بظاهر هذا الحديث وقالا: المستحبّ أن يقول: في السّلام على الموتى وعليكم السّلام دار قوم مؤمنين، ولا يقول: السلام عليكم، (قالا) (١): لأنّهم ليسوا أهلا للخطاب. قال السبكي: وهذا مخالف للحديث الصّحيح، والصّواب أنّه يسلّم على الميّت كما يسلّم على الحيّ.
وقال ابن القيم في البديع: قال قوم حديث السّلام عليكم أصحّ من حديث النهي، وذهب آخرون إلى أنّ السنّة ما دلّ عليه حديث النهي، قال: وكلّ من الفريقين إنّما أوتوا من عدم فهم مقصود الحديث، فإنّ قوله ﷺ : "فإنّ عليك السلام تحيّة الموتى"، ليس تشريعًا منه وإخبارًا عن أمر شرعيّ، وإنّما هو إخبار عن الواقع المعتاد الذي جرى على ألسنة الناس في الجاهلية، والإخبار عن الواقع لا يدلّ على الجواز فضلًا عن الاستحباب، فتعيّن المصير إلى ما ورد عنه ﷺ على الأموات.
فإن تخيّل متخيّل في الفرق، أنّ السّلام على الأحياء يتوقّع جوابه فقدّم الدعاء على المدعوّ له، بخلاف الميّت، قلنا: والسّلام على الميت يتوقّع جوابه كما ورد به الحديث. انتهى.
стр. 982
(المنّان الذي لا يعطي شيئًا إلّا منَّة) قال الخطّابي: وفيه وجه آخر أن يراد بالمنّ النّقص، يريد النقص من الحقّ والخيانة في الوزن والكيل ونحوهما، ومنه: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ أي: غير منقوص.
стр. 983
(إنّكم قادمون على إخوانكم) قال في النهاية: هذا هو المعروف في الرّواية، وجاء في بعض كتب الغريب "إنّكم تأتدمون"، أي: إنّ لكم من الغِنى ما يصلحكم، كالإدام الذي يصلح الخبز، قال: هذا جاء مرويًّا مشروحًا, والظاهر أنّه سهو.
(ولا التّفحّش) هو تكلّف الفحش وتعمّده.
***
[باب ما جاء في الكبر]
стр. 984
(قال الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا (١) منهما قذفته في النار) قال الخطّابي: معناه أن الكبرياء والعظمة صفتان لله سبحانه اختصّ بهما لا يشركه أحد فيهما، ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطاهما لأنّ صفة المخلوق التواضع والتذلّل، وضرب الرّداء والإزار مثلًا في ذلك، يقول، والله أعلم، كما لا يشرك الإنسان الإنسان في ردائه وإزاره أحد، فكذلك لا يشركني في الكبرياء والعظمة مخلوق.
وقال في النهاية: ضرب الإزار والرّداء مثلًا في انفراده بصفة العظمة والكبرياء ليستا كسائر الصفات التي قد يتّصف بها الخلق مجازًا كالرحمة والكرم وغيرهما، وشبّهما بالإزار والرّداء لأنّ المتّصف بهما يشملانه كما يشمل الرّداء الإنسان، ولأنّه لا يشاركه في ردائه وإزاره أحد، فكذلك الله لا يشركه فيهما أحد.
(لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال (حبّة من خردل) (٢) من كبر) قال الخطّابي: هذا يتأوّل على وجهين؛ أحدهما: أن يكون أراد به كبر الكفر والشرك، ألا ترى أنّه قابله في نقيضه بالإيمان فقال: (ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال (حبّة) (٣) (خردل) (٤) من إيمان) أي: دخول تخليد وتأبيد. والوجه الآخر: أنّ الله تعالى إذا أراد أن يدخله الجنّة نزع ما في قلبه
стр. 985
من الكبر حتى يدخلها بلا كبر ولا غلّ في قلبه كقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾.
(ولكن الكبر من بطر الحق) قال الخطّابي: معناه ولكن الكبر كبر من بطر (١)، فأضمر، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أي: برّ من آمن.
قلت: ويجوز أن يقدّر المضاف في الأوّل (٢) ولكن ذا (٣) الكبر من بطر، كما قيل بمثله في الآية، وقد بسطته في الكتاب الذي ألّفته في إعراب الحديث.
وقال في النهاية: بطر الحقّ أن يجعل ما جعله الله حقًّا من توحيده وعبادته باطلًا، وقيل: هو أن يتكبّر عن الحق فلا يقبله.
(وغمط الناس) بفتح الغين المعجمة والميم وتكسر وطاء مهملة، وقد يقال غمص بالصاد المهملة، أي احتقرهم واستخفّ بهم.
***
[باب في قدر موضع الإزار]
стр. 986
(أزرة المؤمن) ضبطه في النهاية بالكسر على الحالة وهيئة الائتزار.
(ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار) قال الخطابي: يتأوّل على وجهين؛ أحدهما: أن ما دون الكعبين من قدم صاحبه في النّار، عقوبة له على فعله، والآخر: أن هذا الفعل معدود في أفعال أهل النّار.
***
[باب لباس النساء]
(الرّجلة من النساء) بضم الجيم، قال في النهاية: أي التّشبه بالرّجال في زيّهم وهيأتهم، فأمّا في العلم والرّأي فمحمود.
***
[باب في قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾]
стр. 987
(عمدن إلى حجور أو حجوز) قال الخطّابي الحجور - يعني بالرّاء - لا معنى لها هنا، وإنما هو بالزاي، جمع حجز، والحجز جمع حجزة، وهو الإزار.
وقال الزمخشري: واحد الحجوز حجز بكسر الحاء وهي الحجزة، ويجوز أن يكون واحدها حجزة على تقدير إسقاط التاء كبرج وبروج.
(كأنّ على رؤوسهنّ الغربان) قال في النهاية: شبّهت الخمر في سوادها بالغربان جمع غراب.
***
[باب في قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾]
стр. 988
(أكنف مروطهنّ) قال في النهاية: يروى بالثاء المثلثة وبالنون وهو أشهر، أي أسترها وأصفقها. واقتصر الخطّابي على النون، وقال: من هذا قيل للوعاء الذي يحرز فيه الشيء كنف، وللبناء الساتر لما وراءه الكنيف.
***
[باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته]
(عن أنس أنّ النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد وقد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ثوب إذا قنّعت به رأسها لم يبلغ رجليها، واذا غطّت به رجليها لم يبلغ رأسها) هذا من شواهد تفسير التقنّع بتغطية الرأس كما هو صريح في الحديث، لا كما افتراه ذلك الملحد في دين الله المجترئ على حديث رسول الله ﷺ (١).
(فلمّا رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: إنَّه ليس عليك بأس إنّما هو أبوك وغلامك) استدلّ به من صحّح من أصحابنا جواز نظر العبد إلى سيّدته، وقال الشيخ أبو حامد: يحتمل أن يكون الغلام صغيرًا، وصوّبه النووي في مجموع له على المهذّب، وقال السبكي في الحلبيات: هو تأويل جيّد لا سيما والغلام في اللّغة إنّما يطلق على الصبيّ، وهي واقعة حال ولم يعلم بلوغه فلا حجّة فيها للجواز، ولم يحصل مع ذلك خلوة ولا معرفة ما
стр. 989
حصل النظر فيه، وإنّما فيه نفي البأس عن تلك الحالة التي ما علمت حقيقتها، ولم تجد فاطمة ما تحصل به كمال الستر الذي قصدته، وغايته التعليل باسم الغلام وهو اسم للصبي أو محتمل له، والاحتمال في وقائع الأحوال يسقط الاستدلال.
***
[باب في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾]
(كان مخنّث) (١) بكسر النون، اسمه هيت.
(فدخل علينا النبي ﷺ يوما وهو عند بعض نسائه) هي أمّ سلمة.
(وهو ينعت امرأة) هي بادنة بنت غيلان، وضبطها صاحب تحفة العروس بالياء التحتيّة وقال: إنّه لم يَر الأوّل منقولًا.
(فقال إنّها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان) قال أبو عبيد: يعني أربع عكن في بطنها فهي تقبل بهنّ، وتدبر بثمان يعني أطراف هذه العكن الأربع، وذلك لأنّها محيطة بالجنبين حتّى لحقت بالمتنين من مؤخّرها من هذا الجانب أربعة أطراف ومن الجانب الآخر مثلها فهذه ثمان.
стр. 990
والحديث رواه أصحاب السير أبسط من هذا ولفظه: "كان بالمدينة في زمن رسول الله ﷺ ثلاثة من المخنّثين يدخلون على النساء فلا يحجبون، هيت، وهدم، وماتع، وكان هيت يدخل إلى أزواج النبي ﷺ ، فدخل يومًا دار أمّ سلمة ورسول الله ﷺ عندها فأقبل على (أمّ سلمة عبد الله) (١) بن أبي أمية بن المغيرة فقال: إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فعليك ببادنة بنت غيلان فإنّها مبتلة هيفاء شموع نجلاء، إن قامت تثنّت وإن قعدت تبنّت، وإن تكلّمت تغنّت، تقبل بأربع وتدبر بثمان، مع ثغر كالأقحوان وثدي كالرمّان، أعلاها قضيب، وأسفلها كثيب، وبين رجليها كالقعب المكفوّ. فقال رسول الله ﷺ حين سمع كلامه: "لقد غلغلت النظر، ما كنت أحسبك إلّا من غير أولي الإربة"، وقال لنسائه: "لا يدخل هيت عليكنّ".
وذكر صاحب تحفة العروس أنّ بادنة هذه توفّيت في زمن عمر ﵁، ولما صلّى عليها رأى منها ما شقّ عليه، يريد من شحمها، فأخبرته أمّ سلمة أنّها رأت بأرض الحبشة أعوادًا يغطّى بها النعش، ووصفتها له، فقال عمر: نعم هودج الظعينة هذا.
***
[باب في الاختمار]
سس
стр. 991
(ليّة لا ليّتين) قال الخطّابي: يشبه أن يكون إنّما كره لها أن تلوي الخمار على رأسها ليتين لئلَّا يكون إذا تعصّبت بخمارها صارت كالمتعمّم من الرّجال يلوي أطراف العمامة على رأسه، وهذا على معنى نهيه النساء عن لباس الرجال وعن تشبههنّ بهم.
وقال في النهاية: أي: تلوي خمارها على رأسها مرّة واحدة ولا تديره مرّتين لئلَّا تتشبّه بالرّجال إذا اعتمّوا.
قلت: ونصبه بفعل مقدّر دلّ عليه الحال، أو اختمري أي اجعليه، و (١) اللفظ أي: الويه.
***
[باب في لباس القباطي للنساء]
стр. 992
(قبطيّة) قال الخطّابي: بكسر القاف منسوبة إلى قبط وهم جيل من الناس. وقال في النهاية: بضمّ القاف ثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء، كأنّه منسوب إلى القبط وهم أهل مصر، وضمّ القاف من تغيير النسب، وهذا في الثياب، فأمّا في الناس فقبطي بالكسر.
(اصدعها صدعين) قال الخطّابي: يريد شقّها نصفين، فكل شقّ منها صدع بكسر الصاد، والصاع مفتوح الصاد مصدر صدعت الشيء إذا شققته أصدعه صدعًا.
***
[باب في أهب الميّتة]
(الإهاب) هو الجلد قبل الدباغ، وجمعه أهب.
(والقرظ) بالظاء المعجمة، قال الخطّابي: هو شجر يدبغ به.
وقال في النهاية: هو وَرق السَّلَم.
стр. 993
[باب في جلود النمور والسباع]
(نهى عن جلود السّباع) قال الخطّابي: إما لكون الدباغ لا يعمل إلَّا في جلد ما يؤكل لحمه، وعليه الأوزاعي، أو يعمل في الجلد لا في الشعر، وعليه الشافعي، أو لأجل أنّها مراكب أهل السّرف والخيلاء.
***
[باب في الانتعال]
(عن أنس أنَّ نعل النبيّ ﷺ كان لها قبالان) تثنية قبال، وهو زمام النعل، وهو السير الذي يكون بين الأصبعين، وقد روينا هذا الحديث مسلسلًا بالحذو على تمثال النعل الشريف، وأفردت فيه مؤلّفًا فيه فوائد سمّيته خادم النعل الشريف.
(نهى (١) أن ينتعل الرّجل قائمًا) قال الخطّابي: لأنّ لبسها قاعدًا أسهل وأمكن، وربّما كان لبسها قائمًا سببًا لانقلابه.
стр. 994
(لا يمشي أحدكم في النّعل الواحدة) قال الخطّابي: لأنّ فيه شهرة وكلّ أمر كذلك فهو مكروه، قال: ومثل ذلك لبس أحد الخفّين وإخراج إحدى اليدين من إحدى الكمّين وترك الأخرى داخل الكمّ، وإرسال الرداء على إحدى المنكبين وإعراء الجانب الآخر منه، فكلّ ذلك مكروه. وقال في النهاية: إنّما نهى عن المشي في نعل واحدة لئلَّا يكون إحدى الرجلين أرفع من الأخرى ويكون سببًا للعثار ويقبح في المنظر ويعاب فاعله.
(شسع) بكسر الشّين المعجمة وسكون السّين المهملة، قال في النهاية: أحد سيور النعل، وهو الذي يدخل بين الأصبعين ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام السير الذي يعقد فيه الشسع.
***
[باب في الفُرُش]
стр. 995
(فراش للرجل وفراش للمرأة) قال الخطّابي: فيه أن السنة أن يبيت الرجل وحده على فراش وزوجته على فراش آخر، ولو كان المستحبّ لهما أن يبيتا معًا على فراش واحد لكان لا يرخّص له أن يتّخذ فراشين لنفسه ولزوجته، وهو إنّما يحسن له مذهب الاقتصاد والاقتصار على أقلّ ما تدعو إليه الحاجة.
(الأنماط) هي ضرب من البسط له خمل رقيق، واحدها نمط.
(ضجعة رسول الله ﷺ ) قال في النهاية: الضجعة بالكسر من الاضطجاع وهو النوم كالجلسة من الجلوس، وبفتحها المرّة الواحدة، والمراد ما كان يضطجع عليه، فيكون في الكلام مضاف محذوف تقديره كانت ذات ضجعته أو ذات اضطجاعة فراش أدم.
***
[باب في اتّخاذ الستور]
стр. 996
(وما أنا والرّقم) قال في النهاية: يريد النقش والوشي، والأصل فيه الكتابة.
***
[باب في الصليب في الثوب]
(تصليب) أي: نقش أمثال الصلبان.
(قضبه) بالقاف والضاد المعجمة والباء الموحّدة، أي: قطعه.
***
[باب في الصور]
стр. 997
(فسترته على العرض) (١) قال الخطّابي: هي الخشبة المعترضة يسقف بها البيت ثمّ يوضع (٢) عليها أطراف الخشب الصغار، يقال: عرضت (٣) البيت تعريضًا.
وقال في النهاية: قال الهروي: المحدّثون يروونه بالضاد المعجمة وهو بالصاد المهملة والسين، وهو خشبة توضع على البيت عرضًا إذا أرادوا تسقيفه ثمّ توضع عليها أطراف الخشب الصّغار. وذكره أبو عبيد بالسين وقال: والبيت المعرّس الذي ليس له عرس، وهو الحائط يجعل بين حائطي البيت لا يبلغ به أقصاه.
والحديث جاء في سنن أبي داود بالضاد المعجمة، وشرحه الخطابى في المعالم وفي غريب الحديث بالصاد المهملة وقال: قال الراوي:
стр. 998
"العرض" بالضاد المعجمة وهو غلط. وقال الزمخشري: إنّه العرص بالمهملة وشرح نحو ما تقدّم، قال: وقد روي بالضاد المعجمة لأنّه يوضع على البيت عرضا. انتهى.
(منبوذتين) قال الخطابي: أي: لطيفتين، وسمّيتا منبوذتين لأنّهما لخفّتهما تنبذان وتطرحان للقعود عليهما.
(نضد) بفتح النّون والضاد المعجمة ودال مهملة، قال الخطّابي: هو متاع البيت ينضد بعضه على بعض أي: يرفع بعضه فوق الآخر.
وقال في النهاية: هو السرير الذي ينضد (١) عليه الثياب، أي يجعل (٢) بعضها فوق بعض، وهو أيضًا متاع البيت (المنضود) (٣).
****
стр. 999
كتاب التّرجل
[باب النَّهْي عَنْ كَثير مِن الإِرْفَاه]
(نهى عن التّرجل إلّا غبًّا) قال عبدالغافر الفارسي في مجمع الغرائب: أراد الامتشاط وتعهّد الشعر وتربيته (١)، كأنّه كره المداومة عليه.
стр. 1000
(ينهانا عن كثير من الإرفاه) قال الخطّابي: معنى الإرفاه الاستكثار من الزّينة وأن لا يزال يهيّئ نفسه، وأصله من الرّفه وهو أن ترد الإبل الماء كلّ يوم، فإذا وردت يومًا ولم ترد يومًا فذلك الغبّ، ومنه أخذت الرفاهية وهي الخفض والدَّعة، كره رسول الله ﷺ الإفراط في التنعّم والدّهن والتّرجيل، وأمر بالقصد في ذلك، وليس معناه ترك الطهارة والتنظيف، فإنّ الطّهارة والنظافة من الدّين.
وقال في النهاية: هو كثرة التّدهن والتّنعم، وقيل: التوسّع في المطعم والمشرب، وهو من الرِّفه: ورد الإبل، وذلك أن ترد الماء متى شاءت، أراد ترك التّنعم والدَّعة ولين العيش لأنّه من زيّ الأعاجم وأرباب الدّنيا.
(إنّ البذاذة من الإيمان) بفتح الموحّدة وذالين معجمتين وهي رثاثة الهيئة، قال الخطّابي: أراد التجوّز في الثياب.
وقال في النهاية: أراد التّواضع في اللّباس وترك التَّبجُّح به.
(التّقحّل) بقاف وحاء مهملة، تكلّف اليبس والبِلى.
***
стр. 1001
[باب في صلة الشعر]
(لعن الله الواشمات) الحديث، قال الشيخ عز الدِّين بن عبد السلام: هذا، وقوله لعن الله اليهود ولعن الله السارق وما ورد من مثل ذلك، ليس دعاء منه ﷺ ، بل ذلك إخبار أنّ الله لعن هؤلاء لأنّه ﷺ لم يبعث لعّانًا، وقد قال: "المؤمن لا يكون لعّانًا"، وليس المراد باللّعن مطلق الإبعاد بل إبعاد شديد فلذلك نهى عنه. قال: وهنا سؤالان، الأوّل: لما استحقّ هؤلاء اللّعن؟
الثاني: إنّه ذكر في الحديث المغيّرات خلق الله، وهذا مشكل بالوشم
стр. 1002
الذي يغيّر الجلد بالكحل فإنّه صبغ كالحنّاء والكتم المجمع على جواز استعمالهما ولم يجعل ذلك تغييرًا للخلق؟
قال: والجواب عن الأوّل، (أنّ) استحقاق اللّعن بسبب التّدليس على الأزواج ببرد الأسنان بالوشر، وتطويل الشّعر بالوصل، فيؤدّي ذلك إلى تكثير صداق وإنفاق مال بغير عوض، وأمّا التعليل بتغيير الخلق فمشكل بالوشم (١) إذ لا تدليس فيه ولا مفسدة.
***
[باب ما جاء في المرأة تتطيب للخروج]
(استعطرت) استعملت العطر وهو الطيب.
(فهي كذا وكذا) زاد الترمذي "يعني زانية".
стр. 1003
(ولذيلها إعصار) قال الخطّابي: الإعصار غبار ترفعه الرّيح.
وقال في النهاية: هو الغبار الصاعد إلى السماء مستطيلًا وهي الزوبعة، قيل وتكون العصرة من فوح الطيب، فشبهه بما تثير الريح من الأعاصير.
***
[باب في الخلوق للرّجال]
(المتضمّخ) أي: المتلطّخ.
***
стр. 1004
[باب ما جاء في الشّعر]
(الوفرة) قال في النهاية: هو شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن.
(الجمّة) هي ما سقط على المنكبين من شعر الرّأس.
***
[باب في تطويل الجمّة]
(قال: ذباب ذباب) بذال معجمة وموحّدتين، قال في النهاية: هو الشؤم أي: هذا شؤم، وقيل: هو الشرّ الدائم، أي: أصابك ذباب من هذا الأمر.
***
[باب في أخذ الشارب]
стр. 1005
(أمر بإحفاء الشّوارب) قال الخطّابي: هو أن يؤخذ من الشارب حتى يحفى ويرق، وقد يكون معناه الاستقصاء في أخذه.
قال: (وإعفاء اللّحى) توفيرها.
(السّبال) جمع سَبَلَة بالتحريك وهي مقدّم اللّحية وما أسبل منها على الصدر.
***
[باب في الخضاب]
(كالثّغامة) بفتح المثلّثة والغين المعجمة، نبات له ثمر أبيض.
стр. 1006
(إنّ أحسن ما غيّرتم (١) به هذا الشّيب الحنّاء والكتم) بفتح الكاف والمثنّاة الفوقية، قال الخطابي: قيل هو الوسمة، وقيل نبت آخر، قال: ويشبه أن يكون إنّما أراد به استعمال كل واحد منهما مفردًا عن غيره، فإنّ الحنّاء إذا غلي بالكتم جاء أسود، وقد نهى عن السواد.
وقال في النهاية: لعلّ الحديث على التغيير، ولكن الرّوايات على اختلافها بالواو.
وقال أبو عبيد: الكتم مشدّدة التّاء، والمشهور التخفيف.
(ردع حنّاء) بدال وعين مهملتين أي: لطخ، لم يعمّه كلّه.
(الله الطبيب بل أنت رجل رفيق) قال في النهاية: أي: أنت ترفق بالمريض وتتلطفه (٢)، والله الذي يبرئه ويعافيه.
***
стр. 1007
[باب ما جاء في خِضاب السواد]
(حدثنا أبو توبة ثنا عبيد الله عن عبد الكريم (١) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسّواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنّة) أي: لا يشمّون ريحها، يقال راح يريح وأراح يراح إذا وجد رائحة الشيء، وهذا الحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال: عبد الكريم هو ابن أبي المخارق، وتابعه الحافظ سراج القزويني فيما تعقبه على المصابيح، وردّ عليهما الحافظ ابن حجر في كتابه القول المسدّد في الذبّ عن مسند أحمد، وفيما ردّ به على القزويني، فقال: لم يقع عبد الكريم منسوبًا في السّنن، وفي هذه الطبقة من يروي عن عكرمة ويسمّى عبد الكريم اثنان؛ أحدهما: ثقة متّفق عليه أخرج له البخاري ومسلم وهو ابن مالك الجزريّ وكنيته أبو سعد، والآخر: ابن أبي المخارق وكنيته أبو أمية، ويتأيّد كونه في هذا السند الثقة، أن الذي روى هذا الحديث عنه جزريّ مثله وهو عبيد الله بن عمر بالتصغير وهو مشهور بالرّواية عن ابن مالك، وورد في بعض الطرق منسوبًا ابن مالك قاله المنذري، قال (٢) الحافظ ابن حجر: وجزم بأنّه الجزريّ، ابن عساكر وابن طاهر والمزّي كلّهم في الأطراف، وكذا ترجم به الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتاب الأحاديث المختارة ممّا ليس في الصحيحين فقال: عبد الكريم بن مالك الجزريّ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ثمّ ساق
стр. 1008
هذا الحديث من مسند الإمام أحمد ومن مسند أبي يعلى وغيرهما كلّهم من هذا الوجه وهو المعتمد، وصحّح الحديث ابن حبّان والحاكم أيضًا. انتهى.
وقال الحافظ صلاح الدين العلائي: أخطأ ابن الجوزي في إيراد هذا الحديث في الموضوعات خطأً فاحشًا، وكأنه اعتمد على قول بعضهم: إنّ عبد الكريم هذا هو ابن أبي المخارق أبو أميّة، وهو متكلّم فيه كثيرا، وليس الأمر كذلك بل هذا هو عبد الكريم بن مالك الجزريّ، أحد الثّقات المتّفق عليهم في الصحيحين، كذا صرح بنسبه البيهقي في كتاب الأدب له فزال ذلك الظنّ، وأيضًا فعبد (١) الكريم أبو أميّة من أهل البصرة نزل مكة، وعبد الكريم بن مالك جزريّ، وعبيد الله بن عمرو الرّاوي عنه جزريّ أيضًا وهو مشهور بالرّواية عنه، ثمّ لو سلّم له أنّه ابن أبي المخارق فلا يصحّ له الحكم على ما انفرد به بالوضع، لأنّ ابن أبي المخارق روى عنه الإمام مالك، وقد عُلم من عادته أنّه لا يروي إلَّا عن ثقة عنده، وإن كان غيره قد اطّلع منه على ما يقتضي جرحه، فقد أخرج له البخاري تعليقًا ومسلم في المتابعات، وهذا يدل على أنّه عندهما ليس بالواهي المطرح حتى يكون حديثه موضوعًا. انتهى.
***
[باب ما جاء في الانتفاع بالعاج]
стр. 1009
(قلادة من عصب) قال الخطّابي: العصب في هذا الحديث إن لم يكن الثياب اليمانية فلا أدري ما هو، وما أرى أنّ القلادة تكون منها. وقال أبو موسى المديني: يحتمل عندي أنّ الرواية إنّما هي العصب بفتح الصّاد، وهي أطناب مفاصل الحيوان وهي شيء مدوّر، فيحتمل أنّهم كانوا يأخذون عصب بعض الحيوانات الطاهرة فيقطعونه ويجعلونه شبه الخرز، فإذا يبس يتّخذون منه القلائد، فإذا جاز وأمكن أن يتّخذ من عظام السلحفاة أو غيرها الأسورة، جاز وأمكن أن يتّخذ من عصب أشباهها خرز ينظم منها القلائد، قال: ثمّ ذكر لي بعض أهل اليمن أنّ العصب سنّ دابة بحريّة يسمّى فرس فرعون، يتّخذ منها الخرز وغير الخرز من نِصاب سكّين وغيره ويكون أبيض.
(وسوارين من عاج) قال الخطّابي: هو الذبل، ويقال: هو عظم ظهر السلحفاة البحريّة، فأمّا العاج الذي هو عظم أنياب الفيلة فهو ميّتة لا يجوز استعماله.
***
стр. 1010
كتاب الخاتم
[باب ما جاء في اتّخاذ الخاتم]
(عن أنس بن مالك قال: أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى بعض الأعاجم له: إنّهم لا يقرؤون كتابًا إلّا بخاتم، فاتّخذ خاتمًا من فضّة) قال الخطّابي: لم يكن لباس الخاتم من عادة العرب، فلمّا أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الملوك اتّخذ الخاتم.
قال السفاقسي: وكان اتّخاذ الخاتم سنة ستّ.
(ونقش فيه محمد رسول الله) كذا بالرفع على الحكاية، ونقش أي أمر بنقشه، زاد في رواية البخاري والترمذي أنّه كان ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر، وزاد ابن سعد من مرسل ابن سيرين بسم الله محمد رسول الله، قال الحافظ ابن حجر: ولم يتابع على هذه الزيادة، وقد أورده من مرسل طاوس والحسن البصري وإبراهيم النخعي وسالم بن أبي الجعد وغيرهم ليس فيه الزيادة، وروى أبو الشيخ بن حبّان في أخلاق
стр. 1011
النبي ﷺ من طريق عرعرة بن البِرند عن عَزْرة بن ثابت عن ثمامة عن أنس قال: كان فصّ خاتم رسول الله ﷺ حبشيًا مكتوب عليه لا إله إلَّا الله محمد رسول الله، وعرعرة (١) ضعّفه ابن المديني وزيادته هذه شاذة، وفي الأفراد للدارقطني عن يعلى بن أميّة قال: أنا صغت (٢) للنبي ﷺ خاتمًا لم يشركني فيه أحد، نقش فيه محمد رسول الله، قال الحافظ ابن حجر: فيستفاد منه اسم الذي صاغ الخاتم ونقشه.
.
(فكان في يده حتّى قبض وفي يد أبي بكر) قال النّووي: فيه أنّه ﷺ لا يورث وإلّا لدفع خاتمه للورثة.
(وفي يد عثمان) زاد ابن سعد: ستّ سنين.
(إذ سقط في البئر فأمر بها فنزحت فلم يقدر عليه) قال بعض العلماء: كان في خاتمه ﷺ من السرّ شيء ممّا كان في خاتم سليمان ﵇، لأن سليمان لمّا فقد خاتمه ذهب ملكه، وعثمان لمّا فقد (٣) خاتم النبيّ ﷺ انتقض عليه الأمر وخرج عليه الخارجون، وكان ذلك مبدأ الفتنة التي أفضت إلى قتله واتّصلت إلى آخر الزمان.
стр. 1012
(عن ابن شهاب قال حدّثني أنس قال: كان خاتم النبي ﷺ من ورق فصّه حبشيّ) وفي الحديث الذي يليه (حميد الطويل عن أنس قال: كان خاتم النبي ﷺ من فضّة كلّه فصّه منه) قال البيهقي: هذا يدلّ على أنّه كان له خاتمان، أحدهما فصّه حبشيّ، والآخر فصّه منه، إن كان الزهري حفظ في حديثه من ورق، والأشبه بسائر الروايات أنّ الذي كان فصّه حبشيًّا هو الخاتم الذي اتّخذه من ذهب ثمّ طرحه واتّخذ خاتمًا من ورق. انتهى وذكر أنّه لا يسمّى خاتمًا إلَّا إذا كان له فصّ، فإن كان بلا فصّ فهو حلقة، والفصّ قال الجوهري بفتح الفاء، والعامّة تكسرها، وأثبتها غيره لغة، وزاد بعضهم الضمّ، وعليه جرى ابن مالك في المثلّث.
(في أريس) بفتح الهمزة وكسر الرّاء وسين مهملة بوزن عظيم، وهي في حديقة بالقرب من مسجد قباء، قال الكرماني: والأفصح صرفه.
стр. 1013
(وقال لا ينقش أحد على خاتمي (١) هذا) أي: على مثل نقشه، وذلك لئلّا يفوت مصلحة نقش اسمه بوقوع الاشتراك.
***
[باب ما جاء في ترك الخاتم]
(عن ابن شهاب عن أنس أنّه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من ورق يومًا واحدًا فصنع الناس) زاد البخاري "الخواتيم من ورق". (ولبسوا (٢) وطرح النبي ﷺ ) زاد البخاري "خاتمه" (فطوح الناس) زاد البخاري "خواتيمهم"، قال الحافظ: هكذا روى الحديث الزهري عن أنس، واتّفق الشيخان على تخريجه من طريقه ونسب فيه إلى الغلط، لأنّ المعروف أنّ الخاتم الذي طرحه النبي ﷺ بسبب اتخاذ الناس مثله، إنّما هو خاتم الذهب، كما صرّح به في حديث ابن عمر، قال القاضي عياض ثمّ النووي: قال جميع أهل الحديث هذا وهم من ابن شهاب، لأنّ المطروح ما كان إلَّا خاتم الذهب. ومنهم من تأوّله، قال الإسماعيلي: إن كان هذا الخبر محفوظًا
стр. 1014
فتأويله أنّه اتّخذ خاتمًا من ورق وكره أن يتّخذ غيره مثله، فلمّا اتّخذوه رمى به حتى رموا، ثمّ اتّخذه بعد ذلك ونقش عليه ما نقش ليختم به، وقال ابن بطّال: خالف ابن شهاب رواية قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب في كون خاتم الفضة استقرّ في يد النبي ﷺ يختم به وختم به الخلفاء، فوجب الحكم للجماعة وأن يوهم فيه الزهري، وقال المهلّب: قد يمكن أن يتأوّل لابن شهاب ما ينفي عنه الوهم، وإن كان الوهم أظهر.
(فاتّخذ عثمان خاتمًا ونقش فيه محمد رسول الله) قلت: كأنّه فهم أنّ النهي خاص بحياته ﷺ لزوال المحذور، وهو وقوع الاشتراك، ونظيره قول من خصّص النهي عن التكني بكنيته بحياته أيضًا، والمختار في الحديثين الإطلاق.
***
[باب ما جاء في خاتم الذهب]
стр. 1015
(والتبرّج بالزينة لغير محلّها) قال الخطّابي: هو أن تتزيّن المرأة لغير زوجها، وأصل التبرّج أن تظهر المرأة محاسنها للرّجال.
وقال في النهاية: التبرّج إظهار الزينة، ومحلّها يجوز أن يكون بكسر الحاء من الحلّ، وبفتحها من الحلول، أراد به الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية.
(والضرب بالكعاب) قال في النهاية: هي فصوص النرد، واحدها كعب (وعزل الماء لغير محلّه) قال الخطّابي: هو أن يعزل الرّجل ماءه عن فرج المرأة وهو محلّ الماء.
قال في النهاية: وفيه تعريض بإتيان الدّبر.
(وفساد الصبيّ) قال الخطّابي: هو أن يطأ المرأة المرضع فإذا حملت فسد لبنها، وكان في ذلك فساد الصبيّ.
قال: وقوله (غير محرّمه) معناه أنّه قد كره ذلك ولم يبلغ به حدّ التحريم.
***
[باب ما جاء في خاتم الحديد]
стр. 1016
(أنّ رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من شبه) بفتح المعجمة والموحّدة، ضرب من النّحاس.
(قال (١) ما لي أجد منك ريح الأصنام) قال الخطّابي: إنّما قال ذلك لأنّ الأصنام كانت تتّخذ من الشبه.
(فطرحه، ثمّ جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: ما لي أرى عليك حِلْية أهل النّار) قال الخطّابي: أي زيّ الكفّار وهم أهل النار، وإنّما كرهه لذلك، وقيل لسهوكة ريحه (فطرحه) زاد الترمذي "ثمّ جاء وعليه خاتم من ذهب فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل الجنّة"، قال البيهقي في شعب الإيمان: "يشبه أن يكون هذا نهي كراهة وتنزيه، فكره الشبه لأنّ الأصنام كانت تتّخذ من الشبه، وكره الخاتم من الحديد من أجل ريحه.
وأمّا حديث: (معيقيب كان خاتم النبيّ ﷺ من حديد ملويّ عليه فضة) فإنّه أجود إسنادًا ممّا قبله لا سيما وقد عضّده حديث: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، ولو كان مكروهًا لم يأذن فيه.
стр. 1017
قال البيهقي: وهذا لأنّه بالفضة التي لويت عليه لا يوجد ريح الحديد، فيشبه أن ترتفع الكراهة بذلك. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر: الحديث الأوّل في إسناده عبد الله بن مسلم المروزي، يكنى أبا طيبة، قال فيه أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتجّ به، وقال ابن حبّان في الثقات: يخطىء ويخالف، فإن كان محفوظًا حمل المنع على ما كان حديدًا صرفًا. وقد قال التيفاشي في كتاب الأحجار: خاتم الفولاذ مطردة للشيطان إذا لوّي عليه فضّة.
(وكان معيقيب (١) على خاتم ﷺ ) قال الحافظ ابن حجر: يعني كان أمينًا عليه.
(قل: اللهم اهدني وسدّدني، واذكر بالهداية هداية الطريق) قال الخطّابي: معناه أن سالك الطريق في الفلاة إنّما يؤمّ سمت الطريق ولا يكاد يفارق الجادة، ولا يعدل عنها يمنة ويسرة خوفًا من الضّلال، وبذلك يصيب الهداية وينال السلامة، يقول إذا سألت الله الهدى فاحظر بقلبك هداية الطريق، وسل الله الهدي والاستقامة كما تتحرّاه في هداية الطريق إذا
стр. 1018
سلكتها. وقوله (واذكر بالسداد تسديدك السهم) معناه أنّ الرّامي إذا رمى غرضًا سدّد بالسهم نحو الغرض ولم يعدل عنه يمينًا ولا شمالًا ليصيب الرمية فلا يطيش سهمه ولا يخفق سعيه، يقول فأخطر هذا المعنى بقلبك حين تسأل الله السّداد ليكون ما تنويه من ذلك على شاكلة ما تستعمله من الرّمي.
***
[باب ما جاء في التَّختّم في اليمين أو اليسار]
стр. 1019
(عن علي أنّ النبي ﷺ كان يتختّم في يمينه) وفي الحديث الذي يليه (عن ابن عمر أنّ النبي ﷺ كان يتختّم في يساره) قال النّووي في شرح المهذّب: التختّم في اليمين واليَسار كلاهما صحّ فعله عن النبي ﷺ ، ولكنّه في اليمين أفضل لأنّه زينة واليمين بها أولى.
وقال الحافظ ابن حجر: ورد تختمه ﷺ في اليمين من حديث ابن عمر عند البخاري، وأنس عند مسلم، وابن عباس وعبد الله بن جعفر عند الترمذي، وجابر عنده في الشمائل، وعلي عند أبي داود والنسائي، وعائشة عند البزّار، وأبي أمامة عند الطبراني، وأبي هريرة عند الدارقطني في غرائب مالك، فهؤلاء تسعة من الصحابة، وورد تختمه في اليسار من حديث أنس عند مسلم، وابن عمر عند أبي داود، وأبي سعيد (عند ابن مسعود) (١)، ووردت رواية ضعيفة أنّه تختم أوّلّا في اليمين ثمّ حوّله إلى اليسار، أخرجه ابن عديّ من حديث ابن عمر، واعتمد عليها البغوي في شرح السنة، فجمع بين الأحاديث المختلفة بأنّه تختّم أوّلًا في يمينه ثمّ تختّم في يساره وكان ذلك آخر الأمرين، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك فقال: لا يثبت هذا، ولكن في يمينه أكثر.
(وكان فصّه في باطن كفّه) وفي الحديث الذي يليه: (وجعل فصّه على ظهرها) قال العلماء: أحاديث الباطن أصحّ وأكثر، فهو أفضل.
***
стр. 1020
[باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب]
(ثنا أبو الأشهب عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة بن أسعد قطع أنفه) قال ابن القطّان: هذا حديث لا يصحّ، فإنّه من رواية أبي الأشهب، واختلف عنه، فالأكثر يقول عنه عن عبد الرّحمن بن طرفة بن عرفجة عن جدّه، وابن عليّة يقول عنه عن عبد الرحمن بن طرفة عن أبيه عن عرفجة. قال: فعلى طريقة المحدّثين ينبغي أن تكون رواية الأكثرين منقطعة فإنّها معنعنة وقد زاد فيها ابن عليّة واحدًا، ولا يردّ هذا قولهم (١) إنّ عبد الرحمن بن طرفة سمع جدّه، فإنّ هذا الحديث لم يقل فيه إنّه سمع منه، وقد أدخل بينهما فيه الأب، وعبد الرّحمن بن طرفة المذكور لا يعرف بغير هذا الحديث، ولا يعرف روى عنه غير أبي الأشهب، فإن احتيج فيه إلى أبيه طرفة على ما قال ابن عليّة عن أبي الأشهب، زاد الحال، فإنّه ليس بمعروف الحال ولا مذكور في روّاة (٢) الأخبار.
وقال الحافظ أبو بكر بن الموّاق في كتاب بغية النقّاد: هذا الحديث عند أبي داود مرسل، وقد نبّه ابن السكن على إرساله وقال: فذكر الحديث مرسلًا عن عبد الرّحمن بن طرفة عن عرفجة، وعبد الرحمن تابعي لم يشاهد القصة ولم يذكر من حدّثه، فبقي الحديث مرسلًا.
قال: ووهم عبد الحقّ وابن القطّان في قولهم عن عرفجة، فأوهما (٣)