[باب فيمن أصبح جنبًا في شهر رمضان]
(والله إنّي لأرجو أن أكون أخشاكم لله) قال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام: فيه إشكال لأنّ الخوف والخشية حالة تنشأ عن ملاحظة شدّة النقمة الممكن وقوعها بالخائف، وقد دلّ القاطع على أنّه ﵊ غير معذّب، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ فكيف يتصوّر منه الخوف، فكيف أشدّ الخوف؟ قال: والجواب أنّ الذهول جائز عليه ﵊، فإذا حصل الذهول عن موجبات نفي العقاب حدث له الخوف، ولا يقال: إن إخباره بشدّة الخوف وعظم الخشية يدل على أنّه أكثر ذهولًا، لأنَّا نقول المراد بشدّة الخوف وعظم الخشية عظم بالنوع لا بكثرة العدد، أي إذا صدر منه الخوف ولو في زمن فرد كان أشدّ من خوف غيره.
* * *
[باب من اختار الصيام (أي: في السفر) (١)]
стр. 597
(من كانت له حمولة) قال في النّهاية: الحمولة بالضمّ الأحمال، يعني أنّه يكون صاحب أحمال يسافر بها.
* * *
[باب النهي أن يخصّ يوم السبت بصوم]
(لحاء عنبة) قال في النهاية: أراد قشر العنبة استعارة من قشر العود.
* * *
[باب في صوم الدّهر تطوّعًا]
стр. 598
(أنّ رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف تصوم؟ فغضب) قال الخطابي: يشبه أن يكون غضبه من مسألته إيّاه عن صومه كراهة أن يقتدي به فيه فيتكلّفه ثمّ يعجز عنه فعلًا، أو يسأمه ويملّه بقلبه، فيكون صيامًا من غير نيّة أو إخلاص.
(لا صام ولا أفطر) قال الخطابي: معناه لم يصم ولم يفطم، ويحتمل أن يكون معناه الدّعاء عليه، كراهة لصنيعه وزجرًا له عن ذلك.
(قال وددت أنّي طوّقت ذلك) قال الخطابي: يحتمل أن يكون إنّما خاف العجز عن ذلك للحقوق التي تلزمه لنسائه، لأن ذلك يخلّ بحظوظهنّ منه، لا لضعف جبلته عن احتمال الصيام، وقلّة صبره عن الطعام في هذه المدّة.
стр. 599
(ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدّهر) قال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السلام: معناه: أنّ الحسنة بعشر أمثالها، فثلاثة أيّام بثلاثين حسنة على عدد أيّام الشهر، وفي كل شهر كذلك فقد تعمّر دهره. قال: وهنا سؤال، وهو أنّ هذا لا يصحّ لأن لفظ الحديث دلّ على أن من صام ثلاثة أيام فكأنَّما أوقع ثلاثين من الصيام وثلاثون في عشرة بثلاث مائة، لأنّ كلّ يوم من الذي دلّ عليه الحديث له عشر حسنات، فالذي دلّ عليه الحديث أعظم ممّا دل عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، فلا يصحّ أن يفسّر الحديث بما فهم من الآية؟ قال: والجواب أنّ معنى الآية أن له (عشرة أمثالها) (١) ما كان يثاب عليه من قبلنا من الأمم، فضلًا من الله ونعمة، ومعنى الحديث أنّ الصائم ثلاثة أيام كأنّه صام الدهر كلّه أن لو كان من غير هذه الأمّة، لأنّه يحصل له ثلاثون حسنة في كلّ شهر وهي التي كانت تحصل لمن صام الدهر كلّه فيمن كان قبلنا، فصار كأنّه صام الدهر كلّه لو كان من غير هذه الأمّة، ومثل هذا الحديث قوله ﷺ : "مَن صام رمضان وأتبعه بستّ من شوّال كان كصيام الدّهر"، أو قال: "سنة"، إلَّا أن هذا الصيام أعظم لأنّه فرض، أعني خمسة أسداسه التي هي أيام رمضان، والفرض أفضل وأكثر ثوابًا من النفل، فيدل هذا الحديث على أنّ صيام هذه الأيام مع رمضان كأنّه صام دهره، خمسة أسداسه يثاب عليه ثواب الفرض، وسدسه يثاب عليه ثواب التفل. انتهى.
* * *
[باب في صوم أشهر الحُرم]
стр. 600
(شهر الصّبر) قال الخطابي: هو شهر رمضان، وأصل الصبر الحبس، فسمّي الصيام صبرًا لما فيه من حبس النفس عن الطعام ومنعها عن وطء النساء في نهار الشهر.
* * *
[باب في صوم الاثنين والخميس]
стр. 601
(إنّ أعمال العباد تعرض يوم الإثنين ويوم الخميس) زاد النسائي على ربّ العالمين فأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم"، قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام: ومعنى العرض هنا الظهور، وذلك أن الملائكة تقرأ الصحف في هذين اليومين.
* * *
[باب في صوم الثلاث من كلّ شهر]
(من غرّة كلّ شهر) أي: الأيام البيض اللّيالي بالقمر، وهي ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر.
* * *
[باب النية في الصيام]
стр. 602
(من لم يجمع الصيام) قال الخطابي: معنى الإجماع إحكام النيّة والعزيمة، يقال: أجمعت الرّأي وأزمعته وعزمت عليه بمعنًى.
* * *
[باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها]
(لو كانت سورة واحدة لكفت النّاس) في مسند أبي يعلى أنّه ﷺ قال لها: "لا تصومي إلّا بإذنه، ولا تقرئي بسورته".
стр. 603
(فإذا استيقظت فصلّ) قال الخطابي: في ذلك أمر عجيب من لطف الله بعباده، ومن لطف نبيّه ﷺ ورفقه بأمّته.
* * * * * *
стр. 604
كتاب الجهاد
[باب ما جاء في الهجرة وسكنى البَدْو]
(لن يترك) بكسر المثنّاة الفوقيّة، أي: لن ينقصك (١) وإن أقمت من وراء البحار وسكنت أقصى الأرض.
стр. 605
(يبدو) أي: يخرج إلى البادية.
(التلاع) هي مسايل الماء من علوّ إلى أسفل، واحدها تلعة، وقيل هو من الأضداد، يقع على ما انحدر من الأرض وما أشرف منها.
(البداوة) بفتح الباء وكسرها الخروج إلى البادية.
(ناقة محرّمة) هي التي لم تركب ولم تذلّل فهي غير وطيّة.
* * *
[باب في الهجرة هل انقطعت ؟ ]
(لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة) قال الخطابي: كانت الهجرة في أوّل الإسلام فرضًا ثمّ صارت مندوبة وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، نزل حين اشتدّ أذى المشركين على المسلمين عند انتقال رسول الله ﷺ إلى المدينة، فأمروا بالانتقال إلى حضرته ليكونوا معه، فيتعاونوا إذا حزبهم أمر، ويتعلّموا منه أمر دينهم ويتفقّهوا فيه، وكان عظم الخوف في ذلك الزمان من قريش ومظاهري أهل مكة، فلمّا فتحت مكة ونخعت بالطاعة زال ذلك المعنى وارتفع وجوب الهجرة، وعاد الأمر فيها إلى الندب، فهما هجرتان، فالمنقطعة منهما هي الفرض والباقية هي الندب، فهذا وجه الجَمع بين هذا الحديث وبين حديث: "لا هجرة بعد
стр. 606
الفتح"، على أن بين الإسنادين ما بينهما، إسناد هذا متّصل صحيح، وإسناد الأوّل فيه مقال.
(لا هجرة ولكن جهاد ونيّة) قال في النهاية: أي: لم يبق بعد فتح مكّة هجرة لأنّها قد صارت دار إسلام، وإنّما هو الإخلاص في الجهاد وقتال الكفّار.
* * *
[باب في سكنى الشّام]
(مهاجر إبراهيم) هو الشام.
(تلفظهم أرضوهم) بكسر الفاء وفتح الرّاء، أي تقذفهم وترميهم.
(تقذرهم نفس الله) بفتح الذّال المعجمة، قال الخطابي: تأويله أنّ الله تعالى يكره خروجهم إليها ومقامهم بها، فلا يوفّقهم لذلك، فصاروا بالردّ وترك القبول في معنى الشّيء الذي تقذره نفس الإنسان فلا يقبله، وذكر النفس هنا مجاز واتّساع في الكلام، وهذا شبيه بمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾.
стр. 607
(خيرة الله) بفتح الياء التحتية، بوزن عِنَبة.
* * *
[باب في دوام الجهاد]
(ظاهرين على من ناوأهم) أي: عاداهم.
* * *
[باب في فضل القفل في سبيل الله تعالى]
стр. 608
(قفلة كغزوة) قال الخطّابي: يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون أراد به القفول عن الغزو والرجوع إلى الوطن، يقول: إنّ أجر المجاهد في انصرافه إلى أهله كأجره في إقباله إلى الجهاد، وذلك أن تجهيز الغازي (١) يضرّ بأهله وفي قفوله إليهم إزالة الضّرر عنهم واستجمام للنفس واستعداد بالقوّة للعدوّ، والوجه الآخر: أن يكون أراد بذلك التعقيب وهو رجوعه ثانيًا في الوجه الذي جاء منه منصرفًا وإن لم يلق عدوّا ولم يشهد قتالًا، وقد يفعل ذلك الجيش إذا انصرفوا من مغزاهم وذلك لأحد أمرين؛ أحدهما: أنّ العدوّ إذا رأوهم قد انصرفوا عن ساحتهم أمنوهم فخرجوا من (مكانهم) (٢)، فإذا قفل الجيش إلى دار العدوّ نالوا الفرصة منهم فأغاروا عليهم، والثاني: أنّهم إذا انصرفوا من مغزاهم ظاهرين لم يأمنوا أن يَقْفو العدوّ أثرهم فيوقعوا بهم وهم غادون فربّما استظهر الجيش أو بعضهم بالرّجوع على أدراجهم، فإن كان من العدوّ طلب كانوا مستعدّين للقائهم، وإلّا فقد سلموا وأحرزوا ما معهم من الغنيمة.
زاد في النهاية: وقيل يحتمل أن يكون سئل عن قوم قفلوا ليستضيفوا إليهم عددًا آخر من أصحابهم ثمّ يكرّوا على عدوّهم.
* * *
[باب فضل قتال الروم على غيرهم من الأمم]
стр. 609
(عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شمّاس عن أبيه عن جدّه) قال المزّي في الأطراف: كذا قال، وجدّ عبد الخبير هو: ثابت لا قيس، ورواه أحمد بن إبراهيم الموصلي عن فرج بن فضالة فقال عن عبد الخبير بن قيس بن ثابت بن شمّاس عن أبيه عن جدّه، فأصاب.
(إن أُرزأ فلن أرزأ حيائي) أي: إن أصبت به وفقدته فلم أصب بحيائي، والرزء المصيبة بفقد الأعزّة.
* * *
[باب في ركوب البحر في الغزو]
(فإنّ تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا) قال الخطابي: تأويله تفخيم أمر البحر وتهويل شأنه، وذلك أن الآفة تسرع إلى راكبه ولا يؤمن الهلاك عليه في كلّ وقت، كما لا يؤمن الهلاك في مُلابسة النار ومداخلتها والدنوّ منها.
* * *
[باب فضل الغزو في البحر]
стр. 610
(المائد في البحر) هو الذي يدار برأسه من ريح البحر واضطراب السفينة بالأمواج.
(والغرق) قال في النهاية: هو بكسر الرّاء، الذي يموت بالغرق. وقيل: هو الذي غلبه الماء ولم يغرق فإذا غرق فهو غريق. وردّه في المشارق وقال الغرق والغريق كلاهما واحد.
(ثلاثة كلّهم ضامن على الله) قال الخطابي: معناه مضمون، فاعل بمعنى مفعول. وقوله "كلّهم" يريد كلّ واحد منهم.
(ورجل دخل بيته بسلام) قال الخطابي: يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يسلّم إذا دخل منزله كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، والآخر: أن يكون أراد بدخوله بيته بسلام، لزوم البيت، طلب السّلامة من الفتن يُرغِّب بذلك في العزلة، ويأمر بالإقلال من الخلطة.
* * *
стр. 611
[باب فيمن مات غازيًا]
(من فصل في سبيل الله) أي: خرج من منزله وبلده.
(أو وقصه فرسه) أي: صرعه فدقّ عنقه.
(أو لدغته) بدال مهملة وغين معجمة (هامّة) بتشديد الميم، إحدى الهوام وهي ذوات السّموم القاتلة كالحية والعقرب ونحوهما.
(حتف) بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة الفوقيّة وفاء، هو الهلاك.
* * *
[باب في فضل الرّباط]
(كلّ الميّت) قال الشيخ وليّ الدّين العراقي: فيه إشكال من جهة اللّفظ لأنّ النّحاة ذكروا في "كلّ" أنّها إن أضيفت إلى نكرة أو معرفة هي
стр. 612
جمع، فهي لاستغراق أفرادها، مثال الأوّل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ومثال الثاني: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾، وإن أضيفت إلى مفرد معرّف فهي لاستغراق أجزائه، نحو كلّ زيد حسن، أي كلّ جزء منه حسن، وإذا تقرّر هذا، فقد أضيفت هنا إلى مفرد معرّف، فمقتضاها استغراق أجزائه ويكون معناه أنّه يختم على كل جزء من أجزاء الميت، وإبطال هذا أوضح من أن تقام عليه حجّة، فالصواب من جهة اللّفظ أن يؤتى بالمضاف إليه هنا نكرة فيقال كلّ ميت، وكذا وقع في رواية الترمذي، فلعلّ تعريفه وقع من بعض الروّاة تحريفًا.
(يختم على عمله) قال الشيخ وليّ الدين: المراد به طيّ صحيفته وأن لا يكتب له بعد موته عمل.
(إلّا المرابط) هو الملازم للثغر للجهاد، قال القتبي: أصل المرابطة أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كلّ منهما معدّ لصاحبه، فسمّي المقام في الثّغور رباطًا.
(فإنّه ينمو له عمله) أي: يزيد وفي رواية "ينمى"، وهما لغتان.
(ويؤمّن) بضمّ الياء وفتح الهمزة وتشديد الميم.
(من فتّان القبر) أي: فتّانيه وهما منكر ونكير، قال الشيخ وليّ الدّين: يحتمل أن يكون المراد أنّ الملكين لا يجيئان إليه ولا يختبرانه بالكلية، بل (يكفي) (١) موته مرابطًا في سبيل الله شاهدًا على صحّة إيمانه، ويحتمل أنّهما يجيئان إليه لكن بحيث أنّهما لا يضرّانه (٢) (ولا يروّعانه) (٣) ولا يحصل له بسبب مجيئهما فتنة.
* * *
стр. 613
[باب في فضل الحرس في سبيل الله تعالى]
стр. 614
(فأطنبوا السير) أي: بالغوا فيه (١)، وأطنبت الإبل إذا تبع بعضها بعضًا في السير.
(حتى كان عشيّة) قال الشيخ وفي الدين: بنصب عشية على أنّه خبر كان واسمها محذوف، أي كان الوقت عشيّة، كذا ضبطناه في أصلنا.
(فحضرت صلاة) (٢) في بعض النسخ صلاة الظهر.
(على بكرة آبائهم) بفتح الموحدة وسكون الكاف، قال الخطّابي وابن الأثير: كلمة للعرب يريدون بها الكثرة والوفور في العدد، وأنّهم جاؤوا جميعًا لم يتخلّف منهم أحد، وليس هناك بكرة في الحقيقة وهي التي يستقى عليها الماء، فاستعيرت في هذا الموضع.
(بظعنهم) هي النساء، واحدتها ظعينة.
* * *
[باب كراهية ترك الغزو]
(أصابه الله بقارعة) أي: بداهية تهلكه، يقال: قرعه أمر إذا أتاه فجأة، وجمعها قوارع.
* * *
стр. 615
[باب في الجرأة والجبن]
(شحّ هالع) قال الخطابي: أي ذو هلع وهو الجزع، ومعناه البخل الذي يمنعه من إخراج الحق الواجب عليه فإذا استخرج منه هلع وجزع.
(وجبن خالع) قال في النهاية: أي شديد كأنّه يخلع فؤاده من شدّته، وهو مجاز في الخلع، والمراد به ما يعرض من نوازع (١) الأفكار وضعف القلب عند الخوف.
* * *
[باب في الرَّمي]
стр. 616
(ومنبّله) بالتشديد، قال الخطابي: هو الذي يناول الرّامي النبل، وقد يكون على وجهين:
- أنّ يقوم معه بجنبه أو خلفه ومعه عدد من النبل فيناوله واحدًا بعد واحد.
- وأن يردّ عليه النبل المرمي به.
(ليس من اللهو إلّا ثلاث) قال الخطابي: يريد ليس المباح من اللهو إلَّا ثلاث.
قلت: وعلى هذا ففيه حذف اسم ليس ولم يجزه النحاة، ولا حذف خبرها والاقتصار على الاسم، وقد روى الترمذي هذا الحديث بلفظ: "كلّ شيء يلهو به الرّجل باطل إلّا رمية بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته فإنهنّ من الحقّ"، وهذا الرّواية لا إشكال فيها وبها يعرف أن الأوّل [من تصرّف الروّاة. وقال ابن (معن) (١) في التنقيب في شرح اللفظ الأوّل] (٢): يعني: ليس من الفهو المستحبّ.
* * *
[باب في من يغزو ويلتمس الدنيا]
стр. 617
(وأنفق الكريمة) هي العزيزة على صاحبها.
(وياسر الشريك) قال الخطّابي: معناه الأخذ باليسر والسهولة فيه مع الشريك والصاحب والمعاونة لهما.
(ونَبْهَه) بفتح النون وسكون الموحّدة، هي الانتباه من النوم.
(لم يرجع بالكفاف) هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه.
(من عرض الدنيا) بفتح العين المهملة والرّاء، أي متاعها وحطامها.
* * *
[باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا]
стр. 618
(يقاتل للذّكر) أي: ليذكر بين النّاس ويوصف بالشجاعة.
* * *
[باب في فضل الشهادة]
(جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر) قال القرطبي في التذكرة: في حديث كعب: "نسمة المومن طائر"، وهو يدلّ على أنّها نفسها تكون طائرًا أي على صورته لا أنّها تكون فيه، ويكون الطائر ظرفًا لها. وكذا في رواية ابن مسعود عند (ابن ماجه) (١) "أرواح الشهداء عند الله كطير خضر" وفي لفظ عن ابن عباس: "تحوّل في طير خضر"، ولفظ ابن عمرو: "في
стр. 619
صور طير بيض"، وفي لفظ عن كعب بن مالك: "أرواح الشّهداء طير خضر"، قال القرطبي: وهذا كلّه أصحّ من رواية ة في جوف طير خضر"، (قاله) (١) ابن عبد البر في الاستذكار. وقال القابسي (٢) أنكر العلماء رواية: "في حواصل طير خضر" لأنّها حينئذٍ تكون محصورة مضيّقًا عليها، وردّ بأن الرواية ثابتة والتأويل محتمل بأن تجعل "في" بمعنى "على"، والمعنى أرواحهم على جوف طير خضر، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي على جذوع، وجائز أن يسمّى الطير جوفًا إذ هو محيط به ومشتمل عليه، قاله عبد الحق. قال القرطبي: "وهو حسن جدًّا"، وقال غيره: لا مانع من أن تكون في الأجواف حقيقة ويوسعها الله لها حتى تكون أوسع من الفضاء. وقال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السلام في أماليه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾: فإن قيل الأموات كلّهم كذلك فكيف خصّص هؤلاء؟ فالجواب: إنّ الكلّ ليس كذلك لأنّ الموت عبارة عن أن تنزع الروح من الأجساد كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، أي: يأخذها وافية من الأجساد، والمجاهد تنقل روحه إلى طير أخضر، فقد انتقل من جسد إلى آخر بخلاف غيره فإن أرواحهم تبقى في الأجساد. انتهى.
وقال التوربشتي: أراد بقوله: "جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر" أنّ الروح الإنسانية (المتميزة المخصوصة) (٣) بالإدراكات بعد مفارقتها البدن، يهيّأ لها طير أخضر، فتنتقل إلى جوفه ليعلق ذلك الطير من ثمر الجنة، فتجد الروح بواسطته ريح الجنة ولذّتها والبهجة والسرور، ولعلّ الروح يحصل لها تلك الهيئة إذا تشكلت وتمثلت بأمر الله تعالى طيرًا أخضر كتمثّل الملك بشرًا، وعلى أيّة حالة كانت، فالتسليم واجب علينا لورود البيان الواضح على ما أخبر عنه الكتاب والسنة ورودًا صريحًا ولا سبيل إلى خلافه.
стр. 620
وأقول: إذا فسّرنا الحديث بأنّ الروح تتشكّل (طائرًا) (١)، فالأشبه أنّ ذلك في القدرة على الطيران فقط لا في صورة الخلقة، لأنّ شكل الإنسان أفضل الأشكال، وقد قال السهيلي في حديث الترمذي أنّ جعفر بن أبي طالب أعطي جناحين يطير بهما في السماء مع الملائكة: يتبادر من ذكر الجناحين والطيران أتهما كجناحي الطائر، لهما ريش، وليس كذلك فإنّ الصورة الآدميّة أشرف الصّور وأكملها، فالمراد بهما صفة ملكية وقوّة روحانية أعطيها جعفر، وقد قال العلماء في أجنحة الملائكة أتها صفات ملكية لا تفهم إلّا بالمعاينة، فقد ثبت أنّ لجبريل ستمائة جناح ولا يعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلًا عن أكثر من ذلك، وإذا لم يثبت خبر في كيفيتها فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها. انتهى.
وقال الشيخ وليّ الدّين: وصفه الطير بالخضر يحتمل أن يريد به أنّ لونها كذلك، ويحتمل أن يريد به أنّها غضّة ناعمة. وفي الطبقات الكبرى للقاضي تاج الدّين السبكي: سمعت والدي يقول سمعت أبا زكريا يحيى بن علي يقول: كنّا حاضرين في الدّرس عند قاضي القضاة صدر الدّين بن بنت الأعزّ وهو يلقي في حديث أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، فحضر الشيخ علم الدّين العراقي فلمّا استقرّ جالسًا قال على وجه السؤال: لا يخلو إمّا أن يحصل للطير الحياة بتلك الرّوح أو لا؟ والأوّل عين ما تقوله التناسخيّة، والثاني مجرّد حبس الأرواح وسجنها. قال السبكي: والجواب عن هذا أنّا نلتزم الثّاني، ولا يلزم كونه مجرّد حبس وسجن لجواز أن يقدّر الله تعالى في تلك الحواصل من السّرور والنعم ما لا يجده في الفضاء الواسع. انتهى.
(لئلّا ينكلوا) (٢) بضمّ الكاف، أي: يجبنوا.
стр. 621
(والمولود) قال الخطابي: هو الطفل الصّغير والسَقط ومن لم يدرك الحِنْث قال: (والوئيد) هو المدفون حيًّا في الأرض، وكانوا يئدون البنات، ومنهم من كان يئد البنين أيضًا عند المَجاعة والضيق.
* * *
[باب في الجَعائل في الغزو]
(جنود مجنّدة) أي: مجموعة، كما يقال ألوف مؤلّفة، وقناطير مقنطرة.
(يقطع عليكم فيها بعوث) أي: يفرد أقوام يبعثون في الغزو ويُعيّنون من غيرهم.
* * *
стр. 622
[باب في الغزو مع أئمّة الجور]
(يزيد بن أبي نشبة) بضمّ النون وسكون الشين المعجمة بعدها باء موحّدة مفتوحة وهاء تأنيث.
(ثلاث من أصل الإيمان) قال الطّيبي: أصل الشّيء قاعدته التي لو توهّمت مرتفعة لارتفع بارتفاعها.
(والجهاد ماض) أي: نافذ.
* * *
[باب الرجل يتحمّل بمال غيره يغزو]
(عقبة) أي: شوط.
стр. 623
[باب في الرّجل يغزو يلتمس الأجر والغنيمة]
(والبلابل) هي الهموم والأحزان، وبلبلة الصدر وساوسه واضطراب الهموم (فيه) (١).
* * *
[باب في الرّجل الذي يشري نفسه]
стр. 624
(عجب ربّنا) قال في النهاية: أي: عظم ذلك عنده وكبر لديه، علم (١) الله أنّه إنّما يتعجّب الآدمي من الشيء إذا عظم موقعه عنده وخفي عليه سببه، فأخبرهم بما يعرفون ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده. وقيل: معناه: رضي وأثاب، فسمّاه عجبًا مجازًا وليس بعجب في الحقيقة، والأوّل الوجه، وإطلاق التعجّب على الله مجاز لأنّه لا يخفى عليه أسباب الأشياء، والعجب ما خفي سببه ولم يعلم.
(رغبة فيما عندي) أي: من الثواب (وشفقة) خوفًا ممّا عندي من العقاب.
* * *
[باب فيمن يُسلم ويقتل مكانه في سبيل الله ]
стр. 625
(عمرو بن أقيش) بضمّ الهمزة وفتح القاف وسكون المثنّاة التحتيّة وشين معجمة.
* * *
[باب الدعاء عند اللّقاء]
(الدّعاء عند النداء) أي: الأذان (وعند البأس) أي: القتال (حين يلحم بعضهم بعضًا) بالحاء المهملة المكسورة وأوّله مضموم، قال الخطّابي: معناه حين يشتبك الحرب بينهم ويلزم بعضهم بعضًا.
وقال في النّهاية: يقال ألحم الرّجل إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصًا وألحمه غيره فيها، ولُحِم إذا قُتل ولحمته قتلته، والملحمة المقتلة.
* * *
[باب فيمن سأل الله تعالى الشهادة]
стр. 626
(فواق ناقة) بضمّ الفاء وفتحها، ما بين الحلبتين، وقيل: ما بين الشُخْبين (١).
(أو نكب) بضمّ النّون وكسر الكاف مبني للمفعول (نكبة) بفتح النّون قال صاحب المشارق: النكبة مثل العثرة تدمي الرجل منها.
(خراج) بضمّ الخاء المعجمة المخفّفة، قال صاحب الصّحاح: ما يخرج في البدن من القروح.
(طابع) بفتح الباء وكسرها، الخاتم يختم به على الشيء.
* * *
[باب في كراهية جزّ نواصي الخيل وأذنابها]
(ولا معارفها) بكسر الرّاء جمع معرفة بفتحها، الموضع الذي ينبت عليه عُرْف الفرس من رقبته.
стр. 627
(فإن أذنابها مذابّها) بفتح الميم والذّال المعجمة وبعد الألف باء موحّدة مشدّدة، جمع مذبّة بكسر الميم، وهي ما يذبّ به الذباب وغيره، والخيل تدفع بأذنابها ما يقع عليها من ذباب وغيره.
(ومعارفها دفاؤها) قال الشيخ وليّ الدّين: قال في الصّحاح: الدِّفء بالكسر، الذي يدفئك والجمع الأدفاء، قال: وأمّا الدفاء بكسر أوّله والمد فلا أعرفه ويحتمل أنّه جمع كثرة للدفء نحو زقّ وزقاق.
* * *
[باب ما يكره من الخيل]
(يكره الشكال من الخيل والشكال يكون الفرس في رجله اليمنى بياض (وفي يده اليسرى) (١) أو في يده اليمنى وفي رجله اليسرى) قال الخطابي: هكذا جاء هذا التفسير من هذا الوجه، وقد يفسّر بأن تكون يد الفرس وإحدى رجليه محجّلة والرّجل الأخرى مطلقة، ولعلّه سقط من الحديث حرف.
وقال في النهاية: الشّكال أن تكون ثلاث قوائم منه محجّلة وواحدة مطلقة، تشبيهًا بالشّكال الذي يشكل به الخيل لأنّه يكون في ثلاث قوائم (غالبًا) (٢). وقيل هو أن تكون الواحدة محجّلة والثلاث مطلقة، وقيل هو أن
стр. 628
تكون إحدى يديه وإحدى رجليه من خلاف محجّلتين، وإنّما كرهه لأنّه كالمشكول صورة تفاؤلًا، ويمكن أن يكون جرب ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة، وقيل إذا كان مع ذلك أغرّ زالت الكراهة لزوال شبه الشّكال.
* * *
[باب ما يؤمر به من القيام علي الدّواب والبهائم]
(هدفًا) بفتحتين، كل بناء مرتفع مشرف.
(أو حائش نخل) بحاء مهملة وشين معجمة، هو النّخل الملتف المجتمع كأنّه لالتفافه يحوش بعضه إلى بعض، وعينه واو، ولا واحد له من لفظه.
(حنّ) أي: رجّع صوته وبكى.
(وذرفت عيناه) بإعجام الذّال وفتح الرّاء، جرى دمعها.
(فمسح ذفراه) بكسر الذال المعجمة وسكون الفاء وراء مقصورة، قال الخطابي: الذفري من البعير مؤخّر رأسه، وهو الموضع الذي يعرق من قفاه.
стр. 629
وقال في النهاية: ذِفْرى البعير أصل أذنه، وهى مؤنّثة، وهما ذفريان وألفها للتأنيث.
(وتدئبه) أي: تكدّه وتتعبه، وزنا ومعنى، يقال: دأب يدأب دأبًا و (دؤبًا) (١) وأدأبته أنا.
* * *
[باب في نزول المنازل]
(لا نسبّح حتّى نحلّ الرّحال) أي: لا نصلّي سبحة الضّحى حتى نحطّ الرّحال ونجمّ المطيّ، قال الخطّابي: وكان بعض العلماء يستحبّ أن لا يطعم الرّاكب إذا نزل المنزل حتى يعلف الدابة، وأنشد بعضهم في هذا المعنى:
حق المطي أن تبدا بحاجتها ... لا أطعم الضيف حتى أعلف الفرسا
* * *
[باب في تقليد الخيل بالأوتار]
стр. 630
(لا يبقينّ في رقبة بعير قلادة من وتر ولا قلادة إلّا قطعت، قال مالك: أرى أنّ ذلك من أجل العين) قال الخطابي: وقال غيره إنّما أمر بقطعها لأنّهم كانوا يعلّقون فيها الأجراس.
* * *
[باب إكرام الخيل وارتباطها والمسح على أكفالها]
(وقلّدوها ولا تقلّدوها الأوتار) قال في النهاية: أي قلّدوها طلب أعداء الدين والدفاع عن المسلمين، ولا تقلدوها طلب أوتار الجاهلية ودحولها (١) التي كانت بينكم. والأوتار جمع وِتر بالكسر وهو الدم وطلب الثأر، يريد لا تجعلوا ذلك لازمًا لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق، وقيل أراد بالأوتار جمع وتر القوس، أي لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق، لأنّ الخيل ربّما رعت الأشجار فنشبت الأوتار ببعض شعبها فخنقتها. وقيل إنّما نهاهم عنها لأنّهم كانوا يعتقدون أنّ تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى فتكون كالعوذة لها، فنهاهم وأعلمهم أنّها لا تدفع ضررًا ولا تصرف حذرًا.
* * *
стр. 631
[باب في تعليق الأجراس]
(لا تصحب الملائكة) قال الشيخ وليّ الدِّين: يحتمل أن يكون المراد أنّها لا تصحبهم أصلًا، ويحتمل أن يكون المراد أنّها لا تصحبهم بالكلأ والحفظ والاستغفار، من قوله "اللهم أنت الصاحب في السفر" أي الحافظ الكالئ، وإن كان هو مع العبد حيث كان في كل حال. قال: والظاهر أن المراد بهم هنا غير الحفظة، فإنّ الحفظة لا يفارقون بني آدم.
(رفقة) بضمّ الرّاء وكسرها، الجماعة المرافقون في السفر.
(فيها كلب) قال الشيخ وليّ الدّين: اختلف في علّة ذلك، فقيل: إنّه لما نهى عن اتخاذها عوقب متّخذها بتجنّب الملائكة صحبته غضبًا عليه لمخالفته الشرع، فحُرِم بركتها واستغفارها وإعانتها له على طاعة الله ودفع كيد عدوّه الشيطان، فعلى هذا لا تمتنع الملائكة من صحبة الرّفقة التي فيها كلب مأذون في اتّخاذه، وهذا مبنيّ على أنّه يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصّصه. وقيل: إنّما نافرتها الملائكة لكونها نجسة وهم المطهّرون المقدّسون عن مقاربتها، وقيل لأنّها من الشياطين على ما ورد، والملائكة أعداء الشياطين في كل حال، وقيل لقبح رائحتها وهم يكرهون الرائحة الخبيثة ويحبّون الرائحة الطيّبة.
стр. 632
(أو جرس) بفتح الجيم والرّاء وسين مهملة، هو الجلجل الذي يعلّق على الدواب، وقيل إنّما كرهه لأنّه يدلّ على أصحابه بصوته، وكان ﵇ يحبّ أن لا يعلم العدوّ به حتى يأتيهم فجأة، ذكره في النهاية.
* * *
[باب في ركوب الجلالة]
(نهي عن ركوب الجلّالة) هي التي تأكل العذرة، قال الخطّابي: كره ركوبها كما كره أكل لحمها، لأنّ ريح عرقها منتن كلحمها.
* * *
[باب في الرّجل يسمّي دابته]
(يقال له عفير) قال الخطّابي وابن الأثير: هو تصغير ترخيم لأعفر من العفرة (وهو) (١) الغبرة ولون التراب، كما قالوا في أسود سويد، وتصغيره غير مرخّم: أعيفر كأسيود.
* * *
стр. 633
باب في النّداء عند النفير: يا خيل الله اركبي (١)
قلت: يشير إلى ما أخرجه العسكري في الأمثال عن أنس أنّ حارثة بن النعمان قال: يا نبي الله ادع الله لي بالشهادة، فدعا له، قال: فنودي يومًا يا خيل الله اركبي، فكان أوّل فارس ركب وأوّل فارس استشهد.
قال في النهاية: هو على حذف المضاف أي: يا فرسان خيل الله اركبي.
وقال الطيبي: هذا من أحسن المجازات وألطفها. وقال الرّاغب: الخيل في الأصل اسم للأفراس والفرسان، ويستعمل في كل منهما منفردًا نحو ما روي "يا خيل الله اركبي" فهذا للفرسان، و"عفوت لكم عن صدقة الخيل" يعني: الأفراس. انتهى.
(وكان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا فزعنا) قال الشيخ وليّ الدّين: يحتمل أن يكون معناه إذا خفنا، وأن يكون معناه إذا أغثنا، قال: وقد ذكر صاحب الصحاح أن الفزع يطلق بالمعنيين جميعًا.
وقال صاحب النهاية: الفزع في الأصل الخوف، فوضع موضع الإغاثة والنّصر لأن من شأنه (الإغاثة) (٢) والدَّفْع عن الحريم مُراقِبٌ حَذِرٌ.
стр. 634
قال الشيخ ولي الدين: وقوله: (وإذا قاتلنا) يدلّ على أنّ الفزع هنا غير المقاتلة، فإمّا أن يحمل على الخوف، أو يقال لا يلزم من الإغاثة المقاتلة، فقد يغيث ولا يترتب على ذلك قتال.
* * *
[باب النهي عن لعن البهيمة]
(ضعوا عنها) أي: ضعوا رحلها وأعروها لئلّا تركب، قال الخطّابي: زعم بعض أهل العلم أنّه ﷺ إنّما أمرهم بذلك لأنّه قد استجيب لها الدعاء عليها باللعن واستدلّ على ذلك بقوله (فإنّها ملعونة) ويحتمل أنّه فعل ذلك عقوبة لصاحبتها لئلّا تعود إلى مثل قولها.
* * *
[باب في التحريش بين البهائم]
стр. 635
(عن التحريش بين البهائم) قال في النهاية: هو الإغراء وتهييج بعضها على بعض، كما يفعل بين الكباش والديوك وغيرها.
* * *
[باب في وسم الدّواب]
(في مربد) قال في النهاية: هو الموضع الذي يحبس فيه الإبل والغنم، وهو بكسر الميم وفتح الباء، من ربد بالمكان إذا أقام فيه.
* * *
[باب في كراهية الحمر تنزى على الخيل]
(إنّما يفعل ذلك الذين لا يعلمون) قال الخطّابي: يشبه أن يكون المعنى في ذلك أنّ الحمر إذا حملت على الخيل تعطّلت منافع الخيل وقلّ عددها وانقطع نماؤها، فالخيل يُحتاج إليها للركوب والطلب والرّكض، وعليها يجاهد العدو وبها تحرز الغنائم ولحمها مأكول، ويسهم للفرس كما يسهم للفارس،