(لا طلاق ولا إعتاق في إغلاق) قال الخطّابي: هو الإكراه.
قال في النهاية: لأنّ المكره مغلق عليه في أمره، ومضيّق عليه في تصرّفه، كما يغلق الباب على الإنسان.
***
[باب في الرجل يقول لامرأته يا أختي]
(أنّ إبراهيم لم يكذب قطّ إلّا ثلاثًا) الحديث قال العلماء: إطلاقه الكذب على الأمور الثّلاثة لكونه قال قولًا يعتقده السّامع كذبًا لكنه إذا حقّق
стр. 562
لم يكن كذبًا لأنّه من باب المعاريض المحتملة للأمرين فليس بكذب محض، فقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ يحتمل أن يكون أراد إنّي سأسقم، واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرًا، ويحتمل أنّه أراد إنّي سقيم بما (قدّر) (١) عليّ من الموت. وذكر النّووي عن بعضهم، أنّه كان تأخذه الحمى في ذلك الوقت، قال الحافظ ابن حجر: وهو بعيد لأنه لو كان كذلك لم يكن كذبا لا تصريحًا ولا تعريضًا.
وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ قال القرطبي: هذا قاله ممهدًا للاستدلال على أنّ الأصنام ليست بآلهة، وقطعًا لقومه في قولهم إنّها تضرّ وتنفع، وهذا الاستدلال يتجوّز (٢) فيه في الشّرط المتّصل، ولهذا أردف قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ بقوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾. قال ابن قتيبة: معناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا. فالحاصل أنّه مشترط بقوله: ﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾، أو أنّه أسند إليه ذلك لكونه السبب.
وقوله: (إنها أختي) يعتذر عنه بأنّ المراد أنّها أخته في الإسلام.
(ثنتان في ذات الله) خصّهما بذلك لأنّ قصّة سارة وإن كانت أيضًا في ذات الله، لكن تضمّنت حظًّا لنفسه ونفعًا له، بخلاف الثنتين الأخريين (٣) فإنّهما في ذات الله محضًا.
(في أرض جبّار) اسمه عمرو بن امرء القيس بن سبأ، وكان على مصر، ذكره السهيلي، وقيل اسمه صادوق وكان على الأردن، حكاه ابن قتيبة، وقيل سنان بن علوان، حكاه الطبري.
(هي أحسن النّاس) في مسند أبي يعلى من حديث أنس: "أعطي يوسف وأمّه شطر الحسن" يعني (٤) سارة.
стр. 563
(وإنّه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك) قال في فتح الباري: يشكل عليه كون لوط كان معه، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾، قال: (ويمكن أن) (١) يجاب بأن مراده ليس مسلم بتلك الأرض التي وقع له فيها ما وقع، ولم يكن لوط معه إذ ذاك.
***
[باب في الظهار]
стр. 564
(يتَّايع بي) التّتياع بمثنّاة تحتيّة قبل العين المهملة، الوقوع في الشرّ من غير فكرة ولا رويّة.
(أنت بذاك) قال الخطّابي: معناه أنت الملمّ بذاك وأنت المرتكب له.
(بتنا وحشين) أي: مقفرين ما لنا طعام، يقال رجل وحش بالسكون إذا كان جائعًا لا طعام له، وقد أوحش إذا جاع.
стр. 565
(بعرق) بفتح الرّاء زنبيل (١) منسوج من نسائج الخوص.
(وكان رجلًا به لمم) قال الخطّابي وابن الأثير: اللّمم ههنا الإلمام بالنساء وشدّة الحرص عليهنّ والتوقان إليهنّ، وليس من الخبل والجنون، فإنّه لو ظاهَرَ في تلك الحال (لم يلزمه شيء) (٢)، واللّمم في غير هذا طرف من الجنون يلمّ بالإنسان، أي يقرب منه ويعتريه.
قلت: ينافي هذا التفسير، ما في مستدرك الحاكم وسنن البيهقي عن عائشة قالت: "إنّ جميلة كانت امرأة أوس بن الصامت وكان امرؤ (٣) به لمم، فإذا اشتدّ لممه ظاهر من امرأته"، وما في طبقات ابن سعد [عن عمران (بن) (٤) أنس] (٥) قال: "كان أوّل من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت وكان به لمم، وكان يفيق أحيانًا فلاحى امرأته خولة بنت ثعلبة في بعض صحواته، فقال: أنت عليّ كظهر أمي ثمّ (ندم) (٦) " الحديث، فعرف بهذا أنّ اللّمم هنا هو الخبل، وأن الظهار وقع في زمن إفاقته منه.
***
стр. 566
[باب في المملوكة تعتق وهي تحت حرّ أو عبد]
(أنّ بريرة خيّرها النبيّ ﷺ وكان زوجها عبدًا) قال الخطّابي: كان الشّافعي يقول حديث بريرة هو الأصل في باب المكافأة في النكاح.
***
[باب حتى متى يكون لها الخيار]
(قربك) بكسر الراء.
***
[باب في من أسلم وعنده أكثر من أربع أو أختان]
стр. 567
(عن حميضة (١)) بضمّ الحاء المهملة وفتح الميم وسكون المثنّاة التحتيّة وفتح الضاد المعجمة.
***
[باب في اللّعان]
(أدعج العينين) قال في النهاية: الدعج شدّة سواد العينين وغيرها. وقد حمل الخطّابي هذا الحديث على سواد اللّون جميعه وقال: إنّما تأوّلناه على سواد الجلد لأنه قد روي في خبر آخر.
(كأنّه وحرة) بفتح الواو والحاء المهملة والرّاء، دويبة كالعظاءة تلزق بالأرض.
стр. 568
(اللهم افتح) أي: احكم، أو بيّن الحكم فيه.
стр. 569
(البيّنة) بالنصب، أي: احضر البيّنة.
(وإلّا فحدّ في ظهرك) أي: وإلّا تحضرها.
(فتلكّأت) أي: توقّفت وتبطّأت أن تقولها (ونكصت) أي: رجعت القهقرى.
(أكحل العينين) قال في النهاية: الكحل بفتحتين، سواد في أجفان العين خلقة، والرّجل أكحل.
(سابغ الأليتين) أي: تامّهما وعظيمهما.
(خدلّج الساقين) بفتح الخاء المعجمة والدّال المهملة واللّام المشدّدة وجيم، أي غليظهما.
стр. 570
(فلم يهجه) أي: لم يزعجه ولم ينفره.
(فسري) أي: كشف.
(أصيهب) قال الخطابي: تصغير أصهب، وهو الذي تعلوه صهبة، وهو كالشقرة.
وقال ابن الأثير: المعروف أنّ الصهبة مختصّة بالشعر، وهي حمرة يعلوها سواد.
(أريصح) تصغير أرصح براء وصاد وحاء مهملتين، وهو الخفيف الإليتين، ويقال: أرسح بالسين والصاد بدل منها، ويقال أرصع بالعين والحاء بدل منها، وذكر الهروي أنّ الأرصح الناتئ الإليتين، وأنكر عليه.
(أثيبج) تصغير أثبج بمثلثة ثمّ موحّدة وجيم، وهو الناتئ الثبج، وهو ما بين الكاهل ووسط الظهر.
(حمش السّاقين) بالشين المعجمة، أي: دقيقهما.
(أورق) أي: أسمر (جعدًا) أي: ليس سبط الشعر (جماليًا) بضمّ الجيم وتخفيف الميم وكسر اللّام وتشديد المثناة التحتيّة، أي عظيم الخلق ضخم الأعضاء تامّ الأوصال، شبّه خلقه بخلق الجمل، يقال ناقة جمالية إذا شبّهت بالفحل من الإبل في عظم الخلق.
***
[باب إذا شكّ في الولد]
стр. 571
(نزعه عرق) يقال نزع إليه في الشبه إذا أشبهه.
***
[باب في ادّعاء ولد الزنا]
(حدثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا معتمر) أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق عمرو بن الحصين عن معتمر وصحّحه، وقال الذهبي في تلخيصه: "لعلّه موضوع، فإنّ ابن الحصين تركوه". وقد عرفت براءته منه.
(لا مساعاة في الإسلام، من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته) قال الخطابي وابن الأثير: المساعاة الزنا، وكان الأصمعي يجعل المساعاة في الإماء دون الحرائر، وذلك لأنهنّ كنّ يسعين لمواليهن فيكسبن لهم بضرائب كانت عليهنّ، يقال ساعت الأمة إذا فجرت، وساعاها فلان إذا فجر بها، وهو مفاعلة من السعي، كأنّ كلّ واحد منهما يسعى لصاحبه في حصول غرض، فأبطل ﷺ المساعاة في الإسلام، (ولم) (١) يلحق النّسب بها، وعفا عما كان منها في الجاهلية وألحق النسب به.
стр. 572
(ومن ادّعى ولدا لغير (١) رشدة) (٢) يقال: هذا ولد رشدة بالكسر والفتح إذا كان بنكاح صحيح، وضدّه ولد زنيّة.
(قضى أنّ كلّ مستلحق استلحق بعد أبيه) الحديث قال الخطّابي: هذه أحكام وقعت في أوّل زمان الشّريعة، وكان حدوثها ما بين الجاهليّة وبين قيام الإسلام، وفي ظاهر هذا الكلام تعقّد وإشكال، وبيان ذلك، أن أهل الجاهليّة كانت لهم إماء تساعين وهنّ البغايا، وكان ساداتهن يلمون بهنّ ولا يجتنبوهنّ، فإذا جاءت الواحدة منهنّ بولد وكان سيّدها يطأها وقد وطئها غيره بالزّنا، فربّما ادّعاه الزّاني وادّعاه السيّد، فحكم ﷺ بالولد لسيّدها لأن الأمة فراش له كالحرّة، ونفاه عن الزّاني، فإن دعي للزّاني مدّة وبقي على ذلك إلى أن مات السيد ولم يكن ادّعاه في حياته ولا أنكره، ثمّ ادّعاه ورثته بعد موته واستلحقوه، فإنّه يلحق به ولا يرث أباه، ولا يشارك إخوته الذين استلحقوه في ميراثهم من أبيهم إن كانت القسمة قد مضت قبل أن يستلحقه الورثة، وجعل حكم ذلك حكم ما مضى في الجاهلية، فعفا عنه ولم يردّ إلى حكم الإسلام،
стр. 573
فإن أدرك ميراثًا لم يكن قد قسم إلى أن ثبت نسبه باستلحاق الورثة إيّاه، كان شريكهم فيه إسوة من يساويه في النسب منهم، فإن مات من إخوته بعد ذلك أحد ولم يخلف من يحجبه عن الميراث ورثه، فإن كان سيّد الأمة أنكر الحمل ولم يدّعه، فإنّه لا يلحق به وليس لورثته أن يستلحقوه بعد موته.
***
[باب في القافة]
(أسارير وجهه) هي الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتنكسر، واحدها سَرٌّ وسرر وجمعها أسرار وأسرة وجمع الجمع أسارير.
***
[باب في وجوه النكاح التي كان يتناكح بها أهل الجاهلية]
(لا دعوة في الإسلام) بكسر الدّال، وهي ادّعاء الولد، قال في النهاية: الدعوة بالكسر في النسب، وهو أن ينتسب (١) الإنسان إلى غير أبيه وعشيرته، وقد كانوا يفعلونه فنهى عنه وجعل الولد للفراش.
(وللعاهر الحَجَر) قال الخطّابي: يحسب أكثر الناس أنّ معنى الحَجَر هنا الرّجم بالحجارة، وليس كذلك، لأنّه ليس كلّ زان يرجم، وإنّما معنى الحجر هنا الحرمان والخيبة.
(طبن لها) قال في النهاية: أصل الطبن والطبانة الفطنة، يقال طبن لكذا طبانة فهو طبن، أي هجم على باطنها وخبر أمرها وأنّها ممّن تواتيه على المراودة، هذا إذا روي بكسر الباء، وإن روي بالفتح كان معناه خَيَّبها وأفسدها.
стр. 576
(فراطنها بلسانه) في النّهاية: الرطانة بفتح الرّاء وكسرها والتّراطن كلام لا يفهمه الجمهور وإنّما هو مواضعة بين اثنين أو جماعة، والعرب تخصّ بها غالبًا كلام العجم.
***
[باب من أحقّ بالولد]
(حواء) بكسر الحاء والمدّ، المكان الذي يحوي الشيء أي: يضمّه ويجمعه.
***
[باب من أنكر ذلك على فاطمة بنت قيس]
(في مكان وحش) أي: خلاء لا ساكن به.
стр. 577
[باب إحداد المتوفى عنها زوجها]
стр. 578
(حفشًا) هو البيت الصغير.
(فتفتض به) قال الخطّابي: فسّره القتبي (١) فقال: هو من فضضت الشيء إذا كسرته أو فرقته، ومنه فضّ خاتم الكتاب، والمراد أنّها كانت تكون في عدة من زوجها فتكسر ما كانت فيه وتخرج منه بالدابة، ومعنى رميها بالبعرة أي (كأنّها) (٢) تقول: كأنّ جلوسها في البيت وحبسها نفسها سنة، كالرمية بالبعرة في جنب ما كان يجب من حقّ الزوج.
***
[باب في المتوفى عنها تنتقل]
стр. 579
(الفريعة) بضمّ الفاء وفتح الرّاء وسكون المثنّاة التحتيّة وفتح العين المهملة.
(بطرف القدوم) هو بالتخفيف والتّشديد، على ستّة أميال من المدينة.
***
[باب فيما تجتنبه المعتدة في عدّتها]
(ثوب عصب) بمهملتين وموحّدة، برود يمنيّة يعصب غزلها، أي يجمع ويشدّ ثمّ يصبغ وينسج، فيأتي موشيًا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ، يقال بردٌ عصب وبرد عصب بالتنوين والإضافة، وقيل هي برود مخطّطة.
стр. 580
(بنبذة من قسط) يريد بها اليسير منه.
(ولا الممشّقة) هي المصبوغة بالمشق، بالكسر، وهي المَغَرة (١).
(بكحل الجلاء) بالكسر والمدّ، وهو الإثمد لأنّه يجلو البصر، وقيل هو بالفتح والمدّ والقصر، ضرب من الكحل.
стр. 581
(يشبّ الوجه) (بفتح أوّله وضمّ المعجمة) (١) وتشديد الموحّدة، أي يلوّنه ويحسّنه ويوقد اللّون.
***
[باب في عدّة الحامل]
(تعلّت من نفاسها) قال الخطّابي: أي طهرت من دمها. قال ابن
стр. 582
الأثير: ويروى تعالت أي ارتفعت وظهرت، ويجوز أن يكون من قولهم تعلّ الرجل من علّته إذا برئ، أي خرجت من نفاسها وسلمت.
(من شاء لاعنته لأنزلت سورة النّساء القصرى بعد الأربعة الأشهر وعشرًا) قال الخطّابي: يعني بسورة النّساء القصرى سورة الطلاق، ويريد أنّ نزول هذه السورة إنّما كان بعد نزول سورة البقرة، وقد ذكر في سورة الطلاق حكم الحوامل (١) فقال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فظاهر هذا الكلام منه أنّه حمله على النسخ، وأنّ ما في سورة الطلاق ناسخ للحكم الذي في سورة البقرة، وعامّة أهل العلم لا يحملونه على النسخ، لكن يرتّبون إحدى الآيتين على الأخرى، فيجعلون التي في البقرة في عدد الحوائل وهذه في الحوامل.
***
[باب في عدّة أمّ الولد]
стр. 583
(لا تلبسوا علينا سنّة نبيّنا) قال الخطّابي: يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون أراد بذلك سنة كان يرويها عن رسول الله ﷺ نصَّا وتوقيفًا، والآخر: أن يكون ذلك منه اجتهادًا على معنى السنّة في الحرائر، ولو كان معنى السنة التوقيف لأشبه أن يصرّح به، وأيضًا فإنّ التلبيس لا يقع في النصوص، إنّما يكون غالبًا في الرّأي والاجتهاد.
***
[باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجًا غيره]
(عسيلة) تصغير عسل، وقيل: إن الهاء إنّما أثبتت فيها على نيّة اللّذة، وقيل: إنّ العسل يؤنّث ويذكّر.
***
[باب في تعظيم الزنا]
(مسيكة) بالتّصغير.
стр. 584
كتاب الصيام
[باب مبدأ فرض الصيام]
(صرمة بن قيس) بكسر الصاد المهملة وسكون الرّاء.
***
[باب الشهر يكون تسعًا وعشرين]
стр. 585
(وخنس أصبعه) أي: أضجعها فأخّرها عن مقام أخواتها.
(فإن غمّ عليكم) أي: غطّى (فاقدروا له) بضم الدّال، قال الخطّابي: معناه التقدير له بإكمال العدد ثلاثين، كما صرّح به في الحديث الآخر.
(قترة) بفتحات، هي الغبرة في الهواء الحائلة بين الأبصار وبين رؤية الهلال.
(شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجّة) قال الخطّابي: اختلف في تأويله، فقيل معناه أنّهما لا يكونان ناقصين في الحكم وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب، وقيل معناه أنّهما لا يكادان يوجدان في سنة واحدة مجتمعين في النقصان، إن كان أحدهما تسعًا وعشرين كان الآخر ثلاثين على الكمال،
стр. 586
وقيل: إنّما أراد بهذا تفضيل العمل في العشر من ذي الحجة، فإنّه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان.
***
[باب إذا أخطأ القوم الهلال]
(فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحّون) قال الخطّابي: معنى الحديث أنّ الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أنّ قومًا اجتهدوا فلم يروا الهلال إلّا بعد الثّلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثمّ ثبت عندهم أنّ الشهر كان تسعًا وعشرين، فإنّ صومهم وفطرهم ماض ولا عتب عليهم، وكذا في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة فإنّه ليس عليهم إعادته، وتجزيهم أضحاهم كذلك، وهذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده.
***
[باب في التقدّم]
стр. 587
(هل صمت من سرر (١) شعبان) إلى آخره. قال الخطابي: كان بعض أهل العلم يقول في هذا الحديث أنّ سؤاله سؤال زجر وإنكار، لأنّه نهى أن يستقبل الشهر بصوم يوم أو يومين. قال: ويشبه أن يكون هذا الرّجل قد أوجبه على نفسه بنذر، فلذلك قال له في سياق الحديث (فإذا أفطرت) يعني من رمضان (فصم يومين) فاستحبّ له الوفاء بهما.
وقال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: في بعض الرّوايات هل صمت من سرّة هذا الشهر، كأنّه أراد وسطه، لأنّ السرّة وسط قامة الإنسان.
(صوموا الشهر وسرّه) قال في النهاية: الشهر الهلال، سمّي به لشهرته وظهوره، أراد صوموا أوّل الشهر وآخره.
وقال في حرف السين في قوله "وسرّه": أي: أوّله، وقيل مستهلّه، وقيل وسطه، وسرّ كلّ شيء جوفه، فكأنّه أراد الأيّام البيض. قال الأزهري: لا أعرف السرّ بهذا المعنى، إنّما يقال سِرّ (٢) الشهر وسراره وسرره وهو آخر ليلة يستسِرُّ الهلال بنور الشّمس.
стр. 588
(قال الوليد: سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي يقول: سرّه أوّله) قال الخطّابي: أنا أنكر هذا التفسير وأراه غلطًا في النقل، ولا أعرف له وجهًا في اللّغة، والصّحيح أنّ سرّه آخره، حدّثناه أصحابنا عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ثنا محمود بن خالد الدمشقي عن الوليد عن الأوزاعي قال: سرّه آخره، وهذا هو الصّواب. قال: وأمّا قوله صوموا الشهر، فإنّ العرب تسمّي الهلال الشهر، تقول رأيت الشهر أي الهلال، وقال الشاعر:
والشهر مثل قلامة الظُّفْر
أي: الهلال، وإذا كان أوّل الشهر مأمورًا بصيامه في قوله: "صوموا الشهر" فقد علم أنّ الأمر بصيام سرّه هو غير أوّله.
وقال البيهقي: رواه غيره عن الأوزاعي أنّه قال: "سرّه آخره" وهو الصّحيح، وأراد به اليوم أو اليومين اللّذين يستتر فيهما القمر قبل يوم الشكّ، أو أراد به صيام آخر الشهر مع يوم الشكّ إذا وافق ذلك عادته في صوم آخر كلّ شهر، وقيل: أراد بسرّه وسطه، وسرّ كل شيء جوفه، فعلى هذا أراد أيام البيض. انتهى.
* * *
[باب وقت السحور]
(يستطير) أي: يعترض في الأفق وينتشر ضوءه هناك.
стр. 589
(ولا يهيدنّكم السّاطع المصعد) قال في النهاية: أي لا تنزعجوا للفجر المستطيل فتمتنعوا عن السّحور فإنّه الصبح الكذّاب، وأصل الهَيْد الحركة، وقد هدت الشيء أهيدُه هيدا إذا حرّكته وأزعجته، والسّاطع المصعد، يعني الصبح الأوّل المستطيل. وقال الخطابي: لا يمنعكم الأكل، وأصل الهيد الزجر، والسّاطع المرتفع، وسطوعه ارتفاعه مصعدًا قبل أن يعترض.
(حتى يعترض لكم الأحمر) قال الخطابي: معناه أن يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة، وذلك أنّ البياض إذا تتام طلوعه ظهرت أوائل الحمرة، والعرب تشبّه الصبح بالبلق في الخيل لما فيه من بياض وحمرة.
(إنّ وسادك إذن لعريض طويل) قال الخطّابي: فيه قولان؛ أحدهما: أنّه يريد أن نومك إذن لكثير وكنى بالوساد عن النوم إذ كان النائم يتوسّده، أو يكون أراد ليلك إذن طويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل والشرب حتى يتبيّن لك سواد العقال من بياضه، والقول الآخر: أنّه كنى بالوساد عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوساد إذا نام، والعرب تقول:
стр. 590
فلان عريض القفا إذا كان فيه غباوة وغفلة، وقد روي: "إنّك عريض القفا".
وقال في النهاية: الوساد والوسادة المخدة، فكنى بالوساد عن النوم لأنّه مظنّته، أو عن عرض قفاه وذلك دليل الغباوة، وقيل أراد من توسّد الخيطين المكنى بهما عن اللّيل والنهار عريض (الوساد) (١).
* * *
[باب في الرجل يسمع النداء والإناء على يده]
(إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) قال الخطابي: هذا على قوله: "إنّ بلالا يؤذّن بليل فكلوا واشربوا حتى يوذّن ابن أمّ مكتوم".
وقال البيهقي: هذا إن صحّ، فهو محمول عند عوام أهل العلم على أنّه ﷺ علم أن المنادي كان ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبل طلوع الفجر.
* * *
[باب وقت فطر الصائم]
стр. 591
(إذا جاء اللّيل من هاهنا وذهب النهار من ههنا فقد أفطر الصائم) قال الخطّابي: معناه أنّه قد صار في حكم المفطر وان لم يأكل، وقيل معناه أنّه دخل في وقت الفطر وجاز له أن يفطر، كما قيل أصبح الرجل إذا دخل في وقت الصبح.
وقد وقع في زمان الشيخين أبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر بن الصبّاغ ببغداد، في رجل صائم قال لامرأته إن أفطرت على (بارد أو حارّ) (١) فأنت طالق، فغربت الشمس، قال ابن الصبّاغ تطلّق، وقال الشيخ أبو إسحاق لا تطلق لهذا الحديث، لأنّه أفطر على غير هذين. قال القاضي تاج الدّين (بن) (٢) السبكي: وقد يقال: إنّ الشيخ أبا إسحاق مسبوق بذلك، سبقه القاضي أبو الطيب، فإنّه نصّ في التعليقة على أنّ الفطر يحصل بالغروب لكل صائم أكل أو لم يأكل، وكذلك قال الرّوياني في البحر، ونقله الرّافعي قُبَيْل باب القضاء عن فتاوي الغزالي لكن مسألة الشيخين في حارّ وبارد (ولا) (٣) فرق، لأنّ هذه العبارة يقصد بها في العرف التعميم ومطلق الفطر، وقد يقال عمومها بالنسبة إلى ما يدخل الجوف من المفطرات سواء حارّها وباردها، فليس الغروب وإن حصل به الفطر الشرعي من ذلك. انتهى.
стр. 592
(فاجدح لنا) قال الخطّابي وغيره: الجدح بجيم أوّله ثمّ مهملتين أن يخاض السويق بالماء ويحرّك حتى يستوي، وكذلك اللّبن ونحوه.
* * *
[باب ما يفطر عليه]
(حسوات) جمع حسوة بالفتح وهي المرّة من الحسى، والحُسوة بالضمّ الجرعة من الشّراب.
* * *
[باب الغيبة للصائم]
стр. 593
(من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) قال البيضاوي: ليس المقصود من مشروعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وإطفاء ثائرة الغضب، وتطويع النفس الأمّارة (المطمئنة) (١)، فإذا لم يحصل له شيء من ذلك لم يبال الله بصومه ولا يقبله. وقوله (فليس لله حاجة) مجاز عن عدم القبول.
(فلا يرفث) أي: لا يفحش.
* * *
[باب في الكحل عند النوم للصائم]
(بالإثمد المروّح) أي: المطيّب بالمسك، كأنّه جعل له رائحة تفوح بعد أن لم يكن له رائحة.
* * *
стр. 594
[باب الصائم يستقيء عامدا]
(من ذرعه قيء) بالذّال المعجمة، أي سبقه وغلبه في الخروج.
(قاء فأفطر) قال البيهقي: هذا حديث مختلف في إسناده، فإن صحّ فهو محمول على أنّه تقيّأ عامدًا، وكأنّه ﷺ كان متطوّعًا بصومه.
* * *
[باب في الصائم يحتلم نهارًا]
стр. 595
(سفيان عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ) قال البيهقي: هذا هو المحفوظ، وقد رواه عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري.
(لا يفطر من قاء) قال البيهقي: هذا محمول، إن ثَبَتَ، على ما لو ذرعه القيء.
* * *
[باب القبلة للصائم]
(هششت) أي: ارتحت وخفّيت.
* * *
стр. 596
[باب فيمن أصبح جنبًا في شهر رمضان]
(والله إنّي لأرجو أن أكون أخشاكم لله) قال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام: فيه إشكال لأنّ الخوف والخشية حالة تنشأ عن ملاحظة شدّة النقمة الممكن وقوعها بالخائف، وقد دلّ القاطع على أنّه ﵊ غير معذّب، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ فكيف يتصوّر منه الخوف، فكيف أشدّ الخوف؟ قال: والجواب أنّ الذهول جائز عليه ﵊، فإذا حصل الذهول عن موجبات نفي العقاب حدث له الخوف، ولا يقال: إن إخباره بشدّة الخوف وعظم الخشية يدل على أنّه أكثر ذهولًا، لأنَّا نقول المراد بشدّة الخوف وعظم الخشية عظم بالنوع لا بكثرة العدد، أي إذا صدر منه الخوف ولو في زمن فرد كان أشدّ من خوف غيره.
* * *
[باب من اختار الصيام (أي: في السفر) (١)]
стр. 597
(من كانت له حمولة) قال في النّهاية: الحمولة بالضمّ الأحمال، يعني أنّه يكون صاحب أحمال يسافر بها.
* * *
[باب النهي أن يخصّ يوم السبت بصوم]
(لحاء عنبة) قال في النهاية: أراد قشر العنبة استعارة من قشر العود.
* * *
[باب في صوم الدّهر تطوّعًا]
стр. 598
(أنّ رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف تصوم؟ فغضب) قال الخطابي: يشبه أن يكون غضبه من مسألته إيّاه عن صومه كراهة أن يقتدي به فيه فيتكلّفه ثمّ يعجز عنه فعلًا، أو يسأمه ويملّه بقلبه، فيكون صيامًا من غير نيّة أو إخلاص.
(لا صام ولا أفطر) قال الخطابي: معناه لم يصم ولم يفطم، ويحتمل أن يكون معناه الدّعاء عليه، كراهة لصنيعه وزجرًا له عن ذلك.
(قال وددت أنّي طوّقت ذلك) قال الخطابي: يحتمل أن يكون إنّما خاف العجز عن ذلك للحقوق التي تلزمه لنسائه، لأن ذلك يخلّ بحظوظهنّ منه، لا لضعف جبلته عن احتمال الصيام، وقلّة صبره عن الطعام في هذه المدّة.
стр. 599
(ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدّهر) قال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السلام: معناه: أنّ الحسنة بعشر أمثالها، فثلاثة أيّام بثلاثين حسنة على عدد أيّام الشهر، وفي كل شهر كذلك فقد تعمّر دهره. قال: وهنا سؤال، وهو أنّ هذا لا يصحّ لأن لفظ الحديث دلّ على أن من صام ثلاثة أيام فكأنَّما أوقع ثلاثين من الصيام وثلاثون في عشرة بثلاث مائة، لأنّ كلّ يوم من الذي دلّ عليه الحديث له عشر حسنات، فالذي دلّ عليه الحديث أعظم ممّا دل عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، فلا يصحّ أن يفسّر الحديث بما فهم من الآية؟ قال: والجواب أنّ معنى الآية أن له (عشرة أمثالها) (١) ما كان يثاب عليه من قبلنا من الأمم، فضلًا من الله ونعمة، ومعنى الحديث أنّ الصائم ثلاثة أيام كأنّه صام الدهر كلّه أن لو كان من غير هذه الأمّة، لأنّه يحصل له ثلاثون حسنة في كلّ شهر وهي التي كانت تحصل لمن صام الدهر كلّه فيمن كان قبلنا، فصار كأنّه صام الدهر كلّه لو كان من غير هذه الأمّة، ومثل هذا الحديث قوله ﷺ : "مَن صام رمضان وأتبعه بستّ من شوّال كان كصيام الدّهر"، أو قال: "سنة"، إلَّا أن هذا الصيام أعظم لأنّه فرض، أعني خمسة أسداسه التي هي أيام رمضان، والفرض أفضل وأكثر ثوابًا من النفل، فيدل هذا الحديث على أنّ صيام هذه الأيام مع رمضان كأنّه صام دهره، خمسة أسداسه يثاب عليه ثواب الفرض، وسدسه يثاب عليه ثواب التفل. انتهى.
* * *
[باب في صوم أشهر الحُرم]
стр. 600
(شهر الصّبر) قال الخطابي: هو شهر رمضان، وأصل الصبر الحبس، فسمّي الصيام صبرًا لما فيه من حبس النفس عن الطعام ومنعها عن وطء النساء في نهار الشهر.
* * *
[باب في صوم الاثنين والخميس]