قال: وفي الحديث دليل على أنه لا حاجة بالحديث إلى أن يعرض على الكتاب، وأنّه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ كان حجّة بنفسه، فأمّا ما رواه بعضهم أنه قال: "إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه"، فإنّه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا البهاجي عن يحيى بن معين أنّه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة. وقد روي هذا من حديث الشاميين عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان، ويزيد بن ربيعة مجهول ولا يعرف له سماع من أبي الأشعث، وأبو الأشعث لا يروي عن ثوبان، إنَّما يروي عن أبي أسماء الرّحبي عن ثوبان.
قال: وقوله: (ولا لقطة معاهد الّا أن يستغني عنها صاحبها) معناه إلَّا أن يتركها صاحبها لمن أخذها، استغناء عنها.
وقوله: (فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه) معناه أن له أن يأخذ من مالهم قدر قراه، عوضًا وعقبى ممّا حرموه من القِرى، وهذا في المضطرّ الذي لا يجد طعامًا ويخاف على نفسه التلف.
стр. 1157
(والسمع والطاعة وإن عبد حبشي (١)) قال الخطابي: يريد به طاعة من ولاه الإِمام، ولم يرد بذلك أن يكون الإِمام عبدًا حبشيًّا، وقد ثبت عنه ﷺ أنّه قال: "الأئمة من قريش"، وقد يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يصح في الوجود، كقوله: "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة" وقدر مفحص القطاة لا يكون مسجدًا لآدمي، وقوله: "لو سرقت فلانة لقطعتها" وهي لا يتوهم عليها السرقة، وقوله: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده"، ونظائره كثيرة.
(وسنة الخلفاء المهديّين) هذا من الإخبار بالغيب عن خلافة الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃.
(وعضّوا عليها بالنواجذ) بالذال المعجمة، وهي الأضراس، واحدها ناجذ، قال الخطابي: أراد بذلك الجدّ في لزوم السنة، فعل من أمسك الشيء بين أضراسه وعضّ عليه منعًا له من أن ينتزع، وذلك أشدّ ما يكون من التمسك بالشيء إذ كان ما يمسكه بمقاديم فمّه أقرب تناولا وأسهل انتزاعًا، وقد يكون معناه أيضًا: الأمر بالصبر على ما يصيبه من المضض في ذات الله، كما يفعل المتألم بالوجع يصيبه.
(فإن كلّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) قال الخطابي: هذا خاصّ في بعض الأمور دون بعض، وكل شيء أحدث على غير مثال أصل من أصول الدين وعلى غير عبارته (٢) وقياسه، وأمّا ما كان منها مبنيًّا على قواعد الأصول فليس ببدعة ولا ضلالة.
стр. 1158
(هلك (١) المتنطّعون) قال الخطابي: المتنطع المتعمّق في الشيء، المتكلف البحث عنه، على مذاهب أهل الكلام الدّاخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم.
وقال في النهاية: هم المتعمّقون المغالون في الكلام، المتكلّمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النّطع وهو الغار الأعلى من الفمّ، ثمّ استعمل في كل متعمّق قولًا وفعلا.
***
[باب في الخلفاء]
стр. 1159
(إنّي أرى اللّيلة) قال الخطابي: أخبرني أبو عمر الزاهد عن أبي العباس ثعلب قال: تقول ما بينك من لدن الصباح وبين الظهر رأيت الليلة، وبعد الظهر إلى الليل رأيت البارحة.
(ظلّة) أي: سحابة
(ينطف) أي: يقطر.
(يتكفّفون بأيديهم) أي: يتلقونه بأكفّهم، يقال تكفّف الرجل الشيء إذا مد كفّه فتناوله بها.
(وأرى سببًا) أي: حبلًا (واصلًا) قال الخطابي: معناه: الموصول، فاعل بمعنى مفعول.
(أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا) قال الخطابي: بلغني عن أبي جعفر رواية عن بعض السلف أنّه قال: موضع الخطأ في عبارته أنَّه يخطئ (١) أحد (٢) المذكورين من السمن والعسل، فإنّه فسرهما بالقرآن لينه وحلاوته، وإنما أحدهما. القرآن، والآخر: السنة.
стр. 1160
(فاستاء لها) قال الخطّابي: معناه كرهها حتى تبينت المساءة في وجهه، ووزنه افتعل من السوء.
(نيط) أي: عُلِّق.
стр. 1161
(دلّي) أي: أرسل.
(بعراقيها) قال الخطّابي: هي أعواد يخالف بينها ثمّ تشدّ في عرى الدلو ويعلّق بها الحبل، واحدها عرقوة.
(تضلّع) قال الخطابي: يريد الاستيفاء من الشرب حتى يروى فيتمدد جنبه وضلوعه.
(فانتشطت) أي: اضطربت حتى ينتضح ماؤها.
стр. 1162
(لم إيثم) قال الخطابي: هو لغة لبعض العرب يقولون: إيثم مكان آثم.
(على حراء) قال الخطابي: هو جبل بمكة، وأصحاب الحديث يقصرونه وأكثرهم يفتحون الحاء ويكسرون الرّاء، سمعت أبا عمر يقول: حراء اسم على ثلاثة أحرف، وأصحاب الحديث يغلطون منه في ثلاثة مواضع، يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة وأنشد:
وراقٍ في حراء ونازل
***
[باب في فضل أصحاب رسول الله ﷺ -]
(ويفشوا فيهم السّمن) قال النووي: قال جمهور العلماء في معناه: المراد كثرة اللّحم، ومعناه أنه يكثر ذلك فيهم، وليس معناه أن يتمحضوا سمانًا، قالوا: والمذموم من يستكسبه، وأمّا من هو فيه خِلْقة فلا يدخل في هذا، والمتكسّب له هو المتوسّع في المأكول والمشروب زائدًا على المعتاد،
стр. 1163
وقيل المراد بالسمن هنا أنّهم يتكثرون بما ليس فيهم، ويدّعون ما ليس لهم من الشرف وغيره، وقيل المراد جمعهم الأموال.
***
[باب النهي عن سبّ أصحاب رسول الله ﷺ -]
(لا تسبّوا أصحابي) قال الكرماني: فإن قلت لمن الخطاب في لفظ: "لا تسبّوا" والصحابة هم الحاضرون؟ قلت: لغيرهم من المسلمين المفروضين في العقل، جعل من سيوجد كالموجود الحاضر وجودهم المترقّب.
وقال الشيخ تقي الدّين السبكي: الظاهر أن المراد بقوله: "أصحابي"، من أسلم قبل الفتح، وأنه خطاب لمن أسلم بعد الفتح، ويرشد إليه قوله: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه"، مع قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، ولا بد لنا من تأويل بهذا أو بغيره، ليكون المخاطبون غير الأصحاب الموصى بهم، فهم كبار الأصحاب، وإن شمل اسم الصحبة الجميع، ويشير إليه الحديث الآخر: "هل أنتم تاركوا لي صاحبي" يعني: أبا بكر، قاسم (١) الصحبة يعمّ كلّ من رأى النبي ﷺ مسلمًا، وكبارهم الذين تقدّموا قبل الفتح، فأمر المتأخرون بالتأدب معهم.
стр. 1164
قال: وسمعت الشيخ أبا العباس أحمد بن عطاء يذكر في مجلسه في الوعظ تأويلًا آخر يقول: إنْ النبي ﷺ له تجليات يرى فيها من بعده، فيكون هذا الكلام منه على في تلك التجليات خطابًا لمن بعده في حق جميع الصحابة الذين قبل الفتح وبعده، وهذه طريقة صوفية، وهو كان متكلّم الصوفية على طريقة الشاذلية، فإن ثبت ما قاله، فالحديث شامل (لجميع) (١) الصحابة، وإلّا فهو في حق المتقدّمين قبل الفتح، ويدخل من بعدهم في حكمهم، فإنهم بالنسبة إلى من بعدهم كالذين من قبلهم بالنسبة إليهم. انتهى كلام السبكي.
وقال الحافظ ابن حجر: في الحديث إشعار بأن المراد بقوله: "أصحابي"، أصحاب مخصوصون، وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: "لو أنّ أحدكم أنفق"، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية، ومع ذلك فنهي بعض من أدرك النبي ﷺ وخاطبه بذلك عن سبّ من سبقه، يقتضي زجر من لم يدرك النبي ﷺ ولم يخاطبه، عن سبّ من سبقه من باب أولى.
قال: وغفل من قال إن الخطاب بذلك لغير الصحابة، وإنما المراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل تنزيلًا لمن سيوجد منزلة الموجود للقطع بوقوعه، قال: ووجه التعقب عليه، وقوع التصريح في نفس الخبر في بعض طرقه بأن المخاطَب بذلك خالد بن الوليد حين كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبّه خالد، وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق. انتهى.
وقال الشيخ جلال الدين المحلي في شرح جمع الجوامع: الخطاب للصحابة السابّين، نزّلهم لسبّهم الذي لا يليق بهم منزلة غيرهم، حيث عقل بما ذكره.
(فوالذى نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا) زاد البرقاني (٢) في
стр. 1165
المصافحة: "كلّ يوم"، قال. وهي زيادة حسنة (ما بلغ) أي: في الثواب (مدّ أحدهم ولا نصيفه) هو بفتح النون لغة في النّصف، قال الخطّابي: المعنى أن جهد المقلّ منهم واليسير من النفقة الذي أنفقوه في سبيل الله، مع شدّة العيش والضر الذي كانوا فيه، أَوْفى عند الله وأزكى من الكثير الذي ينفقه من بعدهم مع السَّعة، ويُروى مَدّ بفتح الميم، يريد الطول والفضل.
***
[باب في استخلاف أبي بكر ﵁]
(لما استعزّ برسول الله ﷺ ) قال الخطابي: يقال استُعِزّ بالمريض إذا غُلب على نفسه من شدّة المرض، وأصله من العزّ وهو الغلبة والاستيلاء على الشيء.
(مجهرًا) أي: شديد جهر الصوت.
***
стр. 1166
[باب في التخيير بين الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام]
(ما أدري تبّع (١) لعينٌ (٢) هو أم لا) هذا قبل أن يوحى إليه شأن (٣) تبّع، وقد روى أحمد من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا تبّعًا فإنه كان مقد أسلم"، وروى الطبراني من حديث ابن عباس مثله، وروى ابن مردويه من حديث أبي هريرة مثله.
(وما أدري عزير (٤) نبيّ (٥) أم لا) قال الحافظ أبو الفضل العراقي في أماليه: في رواية الحاكم في المستدرك بدله: "وما أدري ذا القرنين أنبيًّا كان أم لا" وزاد فيه: "وما أدري الحدود كفّارات لأهلها أم لا", ورويناه بتمامه، بذكر تبّع وعزير وذي القرنين والحدود، في تفسير ابن مردويه، من رواية محمد بن أبي السريّ عن عبد الرزاق.
قال: ثمّ أَعْلَمَ الله نبيّه أن الحدود كفارات، وأن تبعًا أسلم.
стр. 1167
(الأنبياء أولاد علّات) قال في النّهاية: أولاد العلات الذين أمّهاتهم مختلفة وأبوهم واحد، أراد أنّ إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة.
(وليس بيني وبينه نبيّ) (١).
***
[باب في ردّ الإرجاء]
(الإيمان بضع وسبعون شعبة) قال القرطبي في شرح مسلم: الشعبة في أصلها واحدة الشّعب، وهي أغصان الشجرة، فيراد بالشعبة في الحديث الخصلة، ويعني أن الإيمان خصال معدودة. وقد ذكر الترمذي هذا الحديث وسمّى الشعبة بابًا فقال: "الإيمان بضع وسبعون بابًا" الحديث، وقد وقع لبعض الروّاة شكّ في هذا الحديث، فقال بضع وستون أو بضع وسبعون، ولا يلتفت إلى هذا الشك فإن غيره من الثقات قد جزم بأنه بضع وسبعون، وروواية من جزم أولى، ومقصود هذا الحديث أنّ الأعمال الشرعية تسمّى إيمانًا وأنّها منحصرة في ذلك العدد، غير أنّ الشرع لم يعين ذلك العدد لنا ولا فصّله، وقد تكلّف بعض المتأخرين تعديد ذلك فتصفّح خصال الشريعة
стр. 1168
وعدّدها حتى انتهى بها في زعمه إلى ذلك العدد، ولا يصح له ذلك لأنّه يمكن الزيادة على ما ذكر والنقصان منه ببيان (١) التداخل، والتصحيح ما صار إليه أبو سليمان الخطابي وغيره أنّها منحصرة في علم الله وعلم رسوله، وموجودة في الشريعة مفصّلة فيها، غير أن الشرع لم يوقفنا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عيّن لها عددًا، ولا كيفية انقسامها، وذلك لا يضرّنا في علمنا بتفاصيل ما كلفنا به من شريعتنا ولا في علمنا، إذ كل ذلك مفصّل مبيّن في جملة الشريعة فما أمرنا بالعمل به عملنا به، وما نهينا عنه انتهينا وإن لم نحط بحصر أعداد ذلك. انتهى.
(وأدناها) قال الطيبي: أي: أقربها منزلة، وأدونها مقدارًا، من الدنوّ بمعنى القرب (إماطة الأذى (٢) عن الطريق) قال في النهاية: هو ما يؤدي فيها، كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها.
(والحياء شعبة من الإيمان) قال الخطّابي: معناه أن الحياء يقطع صاحبه عن المعاصي، ويحجزه عنها، فصار بذلك من الإيمان, إذ الإيمان بمجموعه ينقسم إلى ائتمار لما أمر الله به وانتهاء عمّا نهى عنه.
وقال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام: كيف يكون الحياء من الإيمان مع أنّه جِبِلة في الطبع، والإيمان أمر آخر مكتسب لا ينشأ عنه الحياء، إذ ما هو جبليّ لا يفتقر إلى سبب آخر؟ قال: والجواب أنّ الإيمان مستلزم لمعرفة المؤمن ربّه، ومعرفته الله تعالى حاثَّة على كل خير، إذ هي شجرة الأحوال وثمرة الأفعال، وكذلك الحياء، وإن كان سجية، فإنّه يمنع من المخالفات، ويحثّ على الطاعات حياءً من الله، فشارك الإيمان في كونه منشأ البركات، فصار الحثّ على الخير جنسًا لهما، وصار معنى الكلام الحياء من جنس الإيمان.
стр. 1169
(بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) سأل الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام كيف يصير العبد كافرًا بمثل ذلك؟ وأجاب بأنّه يعبّر بالكفر عن آثاره وهي المعاصي، كما يعبر بالإيمان عن آثاره وهي الطاعات، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم.
وقال الخطابي: أخذ بظاهر الحديث إبراهيم النخعي وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال أحمد: لا يكفر أحد بذنب إلَّا تارك الصلاة، وتأوّله بعضهم على معنى الإغلاظ له والتوعّد عليه، وقال بعض من احتجّ للطائفة الأولى: إن الصّلاة لا تشبه شيئًا من العبادات، ولا تقاس إليها، وذلك أنها لم تزل مفتاح شرائع الأديان، وهي دين الملائكة والخَلْق أجمعين، ولم يكن لله تعالى دين قط بغير صلاة، وليس كذلك الزكاة والصيام والحج، وليس على الملائكة منها شيء، والصلاة تلزمهم كما لزمهم التوحيد، وهي علم الإِسلام الفاصل بين المؤمن والكافر.
***
[باب الدليل علي زيادة الإيمان ونقصانه]
(فقد استكمل الإيمان) قال الطبري (١): استكمل بمعنى أكمل.
стр. 1170
قال الطيبي: هذا بحسب اللغة، وأما عند علماء البيان ففيه المبالغة، لأن الزيادة في اللفظ زيادة في المعنى، كأنّه جرد من نفسه شخصًا آخر يطلب منه كمال (١) الإيمان.
(لا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) قال الخطابي: هذا يتأوّل على وجهين؛ أحدهما: أن يكون معنى الكفّار المتكفرين بالسلاح، يُقال تكفّر الرجل بسلاحه، إذا لبسه فكفر به نفسه أي: سترها، وقيل: معناه: لا ترجعوا بعدي فرقًا مختلفين يضرب بعضكم رقاب بعض، فتكونوا في ذلك مضاهين للكفّار، متعادون يضرب بعضهم رقاب بعض، والمسلمون متآخون يحقن بعضهم دماء بعض. وأخبرني إبراهيم بن فراس قال: سألت موسى بن هارون عن هذا فقال: هؤلاء أهل الردّة قتلهم أبو بكر الصديق ﵁.
стр. 1171
(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الحديث قال الخطابي: تأويله على وجهين؛ أحدهما: أنّه خبر معناه النهي، أي: إذ هو مؤمن فلا يزن ولا يسرق ولا يشرب الخمر، فإنّ هذه الأفعال لا تليق بالمؤمنين (١) ولا تشبه أوصافهم، والآخر: أن هذا الكلام وَعيد لا يراد به الإيقاع، وإنما يقصد به الردع والزجر. قال؛ وقد روي في تأويله معنى آخر وهو مذكور في الحديث الذي بعده وهو (إذا زنى الرّجل خرج منه الإيمان (و) (٢) كان عليه كالظلّة) أي: السّحابة (فإذا أقلع رجع إليه الإيمان) قال عكرمة: قلت لابن عبّاس كيف ينزع منه الإيمان؟ قال: هكذا، وشبك بين أصابعه ثمّ زحزحها (٣)، فإن تاب عاد إليه هكذا وشبك بين أصابعه، رواه البخاري، وأخرج (٤) البيهقي في شعب الإيمان من طريق ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة، وسأله عن قوله ﷺ : "لا يزني الزّاني وهو مؤمن" فأين يكون الإيمان منه؟ قال أبو هريرة: يكون هكذا عليه، وقال بكفيه فوق رأسه، فإن تاب ونزع رجع إليه، قال البيهقي: وإنما أراد والله أعلم قدر ما نقص بالزنا من إيمانه.
وأخرج البيهقي من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء، فإذا زنا العبد نزع منه سربال الإيمان, فإن تاب ردّ عليه. وأخرج من وجه آخر عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: الإيمان نزه، فمن زنا فارقه الإيمان, فمن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان. وأخرج عن ابن عباس قال: إن العبد إذا زنا نزع منه
стр. 1172
نور الإيمان, ردّ الله عليه أو أمسكه. وأخرج الخرائطي في مساوئ الأخلاق عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، قال أبو سعيد: قلت وكيف يكون يا رسول الله؟ قال: "يخرج منه الإيمان، فإن تاب تاب الله عليه".
قال الطيبي في شرح المشكاة: يمكن أن يقال المراد بالإيمان هنا وفي حديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، الحياء كما ورد أن الحياء شعبة من الإيمان, أي لا يزني الزاني حين يزني وهو يستحي من الله تعالى، لأنه لو استحيى من الله واعتقد أنّه حاضر مشاهد لحاله لم يرتكب هذا الفعل الشنيع، وهذا الحديث تمثيل (مثل حياة (١) ثمّ وقاحته) (٢) وخروج الحياء منه ثمّ نزعه عن الذنب وإعادة الحياء إليه، بتشبيك الرجل أصابعه ثمّ إخراجها منه ثم إعادتها إليه، كما كانت، تخويفا له وردعا حيث صوره بهذه الصورة.
وقال التوربشتي: هذا من باب الزّجر والتشديد في الوعيد، زجرًا للسامعين ولطفًا لهم، وتنبيها على أنّ الزنا من شِيَم أهل الكفر وأعمالهم، فالجمع بينه وبين الإيمان كالجمع بين المتنافيين، وفي قوله ﷺ : "كان عليه مثل الظلّة" وهي السحابة التي تظلّ، إشارة إلى أنّه وإن خالف حكم الإيمان فإنّه تحت ظلّه لا يزول عنه حكمه ولا يرتفع عنه اسمه. انتهى.
***
[باب في القدر]
стр. 1173
(ثنا موسى بن إسماعيل ثنا عبد العزيز بن أبي حازم (واسمه سلمة بن دينار) (١) (عن أبيه) (٢) عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم) هذا أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح، وزعم أنَّه موضوع، وقال الحافظ ابن حجر فيما تعقبه عليه: هذا الحديث حسنه الترمذي وصحّحه الحاكم، ورجاله من رجال الصحيح إلَّا أن له علتين؛ الأولى: الاختلاف من بعض روّاته عن عبد العزيز بن أبي حازم، (وهو زكريا بن منصور) (٣)، فرواه عن عبد العزيز بن أبي حازم فقال: عن نافع عن ابن عمر، والأخرى ما ذكره المنذري وغيره من أنّ سنده منقطع، لأن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر، والجواب عن الثاني أن أبا الحسن بن القطّان القابسي (٤) الحافظ، صحح السند وقال: إنّ أبا حازم عاصر ابن عمر وكان معه بالمدينة، ومسلم يكتفي في الاتصال بالمعاصرة فهو صحيح على شرطه، وعن الأول أنّ زكريا وصف بالوهم فلعله وهم فأبدل راويًا بآخر، وعلى تقدير أن (لا) (٥) يكون وهم، فيكون لعبد العزيز فيه شيخان.
وإذا تقرّر هذا لا يسوغ الحكم بأنه موضوع، ولعل مستند من أطلق عليه الوضع، تسميتهم المجوس، وهم مسلمون، وجوابه أن المراد أنّهم كالمجوس في إثبات فاعلين لا في جميع معتقد المجوس ومن ثمّ ساغت إضافتهم إلى هذه الأمّة. انتهى.
وقال الخطابي: إنما جعلهم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذاهب المجوس في قولهم بالأصلين وهما النور والظلمة، يزعمون أنّ الخير من فعل النور
стр. 1174
والشرّ من فعل الظلمة فصاروا ثنوية، وكذلك القدريّة يضيفون الخير إلى الله تعالى، والشرّ إلى غيره، والله تعالى خالق الأمرين معًا.
(إنّ الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض) قال الطيبي: القبضة ما يضمّ عليه من كل شيء و"من" إن كانت متعلقة بـ "خلق" تكون ابتدائية، أي: ابتدأ خلقه من قبضة، وإن كانت حالًا من "آدم" تكون بيانية، والقبضة هنا مطابقة لما في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في بيان تصوير عظمة الله وجلاله وقدرته، وأن المكوّنات (١) كلها منقادة لإرادته ومسخّرات بأمره، فإذا ورد عليها كُن فكانت بما شوهد من الإنسان وقبضه الشيء على السهولة تسخيرًا له.
(والخبيث والطيّب) قال الطيبي: أراد بالخبيث من الأرض السبخة، ومن بني آدم الكافر، وبالطيب من الأرض العذبة، ومن بني آدم المؤمن.
стр. 1175
(ببقيع الغرقد) هو ضرب من شجر العضاة شجر الشوك، واحده غرقدة، كان في البقيع وقُطع.
(مخصرة) هي عصا خفيفة يختصر بها الإنسان، أي: يمسكها بيديه.
(ينكت) بالمثناة الفوقية آخره، أي: يضرب الأرض.
(منفوسة) أي: مولودة.
(أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل) إلى آخره قال الخطابي: هذا الحديث إذا تأمّلته أصبت منه الشّفا فيما يتخالجك من أمر القدر، وذلك أن هذا السائل لم يترك شيئًا ممّا يدخل في أبواب المطالبات والأسئلة الواقعة في باب التحرير والتعديل، إلَّا وقد طالب به وسأل عنه، فأعلمه على أن القياس في هذا الباب متروك، والمطالبة عليه ساقطة، وأنه أمر لا يشبه الأمور المعلومة التي قد عقلت معانيها وجرت معاملات البشر فيما بينهم عليها، وأخبر أنه إنَّما أمرهم بالعمل ليكون أمارة في الحال العاجلة لما يصيرون إليه في الحال الآجلة.
стр. 1176
(والأمر أنف) بضمّتين أي مستأنف لم يتقدّم فيه شيء من قدر أو مشيئة. (أن تلد الأمَة ربتها) قال الخطابي: معناه: أن يتسع الإِسلام ويكثر السبي ويستولد الناس أمّهات الأولاد، فتكون ابنة الرجل من أمته في معنى السيدة لأمّها إذ كانت مملوكة لأبيها.
(العالة) الفقراء، واحدها عائل.
(رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) قال الخطابي: أراد الأعراب وأصحاب البوادي، الذين ينتجعون مواقع الغيث ولا يستقرّ بهم الدار، يعني أن البلاد تفتح فيسكنونها ويتطاولون في البنيان.
(من طرف السّماط) قال في النهاية: المراد الجماعة الذين كانوا جلوسا عن جانبيه.
стр. 1177
(إنّ أوّل ما خلق الله القلم فقال له: اكتب) الحديث قال القاضي أبو بكر بن العربي: ليس يمتنع أن يكون جسمًا مؤلفًا، ولا خلاف بين الأمّة أنّه كذلك، وقد تظاهرت الآثار أنها أقلام، وقد سمع النبي ﷺ صريفها في ليلة الإسراء في العلوّ الأعلى، ويحتمل أن يكون أوّل مخلوق قلمًا واحدًا ثمّ خلقت سائر الأقلام بعده، ويحتمل أن يكون قوله أوّل ما خلق الله القلم، عبارة عن الجنس لا عن الواحد، والظاهر عندي أنّه واحد خلقت بعده أقلام سواه. انتهى.
(احتجّ آدم وموسى) الحديث، (قال الخطابي) (١): يحسب كثير من
стр. 1178
الناس أنَّ معنى القدر من الله والقضاء منه، معنى الإجبار والقهر على ما قضاه وقدره، ويتوهّم أن فلج آدم في الحجة على موسى إنما كان من هذا الوجه، وليس الأمر في ذلك على ما يتوهّمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدّم علم الله سبحانه بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم، وصدورها عن تقدير منه، وخلق لها خيرها وشرّها، والقدر اسم لما صدر مقدّرًا عن فعل القادر، كما أن الهدم والقبض والنشر أسماء لما صدر (١) عن فعل الهادم والقابض والناشر، يقال قدرت الشيء وقدّرت خفيفة وثقيلة بمعنى واحد، والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي خلقهن، وإذا كان كذلك، وقد بقي عليهم من وراء علم الله سبحانه فيهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إيّاها عن قصد وتعمّد وتقديم إرادة واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها.
وجماع القول في هذا الباب: أنّهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه، وإنما كان موضع الحجة لآدم على موسى إذ كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يردّ علم الله تعالى فيه وأن يبطله بضد ذلك.
وبيان هذا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فأخبر قبل كون آدم أنّه إنما خلقه للأرض، وأنه لا يتركه في الجنّة حتى ينقله عنها إليها، وإنّما كان تناوله الشجرة سببًا لوقوعه إلى الأرض التي خلق لها, وليكون فيها خليفة وواليًا على من فيها. فإنَّما أدلى ( ﷺ ) (٢) بالحجّة على هذا المعنى، ودفع لائمة موسى عن نفسه على هذا الوجه، ولذلك قال: "أتلومني على أمر قدّره الله على قبل أن يخلقني". فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يسقط القوم عنه أصلًا.
стр. 1179
قيل: اللّوم ساقط عنه من قبل موسى، إذ ليس لأحد أن يعيّر (١) أحدًا بذنب كان منه؛ لأنّ الخلق كلّهم تحت العبودية أكفاء سواء، وقد روي: "لا تنظروا إلى ذنوب العباد كأنّكم أرباب وانظروا إليها كأنّكم عبيد"، ولكنّ اللّوم لازم لآدم من قِبَل الله سبحانه إذ كان قد أمره ونهاه، فخرج إلى معصيته وباشر النهي عنه، ولله الحجة البالغة سبحانه لا شريك له.
وقول موسى ﵊: وإن كان منه في النّفوس شبهة، وفي ظاهره متعلّق لاحتجاجه بالسبب الذي قد جعل أمارة لخروجه من الجنة، فقول آدم في تعلقه بالسبب الذي هو بمنزلة الأصل أرجح وأقوى، والفلج قد يقع مع المعارضة بالترجيح، كما يقع بالبرهان الذي لا معارض له. انتهى.
وقال الشيخ عز الدِّين بن عبد السلام: في هذا الحديث إشكال؛ لأن القدر لا ينفي اللّوم عن المكلّفين، قال: والجواب أن لنا قاعدة وهي أن المذنب المرتكب للمحرّم ينهى ويوبّخ حالة تلبسه بالمحرّم، دفعًا للمفسدة، وكذلك بعد انقضاء فعله وقبل توبته دفعًا للمفاسد وما يتوقع منه من المحرّمات، لا لأجل ما مضى؛ لأنه لا يمكن رفعه بعد وقوعه، فلا معنى لمشروعية الزجر عنه في حقه، وأمّا بعد فعله وتوبته فلا معنى للتوبيخ لأجل الماضي لما تقرّر، ولا لأجل المستقبل لأن التائب يغلب على الظن أنّه لا يرتكب المحرّم؛ لأن الإنابة والخوف من الله مانعان من ذلك فلا حاجة إلى التوبيخ، وآدم ﵇ (٢) كان بهذه المثابة، فلا يحسن لومه وقد أخبر الله تعالى أنّه تاب عليه، وإنما عتب آدم على موسى لمخالفة هذه القاعدة، فكأنّه قد قال له: كان الأصل أن لا يلام على مقدر؛ لأن العبد مقهور فيه، لا سيما إذا اتّصف العبد بالتوبة، ولهذا أشار آدم بقوله: "قدّر علي". انتهى.
стр. 1180
(عن مسلم بن يسار أنّ عمر بن الخطّاب سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية فقال: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها فقال: "إنّ الله خلق آدم ثمّ مسح ظهره") الحديث قال البيضاوي: يحتمل أن يكون الماسح هو الملك الموكّل على تصوير الأجنة وتخليقها وجمع موادها وإعداد عددها (١)، وإنما أسند إلى الله تعالى من حيث هو الآمر به كما أسند إليه التوفي في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ , والمتوفّي لها الملائكة لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، ويحتمل أن يكون الماسح الباري تعالى، والمسح من باب التمثيل، وقيل: هو من المساحة بمعنى التقدير كأنّه قال قدّر ما في ظهره من الذرية.
стр. 1181
وقال الإِمام فخر الدِّين الرازي: أطبقت المعتزلة على أنّه لا يجوز تفسير الآية بالحديث؛ لأن قوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من قوله: ﴿بَنِي آدَمَ﴾ فالمعنى وإذ أخذ ربّك من ظهور بني آدم، فلم يذكر أنّه أخذ من ظهر آدم، ولو كان لما قال: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بل يجب أن يقول: من ظهره ذريته.
وأجاب الإِمام: إنَّ ظاهر الآية يدلّ على أنّه تعالى أخرج الذرية من ظهور بني آدم، وأمّا أنّه أخرج تلك الذرية من صلب آدم فليس في لفظ الآية ما يدلّ على ثبوته ولا على نفيه، إلَّا أن الخبر قد دل عليه، فثبت إخراج الذرية من ظهر بني آدم بالقرآن وإخراج الذر من ظهر آدم بالخبر، ولا منافاة بينهما، فوجب المصير إليهما معًا صونًا للآية والخبر عن الاختلاف.
قال البيضاوي: والتوفيق بينهما أن يقال: المراد من بني آدم في الآية آدم وأولاده، فكأنّه صار اسمًا للنوع كالإنسان، والمراد من الإخراج توليد بعضهم من بعض على من الزمان، واقتصر في الحديث على ذكر آدم اكتفاء بذكر الأصل عن ذكر الفرع.
قال الطيبي: ونظير معنى الآية على هذا، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فإن قوله: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ شامل لآدم أيضًا لقوله: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ , ولا ريب (١) في أن هذا هو المراد، ولأن السّائل كان أشكل عليه معنى الآية فطلب منه صلوات الله وسلامه عليه حلّ إشكاله، فلما فسره ﷺ بما فسّره، وكشف له ما أبهم عليه، سكت لأنّه كان بليغًا عارفًا بصياغة الكلام وإلا لما سكت. وقال الأشرفي: قال ﷺ في حقّ أهل الجنّة: "ثمّ مسح ظهره بيمينه" لأن الخير ينسب إلى اليمين، وفي حق أهل النار بـ "يده"، ليفرّق بين القبيلين من أهل الجنة والنار، وأعرض (٢) عن ذكر الشمال تأدبًا على ما ورد كلتا يدي الرّحمن يمين. انتهى.
стр. 1182
(إنّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يومًا) قال الخطّابي: تفسيره ما رويناه من طريق عمّار بن زريق قال: قلت للأعمش: ما يجمع في بطن أمّه؟ قال: حدّثني خيثمة قال: قال عبد الله بن مسعود: إنّ النطفة إذا وقعت في الرّحم فأراد الله أن يخلق منها بشرًا، طارت في بشر المرأة تحت كلّ ظفر وشعر، ثمّ يمكث أربعين ليلة ثمّ ينزل دمًا في الرّحم، فذلك جمعها.
***
[باب في ذراري المشركين]
стр. 1183
(سئل عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين) قال الخطّابي: ظاهر هذا أنّ الكلام يوهم أنّه ﷺ لم يُفْت السائل عنهم، وأنّه ردّ الأمر في ذلك إلى علم الله من غير أن يكون قد جعلهم من المسلمين أو ألحقهم بالكافرين، وليس هذا وجه الحديث، وإنّما معناه أنّهم كفّار ملحقون بالكفر بآبائهم، لأنّ الله تعالى قد علم أنّهم لو بقوا أحياءً حتى يكبروا لكانوا يعملون عمل الكفار، يدلّ على هذا حديث عائشة المذكور بعده (١).
(كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء) أي: سليمة، سمّيت بذلك لاجتماع السّلامة لها في أعضائها.
(هل تحسّ من جدعاء) يقول: إنّ البهيمة أوّل ما تولد تكون سليمة من الجدع والخرم ونحو ذلك من العيوب حتّى يحدث فيها أربابها النقائص، كذلك الطفل يولد مفطورًا على خلقه ولو ترك عليها لسلم من الآفات إلّا أنّ والديه يزيّنان له الكفر ويحملانه عليه.
стр. 1184
(لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم) قال المظهري: أي: لا تناظروهم ولا تبحثوا معهم عن الاعتقاد، فإنّهم يوقعونكم في الشكّ، ويشوّشون عليكم اعتقادكم.
***
[باب في الجهمية]
(لا يزال الناس يتساءلون) قال الطيبي: التساؤل جريان السؤال بين اثنين فصاعدًا، ويجوز أن يكون بين العبد والشيطان والنفس أو إنسان آخر، ويجري بينهما السؤال في كل نوع حتى يبلغ أن يقال هذا (حتى يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ ) قال الطّيبي: يحتمل أن يكون "هذا" مفعولًا، والمعنى حتى يقال هذا القول، وأن يكون مبتدأ حذف خبره، أي هذا القول أو قولك هذا (١) قد علم أو عرف، أو هذا مقرّر، أو مسلّم، وهو أن الله خلق الخلق فما تقول في الله؟ وقوله: "خلق الله الخلق" بيان لقوله هذا مسلّم، ووجه آخر وهو أن يقدّر هذا القول مفرد فوضع خلق الله
стр. 1185
الخلق موضع القول، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي إذا قيل لهم هذا القول، لأنّ لا تفسدوا فِعْل لا يقع مفعولًا إلّا على التأويل، وهذا القول كفر. (فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله) تداركًا بكلمة الإيمان.
(عن أبي هريرة سمعت (١) رسول الله ﷺ (يذكر نحوه)) (٢) لفظه كما في عمل اليوم والليلة لابن السنيّ: "يوشك (أنّ) (٣) النّاس يتساءلون حتى يقول قائلهم هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ ".
(فقولوا: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾) قال المظهري: يعني قولوا في ردّ هذه الوسوسة الله تعالى ليس مخلوقًا، بل هو أحد، والأحد هو الذي لا ثاني له ولا مثل له في الذات والصّفة.
(ثمّ ليتفل عن يساره ثلاثًا) قال المظهري: هو عبارة عن كراهة الرجل شيئًا وتقذّره عنه، مراغمًا للشيطان وتبعيدًا له. (وليستعذ من الشيطان) قال المظهري: الاستعاذة طلب المعاونة من الله الكريم على دفع الشيطان الرجيم.
وقال الطيبي: إنّما أمره بالاستعاذة والإعراض عن مقابلته لا بالتأمل والاحتجاج لوجهين؛ أحدهما: أنّ العلم باستغنائه تعالى عن المؤثّر والموجد أمر ضروري لا يقبل الاحتجاج والمناظرة له، وعليه فإن وقع من ذلك شيء
стр. 1186
كان من وسوسة الشيطان، لأنّه مسلّط في باب الوسوسة، ووساوسه غير متناهية، فمهما عارضه فيما يوسوس بحجّة يجد مسلكًا آخر إلى ما يبعث (١) من المغالطة والتشكيك، وأدنى ما يفيده من الاسترسال في ذلك إضاعة الوقت، فلا تدبير في دفع ذلك أقوى وأحسن من الاستعاذة بالله، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، والثاني: أنّ السبب في اعتوار أمثال ذلك، احتباس المرء في عالم الحسّ، وما دام هو كذلك فلا يزيده فكره إلّا انهماكًا في الباطل وزيغًا عن الحقّ، ومن كان هذا حاله فلا علاج له إلّا الالتجاء إلى الله تعالى والاعتصام بحوله وقوّته، بالمجاهدة والرياضة، فإنّهما ممّا يزيل البلادة ويصفّي الذهن ويزكّي النفس. انتهى.
стр. 1187
(أتدري ما الله) إلى آخره قال الخطّابي: هذا الكلام إذا أجري على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن الله وعن صفاته منفيّة، وليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنّما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله وجلاله سبحانه، من حيث يدركه فهم السامع إذ كان أعرابيًّا جلفًا لا علم له بمعاني ما دقّ من الكلام وبما لطف منه عن درك الإفهام، وفي الكلام حذف وإضمار، فمعنى قوله "أتدري ما الله" أتدري ما عظمة الله وجلاله، وقوله: (وإنّه ليئط) معناه أنّه ليعجز عن جلاله وعظمته حتى يئط به، إذ كان معلومًا أنّ أطيط الرّحل بالرّاكب إنّما يكون لقوّة ما فوقه، ولعجزه عن احتماله، فقرّب بهذا النّوع من التمثيل عنده، معنى عظمة الله وجلاله وارتفاع عرشه، ليعلم أنّ الموصوف بعلوّ الشأن وجلالة القدر وفخامة الذكر، لا يجعل شفيعًا إلى ما هو دونه في القدر، وأسفل منه في الدّرجة، وتعالى الله أن يكون مشبّهًا بشيء أو مكيفًا بصورة خلق، أو مدركًا بحدّ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾، وقد ذكر البخاري هذا الحديث في التاريخ ولم يدخله في الجامع الصحيح. انتهى.
***
[باب في الرؤية]
стр. 1188
(لا تضامّون في رؤيته) قال الخطّابي: هو من الانضمام، يريد لا تختلفون في رؤيته حتى تجتمعوا للنظر، وينضمّ بعضكم إلى بعض، فيقول واحد هو ذاك، ويقول آخر ليس بذاك، على ما جرت به عادة الناس عند النظر إلى الهلال أوّل ليلة من الشهر، ووزنه تفاعلون وأصله تتضامّون، حذفت منه إحدى التّاءين، وقد رواه بعضهم: "لا تُضامون"، بضم التاء وتخفيف الميم، فيكون معناه على هذه الرّواية: لا يلحقكم ضيم ولا مشقة في رؤيته. وقد يخيّل إلى بعض السامعين أنّ الكاف في قوله: (كما ترون) كاف التشبيه للمرئي، وإنّما هو كاف التشبيه للرؤية، وهو فعل الرّائي، ومعناه ترون ربّكم رؤية ينزاح معها الشكّ وتنتفي معها المرية، كرؤيتكم القمر ليلة البدر لا ترتابون به ولا تمترون فيه.
قال: وقوله: (تضارّون) هو والأوّل سواء في إدغام أحد الحرفين في الآخر وفتح التاء من أوّله، ووزنه تفاعلون، من الضّرار، والضّرار أن يتضارّ
стр. 1189
الرجلان عند الاختلاف في الشيء، فيضارّ هذا ذاك وذاك هذا، فيقال قد وقع الضرار بينهما، أي الاختلاف.
(آية ذلك) أي: علامته.
(سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى
стр. 1190
أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ (١) يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، قال أبو هريرة: رأيت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه) قال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات: المراد بالإشارة المرويّة في هذا الخبر، تحقيق الوصف لله بالسمع والبصر، فأشار إلى محلّ السمع والبصر منّا، لإثبات صفة السمع والبصر لله تعالى، كما يقال: قبض فلان على مال فلان ويشار باليد على معنى أنّه حاز ماله، وأفاد هذا الخبر على أنّه سميع بصير له سمع وبصر، لا على معنى أنّه عليم، إذ لو كان بمعنى العلم لأشار في تحقيقه إلى القلب، لأنّه محلّ العلوم منّا، وليس في الخبر إثبات الجارحة، تعالى عن شبه المخلوقين علوًّا كبيرًا.
وقال الخطّابي: وضعه إصبعه على أذنه وعينه عند قراءته: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، معناه: إثبات صفة السمع والبصر لله سبحانه، لا إثبات الأذن والعين، لأنَّهما جارحتان، والله سبحانه موصوف بصفاته منفيّ عنه ما لا يليق به من صفات الآدميين ونعوتهم، ليس بذي جوارح ولا أجزاء وأبعاض: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
***
[باب في الردّ على الجهميّة]
стр. 1191
(ينزل ربّنا كلّ ليلة إلى السّماء الدّنيا) قال الخطّابي: مذهب علماء السّلف وأئمّة الفقهاء، أن يجروا مثل هذه الأحاديث على ظاهرها، وأن لا يريغوا لها المعاني، ولا يتأوّلوها، لعلمهم بقصور علمهم عن دركها.
ثمّ روى عن الأوزاعي قال: كان مكحول والزهري يقولان أمِرّوا الأحاديث كما جاءت، قال: وهذا من العلم الذي أمرنا أن نؤمن بظاهره، وأن لا نكشف عن باطنه، ومن جملة المتشابه الذي ذكره الله في كتابه.
(أعيذكما بكلمات الله التامّة) قال في النّهاية: إنّما وصفها بالتّمام، لأنّه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقص أو عيب كما يكون في كلام الناس، وقيل معنى التمام هنا أنّها تنفع المتعوّذ وتحفظه من الآفات وتكفيه.
(من كلّ شيطان وهامّة) هي بتشديد الميم إحدى الهوام ذوات السّموم كالحيّة والعقرب ونحوهما.
(ومن كلّ عين لامة) قال في النهاية: أي: ذات لمم ولم يقل: ملمّة، وأصلها من ألممت بالشيء، ليزاوج ما قبله.
стр. 1192
(صلصلة) هي صوت وقع الحديد بعضه على بعض.
(على الصّفا) جمع صفاة، وهي الصخرة والحجر الأملس.
***
[باب في ذكر البعث والصّور]
(إلّا عجب الذّنب) بسكون الجيم، العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز.
***
[باب في الحوض]
стр. 1193
(كما بين جرباء) بجيم وراء وموحّدة (وأذرح) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وضمّ الرّاء وحاء مهملة، وهما قريتان بالشّام بينهما مسيرة ثلاث ليال.
(الياقوت المجيّب) بجيم ومثنّاة تحتيّة مشدّدة وموحّدة، الأجوف.
(وكان في السّماط) (هو) (١) الجماعة من الناس.
***
стр. 1194
[باب في المسألة في القبر وعذاب القبر]
(إنّ المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك) قال القرطبي في التذكرة: جاء في هذا الحديث سؤال ملك واحد، وفي غيره سؤال ملكين، ولا تعارض في ذلك، بل كلّ ذلك صحيح المعنى بالنّسبة إلى الأشخاص، فربّ شخص يأتيانه جميعًا ويسألانه جميعًا في حال واحد عند انصراف الناس عنه، ليكون السؤال عليه أهول والفتنة في حقه أشدّ وأعظم، وذلك بحسب ما اقترف من الآثام واجترح من سيّء الأعمال، وآخر يأتيانه قبل انصراف النّاس عنه، وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد فيكون ذلك أخفّ في السؤال
стр. 1195
وأقلّ في المراجعة والعتاب، لما عمله من صالح الأعمال، وقد يحتمل حديث أبي داود وجهًا آخر، وهو أنّ الملكين يأتيان جميعًا، ويكون السائل أحدهما وإن تشاركا في الإتيان، فيكون الرّاوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره، لأنّه لم يقل في الحديث إنّه لا يأتيه إلى قبره إلّا ملك واحد، ولو قاله هكذا صريحًا لكان الجواب عنه ما قدّمناه من اختلاف أحوال النّاس. انتهى.
(لا دريت ولا تليت) قال الخطّابي: هكذا يقول المحدّثون وهو غلط، وقال يونس إنّما هو ولا أتْليْتَ ساكنة التّاء، يدعو عليه بأن (لا يتلى) (١) أي: لا يكون له أولاد يتلونه أي يتبعونه، يقال للناقة قد أتلت فهي متلية وتلاها ولدها إذا تبعها. وقال غيره: هو ولا ائتليت، بوزن افتعلت، من قولك: ما ألوت هذا أي ما استطعته، كأنَّه يقول: لا دريت ولا استطعت. انتهى.
قال في النهاية: وقيل معناه ولا قرأت، والأصل ولا تلوت فقلبوا (٢) الواو ياء ليزدوج الكلام مع "دريت".