَعيين مَكَانه؛ لأنّ السّؤالَ ليس مُسْتغْرقًا جميعَ الأمكنة. (٣) وأمّا عِلّة بنَائِها في الشّرْط: فلتضَمّنها معْنى حَرْف الشرط. (٤) وتقُول في الاستفهام: "أين [زيد] (٥) قائمًا؟ " و"قائم"، فـ "زيد" مُبتدأ، والخبرُ في الظّرف. ولك نصب "قائمًا" على الحال من ضَمير الاستقرار في الظرف، [والرّفع] (٦) على أنّه خبر "زيد". (٧) و"متى" في موضع نصْبٍ على الظّرفية، العَامِلُ فيها "قائم". فإنْ قُلت: "متى زَيدٌ قَائم؟ " لم يجز في "قائم" إلا الرّفع؛ لأنّ "متى" ظَرفُ زمان، وظُروفُ الزمان لا

стр. 948

تكُونُ أخبارًا عن الجثَث. فَلَو قُلْت: "متى انطلاقك سَريعٌ؟ " جَاز: "سَريعًا"؛ لأنّ الانطِلاقَ حَدَثٌ، وظُروفُ الزّمَان تكُون أخْبارًا عن الأحْدَاث. (١) قَالَ أبو الفتح ابن جني: إذا رَفَعتَ "سريعًا" فـ "متى" تكُون حَالًا للانطلاق. وَلو قُلْت: "متى زَيد جَالِسٌ؟ " لم تكُن "متى" حَالًا؛ لأنّ ظُروفَ الزّمان كما لا تكُونُ أخْبارًا عَن الجثَث لا تكُونُ أحْوالًا لها. (٢) والخبرُ هنا واجبُ التقديم. والمواضعُ التي يجب فيها تقديم الخبر: - ١ - أن يكون اسم استفهام، كما في المثال المتقَدِّم. ٢ - أو يكون المبتدأ نكرة، لا [مُصحّح] (٣) للابتداء به إلا تقديم الخبر عليه ظرفًا أو مجرورًا، نحو: "في الدّار رَجُل". ٣ - أو يكُون المبتدأ اتصَل به ضمير يعُود على الخبر، نحْو: "في الدّار صاحبها". ٤ - أو يكون المبتدأ "أنّ" واسمها وخبرها، نحو قولك في: "عِلْمي أنّك مُنطلقٌ". (٤) [فائدة] (٥): شَرَط "الشلوبين" في مُسَوّغ الابتداء بالنَّكرة إذا كان ظَرفًا أو مجْرورًا: أن يكُون

стр. 949

الظَرفُ مَعرفة، نحْو: " [في الدّار] (١) رَجُل" و"عنْدك امرأة". قَالوا: والصّوابُ ألّا يُشْترَط إلا الاختصَاص، وإلّا وَرَدَ عليه: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، و"على كُلِّ سُلَامَى مِنَ ابن آدم صَدَقَةٌ" (٢)، و"لكُلّ سَاقِطةٍ لاقِطَةٍ"، و"لكُلّ جَدِيدٍ لَذّة" (٣)، و"لكُلّ قَادِمٍ دَهْشَة". (٤) قُلتُ: وانظُر إلى هَذه الأمثلة التي اعترض بها؛ كُلّها مُقترنة بـ "كُلّ"، وذلك لأجْل معنى فيها، وهو أنّها لَو عُرّفت بالألِف واللام لم يجُز إضافتها، وهي لا تُستَعْمَلُ إلا مُضَافة، ولأنّ فيها مَا يقُوم مَقَام التعريف، وهو العُموم. (٥) ***** ويجبُ تقْديمُ المبتدأ إذا كَان: - ١ - اسم شَرْط، نحْو: "مَن يَقُم أقُم مَعه". أو اسم استفهام، نحْو قولك: "أيّ رَجُل قام؟ ". أو "كيف" أو "كَم" الخبَريّة، نحو قولك: "كَم رَجُل عِنْدك! ". أو "مَا" التعجّبية، نحو قولك: "مَا أحْسَن زَيدًا! ". ٢ - أو يكُون المبتدأ والخبر مَعْرفتين، أو نَكِرَتين، نحو قَولك: "زيد أخوك"، و"أفضلُ مني أفضل منك".

стр. 950

٣ - أو يكُون المبتَدأ مُشبهًا بالخبر، نحْو قَولك: "زَيد زُهَير شِعْرًا". ٤ - أو يكُون المبتدأ ضَمير أمْر وشأن، نحو قولك: " [هو] (١) زيدٌ قائم". ٥ - أو يكُون المبتدأ مخبرًا عنه بفِعْل، فاعله أو مفعوله الذي لم يُسَمّ فاعله مُضْمَران، نحو قَولك: " [زيدٌ] (٢) قَام"، و"زيد ضُرب". ٦ - أو يقع الخبرُ بعد "إلّا"، نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. أو معنى "إلّا"، نحو: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]. [وما عَدا] (٣) ذلك: فأنت فيه بالخيار. (٤) قوله: "قَالَ: أنا": أي: "قَالَ السّائلُ: أنا". فـ "أنا" مُبتدأ، خبره محذوفٌ، أي: "أنا السّائل". أو خبر (٥) مُبتدأ محذوف، أي: "السّائلُ أنا". (٦) والمبتدأ ينقَسِم بالنّظر إلى الإثبات والحذف ثلاثة أقسام: - ١ - قِسْمٌ يلزمه فيه إثباتُ المبتدأ. ٢ - وقِسْمٌ يلزمه فيه حَذفه.

стр. 951

٣ - وقِسْمٌ أنت فيه بالخيار. (١) فأمّا حَذْفُه وجُوبًا: فتقَدّم في الرّابع عَشر مِن "الجنَابة". وأمّا وجُوبُ إثباته: فهو إذا كَان "مَا" (٢) التعجّبية، نحو: "مَا أحْسَن زيدًا"، ولا يجوزُ حَذْفها؛ لأنّ التعَجّبَ جَرى مجرَى المعتلّ، فلا يتغَير، وكذا كُلّ مُبتدأ لو حُذف لم يكُن عليه دَليل. (٣) وأمّا الذي أنْت فيه بالخيار: فكُلّ مُبتدأ إذا حُذف كَان له ما يدلُّ عليه، كقولك: "المسك" إذا شَمَمت رائحة، و"الهلال" إذا رَأيته، ويجُوزُ إظهاره مع ذلك. (٤) إذا ثبت ذلك: فجُملة "أنَا" المقَدّر وخَبره في محلّ نصب بالقول. قوله: "قَالَ": أي: "النبي ﷺ ": "خُذْ هذا" تقَدّم الكَلام على "أخَذ" في السّادس مِن "الاستطابة". وأصْلُ الأمْر منه: "أُؤْخُذْ"، واستُثقِلت الهمزتان، فحُذفت الأولى، ثم حُذفت

стр. 952

الأخْرى؛ لثِقَل توالي ضَمّتين. (١) و"هذا": مفعولٌ لـ "خُذ"، ولا يظهر إعرابه؛ لأنّه من أسماء الإشارة. وال "هَا" للتنبيه، و"ذا" الاسم. (٢) وتقُولُ: "ذلك"، ولا تقُولُ: "هَذلك"؛ لأنّه لا يُجمَع بين "اللام" وحرف التنبيه. (٣) وتقَدّم في الثّالث من "باب استقبال القبلة". ويجوز أن يكُون "هذا" مُنَادَى، على مَذْهَب مَن أجاز حَذْفَ حرف النّداء من اسم الجنس واسم الإشارة. (٤) قوله: "فتَصَدّق به": "الفَاءُ" جَوابُ الأمر. و"تصَدّق": فعلُ أمر من "تصَدَّقَ". قوله: "على أفْقَر منِّي": يتعَلّق بفِعْل محذُوف يدلّ عليه الكَلام، أي: "لا أتصَدّق به على أفقر مني"، أي: "على أحَدٍ أفقَر منّي"، فهو قائمٌ مَقَام موصُوفه. ورُوي في "مُسلم": "أَفْقَرَ مِنَّا؟ " (٥) بإسْقاط حَرف الجرّ؛ فيحتمل أنْ يكون مَنْصُوبًا، أي: " [أتجد] (٦) أفقرَ منّا؟ ". ويحتمل أن يكون التقدير: "أتُعطي أفقرَ منّا؟ ".

стр. 953

ويجوز الرفعُ بتقدير: "أيُوجَد أفقرُ منّا؟ "، أو: "مَن في الناس أفقرُ منّا؟ "، ويجوز أن يكُون بحَذف حَرْف الاستفهام، أي: "أأفقرُ منّا يُوجَد؟ ". (١) و"أفقر": أفعلُ التفضيل، ولم تنطق العَرب بفِعْله، ونطقوا باسم فاعله؛ فقالوا: "فقير"، ولم يقُولوا: "فَقُر". وعن سيبويه: أنّه لم يُسْمَع. (٢) واستُعمل "أفْعَل" هُنا بـ "مِن"، وله [ثلاثة] (٣) استعمالات: بالألف واللام، والإضافة. (٤) و"مِن" مَعناها معه التبعيض. وقيل: لابتداء الغَاية. (٥) وتقَدّم حُكم "أفعَل التفضيل" في الأوّل مِن "الصّلاة". قوله: "يا رسُولَ الله": مُنادَى مُضَاف. وتقَدّم الكَلامُ على "يا" في النّداء في الرّابع من "الجنابة". قوله: "فوالله": قسَمٌ، جَوابُه "مَا". وقَد تقَدّم ما يُجاب به القَسَم في الثّاني من "باب الصفوف"، وفي العَاشر من "كتاب الصّلاة".

стр. 954

قوله: "بين لابتيها": ظرفٌ، ومخفوضٌ به، وعلامَة جَرّه: "الياء". ويُقال: "لابة" و"لوبة" و"نوبة" بالنون. ومنه قيل للأَسْوَد: "لُوبيّ" و"نُوبيّ" باللام والنّون. وجمعُها: "لُوَب" و"لاب" و"لابَات". (١) و"أهْلُ بَيْت": مُبتدأ، والخبر في "بين"، والعامل فيها. و"أفْقَر": صِفَة للمُبتدأ. ويحتمل أن تكُون خبر مُبتدأ محذوف، أي: ". . . هُم أفْقر من أهْل بيتي". هَذا على أنَّها (٢) التَميمية. ولك أنْ تجعلها الحِجَازيّة؛ فيكُون "أهْل بيت" اسمها، و"أفقر" خبرها، ويكُونُ الظرفُ مُتعَلقًا بالخبر، وهو "أفعَل"، وذلك جائزٌ في ["أفْعَل"، مِن نحْو] (٣) قَولك: "زَيدٌ عِنْدك أفْضَل من عَمرو". ولا يَبْطُل عَمَل "مَا" بالفَصْل [بمعْمُول] (٤) الخبر، نحو قَولك: "ما عندي زيدٌ قَائِمًا"، قاله ابن مالك وغيره. (٥) وأما قوله: "يُريد الحَرّتَين": جُملة مُفسرة، لا محلّ لها من الإعراب. والجمَلُ التي لا محلّ لها تقَدَّمت في الأوّل من الكتاب. قوله: "فضَحِك النبي ﷺ ": معْطُوفٌ على مَا قبله. وجملة ﷺ : مُعترضة، لا محلّ لها. قَالَ في "الصّحاح": يُقال: "ضَحِك، يَضْحَك، ضَحِكًا" بفتح "الضّاد"

стр. 955

وكسرها، و"ضَحِكًا" بكسر "الحاء"، و"ضِحِكًا" بكسر "الضّاد" و"الحاء". (١) قوله: "حتى بَدَت أنيابه": تقَدّم الكَلامُ على "حتّى" في الثّاني من أوّل الكتاب، وهي هُنا حَرفُ ابتداء (٢). و"بَدَت": مِن "بَدَا، يبْدو". (٣) وقد تقَدّم في الحادي عشر من "باب صِفَة الصَّلاة". و"أنيابه": جمعُ "نَاب"، أصْله: "نَيَبَ"، تحرّكت "الياء"، وانفتح ما قَبلها؛ فقُلبت ألِفًا. (٤) وتتعلّق "حتّى" بـ "ضَحِك". قوله: "ثُمَّ قَالَ": "ثُمّ" تقَدّمَت في الثّاني مِن "بَابِ الجنَابَة". وجُملةُ "أطْعِمْه أهْلَك": في محلّ مَعْمُول القَوْل. ***

стр. 956

باب الصّوم في السفر وغيره [الحديث الأوّل] (١): [١٨٣]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : [أَصُومُ] (٢) في السَّفَرِ؟ - وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ -. فَقَالَ: "إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ" (٣). قوله: "عن عائشة: أنّ حمزة": الاسمان لا ينصرّفان، للعَلمية والتأنيث. (٤) و"الأسلَمي": نعْتٌ لـ "حمزة". قوله: "قال للنبي": الضميرُ في "قال" يعود على "حمزة". والجملة في محلّ خبر "أنّ". و"أنّ" وما عَملت فيه في محلّ معمول، مُتعلّق حرف الجر. قوله: "أصُومُ في السّفر؟ " لا: أصلُه: " [أأصُوم] (٥) في السّفر؟ "، فحُذفت همزة الاستفهام، لاجتماعها مع حَرف المضَارعة، وقد كثر حَذفُها في القُرآن، منه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]، أي: "أوَتِلك نِعْمةٌ تمنّها عَليّ؟ "، ومنه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] (٦)

стр. 957

وجملة "أصُوم في السّفر؟ " معْمُولة للقَول. واعلم أنّ "الألِف" أصْلُ أدْوَات الاستفْهَام؛ ولهذا اختُصّت بأحْكَام: - أحدها: جَوازُ حَذْفِها، سَواء تقَدّمت على "أم" أم لا. ومنه قَول عُمَر: فَوَالله مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا ... بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمان (١) أراد: ["أبسَبْع"] (٢). ومن ذلك قول الكُميت: طَرِبْتُ وَمَا شَوْقًا إِلَى الْبِيضِ أَطْرَبُ ... وَلا لَعِبًا مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلِعَبُ (٣) أي: "أوَذُو. . .؟ ". والثّاني: أنّها تَرِد لطَلَب التصَوّر، نحْو: "أزَيدٌ هَذا أم عَمرو؟ ". ولطلَب التصديق، نحو: "أزيد قائمٌ؟ ". و"هل" مختصّة بطَلَب التصديق، نحو: "هل قَامَ زيد؟ ". الثالث: أنها تدخُل على الإثبات - كما تقَدّم - وعلى النفي، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ

стр. 958

نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١]. (١) قوله: "وكَان كثيرَ الصّيام": اسمُ "كان": ضَميرُ " [ابن عمرو] (٢) "، و"كثير" خبرُ "كَان"، وهو مُضَافٌ إلى الفاعل، أي: "كثير صيامه". والجملة من "كان" واسمها وخبرها مُعترضَة، لا محلّ لها من الإعراب. قوله: "قال": فاعلُه: "النبي ﷺ ". قوله: "إنْ شئت فصُم": الشرطُ وجوابه معمولُ القول. و"شئت": تقَدّم الكَلامُ على تصريفها ومَادّتها في الحديث السّادس من "باب الإمامة". وأصله: "شَيئَ" على وزْن "فَعِلَ" [بكسْر] (٣) "العَين". وإذا أُسند إلى ضمير الفاعل، [وهو] (٤) "التّاء" - كمَا جَاءَ هُنا - أو "النون"، نحو: "شيئن"، أو "نا"، نحو: "شيئنا"؛ سكن آخره، ونُقلت حركة المعتلّ - وهي الكسرة - إلى "الشّين"، وهي "فاءُ" الكلمة؛ فسكن حرف العلّة، والآخر سَاكِن للضّمير؛ فحُذف حَرْفُ العلّة لالتقاء الساكنين. ومذهَبُ المبرد أنّ أصْله "فعَل" بفتح "العَين"، فلما اتصل بالضّمير ذهبت "الألِف" المنقَلبة عن "عَين" الكَلمة؛ لالتقاء السّاكنين، وكُسرت "الشِّين" لتَدلّ على

стр. 959

أنّ المحذُوفَ "ياء"، كما في "بِعْت". (١) قولُه: "فصُم": "الفَاءُ" في جواب الشّرط سَبَبية. وللفَاء أقسامٌ تقدّمت في السّادس من "الاستطابة"، و"إن" الشرطية في السّابع من "الجنابة"، و"إنّ" المكْسُورة المشدّدة في الرّابع من أوّل الكتاب، وفيه الكَلام على مواضع فتحها وكسْرها. و" [على] (٢) " تقَدّمَت في الخامس مِن "الجنَابة". الحديث الثّاني: [١٨٤]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: "كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ على الْمُفْطِرِ، وَلا الْمُفْطِرُ عَلى الصَّائِمِ" (٣). قوله: "كنّا نُسَافر": "كان"، واسمها. والأصْلُ في "كان": "كون"، تحرّكت "الواو"، وانفتح ما قبلها؛ فقُلبت ألِفًا، فصَار "كَان". فلما اتّصل بها الضّمير سكن آخر الفِعْل لأجْله؛ فاجتمع سكون "النون" وسكون "الألِف"، فحُذِفَت "الألِف" لالتقاء الساكنين، ثم أُدْغِمت "نُون"

стр. 960

الفِعْل في "نُون" الضّمير، وضُمّت "الكَاف" لتَدُلّ على "الواو" المحذُوفة. (١) وخَبرُ "كَان" في جملَة "يُسَافر". و"مَع": تقَدّم الكلامُ عَليها في الحديثِ الأوّل مِن "المسْح على الخفّين". قوله: "فَلَم": "الفَاءُ" عاطفة لا [سَبب] (٢) فيها. (٣) "لم يَعِبْ": حَرْفُ جَزْم لنَفْي الزّمَان الماضي المنقَطِع مِن زَمَان الحال. (٤) وتقَدّمَت في الثّالث من "باب المذْي". و"يَعِبْ": فِعلُ مُضارع مجزوم بها. والجملة معطُوفةٌ على ["كُنّا"] (٥). وفي غير هذا الحديث زيادَة تُبيّن وَجْه الكَلامَ هُنا، قَال فيها: "كُنَّا نُسَافِر مَع النبي ﷺ ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَم يَعِبْ الصَّائِمُ على الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ على

стр. 961

الصَّائِمِ" (١)، والحديثُ يأتي بَعْد. وقوله: "يَعِبْ": أصْلُ مَاضيه: "عيب"، تحرّكَت "الياء"، وانفَتَح ما قبلها؛ فقُلبت ألِفًا، [وجَاء] (٢) مُضَارعه "يَعِيب"، فلما دَخَل الجازم حَذَف "اليَاء"؛ لسكُونها وسكُون "البَاء". (٣) قوله: "على المفْطِر": يتعَلّق بـ "يَعِبْ". والألِفُ واللام في "الصّائم" مَوصُولة بمَعنى "الذي"، وتقَدّم الخلافُ في حَرْفيّتها. (٤) و"لا" في قوله: "ولا المفْطِر" نافية، مُؤكِّدة للنّفْي قبلها. والتقدير: "ولا يَعِيبُ المفْطِرُ على الصّائم".

стр. 962

فـ "على" يتَعَلّق بالفِعْل المحْذُوف؛ لدلَالَة مَا قَبْله عَليه. الحديث الثالث: [١٨٥]: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في شَهْرِ رَمَضَانَ، في حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إنْ كَانَ أحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ على رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ، إلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ" (١). قوله: "خرَجنا مَع رسُول الله": جملة معمُولة للقَول، والمراد: "مُسافرين"، فحَذَف الحال؛ لأنّها فَضْلة، لا عُمْدَة؛ وفي الكَلام ما يدلُّ عليها. (٢) و"مَع": تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الأوّل من "المسح على الخُفّين"، وتتعَلّق بـ "خَرَجْنا". و"في شَهْر": يتعَلّق بحَال، أي: "حاجّين" أو "مُسافرين". أو يتعَلّق بـ "خَرَجْنا". و"رَمَضَان": لا ينصرف؛ للعَلَمية مع زيادة الألف والنون. (٣) و"الشّهر": مَصدر "شَهر يشْهر"، إذا "ظَهَر". وهُو اسمٌ للمُدّة الزّمانية المعْلومة. وقَالَ الزَجّاج: "الشّهرُ": "الهلالُ". وقيل: يُسمّى "الشّهر" باسم "الهلال". والعَرَبُ تقُول: "رَأيتُ الشّهرَ"، أي: هِلاله. ويُقَال: "أشْهَرْنا"، أي: " [أتَى علينا] (٤) شَهْرٌ".

стр. 963

قال الفرّاء: لم أسْمَع فيه فِعْلًا إلا [هَذا] (١). وقال الثّعلبي: يُقَال: "شَهَرَ الهلالُ" إذا "طَلَع". ويجمَع في القِلّة على "أشْهُر"، وفي الكثرة على "شُهور"، وهما مَقِيسَان فيه. (٢) و"رَمَضَان": علمُ جنس لشَهر الصّوم. ويجمَع على "رمضانات" و"أرمضة". وقال الزّمخشري: مَصْدره: "رَمِض" إذا "احترق من الرّمْضَاء". ويحتاجُ إلى نقْل؛ لأنّ "فَعَلان" ليس مَصْدَره " [فَعِل] (٣) " لازم، بل إنْ جَاء فيه كَان شَاذًّا. والأوْلى أنْ يكُون مُرْتجَلًا لا مَنْقُولا. (٤) قولُه: "في حَرٍّ": يتعلّق بمُتعَلّق "في شَهر". ويحتمَل أنْ يكُون بدَلًا من حَرف الجرّ الأوّل، والتقديرُ: "وَقْت حَرّ" و"شَديد": صِفَة لـ "حَرّ". و"شَديد" "فَعيل"، من "شَدُد"، فهو "شَديد". قوله: "حتى [إنْ كَان أحدنا] (٥) ": يتعلّق بما يتعَلّق به "في شَهر". وتقَدّم الكَلامُ على "حتّى" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.

стр. 964

و"إن" هُنا هي المخفّفة مِن الثّقيلة. واللام في "ليضع" الفَارقَةُ بين "أن" النّافية والمخفّفة. وقال الكوفيون: هي هُنا نافية، واللام بمَعْنى "إلا". (١) وقَد تقَدّم الكَلامُ على "إنْ" المخَفّفَة [في] (٢) الثّاني مِن "باب التسوية"، وفي الأوّل من "كتاب الزّكاة". وتقَدّم في الرّابع من أوّل الكتاب أنّ "حتّى" إذا وقع بعدها "إنّ" وَجَب كسرها. (٣) وكان حَقّ موضع "اللام" الداخلة في خَبَرٍ، أنْ تكُون في جملة "كَان"؛ لأنّها [الخبر] (٤). لكنّ الجمْلة إذا وَقَعَت خبرًا لـ "إنْ" جَاز أنْ تدخُل "اللام" في أحَد أجزَائها، كقَوله تعَالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. (٥) قال أبو البقاء: وقولُ الكوفيين أنّ "إنْ" بمعنى "ما"، و"اللام" بمعنى "إلّا" ضَعيفٌ جِدًّا. (٦)

стр. 965

قالوا: وظاهِرُ كَلام الزّمخشري أنّ "إنْ" هُنا عامِلَة في ضَمير الشّأن، كأنّه قَال: "حتّى إنّ الشّأن [والحديث] (١) ". (٢) وقَال أبو البقَاء في قَوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]: اسمُها محذوفٌ، أي: "وإنّا وجدنا". (٣) فقَدّرَه غَير ضَمير الأمْر والشّأن، وضُعِّف، بل قَال بعضُهم: هو فاسِدٌ؛ لأنها إذا خُفّفت لا يكُونُ اسمها [إلا ظَاهرًا] (٤)، كقَوله تعَالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ (٥) على قراءةِ النّصب والتنوين. (٦) قال ابنُ عصفور: ولا يكُونُ اسمُها مُضْمَرًا، إلّا في ضَرورة. (٧) فتلخّص من ذلك أنّ الأكثرين على أنه لا عمل لـ "إن" المخفّفة، وسواء دخَلت على جملة اسمية من مُبتدأ وخبر، أو على جملة فعلية. (٨)

стр. 966

ويجري في "إنْ" هنا الوجْهان المتقَدّمان، من الحذْف، ومن ضمير الأمر والشّأن. فالتقدير مع الحذف: "حتى إنّا كُنّا". والتقدير مع ضمير الأمر والشأن: "حتى إنّ الأمر والشأن كُنّا". قوله: "من شدّة الحر": يحتمل أن يتعلّق بـ "يضع"، وجاز؛ لأنّ حَرْفي الجر مختلفي اللفظ (١). ويحتمل أن تكون "مِن" سَببية، أي: "بسبب شدّة الحر"، أو بمعنى التعليل، أي: "لأجل". ويحتمل أن تتعلّق بحال، أي: "خائفًا من شدّة الحر". وقد يجوز تقدير غير الكون إذا فُهم المعنى. قوله: "يضَع": أصلُه: "يوضَع". (٢) وهو كـ "يقَع"، وقد تقَدّم في الحديث الرابع من "الإمامة" توجيه ذلك وتصريفه. الحديث الرّابع: [١٨٦]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ". قَالُوا: صَائِمٌ. قَالَ: "لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" (٣). وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ" (٤). قوله: "كَان رسُول الله ﷺ في سَفَر": حرفُ الجر يتعلّق بخبر "كان"، واسمها

стр. 967

وخبرها في محلّ معمُول القَول. قوله: "فرأى زحامًا": معطوفٌ على "كان". و"زحامًا": مفعول "رأى"، والرّؤية بَصَريّة؛ فيتعدى إلى واحد. (١) والمرادُ بـ "الزّحام": "المزاحمة". قال في "الصّحاح": "زحمته" و"زاحمته". و"الزحمة": "الزحام". (٢) "ورجُلا قد ظُلل عليه": "رجلا" معطوفٌ على "زحامًا". وجملة "قد ظُلّل عليه" في موضع صفة لـ "رجُل"، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤، ١٤١]. (٣) وحرفُ الجر يتعلّق بـ "ظُلّل". و"ظُلّل": مبني لما لم يُسمّ فاعله، والقَائم مقَام الفاعِل [المجرور. والمعنى] (٤): "ظُلّل عليه بثوبٍ أو كِسَاء"، أي: "جُعل عليه ظِلّ". (٥) ويحتمل أن يكُون المفعولُ الذي لم يُسمّ فاعله ضَمير يعُود على "الرّجُل"، أي: "ظُلّل هو"، أي: "جُعل عليه ظِلٌّ". وقد تعَدّى في قَوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، أي: "جَعَلنا الغمامَ عليهم". (٦) ويكُونُ التقْدير هُنا: "ظُلل بثَوبٍ عليه"؛ فيتعلق "عليه"

стр. 968

بصفةٍ للمَحذُوف. قولُه: "فقال": أي: "النبي ﷺ ": "ما هذا؟ ": "ما" مبتدأ، والخبر "هذا"، والجملة معمُولة للقَول. ووَقَع السّؤالُ بـ "ما" الواقعة على ما لا يَعْقِل؛ لأنّه أراد الزحام والتظليل والرجُل، فاختَلَط مَن يعْقِل بما لا يَعقِل. (١) ووَقَع الجوابُ بقولهم: "صَائمٌ"؛ ليُطّابق السّؤالَ، فهو خبرُ مُبتدأ محذوف، أي: "هو صَائمٌ". وتقَدّم في الحديث السّابع من "الصّيام" قبل هَذا [المواضِع] (٢) التي يجب فيها حذفُ المبتدأ، والمواضع التي يجُوزُ حَذْفه فيها. وتقدّم حُكمُ حذف الموصُوف في الثاني من "التيمّم". قوله: "قال النبي ﷺ : ليس من البرّ الصّيام": "ليس" واسمها وخبرها، الخبرُ تقَدّم في المجرور (٣)، وبه يتعَلّق حَرْف الجر. و"في السّفر": يتعلّق بـ "الصّيام". وتقَدّم الكَلامُ على "ليس" في الأوّل من "الحيض". قوله: "ولمسْلم": حَرْفُ الجرّ يتعَلّق بمُقَدّر، أي: "وَجَاء لمسلم" أو "رُوي لمسلم".

стр. 969

و"اللام" تُسَمّى "لام النّسْبة"، كَما تقُول: "لزَيدٍ [عَمٌّ] (١) ". (٢) وتكُونُ جملة "عليكُم برُخْصَةِ الله" فاعِل "جاء" على الحكاية، أو مفعول "رُوي" على الحكاية أيضًا. قوله: "عليكم برُخْصَة الله": المرادُ بـ "عليكم" هُنا الإغراء. وهي اسمُ فِعْل. [وأسْماءُ] (٣) الأفعَال بحَسب ما تكُون له، إن كان الفعلُ مُتعدّيًا فهي مُتعدّية، وإن كان لازمًا كانت لازمة. (٤) فههنا وقع "عليكم" في موضع "الزموا"، وهو مُتعدّي، أي: "الزموا رُخصة الله"، ثم دخلت "الباء" للتقوية في التعدية. [أو] (٥) تقُول: "عليكُم" اسم لـ "خُذوا"، فتعَدّى بـ "الباء" كذلك، أي: "خُذوا برُخصة الله، وتمسّكُوا بها". و"الكاف" في موضع جَر؛ لأنّ اسمَ الفِعْل هو الجارّ والمجرور جميعًا. (٦)

стр. 970

قَالَ أبو حيّان في قوله تعَالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]: إغراءٌ، وهو اسمٌ للفِعْل. [وإن] (١) كَان الفِعْلُ مُتعدّيًا كَان اسمه مُتعدّيًا، وإلا كَان لازمًا. و"عليكُم" هُنا اسم لـ "الزم"، وهو مُتعَدّ. و"أنفسكم" مفعولٌ به. ويجوز أن يُؤتى بالضّمير المنفَصِل أيضًا، فتقُول: "عليك إيّاك". (٢) و"الكاف" في مَوضِع جَر؛ لأنّ اسمَ الفعل هو الجارّ والمجرور. (٣) و"على" لم تُستعمَل وحْدها اسم فِعْل، بخلاف "رويدكم"؛ فإنّ "الكاف والميم" هناك حَرف للخِطاب فقط، لا مَوْضِعَ لها؛ لأنّ "رويد" قد استُعملت اسمًا للأمر للمُواجهة من غير [كاف] (٤) الخطَاب. وقيل في "عليك" و"رُوَيد" و"صَه" و"هَيْهات ذلك": إنّ مَوضِعها نَصْب، لأنّها عبارة عَن [لَفْظ] (٥) الفِعْل، فأشبهت المصَادر النائبة عن الفعل. (٦) وزَعَم بعضُهم أنّ مَوضِعها رَفْعٌ بالابتداء، وقَد سَدّ فاعِلُها مسَدّ الخبر. وعلى هذا: في "عليك" ضَميران، مُستَكِنّ مَرفُوع، وبارز مجرور، فإذا جئت بتَابع؛ جَاز رَفعه حملًا على ضَمير الفَاعِل، كقَولك: "عليكُم أجمعون" رفعت حملًا على الفَاعِل، و"عليكُم أجمعين" حملًا على "الكَاف". (٧) ويحتمل أنْ يكُون قولُه هُنا "عليكُم برُخْصَة الله" فيه مفعُولٌ محذُوفٌ، أي:

стр. 971

"الزمُوا أنفُسَكُم رُخْصَة الله". قوله: "التي رَخَّص لكُم": "التي" اسم ناقِص. و"رَخّص" في محلّ الصّلة، والعَائِدُ محذُوفٌ، أي: "التي رَخّصها لكُم". والصّلة والموصُول في محلّ جَر، صفة لـ "رُخْصَة الله". ويجوز أن يكُون " [التي] (١) " مرفُوعًا، بتقدير " [هي] (٢) ". ويجوز النصب، بتقدير: "أعني". و"لكُم": يتعلّق بـ "رَخّص"، ومَصدرُه "رَخّص، ترخيصًا"، و"الرُّخْصَة" الاسم. (٣) وإضافته هنا إلى الفَاعِل. الحديث الخَامس: [١٨٧]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ. قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَأَكْثَرُنَا ظِلًا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، [فَمِنَّا] (٤) مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ. قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الأَبْنِيَةَ، وَسَقَوْا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ" (٥). قوله: "قَالَ: كُنّا": التقدير: "أنّه قَالَ"؛ ليقُوم مقَام معمُول حَرْف الجرّ. (٦)

стр. 972

و"كُنّا": "كَان" واسمها، وتقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الثّاني من هذا الباب. قوله: "مع النبي ﷺ ": تقَدّم الكَلامُ على "مع" في الحديث الأوّل من "المسح على الخُفّين". ويتعلّق بخبر "كان". و"في السّفر": يتعلّق بمُتعلّقه، أي: "كائنين معه في السّفر". ويحتمل أن يتعلّق بحَال من اسم "كان"، [وتعمل فيه] (١) "كان" على قول مَن قال: تعْمَل "كان" في الفَضلات. (٢) ويحتمل أن يكون "في سَفر" خَبر "كان"، و"مع" تتعلّق بصفة [لـ "سَفَر"] (٣)، تقَدّمت؛ فانتصبت على الحال. ويحتمل أنْ تتعلّق "مع" بالاستقرار المقَدّر في المجرور المقَدّر خَبرًا، ويكُون التقديرُ: "كُنّا كائنين في سَفَر مُتوجّهين مع النبي ﷺ "، ولا يصحُّ أنْ تتعلّق بحَال من ضَمير الاستقرار؛ لأنّ الحالَ لا تتقَدّم على عامِلها المعنَوي عند البصريين (٤). وجُملةُ " ﷺ " لا محلّ لها؛ لأنّها مُعترضة، كجُملة "﵁". قوله: "فمِنّا الصّائِم": "مِن" في الموضعين للتبعيض (٥)، وتتعلّقان بخبر المُبتدأ الواقع بعدهما. وتقَدّمَ الخبرُ فيها لإفادة التقسيم.

стр. 973

وجَعَل "الباجي" من أدَوَات الحصْر السبر والتقسيم (١)، كهذا؛ والتقدير: "فمنّا الرّهْط الصّائِم، ومنّا الرّهْط المفْطِر". وحَذْفُ الموصُوف، وإقامة الصّفة مقَامه جَائزٌ في مَوَاضع (٢) تقَدّمَت في الثّاني من "التيمم"، وفي الثّامن من "باب صفة الصّلاة". وجَاءَ هُنا محذُوفًا؛ لأنّ في الصّفة ما يدلُّ على الموصُوف، وهو "الصّوم". وأفاد تعريف الصّائم زيادة تعظيم الموصوف، ولو قَال: "فمِن صَائم، ومِن مُفطر" لم يُوجَد هذا المعنى. قال ابنُ المنير ناصر الدّين: التعريفُ بالألِف واللام يكُون للتفخيم والتّعظيم، كقَوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]. وأمّا التنكير: فيكُون للتعظيم وغيره. فمِن التعظيم: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥]، [الذاريات: ١٥]. (٣) والألِف واللام في "السّفر" للعَهْد، أي: "السّفر الذي وَقَع فيه الصّيام". قوله: "يَوْم حَار": هُو مثل: "ليل قائم" و"نهار صَائم"، أي: "يُصَام فيه". قوله: "قَالَ": أي: "أنس": "فنَزلنا منزلًا": "منزلًا" هُنا ظَرْف مَكَان؛ لأنّه أرَاد الموْضِع.

стр. 974

قوله: "في يَوم حَارّ": يتعلّق بـ "نزلنا". ولا يصحّ أن يكُون صفة لـ "منزلًا"؛ لفَسَاد المعنى. قوله: "وأكثرنَا ظلًّا صَاحِب الكِسَاء": "أكثر" مُبتدأ، وهو أفعل التفضيل، و"ظلًّا" تمييز، و"صاحب الكساء" خبر المُبتدأ. وفصَل بالتمييز [بين] (١) المبتدأ والخبر؛ لأنّه من صلة "أفعل"، ولأنّه المقصود من الجملة الخبرية. ويجوز أن يكون "صاحب الكساء" مُبتدأ، والخبرُ مُقَدّم عليه، ويكُون التقدير: "وصَاحِبُ الكِسَاء أكثرنا ظِلًّا". وهَذا أحْسَن. قوله: "فمِنّا مَن يتّقي الشّمس بيَدِه": و"الفَاءُ" هنا سَببية، وحذف القِسْم الثاني للعلم به، أي: "فينا مَن يتّقي، ومنّا مَن لا يتّقي". أو يُقَدّر: "فمنّا مَن يتّقي بيده، ومنّا مَن يتّقيها بثوبه أو غير ذلك". و"مِنّا": [مُتعلّق] (٢) بخَبر "من". و"مَن" هنا نكرة موصوفة، أي: "فمنّا شَخص أو رجُل". ويحتمل أن تكون موصُولة، أي: "فمنّا الذي يتّقي الشمس". والصّلة والصفة جملة "يتّقي". و"الشّمس": مفعول "يتّقي". و"بيده" يتعلّق بـ "يتّقي". و"الباء" باء الآلة، ويحتمل أن تكُون "باء" الحال، أي: "يتّقي الشمس مُظَلّلا بيده". (٣) والله أعلم. قوله: "قال: فسَقَط الصُّوام": فعل، وفاعل. والمراد: "ضَعفوا عن الحركة".

стр. 975

قوله: "فضربوا الأبنية": معطوفٌ على "قام". وضربهم الأبنية يدلّ على أنَّ ظِلَّ "صاحب الكساء" كان في حال الركوب، أو كان بعد النزول، وظلّه بالكساء أكثر بالنسبة إلى مَن لا كساء له ولا بناء. وجملة "وسَقوا": معطُوفة على الفِعْل قبله. قوله: "فقَالَ رسُولُ الله ﷺ ": "الفَاءُ" سَببية. وجملة "ذَهَب المفْطرون": معمُولة للقَول. و"ذَهَب" تقَدّم الكَلامُ عليها في الثّاني من "الاستطابة". والعَامِلُ في "اليوم": "المفطرون". و"بالأَجْر": يتعلّق بـ "ذهب". و"الباء": "باء" التعدية (١). الحديث السّادس: [١٨٨]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إلَّا في شَعْبَانَ" (٢). قوله: "كان يكون": جملة في محلّ مفعُول القول. وجملة "يكُون" في محلّ خَبر "كان". و"الصّوم": يحتمل أن يكُون اسم "يكون"، وخبرها في المجرور. واسم "كان" الأولى: ضَمير الأمر والشأن، وتُفسّره الجملة. ويحتمل أن يكُون "الصّوم" اسم "كان"، وجملة "يكون" خبرها، واسمُ "يكُون" ضَمير يعُود على "الصّوم"، وهو مُتَقَدِّم في الرُّتبة؛ فيعُود [الضّمير] (٣) عليه،

стр. 976

كما يعُود في قوله: "ضَرَبَ غُلامَه زيدٌ" (١)، بنصب "غُلامه". ومثل هذا ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ﴾ [التوبة: ١١٧]. (٢) قوله: "من رَمَضان": يتعلّق بـ "الصّوم". و"مِن" لبيان الجنس. و"رمضان" لا ينصرف (٣)، وقد تقَدّم الكَلامُ عليه في الثالث من "الصّوم في السَّفَر". [وتقَدّم] (٤) الكَلامُ على ضَمير الأمر والشّأن في السّادس من "باب القراءة في الصّلاة". قوله: "فما أستطيع": "الفاء" سَببية. و"ما" نافية، وتقَدّمت في الثّامِن من "الجنابة". وتقَدّم الكَلامُ على "استطاع" في السّادس من "باب جامع". وجملة "أنْ أقْضي" في محلّ مفعُول "أستطيع"، والفَاعِلُ ضَمير مُستتر يعُود على "عائشة". و"أقضي": فِعلُ مُضَارع منْصُوب بـ "أنْ"، وعَلامَةُ نَصبه فتْحة آخِره. وتظْهَر الفَتْحَة في الفِعْل المضَارع إذا كَان آخِره "ياء" أو "واو"، وتُقَدّر فيما آخِره "ألِف". (٥)

стр. 977

قوله: "إلا في شعبان": حرفُ الجر يتعلّق بـ "أقضي"، والاستثناءُ مُفرغ؛ لأنّ ما قبْل "إلّا" عَمل فيما بعدها؛ وتقَدّم الكَلامُ على "إلا" المكسُورة المشَدّدة في الرّابع من "التشهّد". وجَاز أن يعْمَل ما قبْل "إلا" فيما بعْدها؛ لأنّ الكَلامَ لم يتم بدونه. أما لو تمَّ الكَلام: لم يجز. (١) قال أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٣، ٤٤]، قال: لا يتعلّق "بالبينات" بـ "أرسلنا"؛ لأنّ ما قبل ["إلّا"] (٢) يعْمَل فيما بعْدها، إلا إذا تَمّ الكَلامُ على "إلّا" وما يليها، إلا أنّه جاء في الشِّعر: نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبُوا بِالنَّارِ جَارَتَهُمْ ... وَلَا يُعَذِّبُ إِلَّا اللهُ بِالنَّارِ (٣) انتهى. (٤)

стр. 978

قال أبو حيّان: [ولا] (١) يجوزُ عند البصريين أن يكُون ما بعد "إلّا" إلا مُستثنًى أو مُستثنًى منه أو تابعًا. وما وَقَع بخلافِ ذلك [قُدِّر] (٢) له عَامِل. وأجاز الكسائي أن يقع بعد "إلا" المنصوب لما قبلها (٣)، نحو: "مَا ضَرَبَ إلا زَيدٌ عَمرا"، والمخفُوض، نحو: "ما مَرّ إلَّا زَيدٌ بعَمرو"، والمرفوع، نحو: "مَا ضَربَ إلّا زَيدًا عمرو"، ووافقه ابن الأنباري في المرفوع، والأخفش في الظرف والجار والحال. (٤) فائدة: قال الزّمخشري: وقوله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]: إنّ "من المسّ" [مُتعلّق] (٥) بـ "يقومون". (٦) وَرُدّ عليه: بأنّهم ليسوا مجانين في الآخرة. (٧) فإنْ قيل: "إلّا" لا يعملُ ما قبلها فيما بعدها، وليس مُستثنى ولا مُستثنى منه ولا [تابعًا] (٨) له. أُجيب: بأنْ يُفسّر "المسّ" بالتخييل. أو لعلّه رأى رأي الكسائي؛ فيندفع السّؤال. (٩)

стр. 979

***** إذا ثبت ذلك: فجَاء في لفظ هذا الحديث عن عائشة، أنّها قالت: "الشُّغْل برسُولَ الله" (١)، أي: "يمنعُني الشّغْل برسُولَ الله". الحديث السّابع: [١٨٩]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" (٢). هذا الحديث لم يتّفق عليه الشّيخان؛ ففيه مُؤاخَذَة على الشّيخ. قوله: "مَن مَات": "مَن" اسم شرط، في موضع رفع بالابتداء. والخبر في فِعْل الشّرط، وهو الصّحيح، وقيل: في جوابه. (٣) وقد تقَدّم الكَلامُ على "مَن" الشرطية في الرابع من أوّل الكتاب، وفي العَاشر منه. وفاعِلُ "مَات": ضَميرٌ يعُود على "مَن". و"صيام": هُنا مُبتدأ، والخبر في "عليه"، وبه يتعلّق حَرف [الجر. والجملة في محلّ] (٤) الحال من الضّمير في "مَات". و"الواو": "واو" الحال. و"الصّيام": مصْدر "صَام". يُقَال: "صَومًا" و"صيامًا"، و"قَوْم صُوّم"

стр. 980

بالتشديد، و"صِيّم". و"رَجُلٌ صَوْمان"، أي: "صَائم". (١) وجملة "صَام عنه وَلِيّه": جَوَاب الشّرْط. والضّمير في "عنه" وفي "وَليّه" يعُودُ على "مَن". وقد جاء فعلُ الشرط وجوابه ماضيان؛ ولذلك لم يظهر للشّرط عمل. وقد يجيئان مُضارعين؛ فيعمل فيهما الجزم. ويجيئان مختلفين؛ فيجزم المضارع لفظًا ومحلًّا، وينجزم الماضي محلًّا. وضَعّف كثير من النحويين مجيء فِعْل الشّرط مُضارعًا وجوابه ماضيًا. والصّحيحُ: جوازه نظمًا ونثرًا، قاله ابن مالك. وقد وَرَدَ من ذلك في الحديث الصّحيح: "إنَّ أبَا بَكْر رَجُلٌ أَسِيفٌ، مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ رَقَّ" (٢). (٣)

стр. 981

الحديث الثَّامن: [١٩٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ [عَنْهَا] (١)؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ [ذَلِكَ] (٣) يُؤَدِّي عَنْهَا"؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: "فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ" (٤). قوله: "جَاءَ رَجُل": جملة مِن فِعل وفَاعِل، في مَوضع مفْعُول القَول. وأصلُ "جاء": "جيأ" تحرّكَت "اليَاء"، وانفتح ما قبلها؛ فانقلبت ألِفًا. ومصدر "جاء": "جَيْئَة"، وهُو مِن [بِنَاء] (٥) المرّة الوَاحِدة، إلّا أنّه وضع مَوضع المصْدَر، مثْل: "الرّجفَة" و"الرّحمة". [والاسمُ] (٦): "الجِيْئَة" - على "فِعْلة" - بكسر "الجيم". ويُقال: "جئتُ مجيئًا حَسَنًا"، وهو شَاذٌّ؛ لأنّ المصْدَر من "فَعَل [يفْعِل": "مفْعَلٌ"] (٧) بفَتح "العَين"، وقد شَذّت منه حُروفٌ، فجَاءَت على "مفْعِل"،

стр. 982

كـ "المجيء" و"المحيض" و"المكيل" و"المصير". و"أجأتُه": أي: "جئتُ به". وتقُول: "الحمدُ لله الذي جَاءَ بك"، أي: "الحمْدُ لله إذ جئت". ولا تقُل: "الحمدُ لله الذي جئت". (١) قلتُ: قوله "على مفْعِل في المحيض ومَا بعْده"؛ لأنّ "المحيض" و"المكيل" على وزْن "مَفعِل"، ثم أُعِلّ؛ فنُقِلَت حَرَكَة "اليَاء" إلى "الحاء" وإلى "الكَاف". وإنما امتنع "الذي جئت"؛ لأنّه لا عَائِدَ على الموصُول. (٢) قوله: "فقَالَ": مَعْطُوفٌ على "جَاء". [و"يَا] (٣) رَسُولَ الله": تقَدّم الكَلامُ على حَرْفِ النّداء في الرّابع من "الجنابة"، والسّابع من "الإمامة". قوله: "إنّ أُمِّي مَاتَت": كُسرت "إنّ" لأنّها وقَعَت بعد القَول. (٤) وقد تقَدّم ذكرُ المواضع التي تُكسَر فيها "إنّ" وتفتَح في الرّابع من أوّل الكتاب. قوله: "فقَالَ": معطُوفٌ على "جَاءَ". وجملة النّداء معمُولة للقَول. وكُسرت "إنّ" في ابتداء الكَلام.

стр. 983

و"أُمي": اسم "إنّ"، وعلامةُ النّصب فتحة مُقَدّرة؛ لأنه مما إضافة المتكلّم إلى نفسه (١). وجملة "ماتت" في محلّ الخبر. قوله: "وعَليها صَوْم شَهْر": في محلّ الحال من فَاعِل "ماتت". قوله: "أفأقضيه؟ ": "الفَاءُ" عاطفة، و"الهمزة" للاستفهام، على هذا أكثر المعربين (٢)، واختَاره الزّمخشري (٣) في كُلّ مَوضِع وَقَعَت "الفَاء" فيه بعد همزة الاستفهام. وقَالَ ابنُ جني: "الفَاء" بعْدها زَائِدة. (٤) قال ابنُ مالك: جَاءَ في بعْض روايات البخاري: "فَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ " (٥)، بحَذفِ هَمزة الاستفهام. (٦) وله نَظَائر كثيرة قَد تقَدّمَت. قوله: "عَنْها": مُتعَلّق بـ "أَصُوم". قوله: "فقَالَ": أي: "النبي ﷺ ". "لَو كَان على أُمّك دَيْنٌ": فيه حَذْفٌ، تقديره: "أرأيت لَو كَان على أُمّك دَينٌ". فـ "رأيت" هنا العِلْميّة. والرّواية الأخيرة تدلُّ على

стр. 984

هذا الحذْف. وجَوابُ "لو" يُحَال على جَوابِ السّائل مِن نفْي أو إثبات؛ فإنْ اختار الإثبات كان (١): "لو كَان دَينٌ عليها لقَضَيته"، وإنْ اختار النّفي كَان: "مَا أقضيه"؛ فخَرَجَ الكَلامُ مخرَج [الحضّ] (٢) والحثّ، وفي ضِمْنِه الجوَاب. قوله: أكُنْت تَقْضيه؟ ": هُو في محلّ المفعُول الثّاني لـ "رأيت" العِلْمية المقَدَّرَة. [ويجُوزُ أنْ يكُون] (٣) جَواب "لَو" هُنا مفْهُومٌ مِن استخباره ﷺ ؛ لأنّ مَعْنَاه [الحضّ] (٤) على القَضَاء والنّدْب إليه، [كَأنّه] (٥) قَالَ: "لَو كَان على أُمّك دَيْنٌ لقَضَيتَه"، فاستَغْنى عنه بدلَالة السّياق عَليه، وبيّنه الجوَاب في قَوْله: "نَعَم". وإذَا ثَبَتَ ذَلك: فجُمْلة "أكُنْت. . .؟ " في محلّ المفْعُول المقَدّر؛ لأنّ شَرْطَه أنْ يكُون مَفْعُوله الثّانِي جُمْلَة استِفْهَاميّة، وبذَلِك جَاءَ القُرآن الكَريم، قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ (٦) [الواقعة: ٥٨، ٥٩]، ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ [النجم: ٣٣ - ٣٥] (٧) وقَد تقَدّم الكَلامُ على ذلك مُسْتَوفى في الحديث الأوّل مِن "باب صِفَة صَلاة النبي ﷺ ". ومفْعُول الأول في الموضعين كليهما: ضَمير المخاطَب. [والتقدير] (٨) في "أرأيت" الأوّل - المقَدّر - "أرأيتَكَ" بفتح "الكَاف"، والثّاني - الموجُود - "أرأيتَكِ"

стр. 985

بكَسر "الكَاف". وقد وَقَع [مِثْل] (١) هَذا التركيب مَع "إنْ" الشّرْطيّة في قوله تعَالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ﴾ [يونس: ٥٠]، فاختار أبو حيّان أن يكُون جَوابُ الشرط محذوفًا [يدلُّ] (٢) عليه "أرأيتم إن أتاكم عذاب الله فأخبروني عنه". ونظيره: "أنتَ ظالمٌ إن فَعَلت فأنت ظَالم". (٣) و"نَعَم": قد تقَدّم الكَلامُ عليها في الرّابع من "الجنابة". قوله: "فدَيْنُ الله أحَقّ": مُبتدأ وخبر، معْمُول للقَول. و"أحَقّ" هُنا يحتمَل أنْ تكُون "أفْعَل التفْضيل"، أي: "أحَقّ مِن غَيره". ويحتمَل أنْ تكُون بمَعنى "حَقِيق"، كَما قِيل في قَوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ﴾ [يونس: ٣٥] (٤)، وهَذَا أَوْلى؛ لأنّ قَضَاءَ دَيْن الوَالِدَين يجب على الوَارِث (٥). قولُه: "أنْ يُقْضَى": يحتمل وَجْهَين، أحدُهما: أنْ يكُون بَدَلًا مِن المبتدأ -[وهُو] (٦) "دَينُ الله" - بَدَل اشتمال (٧)، . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →