الأشعريّة: ما ذكر العراقي من أنَّ على رأس المائة الثامنة المهدي أو عيسى ابن مريم لاقتراب الساعة لم يصحّ، فنحن الآن في سنة ثلاثين وثمانمائة ولم يقع شيء من ذلك، وقد ذكر جماعة أنَّ المبعوث على رأس المائة الثامنة سراج الدّين البلقيني، جزم به شمس الدّين بن الجزري في مشيخته وغيره، ويحتمل أنَّه الشيخ زين الدّين العراقي وكان حافظ عصره في الحديث (١) مع الدّيانة والأمانة والتصانيف النافعة، ويحتمل كلاهما، فإنَّ المجدّد قد يكون واحدًا أو أكثر.
قال: واعلم أنَّ المجدّد إنَّما هو لغلبة الظنّ ممَّن عاصره من العلماء، بقرائن أحواله والانتفاع بعلمه، ولا يكون المجدّد إلًا عالمًا بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة، ناصرًا للسنة قامعًا للبدعة، ثمَّ قد يكون واحدًا في العالم كلّه كعمر بن عبد العزيز لانفراده بالخلافة، وكالإمام الشافعي لإجماع المحقّقين على أنَّه أعلم زمانه، وقد يكون اثنين وجماعة إن لم يتحصّل الإجماع على واحد بعينه. قال: ثمَّ قد يكون في أثناء المائة من هو أفضل من المجدّد على رأسها، كذا رأيته لبعض المتأخِّرين، وإنَّما كان التجديد على رأس كلّ مائة لانخرام علماء المائة غالبًا، واندراس السنن وظهور البدع، فيحتاج حينئذٍ إلى تجديد الدّين، فيأتي الله من الخلف بعوض من السَّلف، وعلى هذا المعنى ينزّل "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ما أقاموا الدّين، لا يضرّهم من خذلهم" الحديث. ولمَّا عيَّن الإمام أحمد في المائتين الأولتين عمر بن عبد العزيز والشافعي، تجاسر من بعده على تعيين من ذكرناه، وإنَّما عيّن من ذكر على رأس كلّ مائة بالظن ممّن عاصره وحصول الانتفاع به وبأصحابه وبمصنَّفاته. قال: ويحتمل أن يبقى تاسع على رأس المائة التاسعة التي نحن فيها ويكون المهدي أو عيسى ابن مريم في المائة العاشرة عند تمام الدور والعدد العربي. انتهى كلام ابن الأهدل.
قلت: وقد منَّ الله تعالى عليّ فجعلني على رأس هذه المائة التَّاسعة،
стр. 1052
وحباني منصب الاجتهاد، وأتاني البراعة وطول الباع في فنون العلوم ونشر تصانيفي في المشرق والمغرب ولله الحمد والمنّة.
ومن اللَّطائف ما ذكر الحافظ أبو الفضل بن حجر قال: تفرد (١) على رأس المائة الثمانمائة خمسة بخمسة، السراج البلقيني بالاجتهاد، والزّين العراقي بالحديث، والشمس الغماري بالنّحو، والمجد الشيرازي صاحب القاموس باللّغة، والسَّراج بن الملقّن بكثرة التصانيف.
وقد منَّ الله عليّ فتفرَّدت على رأس هذه المائة بهذه الخمسة أجمع، وما أحسن ما أخرجه أبو نعيم في الحلية عن أبي يزيد البسطامي أنَّه قيل له: هل أنت من الأبدال السبعة الذين هم أوتاد الأرض؟ فقال: أنا كلّ السَّبعة.
* فائدة:
نظير ما نحن فيه، ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن عساكر في تاريخ دمشق عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ما كان منذ (٢) كانت الدنيا رأس مائة سنة إلَّا كان عند رأس المائة أمر.
قلت: والذي فهمته من هذا الأثر مع ذاك الحديث، أنَّه لا بدّ عند رأس كلّ مائة سنة من محنة شديدة فيقرنها الله بمنحة عظيمة، وهو الذي يبعثه الله لتجديد الدّين وإحيائه، رحمة منه لعباده وجبرًا لما حصل من الوهن بتلك المحنة، ولذلك أدخل أبو داود الحديث في كتاب الملاحم إشارة إلى ذلك، وأنَّه إذا وقعت فتنة جبرها الله بمن يجدّد الدِّين، كما ورد في الحديث أنَّ لله عند كلّ بدعة كيد بها الإسلام وليًّا من أوليائه يذبّ عن دينه، ولذلك لمَّا كان في آخر المئين أعظم المحن والفتن وهو خروج الدَّجال، كانت المحنة (٣) المقابلة له بنزول عيسى أعظم من كلّ ما جاء في
стр. 1053
المئين المتقدّمة، لأن المحبَّة (١) على قدر المحنة، لتصلح أن تكون في مقابلتها، ولا بد في تلك المحنة أن تكون عامّة، إمَّا عمومًا مطلقًا في الأرض أو فيها نوع عموم، وكذلك لا بدّ في المبعوث على رأس المائة أن يكون نفعه عامًّا إمَّا مطلقًا في الأرض أو يكون فيه نوع عموم.
* فائدة:
ويلحق بما نحن فيه، ما ذكره الحافظ جمال الدين المزي في تهذيب الكمال من طريق ضمرة بن ربيعة عن عبد الله بن شوذب قال: كان يقال يولد في كلّ مائة سنة رجل تامّ العقل، وكانوا يرون أنَّ إياس بن معاوية منهم.
* فائدة:
ومن نظير ذلك ما أخرجه الحاكم وصحَّحه عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ لله ريحًا يبعثها على رأس مائة سنة تقبض روح كلّ مؤمن".
***
[باب في أمارات الملاحم]
стр. 1054
(عمران بيت المقدس خراب يثرب) قال ابن كثير: ليس المراد أنّ المدينة تخرب بالكليّة قبل خروج الدجّال، وإنَّما ذلك في آخر الزّمان.
***
[باب في تواتر الملاحم]
(الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدّجال في سبعة أشهر) وفي الحديث الذي يليه:
(بين الملحمة وفتح المدينة ستّ سنين) قال ابن كثير: هذا مشكل مع الذي قبله، اللَّهم إلَّا أن يكون من أوَّل الملحمة وآخرها ستّ سنين، ويكون بين آخرها وفتح المدينة وهي القسطنطينية مدّة قريبة بحيث يكون ذلك مع
стр. 1055
خروج الدجّال في سبعة أشهر. انتهى، والملحمة الحرب وموضع القتال (١)، والجمع ملاحم.
****
[باب في تداعي الأمم على الإسلام]
(يوشِك) بكسر الشين، أي: يقرب (٢) (الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) قال القرطبي في التذكرة: تداعي الأمم اجتماعها ودعاء بعضها بعضًا حتى تصير العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكَلة. (كغثاء السَّيل) بضمّ الغين المعجمة ومثلَّثة مخفّفة وقد تشدَّد، ومدَّ، ما يجيء فوق السيل ممَّا يحمله من الزّبد والوسخ وغيره.
***
[باب في المعقل من الملاحم]
стр. 1056
(فسطاط (١) المسلمين) قال الزمخشري: هو ضرب من الأبنية في السَّفر (٢) دون السُّرادق، وبه سمِّيت المدينة التي يجتمع فيها الناس.
(أبعد مسالحهم) قال القرطبي: هي الطلائع، ويقال للقوم: يستعدلهم (٣) في المراصد ويرتّبون، وسمُّوا بذلك لحملهم السَّلاح.
****
[باب في النهي عن تهييج الترك والحبشة]
стр. 1057
(دعوا الحبشة ما ودعوكم) فيه استعمال الماضي من هذا الفعل، والمعروف أنَّهم أماتوا (١) ماضي يدع ويذر استغناء بتَرك، فإمَّا أن يكون هذا من تصرّف الرّوَاة المولّدين بالمعنى، وإمَّا يكون ثابتًا لقصد المقابلة في قوله: (واتركوا الترك ما تركوكم) وقد قرئ في الشّاذ (ما ودعك ربّك) بالتَّخفيف، وقال الشاعر:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحبّ حتى ودعه
وفي قوله: "اتركوا الترك"، جناس الإطلاق أو الاشتقاق.
***
[باب في قتال الترك]
(وجوههم كالمجان المطرقة) جمع مجن وهو الترس، قال في النهاية: أي: التراس التي ألبست العقب شيئًا فوق شيء، ومنه طارَقَ النَّعل إذا
стр. 1058
صيَّرها طاقًا فوق طاق وركَّب بعضها على بعض، قال: ورواه بعضهم بتشديد الرَّاء للتكثير، والأوّل أشهر.
وقال الخطّابي: المطرقة هي التي (قد عدّلت) (١) بطراق (٢)، وهو الجلد الذي يغشاه، شبّه وجوههم في عرضها ونتوء وجناتها، بالترس الذي ألبس الأطرقة.
وقال البيضاوي: شبَّه وجوههم بالترس لبسطها وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها.
وقال القاضي عياض في المشارق: الصواب فيه: "المطرّقة"، بفتح الطَّاء وتشديد الراء.
قال ابن دحية: وقال لي شيخنا أبو إسحاق الحصري اللَّغوي: بل الصواب فيه المطرقة بسكون الطاء وفتح الرَّاء
(يلبسون الشعر) وفي الحديث الذي يليه (نعالهم الشعر) قال القرطبي في التذكرة: أي يصنعون من الشّعر حبالًا ويصنعون منها نعالًا كما يصنعون منه ثيابًا، هذا ظاهره، ويحتمل أن يريد بذلك أن شعورهم كثيفة طويلة، فهي إذا سدلوها كاللّباس وذوائبها لوصلوها إلى أرجلهم كالنّعال، والأوّل أظهر. قال ابن دحية (٣): وإنَّما كانت نعالهم من ضفائر الشعر أو من جلود مشعرة، لما في بلادهم من الثلج العظيم الذي لا يكون في بلد كبلادهم، ويكون من جلد الذئب وغيره، قال: وقوله يلبسون الشعر، إشارة إلى الشرابيش التي تدار عليها بالقندس، والقُندس كلب الماء وهو من ذوات الشعر كالمعز، وذوات الصوف الضأن (٤)، وذوات الوبر كالإبل. (ذلف الآنف) قال القرطبي: أي غلاظها، ويروى بالدّال المهملة، والمعجمة أكثر.
стр. 1059
وقال في النهاية: هو جمع أذلف كأحمر وحمر، والذَّلَف بالتحريك قصر الأنف وانبطاحه، وقيل ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته، والآنُف جمع قلّة للأنف، وضع موضع جمع الكثرة، ويحتمل أنَّه قلّلها لصغرها. انتهى.
(يقاتلكم قوم صغار الأعين - يعني الترك - قال: تسوقونهم ثلاث مرار حتى تلحقونهم بجزيرة العرب) إلى قوله (وأمّا في الثّالثة فيصطلمون) أي: يستأصلون، من الصلم وهو الفطع المستأصل، زاد أحمد في مسنده: "قالوا: يا نبيّ الله من هم؟ قال: االترك، أما والذي نفسي بيده ليربطنّ خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين"، قال: وكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسقية، يعذ ذلك للهرب، ممَّا سمع من النبي ﷺ من البلاء من الترك".
قال الحافظ أبو الخطَّاب بن دحية: قد وقع ذلك على نحو ما أخبر به ﷺ ، فخرج في سنة سبع عشرة وستمائة جيش من الترك يقال لهم: التتر، عظم البلاء بهم، ولا شك أتهم هم المنذر بهم في الحديث، وأن لهم ثلاث خرجات يصطلمون في الأخيرة منها.
قال القرطبي في التذكرة: قد كملت خرجاتهم، فخرجوا على العراق الأوّل والثاني، وخرجوا في هذا الوقت على العراق الثّالث، بغداد وما اتصل بها، فقتلوا جميع من فيها من الملوك والعلماء والعتاد، وعبروا الفرات إلى حلب والشام، فخرج إليهم من مصر الملك المظفر فقتل منهم عددًا كثيرًا ورجعوا منهزمين.
***
стр. 1060
[باب في ذكر البصرة]
(ينزل ناس من أمتي بغائط) قال الخطّابي: هو البطن (١) المطمئن من الأرض.
(فإذا كان آخر الزمان جاء بنو قنطوراء) هم التّرك، يقال: إنَّ قنطوراء اسم جارية كانت لإبراهيم ﵇، ولدت له أولادًا جاء من نسلهم الترك.
стр. 1061
(عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال (١): يا أنس، إنّ الناس يمصّرون أمصار، وإنَّ مصرًا منها يقال له: البصرة) الحديث هذا الحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات من غير الطريق التي أخرجه منها المصنف، وغفل عن هذه الطريق، وقد تعقَّبته فيما كتبته على كتابه، وقال الحافظ صلاح الدّين العلائي: هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أبي يعلى الموصلي ثنا عمَّار بن زربي ثنا النضر بن أنس عن أبيه عن جدّه عن أنس، وتعلَّق فيه بعمَّار بن زربي وأنَّه متهم، وهو كما ذكر، لكن الحديث لم ينفرد به عمَّار، بل له سند آخر عند أبي داود رجاله كلّهم من رجال الصحيح، وليس فيه سوى عدم الجزم باتّصاله بقول عبد العزيز فيه: "لا أعلمه إلَّا ذكره عن موسى بن أنس"، ولكن هذا يقتضي غلبة الظنّ به، وذلك كاف كما في أمثاله.
(وعليك بضواحيها) جمع ضاحية وهي البادية.
(ورجف) أي: زلزلة.
***
[باب النهي عن تهييج الحبشة]
стр. 1062
(فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلَّا ذو السويقتين من الحبشة) قال الخطّابي: هذا تصغير السَّاق، والسَّاق مؤنَّثة فلذلك أدخل في تصغيرها التّاء، وعامَّة الحبشة في سوقهم حموشة ودقّة.
وذكر الحليمي وغيره عن كعب أن ظهور ذي السويقتين في زمن عيسى ﵇، وذلك بعد يأجوج ومأجوج، فيبعث إليه عيسى طليعة ما بين التسعمائة إلى الثَّمانمائة، فبينما هم يسيرون إليه إذ بعث الله ريحًا يمانية طيّبة فيقبض فيها روح كلّ مؤمن.
***
[باب أمارات الساعة]
(إنّ أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، أو الدَّابة على الناس ضحًى) قال الحافظ عماد الدِّين بن كثير: أي أوَّل الآيات التي ليست بمألوفة، وإن كان الدجّال ونزول عيسى ﵇ من السَّماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، فكلّ ذلك أمور مألوفة لأنَّهم بشر
стр. 1063
مشاهدون، فهُم وأمثالهم مألوفون، فأمَّا خروج الدابة على شكل غريب غير مألوف ومخاطبتها الناس، ووسمها إيَّاهم بالإيمان أو الكفر، فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أوَّل الآيات الأرضيّة، كما أنَّ طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أوّل الآيات السماويَّة. انتهى.
(فأيّتهنّ) (١) ذكر سيبويه أنَّ تأنيث أيّ كتأنيث كلّ أي أنَّه غير فصيح.
(لن تقوم حتى يكون قبلها عشر آيات) الحديث ذكر القرطبي في التذكرة عن بعض العلماء أنَّه رتّبها فقال: أوَّل الآيات الخسوفات، ثمَّ خروج الدَّجال، ثمَّ نزول عيسى، ثمَّ خروج يأجوج ومأجوج في زمنه، ثمَّ الريح التي تقبض أرواح المؤمنين فتقبض روح عيسى ومن معه، وحينئذٍ تهدم الكعبة ويرفع القرآن ويستولي الكفر على الخلق، فعند ذلك تطلع (٢) الشمس من مغربها، ثمَّ تخرج حينئذٍ الدَّابة، ثمَّ يأتي الدَّخان.
стр. 1064
وذكر البيهقي عن الحاكم نحوه، إلَّا أنَّه جعل خروج الدَّابة قبل طلوع الشمس من مغربها، ونوزع فيه، وقد ورد أنَّ القمر يطلع أيضًا من المغرب مع الشمس، أخرجه الفريابي في تفسيره بسند صحيح عن ابن مسعود، قال الكرماني: فإن قلت أهل الهيئة بيَّنوا أنَّ الفلكيات بسيط لا تختلف مقتضياتها ولا يتطرَّق إليها خلاف ما هي عليه، قلتُ: قواعدهم منقوضة ومقدّماتهم ممنوعة، وإن سلَّمنا صحَّتها فلا امتناع في انطباق منطقة البروج على معدَّل النهار بحيث يصير المشرق مغربًا وبالعكس. انتهى قلت: روى البخاري في تاريخه وأبو الشيخ في العظمة عن كعب قال: إذا أراد الله أن يطلع الشمس من مغربها أدارها بالقطب فجعل مشرقها مغربها ومغربها مشرقها.
(فذاك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾) قال العلماء: إنّما كان كذلك لأنّ ذلك من أكبر أشراط السَّاعة وعلاماتها الدالّة على اقترابها ودنوّها، فعومل ذلك الوقت معاملة يوم القيامة.
***
[باب حسر الفرات عن كنز]
стр. 1065
(يوشك الفرات) هو النَّهر المشهور وهو بالتاء المجرورة على المشهور، ويقال: إنَّه يجوز أن يكتب بالهاء كالتابوت والتابوه والعنكوت والعنكبوه، أفاده الكمال ابن العديم في تاريخه نقلًا عن إبراهيم بن أحمد بن اللَّيث.
(أن يحسر) هو بفتح أوَّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه والحاء والسين مهملتان، أي: ينكشف (عن كنز من ذهب) قال في فتح الباري: يحتمل أن يكون دنانير وأن يكون قطعًا وأن يكون تِبرًا.
(فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا) قال الحليمي في المنهاج: يشبه أن يكون هذا في آخر الزّمان الذي أخبر النبي ﷺ أن المال يفيض فيه فلا يقبله أحد، وذلك زمن عيسى ﵇، فلعلّ سبب هذا الفيض العظيم ذلك الكنز مع يضمنه (١) المسلمون من أموال المشركين، ويحتمل أن يكون نهيه عن الأخذ منه لتقارب الأمر وظهور أشراطه، فإنَّ الرُّكون إلى الدنيا والاستكثار منها مع ذلك جهل واغترار، ويحتمل أن يكون إذا حرصوا على النيل منه تدافعوا وتقاتلوا، ويحتمل أن يكون يجري مجرى المعدن فإذا أخذه أحدهم ثمَّ لم يجدوا من يخرج حق الله إليه لم يوثق بالبركة من الله فيه، فكان الانقباض عنه أولى.
قال القرطبي: التأويل الأوسط هو الذي عليه الحديث.
***
[باب خروج الدجّال]
стр. 1066
(لأنا بما مع الدجّال أعلم منه، إنّ معه نهرًا (١) من ماء ونهرًا من نار، فالذي ترون أنّه نار ماء، والذي ترون أنّه ماء نار) قال في فتح الباري: هذا يرجع إلى اختلاف المرئي بالنسبة إلى الرَّائي، فإمَّا أن يكون الدجَّال ساحرًا فيخيل الشيء بصورة عكسه، وإمّا أن يجعل الله باطن الجنة التي سخرها للدجال نارًا وباطن النار جنة، وهذا أرجح.
стр. 1067
(ما بعث نبيّ إلّا قد أنذر أمّته الدجّال) استشكل ذلك مع أن الأحاديث قد ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذكرت، وأنّ عيسى يقتله بعد أنّ ينزل من السماء ويحكم بالشّريعة المحمدية، والجواب: إنَّه كان وقت خروجه أخفي على نوح ومن بعده، ولم يذكر لهم وقت خروجه، فحذّروا قومهم من فتنته، ويؤيّده قوله ﷺ : (أن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم) فإنَّه محمول على أن ذلك كان قبل أن يبيّن له وقت خروجه
стр. 1068
وعلاماته، فكان ﷺ يجوِّز أن يخرج ثمَّ حياته، ثمَّ بيَّن له (١) بعد ذلك حاله ووقت خروجه فأخبره، فبذلك يجمع بين الأخبار.
(ألا وإنّه أعور وإنّ ربّكم ليس بأعور) قيل السرّ في اختصاصه ﷺ بالتنبيه المذكور، ولم يقله نبيّ لقومه مع أنَّه من أوضح الأدلّة في تكذيب الدجّال، أن الدجّال إنّما يخرج في أمته دون غيرها ممّن تقدّم من الأمم، ودلّ الخبر على أنّ علم كونه يختصّ خروجه بهذه الأمة، كان طوي عن غير هذه الأمة، كما طوي عن الجميع علم قيام الساعة، وإنَّما اقتصر على ذلك مع أنَّ أدلة الحدوث في الدجّال ظاهرة لأنّ العور أثر محسوس يدركه العالم والعامي ومن لا يهتدي إلى الأدلة العقليّة، فإذا ادّعى الربوبيّة وهو ناقص الخلقة، والإله يتعالى عن النقص، علم أنَّه كاذب.
(وإنّ بين عينه مكتوبًا) اسم (كـ ف ر) (٢) قال ابن العربي: فيه إشارة إلى أن فعل وفاعل من الكفر إنَّما يكتب بغير ألف، وكذا هو في رسم المصحف وإن كان أهل الخط أثبتوا في فاعل الفاء فذلك لزيادة البيان.
(يقرؤه كلّ مسلم) زاد ابن ماجة: "كاتب وغير كاتب"، قال النووي: الصحيح الذي عليه المحقّقون أن الكتابة المذكورة حقيقة جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجال، فيظهر الله المؤمن عليها ويخفيها عمّن أراد شقاوته. وقال بعضهم: هي مجاز عن سِمة الحدوث عليه، وهو مذهب ضعيف، ولا يلزم من قوله: "يقرؤه كلّ مسلم كاتب وغير كاتب" أن لا تكون الكتابة حقيقة، بل يقدّر الله غير الكاتب على الإدراك فيقرأ ذلك وإن لم يكن سبق له معرفة الكتابة.
(إنَّ مسيح الدجّال) ذكر القرطبي في التذكرة أنه اختلف في تسميته دجّالًا على عشرة أقوال، وذكر شيخ شيوخنا الإمام مجد الدّين الشّيرازي
стр. 1069
صاحب القاموس، أنَّه اجتمع له من الأقوال في سبب تسميته بالمسيح خمسون قولًا، وذكر القاضي أبو بكر بن العربي أنَّ من شدّد سينه أو أعجم حاءه فقد حرّف.
(أفحج) بفاء ساكنة ثمَّ حاء مهملة مفتوحة ثمّ جيم، قال الخطّابي: هو الذي إذا مشى باعد بين رجليه.
(أعور مطموس العين، ليس بناتئة) بنون ومثنّاة (ولا جحراء) بالمدّ، قال الخطّابي: هي التي قد انخسفت فبقي مكانها غائرًا (١) كالجحر، يقول إنّ عينه سادة لمكانها مطموسة أي ممسوحة ليست بناتئة ولا منخسفة.
وذكر صاحب النهاية أنَّها بتقديم الجيم على الحاء وقال: أي: ليست غائرة منجحرة في نُقْرتها، وقال الأزهري: إنَّها بتقديم الحاء على الجيم، قال الهروي: إن كان ذلك محفوظًا، فمعناه ليست بصلبة متحجّرة.
(عن النوّاس بن سمعان) قال ابن دحية: هو معدود في الشَّاميين، يقال: إنَّ أباه سمعان وفد على النبي ﷺ ودعا له، وزوجه أخته الكلابية، وهي تعوَّذت منه، وبكسر السين قيّده علماؤنا المتقنون اللّغويون، وقيَّده جماعة من أشياخنا بالفتح. انتهى.
(ثمّ ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق) قال الحافظ عماد الدين بن كثير: قد جدّد بناء منارة في زماننا في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة من حجارة بيض، وكان بناؤها من أموال النّصارى الذين حرقوا المنارة التي كانت مكانها، قال: ولعلّ هذا يكون من دلائل النبوة الظاهرة حيث قيّض الله بناء هذه المنارة البيضاء من أموال النصارى لينزل عيسى عليها.
стр. 1070
(من حفظ عشر آيات من (أوَّل) (١) سورة الكهف عصم من فتنة الدجّال) وفي رواية مسلم: "من آخر الكهف"، قال النووي: قيل سبب ذلك، ما في أوَّلها من العجائب والآيات فمن تدبَّرها لم يفتتن بالدَّجال، وكذا في آخرها: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا﴾. وقال القرطبي: اختلف المتأوَّلون في سبب ذلك، فقيل لما في قصَّة أصحاب الكهف من العجائب والآيات، فمن علمها لم يستغرب أمر الدجّال ولم يهله ذلك فلن يفتتن به، وقيل لقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ تمسكًا بتخصيص البأس بالشدّة واللَّدنيّة، وهو مناسب لما يكون من الدجّال من دعوى الإلهية واستيلائه وعظم (٢) فتنته، ولذلك عظّم النبي ﷺ أمره وحذَّر عنه (٣) وتعوَّذ من فتنته، فيكون معنى هذا الحديث أنَّ من قرأ هذه الآيات وتدبَّرها ووقف على معناها حَذِره فأمِن من ذلك، وقيل هذا من خصائص هذه السورة كلّها، فقد روي: "من حفظ سورة الكهف ثمّ أدركه الدجّال لم يسلّط عليه"، وعلى هذا يجتمع رواية من روى من أوَّل سورة الكهف ومن روى من أخرها، ويكون ذلك العشر على جهة الاستدراج في حفظها كلّها، وقيل إنَّما كان ذلك لقوله ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ فإنّه يهوَّن بأس الدجّال، وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ فإنَّه يهوّن الصبر على فتنة الدجال بما ظهر من جنّته وناره وتنعيمه وتعذيبه، ثمَّ ذمَّه تعالى لمن اعتقد الولد يفهم منه أنَّ من ادَّعى الإلهية أولى بالذمّ وهو
стр. 1071
الدجّال، ثم قضيّة أصحاب (١) الكهف فيها عبر تناسب العصمة من الفتن، وذلك أن الله تعالى حكى عنهم أنَّهم قالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾، فهؤلاء قوم ابتلوا فصبروا وسألوا إصلاح أحوالهم فأصلحت لهم، وهذا تعليم لكلّ مدعوّ إلى الشرك، ومن روى من آخر الكهف، فلما في قوله: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي﴾ إلى آخر السورة، من المعاني المناسبة لحال الدجّال ولما في قوله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ فإن فيه ما يهوّن ما يظهره الدجّال من ناره، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ تنبيه على أحوال تابعي الدجّال إذ قد عموا عن ظهور الآيات التي تكذّبه. انتهى.
وقال الشيخ سراج الدّين البلقيني: الحكمة في اختصاص هذه الآيات بهذه الفضيلة، أنَّه اجتمع فيها من التوحيد ونفي الإلهية عن غير الله، وتكذيب من كفر، ما لم يجتمع في غيرها، وذلك في قوله: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، نقلتُه من خط الشيخ وليّ الدّين العراقي في مجموع له، وقال الشيخ أكمل الدّين في شرح المشارق: قيل: يجوز أن يكون التخصيص بذلك لما فيها من ذكر التوحيد وخلاص أصحاب الكهف من شرّ الكفرة المتجبِّرة.
стр. 1072
(عن أبي هريرة أنّ النبيّ ﷺ بقال: ليس بيني وبينه نبيّ) أوَّل الحديث عند أحمد: "الأنبياء إخوة لعلات، أمّهاتهم شتّى ودينهم واحد، وانّي أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيّ".
(وإنّه نازل) قال القرطبي في التذكرة: ذهب قوم إلى أنَّ بنزول عيسى يرتفع التكليف لئلَّا يكون رسولًا إلى أهل ذلك الزمان، يأمرهم عن الله وينهاهم، وهذا مَرْدود بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وبقوله ﷺ : "لا نبيّ بعدي" وغير ذلك من الأخبار، وإذا كان كذلك، فلا يجوز أن يتوهَّم أنّ عيسى ﵇ ينزل بشريعة متجدّدة غير شريعة نبيّنا ﷺ ، بل إذا نزل فإنّه يكون يومئذ من أتباع محمد ﷺ ، كما أخبر ﷺ حيث قال لعمر: "لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلّا اتباعي ﷺ ، فعيسى ﵇ إنّما ينزل مقرّرًا لهذه الشريعة ومجدّدًا لها، إذ هي آخر الشرائع، ومحمد ﷺ آخر الرسل، فينزل حكمًا مقسطًا، وإذا صار حكمًا فإنّه لا سلطان يومئذ للمسلمين ولا إمام ولا قاضي ولا مفتي غيره، وقد قبض الله العلم وخلا الناس منه، فينزل وقد علم بأمر الله تعالى في السماء قبل أن ينزل ما يحتاج إليه من علم هذه الشريعة للحكم بين الناس والعمل به في نفسه، فيجتمع المؤمنون عند ذلك إليه ويحكّمونه على أنفسهم، إذ لا أحد يصلح لذلك غيره.
فإن قيل: فما الحكمة في نزوله في ذلك الوقت دون غيره؟
فالجواب عنه من ثلاث أوجه:
أحدها: يحتمل أن يكون ذلك لأن اليهود يدّعون أنَّهم قتلوه، وقد ضرب الله عليهم الذلَّة فلم تقم لهم راية ولا كان لهم في بقعة من بقاع الأرض سلطان ولا قوَّة ولا شوكة، ولا يزالون كذلك حتى تقرب السَّاعة، فيظهر الدجّال وتبايعه (١) اليهود فيكونون يومئذ جنده مقدرين أنّهم ينتقمون به من المسلمين، فإذا صار أمرهم إلى هذا أنزل الله تعالى الذي عندهم أنَّهم قد قتلوه، وأبرزه لهم ولغيرهم من المنافقين والمخالفين حيًّا، ونصره على
стр. 1073
رئيسهم وكبيرهم المدّعي للرّبوبيّة فقتله، وهزم جنده من اليهود فلا يجدون يومئذٍ مهربًا.
والوجه الثاني: يحتمل أن يكون إنزاله لدنوّ أجله، لا لقتال الدجّال، لأنَّه لا ينبغي لمخلوق من التراب أن يموت في السماء، لكن أمره يجري على ما قال (٩) الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، فينزله الله تعالى ليقرّه في الأرض مدّة يراه فيها من يقرب منه ويسمع به من نأى عنه ثمّ يقبضه، فيتولّى المؤمنون أمره ويصلِّي عليه ويدفن كما دفن الأنبياء وينشر إذا نشر معهم، هذا سبب إنزاله، غير أنَّه يتَّفق في تلك الأيام (من خروج الدجّال باب لُدّ ما وردت به الأخبار) (٢)، فإذا اتّفق ذلك وكان الدجّال قد بلغ من فتنته أن ادّعى الربوبيّة ولم ينتصب لقتاله أحد من المؤمنين لقلّتهم، كان هو أحق بالتوجّه إليه ويجري قتله على يديه، فعلى هذا الوجه يكون الأمر بإنزاله لأنَّه ينزل لقتال الدجّال قصدًا.
والوجه الثَّالث: أنَّه وجد في الإنجيل فضل أمّة محمد ﷺ ، فدعى الله أن يجعله منهم فاستجاب دعاءه ورفعه إلى السَّماء إلى أن ينزل آخو الزمان، مجدّدًا لما درس من دين الإسلام دين محمّد ﷺ ، فيوافق خروج الدجال فيقتله، ولا يبعد عن هذا أن يقال إن قتاله الدجّال يجوز أن يكون من حيث إنَّه إذا حصل بين ظهراني الناس (٣) وهم مفتونون قد عمَّ فرض الجهاد وأعيانهم، وهو أحدهم، لزمه من هذا الفرض ما يلزم غيره فلذلك يقوم به، وذلك داخل في اتباع نبينا ﷺ . انتهى.
(بين ممصّرتين) قال في النهاية: الممصّرة من الثياب التي فيها صفرة خفيفة.
стр. 1074
(فيدقّ الصليب) أي: يكسره (ويقتل الخنزير) قال الخطّابي: معناه تحريم اقتنائه وأكله.
وقال غيره: أي يبطل دين النصرانية بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما يزعمه النَّصارى من تعظيمه، ووقع في الأوسط للطبراني "ويقتل الخنزير والقرد"، وإسناده لا بأس به.
قلت: وظهر لي في مناسبة ذلك أنَّها من مسخ بني إسرائيل.
(ويضع الجزية) قال الخطّابي: معناه أنَّه يضعها على أهل الكتاب ويحملهم على الإسلام ولا يقبل منهم غيره.
وقال في النهاية: أي يحمل الناس على دين الإسلام فلا يبقى ذمّي تجري عليه الجزية، وقيل أراد أنَّه لا يبقى فقير، لاستغناء النَّاس بكثرة الأموال فتوضع الجزية وتسقط، لأنَّه إنَّما شرعت لتردّ في مصالح المسلمين وتقوية لهم، فإذا لم يبق محتاج لم تؤخذ.
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية تقريرها على الكفار من غير محاباة، وتكون كثرة المال بسبب ذلك، وتعقبه النووي فقال: الصواب أنَّ عيسى لا يقبل إلَّا الإسلام، ويؤيده أن في رواية أحمد "وتكون الدَّعوة واحدة" ثمَّ قال النووي: ومعنى وضع عيسى الجزية مع أنَّها مشروعة في هذه الشريعة، لكن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى، لما دل عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية، بل نبيّنا ﷺ هو المبيّن لغايتها بقوله هذا.
(ويهلك المسيح الدجّال) زاد أحمد "ثمَّ تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنّمار مع البقر، والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان بالحيَّات".
(فيمكث في الأرض أربعين سنة) قال الحافظ عماد الدين بن كثير: يشكل عليه ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنَّه يمكث في الأرض سبع سنين، قال: اللَّهم إلَّا أن تحمل هذه السَّبع على مدَّة إقامته
стр. 1075
بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مكثه فيها قبل رفعه إلى السَّماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور.
قلت: وقد أقمت سنين أجمع بذلك، ثمَّ رأيت البيهقى قال في كتاب البعث والنشور: هكذا في هذا الحديث أن عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو في قصّة الدجّال: "فيبعث الله عيسى ابن مريم فيطلبه فيهلكه ثمّ يلبث النّاس بعده سبع سنين ليس بين اثنين عداوة"، قال البيهقي: ويحتمل أنّ قوله ثمَّ يلبث النَّاس بعده، أي: بعد موته فلا يكون مخالفًا للأوَّل. انتهى. فترجَّح هذا التأويل عندي من وجوه؛ أحدها: أنّ حديث مسلم ليس نصًّا في الإخبار عن مدَّة لبث عيسى، وذلك نصَّ فيها، والثاني: أنَّ "ثمَّ" تؤيِّد هذا التأويل لأنَّها للتَّراخي، والثالث قوله: "يلبث الناس بعده" فيتّجه أنَّ الضمير فيه لعيسى لأنَّه أقرب مذكور، والرَّابع أنَّه لم يرد في ذلك سوى هذا الحديث المحتمل ولا ثاني له، وورد مكث عيسى أربعين سنة في عدَّة أحاديث من طرق مختلفة، منها هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود وهو صحيح، ومنها ما أخرجه الطّبراني من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل عيسى ابن مريم فيمكث في الناس أربعين سنة"، ومنها ما أخرجه أحمد في الزهد عن أبي هريرة قال: "يلبث عيسى ابن مريم في الأرض أربعين سنة، لو يقول للبطحاء: سيلي عسلًا؛ لسالت عسلًا"، ومنه ما أخرجه أحمد في مسنده عن عائشة مرفوعًا من حديث الدجّال: "فينزل عيسى ابن مريم فيقتله ثمَّ يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا"، وورد أيضًا من حديث ابن مسعود عند الطّبراني، فهذه الأحاديث المتعدِّدة الصّريحة أولى من ذلك الحديث الواحد المحتمل.
(ثمَّ يتوفى فيصلّي عليه المسلمون) قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: تكون وفاته بالمدينة فيصلّي عليه هنالك ويدفن بالحجرة النبويّة. وقد روى الترمذي عن عبد الله بن سلام قال: "مكتوب في التّوراة صفة محمد وعيسى ابن مريم يدفن معه".
* * *
стр. 1076
[باب في خبر الجسَّاسة]
стр. 1077
(وأرفئوا إلى جزيرة) براء وفاء وهمزة، قال الخطّابي: أي: قرّبوا السفينة إليها، يقال أرفأت السفينة إذا قرّبتها من الساحل، والموضع الذي يشدّ فيه المرفأ.
قال في النهاية: وبعضهم يقول أرفينا بالياء والأصل الهمز.
(في أقرب السفينة) قال الخطّابي: يريد بها القوارب، وهي سفن صغار تكون مع السفن البحريّة كالجنائب لها تتّخذ لحوائجهم، واحدها قارب، فأمَّا الأقرب فإنّه جمع على غير قياس.
قال في النهاية: وقيل أقرب السفينة أدانيها، أي: ما قارب الأرض منها.
(دابة أهلب) (١) أي: كثيرة (٢) الهلب (٣) والشعر، قال في النهاية: ذكّر الصفة لأنّ الدَّابة تقع على الذكر والأنثى.
(أنا الجسّاسة) قال الخطّابي (٤): يقال: إنَّها تجسَّس الأخبار للدجّال وبه سمّيت جساسة. وروى أبو موسى المديني من حديث ابن عمرو: الدابة الهلباء التي كلَّمت تميمًا الداري هي دابة الأرض التي تكلِّم الناس، وقال: يعني بها الجسَّاسة.
(عين زغر) بزاي وغين معجمة وراء بوزن صرد عين بالشام من أرض البلقاء، قال القرطبي: وامتناع صرفه للعلميّة والعدل لأنَّه معدول عن زاغر كعمر عن عامر، وزعم ابن الكلبي أنَّ زغر اسم امرأة نسبت هذه العين إليها.
(فإنّه (٥) في بحر الشّام أو في بحر اليمن) قال القرطبي في التذكرة:
стр. 1078
هذا شكّ أو ظنّ منه ﵇، أو قصد الإبهام (١) على السَّامع ثمَّ نفى ذلك وأضرب عنه بالتحقيق فقال: (لا بل من قبل المشرق) ثمَّ أكّد ذلك بـ "ما" الزَّائدة والتّكرار اللَّفظي في قوله (ما هو) فما زائدة لا نافية. انتهى.
وقال القاضي عياض والنووي: المراد إثبات أنَّه في جهة المشرق.
(شهد جابر أنه ابن صيّاد، قلت: فإنّه قد مات، قال: وإن مات، قلتُ: فإنّه أسلم، قال: وإن أسلم، قلتُ: فإنّه دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة) يعني أنّ عدم دخوله إياها إنَّما هو بعد خروجه، قال الحافظ عماد الدين بن كثير: قال بعض العلماء: ابن صياد كان بعض الصحابة يظنّه الدجّال الأكبر وليس (به) (٢)، وإنَّما كان دجالًا صغيرًا. ثمّ قال: وليس ابن صيَّاد بالدجّال الذي يخرج في آخر الزمان قطعًا لحديث فاطمة بنت قيس
стр. 1079
فإنّه فصل في هذا المقام. وقال البيهقي في حديث فاطمة: إن الدجّال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد واحد الدجّالين الكذابين الذين أخبر رسول الله ﷺ بخروجهم، وقد خرج أكثرهم، وكأنَّ الذين يجزمون بأنَّ ابن صياد هو الدجّال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلَّا فالجمع بينهما بعيد جدًّا، إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المحتلم ويجتمع به النبيّ ﷺ ويسأله، أن يكون في آخرها شيخًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر موثقًا (١) بالحديد، يستفهم في خبر النبي ﷺ هل خرج أو لا، فالأولى أن يحمل على عدم الاطّلاع، أمّا عمر فيحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصّة تميم، ثمّ لمَّا سمعها لم يعد إلى الحلف المذكور، وأما جابر فشهد حلفه (٢) عند النبيّ ﷺ ، فاستصحب ما كان اطّلع عليه من عمر بحضرة النبي ﷺ . انتهى.
***
[باب في خبر ابن صائد]
стр. 1080
(عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ مرَّ بابن صياد) (١) الحديث قال الخطّابي: اختلف الناس في أمر ابن صيّاد، وأشكل أمره حتى قيل فيه كلّ قول، وقد سئل عن هذا فقيل؟ كيف يقارّ (٢) رسول الله ﷺ رجلًا يدّعي النبوة كاذبًا، ويتركه بالمدينة يساكنه في داره ويجاوره فيها، وما معنى ذلك، وما وجه امتحانه إياه بما جاء به من آية الدخان، وقوله بعد ذلك اخسأ فلن تعدو قدرك، قال: والذي عندي أنَّ هذه القصة إنّما جرت معه أيَّام مهادنة رسول الله ﷺ اليهود وحلفائهم، وذلك أنَّه بعد مقدمه المدينة كتب بينه وبين اليهود كتابًا صالحهم فيه على أن لا يهاجوا، وأن يتركوا على أمرهم، وكان ابن صياد منهم أو دخيلًا (٣) فيهم، وكان بلغ رسول الله ﷺ خبره وما يدّعيه من الكهانة وما يتعاطاه من الغيب، فامتحنه ﷺ بذلك ليزور به أمره ويخبر شأنه، فلمَّا كلَّمه علم أنَّه مبطل وأنَّه من جملة السَّحرة أو الكهنة، أو ممَّن يأتيه رئي من الجنّ، أو يتعاهده شيطان فيلقي على لسانه بعض ما يتكلَّم به،
стр. 1081
فلمَّا سمع منه قول الدخّ زبره وقال (اخسأ فلن تعدو قدرك) يريد أنَّ ذلك شيء اطّلع عليه الشيطان، فألقاه إليه وأجراه على لسانه، وليس ذلك من قبل الوحي السماوي إذ لم يكن له قدر الأنبياء الذين يوحى إليهم علم الغيب، ولا درجة الأولياء الذين يلهمون العلم ويصيبون بنور قلوبهم، وإنَّما كانت له تارات يصيب في بعض ويخطئ في بعض وذلك معنى قوله: (يأتيني صادق وكاذب) فقال له عند ذلك: (قد خلط عليك).
والجملة من أمره أنَّه كان فتنة امتحن الله به عباده المؤمنين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة، وقد امتحن قوم موسى ﵇ في زمانه بالعجل، فافتتن به قوم وهلكوا، ونجا من هداه الله وعصمه منهم.
وقد اختلفت الرّوايات في أمره وفيما كان من شأنه بعد كبره، فروي أنَّه قد تاب عن ذلك القول ثمَّ إنَّه مات بالمدينة، وإنَّهم لمَّا أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس وقيل لهم "اشهدوا".
(وعن جابر قال: فقدنا ابن صيَّاد يوم الحرَّة) وهذا خلاف رواية من روى أنَّه مات بالمدينة. انتهى.
وقال القرطبي في التذكرة: الصَّحيح أن ابن صياد هو الدجّال لحلف جابر وابن عمر أنَّ ابن صيّاد الدجّال، وقد استدلّ من قال إنّ الدجّال ليس ابن صيّاد بحديث الجسَّاسة وما كان في معناه، والصَّحيح خلافه، ولا يبعد أن يكون بالجزيرة ذلك الوقت ويكون بين أظهر الصحابة في وقت آخر إلى أن فقدوه يوم الحرّة. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: ويؤيّده ما أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن حسَّان بن عبد الرَّحمن عن أبيه قال: لما افتتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهود فرسخ، فكنَّا نأتيها فنمتار منها، فأتيتها يومًا فإذا اليهود يزفّون ويضربون فسألت صديقًا لي منهم، فقال: مَلكنا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبتّ عنده على سطح، فصليت الغداة فلمَّا طلعت الشمس إذا الوهج من قبل العسكر، فنظرت فإذا رجل عليه قبّة من ريحان
стр. 1082
واليهود يزفّون ويضربون، فنظرت فإذا هو ابن صيّاد فدخل المدينة فلم يعد حتى الساعة. وفي مسند أحمد بسند صحيح عن أنس أنّ الدَّجال يخرج من يهودية أصبهان وهي قرية من قراها سمّيت يهودية لأنَّها كانت تختصّ بسكنى اليهود.
(وخبّأ له ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾) قال أبو موسى المديني: السرّ في كونه ﷺ خبَّأ له هذه الآية، الإشارة إلى أن عيسى يقتله بجبل الدّخان.
(قال ابن صياد: هو الدّخ) بضمّ المهملة بعدها معجمة، في مسند أحمد من حديث أبي ذر "فأراد أن يقول الدّخان فلم يستطع فقال الدّخ" فقيل كان في لسانه شيء، وقيل إنَّه اندهش فلم يقع من لفظ الدّخان إلَّا على بعضه. وحكى الخطّابي أن الآية كانت حينئذٍ مكتوبة في يدّ النبي ﷺ فلم يهتد ابن صياد منها إلَّا لهذا القدر الناقص على طريقة الكهنة، قال: ويحتمل أن يكون خبَّأها له في ضميره، وعلى هذا فيقال كيف اطلع ابن صياد أو شيطان على ما في الضمير؟ ويجاب باحتمال أنْ يكون النبي ﷺ تحدَّث مع نفسه أو أصحابه بذلك قبل أن يختبره، فاسترق الشيطان ذلك أو بعضه.
ووهم من فسَّر قوله الدّخ بنبت يكون بين البساتين، وأشدّ وهمًا منه وقع عند الحاكم الزّخ بالزاي المفتوحة بدل الدّال، وفسَّره بالجماع، واتَّفق الأئمة على تغليطه.
(اخسأ فلن تعدو قدرك) أي: لن تتجاوز ما قدّر الله فيك، أو مقدور (١) أمثالك من الكهّان.
стр. 1083
(رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أنّ ابن صيّاد (١) الدّجال، فقلت: تحلف بالله؟ قال: إنّي سمعت عمر يحلف على ذلك عند رسول الله ﷺ فلم ينكر عليه) (٢) قال البيهقي: ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ على حلف عمر، فيحتمل أن يكون النبي ﷺ كان موقوفًا في أمره، ثمّ جاء الثَبت من الله تعالى بأنَّه غيره على ما تقتضيه قصَّة تميم.
قال الحافظ ابن حجر: وبه تمسَّك ابن حزم في أنَّ الدجّال غير ابن صياد، وطريقه أصحّ وتكون الصفة التي في ابن صياد وافقت ما في الدجال. وقد تكلَّم ابن دقيق العيد على مسألة التقرير في أوائل شرح الإلمام فقال ما ملخّصه: إذا أخبر شخص بحضرة النبي ﷺ عن أمر ليس فيه حكم شرعي، فهل يكون سكوته ﷺ دليلًا على مطابقة ما في الواقع، كما وقع لعمر في حلفه على أنَّ ابن صيَّاد هو الدجّال فلم ينكر عليه، فهل يدلّ عدم إنكاره على أن ابن صيَّاد هو الدجّال كما فهمه جابر حتى صار يحلف عليه ويستند إلى حلف عمر أو لا يدل؟ فيه نظر، قال: والأقرب عندي أنَّه لا يدلّ، لأنَّ مأخذ المسألة ومناطها هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك متوقّف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم توقّف الصحة، إلَّا أنَّ يدّعي مدّع أنّه يكفي في وجوب البيان عدم تحقّق الصّحة فيحتاج إلى دليل وهو عاجز عنه نعم التقرير يسوّغ الحلف على ذلك على عْلبة الظن لعدم توقّف ذلك على العلم، انتهى.
وقد أخرج نعيم بن حماد شيخ البخاري في كتاب العتق من طريق جبير بن نفير وشريح (٣) بن عبيد وعمرو بن الأسود وكثير بن مرّة قالوا
стр. 1084
جميعا: "الدجّال ليس هو بإنسان وإنَّما هو شيطان موثّق بسبعين حلقة في بعض جزائر اليمن، لا يعلم من أوثقه سليمان ﵇ أو غيره، فإذا آن ظهوره قدّ الله محنه كلّ عام حلقة، فإذا أبرز أتته أتان عرض ما بين أذنيها أربعون ذراعًا، فيضع على ظهرها منبرًا من نحّاس ويقعد عليها، ويتبعه قبائل الجنّ يخرجون له خزائن الأرض".
وذكر ابن وصيف المؤرّخ: الدَّجال من ولد شِقّ الكاهن المشهور، قال: ويقال بل هو شق نفسه، أنظره الله وكانت أمّه جنيّة فأخذه سليمان فحبسه في جزيرة من جزائر العرب.
قال الحافظ ابن حجر: وأقرب ما يجمع به بين ما تضمّنه حديث تميم وكون ابن صيَّاد هو الدجّال بعينه هو الذي شاهده تميم موثوقًا، وأنَّ ابن صيّاد شيطان تبدا في صورة الدجّال تلك المدة إلى أن توجّه إلى أصبهان فاستقرّ مع قرينه إلى أن تجيء المدّة التي قدّر الله خروجه فيها. وأخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن كعب الأحبار قال: لم ينزل خبر الدجّال في التوراة والإنجيل وإنَّما هو في بعض كتب الأنبياء. قال الحافظ ابن حجر: وأخلق بهذا الخبر أن يكون باطلًا، فإن في الحديث الصَّحيح أن كلّ نبيّ قبل نبيّنا أنذر قومه الدجّال.
قلت: لا منافاة، فلا يلزم من إنذارهم به نزول خبره في التوراة والإنجيل، فهذا القرآن الذي هو أجلّ الكتب قدرًا وأجمعها لكلّ شيء لم ينزل فيه خبر الدجّال صريحًا وإنَّما أنذر به ﷺ في سنّته، فكذلك يكون الإنذار به من الأنبياء في أحاديثهم دون الكتب المنزلة من الله، وقد ذكر أنّ عدم التصريح به في القرآن لحكمة وهي الاستهانة (١) به والتحقير لشأنه.
стр. 1085
(لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجّالًا) في رواية للبخاري: "قريب من ثلاثين" فما هنا على طريق جبر الكسر، ولأحمد من حديث حذيفة بسند جيّد: "سبعة وعشرون منهم أربعة نسوة".
(كلّهم يزعم أنَّه رسول الله) زاد أحمد؟ "آخرهم الأعور الدجّال"، وللطبراني "سبعون كذَّابًا" وسنده ضعيف. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون الذين يدّعون النبوة منهم ما ذكر من الثلاثين أو نحوها، وأنَّ من زاد على العدد المذكور يكون كذابًا فقط لكن يدعو إلى الضلالة من غير ادّعاء نبوة.
***
[باب الأمر والنهي]
стр. 1086
(أكيله وشريبه) قال في النّهاية: هو الذي يصاحب في الأكل والشرب، فعيل بمعنى فاعل (١).
(ولتأطرنَّه على الحقّ أطرًا) بالطاء المهملة، قال الخطّابي: أي: لتردّنه عن الجور، وأصل الأطر العطف.
وقال في النهاية: أي تعطِفونه عليه.
قال: ومن غريب ما يحكى عن نفطويه أنَّه قال: إنَّه بالظاء المعجمة من باب ظَأَر، ومنه الظِئر: المرضعة، وجعل الكلمة مهموزة فقدَّم الهمزة على الظاء.
(أو (٢) لتقصرنّه على الحقّ قصرًا) قال في النهاية: أي: لتحبسنّه عليه وتلزمنّه إياه.
стр. 1087
(قال: أجر خمسين منكم) قال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام: ليس هذا على إطلاقه، بل هو مبنيّ على قاعدتين:
إحداهما (١): أنَّ الأعمال تشرف بثمراتها.
الثانية: أن الغريب في آخر الإسلام كالغريب في أوَّله وبالعكس، لقوله ﵊: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء من أمَّتي" يريد المتفرّدين عن أهل زمانهم، إذا تقرَّر ذلك فنقول:
الإنفاق في أوّل الإسلام أفضل لقوله ﵊ لخالد بن الوليد: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه" أي: مدّ الحنطة، والسبب في ذلك أنَّ تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام وإعلاء كلمة الله ما لا تثمر غيرها، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدّمين لقلَّة عدد المتقدِّمين وقلّة أنصارهم، فكان جهادهم أفضل، ولأنَّ (٢) بذل النفس مع النَّصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها، ولذلك قال ﵇: "أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر" جعله أفضل جهاد ليأسه من حياته، وأمَّا النهي عن المنكر بين ظهور المسلمين وإظهار شعائر الإسلام فإنَّ ذلك شاقّ على المتأخّرين لعدم المعين وكثرة المنكر فيهم كالمنكر على السلطان الجائر، ولذلك (٣) علَّل ﵇ بكون القابض على دينه كالقابض على الجمر، والقابض على الجمر لا يستطيع دوام ذلك لمزيد المشقّة، فكذلك المتأخر في حفظ دينه. وأمَّا المتقدِّمون فليسوا كذلك لكثرة المعين وعدم المنكر، فعلى هذا ينزّل الحديث. انتهى.
стр. 1088
(يغربل النَّاس فيه غربلة) أي: يذهب خيارهم ويبقى أراذلهم.
(يبقى (١) حثالة) بالمثلّثة.
(من الناس) يريد أراذلهم.
(قد مرجت عهودهم) أي: اختلطت.
(وخفّت أماناتهم) أي: قلَّت.
стр. 1089
(أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) قال الخطّابي: إنّما صار ذلك أفضل الجهاد، لأن من جاهد العدوّ وكان متردّدًا بين رجاء وخوف لا يدري هل يَغلب أو يُغلب، وصاحب السُّلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرَّض للتلف وأهدف نفسه للهلاك، فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف.
(حدَّثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ) أخرجه ابن جرير في تفسيره من طريق عبد الملك بن ميسرة الزراد عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: "ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم" قيل لعبد الملك: كيف يكون ذاك؟ فقرأ هذه الآية: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾.
(لن يهلك النّاس حتى يَعذروا أو يُعذروا من أنفسهم) قال الخطّابي: فسَّره أبو عبيد وحكي عن أبي عبيدة (١) أنَّه قال: معنى يعذروا أي تكثر ذنوبهم وعيوبهم، قال: وفيه لغتان، يقال أعذر الرجل إعذارًا إذا صار ذا عيب وفساد، قال: وكان بعضهم يقول عذر يعذر بمعناه، ولم يعرفه
стр. 1090
الأصمعي. قال أبو عبيد: وقد يكون يَعذروا بفتح الياء بمعنى يكون لمن يعذرهم العذر في ذلك.
وقال في النهاية: يقال أعذر فلان من نفسه إذا أمكن منها، يعني أنّهم لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم فيستوجبوا العقوبة، ويكون لمن يعذبهم عذر كأنَّهم قاموا بعذره في ذلك، ويروى بفتح الياء من عذرت وهو بمعناه.
***
[باب قيام الساعة]
(أرأيتم ليلتكم هذه فإنّ على رأس مائة سنّة منها لا يبقى ممّن هو على ظهر الأرض أحد) قال النووي: المراد أنّ كلّ من كان تلك اللّيلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواء قلّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة. قال: وفيه احتراز عن الملائكة، وقد احتجّ بهذا الحديث من شذّ من المحدّثين فقال الخضر ﵇ ميّت، والجمهور على حياته ووجوده