أو أبدل ماشية التجارة بنوعها، كنصاب بخت بنصاب عراب، أو جاموس ببقر، فإنه يبني على حول الأصل.
وظاهره: ولو أبدل دون نصاب بنصاب، وهو كذلك على المشهور (١).
стр. 1087
ثم بالغ على بنائه على حول الأصل بقوله: ولو استهلكت له ماشية فأخذ عنها ماشية من نوعها (١) لِاسْتِهْلَاك على المشهور؛ لأن أخذها في الاستهلاك كالمبادلة، فتتنزل منزلته.
وأطلق الاستهلاك كابن الحاجب على ما هو أعم من تعييبها أو إذهاب
стр. 1088
عينها جميلة؛ وهو كذلك عند ابن القاسم على طريق الشيخ أبي محمد سحنون (١).
وفهم من كلامه: أنه لو أخذ عنها ماشية أخرى من غير نوعها لاستقبل، وهو كذلك على المشهور.
ثم شبه في الحكم على البناء أيضًا، فقال: كنصاب ماشية قنية، أبدل بعين تصابًا، وهو المشهور، ورجع إليه مالك، وتقيده بالنصاب مخرج لما إذا كانت دونه، فإنه يستقبل بثمنه؛ لأنه حينئذ كالعرض.
تنبيه:
قيدنا العين بالنصاب لأنه لو أبدلها بدونه لا زكاة عليه اتفاقًا، حكاه المصنف عن ابن هارون وغيره، وبهذا لتقرير يندفع تعقب البساطي بأنه يشمل ما إذا أبدل النصاب بنوعه، والنص إنما هو فيما إذا أبدلها بعين. انتهى.
وقد يقال: إنه حذف بعين لدلالة ما قبله عليه، وحينئذ فلا يحتاج لما قلناه من القيد، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 1089
[ما يستقبل فيها: ]
ثم أخرج من قوله: (بعين) مسائل فيها الاستقبال، فقال: لا مخالفها، أي: لا إن أبدلها بمخالف نوعها، كإبل ببقر أو بغنم مثلًا على المشهور.
أو راجعة لبائعها بإقالة، فيستقبل، نص عليه ابن المواز؛ لأن الإقالة بيع.
أو أبدل عينًا ذهبًا أو فضة أقامت عنده بعض حول كأربعة أشهر بماشية نصابًا، فإنه يستقبل بالماشية؛ لأنها أقوى في تعلق الزكاة بها، ولذلك لم يتمم، فناسب الاستقبال على المشهور.
[الخلطة: ]
ولما أنهى الكلام على المبادلة أخذ يتكلم في الخلطة.
[تعريفها: ]
وهي كما قال ابن عرفة: اجتماع نصابي نوع نعم مالكين فأكثر فيما يوجب تزكيتها على ملك واحد.
[حكمها: ]
فقال: وخلطاء الماشية اثنين فأكثر كمالك واحد فيما وجب من:
[١] قدر، كثلاثة لكلِّ أربعون، عليهم واحدة، كالواحد على كلٍّ ثلثها.
[٢] وسن، كاثنين لكل واحد ستة وثلاثون من الإبل عليهما جذعة كالواحد على كل نصفها، أو خمسة وسبعون من الإبل للثلاثة، لكل واحد خمسة وعشرون عليهم جذعة على كل ثلثها كما لو كانت لواحد (١).
стр. 1090
[٣] وصنف، كاثنين لواحد ثمانون معزًا والآخر أربعون ضأنًا، عليهما واحدة من المعز، كالواحد على صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى الآخر ثلثها، ولو كان الثمانون ضأنًا لاثنين بالسوية والثالث معهما أربعون من المعز لكان عليهم فيها ضائنة أثلاثًا (١).
стр. 1091
وكما أفادت الخلطة في هذا المثل تخفيفًا، قد تفيد تثقيلًا، كاثنين لكل واحد منهما مائة وشاة، عليهما ثلاث شياه عند الاجتماع، وعلى كل واحد واحدة فقط عند الانفراد.
وقد لا تفيد واحد منهما، كاثنين لكل مائة شاة، وهذا حيث لا فرار بالخلطة أو الافتراق، فإن كان أخذا بما كانا عليه على المنصوص (١).
стр. 1092
[شروط الخلطة: ]
وللخلط شروط أشار لأحدها بقوله: إن نويت من كلٍّ، لأنه أمر جعله الشارع مغيرًا للحكم، فلا بد في النقل إلى حكم آخر من النية.
ولثانيها بقوله: وكل حر مسلم، فلو فقدت الحرية والإسلام من أحدهما فلا عبرة بخلطتهما على المشهور، ويزكي محصل الشرط كالانفراد.
ولثالثها بقوله: ملك كل نصابًا؛ فلا عبرة بخلطة مالك دونه كأربعين لكل شاة، فلا زكاة، أو كانت لاثنين كذلك (١).
ولرابعها بقوله: بحول -أي: ملك كل ملكًا مصاحبًا لحول- فلو حال الحول على ماشية أحدهما دون الآخر لم تؤثر الخلطة.
تتمة:
لا يشترط مرور الحول عليهما مختلطين، بل يكفي اختلاطهما أوله، أو أثناءه، ما لم يفهم بخلطتهما الفرار.
قال ابن عرفة: وفى القرب الموجب تهمتهما خمسة أقوال، انظرها في الكبير (١).
стр. 1095
ولخامسها بقوله: واجتمعا بملك أو منفعة باستئجار أو غيره في الأكثر خمسة:
[١] مراح (١) أو بقعة، وهو بضم الميم.
وقيل: بفتحها.
وهل هو موضع قائلتها، أو موضع اجتماعها للمبيت؟ قولان لأبي عمران والقابسي، والمصنف ماش على الأول؛ لذكره المبيت بعد.
[٢] وماء (٢) تشرب منه الماشية كاجتماعهما على حفر بئر أو منفعة كالنهر.
[٣] ومبيت وهو: الموضع الذي تبيت فيه، وأسقط اللخمي المبيت، وعده الجلاب.
стр. 1096
[٤] وراع بإذنهما، الباجي: لو اجتمع رعاة بغير إذن أربابها فليست بخلطة، ويجب أن يكون إذنهم في التعاون على حفظهم لكثرتها، فإن كانت قليلة يقوم بها راع دون غيرها فليس اجتماعهم من صفات الخلطة.
[٥] وفحل (١) برفق باشتراك أو لأحدهما، ويضرب في الجميع، وضمير (اجتمعا) راجع للمالكين، وأعاده البساطي على الغنمين، فإن كان على حذف مضاف فصحيح، وإلا فلا (٢).
وكون المعتبر من الخمسة أكثرها هو مذهب ابن القاسم وأشهب (٣).
стр. 1097
تنبيهان:
الأول: زاد في الذخيرة شرطًا سادسًا، وهو: كون الماشية غنمًا أو بقرًا أو إبلًا (١).
الثاني: قال الباجي: لا يشترط اجتماعهما اتفاقًا. وأنكر نقل الفاكهاني [في] اشتراطه.
стр. 1098
[مسألة: ]
وإذا أخذ الساعي من أحد الخليطين جميع ما عليهما، وأخذ منه أزيد مما عليه راجع المأخوذ منه شريكه -أي: خليطه (١) - وأخذ منه بنسبة عدديهما، إن لم ينفرد أحدهما بوقص بل كان مع كل منهما كما لو كان لأحدهما تسعة من الإبل وللآخر ستة فعليهما ثلاث شياه، تقسم على خمسة عشر، لكل ثلاثة خمس، فعلى صاحب التسعة ثلاثة أخماس، وعلى صاحب الستة خمساها.
وأشار للخلاف فيما إذا انفرد الوقص من الجانبين بقوله: ولو انفرد وقص لأحدهما - كما لو كان لأحدهما تسع من الإبل وللآخر خمس ففي الأربع عشرة شاتان، فقد يأخذهما الساعي من صاحب التسعة قسمت الشاتان على الأربعة عشر جزءًا على صاحب التسعة تسعة أسباع، ويرجع على صاحب الخمسة بخمسة أسباع.
стр. 1099
وإن أخذهما من صاحب الخمسة رجع على صاحب التسعة بتسعة أسباع.
وإن أخذ من كل شاة رجع صاحب الخمسة على صاحب التسعة بسبعين هي نسبة عدديهما، بناءً على أن الأوقاص تزكى، وهو الذي رجع إليه مالك.
وانظر ما للشارح هنا وكلام البساطي معه في الكبير.
[ما يكون به التراجع: ]
والتراجع يكون بالقيمة، وهل تعتبر يوم الأخذ أو الوفاء؟ قولان لابن القاسم وأشهب، واستظهر في توضيحه قول ابن القاسم.
[مسألة: ]
ثم شبه في التراجع في القيمة بنسبة العددين، فقال: كتأول الساعي الأخذ لشاة من نصاب فقط لهما لكل نصفه عند من يرى تأثير الخلطة بما دون النصاب إذا كمل نصابًا (١).
أو تأوله الأخذ من نصاب لأحدهما وللآخر دونه، كمائة لأحدهما
стр. 1100
وللآخر خمسة وعشرون، وزاد الساعي على شاة للخلطة، فأخذ شاتين.
وقد علمت أن المذهب عدم لزوم شي في المسألة الأولى، وأن اللازم في الثانية شاة واحدة.
لكن لما كان أخذه بالتأويل يشبه حكم الحاكم في مسائل الخلاف لم ينقض، ويتراجعان في قيمة الشاة في الأولى نصفين، وفي الثانية على خمسة على صاحب المائة أربعة أخماسها، وعلى الآخر خمسها، وهو قول سحنون.
لا إن أخذ الساعي الشاة في المثال غصبًا أو لم يكمل لهما نصاب، بأن كان لأحدهما عشرة من الغنم مثلًا، وللآخر مثلها، فأخذ منها شاة، فلا تراجع بينهما في المثالين، بل مصيبتهما ممن أخذت منه.
[خليط الخليط خليط: ]
وذو ثمانين من الغنم خالط بنصفيها، أي: بكل أربعين ذوي ثمانين بفتح الواو، ولكل منهما أربعون منها منفردًا عن الآخر على صاحب الثمانين شاة، وعلى كل واحد من خليطيه نصف شاة عند ابن القاسم وأشهب؛ بناءً على أن خليط الخليط خليط.
واحترز بقوله بنصفيهما عما لو خالط أحد الطرفين بأكثرها، والآخر بأقلها؛ لما تقدم من أن شرط الخلطة أن يكون لكل واحد نصابًا.
[المخالطة بالنصف فقط: ]
أو خالط صاحب الثمانين ينصف منها فقط ذا أربعين، وأبقى الأربعين الأخرى بغير خلط، فثمانية كالخليط الواحد في هذه المسألة والتي قبلها عليه، أي: على صاحب الثمانين شاة في كل من المسألتين، وعلى غيره وهو كل من صاحبي الأربعين في الأولى وصاحب الأربعين في الثانية نصف بالقيمة وجوبًا؛ لأن الساعي يأخذ منهما في الثانية شاة على الثمانين المختلطة، ثم عن الأربعين المنفردة نصف شاة على الثمانين المختلطة، ثم عن الأربعين المنفردة نصف شاة؛ لأنه يضيفها للأربعين التي مع خليطه،
стр. 1101
فقد اعتبرنا الخلطة في حق صاحب الثمانين، فكأنه مخالط بجميعها، ولما كان فيها الزكاة منفردة فكأنه غير مخالط، وهو قول عبد الملك وسحنون.
وحذف المصنف الجواب من الأولى لدلالة الثانية عليه.
[وقت الزكاة: ]
وخرج الساعي لجباية الزكاة، إن لم يكن جدب، بل ولو كان بجدب على المشهور؛ لأن الضيق فيه بالفقراء أكثر، فيحصل لهم ما يستغنون به.
قال الشارح: الباء في (بجدب) يحتمل الظرفية والمعية.
وإذا خرج الساعي في سنة الجدب، فقال ابن عرفة: في أخذه زكاة العجاف منها وتكليف ربها شراء غيرها نقلًا الباجي عن مقتضى قول مالك ونص محمد بن زرقون.
إن ما قاله محمد فيمن عجفت غنمه دون الناس، وتأمل ما حكاه ابن عرفة من القولين مع قول المصنف فيما سبق ولزم الوسط.
طلوع الثريا بالفجر -أي: معه- ولم يبين حكم خروجه، وفي المدونة عن مالك سنة السعاة أن يخرجوا أول الصيف عند اجتماع أرباب المواشي بمواشيهم على المياه للتخفيف عليهم وعلى السعاة؛ لأنه ربما احتاج أحد إلى سن فيعسر عليه تحصيله عند الافتراق (١).
стр. 1102
تنبيه:
تعقبُ ابن عبد السلام المذهب بأنه ملزوم بإسقاط عام بعد نحو ثلاثين سنة، قائلًا: (والصواب البعث أول المحرم؛ لأن الأحكام الشرعية إنما هي متعلقة بالعام القمري لا الشمسي) يرد بأن البعث حينئذ لمصلحة الفريقين؛ لاجتماع الناس بالمياه، لا أنه حول لكل الناس، بل كل على حوله القمري، فاللازم فيمن بلغت أحواله من الشمسية ما تزيد عليه القمرية حولًا يوفه في العام الزائد كمن تخلف ساعيه لاشتراطه. انتهى.
ابن فرحون في ألغازه: فإن قلت عندنا زكاة حولها بالسنة القمرية وزكاة حولها بالسنة الشمسية.
قلنا: أما الأولى فزكاة العين، وأما الثانية فزكاة الماشية، قاله ابن
стр. 1103
الفخار (١) في تعليقه على الرسالة.
[حكم الساعي: ]
وهو -أي: مجيء الساعي- شرط وجوب كالنصاب على المشهور؛ لعمل أهل المدينة، لا شرط أداء، نحوه لابن الحاجب، وناقشه المصنف بأن قيام العمل على الشرطية يحتمل شرطية الوجوب وشرطية الأداء، فمن أين التخصيص، ثم تبعه (٢).
إن كان ساع وبلغ -أي: وصل- لأرباب المواشي، فإن لم يكن ساع أو كان ولم يصل لوجبت الزكاة بالحول اتفاقًا.
[فروع: ]
وينبني على أن بلوغه شرط وجوب فروع، منها: لو مات المالك بعد الحول وقبله -أي: قبل بلوغ الساعي- لم تجب عليه الزكاة، ويستقبل الوارث حولًا؛ لأن من ورثه مات قبل تعلق الوجوب بِدْئًا.
ومنها: أنها لا تبدأ إن أوصى بها، ومات قبل بلوغ الساعي لعدم شرط الوجوب، بل تكون في الثلث كغيرها من التطوعات، وإنما يبدأ من
стр. 1104
الثلث ما فرط فيه من زكاة العين، قاله في المدونة.
ومنها: أنها لا تجزئ مالكها إن أخرجها قبل بلوغه؛ إذ الأصل أنه لا يجزئ تطوع عن واجب كما لو أخرجها قبل الحول.
البساطي: (قبله) ظرف لـ (مات) في (يستقبل) ولـ (مات) فقيد إن أوصى في و (لا تبدأ)، والإخراج في: (ولا تجزئ) مقدر في الأخيرين، دل عليه الأول. انتهى.
ثم شبه فقال: كمروره -أي: الساعي- بها -أي: بالماشية- ناقصة عن النصاب، ثم رجع وقد كملت بولادة مثلًا؛ لأن حولها كان وقت مروره أولًا، ومروره ثانيًا غير مشروع؛ فلذا لم يعتبر ابن رشد لو كان رجع لها بعد أن مر بها لم يكن لذلك حد، ولم يضبط لها حول.
[مسألة: ]
فإن تخلف الساعي عن المجيء وأخرجت أجزأت.
ابن الماجشون: لا تجزئ.
اللخمي: الأول أحسن.
ولذا قال: على المختار، وإذا علمت هذا عرفت أن تعقب البساطي على المصنف بأن اللخمي اختاره من نفسه لا من الخلاف غير ظاهر.
وربما أشعر إجزاؤه مع تخلف الساعي بإخراجها إذا لم يكن سعاة وهو كذلك.
اللخمي: اتفاقًا.
وإلا بأن تخلف الساعي ولم يخرجها ربها عمل على الزائد والنقص بعد تخلفه للماضي من الأعوام التي تخلف الساعي عن المجيء لها.
وظاهره ولو ادعى ربها نقضها عن ذلك في الأعوام الماضية، وهو كذلك.
стр. 1105
وفهم من قوله: (للماضي) أنه يأخذ في عام مجيئه على ما وجد وهو كذلك اتفاقًا.
بتبدئة العام الأول في الأخذ، ثم لما بعده لآخر الأعوام، ويأخذ لكل عام كاملًا كتخلفه عن ثلاث وأربعين ثلاثة أعوام ثم جاء وجدها كذلك فإنه يأخذ لكل عام شاة.
إلا أن ينقص لأخذ النصاب، فيعتبر ما نقصه، كتخلفه عن مائة وثلاثين أربعة أعوام ثم جاء وجدها اثنين وأربعين، فإنه يأخذ للعام الأول والثاني والثالث ثلاث شياه، لكل عام شاة، ويسقط الرابع لتنقيص ما أخذه عن النصاب.
أو الصفة إن نقصها الأخذ فيعتبر ذلك، كتخلفه عن ستين من الإبل خمسة أعوام فوجدها سبعًا وأربعين، فإنه يأخذ حقتين عن العام الأول والثاني لبقاء نصاب الحقاق، وبنتي لبون عن الثالث والرابع لنقصان النصاب عن الحقاق، وللخامس بنت لبون لنقصه عن الحقاق.
ثم شبه في العمل على الزيادة والنقص إلا أن ينقص الأخذ النصاب أو الصفة فيعتبر كما لو تخلف وهي دون النصاب ثم جاء فوجده كاملًا فقال: كتخلفه عن أقل من نصاب كثلاثين شاة أربعة أعوام فكمل النصاب في تخلفه وصارت مثلًا إحدى وأربعين أخذ الساعي عن الأعوام التي كمل النصاب فيها دون التي نقص فيها عند مالك وابن القاسم، وصدق ربها فيما يدعيه.
وكذلك لو تخلف أربعة أعوام عن عشرين من الإبل ثم جاء فوجدها كملت ستًا وعشرين مثلًا، وقال ربها: كملت في العامين الأخيرين لأخذ عن العامين الأولين ثمان شياه، وعن الثالث والرابع بنتي مخاض.
وظاهر كلامه: أنه لا فرق بين كمال النصاب بولادة أو بدل من نوعها أو فائدة، وهو كذلك على المشهور فيما عدا الفائدة، وأما إذا كمل بها فقال
стр. 1106
الباجي وغيره: لا يجب إلا من حين الكمال اتفاقًا (١).
стр. 1107
ثم أخرج من النقص في قوله: (عمل على الزائد)، فقال: لا إن نقصت هاربًا (١)، أي: ماشية الهارب بعد مفارقة الساعي، فإنه لا يصدق فيما يدعي نقصه، بل يؤخذ منه على حال المفارقة فيما عدا العام الثالث الذي جاء فيه، كفراره بثلاثمائة ثلاث سنين، ثم وجده الساعي وهي مائة، فإنه يؤخذ بزكاة ما قر به ست شياه عن عامين، وشاه عن الثالث.
[مسألة: ]
وإن زادت له -أي: للهارب- ماشية عما كانت وقت مروره فلكل من الأعوام الفار فيها زكاة ما فيه -أي: في ذلك العام- من قليل أو كثير عند ابن القاسم، بتبدئه العام الأول.
وعلى قول ابن القاسم هل يصدق؛ لأنه الأصل في الزكاة، وهو لسحنون، أو لا يصدق لدلالة قرينة الهروب على كذبه، وهو لابن الماجشون؟ قولان.
стр. 1108
[مسألة: ]
وإن قدم الساعي على رب الماشية وسأله عن عددها، فأخبره بعدد، ثم عدها الساعي فنقصت عنه بذبح لم يقصد به الفرار أو بموت، قاله ابن عبد السلام، أو زادت عنه بولادة فالموجود هو المعتبر، إن لم يصدق بكسر الدال، أو صدق ونقصت عما أخبر، فالموجود أيضًا هو المعتبر على المشهور؛ لأن تصديقه لا يوجب عليه زكاة ما أخبر به، بدليل جواز عدها عليه بعد.
[مسألة: ]
وفي كون المعتبر في الزائد على القدر الناقص ما أخبره ربها وصدقه؛ إذ تصديق الساعي له كالحكم، أو المعتبر الزائد غيره، ولا عبرة بتصديقه؛ إذ ليس بتصديق كما في التي قبلها تردد، أشار به لطريقين ذكرهما ابن بشير:
الطريق الأول: المعتبر ما صدقه فيه.
والطريق الثاني، فيه قولان:
الأول؛ كالطريق الأول.
والثاني: اعتبار الزائد.
[مانعي الزكاة: ]
وأخذ الخوارج على الإمام بعد أعوام بالماضي -أي: بزكاته- من وقت خروجهم، إلا أن يزعموا الأداء فيصدقوا.
ظاهره: ولو في عام أخذهم بعد حولها، وهو كذلك، حكاه ابن عبدوس (١) عن أشهب.
стр. 1109
عياض: وبه فسر الأكثر المدونة.
ولأشهب: لا يصدقون في أدائها عام أخذهم، قاله فضل، وحملها عليه (١).
стр. 1110
[محل تصديقهم: ]
ومحل تصديقهم في إخراجها إذا كان خروجهم لا لمنعها، ولذا قال: إلا أن يخرجوا لمنعها فلا يصدقون في إخراجها.
[زكاة الحرث]
ثم شرع يتكلم على زكاة الحرث، فقال: وفي خمسة أوسق فأكثر، لا أقل منها؛ لخبر: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (١).
وأشار لمخالفة أبي حنيفة بقوله: وإن كان بأرض خراجية، وظاهره: أنه تحديد للنصاب كغيره من النصاب.
سند: تحقيق النصاب عندنا للتقريب حتى لو نقصت اليسير وجبت كالنقدين.
стр. 1111
وللشافعية في كونه تحديدًا عندهم وهو الأصح أو تقريبًا قولان.
والوسق: بفتح الواو على الأفصح مصدر بمعنى الجمع، ومنه: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾، أي: جمع (١).
[ضابط النصاب وزنًا: ]
وضابط النصاب وزنًا ألف وستمائة رطل، يحتمل أنه خبر مبتدأ محذوف، ويحتمل كونه بدلًا من خمسة أوسق، والرطل: مائة وثمانية وعشرون درهمًا مَكِّيًّا، كُلٌّ -أي: كل درهم منها- خمسون وخُمُسا حبةٍ من مطلق الشعير المتوسط: لا ممتلئة، ولا من ضامرة، مقطوع من طرفيه ما امتد خارجًا عن خلقته.
فائدة:
هذا الدرهم هو المسمى درهم الكيل؛ إذ به تقدر مكايل الشرع من أوقية ورطل ومد وصاع، حكاه ابن راشد عن بعضهم.
وقدر الدينار: اثنان وسبعون حبة، فالدينار: مثل الدرهم، وثلاثة أسباع مثله.
والدرهم: سبعة أعشار الدينار، إذًا الدرهم من وزن سبعة، كما في الرسالة.
стр. 1112
وضابط النصاب بالكيل: كل وسق ستون صاعًا، فهو ثلاثمائة صاع.
قال في الإرشاد: بالمدني.
والصاع: أربعة أمداد بمده ﵊، فهي ألف ومائتا مد.
والمد: المشهور أنه رطل وثلث.
تكميل:
حرر النصاب في سنة سبع أو ثمان وأربعين وسبعمائة على مد معين بمد النبي ﷺ فوجد ستة أرادب ونصفا ونصف ويبة.
ولك أن تقول: ستة أرادب وربع أردب بأردب القاهرة ومصر.
[المخرج من زكاة الحرث: ]
ثم بين المخرج منه بقوله: من:
[١] حب، يشمل القمح والشعير والسلت والعلس والأرز والدخن والذرة والقطاني كالحمص واللوبيا والعدس والفول والترمس والجلبان والبسيلة والجلجلان ونحوه.
[٢] وثمر، البساطي: إن ضبط بالفتح دخل فيه التين والخوخ والرمان وأشباهها مما لا زكاة فيها أو فيه خلاف، وبالسكون لم يتعد الزبيب والزيتون، والمذهب وجوبها فيهما. انتهى.
ولك أن تقول: نختار الضبط الثاني، ولا يدخل الزبيب والزيتون؛ لأنه سيشير إلى وجوبهما فيهما.
فقط مخرج لقول ابن الماجشون: تجب في كل ذي أصل كالرمان والتفاح.
يريد: وشبه ذلك.
[شروط زكاة الحرث: ]
[١] منقى -أي: إنما تعتبر الخمسة الأوسق مصفاة من تبن وقشر- إذ
стр. 1113
لا تتعلق الزكاة بالمزال، ولا بد من زواله.
[٢] مقدر الجفاف لا في حالة كونه رطبًا وعنبًا، بل يقال: ما ينقص هذا إذا جف وصار تمر أو زبيبًا.
فإن قيل: خمسة أوسق فالزكاة، وإلا فلا.
وقال الشارح: إنما تعتبر الخمسة أوسق بعد وضع ما فيها من الخشب والرطوبات. انتهى.
وهذا إن كانت عادته يجف، وكذا إن لم يجف كرطب مصر وعنبها، ومقابله لا يقدر جفافه.
قال ابن عبد السلام: فيجب في خمسة أوسق بسرًا في الحال.
[ما سقي آلة: ]
ولما كان الجزء الواجب في الزكاة يختلف باختلاف سقيه بين ذلك بقول: نصف عشره، وهو بدل من فاعل تجب الزكاة، أي: يجب نصف عشره، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: والمخرج نصف عشره إن سقي بآلة، كما يأتي.
[زكاة ما له زيت: ]
ويشبه ما تقدم في تعلق الزكاة به ما كان من الثمار والحبوب له زيت، فإنه يؤخذ من زيته بعد اعتبار خمسة أوسق في عينه، ولذا قال: كزيت ما له زيت، كـ: قرطم وجلجلان يخرج من زيته نصف عشره، سواء بلغ زيته خمسة أوسق أو لا.
[زكاة ما لا زيت له: ]
ويجب نصف عشر ثمن غير ذي الزيت كزيتون مصر، ونصف عشر ثمن ما لا يجف كعنب مصر ورطبها.
стр. 1114
وثمن فول بيع أخضر وإن كان يجف لو ترك إن سقي ذلك كله بآلة، كالدواليب، وكان خمسة أوسق فأكثر، وإن بيع بأقل مما تجب فيه الزكاة، وأما لو نقص عن خمسة أوسق لم تجب، ولو بيع بما تجب فيه أو بإضعافه (١).
[ما سقي بعلًا: ]
وإلا بأن سقي سيحًا كالأنهار والسيل والعيون فالعشر، ولو اشترى له السيح أو أنفق عليه لقلة المؤنة، واستظهر مقابله بأن فيه نصف العشر، وإن سقي الزرع بهما -أي: بالسيح والآلة على السواء أو قريبًا- فعلى حكميهما العشر في ذي السيح، ونصفه في ذي الآلة، فيخرج من الجميع ثلاثة أرباع العشر.
[اجتماع السقيين: ]
وهل يغلب الأكثر عند اجتماعهما، فيخرج منه الجميع، ويلغي
стр. 1115
الأقل، وشهره في الجواهر، أو لا يغلب، والمعتبر القيمة، وشهره في الإرشاد خلاف (١).
стр. 1116
تنبيه:
قول البساطي: (لا يخلو كلامه من إجمال) ظاهر؛ لصدق القول الثاني على قول ثالث في المسألة، وهو اعتبار ما جيء به الزرع، وهو الأخير، بل هو الذي فهم الشارح كلام المؤلف عليه، وفي هذه المسألة زيادات، انظرها في الكبير.
[ما يضم من الأصناف إلى بعضها: ]
ولما ذكر ما يزكى، ومقدار النصاب، وكان منه ما هو أصناف، وهو جنس يضم بعضها لبعض، ومنه ما ليس كذلك، شرع في بيان ذلك، فقال: وتضم القطاني بعضها البعض على المشهور (١)، إذا لم يكن في كل واحد
стр. 1117
منها نصاب، ويخرج من كل بحسابه، وأما إن كان في كل نصاب فلا ضم، فيضم فول وعدس وحمص وجلبان وبسيلة ونحو ذلك.
ثم شبه ذلك بقوله: كقمح وشعير وسلت، لقرب منفعتها، إن كانت كلها ببلد واحد، وكذا إن كانت ببُلدان شتى، وأفاد شرط الضم فيما هو ببلدان بقوله: إن زرع أحدهما قبل حصاد الآخر؛ لأن الحصاد كالحول في الحبوب.
فإذا زرع أحدهما بعد حصاد الآخر كانا كاملين لم يجتمعا في حول، فيضم الزرع الوسط لهما، اختلف في فهم هذا المحل، ففهمه بعض على أن الوسط يضم لكل منهما على المعية، فإذا كان في الجميع نصاب زكى بناءً على أن خليط الخليط خليط (١).
стр. 1118
واستشكل هذا مع قوله: لا أول الثالث، وهو إشكال ظاهر، وفهمه بعض آخر مع الوسط لهما على البدلية، وعليه فلا يضم الأول لثالث، وهو المنقول في الجواهر، وحكاه في الذخيرة، وأقره، ونحوه لسند.
لا لعلس (١) ودخن وذرة بذال معجمة وأرز، فلا يضم القمح وما معه
стр. 1119
لها، وهي هذا الأربعة أجناس (١)، فلا يضم واحد منها للآخر؛ لبعد منافعها.
والسمسم (٢) بالكسر وبزر الفجل الأحمر بضم الفاء، وألحق اللخمي بذات الزيوت بزر السلجم بمصر، والجوز بخرسان، والقرطم (٣) وهو حب العصفر، بكسر القاف والطاء وضمهما.
ويخرج من زيت الثلاثة كالزيتون يخرج من زيته، وهي أجناس، لا بزر الكتان، فلا زكاة فيه، ولا في زيته.
والبزر: بالفتح والكسر.
стр. 1120
[ما يحتسب قشره: ]
وحسب قشر الأرز والعلس على مالكهما، ليزكيا، قال في الذخيرة؛ لأنهما يخزنان به، ولا يزاد في النصاب؛ لأجل قشورهما، قياسًا على قشر الفول الأسفل ونوى التمر، ونظر البساطي في دول الشارح يحسب ليسقط.
وحسب أيضًا ما تصدق على الفقراء بعد الطيب، قاله ابن المواز، وما أكله هو من باب أولى، وما ذكره البساطي عن المدونة أنه لا يحسب عليه ما أكل من البلح بخلاف الفريك والفول الأخضر، والمصنف لم يذكر الجميع ولم يترك الجميع غير ظاهر لمن تأمل الكلام سابقًا ولاحقًا.
وحسب ما استأجر به قتًا لجمال أو غيره، قاله في الذخيرة، وهي الحزم التي يربطها الحصاد عند حصده، ونقله في العتبية، ونظر فيه البساطي بأنه لا بد له وللفقراء منه.
لا أكل دابة في حال درسها، فلا يحسب على المالك، كآفات السماء، واحترز به عما يعلفه لها؛ فإنه يحسب، والوجوب مبتدأ، خبره: إفراك الحب، أي: يتعلق الوجوب بالحب وبإفراكه على المشهور.
وقيل: بحصاده. واستظهر (١).
وطيب الثمر بالمثلثة بفتح الميم كزهو البلح وحلاوة الكرم واسوداد الزيتون، وإنما كان الطيب وبدو الصلاح هو وقت تعلق الوجوب؛ ولأنه قبل ذلك علف لا طعام، والكلام إنما هو في الطعام.
[فرع: ]
وفرع على ذلك بقوله: فلا شيء على وارث قبلهما، أي: الإفراك والطيب، لم يصر له نصاب مما ورثه؛ لانتقال ذلك قبل تعلق الزكاة به، ومفهوم الظرف وجوبها، حصل لكل نصاب أو لا، إذا كان المجموع نصابًا؛ لتعلق الزكاة بالموروث قبل موته، وهو ظاهر، أوصى بذلك أم لا.
стр. 1125
وظاهر كلامه: أنه إذا بلغت حصة بعض الورثة نصابًا ولم تبلغ حصة غيره وجبت على من بلغت حصته دون غيره، وهو كذلك، ونحوه في الذخيرة عن الكتاب.
[مسألة: ]
والزكاة واجبة على البائع بعدهما، أي: الإفراك والطيب؛ لتعديه.
قال مالك: إن شرطها على المبتاع جاز، وتؤخذ منه، قاله في الذخيرة.
إلا أن يعدم البائع فعلى المشتري ويرجع على البائع إذا أيسر، وظاهر قوله: (على المشتري) عدم تعيينها في عين المبيع، وفي الكتاب والجلاب: إن وجدت في يد المشتري أخذت منه، ويرجع على البائع، وهو محتمل السقوط عند عدم وجدانه، أو لا يكون ذلك شرطًا في أخذ ذلك الحب بعينه، ولا يلزم من عدمه السقوط، بل ينتقل لحب آخر كالبائع، وهو الذي قلنا: إنه ظاهر كلامه (١).
والنفقة على الثمر والزرع الموصى به من سقي وعلاج على الموصى له المعين كزيد مثلًا بجزء كنصف مثلًا لملكه له بالموت، فصار شريكًا.