(أكيله وشريبه) قال في النّهاية: هو الذي يصاحب في الأكل والشرب، فعيل بمعنى فاعل (١).
(ولتأطرنَّه على الحقّ أطرًا) بالطاء المهملة، قال الخطّابي: أي: لتردّنه عن الجور، وأصل الأطر العطف.
وقال في النهاية: أي تعطِفونه عليه.
قال: ومن غريب ما يحكى عن نفطويه أنَّه قال: إنَّه بالظاء المعجمة من باب ظَأَر، ومنه الظِئر: المرضعة، وجعل الكلمة مهموزة فقدَّم الهمزة على الظاء.
(أو (٢) لتقصرنّه على الحقّ قصرًا) قال في النهاية: أي: لتحبسنّه عليه وتلزمنّه إياه.
стр. 1087
(قال: أجر خمسين منكم) قال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام: ليس هذا على إطلاقه، بل هو مبنيّ على قاعدتين:
إحداهما (١): أنَّ الأعمال تشرف بثمراتها.
الثانية: أن الغريب في آخر الإسلام كالغريب في أوَّله وبالعكس، لقوله ﵊: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء من أمَّتي" يريد المتفرّدين عن أهل زمانهم، إذا تقرَّر ذلك فنقول:
الإنفاق في أوّل الإسلام أفضل لقوله ﵊ لخالد بن الوليد: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه" أي: مدّ الحنطة، والسبب في ذلك أنَّ تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام وإعلاء كلمة الله ما لا تثمر غيرها، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدّمين لقلَّة عدد المتقدِّمين وقلّة أنصارهم، فكان جهادهم أفضل، ولأنَّ (٢) بذل النفس مع النَّصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها، ولذلك قال ﵇: "أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر" جعله أفضل جهاد ليأسه من حياته، وأمَّا النهي عن المنكر بين ظهور المسلمين وإظهار شعائر الإسلام فإنَّ ذلك شاقّ على المتأخّرين لعدم المعين وكثرة المنكر فيهم كالمنكر على السلطان الجائر، ولذلك (٣) علَّل ﵇ بكون القابض على دينه كالقابض على الجمر، والقابض على الجمر لا يستطيع دوام ذلك لمزيد المشقّة، فكذلك المتأخر في حفظ دينه. وأمَّا المتقدِّمون فليسوا كذلك لكثرة المعين وعدم المنكر، فعلى هذا ينزّل الحديث. انتهى.
стр. 1088
(يغربل النَّاس فيه غربلة) أي: يذهب خيارهم ويبقى أراذلهم.
(يبقى (١) حثالة) بالمثلّثة.
(من الناس) يريد أراذلهم.
(قد مرجت عهودهم) أي: اختلطت.
(وخفّت أماناتهم) أي: قلَّت.
стр. 1089
(أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) قال الخطّابي: إنّما صار ذلك أفضل الجهاد، لأن من جاهد العدوّ وكان متردّدًا بين رجاء وخوف لا يدري هل يَغلب أو يُغلب، وصاحب السُّلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرَّض للتلف وأهدف نفسه للهلاك، فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف.
(حدَّثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ) أخرجه ابن جرير في تفسيره من طريق عبد الملك بن ميسرة الزراد عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: "ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم" قيل لعبد الملك: كيف يكون ذاك؟ فقرأ هذه الآية: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾.
(لن يهلك النّاس حتى يَعذروا أو يُعذروا من أنفسهم) قال الخطّابي: فسَّره أبو عبيد وحكي عن أبي عبيدة (١) أنَّه قال: معنى يعذروا أي تكثر ذنوبهم وعيوبهم، قال: وفيه لغتان، يقال أعذر الرجل إعذارًا إذا صار ذا عيب وفساد، قال: وكان بعضهم يقول عذر يعذر بمعناه، ولم يعرفه
стр. 1090
الأصمعي. قال أبو عبيد: وقد يكون يَعذروا بفتح الياء بمعنى يكون لمن يعذرهم العذر في ذلك.
وقال في النهاية: يقال أعذر فلان من نفسه إذا أمكن منها، يعني أنّهم لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم فيستوجبوا العقوبة، ويكون لمن يعذبهم عذر كأنَّهم قاموا بعذره في ذلك، ويروى بفتح الياء من عذرت وهو بمعناه.
***
[باب قيام الساعة]
(أرأيتم ليلتكم هذه فإنّ على رأس مائة سنّة منها لا يبقى ممّن هو على ظهر الأرض أحد) قال النووي: المراد أنّ كلّ من كان تلك اللّيلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواء قلّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة. قال: وفيه احتراز عن الملائكة، وقد احتجّ بهذا الحديث من شذّ من المحدّثين فقال الخضر ﵇ ميّت، والجمهور على حياته ووجوده
стр. 1091
بين أظهرنا، ويؤوّلون الحديث على أنه كان على البحر لا على الأرض، وقال بعضهم: هذا على سبيل الغالب، قال الكرماني: فإن قلت فما تقول في عيسى؟ قلت: هو ليس على ظهر الأرض بل في السماء، وهو من النوادر، فإن قلت: فما قولك في إبليس؟ ، قلت: أما إنّه ليس على ظهر الأرض بل هو في الهواء أو في النار، أو المراد من لفظ "هو" الإنس) (١)، قال: واسم "إنّ" في الحديث على هذه الرواية ضمير الشأن، وفي رواية البخاري "فإنّ رأس".
(فوهل الناس) بفتح الهاء.
(يريد أن ينخرم ذلك القرن) قال في النّهاية: القرن أهل زمانه، وانخرامه ذهابه وانقضاؤه.
وقال ابن بطّال: إنَّما أراد الرسول ﷺ أن هذه مخرم (٢) الجيل الذي هم فيه، فوعظهم بقصر أعمارهم وأعلمهم أنَّ أعمارهم ليست كأعمار من تقدَّم من الأمم ليجتهدوا في العبادة.
(لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم) قال السّهيلي: ليس في هذا الحديث ما ينفي الزيادة على الخمسمائة، قال: وقد جاء بيان ذلك فيما رواه جعفر بن عبد الواحد بلفظ: "إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يوم".
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه: هذا التحديد بهذه المدّة
стр. 1092
لا ينفي ما يزيد عليها، إن صحَّ رفع الحديث، فأمَّا ما يورده كثير من العامّة أنَّ النبي ﷺ لا يولف تحت الأرض، فليس له أصل ولا ذكر في كتب الحديث.
وقال الحافظ ابن حجر: قد حمل بعض شرّاح المصابيح حديث: "لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم" على حال يوم القيامة، وزيّفه الطيبي فأصاب، قال: وأمّا زيادة جعفر فهي موضوعة لأنَّها لا تعرف إلَّا من جهته، وهو مشهور بوضع الحديث، وقد كذّبه الأئمَّة، مع أنَّه لم يسق سنده بذلك، فالعجيب من السهيلي كيف سكت عنه مع معرفته بحاله. انتهى.
*****
стр. 1093
كتاب الحدود
[باب الحكم فيمن ارتدّ]
(ويح (أمّ) (١) ابن عباس) قال الخطّابي: لفظه الدّعاء (٢) ومعناه المدح له والإعجاب بقوله، وهذا كقوله ﷺ في أبي بصير: "ويل أمّه مُسْعر حرب".
стр. 1094
(قلصت) أي: ارتفعت.
(فأزلّه الشيطان) أي: حمله على الزَّلل، وهو الخطأ والذنب.
** * *
стр. 1095
[باب الحكم فيمن سبّ النبيّ ﷺ -]
(فأخذ المغول) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو ولام، قال في النهاية: شبه سيف قصير، يشتمل به الرّجل تحت ثيابه فيغطّيه، وقيل هو حديدة (دقيقة) (١) لها حدّ ماض وقَفًا، وقيل هو سوط في جوفه سيف دقيق يشدّه الفاتك (٢) على وسطه ليغتال به النَّاس.
***
стр. 1096
[باب ما جاء في المحاربة]
(أنّ قوما من عكل أو قال من عرينة) التحرير ما رواه أبو عوانة قال: "كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل"، وعكل بضمّ المهملة وسكون الكاف، وعرينة مصغّر.
(فاجتووا المدينة) قال الخطّابي: معناه عافوا المقام بها، وأصابهم بها الجوى في بطونهم، يقال اجتويت المكان إذا كرهت الإقامة (١) به لضرر يلحقك منه.
(بلقاح) هي ذوات الدرّ من الإبل، واحدها لقحة.
(وسمر أعينهم) قال الخطّابي: يريد أنَّه كحلهم بمسامير محماة، قال: والمشهور في أكثر الرّوايات "سمل" أي: فقأ أعينهم.
стр. 1097
(قافة) جمع قائف، وهو الذي يتبع الأثر ويطلب الضّالة والهارب.
(يكدم الأرض) بالدال، أي: يتناولها بفمه ويعضّ عليها بأسنانه.
***
[باب في الحدّ يشفع فيه]
стр. 1098
(شأن المرأة المخزومية التي سرقت) اسمها فاطمة بنت الأسود (١).
(حبّ رسول الله) بالكسر هو.
(ابن أبي فديك عن عبد الملك بن زيد عن محمد بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم) قال الخطّابي: قال الشافعي في تفسير ذي الهيئة: من لم تظهر منه ريبة.
وقال في النهاية: هم الذين لا يعرفون بالشرِّ فيزلّ أحدهم الزلّة، والهيئة صورة الشيء وشكله وحالته، ويريد به ذوي الهيئات الحسنة، الذين يلزمون هيئة واحدة وسمتًا واحدًا، ولا تختلف حالاتهم بالتّنقل من هيئة إلى هيئة.
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدّين القزويني، وكانت انتهت إليه رئاسة معرفة علم الحدءث ببغداد، على المصابيح للبغوي، وزعم أنَّها موضوعة، وردَّ عليه الحافظ ابن حجر في كراسة، وقال ابن عديّ: هذا الحديث منكر بهذا الإسناد، لم يروه غير عبد الملك، وقال المنذري: عبد الملك ضعيف. قال الحافظ ابن حجر: لم ينفرد به، بل روي من حديث غيره، أخرجه النسائي من طريق عطاف بن خالد عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة، وعطاف فيه ضعف لكنه ليس بمتروك، فيتقوّى أحد الطريقين بالآخر، وقد رواه النسائي
стр. 1099
من طريق أخرى عن عمرة وفيها اختلاف في الوصل والإرسال، وبدون هذا يرتفع الحديث عن أن يكون متروكًا فضلًا عن أن يكون موضوعًا. انتهى.
وقال الحافظ صلاح الدّين العلائي: عبد الملك بن زيد هذا، قال فيه النسائي ليس به بأس، ووثَّقه ابن حبان، فالحديث حسن إن شاء الله، لا سيما مع إخراج النسائي له، فإنّه لم يخرج في كتابه منكرًا ولا واهيًا ولا عن رجل متروك، قال الحافظ سعد الدّين الزنجاني: "إنّ لأبي عبد الرَّحمن شرطًا في الرّجال أشدّ من شرط البخاري ومسلم"، فلا يجوز نسبة هذا الحديث إلى الوضع. انتهى.
وقال البيضاوي: المراد بذوي الهيئات أصحاب المروءات والخصال الحميدة، وقيل: ذوو الوجوه من الناس، والعثرات صغائر الذنوب وما يندر عنهم من الخطايا، ويكون الاستثناء في قوله: "إلَّا الحدود" منقطعًا، أو الذنوب مطلقًا، وبالحدود ما يوجبها، ويكون متّصلا، والخطاب مع الأئمَّة وغيرهم ممّن يستحقّ المؤاخذة والتأديب عليها.
***
[باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان]
(تعافوا الحدود فيما بينكم) أي: تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إليّ، فإنِّي متى علمتها أقمتها.
* * * *
стр. 1100
[باب في صاحب الحدّ يجيء فيقرّ]
(فتجلّلها) بالجيم أي: علاها (١)، وهو كناية عن الجماع.
***
[باب في التلقين في الحدّ]
стр. 1101
(بلصّ) هو السَّارق، وهو بتثليث اللّام.
***
[باب في الرجل يعترف بحدّ ولا يسمّيه]
(فقال: يا رسول الله، إنِّي أصبت حدًّا فأقمه عليّ، قال: توضَّأت حين أقبلت؟ قال: نعم، قال: صلَّيت (١) معنا حين صلّينا؟ قال: نعم، قال: اذهب فإنّ الله قد عفا عنك) قال العلماء: هذا الرّجل لم يفصح بما يوجب الحدّ، ولعلَّه كان بعض الصغائر، فظن أنَّه يوجب الحدّ عليه، فلم يكشفه عنه (٢) النبيّ ورأى التعرّض منه لإقامة الحدّ عليه توبة، وفيه ما
стр. 1102
يضاهي قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ في قوله: "صلّيت معنا؟ "، ولفظ رواية البخاري: "ألست قد صلَّيت معنا؟ ".
***
[باب ما يقطع فيه السارق]
(القطع في ربع دينار) قال الخطّابي: معناه القطع الذي أوجبه الله في السرقة، ولذلك عرّفه بالألف واللّام ليعقل أنَّه إشارة إلى معهود.
***
[باب ما لا قطع فيه]
стр. 1103
(لا قطع في ثمر) قال الخطّابي: تأوَّله الشافعي على ما كان معلّقًا في النخل قبل أن يجدّ ويحرز (ولا كثر) بفتح الكاف والمثلّثة، جمار النخل، قال في النهاية: هو شحمه الذي في وسط النخلة.
***
[باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا]
(رفع القلم على ثلاثة) قال الشيخ تقيّ الدّين السبكي في الكتاب الذي ألَّفه في شرح هذا الحديث ويسمَّى "إبراز الحكم من حديث رفع القلم": كذا وقع في جميع الرّوايات "عن ثلاثة"، ويقع في بعض كتب الفقهاء "عن ثلاث" بغير هاء، ولا وجه له، وصواب الحديث كما ورد في سؤالات ابن الجنيد عن يحيى بن معين قال: ليس يروي هذا الحديث أحد إلَّا حماد بن سلمة عن حماد، قال السبكي: وقوله "رفع القلم" هل هو حقيقة أو مجاز؟ فيه احتمالان:
стр. 1104
أحدهما: وهو المنقول المشهور أنَّه مجاز لم يرد فيه حقيقة القلم ولا الرفع، إنَّما هو كناية عن عدم التكليف، ووجه الكناية فيه أنَّ التكليف يلزم منه الكتابة ولهذا يعبّر بالكتابة (١) عنه كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وكقوله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة كتبهنّ الله على العباد"، ويلزم من الكتابة القلم، لأنَّه آلة لها فالقلم لازم التكليف، وانتفاء اللازم يدلّ على انتفاء ملزومه، فلذلك كنى بنفي القلم عن نفي الكتابة وهي من أحسن الكنايات، وأتى بلفظ الرفع إشعارًا بأنّ التكليف لازم لبني آدم إلَّا هؤلاء الثلاثة، وأنَّ صفة الوضع أمر ثابت للقلم لا ينفكّ عن غير هذه الثلاثة موضوعًا عليه حتى يرفع، ولو لم يوضع أو لم يكتب على ثلاثة لم يكن فيه إشعار بذلك، وأنَّه في أصله متصف بالوضع والجريان على كلّ مخلوق من العالمين وهذه فائدة جليلة، فاستعمل الرفع في موضع عدم الوضع بطريق المجاز، واستعمال عدم وضع القلم في موضع عدم الكتابة بطريق المجاز، وعدم الكتابة مجاز في عدم التكليف والوضع الذي أشعر به لفظ الرفع مجاز أيضًا بالنسبة إلى هؤلاء الثلاثة إذ لم يتقدَّم في حقهم إلَّا بطريق القوة لا بطريق الفعل.
الاحتمال الثاني: أن يراد حقيقة القلم الذي ورد فيه الحديث: "أوّل ما خلق الله القلم فقال له اكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة"، فأفعال العباد كلّها حسنها وسيئها، يجري به ذلك القلم، ويكتبه حقيقة، وثواب الطاعات وعقاب السيئات يكتبه حقيقة، وقد خلق لذلك وأمر بكتبه وصار موضوعًا على اللوح المحفوظ ليكتب ذلك فيه جاريًا به إلى يوم القيامة، وقد كتب ذلك وفرغ منه وحفظ، وفعل الصبي والمجنون والنائم لا إثم فيه، فلا يكتب القلم إثمه ولا التكليف به، فحكم الله بأنَّ القلم لا يكتب ذلك من بين سائر الأشياء رفع للقلم الموضوع للكتابة، والرَّفع فعل الله تعالى، فالرفع في نفسه حقيقة والقلم حقيقة والمجاز في شيء واحد وهو أنّ القلم لم يكن موضوعًا على هؤلاء الثلاثة إلَّا بالقوة والنهي
стр. 1105
لأن يكتب ما يصدر منهم، فسمي منعه من ذلك رفعًا، فمن هذا الوجه يشارك هذا الاحتمال الاحتمال الأوّل، وفيما قبله يفارقه.
(حتى يستيقظ) قال السبكي: هو وقوله: "حتى يبرأ" و"حتى يكبر" غايات مستقبلة، والفعل المغيا بها وهو قوله: "رفع" ماض، والماضي لا يجوز أن تكون غايته مستقبلة، فلا تقول سرت أمس حتى تطلع الشمس غدًا، لأنّ مقتضى كون الفعل ماضيًا كون أجزاء المغيا جميعها ماضية، والغاية طرف المغيا، ويستحيل أن يكون المستقبل ظرفًا (١) للماضي لأنّ الآن (٢) فاصل بينهما، والغاية إمّا داخلة في المغيا فتكون ماضية أيضًا، وإمّا خارجة عنه مجاوزة له فيصحّ أن يكون الآن غاية للماضي، وإقا أن تكون منفصلة حتى يكون المنفصل المستقبل عن الماضي غاية له، فكيف قال: "رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ"؟ قال: وهذا السؤال أنا حرّكته، وجوابه بالتزام حذف أو مجاز حتى يصحّ الكلام، فيحتمل أن يقدّر رفع (٣) القلم عن الصبي فلا يزال مرتفعًا حتى يبلغ، أو فهو مرتفع حتى يبلغ، فيبقى الفعل الماضي على حقيقته والمغيا محذوف، به ينتظم الكلام، ويحتمل أن يقال ذلك في الغاية وهو قوله: "حتى يبلغ" والمعنى حتى بلوغه لأنّ هذا إخبار عن حكم شرعي حكم الله به في الأزل، وأنّه رفع عن كلّ من ثبت له الصّبا في وقت ما حتى بلوغه، فيشمل ذلك من كان صبيًّا وبلغ في الماضي ومن هو صبي الآن ويبلغ في المستقبل ومن يصير صبيًّا ويبلغ بعد ذلك، وهذه الاحتمالات كلّها في التقدير إمّا في التجوّز في الفعل الثاني، أو الفعل الأول أو الحذف، راجعة إلى معنى واحد وهو الحكم برفع القلم إلى الغاية المذكورة، وقد روى ابن ماجه الحديث بلفظ: "يرفع" بصيغة الفعل المضارع فلا يرد السؤال على هذه الرواية.
(وعن الصبيّ) قال السبكي: قال الجوهري: الصبي: الغلام، وقال
стр. 1106
غيره: الولد في بطن أمّه يسمى جنينًا، فإذا ولد فصبيّ، فإذا فطم فغلام إلى سبع، ثمَّ يصير يافعًا إلى عشر، ثمّ حَزَوّرًا إلى خمسة عشر، والذي يقطع (١) به أنّه يسمّى صبيًّا في هذه الأطوار كلّها إلى البلوغ، وفي الحديث: "أتي النبي ﷺ بصبيّ لم يأكل الطعام"، ويطلق (٢) على ما بعد العشر إلى البلوغ كقوله في هذا الحديث: "وعن الصبي"، قال: ثمَّ إنّ الرّفع يقتضي سبق وضح، وهو صحيح في النائم بلا إشكال، باعتباره (٣) وضح عليه قبل نومه، وفي المجنون قبل جنونه إذا سبق له حال تكليف، بخلاف الصبي فإنّه لم يكن القلم موضوعًا عليه حتّى يرفع إذ لا حالة تكليف له قبل ذلك.
قال: وجوابه أنّ هذا غير لازم، ونظيره قول يوسف ﵊: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وهو لم يكن على تلك الملّة أصلًا، وكذا قول شعيب: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾، ومعلوم أنّ شعيبًا لم يكن على ملّتهم قطّ، وقد قال الحليمي وتبعه البيهقي: إن الأحكام إنّما نيطت (٤) بخمس عشرة سنة من عام الخندق، وقبل ذلك كانت تتعلّق بالتمييز، وإذا ثبت هذا، فيحتمل أن يكون المراد بالحديث انقطاع ذلك الحكم، وبيان أنَّه ارتفع التكليف عن الصبي وإن ميزّ حتى يبلغ، فيصحّ فيه أنَّه رفع بعد الوضح.
(حتى يكبر) قال السبكي: ليس فيها من البيان ولا في قوله: "حتى يبلغ" ما في الرواية الثالثة: "حتى يحتلم"، فالتمسّك بها أولى لبيانها وصحّة سندها، وقوله: "حتى يبلغ" مطلق والاحتلام مقيّد فيحمل عليه، فإنّ الاحتلام بلوغ قطعًا، وعدم بلوغ الخمسة عشر ليس ببلوغ قطعًا، قال: وشرط (٥) هذا الحمل ثبوت اللفظين عن النبي ﷺ .
стр. 1107
(أتي عمر بمجنونة قد زنت) الحديث قال الخطّابي: لم يأمر عمر برجم مجنونة مطبق عليها في الجنون ولا يجوز أن يخفى هذا عليه ولا على أحد ممَّن بحضرته، ولكن هذه امرأة كانت تجنّ مرّة وتفيق أخرى، فرأى عمر أن لا يسقط عنها الحدّ لما يصيبها من الجنون إذا كان الزنا منها في حال الإفاقة، ورأى علي أنّ الجنون شبهة يدرأ بها الحدّ عمّن يبتلى به، والحدود تدرأ بالشبهات، ولعلّها قد أصابت ما أصابت وهي في بقيّة من بلائها فوافق اجتهاد عمر اجتهاده في ذلك، فدرأ عنها الحدّ.
стр. 1108
(قال أبو داود: رواه ابن جريج عن القاسم بن زيد عن علي) قال السبكي: هذه الرّواية معلّقة منقطعة، وقد رواها (١) ابن ماجه قال: ثنا محمد بن بشار ثنا روح بن عبادة ثنا ابن جريج أخبرني القاسم بن يزيد عن علي أنّ رسول الله ﷺ قال: "يرفع القلم عن الصغير وعن المجنون وعن النائم"، وهذا منقطع لأنّ القاسم بن يزيد لم يدرك عليا. (زاد فيه: والخرف) قال السبكي: يقتضي أنَّه زائد على الثلاثة، وهذا صحيح، والمراد به الشيخ الكبير الذي زال عقله من الكبر، فإن الشيخ الكبير قد يعرض له اختلاط عقل يمنعه من التمييز ويخرجه عن أهلية التكليف ولا يسمّى جنونًا، فإنّ الجنون يعرض من أمراض سوداوية وتقبل العلاج، والخرف بخلاف ذلك، ولهذا لم يقل في الحديث حتى يعقل، لأنّ الغالب أنّه لا يبرأ منه إلى الموت، ولو برأ في بعض الأوقات برجوع عقله تعلّق به التكليف، فسكوته عن الغاية فيه لا يضرّ كما سكت عنها في بعض الرّوايات في المجنون، وهذا الحديث وإن كان منقطعًا (٢) لكنّه في معنى المجنون، كما أنّ المغمى عليه في معنى النائم ولا يفوت الحصر بذلك إذا نظرنا إلى المعنى، فهم في الصورة خمسة: الصبي، والنائم، والمغمى عليه، والمجنون، و (الخرف) (٣)، وفي المعنى ثلاثة، ولمّا لم يكن النائم في معنى المجنون، لأنّ الجنون يفسد العقل بالكليّة، والنوم شاغل له فقط، فبينهما تباين كثير، لم يجعل في معناه، وعُدّا شيئين وأحكامهما مختلفة، بخلاف الخرف والجنون فإن أحكامهما واحدة وبينهما تقارب، ويظهر أن الخرف رتبة متوسطة بين الإغماء والجنون، وهي إلى الإغماء أقرب.
* * *
стр. 1109
[باب في الغلام يصيب الحدّ]
(عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه) قال الشيخ وليّ الدّين العراقي في مجموع له ومن خطّه نقلتُ: قال البيهقي إنّ الأحكام إنّما نيطت (١) بخمس عشرة سنة من عام الخندق، وكانت قبل ذلك تتعلّق بالتمييز.
* * *
[باب الرجل يسرق في الغزو أيقطع ؟ ]
(لا تقطع الأيدي في السّفر) أخذ بهذا الأوزاعي، ولم يقل به أكثر الفقهاء.
стр. 1110
[باب في السارق يسرق مرارًا]
(جيء بسارق إلى النبي ﷺ فقال: اقتلوه) قال الخطّابي: لا أعلم أحدًا من الفقهاء يبيح دم السارق وإن تكررّت منه السرقة، وقد يخرّج على مذهب مالك، وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض، فإنّ للإمام أن يجتهد في عقوبته وإن زاد على مقدار الحدّ، وإن رأى أن يقتل قتل، فقد يحتمل أن يكون هذا رجلًا مشهورا بالفساد مخبورًا بالشرّ، معلومًا من أمره أنَّه سيعود إلى سوء فعله ولا ينتهي عنه حتى تنتهي حياته، ويحتمل أن يكون إنَّما فعل ذلك بوحي من الله واطّلاع منه على ما سيكون منه، فيكون معنى الحديث خاصّا فيه. انتهى.
قلت: وهذا من الحكم بالحقيقة الذي أذن فيه للنبيّ ﷺ مع الحكم بالشريعة ولم يؤذن في ذلك لغيره من الأنبياء، بل أمروا أن يحكموا بالظاهر فقط والله يتولّى السرائر، وأذن للخضر أن يحكم بالباطن ولم يؤذن له في
стр. 1111
الحكم بالظاهر، وقد شرحت ذلك في جزء مفرد سمّيته طرح السقط ونظم اللّقط (١).
* * *
[باب بيع المملوك إذا سرق]
(ولو بنشّ) هو عشرون درهمًا.
* * *
[باب رجم ماعز بن مالك]
стр. 1112
(بوظيف بعير) هو خفّه، وهو له كالحافر للفرس.
(زنا الأخر) بوزن الكبد، أي: الأبعد المتأخّر عن الخير.
(نبيب) هو صوت التيس عند السَّفاد.
(الكثبة) بضمّ الكاف ثمّ مثلّثة ساكنة ثمّ موحّدة، القليل من اللّبن.
(أنكلته) (١) أي: ردعته بالعقوبة.
стр. 1113
(ينقمس فيها) بالقاف، قال الخطّابي: معناه ينغمس ويغوص فيها، والقاموس معظم الماء.
قال في النهاية: يقال قمسه في الماء فانقمس، أي غمسه وغطّه، ويروى بالصاد وهو بمعناه.
стр. 1114
(أذلقته الحجارة) أي: أصابته بحدّها.
(عرض الحرّة) بالضمّ أي: جانبها.
(بجلاميد الحرّة) جمع جلمود: وهو الصخر.
(حتّى سكت) قال الخطّابي: يعني: مات.
(استنكه ماعزًا) قال الخطّابي: كأنّه ارتاب بأمره هل هو سكران.
* * *
[باب المرأة التي أمر النبيّ ﷺ برجمها من جهينة]
стр. 1115
(فشُكّت عليها ثيابها) قال الخطّابي: أي شدّت عليها لئلّا تتجرّد فتبدو عورتها.
(إلى الثندوة) بمثلّثة، قال في النهاية: الثندوتان للرّجل كالثديين للمرأة، فمن ضمّ الثاء همز، ومن فتحها لم يهمز.
стр. 1116
(وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها) قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: كيف هذا مع أنّ ماعزًا جاء إلى النبيّ ﷺ بنفسه، فجعل يعرض عنه فلمّا أصرّ على الإقرار جعل يطلب له مخرجًا بقوله: "أبِكَ جِنَّة؟ " وكذا فعل مع غيره؟
قال: والجواب ما ذكره الشافعي، وهو أنّ القاعدة المجمع عليها أنّ من كان في ذمّته حقّ لا يعلمه مستحقّه أنَّه يجب عليه أن يعلمه به ليستوفيه أو يعفو عنه، وأبو العسيف قذف امرأة الرّجل بحضرة رسول الله ﷺ فأرسل أنيسًا ليعلمها بما وجب لها من حدّ القذف لتطالب به أو تتركه، وقال لأنيس: "إن اعترفت فارجمها"، فقوله: "فارجمها" وقع جوابًا للشرط لا أنَّه علّة لبعثه.
* * *
[باب في رجم اليهوديين]
стр. 1117
(يحني على المرأة) قال الخطّابي: هكذا قال "يجني" (١) والمحفوظ إنَّما هو يحنا (٢) أي يكبّ عليها، يقال حنا يحنا حنوّا (٣) إذا أكبّ على الشيء، كذا في المعالم، وعبارة النهاية: قال الخطّابي: الذي جاء في كتاب (٤) السنن "يجني" بالجيم وإنّما هو يحنا بالحاء أي: يكبّ عليها.
стр. 1118
(يحمّم) هو تسويد الوجه بالحمم.
(ويجبّه)، (والتجبيه أن يحمل الزّانيان على حمار ويقابل أقفيتهما) إلى آخره، قال الخطّابي: يشبه أن يكون أصله الهمز وهو يجبأ من التجبئة وهو الردع والزجر، يقال جبأته فجبا أي ارتدع، فقلبت الهمزة هاء، والتجبية أن ينكس رأسه فسمّي ذلك الفعل تجبية، وقد يحتمل أن يكون أيضًا من الجبه وهو الاستقبال بالمكروه.
(ألظّ به النّشدة) أي: ألزمه القَسَم وألحّ عليه في ذلك.
(في أسرة) أي: عشيرة.
стр. 1119
[باب في الرجل يزني بجارية امرأته]
(إن كانت أحلّتها لك جلدتك) تمام الحديث قال الخطّابي: هذا الحديث غير متّصل وليس العمل عليه.
(عن سلمة بن المحبق أنّ رسول الله ﷺ قضى على رجل وقع على جارية امرأته إن كاد استكرهها فهي حرّة وعليه لسيّدتها مثلها) قال الخطّابي: لا أعلم أحدًا من الفقهاء يقول به، وخَلِيق أن يكون منسوخًا.
وقال البيهقي في سننه: حصول الإجماع من فقهاء الأمصار بعد التابعين على ترك القول به، دليل على أنّه إن ثبت صار منسوخًا بما ورد من
стр. 1120
الأخبار في الحدود، ثمَّ أَخرج عن أشعث قال: بلغني أن هذا كان قبل الحدود.
* * *
[باب في الأمة تزني ولم تحصن]
(ولا يثرّب) بالمثلّثة، قال الخطّابي: معنى التثريب التّعيير والتبكيت، يقول: لا يقتصر على أن يبكتها بفعلها أو يسبّها، ويعطّل الحدّ الواجب عليها. وقال ابن الجوزي: أي: لا يعنّفها بعد الحدّ.
وقال في النهاية: أي: لا يوبّخها ولا يقرعها بالزنا بعد الضرب، وقيل: أراد لا يقنع في عقوبتها بالتثريب بل يضربها الحدّ فإنّ زنا الإماء لم يكن عند العرب مكروهًا ولا منكرًا، فأمرهم بحدّ الإماء كما (١) أمرهم بحدّ الحرائر.
* * *
[باب في إقامة الحدّ علي المريض]
стр. 1121
(أضني) قال الخطّابي: أي: أصابه الضّنى، وهو شدّة المرض وسوء الحال حتى ينحل بدنه ويهزل، ويقال إنّ الضّنى انتكاس العلّة.
(فهشّ لها) أي: ارتاح وخفّ.
* * *
[باب الحدّ في الخمر]
стр. 1122
(لم يقت في الخمر حدًّا) أي: لم يوقّت، يقال: وقت بالتخفيف يقت فهو موقوت.
(في الفجّ) أي: الطريق.
(ولّ حارّها من تولّى قارّها) قال الخطّابي: هذا مثل، يريد ولّ العقوبة والضرب من توليه العمل والنفع، والقارّ البارد.
(قال الأصمعي ولّ شديدها من تولّى هيّنها) وكلاهما قريب.
* * *
[باب إذا تتابع في شرب الخمر]
стр. 1123
(بالميتخة) قال الخطّابي: بالياء، يعني التحتيّة، قبل التّاء، وهي اسم للعصا الخفيفة، وهي أيضًا بالتّاء الفوقية قبل الياء، سمّيت ميتخة لأنّها تتوخ أي تأخذ في المضروب، من قولك تاخت إصبعي في الطين.
وقال في النهاية: هذه اللفظة قد اختلف في ضبطها، فقيل: هي بكسر الميم وتشديد التاء، وبفتح الميم مع التشديد، (وبكسر الميم وسكون التاء قبل الياء وبكسر الميم وتقديم الياء الساكنة على التاء) (١)، قال الأزهري: وهذه كلّها أسماء لجرائد النخل وأصل العرجون، وقيل: هي اسم للعصا وقيل القضيب الدقيق الليّن، وقيل: كلّ ما ضرب به من جريد أو عصا ودرّة وغير ذلك، وأصلها فيما قيل من مَتخ الله رقبته بالسَّهم (٢) إذا ضربه، وقيل: من تَيَّخه العذاب وطيَّخه إذا ألحّ عليه، فأبدلت التاء من الطاء.
* * * * * *
стр. 1124
كتاب الدّيات
[باب الإمام يأمر بالعفو في الدم]
(نسعة) بكسر النون، سير مضفور يجعل زمامًا للبعير وغيره.
стр. 1125
(يبوء بإثمه وإثم صاحبه) قال الخطّابي: معناه أنَّه يتحمّل إثمه في قتل صاحبه، فأضاف الإثم إلى صاحبه إذ صار بكونه محلًّا للقتل سببًا لإثمه، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ فأضاف الرسول إليهم، وإنّما هو في الحقيقة رسول الله أرسله إليهم، وأمّا الإثم المذكور ثانيًا فهو إثمه فيما قارفه من الذنوب التي بينه وبين الله سوى الإثم الذي قارفه من القتل، فهو يبوء به إذا عفا عن القتل ولو قتل لكان (١) كفّارة له.
(أمّا إنَّه إن قتله كان مثله) قال الخطّابي: يحتمل وجهين؛ أحدهما: أنّه لم ير لصاحب الدم أن يقتله، لأنَّه ادّعى أن قتله كان خطا أو شبه العمد فأورث ذلك شبهة في وجوب القتل، والآخر: أن يكون معناه أنَّه إذا قتله