(أضني) قال الخطّابي: أي: أصابه الضّنى، وهو شدّة المرض وسوء الحال حتى ينحل بدنه ويهزل، ويقال إنّ الضّنى انتكاس العلّة.
(فهشّ لها) أي: ارتاح وخفّ.
* * *
[باب الحدّ في الخمر]
стр. 1122
(لم يقت في الخمر حدًّا) أي: لم يوقّت، يقال: وقت بالتخفيف يقت فهو موقوت.
(في الفجّ) أي: الطريق.
(ولّ حارّها من تولّى قارّها) قال الخطّابي: هذا مثل، يريد ولّ العقوبة والضرب من توليه العمل والنفع، والقارّ البارد.
(قال الأصمعي ولّ شديدها من تولّى هيّنها) وكلاهما قريب.
* * *
[باب إذا تتابع في شرب الخمر]
стр. 1123
(بالميتخة) قال الخطّابي: بالياء، يعني التحتيّة، قبل التّاء، وهي اسم للعصا الخفيفة، وهي أيضًا بالتّاء الفوقية قبل الياء، سمّيت ميتخة لأنّها تتوخ أي تأخذ في المضروب، من قولك تاخت إصبعي في الطين.
وقال في النهاية: هذه اللفظة قد اختلف في ضبطها، فقيل: هي بكسر الميم وتشديد التاء، وبفتح الميم مع التشديد، (وبكسر الميم وسكون التاء قبل الياء وبكسر الميم وتقديم الياء الساكنة على التاء) (١)، قال الأزهري: وهذه كلّها أسماء لجرائد النخل وأصل العرجون، وقيل: هي اسم للعصا وقيل القضيب الدقيق الليّن، وقيل: كلّ ما ضرب به من جريد أو عصا ودرّة وغير ذلك، وأصلها فيما قيل من مَتخ الله رقبته بالسَّهم (٢) إذا ضربه، وقيل: من تَيَّخه العذاب وطيَّخه إذا ألحّ عليه، فأبدلت التاء من الطاء.
* * * * * *
стр. 1124
كتاب الدّيات
[باب الإمام يأمر بالعفو في الدم]
(نسعة) بكسر النون، سير مضفور يجعل زمامًا للبعير وغيره.
стр. 1125
(يبوء بإثمه وإثم صاحبه) قال الخطّابي: معناه أنَّه يتحمّل إثمه في قتل صاحبه، فأضاف الإثم إلى صاحبه إذ صار بكونه محلًّا للقتل سببًا لإثمه، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ فأضاف الرسول إليهم، وإنّما هو في الحقيقة رسول الله أرسله إليهم، وأمّا الإثم المذكور ثانيًا فهو إثمه فيما قارفه من الذنوب التي بينه وبين الله سوى الإثم الذي قارفه من القتل، فهو يبوء به إذا عفا عن القتل ولو قتل لكان (١) كفّارة له.
(أمّا إنَّه إن قتله كان مثله) قال الخطّابي: يحتمل وجهين؛ أحدهما: أنّه لم ير لصاحب الدم أن يقتله، لأنَّه ادّعى أن قتله كان خطا أو شبه العمد فأورث ذلك شبهة في وجوب القتل، والآخر: أن يكون معناه أنَّه إذا قتله
стр. 1126
كان مثله في حكم البواء فصارا متساويين لا فضل للمقتصّ إذا استوفى حقّه على المقتصّ منه.
стр. 1127
(الغِيَر) بكسر الغين المعجمة وفتح المثناة التحتيّة وراء، الدية، قيل هي جمع غيرة، وقيل مفرد وجمعها أغيار، كضلع وأضلاع، وأصلها من المغايرة لأنَّها بدل من القتل (١).
(شكة) بكسر الشّين المعجمة، أي: سلاح.
(إنّي لم أجد لما فعل هذا في غرّة الإسلام) أي: أوّله (مثلًا إلّا غنمًا وردت فرمي أوّلها فنفر آخرها اسنن اليوم وغيّر غدًا) قال الخطّابي: هذا مثل، يقول إن لم يقتص منه اليوم لم تثبت سنتك غدًا، ولم ينفد حكمك بعدك، وإن لم تفعل ذلك وجد القائل سبيلًا إلى أن يقول مثل هذا القول، أعني قوله: "اسنن اليوم وغير غدًا" فتتغيّر لذلك سنّتك وتتبدّل أحكامها.
وقال في النهاية: معناه أنّ مَثَل مُحلِّم في قتله الرّجل وطلبه أن لا يقتصّ منه وتؤخذ منه الدية والوقت أوّل الإسلام وصدره، كمثل هذه الغنم النافرة، يعني إن جرى الأمر مع أولياء هذا القتيل على ما يريد مُحلِّم، ثبّط الناس عن الدخول في الإسلام معرفتهم أنّ القود يغيّر بالديّة والعرب خصوصًا وهم الحرّاص فعلى درك الأوتار (٢) فيهم الأنفة من قبول الديات، ثمَّ حثّ رسول الله ﷺ على الإقادة منه بقوله: "اسنن اليوم وغيّر غدًا"،
стр. 1128
يريد إن لم يقتص منه غيّرت سنتك، ولكنّه أخرج الكلام على الوجه الذي يهيّج المخاطب ويحثّه على الإقدام على المطلوب منه.
* * *
[باب فيمن سقى رجلًا سمًّا أو أطعمه فمات أيقاد منه ؟ ]
(لهوات) جمع لهاة، وهي اللحمة من (١) سقف أقصى الفم.
стр. 1129
(مصليّة) هي المشويّة.
(أخبرتني هذه الذراع) (١)، (فعفا عنها رسول الله ﷺ ) وفي الحديث الذي يليه (فأمر بها فقتلت) قال الواقدي: الثبت عندنا أنّ رسول الله ﷺ قتلها وأمر بلحم الشاة فأحرق.
وقال البيهقي في سننه: اختلفت الروايات في قتلها ورواية أنس أصحّ، قال: ويحتمل أنَّه ﷺ في الابتداء لم يعاقبها حين لم يمت أحد من أصحابه ممّن أكل، فلمّا مات بشر بن البراء أمر بقتلها، فأدّى كلّ واحد من الروّاة ما شاهد.
(حجّمه أبو هند بالقَرْن) قال في النهاية: هو اسم موضع، وقيل: هو قرن ثور جعل كالمحجمة.
* * *
стр. 1130
[باب من قتل عبده أو مثّل به أيقاد منه ؟ ]
(ثمّ إنّ الحسن نسي (١) هذا الحديث فكان يقول: "لا يقتل حرّ بعبد") قال الخطّابي: يحتمل أنه لم ينس الحديث، ولكنّه كان يتأوّله على غير معنى الإيجاب، ويراه نوعًا من الزجر ليرتدعوا فلا يقدموا على ذلك، وذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث سمرة هذا منسوخ.
* * *
[باب القسامة]
стр. 1131
(الكبر الكبر) قال في النهاية: أي ليبدأ الأكبر بالكلام، أو قدّموا الأكبر إرشادًا إلى الأدب في تقديم الأسنّ.
(فيدفع برمّته) بضمّ الرَّاء وتشديد الميم، وهي قطعة حبل يشدّ بها الأسير و (١) القاتل إذا قيد إلى القصاص، أي: يسلّم إليهم بالحبل الذي شدّ به تمكينًا لهم منه لئلّا يهرب، ثمّ اتّسعوا فيه حتى قالوا أخذت الشيء برمّته، أي كلّه.
стр. 1132
(في فقير) بفاء ثمَّ قاف، بئر قريبة القعر تحفر حول فسلان النخل.
стр. 1133
(ببحرة الرّغاء) قال الخطابي: البحرة البلدة.
(على شط ليّة) قال في النهاية: هي اسم موضع بالحجاز.
***
[باب يقاد من القاتل]
(أوضاح) قال الخطابي: يريد حليًّا لها، وقال في النهاية: هي نوع من الحلي يعمل من الفضة سمّيت بها لبياضها، واحدها وضح.
***
[باب أيقاد المسلم بالكافر]
стр. 1134
(وهم يد على من سواهم) قال الطيبي: أي هم مجتمعون على أعدائهم، لا يسعهم التخاذل، بل يعاون بعضهم بعضًا على جميع الأديان، كأنّه جعل أيديهم يدًا واحدة، وفعلهم فعلًا واحدًا.
***
[باب العامل يصاب على يديه خطأ]
стр. 1135
(فلاحه (١) رجل (أو لاحاه (٢)) (٣)) أي: نازعه وخاصمه.
***
[باب القود من الضربة وقصّ الأمير من نفسه]
(وقد رأيت رسول الله ﷺ أقصّ من نفسه) ورد في القصاص أحاديث، منها عن أسيد بن حضير أخرجه المصنف في آخر الكتاب، ومنها ما أخرجه الحاكم عن حبيب بن مسلمة (٤) أن رسول الله ﷺ دعا إلى القصاص من نفسه في خدشة خدشها أعرابيًّا لم يتعمده، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك جبارًا ولا متكترًا، فدعا الأعرابي فقال: اقصص منّي، فقال الأعرابي: قد أحللتك بأبي أنت وأمّي، ما كنت لأفعل ذلك
стр. 1136
أبدًا، ولو أتيت على نفسي، فدعا له بخير، ومنها قصص أخرى في عدة أحاديث خرجتها في جزء.
***
[باب عفو النساء عن الدّم]
(على المقتتليْن أن ينحجزوا الأولى فالأولى (١) وإن كانت امرأة) قال الخطابي: يشبه أن يكون معنى المقتتلين هنا أن يطلب أولياء القتيل القود فيمتنع القتلة، فينشأ بينهم الحرب والقتال من أجل ذلك، فجعلهم مقتتلين لما ذكرنا، ويحتمل أن تكون الرواية المقتتلين بنصب التَّائين، يقال اقتتل فهو مقتتل، غير أن هذا إنَّما يستعمل أكثر فيمن قتله الحبّ.
قال في النهاية: وهذا حديث مشكل، اختلفت فيه أقوال العلماء، فقيل إنّه في المقتتلين من أهل القبلة على التأويل، فإن البصائر ربما أدركت بعضهم فاحتاج إلى الانصراف من مقامه المذموم إلى المحمود، فإذا لم يجد طريقًا يمرّ فيه إليه بقي في مكانه الأوّل فعسى أن يقتل فيه، فأمروا بما في هذا الحديث، وقد يدخل فيه أيضًا المقتتلون من المسلمين في قتالهم أهل
стр. 1137
الحرب، إذ قد يجوز أن يطرأ عليهم مَن معه (١) العذر الذي أبيح لهم الانصراف عن (٢) قتاله إلى فئة المسلمين، وقوله: "أن ينحجزوا" معناه يكفوا عن القود، وتفسيره أن يقتل رجل وله ورثة رجال ونساء، فأيهم عفا - وإن كانت امرأة - سقط القَوَد وصار دية، وقوله: "الأولى فالأولى" يريد الأقرب فالأقرب.
وقال في النهاية: قوله: "أن ينحجزوا" أي: يكفوا، وكل من ترك شيئًا فقد انحجز عنه، والانحجاز مطاوع حجزه إذا منعه.
***
[باب من قتل في عمّيًا بين القوم]
(من قتل في عمّيًّا) قال الخطابي: وزنه فعيلى من العمى، كما يقال بينهم رميا من رمي، ومعناه: أن يترامى القوم فيوجد بينهم قتيل لا يُدرى قاتله، ويعمى أمره فلا يتبيّن، ففيه الدية.
стр. 1138
(فهو خطأ وعقله عقل الخَطأ) قال البيهقي في سننه: يريد به والله أعلم شبه الخطأ وهو شبه العمد، وقوله فهو خطأ، يريد شبه خطأ حتى لا يجب به القود، قال: وقد يحتمل أن يكون يراد به الخطأ المحض، وذلك أن يرمي شيئًا فيصيب غيره، فيكون عقله عقل الخطأ. انتهى.
(لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا) (١) قال الشيخ عز الدّين بن عبد السلام: عدم القبول يرجع إلى الموازنة، وذلك أن الصرف هو الانتقال من حالة إلى حالة عبر به عن التوبة وإن الإنسان ينتقل من حالة المعصية إلى حالة الطاعة، فالمعنى من عدم قبول توبته أنَّه لا يترتب عليها من الثواب وتكفير السيئات ما يترتب على سائر التوبات، لأجل ما يدخل عليها من الموازنة، وربّما استغرق ثوابه وزاد عليه لما حصل من المفاسد، وما من توبة صحيحة إلَّا تكفر ما مضى وتحصل (٢) مقدارًا من الثواب، وأمّا العدل فهو الفدية التي يفتدي بها العبد من الله، مأخوذ من التعادل وهو التساوي، وفداء الأسير لا بد أن يكون مساويًا له، وليس من العدل الذي هو الإنصاف، فلا يقبل أيضًا ما جاء به من الفدية لأنّها بالموازنة يخرج عن أن يكون معادلة وفدية، وربما استغرقتها الموازنة فلا يقبل منها شيء البتة.
***
[باب الدية كم هي ؟ ]
стр. 1139
(قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض) الحديث قال الخطابي: هذا الحديث لا أعرف أحدًا قال به من الفقهاء.
(كانت قيمة الدّية) قال الخطّابي: يريد قيمة الإبل التي هي الأصل في الدّية.
***
[باب دية الخطأ شبه العمد]
стр. 1140
(مأثرة) بالمثلثة، هي كل ما يؤثر ويذكر من مكارم أهل الجاهلية ومفاخرهم.
(تحت قدمي) قال الخطابي: معناه إبطالها وإسقاطها.
(إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت) بكسر السين وبالدّال المهملتين، وهي خدمته والقيام بأمره، قال الخطابي: كانت الحجابة في الجاهلية في بني عبد الدّار والسقاية في بني هاشم، فاقرهما رسول الله ﷺ فصار بنو شيبة يحجبون البيت وبنو العباس يسقون الحجيج.
***
[باب ديات الأعضاء]
(الأصابع سواء والأسنان) قال الخطابي: لو أخذ على الناس أن يعتبروها بالجمال والمنفعة، لاختلف الأمر في ذلك اختلافًا لا يضبط ولا
стр. 1141
يحصر، فحمل على الأسامي وترك ما وراء ذلك من الزيادة والنقصان في المعاني.
стр. 1142
(فإذا (١) هاجت رِخَصا) أي: رخصت ونقصت قيمتها.
(وإن جدعت ثندوته) بمثلثة ثمّ نون، قال في النهاية: أراد بها هنا رؤبة الأنف، وهي طرفه ومقدّمه.
(أنَّ عقل المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئًا إلّا ما فَضَلَ عن ورثتها) قال الخطابي: يريد العقل الذي يجب بسبب جنايتها على عاقلتها، يقول إن العصبة يتحمّلون عقلها عن الرّجل وإنّها ليست كالعبد الذي لا تحمل العاقلة جنايته، وقوله (وإن قتلت فعقلها بين ورثتها) يريد أنّ الدية موروثة كسائر الأموال التي كانت تملكها أيّام حياتها، يرثها زوجها.
***
[باب دية الجَنين]
стр. 1143
(في إملاص المرأة) بالصّاد المهملة، أي: إسقاطها الولد.
(وورثها ولدها ومن معهم) قال الخطابي: يريد الدية.
(ولا استهلّ) أي: صاح.
(فمثل ذلك بطل) (١) قال الخطابي: يروي هذا الحرف على وجهين؛ أحدهما: بطل فعل ماض من البطلان، والآخر: يُطل فعل مضارع من طل دمه إذا أهدر.
(فقال رسول الله ﷺ : "إنّما هذا من إخوان الكهان"، من أجل سجعه الذي سجع) قال الخطابي: لم يعبه بمجرّد السجع بل بما تضمنه سجعه من الباطل، وإنّما ضرب المثل بالكهّان لانهم كانوا يروّجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين فيستميلون القلوب بها، ويستضعفون الأسماع إليها، فأمّا إذا وضع السجع في موضع حق فإنّه ليس بمكروه، وقد تكلم رسول الله ﷺ بالسجع في مواضع من كلامه كقوله للأنصار: "إنّكم تقلّون عند الطمع وتكثرون عند الفزع"، وقوله: "خير المال سكة مأبوره أو مهرة مأمورة"، وقوله: "يا أبا عمير، ما فعل النغير" وذلك كثير.
стр. 1144
(حذفت امرأة) أي: رمتها، والذال معجمة، وفي الحاء الإهمال والإعجام.
(بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل، قال أبو داود: روى هذا الحديث حماد بن سلمة وخالد بن عبد الله عن محمد بن عمرو ولم يذكرا: "أو فرس أو بغل") قال الخطابي: يقال إن عيسى بن يونس قد وهم فيه، وهو يغلط أحيانًا فيما يرويه.
***
[باب في دية المكاتب]
стр. 1145
(قضى رسول الله ﷺ في دية المكاتب يقتل: يودى ما أدّى من مكاتبته ديّة الحرّ وما بقي ديّة المملوك) قال الخطابي: أجمع عوام الفقهاء على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم في جنايته والجناية عليه، ولم يذهب إلى هذا الحديث من العلماء فيما بلغنا إلَّا إبراهيم النخعي، وقد روي في ذلك أيضًا شيء عن علي بن أبي طالب، وإذا صحّ الحديث وجب القول به إذا لم يكن منسوخًا، أو معارضًا بما هو أولى منه.
***
[باب في الرجل يقاتل الرجل فيدفعه عن نفسه]
(فنذرت) بالدال المهملة، أي: سقطت.
***
[باب فيمن تطبّب ولا يعلم منه طبّ فأَعْنَتَ]
стр. 1146
(من تطبّب ولا (١) يعلم منه طبّ فهو ضامن) قال الخطابي: لا أعلم خلافًا في أن المعالج إذا تعدّى فتلف المريض كان ضامنًا، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعدّ، فإذا تولد من فعله التّلف ضمن الدية لأنه لا يستبدّ بذلك دون إذن المريض.
(فأعنت) قال في النهاية: أي: ضرّ المريض وأفسده.
***
[باب في الدابة تنفح برجلها]
стр. 1147
(الرجل جبار) أي: هَدر، قال في النهاية: [أي: ما أصابت الدّابة برجلها فلا قود على صاحبها، وقال الخطابي] (١): قد تكلم الناس في هذا الحديث وقيل: إنّه غير محفوظ، وسفيان بن حسين معروف بسوء الحفظ، قالوا وإنّما هو "العجماء جرحها جبار" ولو صحّ الحديث كان القول به واجبًا، وقد قال به أصحاب الرأي، ذهبوا إلى أن الراكب إذا رمحت دابته إنسانًا برجلها فهو هدر، فإن نفحته بيدها فهو ضامن، قالوا (٢): وذلك أن الراكب يملك تصريفها من قدّامها, ولا يملك ذلك منها فيما وراءها.
وفي سنن البيهقي: قال الشافعي: هذا اللفظ غلط؛ لأن الحفاظ لم يحفظوا هكذا، قال البيهقي: هذه الزيادة تفرّد بها سفيان بن حسين عن الزهريّ، وقد رواه مالك بن أنس واللّيث بن سعد وابن جريج ومعمر وعقيل وسفيان بن عيينة وغيرهم عن الزهريّ، لم يذكر أحد منهم فيه "الرجل".
***
[باب العجماء والمعدن والبئر جبار]
(العجماء) أي: البهيمة (جرحها) قال الأزهري (٣): هو بفتح الجيم
стр. 1148
على المصدر لا غير (جبار) قال الخطابي: هذا إذا كانت منفلتة ليس لها قائد ولا سائق (والمعدن جبار) هو ما يستخرجه الإنسان من معادن الذهب والفضة ونحوهما، فيستأجر قومًا يعملون فيها فربما انهارت على بعضهم، يقول فدماؤهم هدر لأنهم أعانوا على أنفسهم فزال العتب عمّن استأجرهم (والبئر جبار) قال الخطابي: هو أن يحفر بئرًا في ملك نفسه أو موات فيتردّى فيها إنسان فإنّه هدر لا ضمان عليه فيه.
قلت: روى عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج عن يعقوب بن عتبة وصالح وإسماعيل بن محمد قالوا: كان أهل الجاهلية يضمّنون الحي ما أصاب بهائمهم وآبارهم ومعادنهم، فلمّا ذكر ذلك لرسول الله ﷺ قال (في) (١) ذلك هذا القول من القضاء، وهذا من أسباب الحديث وقد ذكرته في اللّمع.
***
[باب في النار تعدّى]
(النار جبار) قال الخطابي: لم أزل أسمع أصحاب الحديث يقولون غلط فيه عبد الرزاق إنما هو "البئر جبار" حتى وجدته لأبي داود عن عبد الملك الصنعاني عن معمر، فدل على أنّ الحديث لم ينفرد به عبد الرزاق، ومن قال هو تصحيف البئر احتجّ في ذلك بأن أهل اليمن يميلون " النار" يكسرون النون منها فسمعه بعضهم على الإمالة فكتبه بالياء ثمّ
стр. 1149
نقله الروّاة مصحفًا، وإن صحّ الحديث على ما روي فإنّه متأوّل على النار يوقدها الرجل في ملكه لأرب له فيها، فيطير الريح فيشعلها في مال غيره من حيث لا يملك ردّها، فيكون هدرًا غير مضمون عليه.
***
[باب في جناية العبد يكون للفقراء]
(أنّ غلامًا لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء) الحديث قال الخطّابي: معنى هذا أن الغلام الجاني كان حرًّا وكانت جنايته خطأ، وكانت عاقلته فقراء، وإنّما تواسى العاقلة عن وُجد وسَعة ولا شيء على الفقير منهم، وأمّا العبد إذا جنى فجنايته في رقبته.
***
[باب القصاص من السنّ]
стр. 1150
(كتاب الله القصاص) قال الخطابي: معناه فرض الله الذي فرضه على لسان نبيه ﷺ ، وقيل: أراد به قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾، وهذا على قول من يقول: إن شرائع الأنبياء لازمة لنا، وقيل: هو إشارة إلى قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.
وقال غيره: روي اللّفظان بالرّفع على الابتداء والخبر، وبالنصب، الأول على الإغراء والثاني على البدل.
****
стр. 1151
كتاب السُّنَّة
[باب شرح السُّنَّة]
(افترقت اليهود) الحديث، ألّف الإِمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي كتابًا في شرح هذا الحديث، قال فيه: قد علم أصحاب المقالات أنّه ﷺ لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام، وإنّما قصد بالذمّ من خالف أهل الحق في أصول التوحيد، وفي تقدير الخير والشرّ، وفي شروط النبوة والرسالة، وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى هذه الأبواب؛ لأن المختلفين فيها قد أكفر بعضهم بعضًا، بخلاف النوع الأول فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه، فرجع (١) تأويل الحديث في افتراق الأمّة إلى هذا النوع من الاختلاف، وقد حدث في آخر أيام الصحابة خلاف القدرية من معبد الجهني وأتباعه، وتبرأ منهم المتأخّرون من الصحابة كعبد الله بن عمر وجابر وأنس ونحوهم،
стр. 1152
ثمّ حدث الخلاف بعد ذلك شيئًا فشيئًا إلى أن تكاملت الفرق الضالة اثنتين وسبعين فرقة، والثالثة والسبعون هم أهل السُّنّة والجماعة، وهي الفرقة الناجية. ثمّ سرد أسماءهم وعقائدهم.
(الكلب) قال في النهاية: هو بالتحريك، داء يعرض للإنسان من علق الكلب الكلِب، وهو داء يصيب الكلب فيصيبه شبه الجنون فلا يعلق أحدًا إلَّا كلب، ويعرض له أعراض رديّة ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشًا.
***
[باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم]
стр. 1153
(ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا) (١) قال الخطابي: فيه أن تحريم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث إنما هو فيما يكون بينهما من قِبَل عَتْب ومَوْجدة، أو لتقصير يقع في حقوق العشرة ونحوها، دون ما كان من ذلك من حق الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدعة دائمة على مرّ الأوقات والأزمان، ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق.
قلت: وقد ألفت في ذلك تأليفًا سقيته: "الزجر بالهجر" فيه فوائد جمّة.
(أيّها الثّلاثة) هو من باب الاختصاص المشابه للنّداء لفظًا لا معنًى، وقد أوضحته في إعراب الحديث.
***
[باب النهي عن الجدال في القرآن]
(المراء في القرآن كفر) قال الخطابي: اختلف في تأويله، فقيل معنى المراء الشك فيه، وقيل بل هو الجدال المشكك فيه، وتأوّله بعضهم على
стр. 1154
المراء في قراءته دون تأويله ومعانيه، مثل أن يقول قائل: هذا قرآن قد أنزله الله، ويقول الآخر: لم ينزله الله هكذا فيكفر به من أنكره، وقد أنزل الله سبحانه كتابه على سبعة أحرف كلّها شاف كاف، فنهاهم ﷺ عن إنكار القراءة التي يسمع بعضهم بعضًا يقرؤها، وتوعدهم بالكفر عليها لينتهوا عن المراء فيه والتكذيب به، إذ كان القرآن منزّلًا على سبعة أحرف وكلها قرآن منرل، يجوز قراءته ويجب الإيمان به، وقال بعضهم: إنَّما جاء هذا في الجدال بالقرآن من الآي التي فيها ذكر القدر ونحوه على مذهب أهل الكلام والجدل، وعلى معنى ما يجري من الخوض بينهم فيها دون ما كان منها في الأحكام وأبواب التحليل والتحريم، فإن الصحابة قد تنازعوها فيما بينهم، وتحاجّوا بها عند اختلافهم في الأحكام، ولم يتحرّجوا من التناظر بها وفيها، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فعلم أنّ النهي منصرف إلى غير هذا الوجه. انتهى.
وقال البيهقي في شعب الإيمان: قال الحليمي: هذا والله أعلم أن يسمع الرجل من الآخر قراءة أو آية أو كلمة لم تكن عنده، فيعجل عليه ويخطئه فينسب ما يقرأ إلى أنّه ليس بقرآن ويجادله في ذلك، أو يجادله في تأويل ما يذهب إليه ولم يكن عنده ويخطّئه ويضلله، لا ينبغي له أن يفعل ذلك، فإن اللّجاج ربّما أزاغه عن الحقّ ولا يقبله وإن ظهر له وجه فيكفر، فلهذا حرّم المراء في القرآن وسمّي كفرًا لأنه يشرف بصاحبه على الكفر، فإن ذلك لو كان في نفي حرف أو إثباته أو نفي كلمة أو إثباتها لكان الزائغ من الممتارين (١) (له) (٢) عن الحق بعد ما تبين له كافرًا؛ لأنه إما منكر شيء من القرآن، أو مدّعى زيادة فيه. قال: والمراد الإصرار على التغليط والتضليل، وترك الإذعان لما يقام من الحجة، أمَّا المباحثة التي لا يكاد المشكل ينفتح إلَّا بها فليست بحرام. انتهى.
***
стр. 1155
[باب في لزوم السنة]
(ألا إنّي أوتيت الكتاب ومثله معه) قال الخطابي: يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون معناه أنّه أوتي من الوحي الباطن غير المتلوّ مثل ما أوتي من الظاهر المتلوّ، والثاني: أن معناه أنّه أوتي الكتاب وحيًا يُتلى وأوتي مثله من البيان، أي أذن له أن يبين ما في الكتاب فيعمّ ويخصّ، وأن يزيد عليه فيشرّع ما ليس له في الكتاب ذِكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلوّ من القرآن.
(ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن) إلى آخره قال الخطابي: يحذر بذلك مخالفة السّنن التي سنّها رسول الله ﷺ ممّا ليس له في القرآن ذكر، على ما ذهبت إليه الخوارج والرّوافض، فإنّهم تغلّقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي (قد ضمنت) (١) بيان الكتاب فتحيروا وضلوا، و"الأريكة" السرير، ويقال إنَّه لا يسمّى أريكة حتى يكون في حجلة، وإنّما أراد بهذه الصفة أصحاب التّرفه والدَّعَة الذين لزموا البيوت، ولم يطلبوا العلم، ولم يغدوا ولم يروحوا في طلبه من مظانّه، واقتباسه من أهله.
стр. 1156
قال: وفي الحديث دليل على أنه لا حاجة بالحديث إلى أن يعرض على الكتاب، وأنّه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ كان حجّة بنفسه، فأمّا ما رواه بعضهم أنه قال: "إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه"، فإنّه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا البهاجي عن يحيى بن معين أنّه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة. وقد روي هذا من حديث الشاميين عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان، ويزيد بن ربيعة مجهول ولا يعرف له سماع من أبي الأشعث، وأبو الأشعث لا يروي عن ثوبان، إنَّما يروي عن أبي أسماء الرّحبي عن ثوبان.
قال: وقوله: (ولا لقطة معاهد الّا أن يستغني عنها صاحبها) معناه إلَّا أن يتركها صاحبها لمن أخذها، استغناء عنها.
وقوله: (فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه) معناه أن له أن يأخذ من مالهم قدر قراه، عوضًا وعقبى ممّا حرموه من القِرى، وهذا في المضطرّ الذي لا يجد طعامًا ويخاف على نفسه التلف.
стр. 1157
(والسمع والطاعة وإن عبد حبشي (١)) قال الخطابي: يريد به طاعة من ولاه الإِمام، ولم يرد بذلك أن يكون الإِمام عبدًا حبشيًّا، وقد ثبت عنه ﷺ أنّه قال: "الأئمة من قريش"، وقد يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يصح في الوجود، كقوله: "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة" وقدر مفحص القطاة لا يكون مسجدًا لآدمي، وقوله: "لو سرقت فلانة لقطعتها" وهي لا يتوهم عليها السرقة، وقوله: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده"، ونظائره كثيرة.
(وسنة الخلفاء المهديّين) هذا من الإخبار بالغيب عن خلافة الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃.
(وعضّوا عليها بالنواجذ) بالذال المعجمة، وهي الأضراس، واحدها ناجذ، قال الخطابي: أراد بذلك الجدّ في لزوم السنة، فعل من أمسك الشيء بين أضراسه وعضّ عليه منعًا له من أن ينتزع، وذلك أشدّ ما يكون من التمسك بالشيء إذ كان ما يمسكه بمقاديم فمّه أقرب تناولا وأسهل انتزاعًا، وقد يكون معناه أيضًا: الأمر بالصبر على ما يصيبه من المضض في ذات الله، كما يفعل المتألم بالوجع يصيبه.
(فإن كلّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) قال الخطابي: هذا خاصّ في بعض الأمور دون بعض، وكل شيء أحدث على غير مثال أصل من أصول الدين وعلى غير عبارته (٢) وقياسه، وأمّا ما كان منها مبنيًّا على قواعد الأصول فليس ببدعة ولا ضلالة.
стр. 1158
(هلك (١) المتنطّعون) قال الخطابي: المتنطع المتعمّق في الشيء، المتكلف البحث عنه، على مذاهب أهل الكلام الدّاخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم.
وقال في النهاية: هم المتعمّقون المغالون في الكلام، المتكلّمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النّطع وهو الغار الأعلى من الفمّ، ثمّ استعمل في كل متعمّق قولًا وفعلا.
***
[باب في الخلفاء]
стр. 1159
(إنّي أرى اللّيلة) قال الخطابي: أخبرني أبو عمر الزاهد عن أبي العباس ثعلب قال: تقول ما بينك من لدن الصباح وبين الظهر رأيت الليلة، وبعد الظهر إلى الليل رأيت البارحة.
(ظلّة) أي: سحابة
(ينطف) أي: يقطر.
(يتكفّفون بأيديهم) أي: يتلقونه بأكفّهم، يقال تكفّف الرجل الشيء إذا مد كفّه فتناوله بها.
(وأرى سببًا) أي: حبلًا (واصلًا) قال الخطابي: معناه: الموصول، فاعل بمعنى مفعول.
(أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا) قال الخطابي: بلغني عن أبي جعفر رواية عن بعض السلف أنّه قال: موضع الخطأ في عبارته أنَّه يخطئ (١) أحد (٢) المذكورين من السمن والعسل، فإنّه فسرهما بالقرآن لينه وحلاوته، وإنما أحدهما. القرآن، والآخر: السنة.
стр. 1160
(فاستاء لها) قال الخطّابي: معناه كرهها حتى تبينت المساءة في وجهه، ووزنه افتعل من السوء.
(نيط) أي: عُلِّق.