(أزحف) أي: أعيا.
(ولا تأكل منها أنث ولا أحد من أهل رفقتك) قال الخطّابي: يشبه أن يكون ذلك ليحسم عنهم باب التهمة فلا يعتلّوا بأن بعضها قد زحف فينحروه إذا قَرِموا إلى اللحم ويأكلوه.
(يوم القرّ) هو اليوم الذي يلي يوم النّحر لأن الناس يقرّون فيه بمنى بعد أن فرغوا من طواف الإفاضة والنحر واستراحوا.
(يزدلفن) أي: يقتربن.
(وجبت جنوبها) قال الخطّابي: معناه زهقت نفوسها فسقطت على جنوبها.
***
[باب كيف تنحر البُدن]
стр. 492
(وأمرني أن لا أعطي الجزّار منها شيئًا) قال الخطّابي: أي لا يعطى على معنى الأجرة، فأمَّا أن يتصدّق به عليه فلا بأس.
***
[باب في وقت الإحرام]
стр. 493
(أرسالًا) أي: أفواجًا وفرقًا.
(ورأيتك تلبس النعال السبتيّة) بكسر السّين نسبة إلى السبت، وهي جلود البقر المدبوغة بالقرظ، سمّيت بذلك لأن شعرها قد سبت عنها أي حلق وأزيل، وقيل لأنّها انسبتت بالدّباغ أي لانت، قال (١) في النهاية: وإنّما اعترض عليه لأنّها نعال أهل النّعمة والسَّعَة.
(يوم التروية) هو اليوم الثامن من ذي الحجّة، سمّي به لأنّهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعده، أي: يستقون ويسقون.
стр. 494
(طريق الفرع) بضمّ الفاء وسكون الرّاء موضع بين مكة والمدينة
* * *
[باب الاشتراط في الحجّ]
(ضباعة) بضمّ المعجمة وتخفيف الموحّدة.
(إنّي أريد الحجّ أأشترط؟ قال: نعم) قال الخطّابي: ذهب بعضهم إلى أنّ هذا خاصّ بها، كما أذن لأصحابه في رفض الحج وليس ذلك لغيرهم.
* * *
[باب في إفراد الحجّ]
стр. 495
(ارفضي عمرتك) قال الخطّابي: اختلف الناس في معناه، فقال بعضهم اتركيها وأخّريها على القضاء، وقال الشافعي: إنّما أمرها أن تترك العمل للعمرة من الطواف والسعي، لا أنّها تترك العمرة أصلًا، وإنّما أمرها أن تدخل الحج على العمرة فتكون قارنة، وعلى هذا تكون عمرتها من التنعيم تطوّعًا لا عن واجب، ولكن أراد أن يطيب نفسها (١) فأعمرها وكانت قد سألته ذلك.
стр. 496
(ليلة الصدر) بفتح الصاد والدال، المهملتين.
(عركت) أي: حاضت.
(ليلة الحصبة) أي: الإقامة بالمحصّب، وهو الشّعب الذي يخرجه إلى الأبطح بين مكة ومنى.
стр. 497
(وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) قال الخطابي: مختلف في تأويله يتنازعه الفريقان، موجبوها ونافوها فرضًا، والثاني يقول فرضها ساقط بالحج وهو معنى دخولها فيه، ومن أوجبها يتأوّله على وجهين؛ أحدهما: أنّ عمل العمرة قد دخل في عمل الحجّ فلا يرى على القارن أكثر من إحرام واحد، والآخر: أنّها قد دخلت في وقت الحجّ وشهوره، وكان أهل الجاهلية لا يعتمرون في أشهر الحجّ فأبطل النبيّ ﷺ ذلك بهذا القول.
(ينهى عن العمرة قبل الحجّ) قال الخطّابي: في إسناد هذا الحديث مقال، وإن ثبت فهو محمول على الاستحباب وأنّه أمر بتقديم الحج لأنّه أعظم الأمرين وأتمّهما، ووقته محصور والعمرة ليس لها وقت موقوت، وأيام السنة كلّها تتّسع لها، وقد قدّم الله اسم الحج عليها فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
стр. 498
(أما إنّها معهنّ) قال الخطّابي: لم يوافق الصحابة معاوية على هذه الرواية، وإن ثبت، حمل على الأفضل لأنّ الإفراد أفضل من القرآن.
* * *
[باب في الإقران]
(ثيابا صبيغًا) (١) أي: مصبوغة، وهو فعيل بمعنى مفعول.
(نضحت البيت) أي: طيّبته.
(بنضوح) بفتح النّون، ضرب من الطيب تفوح رائحته.
(بضعة) بالفتح وقد تكسر، القطعة من اللّحم.
стр. 499
(بمشقص) بكسر الميم وفتح القاف، نصل السّهم إذا كان طويلًا غير عريض فإذا كان عريضًا فهو المِعْبلة.
* * *
[باب الرجل يحجّ عن غيره]
(ولا الظعن) بفتح العين وسكونها، مصدر ظعن يظعن بالضمّ إذا سار (١).
стр. 500
(سمع رجلًا يقول لبيك عن شبرمة) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الشرح الكبير: زعم ابن باطيش أنّ اسم الملبّي نبيشة.
ومن النوادر أنّ بعض القضاة ممّن أدركناهم صحّف شبرمة فقال شبرمنت بلفظ القرية التي بالجيزية.
* * *
[باب كيف التلبية ؟ ]
(لبيك اللهم لبيك لا شريك لك) قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه: التقدير لا شريك لك في الملك، لبّ بالمكان إذا أقام به، فالملبي يخبر عن إقامته وملازمته لعبادة الله ، وثنّى هذا المصدر لتدلّ التثنية على الكثرة، فكأنّه يقول تلبية بعد تلبية أبدًا، وليس المراد مرّتين فقط، وهذا كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ المراد كرّة بعد كرة أبدًا ما استطعت، واذا كان المعنى في التلبية الإخبار بالملازمة والإقامة على العبادة، فهل المراد كل عبادة لله أيّ عبادة كانت، أو المراد العبادة التي هو فيها من الحجّ، الأحسن عند المعتبرين الثّاني دون الأوّل للاهتمام بالمقصود.
стр. 501
(والرّغباء) بفتح الرّاء والمدّ، وبضمّ الرّاء والقصر، من الرّغبة كالنّعماء والنّعمى من النّعمة.
* * *
[باب المحرم يؤدّب غلامه]
(بالعرج) بفتح العين وسكون الرّاء وجيم، قرية جامعة من عمل الفرع على (أيّام) (١) من المدينة.
стр. 502
(وكانت زمالة أبي بكر وزمالة رسول الله ﷺ واحدة) أي: مركوبهما وأداتهما وما كان معهما في السفر.
* * *
[باب ما يلبس المحرم]
(فنضمّد جباهنا بالسّكّ) هو طيب معروف يضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل، والضمد جعل الدواء على الجرح وغيره، يقال: ضمّد يضمّد.
* * *
[باب المحرم يحمل السلاح]
(بجلبان السلاح) قال في النهاية: بضمّ الجيم وسكون اللّام، شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغمودًا ويطرح فيه الرّاكب سوطه وأداته ويعلّقه في آخرة الكور أو واسطته، واشتقاقه من الجلبة وهي الجلدة التي
стр. 503
تجعل على القتب، ورواه القتبي (١) بضمّ الجيم واللام وتشديد الباء وقال: هو أوعية السلاح بما فيها، ولا أراه سمّي به إلَّا لجفائه وارتفاع شخصه ولذلك قيل للمرأة الغليظة الجافية جُلُبّانة.
* * *
[باب في المُحْرِمة تغطّي وجهها]
(سدلت) أي: أسبَلت.
* * *
[باب يكتحل المحرم]
(بالصبر) بوزن الكتف.
стр. 504
[باب المحرم يغتسل]
(بالأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحّدة والمدّ، جبل بين مكّة والمدينة وعنده بلد تنسب إليه.
(بين القرنين) هما قرنا البئر المبنيان على جانبيها.
* * *
[باب ما يقتل المحرم من الدواب]
(والحدأة) بوزن عنبة.
стр. 505
(والفويسقة) هي الفأرة، تصغير فاسقة لخروجها من حجرها على الناس وإفسادها.
(ويرمي الغراب ولا يقتله) قال الخطّابي: يشبه أن يكون المراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحب، وهو الذي استثناه مالك من جملة الغربان.
(والسّبع العادي) أي: الظالم الذي يفترس النّاس.
* * *
[باب لحم الصيد للمحرم]
(يخبط) أي: يضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، واسم الورق الساقط خَبَط بالتحريك، فعل بمعنى مفعول، وهو من علف الإبل.
стр. 506
(ما لم تصيدوه أو يصاد (١) لكم) كذا في النّسخ، والجاري على قوانين العربية "أو يصد" لأنه معطوف على المجزوم.
* * *
[باب في الجراد للمحرم]
(ميمون بن جابان) بجيم وموحّدة ونون.
(عن أبي المهزّم) بتشديد الزّاي.
стр. 507
[باب الإحصار]
(من كسر أو عرج) قال في النّهاية: يقال عَرَج يَعْرُج عَرجًا إذا غمز من شيء أصابه، وعرج يَعرَج عرجًا إذا (صار أعرج أو) (١) كان خلقة فيه.
* * *
[باب دخول مكة]
(من كداء من أعلى مكة ودخل في العمرة من كُدى) قال الخطّابي: كداء وكدى ثنيتان، وكداء ممدودة.
* * *
[باب في الرَّمَل]
(موت النَّغف) بفتح النون والغين المعجمة وفاء، دود يكون في أنوف الإبل والغنم، واحده نغفة.
(قعيقعان) بضمّ القاف الأولى وكسر الثّانية، جبل بمكة قيل سمّي به لأنّ جُرهُما لمّا تحاربوا كثرت قعقعة السلاح هناك.
стр. 510
(أطّأ الله الإسلام) بتشديد الطاء أي: ثبّته وأرساه، والهمزة فيه بدل من واو (وَطّأ) (١).
(إنّما جعل الطّواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) زاد الحاكم من طريق سفيان عن عبد الله بن أبي زياد: "لا لغيره".
* * *
[باب أمر الصفا والمروة]
(جمهان) بضمّ الجيم.
* * *
стр. 511
[باب صفة حجّة النبيّ ﷺ -]
стр. 512
(في نساجة) قال في النهاية: هي ضرب من الملاحف منسوجة كأنّها سمّيت بالمصدر، يقال نَسَجْت (١) نَسْجًا ونساجة.
(على المشجب) هو بكسر الميم، عيدان تضمّ رؤوسها ويفرج بين قوائمها وتوضع عليها الثياب.
(القصواء) لقب ناقة رسول الله ﷺ ، ولم تكن قصواء وإنّما كان هذا لقبًا لها، وقيل كانت قصواء أي: مقطوعة الأذن، ولا يقال في الذكر بعير أقصى، وإنّما جاء في نعت المؤنّث خاصّة.
стр. 513
(فرقِي) بكسر القاف.
(لأبد أبد) أي: لآخر الدّهر.
(محرّشًا على فاطمة) قال في النهاية: أراد بالتحريش هنا ذكر ما يوجب عتابه لها.
(إنّ دمائكم وأموالكم عليكم حرام) قال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام في أماليه: تقديره إنّ سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثلب أعراضكم، إذ الذوات لا توصف بالتحريم ولا بالتحليل، فيقدّر في كلّ شيء ما يناسبه.
(كحرمة يومكم هذا) إلى آخره قال الشيخ عزّ الدّين: هنا سؤال وهو أن المشبّه به لا يكون أخفض رتبة من المشبّه، وحرمة الدماء أعظم من حرمة حشّ حشيش الحرم وقتل صيده، قال: والجواب سلمنا أنّه أخفض رتبة من المشبّه في التحريم لكن مناط التشبيه هو الظهور بالنسبة إلى السامع، وكان تحريم اليوم أثبت في نفوسهم من حرمة الدماء إذ هو المعتاد عندهم من الآباء والأجداد، وتحريم الشرع طارئ عليه، فكان تحريم اليوم أظهر.
(واستحللتم فروجهنّ بكلمة من الله) قال الخطّابي: قيل فيه وجوه، أحسنها أنّ المراد به قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
(وإنّ لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحد تكرهونه) قال ابن جرير في تفسيره: معناه أن لا يمكن أنفسهنّ من أحد سواكم. وقال الخطابي: معناه أن لا يأذن لأحد من الرّجال يدخل فيتحدّث إليهنّ، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب، لا يرون ذلك عيبًا ولا يعدّونه ريبة، فلمّا نزلت آية الحجاب وصارت النساء مقصورات، نهى عن محادثتهنّ والقعود إليهنّ، وليس المراد بوطء الفرش هنا نفس الزنا، لأن ذلك محرّم على الوجوه كلّها، فلا معنى لاشتراط الكراهة فيه، ولا لقوله فإن فعلن فاضربوهنّ ضربًا غير مبرح، لأنّ الزنا فيه العقوبة الشديدة من الرّجم.
стр. 514
(وينكبها إلى الناس) قال (١): بالموحدة أي يميلها إليهم، يريد بذلك أن يشهد الله عليهم، يقال نكبت الإناء نكبًا (ونكبته) (٢) تنكيبًا إذا أماله وكبّه.
وقال القاضي عياض: ضبطناه في مسلم بتاء مثنّاة فوق بعد الكاف وهو بعيد المعنى، وصوابه بالموحّدة. قال: ورويناه في سنن أبي داود بالمثنّاة، من طريق ابن الأعرابي، وبالموحّدة من طريق أبي بكر التمّار، ومعناه: يردّها إلى الناس مشيرًا إليهم.
(شنق للقصواء الزمام) بفتح النون أي كفّها، يقال: شنقت البعير أشنقه شنقًا إذا كففته بزمامه وأنت راكبه.
(كلّما أتى حبلًا) بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة، قال في النهاية: هو المستطيل من الرمل وقيل الضخم منه، وقيل الحبال من الرمل كالجبال (في) (٣) غير الرمل. وقال الخطابي: الحبال ما دون الجبال في الارتفاع.
* * *
[باب موضع الوقوف بعرفة]
стр. 515
(قفوا على مشاعركم فإنّكم على إرث من (إرث) (١) (إبراهيم) (٢) قال الخطّابي: المشاعر المعالم، يريد قفوا بعرفة خارج الحرم فإن إبراهيم ﵇ هو الذي جعلها مشعرًا وموقفًا للحاجّ، فكان عامّة العرب يقفون بعرفة وكانت قريش من بينها تقف داخل الحرم، فردّ رسول الله ﷺ ذلك من فعلهم، وأعلمهم أنّه شيء أحدثوه من قبل أنفسهم، وأنّ الذي أورثه إبراهيم من سنته هو الوقوف بعرفة.
* * *
[باب الدّفعة من عرفة]
(أفاض) أي: صدر راجعًا إلى منى.
(ليس بإيجاف الخيل) هو الإسراع في السير.
стр. 516
(العنق) هو السير السريع.
(فجوة) بفتح الفاء وسكون الجيم، الموضع المتّسع بين الشّيئين.
(نصّ) قال في النهاية: النصّ التحريك حتى يستخرج أقصى سير النّاقة.
* * *
[باب الصلاة بجمع]
(فجاج) جمع فخّ، وهو الطريق الواسع.
* * *
[باب التعجيل من جمع]
стр. 517
(أغيلمة) قال في النهاية: تصغير أغلمة جمع غلام في القياس، ولم يرد في جمعه أغلمة وإنّما قالوا غِلمة، ومثله أصيبِيَة تصغير صبْيَة، ويريد بالأغيلمة الصبيان، ولذلك صغّرهم.
(يلطح أفخاذنا) اللطح بالحاء المهملة، الضرب الخفيف بالكفّ.
(أبينيّ) قال في النهاية: اختلف في هذه اللّفظة، فقيل: هي تصغير أبنى كأعمى وأُعَيْمَى، وهو اسم مفرد يدلّ على الجمع، وقيل: إنّ ابنا يجمع على أبنا مقصورًا وممدودًا، وقيل هي تصغير ابن وفيه نظر. وقال أبو عبيد: هي تصغير بَني جمع ابن مضافا إلى النفس، فهذا يوجب أن تكون صيغة اللفظ في الحديث أبَينيّ بوزن شُرَيحي (١).
(فأوضع) (٢) أي: حمل البعير على سرعة السير.
(في وادي محسّر) بضمّ الميم وفتح الحاء وكسر السّين المشدّدة المهملتين، سمّي بذلك قيل لأنّ أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيى وكَلَّ.
* * *
[باب الأشهر الحرم]
стр. 518
(إنّ الزمان قد استدار) إلى آخره قال الخطّابي: معناه أن العرب في الجاهلية كانت قد بدّلت أشهر الحرم وقدّمت وأخّرت أوقاتها من أجل النّسيء الذي كانوا يفعلونه، وهو تأخير رجب إلى شعبان والمحرّم إلى صفر، واستمرّ ذلك بهم حتّى اختلط عليهم وخرج حسابه من أيديهم، فكانوا ربّما يحجّون في بعض السّنين في شهر ويحجّون من قابل في شهر غيره، إلى أن كان العام الذي حجّ فيه رسول الله ﷺ فصادف حجّهم شهر الحجّ المشروع وهو ذو الحجة، فوقف بعرفة اليوم التاسع منه ثمّ خطبهم، فأعلمهم أنّ أشهر النّسيء قد تناسخت باستدارة الزمان وعاد الأمر إلى الأصل الذي وضع الله حساب الأشهر عليه يوم خلق السماوات والأرض، وأمرهم بالمحافظة عليه لئلًا يتغير أو يتبدّل فيما يستأنف من الأيام.
قال: قوله: (ورجب مضر) إنّما أضاف الشهر إلى مضر لأنّها كانت تشدّد في تحريم رجب وتحافظ على ذلك أشدّ من محافظة سائر قبائل العرب.
وقوله: (الذي بين جمادى وشعبان) يحتمل أن يكون ذلك على معنى توكيد البيان، ويحتمل أنّه قال ذلك من أجل أنّهم كانوا نسؤوا رجبًا وحوّلوه عن موضعه وسمّوا به بعض الشهور، فبين لهم أنّ رجب هو الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا ما كانوا يسمّونه رجبًا على حساب النّسيء.
* * *
[باب من لم يدرك عرفة]
стр. 519
(الحج عرفة) (١) قال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام: تقديره إدراك الحج وقوف عرفة.
(ما تركت من حبل) بحاء مهملة مفتوحة وموحّدة ساكنة.
(وقضى تفثه) بفتح المثنّاة فوق والفاء والمثلّثة، قال في النهاية: هو ما يفعله المحرم بالحج إذا حل كقصر الشّارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، وقيل إذهاب الشّعث والدرن والوسخ مطلقًا.
* * *
стр. 520
[باب يبيت بمكّة ليالي منى]
(سرّاء بنت نبهان) (١) عن ابن عمر قال استأذن العباس رسول الله ﷺ أن يببت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له) قال النووي في شرح مسلم: اعلم أنّ سقاية العباس حق لآل العبّاس، كانت للعبّاس وأقرّها النبيّ ﷺ له فهي لآل العبّاس أبدًا.
قال: وقال العلماء لا يجوز لأحد أن ينزعها منهم، قالوا: وهي ولاية لهم عليها من رسول الله ﷺ ، فتبقى دائمة لهم ولذرياتهم أبدًا ولا ينازعون فيها، ولا يشاركون فيها ما داموا موجودين.
وقال الأزرقي: كانت السقاية بيد عبد مناف فكان يحمل الماء في المزاد والقرب إلى مكة ويسكب في حياض من أدم بفناء الكعبة للحجّاج، ثمّ وليها بعده هاشم ثمّ عبد المطلب، حتى حفر بئر زمزم فكان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم ويسقي الناس، وكان يسقي أيضًا اللبن بالعسل في حوض آخر، فقام بأمر السقاية بعده العباس في الجاهلية ثمّ أقرّها النبيّ ﷺ يوم الفتح، ولم تزل في يده حتى مات، فوليها عبد الله ثمّ ابنه علي بن عبد الله وهلّم جرَّا.
وقال صاحب المجمل: السقاية الموضع الذي يتّخذ فيه الشراب في الموسم وغيره.
* * *
стр. 521
[باب في رمي الجمار]
(أخبرنا سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمّه) هي أمّ جندب الأزدية.
* * *
[باب الحلق والتقصير]
(فدعا بذبح) بكسر أوّله، ما يذبح من الغنم.
***
стр. 522
[باب العمرة]
(عفا الوبر) أي: كثر.
(وبرأ الدّبر) بالتحريك، وهو الجرح الذي يكون في ظهر البعير، وقيل: هو أن تقرح خفّ البعير.
* * *
[باب تحريم حرم مكّة]
стр. 523
(لا يعضد) أي: لا يقطع.
(إلا لمنشد) أي: معرّف.
(الإذخر) بكسر الهمزة وإعجام الذال، حشيشة طيّبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب.
(ولا يختلى خلاها) هو بالقصر، النبات الرقيق ما دام رطبًا، واختلاؤه قطعه، وإذا يبس فهو حشيش.
* * *
[باب الإقامة بمكّة]
(للمهاجرين إقامة بعد الصدر) يعني: بمكة بعد قضاء النّسك.
стр. 524
[باب]
(من ليّة) بتشديد المثناة التحتيّة غير منصرف، اسم موضع بالحجاز.
(القرن) جبل صغير هناك.
(فاستقبل نخبًا) بفتح النون وفتح الخاء المعجمة وموحّدة، اسم موضع هناك.
(إنّ صيد وجّ) بفتح الواو وتشديد الجيم، موضع بناحية الطائف وقيل هو اسم جامع لحصونها، وقيل اسم واحد منها.
(وعضاهه) هي شجر أمّ غيلان، وكلّ شجر عظيم له شوك، الواحدة عضاهة.
(حرم (١) محرّم) قال في النهاية: يحتمل أن يكون على سبيل الحمى له، ويحتمل أن يكون حرّمه في وقت معلوم ثمّ نسخ. وكذا قال الخطابي.
* * *
стр. 525
[باب في تحريم المدينة]
(ما بين عائر إلى ثور) قال الخطّابي: هما جبلان، وزعم بعض العلماء أنّ أهل المدينة لا يعرفون بالمدينة جبلًا يقال له: ثور، وإنّما ثور بمكّة، فيرون أنّ الحديث إنّما هو من عائر (١) إلى أحد.
وقال في النهاية: أمّا عير فجبل معروف بالمدينة، وأمّا ثور فالمعروف أنّه بمكة، وفي رواية قليلة "ما بين عير وأحدٍ" وأحد بالمدينة، فيكون ثور غلطًا من الرّاوي وإن كان هو الأشهر في الرواية والأكثر، وقيل: إنّ عيرًا جبل بمكة، ويكون المراد أنّه حرّم من المدينة قدر ما بين عير وثور من مكّة، أو حرّم المدينة تحريمًا مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة، على حذف المضاف ووصف المصدر المحذوف. انتهى.
وذكر طائفة من المتأخرين أنّ ثورًا جبل صغير مدور خلف أحد من
стр. 526
شماله، وبه جزم صاحب القاموس، وأنكر على من ادّعى غلط الرّاوي. (فمن أحدث حدثًا) هو الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنَّة.
(أو آوى محدثًا) قال الخطّابي وابن الأثير: يروى بكسر الدّال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر من نصر جانيًا وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتصّ منه، والفتح هو الأمر المبتدع نفسه ويكون معنى الإيواء فيه الرّضى به والصبر عليه، فإنّه إذا رضي بالبدعة وأقرّ (فاعلها) (١) ولم ينكرها عليه، فقد آواه.
(لا يقبل منه عدل ولا صرف) قال في النهاية: العدل الفدية وقيل الفريضة، والصرف التوبة وقيل النافلة.
(أخفر مسلمًا) أي: نقض عهده.
(ومن والى قومًا بغير إذن مواليه) قال الخطّابي: ليس معناه معنى الشرط حتى يجوز له أن يوالي غير مواليه إذا أذنوا له في ذلك، وإنّما هو لمعنى التوكيد لتحريمه.
(أشاد بها) أي: رفع صوته بالتعريف بها.
стр. 527
(يهشّ) أي: ينثر بلين ورفق.
* * *
[باب زيارة القبور]
(ما من أحد يسلّم عليّ إلا رّدّ الله عليّ روحي حتّى أردّ ﵇ وقع السؤال عن الجمع بين هذا الحديث وبين حديث: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون" وسائر الأحاديث الدالّة على حياة الأنبياء، فإنّ ظاهر الأوّل مفارقة الرّوح له في بعض الأوقات، وألّفت في الجواب عن ذلك تأليفًا سمّيته إنباء (١) الأذكياء بحياة الأنبياء، وحاصل ما ذكرته فيه خمسة عشر وجهًا، أقواها أنّ قوله: "ردّ الله عليّ" جملة حالية، وقاعدة العربية أنّ جملة الحال إذا صدّرت بفعل ماض قدّرت فيها قد، كقوله تعالى: ﴿أَو جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي: قد حصرت، وكذا هنا تقدّر والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد و"حتى" (ليست) (٢) للتعليل بل مجرّد حرف عطف بمعنى الواو، فصار تقدير الحديث ما من أحد يسلّم عليّ إلا قد ردّ الله عليّ روحي قبل ذلك وأردّ عليه، وإنّما جاء الإشكال من ظنّ أنّ جملة "ردّ الله" بمعنى الحال أو الاستقبال، وظنّ أنّ "حتى" تعليلية، وليس
стр. 528
كذلك، وبهذا الذي قّررناه ارتفع الإشكال من أصله، ويؤيّده من حيث المعنى أنّ الردّ لو أخذ بمعنى الحال أو الاستقبال لزم تكرّره عند تكرّر المسلِّمين وتكرّر الردّ يستلزم تكرّر المفارقة، وتكرّر المفارقة يلزم عليه محذورات، منها تألّم الجسد الشريف بتكرار خروج الروح منه، أو نوع ما من مخالفة التكريم إن لم يكن تأليم، ومنها مخالفة سائر الناس الشهداء وغيرهم، فإنّه لم يثبت لأحد منهم أنّه يتكرر له مفارقة الروح وعودها في البرزخ، والنبي ﷺ أولى بالاستمرار الذي هو أعلى رتبة، ومنها مخالفة القرآن فإنّه دلّ على أنّه ليس إلا موتتان وحياتان، وهذا التكرار يستلزم موتات كثيرة وهو باطل، ومنها مخالفة الأحاديث المتواترة الدالّة على حياة الأنبياء، وما خالف القرآن والسنَّة المتواترة وجب تأويله وإن لم يقبل التأويل كان باطلًا. قال البيهقي في كتاب الاعتقاد: الأنبياء بعدما قبضوا ردّت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربّهم كالشهداء. وقال الأستاذ أبو منصور (عبد القاهر بن طاهر) (١) البغدادي: قال المتكلّمون المحقّقون من أصحابنا إنّ نبيّنا ﷺ حيّ بعد وفاته، وإنّه يبشر بطاعات أمّته، ويحزن بمعاصي العصاة منهم، وإنّه تبلغه صلاة من يصلّي عليه من أمّته.
وقال: إنّ الأنبياء لا يبلون، ورأى موسى في قبره يصلّي.
وقال الشيخ تقيّ الدين السبكي: حياة الأنبياء والشهداء في القبر كحياتهم في الدنيا، ويشهد له صلاة موسى في قبره، فإنّ الصلاة تستدعي جسدًا حيًّا ولا يلزم من كونها حياة حقيقيّة أن تكون (الأبدان) (٢) معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب.
وبعد أن سطّرت هذا الجواب استنباطًا وقرّرته، رأيت هذا الحديث مخرّجًا في كتاب حياة الأنبياء للبيهقي بلفظ "إلا وقد ردّ الله عليّ روحي"، فصرّح فيه بلفظ "وقد"، فحمدت الله كثيرًا، وقوي أنّ رواية إسقاطها
стр. 529
محمولة على إضمارها، وأنّ حذفها من تصرّف الرواة. ثمّ رأيت البيهقي قال في شعب الإيمان: قوله إلَّا ردّ الله عليّ روحي، معناه والله أعلم إلا وقد ردّ الله عليّ روحي فأردّ ﵇. فحمدت الله عودًا على بدء.
ومن الأجوبة التي ذكرتها استنباطًا أيضًا، أنّ لفظ الردّ قد لا يدلّ على المفارقة بل كنّى به عن مطلق الصيرورة وحسنه هنا مراعاة المناسبة اللفظية بينه وبين قوله "حتى أرد ﵇"، فجاء لفظ الردّ في صدر الحديث لمناسبة ذكره في آخر الحديث.
ومن الأجوبة التي ذكرتها استنباطًا أنّه ليس المراد بردّ الروح عودها بعد المفارقة (للبدن) (١)، وإنّما النبيّ ﷺ في البرزخ مشغول بأحوال الملكوت مستغرق في مشاهداته كما كان في الدّنيا في حالة الوحي، فعبّر عن إفاقته من تلك الحالة بردّ الرّوح. ونظير هذا قولهم في اللفظة التي وقعت في بعض أحاديث الإسراء وهي قوله: "فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام" ليس المراد الاستيقاظ من نوم فإنّ الإسراء لم يكن منامًا، وإنّما المراد الإفاقة ممّا خامره من عجائب الملكوت.
ولي أجوبة أخرى مذكورة في التأليف المشار إليه.
وقال الشيخ تاج الدّين الفاكهاني في الفجر المنير: فإن قلت قوله "إلا رد الله عليّ روحي" لا يلتئم مع كونه حيًّا على الدّوام، بل يلزم منه أن تتعدّد حياته ووفاته؟ فالجواب: أن يقال المراد بالرّوح هنا النطق مجازًا، فكأنّه قال إلا ردّ الله إليّ (٢) نطقي، وهو حيّ على الدّوام ولكن لا يلزم من حياته نطقه فيدّر عليه النطق عند سلام كلّ مسلم، وعلاقة المجاز أنّ النّطق من لازمه وجود الروح كما أنّ الروح من لازمه وجود النطق بالفعل أو القوة، فعبّر ﵊ بأحد المتلازمين عن الآخر. وممّا يحقق
стр. 530
ذلك أنّ عود الروح لا يكون إلا مرتين عملًا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. انتهى.
وهذا الذي قاله من أنّه لا يلزم من حياته نطقه بعيد أو ممنوع، وما قلته من التأويلات أوجه وأقعد.
(فإذا قبور بمحنيّة) أي: بحيث ينعطف الوادي وهو منحناه أيضًا، ومحاني الوادي معاطفه.
* * *