(لا تؤخّر الصّلاة لطعام ولا لغيره) قال الخطّابي: وجه الجمع بينه وبين الحديث الذي قبله: "فابدؤوا بالعشاء" (١) أنّ ذاك فيمن كان شديد التّوقان إليه فيذهب خشوعه، وهذا في غيره.
قلت: الحديث أخرجه البيهقي في سننه بلفظ: "كان لا يؤخّر الصلاة لطعام ولا لغيره"، وأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: "لم يكن يؤخّر صلاة المغرب لعشاء ولا لغيره".
* * *
[باب ما جاء في الأكل متّكئا]
(لا آكل متّكئًا) قال الخطّابي: يحسب أكثر العامّة أنّ المتّكئ هو المائل المعتمد على أحد شقّيه، وليس معنى الحديث ذلك، وإنّما المتّكئ ههنا هو المعتمد على الوِطاء الذي تحته، وكلّ من استوى قاعدًا على وطاء فهو متّكئ.
* * *
[باب ما جاء في الأكل من أعلى الصحفة]
стр. 912
(جثى) بجيم ومثلّثة أي: جلس على ركبتيه.
* * *
[باب في أكل اللحم]
(ثنا سعيد بن منصور ثنا أبو معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تقطعوا اللّحم بالسكين فإنّه من صنيع الأعاجم") هذا الحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات و (قال) (١): قال أحمد: ليس بصحيح، وقد كان النبي ﷺ يجتزّ من لحم الشاة، وأبو معشر ليس بشيء. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان وقال: تفرّد به أبو معشر المدني وليس بالقويّ، قال: وقد روينا عن عمرو بن أميّة الضمري أنّه رأى رسول الله ﷺ يجتزّ من كتف شاة في يده فدعي إلى الصلاة فألقاها والسكّين التي كان يجتزّ بها ثمّ قام فصلّى ولم يتوضّأ، قال: فيحتمل إن صحّ حديث أبي معشر، أن يكون هذا في لحم لم ينعم نضجه،
стр. 913
وحديث أبي معشر في لحم قد تكامل نضجه، وعلى أن ذلك يكون أطيب كما في حديث صفوان بن أمية - يعني الذي أورده المصنف بعد هذا -.
قلت: وقد ورد مثل حديث عائشة هذا من حديث أمّ سلمة، أخرجه الطبراني وغيره، وقد سقت طرقه في مختصر الموضوعات.
(وانهسوه) بالسّين المهملة، وهو أخذ اللّحم بالفم من على العظم.
(العُراق) بضمّ العين، جمع عرق بالسّكون، وهو العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم، قال في النّهاية: هو جمع نادر.
* * *
[باب في أكل الدّباء]
(الدّبّاء) قال في النهاية: بوزن فُعَّال وهو القرع، واحده دُبّاءة.
* * *
стр. 914
[باب في كراهية التّقذّر للطعام]
(لا يتحلّجنّ (١) في نفسك (٢) شيء ضارعت فيه النصرانيّة) قال الخطّابي: أي: لا يقعنّ في نفسك ريبة منه، وأصله من الحلج وهو الحركة والاضطراب، ومنه حلج القطن، والمضارعة المقاربة في الشبه.
وقال في النهاية: هو بالحاء ثمّ الجيم، أي: لا يدخل قلبك منه شيء فإنّه نظيف، فلا ترتابنّ فيه. قال: ويُروى بالخاء المعجمة وهو بمعناه، أي: لا يتحرّك فيه شيء من الريبة والشكّ، وأصل الحلج بالمهملة والاختلاج بالمعجمة الحركة (٣) والاضطراب.
* * *
[باب في أكل الأرنب]
стр. 915
(غلامًا حزوّرًا) بفتح الحاء المهملة والزاي والواو المشدّدة وراء، قال في الصّحاح: هو الغلام إذا اشتدّ وقوي وخدم. وقال يعقوب: هو الذي كاد يُدْرك ولم يفْعل.
(فاصّدت) (١) بتشديد الصاد، أي اصطدت فأدغم الطاء في الصاد.
* * *
[باب في أكل الضبّ]
(وأضبًّا) جمع ضبّ.
(محنوذ) أي: مشويّ.
стр. 916
(أعافه) أي: أقذره وأتكرّهه.
(عن ثابت بن وديعة) قال البيهقي في سننه: قيل وديعة أمّه واسم أبيه يزيد.
(إنّ أمّة من بني إسرائيل مسخت دوابّ في الأرض) الحديث قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام: كيف يجمع بين هذا الحديث وبين ما ورد أنّ الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام، وأنّه لا يعقّب؟
والجواب: أنّه ﷺ كان يخبر بأشياء مجملة ثمّ تبيّن له، كما قال في الدجّال: "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه"، ثمّ أعلم بعد ذلك أنّه لا يخرج إلّا في آخر الزمان قبل نزول عيسى، فأخبر أصحابه بذلك على وجهه، فكذلك هذا أعلم ﷺ بالمسخ ولم يعلم بأنّ المسخ لا يعيش ولا يعقّب فكان في الظنّ والحساب على حسب القرائن الظاهرة.
* * *
[باب في أكل حشرات الأرض]
стр. 917
(فلم أسمع لحشرة الأرض تحريمًا) بفتحات، قال الخطّابي: هي صغار دوابّ الأرض كاليرابيع والضباب والقنافذ ونحوها، قال: وليس في قوله دليل على أنّها مباحة لجواز أن يكون غيره قد سمعه.
(القنفذ) بضمّ القاف والفاء بينهما نون ساكنة آخره ذال معجمة.
* * *
[باب النهي عن أكل السباع]
стр. 918
(حظائرهم) بالحاء المهملة والظاء المعجمة جمع حظيرة، وهي ما يحوط على الزّرع.
* * *
[باب في أكل لحوم الحمر الأهلية]
(جوالّ القرية)، قال الخطّابي: هي التي تأكل الجلّة.
* * *
[باب في أكل الطافي من السمك]
стр. 919
(أو جزر عنه) بجيم ثمّ زاي ثمّ راء، أي انكشف عنه الماء وذهب، والجزر رجوع الماء إلى خلف.
(وطفا) بطاء مهملة وفاء.
* * *
[باب في المضطرّ إلى الميتة]
(فنفقت) بفاء مفتوحة وقاف، أي ماتت.
* * *
стр. 920
[باب في أكل الثوم]
(وأتي ببدر) أي: طبق، سمّي بدرًا لاستدارته.
(من تفل) بمثناة وفاء.
стр. 921
(فإذا أنا معصوب) قال في النهاية: كان من عادتهم إذا جاع أحدهم أن يشدّ جوفه بعصابة وربّما جعل تحتها حجرًا.
* * *
[باب في الجمع بين لونين في الأكل]
(عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يأكل الطبيخ) (١) قال الخطّابي: لغة في البطّيخ.
(بالرّطب) للطّبراني من حديث أنس "كان يأخذ الرّطب بيمينه والبطّيخ بيساره فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحبّ الفاكهة إليه".
قال ابن القيم في الهدي: في البطّيخ عدّة أحاديث لا يصحّ منها شيء غير هذا الحديث الواحد، قال: والمراد به الأخضر وهو بارد رطب فيه جلاء، وهو أسرع انحدارًا على المعدة من القثاء والخيار، وهو سريع الاستحالة إلى أيّ خلط صادفه، وإذا كان آكله محرورًا انتفع به جدًّا.
* * *
стр. 922
[باب في الأكل في آنية أهل الكتاب]
(فارحضوها) براء وحاء مهملة وضاد معجمة، أي: اغسلوها.
* * *
[باب في دواب البحر]
стр. 923
(الخبط) ورق الشجر يضرب بالعصا فيسقط.
* * *
[باب في اللقمة تسقط]
(أن نسلت الصحفة) هو تتبّع ما يبقى فيها من الطعام ومسحها بالأصبع ونحوه.
* * *
[باب في الخادم يأكل مع المولى]
(فإن كان الطعام مشفوهًا) بشين معجمة وفاء، قال الخطّابي: أي: قليلًا، وقيل له: مشفوه لكثرة الشفاه التي تجتمع على أكله.
стр. 924
قال في النهاية: أصله الماء الذي كثرت عليها الشفاه حتى قلَّ، قال: وقيل أراد فإن كان مكثورًا عليه، أي: كثرت أكلته.
(فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين) بضمّ الهمزة، أي: لقمة أو لقمتين.
* * *
[باب ما يقول الرجل إذا طعم]
(غير مكفيّ) قال في النهاية: هو من المهموز، أي غير مردود ولا مقلوب، والضمير راجع إلى الطعام، وقيل مكفيّ من الكفاية فيكون من المعتلّ، يعني أنّ الله هو المطعم والكافي وهو غير مطعم ولا مكفيّ، فيكون الضمير راجعًا إلى الله تعالى. وقوله: (ولا مودّع) أي: غير متروك الطلب إليه والرغبة فيما عنده، وقوله: (ربّنا)، على الأوّل منصوب على النداء، وعلى الثاني مرفوع على الابتداء المؤخّر أي ربّنا غير مكفيّ ولا مودّع، ويجوز أن يكون الكلام راجعًا إلى الحمد كأنّه قال: حمدًا كثيرًا غير مكفيّ ولا مستغنى عنه، أي: عن الحمد. انتهى.
* * *
[باب في غسل اليد من الطعام]
стр. 925
(من بات (١) وفي يده غمر) بفتح الغين المعجمة والميم وراء، أي: دسم وزهومة من اللّحم.
(فأصابه شيء فلا يلومنّ إلّا نفسه) قال بعضهم أي: لدغ عقرب ونحوها، وقال الحافظ أبو الفضل العراقي: ورد في بعض طرق الحديث "فأصابه لمَم"، وفي بعضها "فأصابه خبل"، وفي بعضها: "فأصابه وضح".
* * *
стр. 926
كتاب الطب
[باب في الرّجل يتداوى]
(كأنّما على رؤوسهم الطير) قال في النهاية: وصفهم بالسكون والوقار وأنّهم لم يكن فيهم طيش ولا خفّة لأنّ الطير لا تكاد تقع إلّا على شيء ساكن.
* * *
[باب في الحمية]
стр. 927
(عن أمّ المنذر) قال الطّبراني: يقال: اسمها سلمى.
(وعليّ ناقه) بالقاف المكسورة، يقال نقه المريض ينقه فهو ناقه إذا برأ وأفاق فكان قريب العهد بالمرض، لم يرجع إليه كمال صحّته وقوّته.
(دوالي) جمع دالية، وهي العذق من البُسْر يعلّق فإذا أرطب أُكل.
(مه) اسم فعل مبني على السكون بمعنى كف.
* * *
[باب في الحجامة]
(ولا وجعًا في رجليه إلّا قال: اخضبهما) زاد البخاري في تاريخه "بالحنّاء".
* * *
стр. 928
[باب متى تستحبّ الحجامة]
(أبو بكرة بكّار بن عبد العزيز أخبرتني عمتي كيّسة بنت أبي بكرة أنّ أباها كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء ويزعم عن رسول الله ﷺ أنّ يوم الثلاثاء يوم الدّم وفيه ساعة لا يرقأ) بالهمز، أي: لا ينقطع ولا يسكن، وهذا الحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وقد تعقّبته فيما تعقبته عليه، وبكّار بن عبد العزيز استشهد به البخاري في صحيحه، وروى له في الأدب، وقال ابن معين: صالح، وقال ابن عديّ: أرجو أنّه لا بأس به وهو ممّن يكتب حديثه. و (كيّسة) ضبطها الحافظان الذهبي وابن حجر في المشتبه بمثنّاة تحتية ثقيلة وبسين مهملة، قال في الميزان: تفرّد عنها ابن أخيها بكار.
(من وثي) يقال: وثيت رجلي، أي: أصابها وهن دون الخلع والكسر.
* * *
[باب في الكيّ]
стр. 929
(عن عمران بن حصين قال: نهى النبي ﷺ عن الكيّ) وفي الحديث الذي يليه (عن جابر أنّ النبي ﷺ كوى سعد بن معاذ) قال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام في الجمع بينهما. الكيّ تارة يكون عند قيام أسبابه والدّاعى إليه، فهذا يترجّح فعله على تركه لما فيه من نفي الضّرر عن المكويّ، وتارة يكون مع عدم تحقّق أسبابه كما يحكى عن التُرك أنّهم يفعلون ذلك ليزعجوا الطبيعة فلا يصل الداء إلى الجسد، فهذا يرجّح تركه على فعله لما فيه من الضرر العظيم العاجل مع إمكان الاكتفاء بغيره، فهذا هو المنهيّ عنه.
* * *
[باب في السعوط]
(استعط) من السعوط بالفتح، وهو ما يجعل من الدّواء في الأنف.
* * *
[باب في النّشرة]
стр. 930
(سئل (١) عن النّشرة فقال: هو من عمل الشيطان) قال الخطّابي وابن الأثير: النّشرة بالضمّ ضرب من الرقية والعلاج، يعالج به من كان يظنّ به مسّ من الجن، سمّيت نشرة لأنّه ينشر بها عنه، أي يحلّ ما خامره من الداء.
ثمّ روى (٢) بسنده عن الحسن قال: النشرة من السحر.
* * *
[باب في الترياق]
(ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقًا) قال في النّهاية: إنّما كرهه من أجل ما فيه من لحوم الأفاعي والخمر وهي حرام نجسة، والترياق أنواع فإذا لم يكن فيه شيء من ذلك فلا بأس به، وقيل الحديث مطلق فالأولى اجتنابه كلّه. انتهى.
(تميمة) قال الخطّابي: يقال: إنّها خرزة كانوا يتعلّقونها، يرون أنّها تدفع عنهم الآفات.
стр. 931
وقال في النهاية: كانت العرب تعلّقها على أولادهم يتّقون بها العين في زعمهم.
* * *
[باب في الأدوية المكروهة]
(نهى (١) عن الدواء الخبيث) زاد في رواية الترمذي: "يعنى السّم"، وقال الخطّابي: قد يكون خبثه من وجهين؛ أحدهما: لنجاسة كالخمر ولحوم الحيوان التي لا تُؤكل والأرواث والأبوال، إلّا ما خصّته السنة من أبوال الإبل، وسبيل السّنن أن يقرّ كلّ شيء منها موضعه (٢) وأن لا يضرب بعضها ببعض. والثاني: من جهة الطعم والمذاق ولا ينكر أن يكون كره ذلك لما فيه من المشقّة على الطباع وكراهة النفوس لها.
(سأل النبي ﷺ عن الخمر فنهاه، ثمّ سأله فنهاه، فقال (٣): يا
стр. 932
نبي الله، إنّها دواء، قال (١): لا ولكنها داء) قال الخطّابي: استعمل لفظ الدّاء في الإثم كما استعمله في العيب في قوله: "وأي داء أدوى من البخل"، فنقلها عن أمر الدنيا إلى أمر الآخرة، وحوّلها عن باب الطبيعة إلى باب الشّريعة، وهذا كقوله في الرّقوب: "هو الذي لم يمت له ولد"، ومعلوم أنّ الرّقوب في كلام العرب هو الذي لا يعيش له ولد، وكقوله في الصّرعة وفي المفلس، فكل هذا على معنى ضرب المثل وتحويله عن أمر الدنيا.
وقال الشيخ تقي الدّين السبكي. كلّ ما يقول الأطبّاء وغيرهم في الخمر من المنافع فهو شيء كان عند شهادة القرآن بأنّ فيها منافع للناس قبل تحريمها، وأمّا بعد نزول آية التحريم فإنّ الله الخالق لكلّ شيء سلبها المنافع جملة فليس فيها شيء من المنافع. قال: وبهذا تسقط مسألة التّدواي بالخمر، وعلى هذا يدلّ قوله ﷺ : "لم يجعل شفاء أمّتي فيما حرّم عليها".
(ولا تداووا بحرام) قال البيهقي في سننه: هذا الحديث وحديث النهي عن الدواء الخبيث إن صحّا، محمولان على النهي عن التّداوي بالمسكر أو على التداوي بكلّ حرام في غير حال الضّرورة، ليكون جمعًا بينهما وبين حديث العرنيين.
* * *
стр. 933
[باب في تمرة العجوة]
(مفؤود) (هو) (ا) الذي أصيب فؤاده.
(الحارث بن كلدة) بفتح الكاف واللّام.
(فليجأهنّ بنواهنّ) قال الخطّابي: يريد ليرضهنّ، والوجيئة حساء يتّخذ من التمر والدقيق فيتحسّاه المريض.
وقال في النهاية: تمر يبلّ بلبن أو سمن ثمّ يدقّ حتى يلتئم.
(ثمّ ليلُدّك بهنّ) قال الخطابي: من اللّدود، وهو ما يسقاه الإنسان في أحد جانبي الفم.
(من تصبّح) أي: أكل صباحًا قبل أن يطعم شيئًا (بسبع تمرات عجوة) يجوز فيه الإضافة وتركها، فالأوّل إضافة عام إلى خاص كثياب خزّ، ومن
стр. 934
لم يضف نوّن وجرّ عجوة على أنّه عطف بيان، قال ابن مالك: ويجوز نصبه على التميز.
والعجوة نوع من التمر بالعالية، مكان قريب من المدينة.
(لم يضرّه ذلك اليوم سمّ ولا سحر) قال الخطّابي وغيره: ذلك ببركة دعوة النبي ﷺ لا لخاصية في التمر.
***
[باب في العلاق]
(أعلقت عليه من العذرة) قال في النهاية: الإعلاق معالجة عذرة الصبي، وهي بالضمّ وإعجام الذال، وجع في حلقه وورم يهيج من الدم تدفعه أمه بإصبعها أو غيرها، وقيل هي قرحة تخرج في (١) الحزم الذي بين الأنف والحلق، يعرض للصبيان عند طلوع العذرة، فتعمد المرأة إلى خرقة فتفتلها فتلًا شديدًا وتدخلها في أنفه فتطعن ذلك الموضع فينفجر منه دم أسود وربّما أقرحه، وذلك الطعن يسمى الدغر، يقال: دغرت المرأة الصبي إذا غمزت حلقه من العذرة، أو فعلت به ذلك، وكانوا بعد ذلك يعلّقون عليه علاقًا كالعُوَذة. قال: وقولنا عند طلوع العذرة هي خمسة كواكب تَحْت الشِّعْرى العَبُور وتسمّى العَذارى، وتطلع في وسط الحرّ.
стр. 935
وقولها: "من العذرة" أي من أجلها، وحقيقة أعلقت عنه (١) أزلت عنه العلوق وهي الدّاهية. قال الخطابي: المحدّثون يقولون أعلقت عليه، وإنّما هو أعلقت عنه أي دفعت عنه ومعنى أعلقت عليه أوردت عليه العلوق أي ما عَذَّبَتْه به من دغرها، ومنه قولهم أعلقت عليّ إذا أدخلت يدي في حلقي أتقيّأ.
(علام تدغرن أولادكنّ) بدال مهملة وغين معجمة وراء (بهذا العلاق) قال في النهاية: المعروف الإعلاق، وهو مصدر أعْلَقْت، فإن كان العلاق الاسم فيجوز. وقال الخطابي: قال الأصمعي: الإعلاق أن ترفع العذرة باليد، وقال ابن الأعرابي: معنى أعلقت عنه، دفعت عنه العذرة بالإصبع ونحوها.
(عليك (٢) بهذا العود الهندي) فسّره أبو داود بالقُسط.
(يسعط من العذرة) بأن يحكّ على حجر (٣) بالماء، وقد حصل هذا المرض لولدي وألحّ به، فأرادوا أن يغمزوا حلقه على طريقة النساء فمنعتهم من ذلك تمسّكًا بالحديث، واستعملت له القسط فشفي منه سريعًا ولم يعاوده بعد ذلك، ووصفته لجماعة فبرؤوا منه مصداق قول المصطفى ﷺ .
***
[باب في الغيل]
стр. 936
(لا تقتلوا أولادكم سرّا فإنّ الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه) قال الخطّابي: معناه يصرعه ويسقطه، يقول ﷺ إنّ المرضع إذا جومعت فحملت، فسد لبنها ونهك الولد إذا اغتدى بذلك اللبن فبقي (١) ضاويًا، فإذا صار رجلًا وركب الخيل فركضها أدركه ضعف الغيل فزال وسقط عن متونها، فكان ذلك كالقتل له إلَّا أنّه سرّ لا يرى ولا يشعر به.
***
[باب في تعليق التمائم]
(إنّ الرقى) قال الخطّابي: المراد ما كان بغير لسان العرب فلا يفهم معناه، ولعلّه قد يكون سحرًا أو نحوه من المحظور، ولا يدخل في هذا التعوّذ بالقرآن.
(والتمائم) جمع تميمة (والتولة) بكسر المثنّاة الفوقيّة وفتح الواو بوزن عنبة، ما يحبّب المرأة إلى زوجها من السّحر (شرك) قال في النهاية:
стр. 937
جعله من الشرك لاعتقادهم أنّ ذلك يؤثّر ويفعل خلاف ما قدّره الله تعالى.
وقال البيهقي في سننه: هذا يرجع معناه إلى ما قاله أبو عبيد إنّما أراد عبد الله بالرّقى والتمائم ما كان بغير لسان العربية ممّا لا يُدرى ما هو، قال: والتميمة يقال إنّها خرزة كانوا يتعلّقونها يرون أنّها تدفع عنهم الآفات، ويقال قلادة تعلّق فيها العوذ. قال: وقد يحتمل أن يكون ذلك وما أشبهه من النهي والكراهية فيمن يعلّقها وهو يرى تمام العافية وزوال العلّة منها، على ما كان أهل الجاهلية يصنعون، فأمّا من يعلّقها تبرّكًا بذكر الله فيها وهو يعلم أن لا كاشف إلَّا الله ولا دافع عنه سواه فلا بأس به إن شاء الله. ثمّ أخرج عن عائشة ﵂ أنّها قالت: التمائم ما علق قبل نزول البلاء وما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة، وعن سعيد بن جبير أنّه كان يكتب لابنه المعاذة، وعن سعيد بن المسيب أنّه كان يأمر بتعليق القرآن وقال لا بأس به. قال البيهقي: وهذا كلّه يرجع إلى ما قلناه من أنّه (إن) (١) رقى، أو على ما كان عليه أهل الجاهلية من إضافة العافية إلى الرّقى، لم يجز، وإن رقى بكتاب الله أو بما يعرف من ذكر الله متبرّكًا به وهو يرى الشفاء من الله تعالى فلا بأس به. قال: والقول فيما يكره من النشرة وفيما لا يكره كالقول في الرّقية. انتهى.
(لا رقية إلّا من عين أو حمة) بضمّ الحاء وتخفيف الميم، قال في النهاية: وقد تشدّد وأنكره الأزهري، وهي السمّ، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة لأنّ السمّ منها يخرج، وأصلها حُمَوٌ وحُمَي بوزن صُرَد، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة أو الياء.
стр. 938
وقال الخطّابي: الحمة سمّ ذوات السموم، وقد تسمّى إبرة العقرب والزنبور حمة لأنّها مجرى السمّ. قال: وليس في هذا نفي جواز الرقية في غيرهما من الأمراض والأوجاع لورود الرقية في ذلك، وإنّما معناه لا رقية أولى وأنفع من رقية هذين، كما قيل لا فتى إلَّا علي، ولا سيف إلَّا ذو الفقار.
وقال البيهقي (١): معناه أنّهما أولى بالرّقى لما فيهما من زيادة الضّرر.
***
[باب ما جاء في الرّقى]
(عن الشّفاء) بكسر الشّين وتخفيف الفاء والمدّ.
(ألا تعلّمين هذه رقية النّملة) قال الخطّابي: هي قروح تخرج في الجنبين (٢)، ويقال إنّها قد تخرج في غير الجنب (٣) ترقى فتذهب بإذن الله تعالى.
وقال في النهاية: قيل إنّ هذا من لغز الكلام ومزاحه، كقوله للعجوز "لا يدخل الجنة عجوز"، وذلك أنّ رقية النملة شيء كانت تستعمله النّساء
стр. 939
يعلم كلّ من سمعه أنّه كلام لا يضرّ ولا ينفع، ورقية النملة التي كانت تعرف بينهنّ أن يقال: العروس تحتفل، وتختضب وتكتحل، وكلّ شيء تفتعل، غير أن لا تعصي الرّجل، فأراد ﵇ تأديب حفصةّ لأنّه ألقى إليها سرًّا فأفشته.
(إلّا في نفس) أي: عين.
(أو لدغة) بدال مهملة وغين معجمة.
***
[باب كيف الرّقى]
(لا يغادر) أي: لا يترك.
стр. 940
(حوبنا) هو الإثم.
***
[باب في النجوم]
(من اقتبس) أي: تعلّم.
(علمًا من النّجوم اقتبس شعبة من السّحر) قال الخطّابي: علم النجوم المنهيّ عنه هو ما يدّعيه أهل التّنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع، كمجيء الأمطار وتغيّر الأسعار، فأمّا ما يعلم به أوقات الصلاة وجِهة القبلة فغير داخل فيما نهى عنه.
стр. 941
(في إثْر سماء) أي: مطر.
***
[باب في الخطّ وزجر الطير]
(العيافة) قال أبو عبيد: هي زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرّها، وكان من عادة (١) العرب كثيرًا.
(والطّرق) قال في النهاية: هو الضرب بالحصا الذي تفعله النساء، وقيل هو الخطّ في الرمل (٢).
(من الجبت) قال في الصّحاح: هو كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك - وأورد الحديث - قال: وليس من محض العربية لاجتماع (٣) الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذَولقيّ.
***
стр. 942
[باب في الطّيرة]
(" الطّيرة شرك" ثلاثًا "وما منّا إلّا ولكنّ الله يذهبه بالتّوكّل) قال الخطّابي: معناه وما منّا إلَّا من قد يعتريه التطيّر ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه، فحذف اختصارًا للكلام واعتمادا على فهم السامع، وقال محمد بن إسماعيل: كان سليمان بن حرب ينكر هذا ويقول هذا الحرف ليس قول رسول الله ﷺ وكأنّه قول ابن مسعود.
وقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة: قوله (١): "وما منّا" إلى آخره، مدرج في الحديث ليس من كلام النبي ﷺ ، قاله (٢) بعض الحفّاظ وهو الصواب.
قلت: وهذا الحذف يسمّى في البديع بالاكتفاء.
قال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام: والفرق بين الطّيرة والتطيّر أنّ التطيّر هو الظنّ السيّء الذي في القلب، والطيرة هو الفعل المرتّب على الظنّ السيّء.
وقال البيهقي في شعب الإيمان. التّطيّر زجر الطير وإزعاجها عن أوكارها عند إرادة الخروج للحاجة، حتى إذا مرّت على اليمين تفاءل به ومضى على وجهه، وإن مرّت على الشمال تفاءل (٣) به ورجع وقعد، وهذا من فعل أهل الجاهلية الذين كانوا يوجبون ذلك ولا يضيفون التدبير إلى الله.
стр. 943
وقوله: "الطيرة شرك" يريد على ما كان أهل الجاهلية يعتقدون فيها، وقوله: "وما منّا إلَّا" يقال: هذا من قول عبد الله بن مسعود وليس من قول النبي ﷺ ، وقوله "وما منّا إلَّا" يريد وما منّا إلَّا وقع في قلبه شيء عند ذلك على ما جرت به العادة وقضت به التجارب، لكنه لا يقرّ فيه بل يحسن اعتقاده أن لا مدبّر سوى الله فيسأل الله الخير ويستعيذ به من الشرّ، ويمضي على وجهه متوكّلًا على الله تعالى. انتهى.
(لا عدوى) قال الخطّابي: يريد أنّ شيئًا لا يعدي شيئًا حتى يكون الضّرر من قبله، وإنّما هو بتقدير الله وسابق قضائه فيه.
(ولا صفر) حكى أبو عبد الله (١) عن رؤبة بن الحجّاج أنّه سئل عن الصفر فقال: هو حيّة تكون في البطن تصيب الماشية والناس، قال: وهي أعدى من الجرب. قال أبو عبد الله: فأبطل النبي ﷺ أنّها تعدي.
стр. 944
(لا يوردنّ ممرض على مصحّ) قال الخطّابي وابن الأثير: الممرض الدْي له إبل مرضى، والمصحّ صاحب الصّحاح منها، فنهى الممرض أن يسقي إبله مع إبل المصحّ، لا لأجل العدوى، ولكن الصّحاح ربّما عرض لها مرض فوقع في نفس صاحبها أنّ ذلك من قبل العدوى فيفتنه ويشكّكه، فأمر باجتنابه والبعد عنه، وقد يحتمل أن يكون ذلك من قبل الماء والمرعى تستوبئه الماشية فتمرض، فإذا شاركها غيرها في ذلك أصابه مثل ذلك الداء، فكانوا لجهلهم يسمّونه عدوى وإنّما هو فعل الله تعالى.
(ولا نوء) قال أبو عبيد: إنّما (١) غلّظ النبي ﷺ في أمر الأنواء لأنّ العرب كانت تنسب المطر إليها، وكانوا يقولون إنّ مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر وينسبونه إليها، والأنواء ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كلّ ليلة في منزلة منها ويسقط في الغرب (٢) كلّ ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر وتطلع أخرى مقابلها ذلك الوقت في الشرق فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة.
(لا غول) قال في النّهاية: الغول أحد الغيلان وهي جنس من الجنّ والشياطين كانت العرب تزعم أنّ الغول في الفلاة تترآى للناس فتتغوّل تغوّلًا
стр. 945
أي: تتلوّن تلوّنا في صور شتى وتغولهم أي: تضلّهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه وأبطله، وقيل: ليس نفيًا لعين الغول ووجوده وإنّما فيه إبطال زعم العرب في تلوّنه بالصّور المختلفة واغتياله، فيكون معنى "لا غول" أنّها لا تستطيع أن تضلّ أحدًا ولا تقدر على ذلك إلَّا بإذن الله تعالى، وبهذا جزم الخطّابي.
(ولا طيرة) قال ابن القيم في مفتاح دار السّعادة: (و) (١) هذا يحتمل أن يكون نفيًا وأن يكون نهيًا، أي: لا تتطيّروا، ولكن قوله في الحديث: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة" يدل على أنّ المراد النفي وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها، والنفي في هذا أبلغ من النهي لأنّ النفي يدلّ على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنّما يدلّ على المنع منه.
(وبعجبني الفأل) بالهمز.
(والفأل الصالح الكلمة الحسنة) هو من تتمّة الحديث المرفوع وليس مدرجًا، صرّح بذلك الخطابي وابن الأثير، قال الخطّابي: قد أعلم النبي ﷺ أنّ الفأل هو أن يسمع الإنسان الكلمة الحسنة فيتفاءل بها أي يتبرّك بها ويتأوّلها على المعنى الذي يطابق اسمها، وأنّ الطيرة بخلافها وإنّما أخذت من اسم الطير وذلك أنّ العرب كانت تتشاءم ببروح الطير إذا كانوا في سفر أو سير فيصدّهم ذلك عن السير ويردّهم عن بلوغ ما يمّموه من مقاصدهم، فأبطل ﷺ أن يكون لشيء منها تأثير في اختلاف ضرر أو نفع، واستحبّ الفأل بالكلمة الحسنة يسمعها من ناحية حسن الظنّ بالله .
ثمّ روى عن الأصمعي قال: سألت ابن عون عن الفأل قال: هو أن يكون مريضًا فتسمع يا سالم، أو يكون طالبًا فتسمع يا واجد.
стр. 946
قال في النهاية: فيقع في ظنّه أنّه يبرأ من مرضه ويجد ضالّته، قال وإنّما أحبّ ﷺ الفأل لأنّ الناس إذا أمِلوا فائدة الله ورجوا عائدته عند كلّ سبب ضعيف أو قويّ، فهم على خير ولو غلطوا في جهة الرّجاء، فإنّ الرّجاء لهم خير، فإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشرّ، وأمّا الطيرة فإنّ فيها سوء الظنّ بالله وتوقع البلاء.
(ذكرت الطّيرة عند النبي ﷺ فقال: أحسنها الفأل) قال في النهاية: جاءت الطّيرة بمعنى الجنس، والفأل بمعنى النوع.
(عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ سمع كلمة فأعجبته فقال: أخذنا فألك من فيك) رواه أبو نعيم في الطب من حديث كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جدّه أنّ النبي ﷺ سمع رجلًا يقول هاكها خضرة، فقال النبي ﷺ : "يا لبيك نحن أخذنا فألك من فيك اخرجوا بنا إلى خضرة"، فخرجوا إليها فما سلّ فيها سيف.
стр. 947
(الشؤم في الدّار والمرأة والفرس) قال الخطّابي: قيل إنّ شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها، وشؤم المرأة أن لا تلد. وقال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام: في هذا الحديث إشكال لأنّه إن أراد التشاؤم فالواقع أنّ الناس يتشاءمون بهذه وغيرها، وإن أراد بالشؤم ما اشتملت عليه هذه الأشياء من المفاسد فيصير معنى الكلام إنّما المفاسد في هذه الأشياء، وهذا الحصر مشكل لأنّ غالب ما في الدنيا قد اشتمل على مفسدة ولو بوجه ما، وإذا كان كذلك فلا يمكن الحصر حينئذٍ في الثلاثة؟
قال: والجواب أنّ المراد التشاؤم بها وهو القسم الأوّل في السؤال، وذلك لأنّ التشاؤم يعقبه الضّرر الذي يخافه المتطيّر، فتارة يعقبه لأنّ التشاؤم سبب عادي فلذلك ترتّب عليه، وتارة يعقبه عقوبة لتطير المتشائم فإنّ التطيّر ظنّ، وقد قال الربّ : "أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء" وروي: "فليظنّ بي خيرًا"، فأجرى الله عادته أن يعاقب من أساء الظنّ به بالمفسدة التي وقع التطيّر بها، فالضّرر يصل إلى المتطيّر في هذه الثلاث لأنّ التطيّر سبب، أو لأنّ سوء الظنّ سبب، وأمّا في غيرها فلسبب واحد وهو سوء الظنّ، فالحصر إنّما ورد على سبب التطيّر لا أنّها منحصرة في هذه الثلاث دون غيرها.
стр. 948
(أرض أبين) قال في النهاية: هو بوزن أبيض، رجل من حمير أقام بها فأضيفت إليه.
(دعها عنك فإنّ من القرف التّلف) قال الخطّابي: قال القتبي: القرف مداناة الوباء ومداناة المرض، والتلف الهلاك، قال: وليس هذا من باب العدوى وإنّما هو من باب الطب، فإنّ استصلاح الأهوية من أعون الأشياء على صحّة الأبدان، وفساد الهواء (١) من أضرّها وأسرعها إلى أسقام الأبدان عند الأطبّاء.
(ذروها ذميمة) قال في النّهاية: أي اتركوها مذمومة، فعيلة بمعنى مفعولة، وإنّما أمرهم بالتحوّل عنها إبطالًا لما وقع في نفوسهم من أنّ المكروه إنّما أصابهم بسبب سكنى الدار فإذا تحوّلوا عنها انقطعت مادة ذلك الوهم وزال ما خامرهم من الشبهة.
*******
стр. 949
كتاب العتق
[باب في المكاتب يؤدّي بعض كتابته فيعجز أو يموت]
(سفيان عن الزهري عن نبهان مكاتب لأمّ (١) سلمة قال: سمعت أمّ سلمة تقول: قال لنا رسول الله ﷺ : إذا كان لإحداكنّ مكاتب فكان عنده ما يؤدّي فلتحتجب منه) قال البيهقي في سننه: قال الشافعي في القديم: لم أحفظ عن سفيان أنّ الزهري سمعه من نبهان، ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبت هذا الحديث. قال البيهقي: قد رواه معمر عن الزهري قال: "حدّثني نبهان"، فذكر سماع الزهري من نبهان إلَّا أنّ البخاري ومسلمًا لم يخرجا حديثه في الصحيح، وكأنّه لم يثبت عدالته عندهما، أو لم تخرج من حدّ الجهالة برواية عدل عنه، وقد رواه غير الزهري عنه إن كان محفوظًا، وهو في ما رواه قبيصة عن محمد بن عبد الرّحمن مولى آل طلحة عن مكاتب مولى أمّ سلمة يقال له نبهان فذكر هذا الحديث، هكذا قاله ابن
стр. 950
خزيمة عن قبيصة، وذكر محمد بن يحيى الذهلي أنّ محمد بن عبد الرّحمن مولى آل طلحة روى عن الزهري قال: كان لأمّ سلمة مكاتب يقال له: نبهان، ورواه عن محمد بن يوسف عن سفيان عنه فعاد الحديث إلى رواية الزهري. قال الشافعي: وقد يجوز أن يكون أمر رسول الله ﷺ أمّ سلمة كان أمرها بالحجاب من مكاتبها إذا كان عنده ما يؤدّي، على ما عظّم الله به أزواج رسول الله ﷺ وخصّصهنّ به وفرّق بين وبين النساء في الحجاب، ويكون قوله ﷺ إن كان قاله: "إذا كان لإحداكنّ" يعني أزواجه خاصّة، وقد أمر رسول الله ﷺ سودة أن تحتجب من رجل قضى أنّه أخوها. وقال أبو العبّاس بن سريج (١) في معناه: هذا (التحرك) (٢) احتجابهنّ عنه على تعجيل الأداء والمصير إلى الحريّة، ولا يترك ذلك من أجل دخوله عليهنّ.
ثمّ أخرج البيهقي من طريق ابن وهب قال أخبرني ابن سمعان عن ابن شهاب أنّ أمّ سلمة قالت لنبهان مكاتب لها: إنّ رسول الله ﷺ قال لنا: إذا كاتبت إحداكنّ عبدها فليرها ما بقي عليه شيء من كتابته، فإذا أقضاها فلا يكلمن إلَّا من وراء حجاب. قال البيهقي: هكذا أورده عبد الله بن زياد بن سمعان، وهو ضعيف ورواية الثقات عن الزهري بخلافه. انتهى.
***
[باب في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة]