قال في النهاية: فيقع في ظنّه أنّه يبرأ من مرضه ويجد ضالّته، قال وإنّما أحبّ ﷺ الفأل لأنّ الناس إذا أمِلوا فائدة الله ورجوا عائدته عند كلّ سبب ضعيف أو قويّ، فهم على خير ولو غلطوا في جهة الرّجاء، فإنّ الرّجاء لهم خير، فإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشرّ، وأمّا الطيرة فإنّ فيها سوء الظنّ بالله وتوقع البلاء.
(ذكرت الطّيرة عند النبي ﷺ فقال: أحسنها الفأل) قال في النهاية: جاءت الطّيرة بمعنى الجنس، والفأل بمعنى النوع.
(عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ سمع كلمة فأعجبته فقال: أخذنا فألك من فيك) رواه أبو نعيم في الطب من حديث كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جدّه أنّ النبي ﷺ سمع رجلًا يقول هاكها خضرة، فقال النبي ﷺ : "يا لبيك نحن أخذنا فألك من فيك اخرجوا بنا إلى خضرة"، فخرجوا إليها فما سلّ فيها سيف.
стр. 947
(الشؤم في الدّار والمرأة والفرس) قال الخطّابي: قيل إنّ شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها، وشؤم المرأة أن لا تلد. وقال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام: في هذا الحديث إشكال لأنّه إن أراد التشاؤم فالواقع أنّ الناس يتشاءمون بهذه وغيرها، وإن أراد بالشؤم ما اشتملت عليه هذه الأشياء من المفاسد فيصير معنى الكلام إنّما المفاسد في هذه الأشياء، وهذا الحصر مشكل لأنّ غالب ما في الدنيا قد اشتمل على مفسدة ولو بوجه ما، وإذا كان كذلك فلا يمكن الحصر حينئذٍ في الثلاثة؟
قال: والجواب أنّ المراد التشاؤم بها وهو القسم الأوّل في السؤال، وذلك لأنّ التشاؤم يعقبه الضّرر الذي يخافه المتطيّر، فتارة يعقبه لأنّ التشاؤم سبب عادي فلذلك ترتّب عليه، وتارة يعقبه عقوبة لتطير المتشائم فإنّ التطيّر ظنّ، وقد قال الربّ : "أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء" وروي: "فليظنّ بي خيرًا"، فأجرى الله عادته أن يعاقب من أساء الظنّ به بالمفسدة التي وقع التطيّر بها، فالضّرر يصل إلى المتطيّر في هذه الثلاث لأنّ التطيّر سبب، أو لأنّ سوء الظنّ سبب، وأمّا في غيرها فلسبب واحد وهو سوء الظنّ، فالحصر إنّما ورد على سبب التطيّر لا أنّها منحصرة في هذه الثلاث دون غيرها.
стр. 948
(أرض أبين) قال في النهاية: هو بوزن أبيض، رجل من حمير أقام بها فأضيفت إليه.
(دعها عنك فإنّ من القرف التّلف) قال الخطّابي: قال القتبي: القرف مداناة الوباء ومداناة المرض، والتلف الهلاك، قال: وليس هذا من باب العدوى وإنّما هو من باب الطب، فإنّ استصلاح الأهوية من أعون الأشياء على صحّة الأبدان، وفساد الهواء (١) من أضرّها وأسرعها إلى أسقام الأبدان عند الأطبّاء.
(ذروها ذميمة) قال في النّهاية: أي اتركوها مذمومة، فعيلة بمعنى مفعولة، وإنّما أمرهم بالتحوّل عنها إبطالًا لما وقع في نفوسهم من أنّ المكروه إنّما أصابهم بسبب سكنى الدار فإذا تحوّلوا عنها انقطعت مادة ذلك الوهم وزال ما خامرهم من الشبهة.
*******
стр. 949
كتاب العتق
[باب في المكاتب يؤدّي بعض كتابته فيعجز أو يموت]
(سفيان عن الزهري عن نبهان مكاتب لأمّ (١) سلمة قال: سمعت أمّ سلمة تقول: قال لنا رسول الله ﷺ : إذا كان لإحداكنّ مكاتب فكان عنده ما يؤدّي فلتحتجب منه) قال البيهقي في سننه: قال الشافعي في القديم: لم أحفظ عن سفيان أنّ الزهري سمعه من نبهان، ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبت هذا الحديث. قال البيهقي: قد رواه معمر عن الزهري قال: "حدّثني نبهان"، فذكر سماع الزهري من نبهان إلَّا أنّ البخاري ومسلمًا لم يخرجا حديثه في الصحيح، وكأنّه لم يثبت عدالته عندهما، أو لم تخرج من حدّ الجهالة برواية عدل عنه، وقد رواه غير الزهري عنه إن كان محفوظًا، وهو في ما رواه قبيصة عن محمد بن عبد الرّحمن مولى آل طلحة عن مكاتب مولى أمّ سلمة يقال له نبهان فذكر هذا الحديث، هكذا قاله ابن
стр. 950
خزيمة عن قبيصة، وذكر محمد بن يحيى الذهلي أنّ محمد بن عبد الرّحمن مولى آل طلحة روى عن الزهري قال: كان لأمّ سلمة مكاتب يقال له: نبهان، ورواه عن محمد بن يوسف عن سفيان عنه فعاد الحديث إلى رواية الزهري. قال الشافعي: وقد يجوز أن يكون أمر رسول الله ﷺ أمّ سلمة كان أمرها بالحجاب من مكاتبها إذا كان عنده ما يؤدّي، على ما عظّم الله به أزواج رسول الله ﷺ وخصّصهنّ به وفرّق بين وبين النساء في الحجاب، ويكون قوله ﷺ إن كان قاله: "إذا كان لإحداكنّ" يعني أزواجه خاصّة، وقد أمر رسول الله ﷺ سودة أن تحتجب من رجل قضى أنّه أخوها. وقال أبو العبّاس بن سريج (١) في معناه: هذا (التحرك) (٢) احتجابهنّ عنه على تعجيل الأداء والمصير إلى الحريّة، ولا يترك ذلك من أجل دخوله عليهنّ.
ثمّ أخرج البيهقي من طريق ابن وهب قال أخبرني ابن سمعان عن ابن شهاب أنّ أمّ سلمة قالت لنبهان مكاتب لها: إنّ رسول الله ﷺ قال لنا: إذا كاتبت إحداكنّ عبدها فليرها ما بقي عليه شيء من كتابته، فإذا أقضاها فلا يكلمن إلَّا من وراء حجاب. قال البيهقي: هكذا أورده عبد الله بن زياد بن سمعان، وهو ضعيف ورواية الثقات عن الزهري بخلافه. انتهى.
***
[باب في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة]
стр. 951
(ملّاحة) أي: مليحة، قال الخطّابي: فُعال (١) يجئ في النّعوت بمعنى التوكيد، فإذا شدّدوا كان أبلغ في التوكيد.
وقال في النهاية: أي: شديدة الملاحة.
***
[باب من ذكر السعاية في هذا الحديث] (٢)
стр. 952
(من أعتق شقصًا له أو شقيصًا له) كلاهما بمعنى، وهو النصيب في العين المشتركة من كلّ شيء.
***
[باب فيمن روى أنّه لا يُسْتَسعى]
(لا وكس ولا شطط) أي: لا نقص ولا جور.
***
[باب في عتق أمّهات الأولاد]
стр. 953
(بعنا أمّهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر فلمّا كان عمر نهانا فانتهينا) قال الحافظ: يحتمل أنّ ذلك كان مباحًا في العصر الأوّل ثمّ نهى النبي ﷺ عن ذلك قبل خروجه من الدّنيا ولم يعلم به أبو بكر، لأنّ ذلك لم يحدث في أيّامه لقصر مدّتها ولاشتغاله بأمر الدّين ومحاربة أهل الردّة واستصلاح أهل الدعوة، ثمّ بقي الأمر على ذلك في عصر عمر مدّة ثمّ نهى عنه حين بلغه ذلك عن رسول الله ﷺ .
***
[باب فيمن أعتق عبدًا وله مال]
(من أعتق عبدًا وله مال فمال العبد له) قال الخطّابي: هذا متأوّل على وجه الندب والاستحباب.
***
[باب في عتق ولد الزّنا]
стр. 954
(ولد الزّنا شرّ الثلاثة) قال الخطّابي: اختلف الناس في تأويل هذا الكلام، فذهب بعضهم إلى أنّ ذلك إنّما جاء في رجل بعينه كان موسومًا بالشرّ، وقال بعضهم: إنّما صار ولد الزنا شرًّا من والديه لأنّ الحدّ قد يقام عليهما فتكون العقوبة تمحيصًا لهم، وهذا في علم الله لا يدرى ما يصنع به وما يفعل في ذنوبه، وقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الكريم قال: كان أبو ولد الزنا يكثر أن يمرّ بالنبي ﷺ فيقولون هو رجل سوء يا رسول الله فيقول ﷺ : "هو شرّ الثلاثة"، يعني: الأب، قال: فحوّل الناس الولد شرّ الثلاثة، وكان ابن عمر إذا قيل ولد الزنا شرّ الثلاثة قال: هو خير الثلاثة.
قال الخطّابي: هذا الذي تأوّله عبد الكريم أمر مظنون لا يدرى ما صحّته، والذي جاء في الحديث إنّما هو ولد الزنا شرّ الثلاثة، فهو على ما قال رسول الله ﷺ وقد قال بعض أهل العلم: إنّه شرّ الثلاثة أصلًا وعنصرًا ونسبًا ومولدًا، وذلك أنّه خلق من ماء الزّاني والزانية وهو ماء خبيث، وقد روي: "العرق دسّاس"، فلا يؤمن أن يؤثّر ذلك الخبث فيه ويدبّ في عروقه فيحمله على الشرّ ويدعوه إلى الخبث، وقد قال تعالى في قصة مريم: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾، فقضوا بفساد الأصل على فساد الفرع، وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص في قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أنّه قال: "ولد الزّنا ممّن ذرأ لجهنّم"، وعن سعيد ابن جبير قال: "ولد الزّنا ذرئ لجهنّم"، وحكى ابن المنذر في كتاب الاختلاف عن أبي حنيفة أنّ من ابتاع غلامًا فوجده ولد الزنا كان له أن يردّه بالعيب، فأمّا قول ابن عمر إنّه خير الثلاثة، فإنّما وجهه أن لا إثم له في الذّنب الذي باشر والداه فهو خير منهما لبراءته من ذنبهما. انتهى.
وفي المستدرك من طريق عروة قال: بلغ عائشة أنّ أبا هريرة يقول إنّ رسول الله ﷺ قال: ولد الزنا شر الثلاثة، فقالت: رحم الله أبا هريرة أساء
стр. 955
سمعًا فأساء إجابة، لم يكن الحديث على هذا، إنّما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله ﷺ فقال: "من يعذرني من فلان"، فقيل: يا رسول الله، إنّه مع ما به ولد زنا، فقال: "هو شرّ الثّلاثة"، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
وفي سنن البيهقي من طريق زيد بن معاوية بن صالح قال: حدّثني السفر بن نسير الأسدي أنّ رسول الله ﷺ إنّما قال: ولد الزنا شرّ الثلاثة لأنّ أبويه أسلما ولم يسلم هو فقال رسول الله ﷺ : "هو شرّ الثلّاثة". قال البيهقي: "وهذا مرسل"، وفي مسند أحمد من طريق إبراهيم بن عبيد بن رفاعة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ولد الزّنا شرّ الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه"، وفي معجم الطّبراني من حديث ابن عبّاس مرفوعًا مثله، وفي سنن البيهقي عن الحسن قال: إنّما سمّي ولد الزّنا شرّ الثلاثة لأنّ أمّه قالت له لست لأبيك التي تدعى له فقتلها، فسمّي شرّ الثّلاثة.
***
[باب في ثواب العتق]
стр. 956
(عن الغريف بن الديلمي) قال الحاكم في المستدرك: غريف هذا لقب لعبد الله بن الدّيلمي.
(يعتق الله بكلّ عضو منه عضوًا من النّار) قال الخطّابي: كان بعض أهل العلم يستحبّ أن يكون العبد المعتق غير خصيّ لئلّا يكون ناقص العضو، ليكون المعتق قد نال الموعود في عتق أعضائه كلّها من النار.
******
стр. 957
كتاب الحروف (١)
[باب]
(كأيّن (٢) من آية) أي: كم من آية، وفيها لغات أشهرها كأيّ بالتّشديد، ومنها كائن بوزن قائم.
стр. 958
(فقال: لا تحسبنّ) بكسر السّين.
(ولم يقل لا تحسبَنّ) بفتحها.
(والعين بالعين) أي: بالرّفع.
(فقال (من ضعف)) أي: بضمّ الضاد.
(فبذلك فلتفرحوا) أي: بالمثنّاة الفوقيّة على الخطّاب.
(إنّه عمل) أي: بلفظ الماضي.
(غير صالح) بالنصب.
стр. 959
(وإنّ أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما) قال في النّهاية: أي: زادا وفَضَلا، يقال: أحسنت إليّ وأنعمت أي زدت على الإنعام، وقيل: معناه صارا إلى النعيم ودخلا فيه كما يقال أشمل إذا دخل في الشمال. انتهى وفي معنى قوله "وأنعما" (قال) (١): وأهل لذلك هما.
(حتى إذا فزّع عن قلوبهم) هو في نسختي بالزّاي والعين المهملة، ويحتمل أنّه بالراء والغين المعجمة، فإنّ أبا هريرة كان يقرأها كذلك.
стр. 960
(قراءة النبيّ ﷺ (بلى قد جاءتك)) بكسر الكاف.
(آياتي فكذّبت بها واستكبرت وكنت) بكسر التاء في الثلاثة.
(يقرؤها (فروح)) بضمّ الرّاء.
(فيومئذ لا يعذّب) بفتح الذال (ولا يوثق) بفتح الثاء.
(وأوّل من قرأها: ﴿ملك يوم الدين﴾ مروان) قال الحافظ عماد الدين بن كثير في تفسيره: مروان عنده علم بصحّة ما قرأه لم يطّلع عليه ابن شهاب، وقد روي من طرق متعدّدة أوردها ابن مردويه في تفسيره أنّ النبي ﷺ كان يقرأها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.
******
стр. 961
كتاب الحمّام
[باب النهي عن التّعرّي]
(يغتسل بالبراز) بالفتح، اسم للفضاء الواسع.
(إنّ الله حييّ ستّير) قال في النّهاية: فعيل بمعنى فاعل، أي من شأنه وإرادته حبّ الستر والصون.
***
[باب ما جاء في التّعرّي]
стр. 962
(إلى عرية الرّجل) قال في النهاية: يريد ما يعرى منه وينكشف، قال: والمشهور في الرّواية: "إلى عورة".
*****
стр. 963
كتاب اللّباس
[باب فيما يُدْعى لمن لبس ثوبا جديدا]
(أتي بكسوة فيها خميصة) قال الخطّابي: قال الأصمعي: هي ثياب تكون من خزّ أو صوف معلّمة.
زاد في النهاية: وقيل لا تسمّى خميصة إلَّا أن تكون سوداء معلّمة.
(قال ائتوني بأمّ خالد، فأتي بها فألبسها إيّاها) قال الشيخ تقيّ الدّين بن الصّلاح (١): من القُرب لبس الخرقة، وقد استخرج لها بعض المشايخ أَصلًا من هذا الحديث.
стр. 964
قلت: أشار بذلك إلى السّهروردي فإنّه ذكره في عوارف المعارف فقال: وأصل لبس الخرقة من السنَّة هذا الحديث، قال: ولبس الخرقة ارتباط بين الشيخ وبين المريد فيلبسه الخرقة إظهارًا للتصرّف فيه، فيكون لبس الخرقة علامة للتفويض والتسليم، ودخوله في حكم الشيخ دخوله في حكم الله وحكم رسوله، وإحياء سنة المبايعة مع رسول الله ﷺ . ثمّ قال: ولا خفاء بأنّ لبس الخرقة على الهيئة التي يعتمدها الشيوخ في هذا الزمان لم يكن في زمن رسول الله ﷺ ، وإنّما هو (من) (١) استحسان الشيوخ، ويد الشيخ في لبس الخرقة تنوب مناب يد رسول الله ﷺ . قال: وقد رأينا (٢) من الشيوخ (٣) من لا يلبس الخرقة ويسلك من غير لبسها، وكان طبقة من السلف الصالحين لا يعرفون الخرقة ولا يُلبسونها المريدين، فمن يلبسها فله مقصد صحيح وأصل في السنة وشاهد من الشرع، ومن لم يلبسها فله رأيه، وكلّ تصاريف المشايخ محمولة على السّداد والصّواب ولا تخلو عن نيّة صالحة. انتهى.
قلت: قد استنبطت للخرقة أصلًا أوضح من هذا الحديث، وهو ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من طريق عطاء الخرساني أنّ رجلًا أتى ابن عمر فسأله عن إرخاء طرف العمامة فقال له عبد الله: "إنّ رسول الله ﷺ بعث سرية وأمّر عليها عبد الرّحمن بن عوف، وعقد لواء وعلى عبد الرحمن بن عوف عمامة من كرابيس مصبوغة بسواد، فدعاه رسول الله ﷺ ، فحلّ عمامته ثمّ عمّمه بيده، وأفضل عمامته موضع أربعة أصابع أو نحو ذلك، فقال: "هكذا فاعتمّ فإنّه أحسن وأجمل"". فهذا أوضح في كونه أصلًا للبس الخرقة من وجهين؛ أحدهما: أنّ الصوفية إنّما يلبسون من يلبسونه طاقية على الرأس لا ثوبًا عامًا لجميع البدن، والثاني: أنّ حديث أمّ خالد في لباس (٤) غطاء وقسمة وكسوة، وهذا في الرأس تشريف، وهو
стр. 965
أنسب للبس الخرقة، ووجه ثالث: أن لبس الخرقة نوع من المبايعة كما أشار إليه السهروردي، وأمّ خالد كانت صغيرة لا تصلح للمبايعة، بخلاف حديث عبد الرّحمن بن عوف.
(وسناه في كلام الحبشة الحسن) قال في النهاية: وهي لغة.
***
[باب ما جاء في القميص]
(عن أسماء بنت يزيد قالت: كانت يد كمّ قميص رسول الله ﷺ إلى الرّصغ) بضمّ الرّاء وسكون الصاد المهملة وغين معجمة، لغة في الرسغ، وهو مفصل ما بين الكفّ والساعد، وهذا الحديث مخصوص بالقميص الذي كان يلبسه في السّفر، وكان يلبس في الحضر قميصًا من قطن فوق الكعبين وكمّاه مع الأصابع، كذا ورد في حديث رواه البيهقي في شعب الإيمان، وروى فيه عن علي أنّه كان يمدّ كمّ القميص حتى إذا بلغ الأصابع قطع ما فضل.
***
[باب في لبس الشّهرة]
стр. 966
(من لبس ثوب شهرة) قال في النّهاية: الشهرة ظهور الشيء في شُنْعة حتى يَشْهَره النّاس.
***
[باب في لبس الصّوف والشَّعر]
(مرط) هو كساء يؤتزر به (مرحّل) بالحاء المهملة، قال الخطّابي: هو الذي فيه خطوط، ويقال الذي فيه تصاوير رحل وما أشبهه.
وقال في النهاية: المرحّل الذي قد نقش فيه تصاوير الرِّحال.
стр. 967
[باب ما جاء في الخزّ]
(يستحلّون الحر) (١) قال في النّهاية: ذكره أبو موسى في حرف الحاء والرّاء وقال: الحر بتخفيف الرّاء: الفرج، ومنهم من يشدّد الرّاء وليس بجيّد. والمشهور في رواية هذا الحديث على اختلاف طرقه الخزّ بالخاء المعجمة والزاي، وهو ثياب الإبريسم معروف.
***
[باب ما جاء في لبس الحرير]
стр. 968
(حلّة سيراء) هي المضلّعة بالحرير.
(فأطرتها بين نسائي) أي: قسمتها بينهنّ بأن شققتها وجعلت لكلّ واحدة منهنّ شقّة، يقال طار لفلان في القسمة (بينهم) (١) كذا، أي صار له ووقع في حصته.
***
[باب من كرهه]
стр. 969
(عن لبس القسيّ) قال الخطّابي: يؤتى بها من مصر فيها حرير، ويقال إنّها منسوبة إلى بلاد يقال لها: القسّ (١) مفتوحة القاف مشدّدة السّين، ويقال: إنّها القزِّية أبدلوا الزاي سينا.
(مستقة من سندس) بضمّ الميم وسكون السّين المهملة ومثنّاة فوقيّة وقاف، قال الأصمعي: هي فروة طويلة الأكمام والجمع مساتق، وأصلها بالفارسية مسته (٢) فعرّبت.
قال الخطابي: ويشبه أن يكون هذه المستقة مكفّفة بالسندس، لأنّ نفس الفروة لا تكون سندسًا.
(فكأنّي أنظر إلى يديه تذبذبان) بذالين معجمتين وموحّدتين، قال الخطّابي: معناه تحرّكان وتضطربان، يريد الكمّين.
стр. 970
(لا أركب الأرجوان) قال الخطّابي: هو الأحمر، وأراد به المياثر الحُمر، وقد تتّخذ من ديباج وحرير.
(عن الوشر) بمعجمة وراء، وهو معالجة الأسنان بما يحدّدها ويرقّق أطرافها، تفعله المرأة المسنّة تتشبّه في ذلك بالشّواب الحديثات السنّ. (والوشم) هو أن يغرز الجلد بإبرة ثمّ يحشى كحلًا أو غيره من خضرة أو سواد.
(وعن مكامعة الرجل) قال ابن الأعرابي: المكامعة مضاجعة العُراة. (وركوب النمور) أي: جلودها، وهي السباع المعروفة، قال الخطّابي: قد يكون لما فيه من الزينة والخيلاء، أو لأنّه زيّ العجم، أو لأنّه غير مدبوغ لأنّه إنّما يراد لشعره، والشعر لا يقبل الدّباغ.
стр. 971
(ولبوس الخاتم إلّا لذي سلطان) قال الخطّابي: لأنّه حينئذٍ يكون زينة محضة لا لحاجة ولا لأرب غير الزينة.
وقال البيهقي: هذا النهي يحتمل أن يكون للتّنزيه، وقال الحليمي: معناه لذي سلطان ومن في معناه ممّن يحتاج إلى خاتم ليختم به كتبه وأمواله العامّة والطيبة (١) الذي ينفذها (٢) إلى الذي يتعدّى عليهم.
وقال الحافظ ابن حجر: في إسناده رجل مبهم، فلم يصحّ الحديث.
(نهى عن مياثر الأرجوان) قال في النهاية: جمع ميثرة بالكسر، وهي مِفْعَلة من الوَثارة بالمثلّثة، يقال وثر وثارة فهو وثير، أي وَطِيءٌ لَيّن، وأصلها موثرة فقلبت الواو ياء لكسرة الميم، وهي من مراكب العجم تعمل من حرير أو ديباج، والأرجوان صبغ أحمر ويتّخذ كالفراش الصغير ويحشى بقطن أو صوف، يجعلها الرّاكب تحته على الرّحال فوق الجمال، ويدخل فيه مياثر السّروج لأنّ النهي يشمل كلّ ميثرة حمراء سواء كانت على رحل أو سرج.
***
[باب الرّخصة في العَلَم وخيط الحرير]
стр. 972
(جبّة طيالسة) هي نوع من الثياب لها عَلَم.
(مكفوفة) أي: عمل على جيبها وكمّيها وفرجيها كفتان من حرير، وكفّة كلّ شيء بالضمّ طرّته (١) وحاشيته.
(المصمت) قال في النهاية: هو الذي جميعه حرير لا يخالطه قطن ولا غيره.
***
[باب في الحرير للنساء]
стр. 973
(إنّ هذين حرام على ذكور أمّتي) قال ابن مالك في شرح الكافية: أراد: استعمال هذين، فحذف الاستعمال وأقام هذين مقامه فأفرد الخبر.
وقال الخطّابي: هو إشارة إلى جنسهما لا إلى عينهما فقط.
***
[باب في الحمرة]
(ريطة) قال في النهاية: هي كلّ ملاءة ليست لفقين إنّما هي نسج واحد، وقيل: هو كلّ ثوب رقيق ليّن.
(مضرّجة) بضاد معجمة وراء وجيم، قال الخطّابي: المضرّج هو الذي ليس صبغه بالمشبّع التام، وإنّما هو لطخ علق به.
***
[باب في الهدب]
стр. 974
(هدبها) هو طرف الثوب ممّا يلي طرّته.
***
[باب في العمائم]
(سمعت عبد الرحمن بن عوف يقول: عمّمني رسول الله ﷺ فسدلها)
أي: أرخاها.
(بين يديّ ومن خلفي) هذا عندي أصل في إلباس الخرقة، وهو أقعد من أخذه من الحديث السّابق (١)، خصوصًا والصوفيّة إنّما يلبسون من يلبسونه طاقية على الرّأس لا ثوبًا عامًّا لجميع البدن، وذاك (٢) في لباس عطاء وقسمة، وهذا في لباس (٣) تشريف.
***
[باب في لبسة الصّمّاء]
стр. 975
(نهى (١) عن الصّمّاء) قال الخطّابي: قال الأصمعي: اشتمال الصمّاء عند العرب أن يشتمل الرّجل بثوبه فيجلّل به جسده كلّه ولا يرفع منه جانبًا فيخرج منه يده، وربّما اضطجع على هذه الحالة. قال أبو عبيد: كأنّه يذهب إلى أنّه لا يدري لعلّه يصيبه شيء يريد الاحتراس منه وأن يقيه بيده ولا يقدر على ذلك بإدخاله إيّاهما في ثيابه، فهذا كلام العرب، وأمّا تفسير الفقهاء فإنّهم يقولون: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثمّ يرفعه من إحدى جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه. قال: والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا، وذاك أصحّ في الكلام.
***
[باب في حلّ الإزار]
(وانّ قميصه لمطلق) في رواية البغوي في معجم الصحابة: "لمحلول
стр. 976
الإزار"، وهذا يدلّ على أن جيب قميصه كان كما هو المعتاد الآن وقد وقع السؤال (١) عنه.
***
[باب في التقنّع]
(قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ مقبل متقنّع) (٢) قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في شرح البخاري: أي مطيلس رأسه، وهذا أصحّ حديث ورد في التطليس وفيه أحاديث أخرى، منها ما أخرجه البخاري والنسائي عن ابن عمر أن النبي ﷺ لمّا مرّ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلّا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم"، ثمّ تقنّع بردائه، وأخرج ابن سعد في طبقاته عن طارق التيميّ قال: جئت رسول الله ﷺ وهو قاعد وعليه ثوب أصفر قد قنع به رأسه، وأخرج ابن سعد والترمذي في الشمائل والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يكثر التقنّع بثوبه حتى كان ثوبه ثوب زيّات أو دهّان. قال الجاحظ (٣) في كتاب البيان: معناه: أنّه كان يدهن شعر رأسه ويتقنّع، فكان الموضع الذي يصيب رأسه من ثوبه ثوب دهّان. وأخرج المروزي في مسند عائشة عن عائشة
стр. 977
قالت: ما أتى رسول الله ﷺ أحدًا من نسائه إلًا متقنّعًا يرخي الثوب على رأسه حياءً، وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الارتداء لبسة العرب والالتفاع لبسة الإيمان"، قال ابن حبيب في شرح الموطأ: الالتفاع أن يلقي الثوب على رأسه ثمَّ يلتف به، لا يكون الالتفاع إلَّا بتغطية الرأس، وقال ابن يعيش والسخاوي كلاهما في شرح المفصل، والشيخ بهاء الدين بن النحاس في تعليقه على المقرّب: التلفّع التقنّع والتردّي. وقد أطبق أئمة الحديث والفقه واللغة والأدب على أنّ التقنّع تغطية الرأس، قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري في باب اللباس: التقنّع تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره، وقال في آخر الباب: التقنّع وضع شيء زائد على الرأس فوق العمامة، وقال الإسماعيلي: التقنّع تغطية الرأس، وقال ابن الأثير في النهاية: رجل مقنع بالحديد هو الذي على رأسه بيضة وهي الخوذة لأنّ الرأس موضع القناع، وقال الثعالبي في فقه اللغة: أصغر ما يغطّى به الرّأس يقال له: البخنق ثمّ الغفارة ثمّ الخمار ثمّ المقنعة ثمّ النصيف ثمّ المعجر ثمّ القناع والرداء. وقال في القاموس: تقنّع فلان تغشّى بثوب.
و(١) روى أبو الشيخ بن حبّان في تفسيره عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ قال: يتقنّع به، وروى ابن جرير وغيره عن ابن عبّاس في قوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ قال: يغطّون رؤوسهم، وقال عبد الرّحمن بن حسّان بن ثابت:
وإذا تذوكرت المكارم مرّة ... في مجلس أنتم به فتقنّعوا
قال الطيبي في حاشية الكشاف: قوله: "فتقنّعوا" أي غطّوا رؤوسكم ووجوهكم من الحياء. وقال عمرو (٢) بن شاس:
وكائن رددنا عنكم من مدحج ... يجي أمام الألف يردي مقنعا
стр. 978
قال الزمخشري في شرح أبيات سيبويه: المقنّع الذي على رأسه مغفر.
وقال مالك بن الريب المازني:
أجبت الهوى لمّا دعاني بزفرة ... تقنّعت منها أن ألام ردائيا
وقال الحجّاج:
وكنت إذا همّوا بإحدى هنّاتهم ... حسرت لهم رأسي ولا أتقنّع
وقال آخر:
وألقيت عن رأسي القناع ولم أكن ... لألقيه إلَّا لإحدى العظائم
وقال الأفوه (١):
حتى حني مني قناة (٢) المطا ... وقنع الرأس بشيب (٣) جليس
وقال أبو نواس:
أعاذل بعث الجهل حيث يباع ... وأبرزت رأسي ما عليه قناع
وقال ديك الجن:
وراهبة أفنت قرونًا وأعمرا ... لها برنس عال ورأس مقنّع
والأشعار والشواهد الدالّة على أنّ التقنّع تغطية الرأس، ونقول الأئمة في ذلك، والآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم لا تحصى، وقد جمعتها في مؤلف سمّيته التضلّع في معنى التقنّع، لمّا جهل جاهلون معنى التقنّع المذكور في الحديث، وقد صنّفت في استحباب لبس الطيلسان تأليفًا
стр. 979
قديمًا من نيّف وعشرين سنة سمّيته طيّ اللسان عن ذمّ الطيلسان، وقد سرقه ذلك السّارق الذي سرق كتابي المعجزات والخصائص ومسالك الحنفاء، فأدخلها في مجموعه، وأدخل الآخر معها بنصّه، ثمّ ألّفت تأليفًا آخر أبسط منه سمّيته الأحاديث الحسان في لبس الطيلسان، تقبّل الله تعالى ذلك بمنّه وفضله.
***
[باب ما جاء في إسبال الإزار]
стр. 980
(عن أبي جريّ) بضمّ الجيم وفتح الرّاء وتشديد اليّاء مصغّرًا.
(لا تقل عليك السّلام، فإنّ عليك السّلام تحيّة الميّت) قال الخطّابي: هذا يوهم أنّ السنَّة في تحيّة الميّت أن يقال له: عليك السلام، وقد ثبت أنّه ﷺ دخل المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين"، فقدّم الدّعاء على اسم المدعوّ له كما في تحيّة الأحياء، وإنّما كان ذلك القول منه إشارة إلى ما جرت به العادة بينهم في تحيّة الأموات إذ كانوا يقدّمون اسم الميت على الدّعاء وهو مذكور في أشعارهم؛ كقوله:
عليك سلام الله قيس بن عاصم (١) ... ورحمته ما شاء أن يترحّما
وقوله:
عليك سلام من أمير (٢) وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزّق
والسنّة لا تختلف في تحيّة الأحياء والأموات بدليل الحديث الذي ذكرناه. وقال في النهاية: هذا إشارة إلى ما جرت به عادتهم في المراثي، كانوا يقدّمون ضمير الميّت على الدّعاء له - كما في البيتين -، وإنّما فعلوا ذلك لأنّ المسلِّم على القوم يتوقع الجواب وأن يقال له عليك السلام، فلمّا كان الميّت لا يتوقّع منه جواب جعلوا السّلام عليه كالجواب، وقيل أراد بالموتى كفّار الجاهلية، وهذا في الدّعاء بالخير والمدح، فأمّا في الشرّ والذمّ فيقدّم الضمير كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾، وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾، والسنَّة لا تختلف في تحيّة الأحياء والأموات.
وقال الشيخ تقيّ الدين السبكي: أخذ القاضي حسين وصاحب التتمّة
стр. 981
بظاهر هذا الحديث وقالا: المستحبّ أن يقول: في السّلام على الموتى وعليكم السّلام دار قوم مؤمنين، ولا يقول: السلام عليكم، (قالا) (١): لأنّهم ليسوا أهلا للخطاب. قال السبكي: وهذا مخالف للحديث الصّحيح، والصّواب أنّه يسلّم على الميّت كما يسلّم على الحيّ.
وقال ابن القيم في البديع: قال قوم حديث السّلام عليكم أصحّ من حديث النهي، وذهب آخرون إلى أنّ السنّة ما دلّ عليه حديث النهي، قال: وكلّ من الفريقين إنّما أوتوا من عدم فهم مقصود الحديث، فإنّ قوله ﷺ : "فإنّ عليك السلام تحيّة الموتى"، ليس تشريعًا منه وإخبارًا عن أمر شرعيّ، وإنّما هو إخبار عن الواقع المعتاد الذي جرى على ألسنة الناس في الجاهلية، والإخبار عن الواقع لا يدلّ على الجواز فضلًا عن الاستحباب، فتعيّن المصير إلى ما ورد عنه ﷺ على الأموات.
فإن تخيّل متخيّل في الفرق، أنّ السّلام على الأحياء يتوقّع جوابه فقدّم الدعاء على المدعوّ له، بخلاف الميّت، قلنا: والسّلام على الميت يتوقّع جوابه كما ورد به الحديث. انتهى.
стр. 982
(المنّان الذي لا يعطي شيئًا إلّا منَّة) قال الخطّابي: وفيه وجه آخر أن يراد بالمنّ النّقص، يريد النقص من الحقّ والخيانة في الوزن والكيل ونحوهما، ومنه: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ أي: غير منقوص.
стр. 983
(إنّكم قادمون على إخوانكم) قال في النهاية: هذا هو المعروف في الرّواية، وجاء في بعض كتب الغريب "إنّكم تأتدمون"، أي: إنّ لكم من الغِنى ما يصلحكم، كالإدام الذي يصلح الخبز، قال: هذا جاء مرويًّا مشروحًا, والظاهر أنّه سهو.
(ولا التّفحّش) هو تكلّف الفحش وتعمّده.
***
[باب ما جاء في الكبر]
стр. 984
(قال الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا (١) منهما قذفته في النار) قال الخطّابي: معناه أن الكبرياء والعظمة صفتان لله سبحانه اختصّ بهما لا يشركه أحد فيهما، ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطاهما لأنّ صفة المخلوق التواضع والتذلّل، وضرب الرّداء والإزار مثلًا في ذلك، يقول، والله أعلم، كما لا يشرك الإنسان الإنسان في ردائه وإزاره أحد، فكذلك لا يشركني في الكبرياء والعظمة مخلوق.
وقال في النهاية: ضرب الإزار والرّداء مثلًا في انفراده بصفة العظمة والكبرياء ليستا كسائر الصفات التي قد يتّصف بها الخلق مجازًا كالرحمة والكرم وغيرهما، وشبّهما بالإزار والرّداء لأنّ المتّصف بهما يشملانه كما يشمل الرّداء الإنسان، ولأنّه لا يشاركه في ردائه وإزاره أحد، فكذلك الله لا يشركه فيهما أحد.
(لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال (حبّة من خردل) (٢) من كبر) قال الخطّابي: هذا يتأوّل على وجهين؛ أحدهما: أن يكون أراد به كبر الكفر والشرك، ألا ترى أنّه قابله في نقيضه بالإيمان فقال: (ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال (حبّة) (٣) (خردل) (٤) من إيمان) أي: دخول تخليد وتأبيد. والوجه الآخر: أنّ الله تعالى إذا أراد أن يدخله الجنّة نزع ما في قلبه
стр. 985
من الكبر حتى يدخلها بلا كبر ولا غلّ في قلبه كقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾.
(ولكن الكبر من بطر الحق) قال الخطّابي: معناه ولكن الكبر كبر من بطر (١)، فأضمر، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أي: برّ من آمن.
قلت: ويجوز أن يقدّر المضاف في الأوّل (٢) ولكن ذا (٣) الكبر من بطر، كما قيل بمثله في الآية، وقد بسطته في الكتاب الذي ألّفته في إعراب الحديث.
وقال في النهاية: بطر الحقّ أن يجعل ما جعله الله حقًّا من توحيده وعبادته باطلًا، وقيل: هو أن يتكبّر عن الحق فلا يقبله.
(وغمط الناس) بفتح الغين المعجمة والميم وتكسر وطاء مهملة، وقد يقال غمص بالصاد المهملة، أي احتقرهم واستخفّ بهم.
***
[باب في قدر موضع الإزار]