← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150639

مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود

الجلال السيوطي

Полный текст (1 318 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

(لعن الله اليهود إنّ الله حرّم عليهم الشّحوم فباعوها) قال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام في أماليه: فيه إشكال لأنّ التحريم إذا أضيف إلى الأعيان فإنّما يتعلّق بما هو المقصود الأهم منها، فنقول في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ معناه: وطء أمهاتكم، وإذا قلنا حرّمت عليك الخمر فمعناه شربها، أو الطعام فمعناه أكله، أو القدّوم فمعناه التجارة بها، وإذا تعيّن متعلّق التحريم في هذه الأشياء فيكون ما عداه ليس بمحرّم، كما أنّه لمّا حرّم شرب الخمر لم يحرّم النظر إليها، ولما حرّم وَطء الأمهات لم تحرّم فحادثتهنّ، إذا تقرر ذلك فنقول: المتبادر إلى الأفهام من تحريم الشّحوم إنّما هو تحريم أكلها لأنّها من المطعومات، فتحريم البيع مشكل لأنّه غير متعلّق التحريم. قال: والجواب أنّه ﵇ كما لعن اليهود لكونهم فعلوا غير الأكل دلّنا ذلك على أنّ المحرّم عموم منافعها لا خصوص أكلها.

стр. 842

(من باع الخمر فليشقّص الخنازير) قال الخطابي: معناه فليستحلّ أكلها، والتشقيص يكون من وجهين؛ أحدهما: أن يذبحها بالمشقص وهو نصل عريض، والآخر: أن يجعلها أشقاصًا وأعضاء بعد ذبحها كما تفصل (١) أجزاء الشاة إذا أرادوا إصلاحها للأكل، ومعنى الكلام إنّما هو توكيد التّحريم والتغليظ فيه، يقول: من استحلّ بيع الخمر فليستحلّ أكل الخنزير فإنّهما في الحرمة والإثم سواء، أي: إذا كنت لا تستحل أكل لحم الخنزير فلا تستحلّ ثمن الخمر. وقال في النهاية: وهذا لفظ أمر معناه النهي، تقديره: من باع الخمر فليكن للخنازير قصّابًا. (لمّا نزلت الآيات الأواخر من سورة البقرة خرج رسول الله ﷺ فقرأهنّ علينا وقال: حرّمت التجارة في الخمر) قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون هذا متّصلًا بعد تحريم الخمر ومنها فهم أو أوحي إليه بمنع بيع الخمر بظاهر الحديث، لأنّ سورة المائدة التي فيها تحريم الخمر من آخر ما نزلت من القرآن، وآية الرّبا آخر ما نزل، ويحتمل أن يكون هذا بعد بيان النبي ﷺ تحريم الخمر، فلمّا نزلت آية الرّبا وقد اشتملت على تحريم ما عدا البيع الصّحيح، أكّد تحريم ذلك وأعلم أن التجارة في الخمر من جملة ذلك، كما كرّر تحريمه والإعلام بذلك عام الفتح تأكيدًا. قلت: قد وقفت في بعض طرق الحديث على ما يزيل الإشكال،

стр. 843

فأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد من طريق الحسن بن عرفة عن داود بن (الزبير) (١) قال: عن عبد الأعلى بن الحجاج عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة قالت: "لما نزلت سورة البقرة نزل فيها تحريم الخمر فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك"، فهذا يدل على أنّه كان في الآيات المذكورة تحريم ذلك فكأنّه نسخت تلاوته. * * * [باب في بيع الطعام قبل أن يستوفى] (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه) قال الخطّابي: أجمع أهل العلم على أنّ الطعام لا يجوز بيعه قبل القبض وإنّما اختلفوا فيما عداه. (كنّا في زمن رسول الله ﷺ نبتاع الطعام فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه) هذا أصل في إقامة المحتسب على أهل السوق. (جزافًا) مثلّث (٢) الجيم، والكسر أفصح، هو المجهول القدر مكيلًا كان أو موزونًا.

стр. 844

(يبتاعون بالذهب والطعام مرجًّى) بالرّاء والجيم المشدّدة يهمز ولا يهمز، أي مؤجّلًا مؤخّرًا، ومعنى الحديث أنّه (١) يشتري من إنسان طعامًا بدينار إلى أجل ثم يبيعه منه أو من غيره قبل أن يقبضه بدينارين مثلًا، فلا يجوز لأنّه في التقدير بيع ذهب بذهب والطعام غائب، فكأنّه قد باعه ديناره الذي اشترى به الطعام بدينارين فهو ربا، ولأنه بيع غائب بناجز ولا يصحّ. (رأيت النّاس يُضْربون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا الطعام جزافًا) هذا أصل في ضرب المحتسب أهل الأسواق إذا خالفوا الحكم الشرعيّ في مبايعاتهم ومعاملاتهم. * * * [باب في الرّجل يقول في البيع: "لا خلابة "]

стр. 845

(لا خلابة) أي: لا خداع. (وفي عقدته ضعف) أي: في رأيه ونظره في مصالح نفسه. * * * [باب في العربان] (عن بيع العربان) بضمّ العين المهملة وسكون الرّاء، ويقال فيه عُربون

стр. 846

وعَرَبون، قيل سمّي بذلك لأن فيه إعرابًا لعقد البيع، أي: إصلاحًا وإزالة فساد لئلّا يملكه غيره باشترائه. * * * [باب في الرجل يبيع ما ليس عنده] (لا تبع ما ليس عندك) قال الخطّابي: يريد العين دون بيع الصّفة. (لا يحلّ سلف وبيع) مثل أن يقول أبيعك هذا العبد بألف على أن تسلفني ألفًا. (ولا شرطان في بيع) مثل بعتك هذا الثوب نقدًا بدينار ونسيئة بدينارين. (ولا ربح مما لم يضمن) هو أن يبيعه سلعة قد اشتراها ولم يكن قبضها فهي من ضمان البائع الأوّل ليس من ضمانه، فلا يجوز بيعها حتّى يقبضها فتكون من ضمانه. * * *

стр. 847

[باب في عهدة الرقيق] (عن الحسن عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: عهدة الرّقيق ثلاثة أيام) هذا قول أهل المدينة ابن (١) المسيب والزهري، وبه أخذ مالك، وضعّف أحمد بن حنبل الحديث وقال: لا يثبت في العهدة حديث، وقالوا: لم يسمع الحسن من عقبة بن عامر شيئًا، والحديث مشكوك فيه، فمرّة قال عن سمرة، ومرّة قال عن عقبة. * * * [باب فيمن اشترى عبدًا فاستعمله ثمّ وجد به عيبًا] (ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : الخراج بالضمان) قال في النهاية: يريد بالخراج ما حصل من غلّة العين المبتاعة عبدًا كان أو أمةً أو ملكًا، وذلك أن يشتريه فيستغلّه زمانًا ثمّ يعثر منه على عيب قديم لم يُطلعه البائع عليه أو لم يعرفه، فله ردّ العين المبيعة وأخذ الثمن ويكون للمشتري ما استغلّه لأنّ المبيع لو كان تلف في يده لكان في ضمانه ولم يكن له على البائع شيء.

стр. 848

والباء في "بالضمان" متعلّقة بمحذوف تقديره الخراج مستحقّ بالضمان أي بسببه. وقال الخطّابي: لفظ الحديث مبهم يحتمل أن يكون معناه أنّ ملك الخراج بضمان الأصل، ويحتمل أن يكون المعنى أنّ ضمان الخراج بضمان الأصل، واقتضاء العموم من اللّفظ المبهم ليس بالبيّن الجواز، والحديث في نفسه ليس بالقوي إلَّا أن أكثر العلماء استعملوه في البيوع، والأحوط أن يتوقّف عنه فيما سواه. قال البخاري: "هذا حديث منكر ولا أعرف لمخلد بن خفاف غير هذا الحديث". وقال الزركشي في القواعد: هو حديث صحيح، ومعناه: ما خرج من الشيء من عين أو منفعة أو غلّة فهو للمشتري عوض ما كان عليه من ضمان الملك، فإنّه لو تلف المبيع كان من ضمانه فالغلّة له، ليكون الغُنم في مقابلة الغُرم، وقد ذكروا على هذا (التقرير) (١) سؤالين؛ أحدهما: أنّه لو كان الخراج في مقابلة الضمان (لكان الزائد) (٢) قبل القبض للبائع، تمّ العقد أو انفسخ، إذ لا ضمان حينئذٍ ولم يقل أحد بذلك؟ وأجيب بأنّ الخراج يعلّل قبل القبض بالملك وبعده بالضمان والملك جميعًا، واقتصر في الحديث على التعليل بالضمان لأنّه أظهر عند البائع وأقطع لطلبه، واستبعاده أن الخراج للمشتري يبذله (٣) أنّ الغنم في مقابلة الغرم. الثاني: لو كانت العلّة بالضمان لزم أن تكون الزوائد للغاصب لأنّ ضمانه أشدّ من ضمان غيره، ومتى كانت العلة أشدّ كان الحكم فيها أولى، وبهذا احتجّ لأبي حنيفة في أنّ الغاصب لا يضمن منافع المغصوب، وأجيب بوجهين، أحدهما أنّه ﷺ قضى في ذلك بضمان الملك وجعل الخراج لمن هو مالكه إذا تلِف تلف على ملكه وهو المشتري، والغاصب لا يملك المغصوب، والثاني أنّ

стр. 849

الخراج هو المنافع، جعلها لمن عليه الضمان ولا خلاف أنّ الغاصب لا يملك المنافع بل إذا أتلفها فالخلاف في ضمانها عليه ولا يتناول موضع الخلاف، وهذا جواب الشافعي. وقال في التّخريج: هذا الحديث صحّحه الترمذي وابن حبّان، والحاكم وابن القطّان، والمنذري والذهبي، وضغفه البخاري وأبو حاتم وابن حزم، وقال البخاري: لا أعرف لمخلد بن خفاف غير هذا الحديث، وكذا قال الترمذي: لا يعرف بغير هذا الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: لم يروه عن مخلد غير ابن أبي ذئب وليس هذا إسناد تقوم بمثله الحجّة، وقال الأزجي (١): مخلد بن خفاف ضعيف لكن وثّقه محمد بن وضّاح، وقال ابن عدي: كنّا نظنّ أن هذا الحديث لم يروه عن مخلد غير ابن أبي ذئب فيما ذكره البخاري، حتى وجدناه من رواية يزيد بن عياض عن مخلد. (فاقتويته) بالقاف والمثناة الفوقية، قال الخطّابي: معناه: استخدمته. قال الزمخشري: هو افعلّ من القَتْو الخِدْمة كارعَوى من الرَّعْوى، قال: إلَّا أن فيه نظرًا لأنّ افعلّ لم يجئ متعديًا، قال: والذي سمعته اقتوى إذا صار خادمًا، قال: ويجوز أن يكون معناه افتعل من الاقتواء بمعنى الاستخلاص، فكنى به عن الاستخدام لأنّ من اقتوى عبدًا لا بد أن

стр. 850

يستخدمه، يقال اقتويت من فلان الغلام الذي كان بيننا أي اشتريت حضته، وإذا كانت السّلعة بين رجلين فقوّماها بثمن فهما في المقاواة سواء، فإذا اشتراها أحدهما فهو المقتوي دون صاحبه، ولا يكون الاقتواء في السلعة إلَّا بين الشركاء، قيل أصله من القوّة لأنّه بلوغ بالسّلعة أقوى ثمنها. * * * [باب إذا اختلف البيّعان والمبيع قائم] (أو يتتاركان) قال الخطّابي: معناه أو يتفاسخان العقد. * * * [باب في الشّفعة]

стр. 851

(في كلّ شرك) بكسر أوّله وسكون الرّاء، هو الاسم من الشركة، يقال شركته في الأمر أَشرَكُهُ شِركة. (ربعة) قال الخطابي: الربعة والربع المنزل الذي يربع به الإنسان ويتوطّنه، يقال هذا ربع وهذا ربعة، كما قالوا دار ودارة. وقال في النهاية: الربعة أخصّ من الرّبع. (أو حائط) هو البستان. (الجار أحقّ بسقبه) قال الخطّابي وابن الأثير: السقب بالسّين والصاد في الأصل القرب، يقال: سقبت الدار وأسقبت أي: قربت، ويحتجّ بهذا الحديث من أوجب الشفعة للجار وإن لم يكن مقاسمًا، أي: أنّ الجار أحقّ بالشفعة من الذي ليس بجار، ومن لم يثبتها للجار تأوّل الجار على الشريك، فإنّ الشريك يسمّى جارًا، ويحتمل أن يكون أراد أنّه أحقّ بالبرّ والمعونة وما في معناهما بسبب قربه من جاره، كما في الحديث الآخر أنّ رجلًا قال يا رسول الله إنّ لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا"، فإنّ الحديث ليس فيه ذكر الشفعة. (انتهى) (١)، وعن الأصمعي أنّه سئل عن معنى هذا الحديث فقال: لا أدري، ولكن العرب تزعم أنّ السقب اللّزيق.

стр. 852

(جار الدّار أحقّ بدار الجار) هذا نوع من أنواع البديع يسمى العكس والتبديل، وهو تقديم جزء على جزء ثمّ تأخير المقدّم وتقديم المؤخرّ، كقولهم عادات السّادات سادات العادات، وقولي: كلام الإمام إمام الكلام، وقد قلت: وللعكس والتبديل أمثلة أتت ... وأفصحها ما في حديث رويناه فقد جاء جار الدار في لفظ مسند ... أحق بدار الجار فيما حويناه (١) * * * [باب في الرّجل يفلس فيجد متاعه بعينه عنده] (أيّما رجل أفلس) الحديث قال الخطابي: إذا صحّ وثبت عن رسول الله ﷺ فليس إلَّا التسليم له، وكلّ حديث أصل برأسه ومعتبر بحكمه في نفسه، فلا يجوز أن يعترض عليه بسائر الأصول المخالفة له، أو يتذرّع إلى إبطاله بعدم النظير له وقلّة الأشباه في نوعه، وههنا أحكام خاصّة وردت بها أحاديث فصارت أصولًا، كحديث الجنين، وحديث القسامة، والمصرّاة.

стр. 853

(أسوة الغرماء) بكسر الهمزة وضمّها وهي القدوة. * * * [باب فيمن أحيا حسيرًا] (بمهلك) هو موضع الهلاك. * * * [باب في الرّهن]

стр. 854

(وعلى الذي يركب ويحلب النّفقة) تأوّله الشافعي على الرّاهن، وأحمد بن حنبل على المرتهن. * * * [باب في الرجل يأكل من مال ولده] (وإنّ والدي يجتاح مالي) أي: يستأصله، قال الخطابي: ويشبه أن يكون ذلك إنّما هو بسبب النفقة عليه وأنّ مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير لا يسعه عفو ماله والفضل منه إلَّا بأن يجتاح أصله ويأتي عليه، فلم يعذره النبي ﷺ ولم يرخّص له في ترك النفقة، وقال له: (أنت ومالك لوالدك) على معنى أنّه إذا احتاج إلى مالك أخذ منه قدر الحاجة كما يأخذ من مال نفسه، فأمّا أن يكون أراد به إباحة ماله بحيث يجتاحه ويأتي عليه لا على هذا الوجه، فلا أعلم أحدًا ذهب إليه من الفقهاء. * * * [باب في الرجل يجد عين ماله عند رجل]

стр. 855

(من وجد عين ماله عند رجل فهو أحقّ به ويتّبع البيّع من باعه) قال الخطّابي: هذا في المغصوب والمسروق ونحوهما. انتهى. و"البيّع" بالتشديد يطلق على البائع والمشتري، والمراد هنا المشتري. * * * [باب في الرجل يأخذ حقّه من تحت يده] (ممسك) أي: بخيل. * * * [باب في قبول الهدية]

стр. 856

(عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "وايم الله لا أقبل بعد يومي هذا من أحد هدية إلّا أن يكون مهاجرًا قرشيًّا أو أنصاريًّا أو دوسيًّا أو ثقفيًّا) قال الخطّابي: قال ذلك لمّا أهدى له أعرابي فأثابه فلم يرض. قلت: أخرج أحمد عن أبي هريرة أنّ أعرابيًّا أهدى إلى رسول الله ﷺ بكرة فعوّضه منها ستّ بكرات فتسخّطه، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: "إن فلانًا أهدى إليّ ناقة وهي ناقتي أعرفها كما أعرف بعض أهلي ذهبت منّي يوم زغابات (١)، فعوّضته منها ستّ بكرات فظلّ ساخطا، لقد هممت أن لا أقبل هديّة إلَّا من قرشيّ أو أنصاريّ أو ثقفيّ أو دوسيّ". * * * [باب في الرّجل يفضّل بعض ولده في النِّحل]

стр. 857

(نحلًا) بضمّ النّون وسكون الحاء المهملة، العطيّة. (نحلة) بكسر النّون، العطيّة. (تلجئة) بالجيم، قال في النهاية: تفعلة من الإلجاء، كأنّه قد ألجأك إلى أن تأتي أمرًأ باطنه خلاف ظاهره، وأحوجك إلى أن تفعل فعلًا تكرهه. (فأشهد على هذا غيري) قال القضاعي (١): من خصائصه ﷺ أنه لا يشهد على جور. * * * [باب في عطيّة المرأة بغير إذن زوجها] (لا يجوز لامرأة عطيّة إلا بإذن زوجها) قال الخطّابي: أخذ به مالك، وهو عند أكثر العلماء على معنى حسن العشرة واستطابة نفس الزوج.

стр. 858

وقال البيهقي في سننه: قال الشافعي في هذا الحديث: سمعناه وليس بثابت ولزمنا أن نقول به والقرآن يدل على خلافه، ثمّ السنَّة، ثمّ الأثر ثمّ المعقول. قال: وقد يمكن أن يكون هذا في موضع الاختيار (١)، كما قيل ليس لها أن تصوم وزوجها حاضر إلَّا بإذنه فإن فعلت فصومها جائز، وإن خرجت بغير إذنه فباعت فجائز، وقد أعتقت ميمونة قبل أن يعلم النبي ﷺ فلم يعب ذلك عليها، فدلّ هذا مع غيره على أنّ قول النبي ﷺ إن كان قاله، أدب واختيار لها، هذا كلام الإمام الشافعي. قال البيهقي: الطريق في هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح، ومن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثبات هذا، إلَّا أنّ الأحاديث المعارضة له أصحّ إسنادًا، وفيها وفي الآيات التي احتجّ بها الشافعي دلالة على نفوذ تصرّفها في مالها دون الزّوج، فيكون حديث عمرو بن شعيب محمولًا على الأدب والاختيار كما أشار إليه الشافعي. * * * [باب في تضمين العارية] (والمنحة مردودة) قال الخطّابي: هي ما يمنحه الرّجل صاحبه من

стр. 859

أرض يزرعها مدّة ثمّ يردّها، أو شاة يشرب درّها ثمّ يردّها، أو شجرة يأكل ثمرتها، وجملتها أنّها (تملّك) (١) المنفعة دون الرقبة، وهي في معنى العواري وحكمها الضمان كالعارية. (والزعيم غارم) قال في النهاية: الزعيم الكفيل، والغارم الضامن. * * * [باب فيمن أفسد شيئًا يغرم مثله] (القصعة) بفتح القاف.

стр. 860

(أفكل) قال الخطّابي: هي الرِعدة، وقال في النهاية: هو بالفتح الرِعدة من برد أو خوف، ولا يبنى منه فعل، وهمزته زائدة، (ووزنه أفعله) (١). * * * [باب المواشي تفسد زرع قوم] (ناقة ضارية) قال في النهاية: المواشي الضارية المعتادة لرعي زرع الناس.

стр. 861

كتاب الأقضية [باب في طلب القضاء] (من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين) قال الخطّابي وابن الأثير: معناه التحذير من طلب القضاء والحرص عليه، يقول من تصدّى للقضاء وتولّاه فقد تعرّض للذبح، فليحذره وليتوقّه. والذّبح هنا مجاز عن الهلاك فإنّه من أسرع أسبابه، وقوله: (بغير سكين) يحتمل وجهين؛ أحدهما: أنّ الذبح في العُرف إنّما يكون بالسكين، فعدل عنه ليعلم أن الذي أراده عنّ بهذا القول إنّما هو ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه، والثّاني: أنّ الذبح الوَجْءُ الذي يقع به إزهاق النفس وإراحة الذبيحة وخلاصها من طول الألم وشدّة العذاب، إنّما يكون بالسكين لأنّه يمور في حلق المذبوح ويمضي في مذابحه فيجهز عليه، وإذا ذبح بغير سكين كان ذبحه خنقًا وتعذيبًا، فضرب به المثل ليكون أبلغ في الحذر من الوقوع فيه وأشدّ في التوقّي منه. * * *

стр. 862

[باب في القاضي يُخْطئ] (وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر (واحد)) (١) قال الخطّابي وغيره: فيه أنّ ليس كلّ مجتهد مصيبًا وإلّا لم يكن لهذا التقسيم معنى، وإنما يعطي هذا أنّ كل مجتهد معذور لا غير، وهذا فيمن كان جامعًا لآلة الاجتهاد، وأمّا غيره فمتكلّف لا يعذر بالخطأ بل يخاف عليه أعظم الوزر، وفي الفروع المحتملة للوجوه المختلفة، دون الأصول التي هي أركان الشريعة وأمّهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه، ولا مدخل فيها للتأويل، فإن من أخطأ فيها كان غير معذور في الخطأ. انتهى. وقال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام: فإن قيل كيف يجمع بين هذا الحديث وبين قولنا كل مجتهد مصيب، فإنّه قد أثبت الخطأ للمجتهد؟ فالجواب: إن الحديث مطلق فيحمل على الوقائع، مثاله إذا حكم بقتل زيد لأنّه قتل عمرا بشاهدي زور والحاكم لا يعلمهما، فإنّه لم يطابق حكمه ما في نفس الأمر، إذ الذي في نفس الأمر أنّه لم يقتل، فيكون له أجر واحد لأنّه امتثل أمر الله تعالى في الحكم، بغلبة الظنّ، فلو كان

стр. 863

الشاهدان عبدين وكانا صادقين كان له أجر تنفيذ الحكم وتحصيل مصلحة نصر المظلوم. * * * [باب في كراهية الرشوة] (الرّاشي) هو المعطي للرّشوة (والمرتشي) هو الآخذ لها. * * * [باب في هدايا العمّال] (مخيطًا) هو بالكسر، الإبرة. * * *

стр. 864

[باب في قضاء القاضي إذا أخطأ] (إنّما أنا بشر وإنّكم تختصمون إليَّ) الحديث، هذا في أوّل الأمر لمّا أمر رسول الله ﷺ أن يحكم بالظّاهر ويَكِل سرائر الخلق إلى الله تعالى كسائر الأنبياء، ثمّ خصّ بخصّيصة عنهم، وأذن له أن يحكم بالباطن أيضًا، وأن يقتل (١) بعلمه، خصوصية انفرد بها عن سائر الخلق بالإجماع، قال القرطبي: أجمعت الأمّة عن بكرة أبيهم على أنه ليس لأحد أن يقتل بعلمه إلَّا النّبي ﷺ . (ألحن بحجّته) أي: أفطن لها وأعرف بها. (فمن قضيت له من حقّ أخيه بشيء) قال السبكي: هذه قضية شرطية لا تستدعي وجودها، بل معناها بيان أنّ ذلك جائز. قال: ولم يثبت لنا قط أنّه ﷺ حكم بحكم ثمّ بان خلافه لا بسبب تبيّن حجّة ولا بغيرها، وقد صان الله أحكام نبيه عن ذلك مع أنّه لو وقع لم يكن فيه محذور.

стр. 865

(وتوخّيا الحقّ) أي: اقصداه فيما تصنعانه من القسمة. (ثمّ استهما) قال الخطّابي: معناه اقترعا. زاد في النهاية: يعني ليظهر سهم كل واحد منكما. * * * [باب اجتهاد الرأي في القضاء] (حدّثنا حفص بن عمر عن شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ أنّ رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال كيف تقضي) الحديث هذا الحديث أورده الجوزقاني في الموضوعات وقال: "هذا

стр. 866

حديث باطل، رواه جماعة عن شعبة. وقد تصفّحت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصّغار، وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه، فلم أجد له طريقًا غير هذا، والحارث بن عمرو هذا مجهول وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون، ومثل هذا الإسناد لا يعتمد عليه في أصل من أصول الشريعة. فإن قيل: إن الفقهاء قاطبة أوردوه في كتبهم واعتمدوا عليه؟ قيل: هذا طريقه والخلف قلّد فيه السلف، فإن أظهروا طريقًا غير هذا ممّا يثبت عند أهل النقل رجعنا إلى قولهم، وهذا ممّا لا يمكنهم البتّة". انتهى. والحديث أخرجه الترمذي وقال: لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتّصل. وقال الحافظ جمال الدّين المزّي: الحارث بن عمرو لا يعرف إلَّا بهذا الحديث. وقال البخاري: لا يصحّ حديثه ولا يعرف. وقال الذّهبي في الميزان: تفرّد به أبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي عن الحارث، وما روى عن الحارث غير أبي عون، فهو مجهول. قلت: لكن الحديث له شواهد موقوفة عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وقد أخرجها البيهقي في سننه عقب تخريجه لهذا الحديث تقويةٌ له. (أجتهد رأيي) قال الخطابي: يريد الاجتهاد في ردّ القضية من طريق القياس إلى معنى الكتاب والسنة، ولم يرد الرّأي الذي يسنح له من قبل نفسه، أو يخطر بباله من غير أصل من كتاب أو سنَّة. (ولا آلو) أي: لا أقصّر في الاجتهاد، ولا أترك بلوغ الوسع فيه. * * *

стр. 867

[باب في الصلح] (المسلمون على شروطهم) زاد الترمذي والحاكم: "إلَّا شرطًا حرّم حلالًا أو أحلّ حرامًا"، و (للبيهقي) (١): "ما وافق الحقّ منها". (سجف) بكسر السّين المهملة وسكون الجيم، الستر، وقيل لا يسمّى سجفًا إلَّا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين.

стр. 868

[باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها] (ردغة الخبال) قال في النهاية: بفتح الرّاء وسكون الدّال المهملة وفتحها، وهي طين ووحل كثير، وجاء تفسيرها في الحديث أنّها عصارة أهل النار. [وقال في حرف الخاء: الخبال في الأصل الفساد، وجاء تفسيره في الحديث أنّ الخبال عصارة أهل النار] (١). قلت: فالإضافة في الحديث للبيان. * * * [باب من تردّ شهادته]

стр. 869

(ردّ شهادة الخائن والخائنة) قال أبو عبيد: لا نراه خصّ (١) به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم عليه، فإنّه قد سمّى ذلك كلّه أمانة، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾، فمن ضيع شيئًا ممّا أمر الله به أو ركب شيئًا ممّا نهى الله عنه فليس ينبغي أن يكون عدلًا. (وذي الغمر) بكسر الغين المعجمة أي: الحقد. * * * [باب شهادة البدوي على أهل الأمصار] (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية) أخذ به مالك، وقال البيهقي (٢): هذا يحتمل أن يكون ورد في الشهادة على الاعتبار وفيما يعتبر أن يكون الشاهد فيه من أهل الخبرة الباطنة. قال: وقال الخطابي فيما بلغني عنه: يشبه أن يكون إنّما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الذين والجهالة بأحكام الشريعة، لأنّهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها، ولا يقيمونها على حقّها، لقصور علمهم عمّا يحيلها ويغيرها عن جهتها. * * *

стр. 870

[باب شهادة أهل الذمّة وفي الوصية في السفر] (وعدي بن بدّاء) بفتح الموحّدة وتشديد الذال والمدّ. (مخوّصًا بالذهب) قال في النهاية: أي: عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل. * * * [باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به]

стр. 871

(عن عمارة بن خزيمة أنّ عمّه حدّثه) في طبقات ابن سعد قال الواقدي: لم يسمّ لنا أخو خزيمة بن ثابت (هذا الذي روى لنا هذا الحديث) (١)، وكان له أخوان يقال لأحدهما: وحوح، والآخر: عبد الله. (ابتاع فرسًا من أعرابي) اسمه سواء بن قيس المحاربي، واسم الفرس المرتجز، قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر قال: سألت محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حَثمَة عن المرتجز فقال: هو الفرس الذي اشتراه رسول الله ﷺ من الأعرابي الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت، وكان الأعرابي من بني مرّة. (فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي ﷺ (ابتاعها) (٢)) زاد ابن سعد في الطبقات: "حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به رسول الله ﷺ فلما زاده نادى الأعرابي. (فقال أو ليس قد ابتعته منك) زاد ابن سعد: فقال الأعرابي لا والله ما بعتكه، فقال رسول الله ﷺ بلى قد ابتعته منك، فطفق الناس يلوذون برسول الله ﷺ وبالأعرابي وهما يتراجعان فمن جاء من المسلمين قال (٣) للأعرابي ويلك إنّ رسول الله ﷺ لم يكن ليقل إلَّا حقًّا.

стр. 872

(فقال بم تشهد؟ ) زاد ابن سعد: "ولم تكن معنا". (فقال بتصديقك يا رسول الله) زاد ابن سعد: "أنا أصدّقك بخبر السماء ولا أصدّق بما تقول"، وفي لفظ: "قال: لأنّي أعلم أنّك لا تقول إلَّا حقًّا، قد أمنّاك على أفضل من ذلك، على ديننا". (فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة (شهادة) (١) رجلين) قد حصل لذلك تأثير في مهمّ ديني وقع بعد وفاته ﷺ ، وذلك فيما روى ابن أبي شيبة (٢) في المصاحف عن الليث بن سعد قال: أوّل من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلَّا بشاهدي عدل، وإنّ آخر سورة براءة لم توجد إلَّا مع خزيمة بن ثابت، فقال: اكتبوها فإنّ رسول الله ﷺ جعل شهادته شهادة رجلين، فكتب، وإنّ عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنّه كان وحده. قال ابن الحاجب: من شروط القياس أن لا يكون حكم الأصل معدولًا به عن سنن القياس، كشهادة خزيمة. * * * [باب القضاء باليمين والشاهد]

стр. 873

(بركبة) بضمّ الرّاء وإسكان الكاف وفتح الباء الموحّدة، موضع بين غَمْرة وذات عرق. (وخضرمنا آذان النّعم) قال الخطابي: يقول: قطعنا أطراف آذانها وكان ذلك في الأموال علامة بين من أسلم وبين من لم يسلم. (ضلالة العمل) أي: بطلانه وضياعه. (ما رزيناكم عقالًا) قال الخطابي: اللّغة الفصيحة رزأناكم بالهمز، أي: ما أصبنا من أموالكم عقالًا.

стр. 874

(زربيّتي) قال في النهاية: الزربيّة الطنفسة، وقيل البساط ذو الخَمْل، وتكسر زاؤها وتفتح وتضمّ، وجمعها زرابي. انتهى. وهي بزاي ثمّ راء ساكنة ثمّ موحّدة مكسورة ثمّ مثناة تحتيّة مشدّدة مفتوحة، ثمّ تاء تأنيث. * * * [باب في الحبس في الدين وغيره] (ليّ الواجد) بفتح اللّام وتشديد الياء، أي: مطله. * * * [باب في القضاء] (إذا تدارأتم) أي: تنازعتم.

стр. 875

(عضد من نخل) بالعين المهملة والضاد المعجمة، قال الخطّابي: هكذا هو في رواية أبي داود، وإنّما هو عضيد، يريد نخلًا لم تبسق ولم تطل، قال الأصمعي: إذا صار للنخلة جذع يتناول منه المتناول فتلك النخلة العضيد وجمعه عضدات. وقال في النهاية: أراد بقوله "عضد" طريقة من النخل، وقيل إنّما هو عضيد، وإذا صار للنّخلة جذع يتناول منه فهو عضيد. (في شراج الحرّة) هي مجاري الماء التي يسيل منها، واحدها شرج وشرجة.

стр. 876

(الجدر) قال الخطّابي: هو مبلغ تمام الشرب، ومنه (جدر) (١) الحساب. وقال في النهاية: هو هنا المُسَنّاة، وهو ما رفع حول المزرعة كالجدار، وهو بفتح الجيم وسكون الدّال المهملة، وقيل هو لغة في الجدار، وقيل أصل الجدار، وروي الجدر بالضمّ جمع جدار، ويروى بالذال المعجمة يريد مبلغ جذر قلوب تمام الشرب من جذر الحساب وهو بالفتح والكسر، أصل كل شيء، وقيل أراد أصل الحائط، والمحفوظ بالدّال المهملة. انتهى. (مهزور) بتقديم الزاي على الرّاء، وادي بني قريظة.

стр. 877

كتاب العلم [باب الحثّ علي طلب العلم] (وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم) قال الخطابي: يتأوّل على وجوه؛ أحدها: أن يكون وضعها الأجنحة بمعنى التّواضع والخشوع تعظيمًا لحقِّه وتوقيرًا لعلمه، كقوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾،

стр. 878

وقيل: وضع الجناح معناه الكفّ عن الطيران للنّزول عنده، وقيل: معناه: بسط الجناح وفرشها له تحمله عليها فتبلغه حيث يقصده من البقاع في طلبه، ومعناه المعونة وتيسير السعي له في طلب العلم. وقال في النهاية: أي: تضعها لتكون وِطاء له إذا مشى، وقيل: هو بمعنى التواضع له تعظيمًا لحقّه، وقيل: أراد بوضع الأجنحة نزولهم عند مجالس العلم وترك الطيران، وقيل: أراد به إظلالهم بها. وروى الحافظ عبد القادر الرّهاوي بسنده إلى الطبراني قال: سمعت زكريا بن يحيى السّاجي قال: كنّا نمشي في بعض أزقّة البصرة إلى دار بعض المحدّثين فأسرعنا المشي، وكان معنا رجل ماجِن متّهم في دينه، فقال: أرفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها، كالمستهزئ، فما زال من موضعه حتّى جفت (١) رجلاه وسقط. قال الرهاوي: إسناد هذه الحكاية كالأخذ باليد و (كرأي) (٢) عين لأن روّاتها أعلام وراويها إمام. (وإنّ العالم ليستغفر له من في السّماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء) قال الخطابي: قال بعض العلماء: إن الله سبحانه قد قيّض للحيتان وغيرها من أنواع الحيوان بالعلم وعلى ألسنة العلماء أنواعًا من المنافع والمصالح والإرفاق، فهم الذين بيّنوا الحكم فيما يحل ويحرم منها، وأرشدوا إلى المصلحة في بابها، وواصَوا بالإحسان إليها ونفي الضّرر عنها، فألهمها الاستغفار للعلماء مجازاة على حسن صنيعهم بها وشفقتهم عليها. (وافر) أي: كثير.

стр. 879

(ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) قال في النّهاية: أي: من أخّره عمله السيء أو تفريطه في العمل الصالح، لم ينفعه في الآخرة شرف النّسب، يقال: بطأ به وأبطأ به بمعنى. * * * [باب رواية حديث أهل الكتاب] (حذقته) بذال معجمة وقاف، أي: عرفته وأتقنته. * * * [باب الكلام في كتاب الله بغير علم] (من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ) قال البيهقي: إن صحّ، أراد والله أعلم الرأي الذي يغلب على القلب من غير دليل قام عليه، وأمّا الذي يشدّه برهان فالقول به جائز.

стр. 880

وقال في المدخل: في هذا الحديث نظر، وإن صحّ فإنّما أراد به والله أعلم فقد أخطأ الطريق فسبيله أن يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللّغة، وفي معرفة ناسخه ومنسوخه وسبب نزوله، وما يحتاج فيه إلى بيانه إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا تنزيله، وأدّوا إلينا من السنن ما يكون بيانًا لكتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فما ورد بيانه عن صاحب الشرع ففيه كفاية عن فكرة من بعده، وما لم يرد عنه بيانه ففيه حينئذٍ فكرة أهل العلم بعده، ليستدلّوا بما ورد بيانه على ما لم يرد. قال: وقد يكون المراد به من قال فيه برأيه من غير معرفة منه بأصول العلم وفروعه، فتكون موافقته للصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة. وقال الماوردي: قد حمل بعض المتورّعة هذا الحديث على ظاهره وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده ولو صحبها الشواهد ولم يعارض شواهدها نصّ صريح، وهذا عدول عمّا تعبّدنا بمعرفته من النّظر في القرآن واستنباط الأحكام منه، كما قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، ولو صحّ ما ذهب إليه لم يعلم شيء بالاستنباط، ولما فهم الأكثر من كتاب الله شيئًا، وإن صحّ الحديث فتأويله أنّ من تكلّم في القرآن بمجرّد رأيه ولم يعرّج على سوى لفظه وأصاب الحق، فقد أخطأ الطريق وإصابته اتّفاق إذ الفرض أنّه مجرّد رأي (لا) (١) شاهد له. انتهى. * * * [باب في سرد الحَديث]
следующие страницы →