← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150639

مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود

الجلال السيوطي

Полный текст (1 318 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

(أنّ رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من شبه) بفتح المعجمة والموحّدة، ضرب من النّحاس. (قال (١) ما لي أجد منك ريح الأصنام) قال الخطّابي: إنّما قال ذلك لأنّ الأصنام كانت تتّخذ من الشبه. (فطرحه، ثمّ جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: ما لي أرى عليك حِلْية أهل النّار) قال الخطّابي: أي زيّ الكفّار وهم أهل النار، وإنّما كرهه لذلك، وقيل لسهوكة ريحه (فطرحه) زاد الترمذي "ثمّ جاء وعليه خاتم من ذهب فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل الجنّة"، قال البيهقي في شعب الإيمان: "يشبه أن يكون هذا نهي كراهة وتنزيه، فكره الشبه لأنّ الأصنام كانت تتّخذ من الشبه، وكره الخاتم من الحديد من أجل ريحه. وأمّا حديث: (معيقيب كان خاتم النبيّ ﷺ من حديد ملويّ عليه فضة) فإنّه أجود إسنادًا ممّا قبله لا سيما وقد عضّده حديث: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، ولو كان مكروهًا لم يأذن فيه.

стр. 1017

قال البيهقي: وهذا لأنّه بالفضة التي لويت عليه لا يوجد ريح الحديد، فيشبه أن ترتفع الكراهة بذلك. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر: الحديث الأوّل في إسناده عبد الله بن مسلم المروزي، يكنى أبا طيبة، قال فيه أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتجّ به، وقال ابن حبّان في الثقات: يخطىء ويخالف، فإن كان محفوظًا حمل المنع على ما كان حديدًا صرفًا. وقد قال التيفاشي في كتاب الأحجار: خاتم الفولاذ مطردة للشيطان إذا لوّي عليه فضّة. (وكان معيقيب (١) على خاتم ﷺ ) قال الحافظ ابن حجر: يعني كان أمينًا عليه. (قل: اللهم اهدني وسدّدني، واذكر بالهداية هداية الطريق) قال الخطّابي: معناه أن سالك الطريق في الفلاة إنّما يؤمّ سمت الطريق ولا يكاد يفارق الجادة، ولا يعدل عنها يمنة ويسرة خوفًا من الضّلال، وبذلك يصيب الهداية وينال السلامة، يقول إذا سألت الله الهدى فاحظر بقلبك هداية الطريق، وسل الله الهدي والاستقامة كما تتحرّاه في هداية الطريق إذا

стр. 1018

سلكتها. وقوله (واذكر بالسداد تسديدك السهم) معناه أنّ الرّامي إذا رمى غرضًا سدّد بالسهم نحو الغرض ولم يعدل عنه يمينًا ولا شمالًا ليصيب الرمية فلا يطيش سهمه ولا يخفق سعيه، يقول فأخطر هذا المعنى بقلبك حين تسأل الله السّداد ليكون ما تنويه من ذلك على شاكلة ما تستعمله من الرّمي. *** [باب ما جاء في التَّختّم في اليمين أو اليسار]

стр. 1019

(عن علي أنّ النبي ﷺ كان يتختّم في يمينه) وفي الحديث الذي يليه (عن ابن عمر أنّ النبي ﷺ كان يتختّم في يساره) قال النّووي في شرح المهذّب: التختّم في اليمين واليَسار كلاهما صحّ فعله عن النبي ﷺ ، ولكنّه في اليمين أفضل لأنّه زينة واليمين بها أولى. وقال الحافظ ابن حجر: ورد تختمه ﷺ في اليمين من حديث ابن عمر عند البخاري، وأنس عند مسلم، وابن عباس وعبد الله بن جعفر عند الترمذي، وجابر عنده في الشمائل، وعلي عند أبي داود والنسائي، وعائشة عند البزّار، وأبي أمامة عند الطبراني، وأبي هريرة عند الدارقطني في غرائب مالك، فهؤلاء تسعة من الصحابة، وورد تختمه في اليسار من حديث أنس عند مسلم، وابن عمر عند أبي داود، وأبي سعيد (عند ابن مسعود) (١)، ووردت رواية ضعيفة أنّه تختم أوّلّا في اليمين ثمّ حوّله إلى اليسار، أخرجه ابن عديّ من حديث ابن عمر، واعتمد عليها البغوي في شرح السنة، فجمع بين الأحاديث المختلفة بأنّه تختّم أوّلًا في يمينه ثمّ تختّم في يساره وكان ذلك آخر الأمرين، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك فقال: لا يثبت هذا، ولكن في يمينه أكثر. (وكان فصّه في باطن كفّه) وفي الحديث الذي يليه: (وجعل فصّه على ظهرها) قال العلماء: أحاديث الباطن أصحّ وأكثر، فهو أفضل. ***

стр. 1020

[باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب] (ثنا أبو الأشهب عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة بن أسعد قطع أنفه) قال ابن القطّان: هذا حديث لا يصحّ، فإنّه من رواية أبي الأشهب، واختلف عنه، فالأكثر يقول عنه عن عبد الرّحمن بن طرفة بن عرفجة عن جدّه، وابن عليّة يقول عنه عن عبد الرحمن بن طرفة عن أبيه عن عرفجة. قال: فعلى طريقة المحدّثين ينبغي أن تكون رواية الأكثرين منقطعة فإنّها معنعنة وقد زاد فيها ابن عليّة واحدًا، ولا يردّ هذا قولهم (١) إنّ عبد الرحمن بن طرفة سمع جدّه، فإنّ هذا الحديث لم يقل فيه إنّه سمع منه، وقد أدخل بينهما فيه الأب، وعبد الرّحمن بن طرفة المذكور لا يعرف بغير هذا الحديث، ولا يعرف روى عنه غير أبي الأشهب، فإن احتيج فيه إلى أبيه طرفة على ما قال ابن عليّة عن أبي الأشهب، زاد الحال، فإنّه ليس بمعروف الحال ولا مذكور في روّاة (٢) الأخبار. وقال الحافظ أبو بكر بن الموّاق في كتاب بغية النقّاد: هذا الحديث عند أبي داود مرسل، وقد نبّه ابن السكن على إرساله وقال: فذكر الحديث مرسلًا عن عبد الرّحمن بن طرفة عن عرفجة، وعبد الرحمن تابعي لم يشاهد القصة ولم يذكر من حدّثه، فبقي الحديث مرسلًا. قال: ووهم عبد الحقّ وابن القطّان في قولهم عن عرفجة، فأوهما (٣)

стр. 1021

الاتّصال، قال: وهو أمر بيّن لا خلاف فيه بين أهل التّمييز من أهل هذا الشأن في انقطاع ما يروى كذلك، إذا علم أنّ الراوي لم يدرك زمان القصّة كما في هذا الحديث. انتهى. وليس لعرفجة عندهم غير هذا الحديث الواحد. (يوم الكلاب) بضمّ الكاف والتخفيف، اسم ماء، وكان به وقعة معروفة في الجاهلية، وهو ما بين الكوفة والبصرة ذكره ابن باطيش (١)، وفي كتاب التصحيف للدارقطني وكتاب الحمقى والمغفلين لابن الجوزي أنّ حبّان (٢) بن بشر ولّي القضاء بأصبهان فحدّث بهذا الحديث فقال بكسر الكاف، فردّ عليه رجل، وقال: إنّما هو كلاب بضمّ الكاف، فأمر بحبسه، فزاره بعض أصحابه فقال له فيم حبست؟ فقال: حرب كانت في الجاهلية حبست بسببها في الإسلام. (فاتخذ أنفًا من ورق فأنتن عليه) المشهور فيه كسر الرّاء على إرادة الفصّة، وذكر التوحيدي في كتاب البصائر عن الأصمعي بفتح الرّاء، يعني من ورق الشجر، قال: وليس المراد به الفضّة لأنّها لا تنتن، قال: وذكر عن الأصمعي أنّه أراد الرق الذي يكتب فيه، قال: وقال ابن قتيبة: كنت أحسب ما قاله الأصمعي صحيحًا حتّى أخبرني خبير أنّ الذّهب لا ينتن وأنّ الفضّة تنتن، وحكاه الزمخشري في الفائق فقال: وعن الأصمعي أنّه كان يقول: إنّما هو من وَرَق، ذهب إلى الرَّق الذي يكتب فيه، قال: ويردّه أنّه روي: "فاتّخذ أنفًا من صفر". *** [باب ما جاء في الذهب للنساء]

стр. 1022

(قدمت على النبي ﷺ حلية من عند النجاشي أهداها له، فيها خاتم من ذهب فيه فصّ حبشي) قال في النّهاية: يحتمل أنّه أراد من الجَزْع أو العقيق لأنّ معدنهما اليمن والحبشة، أو نوعًا آخر ينسب إليهما. وفي مفردات ابن البيطار أنّه نوع من الزبرجد يكون ببلاد الحبش لونه إلى الخضرة ما هو من خواصه أنّه ينقي العين ويجلو ظلمة البصر. فائدة: سئل ابن الأكفاني عن الحكمة في خلق الجواهر النفيسة، فقال: من وجوه: أحدها: ما أودع الله فيها من الخواصّ الجليلة كتفريح (١) الياقوت، وترياقية الزمرد وغير ذلك. الثاني: أن تتحلّى بها الغواني زيادة لجمالهنّ. الثالث: كمال قدرة الله تعالى في خلقه في تخوم الأرض وأعماق البحار جواهر تشبه نجوم السماء في الضياء والإشراق. الرابع: أن يكون نموذجًا في هذه الدنيا لأمثالها في الجنة.

стр. 1023

(عن أخت لحذيفة) قال الطّبراني: اسمها خولة، ويقال فاطمة بنت اليمان. (يا معشر النساء أما لكنّ في الفضة ما تحلّين به، أما إنّه ليس منكن امرأة تحلّى ذهبًا تظهره إلّا عذّبت به) هذا الحديث وما بعده وما شاكله من المنسوخ. (وعن لبس الذهب إلّا مقطّعًا) قال الخطّابي: يريد الشيء اليسير، نحو الشّنف والخاتم للنساء. ***

стр. 1024

كتاب الفتن [باب ذكر الفتن ودلائلها] (عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﷺ قائمًا فما ترك شيئًا يكون في مقامه إلى قيام الساعة إلّا حدّثه) من غريب ما وقع من بعض أهل العصر، أنّي لما رويت الأحاديث الواردة في نهي العلماء عن المجيء إلى السّلاطين، قال: وهل كان في زمن النبي ﷺ سلاطين حتى ينهى عن التردّد إليهم؟ وما علم المسكين أنّه ﷺ أعلم بالوحي بكلّ ما يجيء بعده إلى قيام الساعة، وأعلم به أصحابه كما في هذا الحديث.

стр. 1025

(ذكر فتنة الأحلاس) قال الخطّابي: إنّما أضيفت الفتنة إلى الأحلاس لدوامها وطول لبثها، أو لسواد لونها وظلمتها. (هرب وحرب) قال الخطّابي: الحرب ذهاب المال والأهل. وقال في النهاية: الحرب بالتّحريك نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له. (ثمّ فتنة السّرّاء) قال في النّهاية: السّرّاء هي البطحاء، وقال بعضهم: هي التي تدخل الباطن وتزلزله، ولا أدري ما وجهه. (دخنها من تحت قدم (١) رجل) قال في النهاية: يعني ظهورها وآثارها، شبّهها بالدّخان المرتفع، والدخن بالتحريك مصدر دخنت النار تدخن إذا ألقى عليها حطب رطب فكثر دخانها، وقيل أصل الدخن أن يكون في لون الدابة كدورة إلى سواد. (ثمّ يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع) قال الخطّابي: هو

стр. 1026

مَثَل ومعناه الأمر الذي لا يثبت ولا يستقيم، وذلك أنّ الضلع لا يقوم بالورك ولا يحمله، يريد أنّ هذا الرجل غير خليق للملك ولا مستقلّ به. وقال في النهاية: أي يصطلحون على أمر واه لا نظام له ولا استقامة، لأنّ الورك لا يستقيم على الضلع (١) ولا يتركب عليه لاختلاف ما بينهما وبعده. (ثمّ فتنة الدّهيماء) قال الخطابي: تصغير الدّهماء، وصغّرها على مذهب المذمّة لها. وقال في النهاية: يريد الفتنة المظلّة والتّصغير فيها للتّعظيم، وقيل أراد بالدّهيماء الدّاهية.

стр. 1027

(فإذا صدع) قال الخطّابي: بفتح الدّال، وهو الرّجل الشاب المعتدل القناة، وقال في النهاية: أي: رجل. (فأحدقه القوم) أي: رموه بحدقهم، والتحديق شدّة النّظر. (بجذل شجرة) بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة، أي: أصلها. (على أقذاء) قال في النّهاية: الأقذاء جمع قَذًى، والقَذى جمع قَذاة، وهو ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك، أراد أن اجتماعهم يكون على فساد في قلوبهم، فشبّه بقَذَى العين والماء والشّراب. (وهدنة على دخن) قال الخطّابي: أي صلح على بقايا من الضغن. وقال في النهاية: أي: على فساد واختلاف، تشبيهًا بدخان الحطب الرّطب، لما بينهم من الفساد الباطن تحت (١) الصّلاح الظاهر.

стр. 1028

(فتنة عمياء صمّاء) قال في النّهاية: هي التي لا سبيل إلى تسكينها لتناهيها في دهائها، لأنّ الأصمّ لا يسمع الاستغاثة فلا يقلع على ما يفعله، وقيل: هي كالحيّة الصمّاء التي لا تقبل الرُّقَى.

стр. 1029

(وثمرة قلبه) قال في النّهاية: أي: خالص عهده. (إنّ الله زوى لي الأرض) أي: قبضها وجمعها. (وإنّ ملك أمّتي سيبلغ ما زوي لي منها) قال الخطّابي: يتوهّم بعض الناس أنّ "من" ههنا معناها التبعيض، فيقول كيف يشترط في أوّل الكلام الاستيعاب وردّ آخره إلى التبعيض؟ وليس ذلك على ما يقدّرونه، وإنّما معناه التفصيل للجملة المتقدّمة، والتفصيل لا يناقض الجملة ولا يبطل شيئًا منها،

стр. 1030

لكنّه يأتى عليها شيئًا فشيئا ويستوفيها جزءًا جزءًا، والمعنى أنّ الأرض زويت جملتها له مرّة واحدة فرآها، ثمّ يفتح له جزء جزء منها حتى يأتي عليها كلّها، فيكون هذا معنى التبعيض فيها. (وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض) قال الخطابي: أي الذهب والفضة، وقال في النهاية: الأحمر ملك الشام، والأبيض ملك فارس، وإنّما قال لفارس الأبيض لبياض ألوانهم ولأنّ الغالب على أموالهم الفضّة، كما أنّ الغالب على ألوان أهل الشّام الحمرة وعلى أموالهم الذّهب. (فيستبيح بيضتهم) قال في النهاية: بيضة الدّار وسطها ومعظمها، أراد عدوًا يستأصلهم ويهلكهم جميعهم، قيل: أراد إذا هلك أصل البيضة كان هلاك كلّ ما فيها من طعم وفرخ، وإذا لم يهلك أصل البيضة ربّما سلم بعض فراخها، وقيل: أراد بالبيضة الخوذة، فكأنّه شبّه مكان اجتماعهم والتئامهم ببيضة الحديد. (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين) قال الخطّابي: دوران الرّحى كناية عن الحرب والقتال، شبّهها بالرّحى الدوّارة التي تطحن الحبّ، لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس. وقال في النهاية: يقال دارت الحرب إذا قامت على ساقها، وأصل

стр. 1031

الرّحى التي يطحن بها، والمعنى أنّ الإسلام يمتدّ قيام أمره على سنن الاستقامة والبعد من إحداثات الظلمة (التي تقتضي) (١) هذه المدّة التي هي بضع وثلاثون، ففي خمس وثلاثين من الهجرة خرج أهل مصر وحصروا عثمان وجرى فيها ما جرى، وفي ستّ وثلاثين كانت وقعة الجمل، وفي سبع وثلاثين كانت وقعة صفّين. وقوله: (وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا) قال الخطّابي: يريد بالدّين ههنا الملك، ويشبه أن يكون أراد بهذا مدّة ملك بني أمية وانتقاله عنهم إلى بني العبّاس، فإنّه كان بين استقرار الملك لبني أميّة إلى أن ظهرت دعاة الدولة العباسيّة بخراسان وضعف أمر بني أمية ودخل الوهن فيه نحو من سبعين سنّة. قال في النهاية: وهذا التأويل كما تراه، فإن المدّة التي أشار إليها لم تكن سبعين سنة، ولا كان الدّين فيها قائمًا، قال: ويروى "تزول رحا الإسلام" عوض "تدور" (٢)، أي تزول عن ثبوتها واستقرارها. قلت: أمّا قوله إنّ المدّة لم تكن سبعين سنة، فممنوع لأنّ مقصده أنّها كانت نحو تسعين سنة ولكنّها دخلها الوهن في آخرها، فكانت المدّة التي لا وهن فيها نحو سبعين كما قاله الخطابي، وأمّا قوله ولا كان الدين فيها قائمًا، فإنّه ظنّ المراد بالدين في الحديث أحكام الذين، وليس كذلك، بل المراد الملك، كذا فسّره الخطابي في معالم السنن وأنشد عليه قول زهير: لئن حللت بجوّ في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فَدَكُ قال: يريد ملك عمرو وولايته. ولا شكَّ أنّ ملك بني أمية كان قائمًا في تلك المدّة، وكان أعظم من

стр. 1032

ملك بني العباس فإنّه كان لهم المشرق والمغرب من غير منازع ولا متغلّب، ولمّا تملّك بني العباس خرج عنهم المغرب الأقصى واستولى عليه من استولى من بني أمية، وصاحب النهاية لم ينقل من كلام الخطابي تفسير الدّين هنا بالملك، فبسبب ذلك أورد ما أورد. (يتقارب الزّمان) قال الخطّابي: معناه قصر زمان الأعمار وقلّة البركة فيها، وقيل: هو دنوّ زمان الساعة، وقيل: هو قصر مدّة الأيّام واللّيالي على ما روي أنّ الزمان يتقارب حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالسّاعة، والسّاعة كاحتراق السعفة. (أبعد مسالحهم) جمع مسلحة، وهم القوم الذين يحفظون الثغور من العدوّ، وسمّوا مسلحة لأنّهم يكونون ذوي سلاح، أو لأنّهم يسكنون المسلحة وهي كالثغر (١) والمرقب يكون فيه أقوام يرقبون العدوّ لئلَّا يطرقهم على غفلة، فإذا رأوه أعلموا أصحابه ليتأهبوا له. (سلاح) بضمّ أوّله، موضع قريب من خيبر. ***

стр. 1033

[باب في النهي عن السعي في الفتنة] (وتكون حلسًا من أحلاس بيتك) أي: الزَم بيتك.

стр. 1034

(موت يكون البيت فيه بالوصيف) قال الخطّابي: البيت هنا القبر، والوصيف الخادم، يريد أنَّ الناس يشغلون عن دفن موتاهم حتى لا يوجد فيهم من يحفر قبر الميت ويدفنه إلَّا أن يُعطى وصيفًا أو قيمته، وقد يكون معناه أن مواضع القبور تضيق عنهم فيبتاعون لموتاهم القبور، كلّ قبر بوصيف. (أحجار الزيت) موضع بالمدينة، روى عمر بن شيبة في أخبار المدينة عن ابن أبي فديك قال: أدركت أحجار الزيت ثلاثة أحجار مواجهة (بيت كلاب) (١)، فعلا الكنيس (٢) الحجارة فاندفنت.

стр. 1035

وقال زين العرب في شرح المصابيح: أحجار الزيت موضع بالمدينة من الحرَّة سمّي بها لسواد أحجاره كأنَّها طليت بالزيت. (قد غرقت بالدم) قال القرطبي في التّذكرة: أي: لزمت، والغروق اللُّزوم، ويروى عرقت. (أن يبهرك شعاع السيف) (١) قال الخطّابي: معناه ضوءه وبريقه. (واها) (٢) قال الخطّابي: هي كلمة معناها التّلهف، وقد توضع أيضًا موضع الإعجاب بالشيء. *** [باب في كفّ اللسان]

стр. 1036

(من أشرف لها استشرفت له) قال في النّهاية: أي: من تطلَّع إليها وتعرَّض إليها واتَتْه فوقع فيها. (ستكون فتنة تستنظف العرب) قال في النّهاية: هو بالطاء المعجمة، أي تستوعبهم هلاكًا، يقال: استنظفت الشيء إذا أخذته كفه. وقال القرطبي في التّذكرة: أي ترميهم، مأخوذ من نطف (١) الماء أي قطر، والنطفة الماء الصافي قلَّ أو كثر والجمع النطاف (٢)، أي: أن هذه الفتنة تقطر قتلاها في النار، أي ترميهم فيها لقتالهم على الدّنيا واتّباعهم الشيطان والهوى. قال: و"قتلاها" بدل من قوله "العرب"، هذا المعنى الذي ظهر لي من هذا، ولم أقف فيه على شيء لغيري. انتهى. وهذا يدل على أنَّه عنده بالطاء المهملة، والصَّواب ما قاله صاحب النهاية. وقوله: (قتلاها في النّار) مبتدأ وخبر، (اللّسان فيها أشدّ من وقع السيف) قال القرطبي في التذكرة: أي: بالكذب عند أئمّة الجور ونقل الأخبار إليهم، فربَّما ينشأ عن ذلك من النَّهب والقتل والجلاء والمفاسد العظيمة أكثر ممَّا ينشأ من وقوع الفتنة نفسها. ***

стр. 1037

[باب ما يرخّص فيه من البداوة في الفتنة] (شعف الجبال) بشين معجمة وعين مهملة، أعاليها، الواحدة شعفة. *** [باب في تعظيم قتل المؤمن]

стр. 1038

(من قتل مومنًا فاعتبط بقتله) بعين مهملة، قال الخطّابي: يريد أنَّه قتله ظلمًا لا عن قصاص، يقال عبطت الناقة واعتبطتها إذا نحرتها من غير داء أو آفة يكون بها. وقال في النهاية: هكذا جاء الحديث في سنن أبي داود، ثمَّ جاء في آخر الحديث (قال خالد بن دهقان) وهو راوي الحديث (سألت يحيى بن يحيى عن قوله: (اعتبط بقتله)، قال: الذين يقاتلون في الفتنة فيقتل أحدهم فيرى أنّه على هدى لا يستغفر الله) قال: وهذا التفسير يدل على أنَّه من الغبطة بالغين وهي الفرح والسرور وحسن الحال، لأنَّ القاتل يفرح بقتل خصمه، فإذا كان المقتول مؤمنًا وفرح بقتله دخل في هذا الوعيد، قال: وشرحه الخطّابي على أنّه بالعين المهملة ولم يذكر قول (١) خالد ولا تفسير يحيى. (لا يزال المومن معنقًا) بالقاف بوزن مكرم، قال الخطّابي: يريد خفيف الظهر يعنق في مشيه سير المخفّ، والعنق ضرب من السير وسيع، يقال: أعنق الرجل في سيره فهو معنق.

стр. 1039

وقال في النهاية: أي: مسرعًا في طاعته منبسطًا في عمله، وقيل أراد يوم القيامة. (بلّح) بموحّدة ولام مشدَّدة وحاء مهملة، قال الخطّابي: معناه: أعيا وانقطع. قال في النهاية: يقال: بلّح الرجل إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر أن يتحرّك، وقد أبلحه السير فانقطع به، يريد به وقوعه في الهلاك بإصابة الدّم الحرام، وقد تخفّف اللّام. *** [باب ما يرجى في القتل] (إنّ بحسبكم القتل) عند النحاة هذا من زيادة الباء في المبتدأ، وقالوا لا يحفظ زيادة الباء في المبتدأ إلَّا في بحسبك زيدًا، أي: حسبك، ومثله قولهم بحسبك أن تفعل الخير (١). قال ابن يعيش: ومعناه حسبك فعل الخير، والجار والمجرور في موضع رفع في الابتداء، قال: ولا نعلم مبتدأ دخل عليه حرف جرّ في الإيجاب غير هذا الحرف. انتهى. وعلى هذا فيكون هنا اسم إنّ، و"القتل" مرفوع خبرها. ***

стр. 1040

كتاب المهدي [باب] (من عترتي من ولد فاطمة) قال الخطّابي: العترة ولد الرّجل لصلبه، وقد يكون الأقرباء وبني العمومة. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه: الأحاديث دالّة على أنَّ المهدي يكون بعد دولة بني العبَّاس، وأئه يكون من أهل البيت من ذريّة فاطمة ﵂ من ولد الحسن لا الحسين، ويكون ظهوره من بلاد المشرق ويبايع له عند البيت، وروى الدارقطني من طريق عمرو بن شَمِر (١) عن جابر عن محمد بن علي قال: إنَّ لمهديّنا آيتين لم يكونا منذ خلق الله السماوات والأرض، تنكسف الشمس لأوَّل ليلة من

стр. 1041

رمضان، وتنكسف (١) الشَّمس في النَّصف منه، ولم يكونا منذ خلق الله السماوات والأرض. (أجلى الجبهة) بالجيم، قال الخطّابي: الجلاء هو انحسار الشّعر عن مقدّم الرأس. وقال في النهاية: الأجلى الخفيف شعر ما بين النَّزَعتين (من) (٢) الصدغين، والذي انحسر الشعر عن جبهته. (أقنى الأنف) قال في النهاية: القنا في الأنف طوله ورقّة أرنبته مع حدب في وسطه.

стр. 1042

(أبدال الشام) قال في النّهاية: هم الأولياء والعبَّاد، الواحد بدل، سمّوا بذلك لأنَّه كلَّما مات منهم واحد أبدل بآخر. قلت: ولم يرد في الكتب الستة ذكر الأبدال إلَّا في هذا الحديث عند أبي داود، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك وصحَّحه، وورد فيهم أحاديث كثيرة خارج الستة جمعتها في مؤلّف. (وعصائب أهل العراق) قال في النّهاية: جمع عصابة وهم الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لها من لفظها، أراد أن التجمع للحرب يكون بالعراق، وقيل: أراد جماعة من الزّهاد، سمّاهم بالعصايب لأنَّه قرنهم بالأبدال، (ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض) بجيم وراء ونون، قال الخطّابي: الجران مقدَّم العنق، وأصله في البعير إذا مدّ عنقه على وجه الأرض فيقال ألقى البعير جرانه، وإنّما يفعل ذلك إذا طال مقامه في مناخه، فضرب الجران مثلًا للإسلام إذا استقرّ قراره فلم تكن فتنة ولا هيج، وجرت أحكامه على العدل والاستقامة. ***

стр. 1043

كتاب الملاحم [باب ما يذكر في قَرْن المائة] (أن الله يبعث لهذه الأمَّة على رأس كلّ مائة سنة مَنْ يجدّد لها دينها) قد أفردت في شرح هذا الحديث تأليفًا مستقلًّا سمّيته: "التنبيه بمن يبعثه الله على رأس كلّ مائة"، وأنا ألخّص فوائده هنا فأقول: هذا الحديث اتّفق الحفّاظ على تصحيحه، منهم الحاكم في المستدرك، والبيهقي في المدخل، وممّن نصّ على صحّته من المتأخّرين الحافظ أبو الفضل بن حجر، وقد لهج المتقدّمون بذكر هذا الحديث، فأخرج الحاكم في المستدرك عقب رواية هذا الحديث عن ابن وهب عن يونس عن الزهري قال: فلمَّا كان في رأس المائة منّ الله على هذه الأمّة بعمر بن عبد العزيز، قال الحافظ ابن حجر: وهذا يشعر بأنّ الحديث كان مشهورًا في ذلك العصر، ففيه تقوية لسنده مع أنَّه قويّ لثقة رجاله. انتهى.

стр. 1044

وقال أبو جعفر النحّاس في كتاب الناسخ والمنسوخ: قال سفيان بن عيينة: بلغني أنَّه يخرج في كلّ مائة سنة بعد موت النبيّ ﷺ رجل من العلماء يقوّي به الله الدّين، وإنّ يحيى بن آدم عندي منهم. وقال أبو بكر البزّار: سمعت عبد الملك بن عبد الحميد الميموني يقول: كنت عند أحمد بن حنبل فجرى ذكر الشافعي، فرأيت أحمد يرفعه وقال: يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة من يقرّر لها دينها"، قال: فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى. وأخرج البيهقي من طريق أبي سعيد الفريابي قال: قال أحمد بن حنبل: "إنّ الله يقيّض للناس في رأس كلّ مائة سنة من يعلّم الناس السنن، وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب"، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي. وأخرج أبو إسماعيل الهروي من طريق حميد بن زنجويه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يروى في الحديث عن النبي ﷺ : "أنّ الله يمنّ على أهل دينه في رأس كلّ مائة سنة برجل من أهل بيتي، يبيِّن لهم أمر دينهم"، وإنِّي نظرت في مائة سنة فإذا هو رجل من آل رسول الله ﷺ وهو عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائة الثانية فإذا هو محمد بن إدريس الشافعي. قال القاضي تاج الدّين السبكي: ولأجل ما في هذه الرّواية من الزّيادة، لا أستطيع أن أتكلّم في المئين بعد الثانية، فإنَّه لم يذكر فيها أحد من أهل النبيّ ﷺ ، قال: ولكن هنا دقيقة ننبّهك عليها فنقول: لما لم نجد بعد المائة الثانية من أهل البيت من هو بهذه المثابة، ووجدنا جميع من قيل إنَّه مبعوث في رأس كلّ مائة ممّن تذهب بمذهب الشافعي وانقاد لقوله، علمنا أنَّه الإمام المبعوث الذي استقرّ أمر الناس على قوله، وبعث بعده في رأس كلّ مائة من يقرّر مذهبه. انتهى. قلت: وهذا تأويل بعيد، والتأويل الظاهر أن نقول (١): إن أراد ﷺ

стр. 1045

بقوله: "من أهل بيتي" أي: من قريش كما هو المراد في الخلافة، اتّسع الأمر وسهل، فإنَّ دائرة نسب قريش أوسع من دائرة نسب بني هاشم والمطّلب، وحينئذٍ فلا يعدم واحد من المذكورين أن يكون قرشيًّا وإن كنَّا لا نعرف اتّصال نسبه إلى قريش، وقد عرف ذلك يقينًا في الإمام فخر الدّين الرازي، فإنّه بكريّ من ذريّة أبي بكر الصدِّيق ﵁. وإن كان المراد ما هو أخصّ من ذلك احتاج إلى النَّظر فيه، والأظهر أنَّ المراد الأوّل، ويؤيّده أن عمر بن عبد العزيز قد عُدّ على رأس المائة الأولى بالإجماع، ومعلوم أنَّه ليس بهاشميّ ولا مطّلبي وإنّما هو أمويّ، وبنوا أميّة ليسوا من الآل على مذهب الشافعي ﵁ وإنَّما هم من قريش الذي هو النّسب الأعمّ، وهم من ذرية عبد شمس، وعبد شمس هو أخو هاشم والمطّلب ونوفل، والأربعة أولاد عبد مناف، وقد سوّى النبي ﷺ بين أولاد هاشم والمطّلب حيث أعطاهم سهم ذوي القربى وحرّم عليهم الصدقة فعدّوا من الآل، ولم يجر أولاد عبد شمس ونوفل مجراهم، فلم يعدّوا من الآل، فعدّ عمر بن عبد العزيز هنا من أهل البيت باعتبار عموم القرابة القرشيّة لا خصوص الهاشميّة والمطّلبيّة. ثمَّ إنَّ ما ذكره (ابن) (١) السبكي من التأويل ينبو عنه لفظ الحديث بلا شكّ، فإنَّ لفظه صريح في أن المبعوث (نفسه) (٢) رجل من أهل البيت، فكيف يكتفى في ذلك بكونه من غيرهم وهو متمذهب بمذهب ممّن هو من أهل البيت؟ ، هذا بعيد جدًّا، والصَّادق المصدوق خبره لا يخلف، فلا بدّ من أحد أمور، إمَّا حمل الحديث على عموم قريش كما قدَّمناه، وإمَّا حمله على ما هو أعمّ من كونه أهل البيت بالنَّسب أو بالولاء، فقد صحَّ الحديث: "إنَّ مولى القوم من أنفسهم"، وقد ألحق موالي آله ﷺ بآله في تحريم الركاة عليهم، فلا يبعد أن يكون ذلك أيضًا هنا، وفي الحديث أنَّه ﷺ قال لموليين له حبشي وقبطي: "إنّما أنتما رجلان من محمَّد"، رواه الطبراني

стр. 1046

بسند حسن، وفي الحديث: "سلمان منّا أهل البيت"، وفي حديث آخر أنّ ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، أَمِن أهل البيت أنا؟ قال: "نعم". وإمَّا أن يقال: لا يشترط في ذلك كونه من جهة الأب بل يكفي كونه من جهة الأمّ، وذلك شائع عندهم كثيرًا وإن لم يثبت به النسب، ففرق بين النّسب والأهلية. وهذا المحمل الأخير هو الصَّحيح بل الصَّواب، لأنَّ إمامنا وأصحابنا صرَّحوا بذلك في بابي الوقف والوصيّة، قال ابن الصبَّاغ في الشامل: فرع: قال (في) (١) البويطي: إذا قال وقفت هذا على أهل بيتي، فأهل بيته أقاربه من قبل الرّجال والنساء. وكذا (٢) ذكر الدّارمي في الاستذكار، وابن كجّ في التجريد في الوصيّة، وفي شرح الكبير للرَّافعي والرَّوضة للنووي، فيما لو أوصى لأهل بيت الرّجل، فالأصحّ أنَّه يدخل فيهم القرابة من جهة الرّجال والنساء والزوجات أيضًا. وقال ابن الرّفعة في الكفاية: إذا وقف على أهل بيته صرف إلى قرابته من جهة الرجال والنساء، حكاه في الشامل عن البويطي، وفي الحاوي حكاية ثلاثة أوجه؟ أحدها: يصرف إلى من ناسبه إلى الجدّ، والثاني: لمن اجتمع معه في الرّحم، والثالث: إلى كلّ من اتَّصل إليه بنسب أو سبب، قال ﷺ : "سلمان منّا أهل البيت". انتهى. فتلخّص من جميع ما تقدّم أنّ أهل البيت لا يختصّ بمن يثبت لهم نسب النبوّة ونحوها، بل يشمل أولاد البنات. إذا تقرّر ذلك فلا يبعد أن يكون المذكرون أمّ أحدهم، أو أمّ أبيه، أو أمّ أمّه، أو أمّ جدّه، أو أمّ جدّته، فما فوق من أهل البيت، إمّا علويّة، أو جعفريّة، أو عقيليّة، أو عبَّاسية، أو مطّلبيّة، أو نحو ذلك، فحيث ما كان في أصوله أمّ ولدته، أو ولدت أحدًا من أصوله وهي من أهل البيت، صدق عليه أنَّه من أهل البيت بلا شكّ، على ما هو صريح نصّ الشافعي والأصحاب، وبهذا يتّسع المجال جدًّا، فإن ذلك في أمّهات النَّاس كثير، وهو أحسن من التَّأويل الذي قاله

стр. 1047

ابن السبكي، فإنَّ في هذا إبقاء الحديث على ظاهره واللَّفظ على مدلوله وموضوعه. والحاصل أنَّ لأهل البيت إطلاقات، أخصَّها انصرافه إلى بني هاشم والمطَّلب وهم الآل الذين تحرم عليهم الزّكاة بالأصالة، والثاني شموله لأزواجه ﷺ أيضًا، وهو (١) أعمّ من الأوّل، والثالث شموله لمطلق الذريّة وإن لم يثبت لهم النّسب، كأولاد البنات وإن سفلن، ولمطلق القرابة سواء كانت من قبل الرّجال أم من قبل النّساء، وهذا أعمّ من الأوّلين، والرَّابع شموله للموالي أيضًا وهو أعمّ من الثلاثة، وهذان الأخيران تخرّج (٢) عليهما هذه الرّواية التي نحن في تقريرها. ويؤيّد ما ذكرناه من أنَّ لأهل البيت إطلاقات، أنَّه ورد عن زيد بن أرقم أنَّه قال نساؤه من أهل بيته، وسئل مرّة أخرى من أهل بيته؟ قال: بلى إنَّ نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته الذين ذكرهم، من حرموا الصدقة بعده وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس، أخرجه مسلم، ثمَّ قال باب الدّليل على أن أزواجه ﷺ من أهل بيته في الصَّلاة عليهنّ، وأورد فيه حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلَّى علينا أهل البيت، فليقل اللهم صلّ على محمد النبيّ وأزواجه وذريّته وأهل بيته، كمّا صلّيت على إبراهيم إنّك حميد مجيد" أخرجه أبو داود، وقال البيهقي: فكأنَّه ﷺ أفرد أزواجه وذريّته بالذكر على وجه التّأكيد، ثمَّ رجع إلى التّعميم ليدخل فيها غير الأزواج والذرية من أهل البيت. قلت: والحديث المذكور صريح في أنَّ مطلق الذرية يطلق عليهم أهل البيت، فيشمل كلّ ولد من نسله، سواء نسب إليه كأولاد البنين أو كأولاد البنات كما هو مدلول لفظ الذريّة، وقد قال الفقهاء: لو وقف على أولاده وأولاد أولاده وذريّته ونسله وعقبه، دخل أولاد البنات وإن لم ينسبوا إليه، وفي التنزيل ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾، ومعلوم أنَّ عيسى ابن بنت.

стр. 1048

هذا ما تحرّر والله أعلم، وقال الحاكم سمعت الشيخ أبا الوليد حسَّان بن محمد الفقيه يقول: كنَّا في مجلس القاضي أبي العباس بن سريج فقام إليه شيخ من أهل العلم فقال: أَبْشِر أيها القاضي فإنَّ الله يبعث على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لهذه الأمّة أمر دينها، وإنَّه بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وبعث على رأس المائتين الشّافعي، وبعثك على رأس الثلاثمائة ثمَّ أنشأ يقول: اثنان قد مضيا فبورك فيهما ... عمر الخليفة ثمّ حلف السؤدد الشّافعي الألمعي محمد ... إرث النبوَّة وابن عمّ محمد أبشر أبا العباس إنَّك ثالث ... من بعدهم سقيا لنوبة (١) أحمد فصاح ابن سريج وبكى وقال: لقد نعى إليَّ نفسي، فمات في تلك السنة. قال الحاكم: رويت أنا هذه الحكاية كتبوها، وكان ممَّن كتبها شيخ أديب فقيه، فلمَّا كان في المجلس الثاني قال لبعض الحاضرين: إنَّ هذا الشيخ قد زاد في تلك الأبيات ذكر أبي الطيب سهل بن محمد وجعله على رأس الأربع مائة فقال: والرَّابع المشهور سهل محمد ... أضحى إمامًا عند كلّ موحّد تأوي إليه المسلمون بأسرهم ... في العلم إن جا والخطب مؤيّد لا زال فيما بيننا شيخ الورى ... للمذهب المختار خير مجدّد قال الحاكم: فلمَّا سمعت هذه الأبيات المزيدة سكتّ ولم أنطق وغمَّني ذلك، إلى أن قدّر الله وفاته تلك السنة. وقال أبو حفص عمر بن علي المطّوعي في كتاب المذهب في ترجمة الإمام سهل الصعلوكي: كان إمام الدّنيا بالإطلاق، وشافعي عصره بالإطباق وقد أنشد فيه بعض أهل عصره:

стр. 1049

إنا روينا عن نبيّ الهدى ... في السنة الواضحة الساميه بأنَّ لله أمرًا قائما ... بالدِّين في كلّ تناهي مائه فعمر الحبر حليف العلى ... قام به في المائة الباديه والشافعي المرتضى بعده ... قرره في المائة الثانيه وابن سريج بعده قد أتى ... في المائة الثالثة التاليه والشيخ سهل عمدة للورى ... في المائة الرابعة الخاليه قال الشيخ تاج الدِّين السبكي: وكان على رأس المائة حجَّة الإسلام الغزالي، وعلى السَّادسة الإمام فخر الدّين الرَّازي، وعلى السابعة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد باتّفاق من أدركنا من مشايخنا. وقال ابن الأثير: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، كلّ واحد في زمانه وأشاروا إلى القائم الذي يجدّد للناس دينهم على رأس كلّ مائة سنة، وكان كلّ قائم قد مال إلى مذهبه وحمل تأويل الحديث عليه، وذهب بعض العلماء إلى أنَّ الأولى أن يحمل الحديث على العموم، فإنَّ قوله ﵇: "إنَّ الله يبعث لهذه الأمَّة على رأس كلّ مائة سنة من يجدِّد لها دينها"، لا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلًا واحدًا، بل قد يكون واحدًا وقد يكون أكثر منه، فإن انتفاع الأمة بالفقهاء وإن كان انتفاعًا عامًّا في أمور الدين، فإن انتفاعهم بغيرهم أيضًا كثير، مثل أولي الأمر، وأصحاب الحديث، والقرَّاء، والوعَّاظ، وأصحاب الطبقات من الزهاد، ينفعون بفنّ لا ينفع به الآخر، إذ الأصل في حفظ الذين حفظ قانون السياسة، وبثّ العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء، ويتمكّن من إقامة قانون الشرع، وهذه وظيفة أولي الأمر، وكذلك أصحاب الحديث ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلَّة الشرع، والقرّاء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الرّوايات، والزهَّاد ينفعون بالمواعظ والحثّ على لزوم التقوى والزهد في الدّنيا، فكلّ واحد ينفع بغير ما ينفع به الآخر، فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعة من الأكابر المشهورين على رأس كلّ مائة سنة، يجدِّدون للناس دينهم، ويحفظونه عليهم في أقطار الأرض.

стр. 1050

قال: لكن الذي ينبغي أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلًا مشهورًا معروفًا مشارًا إليه في كلّ فنّ من هذه الفنون، فإذا حمل تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى وأشبه بالحكمة. قال: وقد كان قبل كلّ مائة أيضًا من يقوم بأمور الدّين، وإنّما المراد بالذكر من انقضت المائة وهو حيّ عالم مشهور مشار إليه. انتهى كلام ابن الأثير. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في كتابه (١) البداية والنهاية: قد ذكر كلّ طائفة من العلماء في رأس كلّ مائة سنة عالمًا من علمائهم، ينزّلون هذا الحديث عليه، وقال طائفة من العلماء: بل الصَّحيح أنَّ الحديث يشمل أكثر من واحد ممَّن يقوم بفرض الكفاية في الأقطار. وقال الحافظ ابن حجر في مناقب الشافعي: حمل بعض الأئمَّة "من" في الحديث على أكثر من الواحد، وهو ممكن بالنِّسبة لرواية "مَنْ"، لكن الرواية التي بلفظ: "رجل" أصرح في إرادة الواحد، من الرّواية التي جاءت بلفظ "من" الصلاحية "من" للواحد فما فوقه) (٢). قال: ولكن الذي يتعيّن فيمن تأخّر، الحمل على أكثر من الواحد، لأنَّ في الحديث إشارة إلى أن المجدّد المذكور يكون تجديده عامًّا في جميع أهل ذلك العصر، وهذا ممكن في حقّ عمر بن عبد العزيز جدًّا، ثمَّ في حقّ الشافعي، أمَّا من جاء بعد ذلك فلا يعدم من يشاركه في ذلك. وقال الحافظ زين الدين العراقي في نظم له: والظن أنّ الثامن المهدي من ... ولد النبي أو المسيح المهتدي فالأمر أقرب ما يكون فذو الحجى ... متأخّر وليسود غير مسود وقال الإمام بدر الدِّين الأهدل في الرّسالة المرضيّة في نصرة مذهب

стр. 1051

الأشعريّة: ما ذكر العراقي من أنَّ على رأس المائة الثامنة المهدي أو عيسى ابن مريم لاقتراب الساعة لم يصحّ، فنحن الآن في سنة ثلاثين وثمانمائة ولم يقع شيء من ذلك، وقد ذكر جماعة أنَّ المبعوث على رأس المائة الثامنة سراج الدّين البلقيني، جزم به شمس الدّين بن الجزري في مشيخته وغيره، ويحتمل أنَّه الشيخ زين الدّين العراقي وكان حافظ عصره في الحديث (١) مع الدّيانة والأمانة والتصانيف النافعة، ويحتمل كلاهما، فإنَّ المجدّد قد يكون واحدًا أو أكثر. قال: واعلم أنَّ المجدّد إنَّما هو لغلبة الظنّ ممَّن عاصره من العلماء، بقرائن أحواله والانتفاع بعلمه، ولا يكون المجدّد إلًا عالمًا بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة، ناصرًا للسنة قامعًا للبدعة، ثمَّ قد يكون واحدًا في العالم كلّه كعمر بن عبد العزيز لانفراده بالخلافة، وكالإمام الشافعي لإجماع المحقّقين على أنَّه أعلم زمانه، وقد يكون اثنين وجماعة إن لم يتحصّل الإجماع على واحد بعينه. قال: ثمَّ قد يكون في أثناء المائة من هو أفضل من المجدّد على رأسها، كذا رأيته لبعض المتأخِّرين، وإنَّما كان التجديد على رأس كلّ مائة لانخرام علماء المائة غالبًا، واندراس السنن وظهور البدع، فيحتاج حينئذٍ إلى تجديد الدّين، فيأتي الله من الخلف بعوض من السَّلف، وعلى هذا المعنى ينزّل "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ما أقاموا الدّين، لا يضرّهم من خذلهم" الحديث. ولمَّا عيَّن الإمام أحمد في المائتين الأولتين عمر بن عبد العزيز والشافعي، تجاسر من بعده على تعيين من ذكرناه، وإنَّما عيّن من ذكر على رأس كلّ مائة بالظن ممّن عاصره وحصول الانتفاع به وبأصحابه وبمصنَّفاته. قال: ويحتمل أن يبقى تاسع على رأس المائة التاسعة التي نحن فيها ويكون المهدي أو عيسى ابن مريم في المائة العاشرة عند تمام الدور والعدد العربي. انتهى كلام ابن الأهدل. قلت: وقد منَّ الله تعالى عليّ فجعلني على رأس هذه المائة التَّاسعة،

стр. 1052

وحباني منصب الاجتهاد، وأتاني البراعة وطول الباع في فنون العلوم ونشر تصانيفي في المشرق والمغرب ولله الحمد والمنّة. ومن اللَّطائف ما ذكر الحافظ أبو الفضل بن حجر قال: تفرد (١) على رأس المائة الثمانمائة خمسة بخمسة، السراج البلقيني بالاجتهاد، والزّين العراقي بالحديث، والشمس الغماري بالنّحو، والمجد الشيرازي صاحب القاموس باللّغة، والسَّراج بن الملقّن بكثرة التصانيف. وقد منَّ الله عليّ فتفرَّدت على رأس هذه المائة بهذه الخمسة أجمع، وما أحسن ما أخرجه أبو نعيم في الحلية عن أبي يزيد البسطامي أنَّه قيل له: هل أنت من الأبدال السبعة الذين هم أوتاد الأرض؟ فقال: أنا كلّ السَّبعة. * فائدة: نظير ما نحن فيه، ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن عساكر في تاريخ دمشق عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ما كان منذ (٢) كانت الدنيا رأس مائة سنة إلَّا كان عند رأس المائة أمر. قلت: والذي فهمته من هذا الأثر مع ذاك الحديث، أنَّه لا بدّ عند رأس كلّ مائة سنة من محنة شديدة فيقرنها الله بمنحة عظيمة، وهو الذي يبعثه الله لتجديد الدّين وإحيائه، رحمة منه لعباده وجبرًا لما حصل من الوهن بتلك المحنة، ولذلك أدخل أبو داود الحديث في كتاب الملاحم إشارة إلى ذلك، وأنَّه إذا وقعت فتنة جبرها الله بمن يجدّد الدِّين، كما ورد في الحديث أنَّ لله عند كلّ بدعة كيد بها الإسلام وليًّا من أوليائه يذبّ عن دينه، ولذلك لمَّا كان في آخر المئين أعظم المحن والفتن وهو خروج الدَّجال، كانت المحنة (٣) المقابلة له بنزول عيسى أعظم من كلّ ما جاء في

стр. 1053

المئين المتقدّمة، لأن المحبَّة (١) على قدر المحنة، لتصلح أن تكون في مقابلتها، ولا بد في تلك المحنة أن تكون عامّة، إمَّا عمومًا مطلقًا في الأرض أو فيها نوع عموم، وكذلك لا بدّ في المبعوث على رأس المائة أن يكون نفعه عامًّا إمَّا مطلقًا في الأرض أو يكون فيه نوع عموم. * فائدة: ويلحق بما نحن فيه، ما ذكره الحافظ جمال الدين المزي في تهذيب الكمال من طريق ضمرة بن ربيعة عن عبد الله بن شوذب قال: كان يقال يولد في كلّ مائة سنة رجل تامّ العقل، وكانوا يرون أنَّ إياس بن معاوية منهم. * فائدة: ومن نظير ذلك ما أخرجه الحاكم وصحَّحه عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ لله ريحًا يبعثها على رأس مائة سنة تقبض روح كلّ مؤمن". *** [باب في أمارات الملاحم]

стр. 1054

(عمران بيت المقدس خراب يثرب) قال ابن كثير: ليس المراد أنّ المدينة تخرب بالكليّة قبل خروج الدجّال، وإنَّما ذلك في آخر الزّمان. *** [باب في تواتر الملاحم] (الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدّجال في سبعة أشهر) وفي الحديث الذي يليه: (بين الملحمة وفتح المدينة ستّ سنين) قال ابن كثير: هذا مشكل مع الذي قبله، اللَّهم إلَّا أن يكون من أوَّل الملحمة وآخرها ستّ سنين، ويكون بين آخرها وفتح المدينة وهي القسطنطينية مدّة قريبة بحيث يكون ذلك مع

стр. 1055

خروج الدجّال في سبعة أشهر. انتهى، والملحمة الحرب وموضع القتال (١)، والجمع ملاحم. **** [باب في تداعي الأمم على الإسلام] (يوشِك) بكسر الشين، أي: يقرب (٢) (الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) قال القرطبي في التذكرة: تداعي الأمم اجتماعها ودعاء بعضها بعضًا حتى تصير العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكَلة. (كغثاء السَّيل) بضمّ الغين المعجمة ومثلَّثة مخفّفة وقد تشدَّد، ومدَّ، ما يجيء فوق السيل ممَّا يحمله من الزّبد والوسخ وغيره. *** [باب في المعقل من الملاحم]
следующие страницы →