Полный текст (3 498 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قال السبكي (١) : هذا لا يفيد جوابًا، بل ذكر السبب الحامل لهم.
وأجاب هو بأن المخصوص به -تعالى- هو المعرف باللام.
وقال ابن مالك (٢) وغيره: معناه لا زلت ذا رحمة. . انتهى.
و(الرحيم): خاص معنى؛ لأنه يرحم المؤمنين خاصة يوم القيامة، وعام لفظًا؛ لأن غيره قد يُسمى رحيمًا، ومنه الحديث: "يا رحمن الدنيا والآخرة، ويا رحيم الآخرة" (٣) . الحواشي
(١) هو: علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الأنصاري الخزرجي، أبو الحسن، تقي الدين، (٦٨٣ - ٧٥٦ هـ = ١٢٨٤ - ١٣٥٥ م): شيخ الإسلام في عصره، وأحد الحفاظ المفسرين المناظرين. وهو والد التاج السبكي صاحب الطبقات، ولد في سبك (من أعمال المنوفية بمصر) وانتقل إلى القاهرة ثم إلى الشام. وولي قضاء الشام سنة ٧٣٩ هـ واعتل فعاد إلى القاهرة، فتوفي فيها، من كتبه "الدر النظيم" في التفسير، لم يكمله، و"الإغريض في الحقيقة والمجاز والكنية والتعريض"، و"التمهيد فيما يجب فيه التحديد - ط"، وغيرها. واستوفى ابنه تاج الدين أسماء كتبه، وأورد ما قاله العلماء في وصف أخلاقه وسعة علمه. ينظر: الأعلام (٤/ ٣٠٢).(٢) هو: محمد بن عبد اللَّه بن مالك الطائي الجياني، أبو عبد اللَّه، جمال الدين، (٦٠٠ - ٦٧٢ هـ = ١٢٠٣ - ١٢٧٤ م): أحد الأئمة في علوم العربية، ولد في جيان بالأندلس، وانتقل إلى دمشق فتوفي فيها. أشهر كتبه (الألفية - ط) في النحو، وله (تسهيل الفوائد - ط) نحو، و (شرحه له - خ) المجلد الأول منه، في الرباط (٢١٣ أوقاف)، و (الضرب في معرفة لسان العرب)، و (الكافية الشافية - ط): أرجوزة في نحو ثلاثة آلاف بيت، و (شرحها - ط)، وغير ذلك. ينظر: الأعلام (٦/ ٢٣٣).(٣) هذا كلام الزمخشري في الكشاف (١/ ٦)، وما قاله الشارح لا يستقيم من وجهين:
الأول: أن ما ادعى أنه حديث ليس بحديث، ولذا قال الزمخشري: ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا.
والآخر: أن ما ذكره لا يسعفه النقل؛ فقد جاء في مسند أبي بكر الصديق ص ٩٣، والبيهقي في الدعوات الكبير (١/ ١٣٥)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٥٤)، وفي مسند الشاميين (٣/ ٣٢٠)، وفي الدعاء ص ٣١٧، وغيرهم مرفوعًا: "رحمن الدنيا والآخرة".
وقد أجاب عن هذا الإشكال محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان (١/ ٥ - ٦) بما ليس جوابًا، فقال: " (الرحمن الرحيم) هما وصفان للَّه تعالى، واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن: أشد مبالغة من الرحيم؛ لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، =стр. 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥) ﴾، فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته، قاله ابن كثير، ومثله قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾، أي: ومن رحمانيته: لطفه بالطير، وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء.
ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ(١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ(٢) ﴾ إلى قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(١٨) ﴾، وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، فخصهم باسمه الرحيم.
فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين ما قررتم وبين ما جاء في الدعاء المأثور من قوله ﷺ : "رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما".
فالظاهر في الجواب واللَّه أعلم: أن الرحيم خاص بالمؤمنين، كما ذكرنا، لكنه لا يختص بهم في الآخرة، بل يشمل رحمتهم في الدنيا أيضًا، فيكون معنى "رحيمهما": رحمته بالمؤمنين فيهما.
والدليل على أنه رحيم بالمؤمنين في الدنيا أيضًا: أن ذلك هو ظاهر قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(٤٣) ﴾؛ لأن صلاته عليهم وصلاة ملائكته وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور رحمة بهم في الدنيا، وإن كانت سبب الرحمة في الآخرة أيضًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(١١٧) ﴾، فإنه جاء فيه بالباء المتعلقة بالرحيم الجارة للضمير الواقع على النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار، وتوبته عليهم رحمة في الدنيا، وإن كانت سبب رحمة الآخرة أيضًا، والعلم عند اللَّه تعالى".
وما أجاب به غير مسلم، وقال الآلوسي (١/ ٦٢): "وأما سابعًا فلأن قولهم فعلى الأول قيل: يا رحمن الدنيا؛ لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة؛ لأنه يخص المؤمن، إن أرادوا به أن أبلغية الرحمن ههنا باعتبار كثرة أفراد الرحمة في الدنيا لوجودها في المؤمن والكافر، فلا يستقيم عليه ورحيم الآخرة؛ إذ النعم الأخروية غير =стр. 108
يقول فعل مضارع فاعله العبد، وأتى بالجملة الفعلية لدلالتها على
الحواشي
(١٧٨) ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾، فيبطل حينئذ دعوى شمول الرحمة المؤمن والكافر في الدنيا؛ إذ لا فرق بين ما يكون للكافر في الدنيا مما يتراءى أنه رحمة، وما يكون له في الآخرة، فوراء كل عذاب شديد.
وأما ثالثًا: فلأن كون التخفيف ليس برحمة من كل الوجوه، لا يضر، وكل أهل النار يتمنى التخفيف: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ(٤٩) ﴾، وحنانيك بعض الشر أهون من بعض.
وأما ثامنًا: فلأن قولهم: وعلى الثاني قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة إلخ، فيه بعض شيء، وهو أنه يصح أن يكون بالاعتبار الأول؛ لأن نعم الدنيا والآخرة تزيد على نعم الآخرة، نعم يجاب عنه بأنه يلزم حينئذ أن يكون ذكر رحيم الدنيا لغوًا، ولا يلزم ذلك على اعتبار الكيفية؛ إذ المراد يا موليًا لجسام النعم في الدارين، ولما دونها في الدنيا.
وأيضًا مقصود القائل التوسل بكلا الاسمين المشتقين من الرحمة في مقام طلبها، مشيرًا إلى عموم الأول وخصوص الثاني، ويحصل في ضمنه الاهتمام برحمته الدنيوية الواصلة إليه الباعثة لمريد شكره، إلا أنه يرد عليه كسابقه أن الأثر لا يعرف، والمعروف المرفوع: "رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما"، وكفاية كونه من كلام السلف ليس بشيء، كما لا يخفى".стр. 109
الحدوث والاستقبال.
فائدتان:
الأولى: قال الفاكهاني (١) : لا يقع على كل مخلوق، بل على من يمكن منه التكليف (٢) .
الثانية: قال في القاموس (٣) : "العبد الإنسان، حرًا كان أو رقيقًا.
والمملوك كالعبد [ل] (٤) ، وجمعه: عبدون، وعبيد، وأعبد، وعباد، الحواشي
(١) هو: عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري، تاج الدين الفاكهاني، (٦٥٤ - ٧٣٤ هـ = ١٢٥٦ - ١٣٣٤ م): عالم بالنحو، من أهل الإسكندرية، زار دمشق سنة ٧٣١ هـ واجتمع به ابن كثير (صاحب البداية والنهاية) وقال: سمعنا عليه ومعه، وحج ورجع إلى الإسكندرية، وصلي عليه بدمشق لما وصل خبر وفاته.
له كتب، منها "الإشارة - خ" في النحو، و"المنهج المبين - خ" في شرح الأربعين النووية، و"التحرير والتحبير - خ" في شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، في فقه المالكية، و"رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام - خ" في الحديث، و"الفجر المنير في الصلاة على البشير النذير - خ"، و"الغاية القصوى في الكلام على آيات التقوى - خ". ينظر: الأعلام (٥/ ٥٦).(٢) أي: إن الاتصاف بالعبودية لا يقع على كل إنسان، وإنما يقع على من تحققت فيه شروط التكليف من العقل والبلوغ، وما قاله ظاهر؛ قياسًا على الحيوان والجماد.(٣) المراد به الفيروزآبادي، وهو: محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر، أبو طاهر، مجد الدين الشيرازي الفيروزآبادي، (٧٢٩ - ٨١٧ هـ = ١٣٢٩ - ١٤١٥ م): من أئمة اللغة والأدب، ولد بكارزين: بكسر الراء وتفتح، من أعمال شيراز، وانتقل إلى العراق، وجال في مصر والشام، ودخل بلاد الروم والهند، ورحل إلى زبيد سنة ٧٩٦ هـ، فأكرمه ملكها الأشرف إسماعيل، وقرأ عليه، فسكنها وولي قضاءها، وانتشر اسمه في الآفاق، حتى كان مرجع عصره في اللغة والحديث والتفسير، وتوفى في زبيد.
كان قوي الحافظة، يحفظ مائة سطر كل يوم قبل أن ينام، وأشهر كتبه (القاموس المحيط - ط) أربعة أجزاء. ينظر: الأعلام (٧/ ١٤٦).(٤) ما بين معكوفتين أثبتناه مِن القاموس المحيط.стр. 110
و [عُبْدان، وعِبِدان] (١) ، وعِبِدّان: بكسرتين مشددة الدال، ومعبدة كمشيخة، ومعابد، وعبداء (٢) ، وعبد بضمتين، وعَبُد كنَدُس، ومعبوداء، وجمع الجمع: أعابد". . انتهى.
ونظم ابن مالك منها أحد عشر في بيتين، فقال:
عباد عبيد جمع عبد وأعبد ... أعابد معبوداء معبدة عبد
كذلك عبدن (٣) وعبدان أثبتا (٤) ... كذلك العِبِدَّى وامدد إنْ شئت أن تمد
وذكرت ما زاد صاحب القاموس مضافًا لما ذكره لتتم الفائدة، فقلت:
عبدان (٥) شد الدال فيه معابد ... ومثل ندس عبدون؛ فاحفظ كي تسد
وعن ابن مالك مِن المجموع: أعابد، وفي القاموس هو: جمع الجمع. . انتهى.
تمهيد:
قال بعض مشايخي: كل مصلحة ترتبت على فعل فهي مِن حيث إنها نتيجة له تسمى فائدة، ومِن حيث إنها طرف له تسمى غاية، ومِن حيث إنها الحواشي
(١) ما بين معكوفتين أثبتناه مِن القاموس المحيط.(٢) كلمة غير واضحة في "ك"، وما أثبتناه مِن القاموس المحيط، ونص ما في القاموس ص ٣٧٨: "العبد: الإنسان حرًا كان أو رقيقًا والمملوك كالعبدل ج: عبدون وعبيد وأعبد وعباد وعبدان وعبدان وعبدان بكسرتين مشددة الدال ومعبدة كمشيخة ومعابد وعبداء وعبدى وعبد بضمتين وعبد كندس ومعبوداء جج: أعابد. والعبدية والعبودية والعبودة والعبادة: الطاعة".(٣) في "ك": عبدان.(٤) في القاموس: أثبتن، على إثبات نون التوكيد الخفيفة، وما أثبتناه هو في سائر النسخ، أي: إبدال نون التوكيد الخفيفة ألفًا، لأجل الوقف، كما قال الشاعر:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخًا على كرسيه معما
وإبدال نون التوكيد الخفيفة ألفًا عند الوقف لغة عالية، ولا أدل على ذلك من وروده في القرآن في الكريم في أكثر من موضع، من ذلك قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا﴾، و: ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.(٥) في "ك": عبادان.стр. 111
مطلوب للفاعل بإقدامه على الفعل تسمى غرضًا، ومِن حيث إنها باعثة له على ذلك تسمى علة غائية. . انتهى.
وفي الصحاح (١) : الفائدة ما استفيدت مِن علم أو مال.
وقال بعضهم: كل أمر كلي منطبق على جزئياته لتتعرف أحكامها منه، ومنها: الضابط.
ولما كان في الوصف بالعبودية شرف أعقبه بأوصاف التواضع، فقال: الفقير: صيغة مبالغة، عطف بيان أو بدل (٢) .
المضطر: نعت أخص مما قبله، إذ لا يلزم مِن الفقر الاضطرار. الحواشي
(١) صاحبه الجوهري، وهو: إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر، (٠٠٠ - ٣٩٣ هـ = ٠٠٠ - ١٠٠٣ م): أول من حاول (الطيران) ومات في سبيله، لغوي من الأئمة، وخطه يذكر مع خط ابن مقلة، أشهر كتبه: الصحاح، وله كتاب في العروض، ومقدمته في النحو، أصله من فاراب، ودخل العراق صغيرًا، وسافر إلى الحجاز فطاف البادية، وعاد إلى خراسان، ثم أقام في نيسابور، وصنع جناحين من خشب وربطهما بحبل، وصعد سطح داره، ونادى في الناس: لقد صنعت ما لم أسبق إليه وساطير الساعة، فازدحم أهل نيسابور ينظرون إليه، فتأبط الجناحين ونهض بهما، فخانه اختراعه، فسقط إلى الأرض قتيلًا. ينظر: الأعلام (١/ ٣١٣).(٢) عطف البيان، هو ما كان: تابعًا، جامدًا، مشبهًا للصفة في إيضاح متبوعه وعدم استقلاله، نحو:
أقسم باللَّه أبو حفص عمر ... ما مسها من نقب ولا دبر
فاغفر له اللَّهم إن كان فجر
فعمر عطف بيان لأنه موضح لأبي حفص فخرج بقوله الجامد الصفة لأنها مشتقة أو مؤولة به وخرج بما بعد ذلك التوكيد وعطف النسق لأنهما لا يوضحان متبوعهما والبدل الجامد لأنه مستقل، وعلى هذا كل ما كان عطف بيان كان بدلًا مشتقًا، إلا في مسألتين يتعين فيهما كون التابع عطف بيان لا بدلًا، هما؛ الأولى: أن يكون التابع مفردًا، معرفة، معربًا والمتبوع منادى، نحو: (يا غلام يعمرا)، فيتعين أن يكون (يعمرا) عطف بيان، ولا يجوز أن يكون بدلا؛ لأن البدل على نية تكرار العامل، فكان يجب بناءً (يعمرا) على الضم؛ لأنه لو لفظ بـ (يا) معه لكان كذلك.
الثانية: أن يكون التابع خاليا من (أل) والمتبوع بـ (أل)، وقد أضيفت إليه صفة بـ (أل)، نحو: (أنا الضارب الرجل زيد)، فيتعين كون (زيد) عطف بيان، ولا يجوز كونه بدلًا =стр. 112
لرحمة ربه: متعلق بالفقير، أو المضطر، أو بهما.
المنكسر: نعت ترحم (١) ، أخص مما قبله.
خاطره: فاعل اسم الفاعل، وهو منكسر، وأعمله مِن غير سبق أنفي أو شبهه، (٢) ؛ لأنه صلة أل، والخاطر لغة: الهاجس. الحواشي
(١) للنعت فوائد عديدة، ذكرها النحاة في كتبهم، وقد ذكروا منها:
١ - التخصيص، وذلك إذا كان متبوعه نكرة، نحو: (مررت برجل خياط)؛ وإنما خص التخصيص بالنكرة لأن النعت لا يوضحها، وإنما يخصصها.
٢ - التوضيح، وذلك إذا كان النعت معرفة يتحدد بها، نحو: (مرت بزيد الخياط)، وإنما قلت: يتحدد بها أن ما تحدد من ذاته لا يعرب تابعه نعتًا، وذلك كما قالوا في إعراب البسملة، وقد منع السهيلي في نتائج الفكر ص ٤١ إعراب الرحمن بدلًا من اللَّه للعلة نفسها، قائلًا: "لأن الاسم الأول لا يفتقر إلى تبيين؛ لأنه أعرف الأسماء كلها وأبينها".
٢ - والمدح، نحو: (مررت بزيد الكريم).
٣ - والذم، نحو: (مررت بزيد الفاسق)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
٤ - والترحم، نحو: (مررت بزيد المسكين).
٥ - والتأكيد، نحو: (أمسى الدابر لا يعود)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ(١٣) ﴾ [الحاقة: ١٣] ".
ينظر: شرح ابن عقيل (٣/ ١٩١ - ١٩٢).(٢) ما بين معكوفتين مطموس في "ك".стр. 113
ثم علل ذلك بقوله: لقلة العمل الصالح، وقلة التقوى، وهي لغة: قلة الكلام، والحجز بين الشيئين، واصطلاحًا: امتثال أمر اللَّه -تعالى- واجتناب نواهيه.
ومِن الأوامر: الإخلاص، والصبر، والرضى، والزهد، والقناعة، والتوكل، وشكر المنعم، والنصيحة، ومحبة أهل العلم، وتعلم ما لا بد منه مِن أمر الدين.
ومِن النواهي: الحقد، والحسد، والبغي، والغضب لغير اللَّه، والغش، والخديعة، والمكر، والكبر، والعجب.
وإنما قال المصنف ذلك هضمًا لنفسه، وإلا فعلمه وتقواه مشهور (١) ، وكان مِن أهل الكشف (٢) ، . . . . . الحواشي
(١) كذا في سائر النسخ، ولعل الصواب: مشهوران.(٢) يتحقق للمرء الكشف بتربية نفسه وجهادها، وبحملها على ترك بعض المباحات وفعل ما تكره من المندوبات فضلًا عن الواجبات، يقول أبو حامد الغزالي في إحيائه (١/ ٧١) وهو يتحدث عما يخص به الكشف: "أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن، ومراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة، وسلوكه، وصدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة؛ فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة، ودقائق علوم القلب تنفجر بها ينابيع الحكمة من القلب، وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك، بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تتفتح بالمجاهدة والمراقبة ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة والجلوس مع اللَّه في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة والانقطاع إلى اللَّه -تعالى- عما سواه، فذلك مفتاح الإلهام، ومنبع الكشف، فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة، وكم من مقتصر على المهم في التعلم ومتوفر على العمل ومراقبة القلب فتح اللَّه له من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب".
وقال (١/ ١٠٠): "وإنما الكشف الحقيقي هو صفة سر القلب وباطنه".
وقال (١/ ٣٣٧): "والحجب المسماة أنوارًا ما أريد بها الضوء المحسوس بالبصر بل أريد بها ما أريد بقوله -تعالى-: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ. . .﴾ الآية)، ولنتجاوز هذه المعاني فإنها خارجة عن علم المعاملة، ولا يوصل إلى حقائقها إلا الكشف التابع للفكر الصافي، وقل من ينفتح له بابه، والمتيسر على جماهير الخلائق الفكر فيما يفيد في علم المعاملة؛ وذلك -أيضًا- مما تغزر فائدته، =стр. 114
كشيخه (١) -رحمهما اللَّه تعالى-. الحواشي
(١) أي: عبد اللَّه المنوفي، ولا يعرف من اسمه إلا هذا القدر، وقد ترجم له ابن حجر في الدرر الكامنة (٣/ ٩٧ - ٩٩)، فقال: "عبد اللَّه المغربي الأصل، ثم المصري، المشهور بالمنوفي، ولد ببعض قرى مصر، وتلمذ للشيخ سليمان التنوخي الشاذلي، وخدمه وهو ابن تسع، فعلمه القرآن، وانتفع به، وأخذ عن الشيخ ركن الدين بن القوبع، وشمس الدين التونسي: والد القاضي ناصر الدين، وشرف الدين الزواوي، وشهاب الدين المرحل، وجلال الدين إمام الفاضلية المعبر، ومجد الدين الأقفهسي، وذكر أنه كان من الصلحاء، وغيرهم، وانقطع بالمدرسة الصالحية، فكان لا يخرج إلا إلى صلاة الجماعة، أو الجمعة، ثم أقام في تربة كانت أخته ساكنة بها، وتقلل من متاع الدنيا، وامتنع من الاجتماع بالسلطان، وعين لكثير من المناصب فلم يجب، واشتهر بالديانة والصلاح والعبادة والزهادة، وحكيت عنه الكرامات الكثيرة.
قال الشيخ خليل في ترجمته: كان يتكلم في المعارف كلام من هو قطب رحاها، وشمس ضحاها، وكان يتكلم على رسالة القشيري وتفسير الواحدي والشفاء للقاضي عياض، وكان يشغل في العربية والأصول، ولكن في الفقه أكثر، وقد شهد له معاصروه بأنه كان أحسن الناس إلقاء للتفسير، وكان يصوم الدهر، لكنه يفطر إذا دعي إلى وليمة، ويتعبد ويشغل عامة نهاره وأكثر ليله.
قال: وحل ابنَ الحاجب مرارًا قبل أن يظهر له شرح، وكان يفتح عليه فيه بما لم يفتح لغيره. =стр. 115
وهضم النفس شأن أهل العلم والدين، قال اللَّه -تعالى-: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]، ويقال: من رضي بدون قدره [رفعه] (١) اللَّه فوق قدره.
خليل: (٢) عطف بيان أو بدل بن إسحاق عطف بيان بن موسى. الحواشي
(١) ما بين معكوفتين مطموس في "ك".(٢) هو: خليل بن إسحاق بن موسى، ضياء الدين الجندي، (٠٠٠ - ٧٧٦ هـ = ٠٠٠ - ١٣٧٤ م): فقيه مالكي، من أهل مصر، كان يلبس زي الجند، تعلم في القاهرة، وولي الإفتاء على مذهب مالك، له (المختصر - ط) في الفقه، يعرف بمختصر خليل، وهو أشهر كتبه، وقد شرحه كثيرون. ينظر: الأعلام (٢/ ٣١٥).
قال في الدرر الكامنة (٢/ ٢٠٧): "وكان يسمى محمدًا، ويلقب ضياء الدين، سمع من ابن عبد الهادي عبد الغني، وقرأ على الرشيدي في العربية والأصول، وعلى الشيخ عبد اللَّه المنوفي في فقه المالكية، وشرع في الإشغال بعد شيخه، وتخرج به جماعة، ثم درس بالشيخونية، وأفتى وأفاد.
ولم يغير زي الجندية، وكان صينًا عفيفًا نزيهًا". =стр. 116
وَوَهِمَ من قال: بن يعقوب (١) .
وابن يكتب بغير ألف؛ لوقوعه بين علمين (٢) ، قال المحدثون: ما لم العلم الأول آخر السطر، والثاني في أول آخر؛ فيكتب بالألف.
المالكي: نسبة لمذهب الإمام مالك (٣) ، توفي ﵀ بالطاعون، سبع وستين وسبعمائة (٤) ، تغمده، أي: غمره اللَّه برحمته. الحواشي
(١) القائل به هو ابن غازي، قال الحطاب في المواهب (١/ ٢٠): "وذكر ابن غازي موضع موسى: يعقوب، ويوجد كذلك في بعض النسخ، وهو مخالف لما رأيته بخطه". وكذا قال الرماصي في حاشيته على التتائي.(٢) ما لم يكن العلم الثاني أما للأول؛ وذلك للتفريق بين الأسماء المشركة بين الذكور والإناث، وذلك نحو: عائشة، وتيسير، وقد فصلت القول في كتابي: قواعد الإملاء دراسة وتقويمًا، و: الكتابة العربية بين الجمود ومحاولة التطوير.(٣) هو: مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد اللَّه، (٩٣ - ١٧٩ هـ = ٧١٢ - ٧٩٥ م): إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية، مولده ووفاته في المدينة، كان صلبًا في دينه، بعيدًا عن الأمراء والملوك، وُشِيَ به فضربه سياطًا انخلعت لها كتفه، ووجه إليه الرشيد العباسي ليأتيه فيحدثه. فقال: العلم يؤتى، فقصد الرشيد منزله، واستند إلى الجدار، فقال مالك: يا أمير المؤمنين من إجلال رسول اللَّه إجلال العلم، فجلس بين يديه، فحدثه، وسأله المنصور أن يضع كتابا للناس يحملهم على العمل به، فصنف "الموطأ - ط".
وله رسالة في "الوعظ - ط"، وكتاب في "المسائل - خ"، ورسالة في "الرد على القدرية"، وكتاب في "النجوم"، و"تفسير غريب القرآن"، وأخباره كثيرة، ولجلال الدين السيوطي: "تزيين الممالك بمناقب الإمام مالك - ط"، ولمحمد أبي زهرة كتاب: "مالك ابن أنس: حياته، عصره إلخ - ط"، ولأمين الخولي: "ترجمة محررة لمالك بن أنس - ط". ينظر: الأعلام (٥/ ٢٥٨).(٤) جاء في هامش الشرح الكبير لشارحنا المسمى: (فتح الجليل) نسخة مركز جهاد الليبيين: في ثالث عشر ربيع الأول، سنة سبع وستين وسبعمائة. اهـ.
قلت: وقد اختلف في تحديد سنة وفاته -رحمه اللَّه تعالى- ففي الدرر الكامنة =стр. 117
فائدة:
اقتصر المؤلف على ذكر اسمه، ولم يذكر له كنية، وإن كانت جائزة للرجال والنساء؛ لعدم شهرته بها، ولم يذكر له لقبًا؛ لأنه بدعة ممنوعة، على ما ذكر ابن الحاج (١) في كتابه المدخل، واللَّه أعلم.
ولما وصف نفسه بالذل والافتقار قال: الحمد للَّه مفتتحًا بالمقصود الأهم؛ اقتداء بالكتاب العزيز، وعملًا بخبر (٢) أبي هريرة (٣) : "كل أمر ذي الحواشي
(١) هو: محمد بن محمد بن محمد ابن الحاج، أبو عبد اللَّه العبدري المالكي الفاسي، (٠٠٠ - ٧٣٧ هـ = ٠٠٠ - ١٣٣٦ م)، نزيل مصر: فاضل تفقه في بلاده، وقدم مصر، وحج، وكف بصره في آخر عمره وأقعد، وتوفي بالقاهرة عن نحو ٨٠ عامًا، له (مدخل الشرع الشريف - ط) ثلاثة أجزاء، قال فيه ابن حجر: كثير الفوائد، كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس ويتساهلون فيها، وأكثرها مما ينكر، وبعضها مما يحتمل. وله (شموس الأنوار وكنوز الأسرار - ط)، و (بلوغ القصد والمنى في خواص أسماء اللَّه الحسنى - خ). ينظر: الأعلام (٧/ ٣٥).(٢) في "ك": لخبر.(٣) هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الملقب بأبي هريرة، (٢١ ق. هـ - ٥٩ هـ = ٦٠٢ - ٦٧٩ م): صحابي، كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له، نشأ يتيمًا ضعيفًا في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول اللَّه ﷺ بخيبر، فأسلم سنة ٧ هـ، ولزم صحبة النبي ﷺ ، فروى عنه ٥٣٧٤ حديثًا، نقلها عن أبي هريرة أكثر من ٨٠٠ رجل بين صحابي وتابعي، وولي إمرة المدينة مدة، ولما صارت الخلافة إلى عمر استعمله على البحرين، ثم رآه لين العريكة مشغولًا بالعبادة، فعزله، وأراده بعد زمن على العمل فأبى، وكان أكثر مقامه في المدينة، وتوفي فيها، وكان يفتي، وقد جمع شيخ الإسلام تقي الدين السبكي جزءًا سمي: (فتاوي أبي هريرة)، ولعبد الحسين شرف الدين كتاب في سيرته: (أبو هريرة - ط). ينظر: الأعلام (٣/ ٣٠٨).стр. 118
بال لا يبدأ فيه بالحمد للَّه فهو أجذم" (١) بالذال المعجمة.
تنبيه:
ظهر لك مِن قولنا: (المقصود الأهم) الجمع بين حديثي البسملة والحمدلة السابقين؛ فإن الافتتاح بكل منهما مقصود، لكن (٢) كل بالنسبة لما يليه.
وأجيب: بأن الأول افتتاح حقيقي، والثاني إضافي، ولم يعكس ذلك؛ لقوة حديث البسملة؛ إذ المقصود بالحمد الثناء على اللَّه -تعالى- والبسملة من أبلغه.
فائدة التنبيه:
قال بعضهم: هو إعلام بتفصيل ما علم إجمالًا.
وقيل: ما نبّه عليه المذكور بنعمة بطريق الإجمال. الحواشي
(١) رواه أبو داود مرسلًا ومتصلًا (١٢/ ٤٦٨، رقم ٤٢٠٠)، والمتصل علته قرة، ورواه كذلك ابن أبي شيبة (٩/ ١١٦، رقم ٩/ ٢٧٢)، ولكن بلفظ (أقطع)، وقد أخطأ من صححه أو حسنه، اعتمادًا على توثيق ابن حبان، وأما قول ابن عدي: "لم أر له حديثًا منكرًا جدًا، وأرجو أنه لا بأس به "فلا يعارض بقول الإمام أحمد: "منكر الحديث جدا"، هذا مع ما يدل عليه كلام ابن عدي من التسليم بنكارة أحاديثه، ومن ثم فلا يغتر بما قال الحافظ ابن حجر في تقريبه عنه: (١/ ٤٥٥): "صدوق له مناكير".(٢) العطف بـ (لكن) محل اختلاف بين النحاة، والذين أجازوه وضعوا له ضوابط ذكرها النحاة في كتجهم، محصلها: واعلم أن لكن لا يعطف بها، إلا بعد نفي، نحو: (ما قام زيد لكن عمرو)، أو نهي، نحو: (لا تضرب زيدًا لكن عمرًا)، والمعطوف بها محكوم له بالثبوت، بعد النفي والنهي، ولا تقع في الإيجاب عند البصريين، وأجاز الكوفيون أن يعطف بها في الإيجاب، نحو: (أتاني زيد لكن عمرو).
تنبيه: إنما يشترك النفي والنهي في الواقعة قبل المفرد، وأما إذا وليها جملة فيجوز أن تقع بعد إيجاب، أو نفي، أو نهي، أو أمر، ولا تقع بعد استفهام؛ فلا يجوز: (هل زيد قائم؟ لكن عمرو لم يقم)، وأما إذا وقعت قبل الجملة فالذي ذهب إليه أكثر المغاربة أنها حينئذ حرف ابتداء، لا حرف عطف.
وقيل: إنها تكون حرف عطف، تعطف جملة على جملة، إذا وردت بغير واو.
قال ابن أبي الربيع: وهو ظاهر كلام سيبويه.стр. 119
وهما متقاربان.
والحمد لغة: الثناء بالجميل الاختياري، سواء تعلق بنعمة أو غيرها (١) .
والشكر لغة: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم مِن حيث إنه منعم على الشاكر، فالشكر مورده عام للسان وغيره، كالجنان والأركان، ومتعلقه خاص: النعمة الواصلة للشاكر.
والحمد عرفًا: الثناء باللسان على قصد التعظيم، سواء تعلق بالنعمة أو غيرها. الحواشي
(١) قال صاحب اللسان (٤/ ٢٣٠٥): "قال ثعلب: الشُّكْرُ لا يكون إِلَّا عن يَدٍ، والحَمْدُ يكون عن يد وعن غير يد، فهذا الفرق بينهما.
والشُّكْرُ من اللَّه: المجازاة والثناء الجميل، شَكَرَهُ وشَكَرَ له يَشْكُرُ شُكْرًا وشُكُورًا وشُكْرانا، قال أيو نخيلة:
شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ منَ التُّقَى ... وما كُلُّ مَنْ أَوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي
قال ابن سيده: وهذا يدل على أَن الشكر لا يكون إِلا عن يد؛ أَلا ترى أَنه قال: (وما كل من أَوليته نعمة يقضي)؟ أَي: ليس كل من أَوليته نعمة يشكرك عليها. .، وأَما الشَّكُورُ من عباد اللَّه فهو الذي يجتهد في شكر ربه بطاعته وأَدائه ما وَظَّفَ عليه من عبادته، والشُّكْرُ مثل الحمد إِلا أَن الحمد أَعم منه فإنك تَحْمَدُ الإِنسانَ على صفاته الجميلة وعلى معروفه ولا تشكره إِلا على معروفه دونَ صفاته"، ومن ثم اختص اللَّه -جل وعلا- بالحمد دون الشكر في سياق الامتنان وتعظيمه بالقول، وإن كان -تعالى- أهلًا لكليهما، غير أن الشكر له لا يكون إلا بالعمل، قال اللَّه -تعالى-: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، ولذلك لو قيل في غير القرآن الكريم؛ (الشكر للَّه رب العالمين)، لأبى هذا التركيبَ الذوقُ الرفيع؛ إذ كلمة (الشكر) هنا قلقة في مكانها، ضعيفة في معناها؛ وسبب ذلك أن هذا التركيب يفيد أن العبد إنما عظم اللَّه -تعالى- بسبب ما وصله من نعمة، وهذا المقام الذي هو مقام الثناء على الخالق، ينبغي على العبد أن يربأ بنفسه عن ذكر ما لا يدل على الخضوع والانقياد المطلق؛ تحقيقًا لكمال العبودية للَّه رب العالمين؛ لأن المطلوب من العبد ليس تعظيم اللَّه -جل شأنه- بسبب وصول النعمة إليه، وإنما المطلوب تعظيمه -تعالى- في كل حال، وإن لم يصل منه نعمة؛ لكونه -سبحانه- مستحقًا للحمد أبدًا، ومن ثم قال النحاة في اللام التي في (للَّه): هي لام الاستحقاق.стр. 120
والشكر عرفًا: صرف العبد جميع ما أنعم اللَّه عليه مِن السمع وغيره إلى ما خلق لأجله.
فالشكر أخص مطلقًا؛ لاختصاص تعلقه بالبارئ؛ لتقييده بكون المنعم منعمًا على الشاكر، ولوجوب شمل الآلات، بخلف الحمد.
حمدًا مصدر نوعي، أو معمول لـ (أحمد) مقدر قبله.
يوافي، أي: يشرف على ما تزايد أي: نمى مِن النعم جمع نعمة، وهي: البر والصنعة والمنة، وما أنعم به على الإنسان.
وقال ابن الفرات: يوافي: يلاقي ما تزايد مِن النعم، أي: يحصل معها، وكأنه لما ذكر الحمد في غير مقابل، ذكره ثانيًا في مقابلة النعمة؛ ليأتي بقسميه.
والشكر له على ما أولانا، أي: أعطانا، وأهدى إلينا.
مِن الفضل، وهو: الزيادة والخير، كالهداية للإيمان، والتوفيق للطاعات، وسلامة الحواس، وحسن الإدراك، وهو: ضد النقص. والكرم بفتح الراء: العطاء والإحسان، وشرف الأصل؛ لأن شكر النعمة قيد لها.
النووي (١) : نقيض الحمد الذم، ونقيض الشكر الكفر، والكرم لغة: الحواشي
(١) هو: يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي الحوراني، النووي، الشافعي، أبو زكريا، محيي الدين، (٦٣١ - ٦٧٦ هـ = ١٢٣٣ - ١٢٧٧ م): علامة بالفقه والحديث. مولده ووفاته في نوا (من قرى حوران، بسورية) وإليها نسبته، تعلم في دمشق، وأقام بها زمنًا طويلًا. من كتبه: "تهذيب الأسماء واللغات - ط"، و"منهاج الطالبين - ط"، و"الدقائق - ط"، و"تصحيح التنبيه - ط" في فقه الشافعية، و"المنهاج في شرح صحيح مسلم - ط" خمس مجلدات، و"التقريب والتيسير - ط" في مصطلح الحديث، و"الأربعون حديثًا النووية - ط"، شرحها كثيرون، وأفردت ترجمته في رسائل، إحداها للسحيمي، والثانية للسخاوي، والثالثة "المنهاج السوي" للسيوطي مخطوطتان، والثالثة للسخاوي مطبوعة. والنووي: نسبة لنوا، يجوز كتبها بالألف: "نواوي"، وقد كان يكتبها هو بغير الألف، انظر نموذج خطه. قال الأسنوي: وينسب إليه تصنيفان ليسا له: =стр. 121
نقيض اللوم.
لا أحصي -مِن (أحصيت الشيء): عددته- ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، قال رسول اللَّه ﷺ : "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (١) .
ولمحمود الوراق (٢) :
إذا كان شكري نعمة اللَّه نعمة ... عليّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر (٣)
ونسأله (٤) ، أي: نطلب منه اللطف، أي: الرفق والدنو، ولطف اللَّه الحواشي
(١) أخرجه من حديث عائشة: مالك (١/ ٢١٤، رقم ٤٩٩)، وأحمد (٦/ ٢٠١ رقم ٢٥٦٩٦)، ومسلم (٣٥٢١١، رقم ٤٨٦)، وأبو داود (١/ ٢٣٢، رقم ٨٧٩)، والترمذي (٥/ ٥٢٤، رقم ٣٤٩٣) وقال: حسن. والنسائي (٢/ ٢٢٢، رقم ١١٣٠)، وابن ماجه (٢/ ١٢٦٢، رقم ٣٨٤١).(٢) هو: محمود بن حسن الوراق، (٠٠٠ - نحو ٢٢٥ هـ = ٠٠٠ - نحو ٨٤٠ م): شاعر، أكثر شعره في المواعظ والحكم، روى عنه ابن أبي الدنيا، وفي (الكامل) للمبرد، نتف من شعره، وهو صاحب البيت المشهور:
إذا كان وجه العذر ليس ببين ... فإن طرح العذر خير من العذر.
وجمع عدنان العبيدي ببغداد ما وجد من متفرقات شعره في ديوان، ينظر: الأعلام (٧/ ١٦٧).(٣) هذا المعنى أخذه الشاعر من قول نبي اللَّه داود ﵇: إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك فأوحى اللَّه تعالى إليه الآن قد شكرتني، وفي هذا يقال؛ الشكر على الشكر أتم الشكر. ينظر: المستظرف في كل فن مستطرف (١/ ٥٠٣).(٤) قول المصنف: (ونسأله) بنون العظمة هو في الظاهر يناقض ما قدم مِن الاعتراف بالذل لمولاه؛ والمقام مقام سؤال، فيناسبه ضمير الإفراد لا الجمع المراد به واحد عظمة، ولكن سيأتي اعتذار الشارح عنه قريبًا.стр. 122
بعبده: إيصال مراده إليه بلطف، وعند المتكلمين: ما يقع به صلاح المكلف عنده بالطاعة والإيمان دون فساده بالكفر والعصيان، ونسأله الإعانة مِن العون، وهو: الظهور على الأمر في جميع الأحوال الدنيوية، ومنها: القصد لتأليف هذا المختصر المنتفع به فيها، والأخروية، وتأليفه منها أيضًا:
إذا لم يكن عونًا (١) مِن اللَّه للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده
تنبيه:
أتى بالنون الدالة عليه وعلى من معه، ممن سأله في تصنيفه؛ لأن الدعاء بلسان الغير أبلغ في النجاح، ويحتمل أنها للعظمة؛ لأن مقام التصنيف منها.
ونسأله اللطف والإعانة في حمال حلول الإنسان هو البشر مِن بني آدم: ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا كان أو كبيرًا، والحال ما يكون الإنسان عليه، والوقت الّذي هو فيه، يؤنث وقد يذكر، في رمسه، أي: قبره، مِن حل يحل بالضم: نزل، وهو مِن عطف الخاص على العام، اهتمامًا بهذه الحال، والصّلاة وهي مِن اللَّه -تعالى- الرحمة، ومِن الملائكة: الاستغفار، ومنا: الدعاء، والسلام، أي: السلامة.
تنبيه:
عقب الصّلاة عليه ﷺ للثناء على اللَّه -تعالى- لأنه ﷺ هو الواسطة بين اللَّه -تعالى- وبين عباده في النعم الواصلة مِن اللَّه إليهم، وأعظمها: الهداية لتوحيده، والإقرار بربوبيته (٢) ، والتصديق بملائكته وكتبه ورسله على يده ﷺ . الحواشي
(١) كذا في "ك"، وهو لحن؛ لأن قوله: (عون) فاعل لكان التامة، التي بمعنى وجد، ولا يسوغ فيها غير ذلك، ولو كانت ناقصة لم يجز أيضًا سوى الرفع، بتقدير خبر محذوف، وقد نسب في الكشكول هذا البيت للمتنبي، ولم أجده في ديوانه.(٢) هذا الإقرار يشارك فيه المشركون، فلا يتميز به المسلم عن الكافر؛ ذلك لأن توحيد الربوبية معناه: الإقرار بأن اللَّه خالق كل شيء، وهذا التوحيد قد كان يقر به المشركون =стр. 123
فائدة:
جمع بين الصّلاة والسلام؛ لأنه يكره إفراد أحدهما عن الآخر، ذكره بعضهم في مجالس الوانوغي (١) وغيره (٢) ، وانظر: هل ذلك خاص بنبينا ﵊، أو عام فيه وفي غيره مِن الأنبياء.
على محمد: علم منقول (٣) مِن اسم مفعول [مشتق من] حُمِّد الحواشي
(٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، وإقرار المشرك بأن اللَّه رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب اللَّه، ولا يصير الرجل بمجرده مسلمًا فضلًا عن أن يكون وليًا للَّه أو من سادات الأولياء إن لم يقترن به إقراره بأن لا إله إلا اللَّه، فلا يستحق العبادة إلا هو، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإنما الذي يتميز به المسلم هو توحيد العبادة، المسمى توحيد الألوهية. ولعل الشارح قال ما قال تأثرًا بما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني من أنَّ الكفر خصلة واحدة، وهو: الجهل بوجود اللَّه تعالى، وهو قول نقله عنه القاضي عياض في الشفا (٢/ ٢٣٢)، ونقل عنه ما يناقضه من تكفير من زعم أن اللَّه جسم.(١) هو: محمد بن أحمد بن عثمان التونسي الوانوغي، (٧٥٩ - ٨١٩ هـ = ١٣٥٧ - ١٤١٦ م)، نزيل الحرمين: عالم بالتفسير والفرائض والحساب، ولد في تونس، ومات بمكة، له "كتاب على قواعد ابن عبد السلام". ينظر: الأعلام (٥/ ٣٣١).(٢) قال الحطاب (١/ ٢٩): "شاع في كثير من كلام العلماء كراهة إفراد الصلاة عن السلام وعكسه، وممن صرح بالكراهة النووي، قال السخاوي في القول البديع: وتوقف شيخنا -يعني: ابن حجر- في إطلاق الكراهة.
وقال: فيه نظر، نعم يكره أن يفرد الصلاة ولا يسلم أصلًا، أما لو صلى في وقت، وسلم في وقت آخر، فإنه يكون ممتثلًا. انتهى. قال: ويتأيد بما في خطبة مسلم والتنبيه وغيرهما من مصنفات أئمة السنة من الاقتصار على الصلاة فقط. وقال قبله: استدل بحديث كعب وغيره على أن إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره وكذلك العكس؛ لأن تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة. انتهى.
وذكر في الخاتمة مقامات تقتضي أنه لا ينبغي إفراد الصلاة عن التسليم، ولم أقف لأحد من المالكية في ذلك على كلام إلا ما رأيته في آخر نسخة من المسائل الملقوطة أنه يكره ذلك، ولم يعزه. وقال الشيخ زروق في شرح الوغليسية: كره جمهور المحدثين إفراد الصلاة عن التسليم وعكسه".(٣) سيأتي بيان معنى العلم المنقول في كلام أهل العربية قريبًا، وإن كان في كلام الشارح العلامة ما يدل عليه.стр. 124
بالتشديد، اسم مِن أسماء سيدنا ومولانا رسول اللَّه ﷺ ، سمي به لكثرة خصاله المحمودة (١) ، وهو أبلغ مِن محمود؛ لأنه مِن الثلاثي المجرد، ومحمد [من] المضاعف؛ للمبالغة (٢) . الحواشي
(١) قال الملا الهروي في جمع الوسائل (٢/ ١٨١): "محمد: اسم مفعول من التحميد مبالغة، نقل من الوصفية إلى الاسمية، يسمى به لكثرة خصاله المحمودة، أو لأنه حمد مرة بعد مرة، أو لأن اللَّه تعالى حمده حمدًا كثيرًا بالغًا غاية الكمال، وكذا الملائكة والأنبياء والأولياء، أو تفاؤلًا؛ لأنه يكثر حمده كما وقع، أو لأنه يحمده الأولون والآخرون وهم تحت لواء حمده، فألهم اللَّه أهله أن يسموه بهذا الاسم لما علم من حميد صفاته".(٢) فقد تقرر في علم أصول العربية أن الزيادة في المبنى دليل على الزيادة في المعنى، يقول ابن جني في كتابه الخصائص، وهو أجود كتاب ألف في أصول العربية، (٣/ ٢٦٤ - ٢٦٩): "باب في قوّة اللفظ لقوّة المعنى: هذا فصل من العربية حَسَن، منه قولهم: (خَشُن) و: (اخشوشن)، فمعنى (خَشُن) دون معنى (اخشوشن)؛ لِما فيه من تكرير العين وزيادة الواو. ومنه قول عمر ﵁: (اخشوشِنوا وتمعددوا)، أي: اصلُبوا وتناهَوا في الخُشْنة. وكذلك قولهم: (أعشب المكان)، فإذا أرادوا كثرة العُشْب فيه قالوا: (اعشوشب). ومثله (حلا) و (احلولى) و (خَلُق) و (اخلولق)، و (غدِن) و (اغدودن). ومثله باب (فَعَل) و (افتعل)، نحو (قدر) و (اقتدر)، فـ (اقتدر): أقوى معنى من قولهم: (قدر)، كذلك قال أبو العباس، وهو محض القياس. قال اللَّه سبحانه: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾، فـ (مقتدر) هنا أوفق من (قادر) من حيث كان الموضع لتفخيم الأمر وشدّة الأخذ، وعليه -عندي- قول اللَّه : ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وتأويل ذلك: أن كسب الحسنة بالإضافة إلى اكتساب السيئة أمر يسير ومستصغَر، وذلك لقوله -عزَّ اسمه-: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾، أفلا ترى أن الحسنة تصغر بإضافتها إلى جزائها صِغر الواحد إلى العشرة، ولما كان جزاء السيئة إنما هو بمثلها لم تحتقر إلى الجزاء عنها، فعلم بذلك قوّة فعل السيّئة على فعل الحسنة؛ ولذلك قال ﵎: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا(٩٠) ﴾، فإذا كان فعل السيئة ذاهبا بصاحبه إلى هذه الغاية البعيدة المترامية عُظِّم قدرها وفُخِّم لفظ العبارة عنها، فقيل: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)، فزِيد في لفظ فِعل السيئة، وانتقِص من لفظ فعل الحسنة لما ذكرنا، ومثله سواءً بيت الكتاب:
أنا اقتسمنا خُطَّتَيْنا بيننا ... فحملت برة وأحتملت فجارِ
فعبَّر عن البِرّ بالحمل، وعن الفَجْرة بالاحتمال، وهذا هو ما قلناه في قوله -عزَّ اسمه-: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، لا فرق بينهما، وذاكرت بهذا الموضع =стр. 125
وكيف لا، وهو الّذي يحمده أهل المحشر (١) ، وبيده لواء الحمد (٢) .
وقيل: علم مرتجل (٣) .
تذييل:
ذكر صاحب المدخل عن الحسن البصري (٤) : أن اللَّه ليوقف العبد الحواشي
(١) لأجل شفاعته فيهم، وهي الشفاعة المعروفة بالكبرى.(٢) ورد ذلك في حديث أحمد (٢/ ٣، رقم ١١٠٠٠)، والترمذي (٥/ ٥٨٧، رقم ٣٦١٥)، وابن ماجه (٢/ ١٤٤٠، رقم ٤٣٠٨) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وبيدى لواء الحمد، ولا فخر، وما من نبي يومئذ: آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، ولا فخر، وأنا أول شافع، وأول مشفع، ولا فخر"، وهو حديث صحيح.(٣) العلم على ضربين من حيث الوضع في الأصل:
أحدهما: مرتجل، وهو: الذي لا معنى له في الأجناس، من قولهم: (ارتجل الخطبة)، أي: اخترعها من غير روية، وعليه فإن العلم المرتجل: ما لم يسبق له استعمال قبل في غيرها، مثل: سعاد، وأدد وغطفان.
والآخر: منقول، وهو: ما سبق له استعمال في غير العلمية، والنقل يكون إما من صفة، أو مصدر، أو اسم جنس، أو جملة.(٤) هو: الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، (٢١ - ١١٥ هـ = ٦٤٢ - ٧٢٨ م): تابعي، كان إمام أهل البصرة، وحبر الأمة في زمنه، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك. ولد بالمدينة، وشب في كنف علي بن أبي طالب، واستكتبه الربيع، ابن زياد والي خراسان في عهد معاوية، وسكن البصرة. وعظمت هيبته في القلوب فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، لا يخاف في الحق لومة. وكان أبوه من أهل ميسان، =стр. 126
بين يديه [يوم القيامة] (١) اسمه أحمد أو محمد، فيقول [اللَّه تعالى] (٢) : عبدي، أما استحييتني وأنت تعصيني، واسمك اسم حبيبي محمد؟ ! فينكس العبد رأسه حياء، ويقول: اللَّهم إني قد فعلت.
فيقول [اللَّه] (٣) : يا جبريل، خذ بيد عبدي، وأدخله الجنة؛ فإني أستحي أن أعذب بالنار من اسمه اسم حبيبي (٤) . الحواشي
(١) ما بين معكوفتين أثبتناه من المدخل.(٢) ما بين معكوفتين أثبتناه من المدخل.(٣) ما بين معكوفتين أثبتناه من المدخل.(٤) المدخل (١/ ١٢٣)، وقد روى الرافعي (٢/ ٣٤٣) عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "من ولد له مولود فسماه محمدًا حبًّا لي وتبركًا باسمي، كان هو ومولوده في الجنة"، وفي المختارة للذهبي (١/ ٦٠) عن أنس مرفوعًا: "من رزق ولدا فسماه محمدًا وعلمه تبارك ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ إلا حشره اللَّه على ناقة من نوق الجنة خطامها من اللؤلؤ".
قال المناوي في فيض القدير (٦/ ٣٠٨) في تعليقه على حديث: "من ولد له ثلاثة أولاد فلم يسم أحدهم محمدًا فقد جهل": "أي: فَعَلَ فِعْل أهل الجهل مع ما في ذلك من عظيم البركة التي فاتته، وفي رواية لابن عساكر عن أبي أمامة مرفوعًا: "من ولد له مولود فسماه محمدًا تبركًا به كان هو ومولوده في الجنة".
قال المؤلف -يعني: السيوطي- في مختصر الموضوعات: هذا أمثل حديث ورد في هذا الباب، وإسناده حسن".
قلت: نص ما قال السيوطي في الآلىء المصنوعة (١/ ٩٧): " (ابن بكير) حدثنا حامد بن حماد بن المبارك العسكري حدثنا إسحاق بن سيار أبو يعقوب النصيبي حدثنا =стр. 127
سيد العرب: هذا وما يليه نعت لمحمد، والعرب جيل مِن الناس سكان الأمصار، والأعراب منهم سكان البادية.
والسيد: هو الكامل المحتاج إليه، واستعمله في غير اللَّه للدلالة على جوازه، وحكى ابن المنذر (١) قولًا يمنعه في غير اللَّه، وحكى في منع إطلاقه على غير اللَّه وكراهته قولين عن مالك. الحواشي
(١) هو: محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، أبو بكر، (٢٤٢ - ٣١٩ هـ = ٨٥٦ - ٩٣١ م): فقيه مجتهد، من الحفاظ. كان شيخ الحرم بمكة.
قال الذهبي: ابن المنذر صاحب الكتب التي لم يصنف مثلها، منها: "المبسوط" في الفقه، و"الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف - خ"، و"الإشراف على مذاهب أهل العلم - خ" الجزء الثالث منه، فقه، و"اختلاف العلماء - خ" الأول منه، و"تفسير القرآن - خ". ينظر: الأعلام (٥/ ٢٩٤).стр. 128
وسيد العجم، وهم: خلاف العرب، وقوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (١) شامل للأنبياء وغيرهم.
ويجوز في عين (العرب) و (العجم) الضم والفتح، والأول أفصح.
المبعوث: نعت أخص مما قبله، ثم بين عموم رسالته بقوله: لسائر أي: لجميع الأمم مِن الجن والإنس مِن حين بعثه، وعمره أربعون عامًا على المختار (٢) ، وإلى يوم القيامة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. الحواشي
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٣١٧، رقم ٣١٧٢٨)، ومسلم (٤/ ١٧٨٢، رقم ٢٢٧٨)، وأبو داود (٤/ ٢١٨، رقم ٤٦٧٣). وأخرجه أيضًا: أحمد (٢/ ٥٤٠، رقم ١٠٩٨٥) من حديث أبي هريرة.(٢) جاء في الروض الأنف (١/ ٣٩٦): "ذكر ابن إسحاق أن رسول اللَّه ﷺ بُعث على رأس أربعين من مولده ﵇، وهذا مروي عن ابن عباس، وجبير بن مطعم، وقباث بن أشيم، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وأنس بن مالك، وهو صحيح عند أهل السير والعلم بالأثر، وقد روي أنه نبئ لأربعين وشهرين من مولده.
وقيل لقباث بن أشيم: من أكبر: أنت، أم رسول اللَّه ﷺ ؟
فقال: رسول اللَّه أكبر مني، وأنا أسن منه، وولد رسول اللَّه ﷺ عام الفيل، ووقفت بي أمي على روث الفيل. ويروى: خزق الطير، فرأيته أخضر محيلا، أي: قد أتى عليه حول. وفي غير رواية البكائي من هذا الكتاب: أن رسول اللَّه ﷺ قال لبلال: "لا يفتك صيام يوم الإثنين؛ فإني قد ولدت فيه، وبعثت فيه، وأموت فيه".
وقال صفي الرحمن المبارك فوري في الرحيق المختوم: "ولما تكامل له أربعون سنة -وهي: رأس الكمال، وقيل: ولها تبعث الرسل- بدأت طلائع النبوة تلوح وتلمع، فمن ذلك أن حجرًا بمكة كان يسلم عليه، ومنها أنه كان يرى الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، حتى مضت على ذلك ستة أشهر -ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة- فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته ﷺ بحراء شاء اللَّه أن يفيض من رحمته على أهل الأرض، فأكرمه بالنبوة، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن.
وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن لنا أن نحدد ذلك اليوم بأنه كان يوم الإثنين، لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلًا، وقد وافق ١٠ أغسطس سنة ٦١٠ م، وكان عمره ﷺ إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية، وستة أشهر، و ١٢ يومًا، وذلك نحو ٣٩ سنة شمسية وثلاثة أشهر وعشرين يومًا". =стр. 129
تنبيه:
في كلام المصنف إشارة إلى عدم إرساله للملائكة، ونقل بعضهم (١) الإجماع (٢) [عليه]. الحواشي
(١) لعل مراده بالبعض: الرازي، قال الحطاب (١/ ٣١): "واختلف في بعثته إلى الملائكة، والأكثر على عدم بعثته إليهم، صرح بذلك الحليمي والبيهقي في الباب الرابع من شعب الإيمان، بل حكى الإمام الرازي والبرهان النسفي الإجماع على أنه لم يرسل إليهم.
وما حكاه الزركشي وتبعه القرافي وغيره عن الإمام الرازي من أنه حكى الإجماع على بعثته إليهم غير معروف عن الرازي، والمعروف عنه ما قدمناه، والقول ببعثته إليهم إنما حكاه السبكي عن بعضهم.
قال الكمال بن أبي شريف في حاشية شرح جمع الجوامع: قال السبكي: قال المفسرون كلهم في قوله تعالى: ﴿لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾: المراد به الإنس والجن وقال بعضهم: والملائكة".(٢) دعوى الإجماع غير صحيحة، فقد قال السيوطي في رسالته (الحبائك في أخبار الملائك): "اختلف العلماء في بعثة النبي ﷺ إلى الملائكة على قولين؛ أحدهما: أنه لم يكن مبعوثًا إليهم، وبهذا جزم الحليمي والبيهقي من أصحابنا ومحمود بن حمزة الكرماني في كتابه العجائب والغرائب.
ونقل البرهان النسفي والفخر الرازي في تفسيريهما الإجماع عليه، وجزم به من المتأخرين: الحافظ زين الدين العراقي في نكته على ابن الصلاح، والشيخ جلال الدين المحلى في شرح جمع الجوامع. والقول الثاني: أنه كان مبعوثًا إليهم، ورجحه القاضي شرف الدين البارزي، والشيخ تقي الدين السبكي، وهو المختار، وله فيه مؤلف يسمى "تزيين الأرائك في إرسال النبي ﷺ إلى الملائك".
وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: وهل تدخل الملائكة في حد الصحابة؟ محل نظر، وقد قال بعضهم: إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثًا إليهم أو لا؟
وقد نقل الإمام فخر الدين في أسرار التنزيل الإجماع على أنه ﷺ لم يكن مرسلًا إلى =стр. 130
ونقل الرازي (١) دخولهم تحت دعوته في قوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، فاستعمل (سائر) بمعنى: (جميع) تبعًا للجوهري، والجواليقي (٢) ، الحواشي
(١) هذا غير صحيح عنه بالمرة، ولا سيما في الموضع المذكور، ولعله حصل سهو من الشارح في النقل، أو خطأ من الناسخ، فقد قال الرازي في تفسيره (٢٤/ ٤٠): "المسألة الرابعة: لا نزاع أن المراد من العبد ههنا محمد ﷺ . .، ثم قالوا: هذه الآية تدل على أحكام: الأول: أن العالم كل ما سوى اللَّه تعالى، ويتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، لكنا أجمعنا أنه ﵇ لم يكن رسولًا إلى الملائكة، فوجب أن يكون رسولًا إلى الجن والإنس جميعًا، ويبطل بهذا قول من قال: إنه كان رسولًا إلى البعض دون البعض".
والرازي، هو: محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد اللَّه، فخر الدين الرازي، (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ = ١١٥٠ - ١٢١٠ م): الإمام المفسر. أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل، وهو قرشي النسب، أصله من طبرستان، ومولده في الري وإليها نسبته، ويقال له (ابن خطيب الري) رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان، وتوفي في هراة، أقبل الناس على كتبه في حياته يتدارسونها، وكان يحسن الفارسية. من تصانيفه (مفاتيح الغيب - ط) ثماني مجلدات في تفسير القرآن الكريم، و (لوامع البينات في شرح أسماء اللَّه تعالى والصفات - ط)، و (معالم أصول الدين - ط) و (محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين). ينظر: الأعلام (٦/ ٣١٣).(٢) هو: موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن، أبو منصور بن الجواليقي، (٤٦٦ - ٥٤٠ هـ = ١٠٧٣ - ١١٤٥ م): عالم بالأدب واللغة، مولده ووفاته ببغداد، كان يصلي إمامًا بالمقتفى العباسي، وقرأ عليه المقتفى بعض الكتب، نسبته إلى عمل الجواليق وبيعها. قال ابن القفطي: وهو من مفاخر بغداد. من كتبه (المعرب - ط) في ما تكلمت به العرب من الكلام الأعجمي، و (تكملة إصلاح ما تغلط فيه العامة - ط) و (أسماء خيل العرب وفرسانها - خ) و (شرح أدب الكاتب - ط) و (العروض) صنفه للمقتفى. قال ابن الجوزي: لقيت الشيخ أبا منصور الجواليقى، فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما يقول، متقنًا محققًا، وربما سئل المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه، فيتوقف فيها حتى يتيقن. ينظر: الأعلام (٧/ ٣٣٥).стр. 131
وابن بري (١) ، وغيرهم، ولم يُعْتَبرْ إنكار الحريري (٢) وغيره ذلك على الجوهري، وحكى صاحب القاموس القولين مرجحًا أن السائر الباقي لا الجميع (٣) ، ويحتمل أن المصنف أراده؛ لأن أمته بقية الأمم بالنسبة لمن مضى الحواشي
(١) هو: عبد اللَّه بن بري بن عبد الجبار المقدسي الأصل المصري، أبو محمد، ابن أبي الوحش، (٤٩٩ - ٥٨٢ هـ = ١١٠٦ - ١١٧٨ م): من علماء العربية النابهين، ولد ونشأ وتوفي بمصر، وولي رياسة الديوان المصري. له "الرد على ابن الخشاب - ط" انتصر فيه للحريري، و"غلط الضعفاء من الفقهاء - ط"، و"شرح شواهد الإيضاح - خ" نحو، و"حواش على صحاح الجوهري - خ"، و"حواش على درة الغواص للحريري". ينظر: الأعلام(٧٣١٤) .(٢) هو: القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، أبو محمد الحريري البصري، (٤٤٦ - ٥١٦ هـ = ١٠٥٤ - ١١٢٢ م): الأديب الكبير، صاحب "المقامات الحريرية - ط"، سماه "مقامات أبي زيد السروجي". ومن كتبه "درة الغواص في أوهام الخواص - ط"، و"ملحة الإعراب - ط"، وله شعر حسن، وكان دميم الصورة غزير العلم، مولده بالمشان: بليدة فوق البصرة، ووفاته بالبصرة، ونسبته إلى عمل الحرير أو بيعه، وكان ينتسب إلى ربيعة الفرس. ينظر: الأعلام (٥/ ١٧٧).(٣) لم يرجح صاحب القاموس ما ذكره الشارح ترجيحًا مسقطًا للقول الآخر، وإنما رجحه استعمالًا بحكم أنه لغة الجمهور، وإلا فإن نص صاحب القاموس ص ٥١٧: "والسائر: الباقي لا الجميع كما توهم جماعات أو قد يستعمل له. ومنه قول الأحوص: فجلتها لنا لبابة لما وقذ النوم سائر الحراس وضاف أعرابي قومًا فأمروا الجارية بتطييبه، فقال: بطني عطري وسائري ذري".
قال الزبيدي (١١/ ٤٨٥ - ٤٨٧): ، (والسائر: الباقي)، وكأنه من سأر يسأر، فهو سائر.
قال ابن الأعرابي فيما روى عنه أبو العباس: يقال: سأر وأسار، إذا أفضل، فهو سائر، جعل سأر وأسأر واقعين.
ثم قال: وهو سائر.
قال: قال: فلا أدري أراد بالسائر المسئر، (لا الجميع كما توهمه جماعات)؛ اعتمادًا على قول الحريري في: (درة الغواص في أوهام الخواص).
وفي الحديث: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"، أي: باقيه. قال ابن الأثير: والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح، وتكررت هذه اللفظة في الحديث، وكله بمعنى باقي الشيء.
والباقي: الفاضل، وهذه العبارة مأخوذة من التكملة، ونصها: "سائر الناس: بقيتهم، وليس معناه جماعتهم، كما زعم من قصرت معرفته". انتهى.
(أو قد يستعمل له) إشارة إلى أن في (السائر) قولين: =стр. 132
قبلها؛ لخبر أبي سعيد الخدري (١) : قام فينا رسول اللَّه ﷺ بعد العصر، فما ترك الحواشي
(١) هو: سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد، (١٠ ق هـ - ٧٤ هـ = ٦١٣ - ٦٩٣ م): صحابي، كان من ملازمي النبي ﷺ ، وروى عنه أحاديث كثيرة، غزا اثنتي عشرة غزوة، وله ١١٧٠ حديثًا، توفي في المدينة. ينظر: الأعلام (٣/ ٨٧).стр. 133
شيئًا إلى يوم القيامة إلا ذكره، ثم قال: "إن هذه الأمة توفي سبعين أمة قبلها، هي آخرها" (١) .
وعلى آله: عطف على محمد؛ فتجوز الصّلاة عليهم تبعًا، وفي جوازها ومنعها وكراهتها على غير النبي ﷺ خلاف، انظره في الشفا (٢) . الحواشي
(١) رواه البغوي بسنده في شرح السنة، في باب التجافي عن الدنيا، وقال عَقِبَهُ: هذا حديث حسن، وأبو الصلت هو عبد السلام بن صالح بن سليمان بن ميسرة الهروي، تكلموا فيه. وعلى هذا فمراده من قوله: (هذا حديث حسن) الحسن اللغوي، وروى الشطر الأخير الطرسوسي في مسند عبد اللَّه بن عمر تحت رقم(٢٣) بلفظ: "إن أمتي هذه توفي سبعين أمة، نحن خيرها، وآخرها".(٢) قال عياض في الشفا (٢/ ٨٠ - ٨١): "عامة أهل العلم متفقون على جواز الصلاة على غير النبي ﷺ ، وروي عن ابن عباس أنه لا تجوز الصلاة على غير النبي ﷺ ، وروى عنه لا تنبغي الصلاة على أحد إلا النبيين. وقال سفيان: يكره أن يصلى إلا على نبي. ووجدت بخط بعض شيوخ مذهب مالك: أنه لا يجوز أن يصلى على أحد من الأنبياء سوى محمد ﷺ ، وهذا غير معروف من مذهبه، وقد قال مالك في المبسوط ليحيى بن إسحاق: أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا أن نتعدى ما أمرنا به. قال يحيى بن يحيى: لست آخذ بقوله: ولا بأس بالصلاة على الأنبياء كلهم وعلى غيرهم.
واحتج بحديث ابن عمر وبما جاء في حديث تعليم النبي ﷺ الصلاة عليه، وفيه: "وعلى أزواجه وعلى آله".
وقد وجدت معلقًا عن أبي عمران الفارسي روي عن ابن عباس ﵄ كراهة الصلاة على غير النبي ﷺ .
قال: وبه نقول، ولم يكن يستعمل فيما مضى، وقد روى عبد الرزاق عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صلوا على أنبياء اللَّه ورسله فإن اللَّه بعثهم كما بعثتي"، قالوا: والأسانيد عن ابن عباس لينة.
والصلاة في لسان العرب بمعنى الترحم والدعاء، وذلك على الإطلاق حتى يمنع منه حديث صحيح أو إجماع، وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ. . .﴾، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، وقال النبي ﷺ : "اللهم صل على آل أبي أوفى"، وكان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللَّهم صل على آل فلان"، وفي حديث الصلاة: "اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته"، وفي آخر: "وعلى آل محمد"، قيل: أتباعه. =стр. 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقيل: أمته.
وقيل: آل بيته.
وقيل: الأتباع والرهط والعشيرة.
وقيل: آل الرجل ولده.
وقيل: قومه.
وقيل: أهله الذين حرمت عليهم الصدقة.
وفي رواية أنس سئل النبي ﷺ : مَنْ آل محمد؟ قال: "كل نفسي".
ويجيء على مذهب الحسن أن المراد بآل محمد محمد نفسه؛ فإنه كان يقول في صلاته على النبي ﷺ : اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد.
يريد: نفسه؛ لأنه كان لا يخل بالفرض، ويأتي بالنفل؛ لأن الفرض الذي أمر اللَّه تعالى به هو الصلاة على محمد نفسه.
وهذا مثل قوله ﷺ : "لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود، يريد: من مزامير داود، وفي حديث أبي حميد الساعدي في الصلاة: "اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، وفي حديث ابن عمر أنه كان يصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر، ذكره مالك في الموطأ من رواية يحيى الأندلسي، والصحيح من رواية غيره، ويدعو لأبي بكر وعمر، وروى ابن وهب عن أنس بن مالك: كنا ندعو لأصحابنا بالغيب، فنقول: اللهم اجعل منك على فلان صلوات قوم أبرار، الذين يقومون بالليل ويصومون بالنهار.
قال القاضي: والذي ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك وسفيان رحمهما اللَّه، وروي عن ابن عباس، واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين: أنه لا يصلى على غير الأنبياء عند ذكرهم، بل هو شيء يختص به الأنبياء توقيرًا وتعزيرًا، كما يخص اللَّه تعالى عند ذكره بالتنزيه والتقديس والتعظيم، ولا يشاركه فيه غيره، كذلك يجب تخصيص النبي ﷺ وسائر الأنبياء بالصلاة والتسليم، ولا يشارك فيه سواهم، كما أمر اللَّه به بقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، ويذكر من سواهم من الأئمة وغيرهم بالغفران والرضى، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾، أيضًا فهو أمر لم يكن معروفًا في الصدر الأول، كما قال أبو عمران، وإنما أحدثه الرافضة والمتشيعة في بعض الأثمة، فشاركوهم عند الذكر لهم بالصلاة، وساووهم بالنبي ﷺ في ذلك، وأيضًا فإن التشبه بأهل البدع منهى عنه، فتجب مخالفتهم فيما التزموه من ذلك، وذكر الصلاة على الآل والأزواج مع النبي ﷺ بحكم التبع والإضافة إليه، لا على التخصيص. =стр. 135
والصحيح (١) : جواز إضافته للضمير، كما فعل المصنف، وعليه الجمهور، وخصوا بمؤمني بني هاشم فمن دونهم.
قال ابن الحاجب (٢) : وبنو هاشم آل، وما فوق غالب غير آل، وفيما بينهما قولان (٣) . الحواشي
(١) أي: لفظ الآل.(٢) هو: عثمان بن عمر أبي بكر بن يونس، المعروف بابن الحاجب، أبو عمرو، جمال الدين، (٥٧٠ - ٦٤٦ هـ = ١١٧٤ - ١٢٤٩ م)، كردي الأصل، ولد في إسنا، ونشأ في القاهرة، ودرس بدمشق، وتخرج به بعض المالكية والشافعية، ثم رجع إلى مصر فاستوطنها، كان من كبار العلماء بالعربية، لا سيما النحو، وفقيها من فقهاء المالكية، لا سيما في الأصول، متقنًا لمذهب مالك بن أنس، ما جعل كتبه في هذين الفنين تنال الحظوة من سائر المذاهب والطوائف، وكان ثقة حجة، متواضعًا عفيفًا. من تصانيفه: مختصر الفقه، ومنتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل، في أصول الفقه، وجامع الأمهات في فقه المالكية، والكافية في النحو التي لهج بشرحها الكافيجي، فنسب إليها، وشرحها أيضًا الرضى الأستراباذي، وهو شيعي. ينظر: الديباج المذهب ص ١٨٩، ومعجم المؤلفين (٦/ ٢٦٥)، والأعلام (٤/ ٢١١).(٣) قال القاضي عياض في الإكمال (٣/ ٣٢٨): "واختلف مَنْ هم آل محمد؟ فقال مالك وأكثر أصحابه: هم بنو هاشم خاصة، ومثله عن أبي حنيفة، واستثنى آل أبي لهب.
وقال الشافعي: هم بنو هاشم، ويدخل فيهم بنو المطلب أخي هاشم دون سائر بني عبد مناف؛ لقول النبي ﷺ : "إنّا نحن وبنو المطلب شيء واحد"، ولقسم النبي ﷺ لهم مع بني هاشم سهم ذي القربى دون غيرهم، ونحا إلى هذا بعض شيوخ المالكية. وقال أصبغ: هم عشيرة النبي ﵇ الأقربون الذين أمر بإنذارهم آل قصي.
قال: وقيل: قريش كلها". قال القرطبي في المفهم (٩/ ٩٦): "قلت: وفي الأم: أن زيد بن أرقم سئل عن أهل بيت النبي ﷺ من هم؟ فقال: أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ فقال: هم آل عليِّ، وآل عَقيل، وآل جعفر، وآل عباس ﵃. فقال: كل هؤلاء يُحْرَم الصدقة؟ قال: نعم. وهذا يؤيد قول مالك؛ فإن هؤلاء كلُّهم بنو هاشم".стр. 136
فائدة:
قال القرطبي (١) في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠]: "اختلف النحاة هل يضاف الآل إلى البلدان أو لا؟ فقال الكسائي (٢) : يقال: آل فلان وآل فلانة، ولا يقال في البلدان: هو مِن آل حمص، مِن آل المدينة.
قال الأخفش (٣) : إنما يقال في الرئيس الأعظم، نحو: آل محمد ﷺ ، فرعون؛ لأنه رئيسهم في الضلالة. الحواشي
(١) هو: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، أبو عبد اللَّه، القرطبي، (٠٠٠ - ٦٧١ هـ = ٠٠٠ - ١٢٧٣ م): من كبار المفسرين، صالح متعبد، من أهل قرطبة، رحل إلى الشرق واستقر بمنية ابن خصيب: في شمال أسيوط، بمصر، وتوفي فيها. من كتبه "الجامع لأحكام القرآن - ط" يقع في عشرين مجلدًا، ويعرف بتفسير القرطبي، و"قمع الحرص بالزهد والقناعة"، و"الأسنى في شرح أسماء اللَّه الحسنى"، و"التذكار في أفضل الأذكار - ط"، و"التذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة - خ"، و"التقريب لكتاب التمهيد - خ" في مجلدين ضخمين، في خزانة القرويين بفاس (الرقم ٨٠/ ١١٧) وكان ورعأ متعبدًا، طارحًا للتكلف، يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية. ينظر: الأعلام (٥/ ٣٢٢).(٢) هو: علي بن حمزة بن عبد اللَّه الأسدي بالولاء، الكوفي، أبو الحسن الكسائي، (٠٠٠ - ١٨٩ هـ = ٠٠٠ - ٨٠٥ م): إمام في اللغة والنحو والقراءة، من أهل الكوفة، ولد في إحدى قراها، وتعلم بها، وقرأ النحو بعد الكبر، وتنقل في البادية، وسكن بغداد، وتوفي بالري، عن سبعين عامًا، وهو مؤدب الرشيد العباسي، وابنه الأمين.
قال الجاحظ: كان أثيرًا عند الخليفة، حتى أخرجه من طبقة المؤدبين إلى طبقة الجلساء والمؤانسين، أصله من أولاد الفرس، وأخباره مع علماء الأدب في عصره كثيرة.
له تصانيف، منها: "معاني القرآن"، و"المصادر"، و"الحروف"، و"القراآت"، و"نوادر"، ومختصر في "النحو"، و"المتشابه في القرآن خ" رسالة في شستربتي(٣١٦٥) ، و"ما يلحن فيه العوام - ط" صغير في ١٦ صفحة، نشر في المجلة الأشورية ببرلين. ينظر: الأعلام (٤/ ٢٨٣).(٣) هو: سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، البلخي ثم البصري، أبو الحسن، المعروف بالأخفش الأوسط، (٠٠٠ - ٢١٥ هـ = ٠٠٠ - ٨٣٠ م): نحوي، عالم باللغة والأدب، من أهل بلخ. سكن البصرة، وأخذ العربية عن سيبويه. وصنف كتبًا، منها (تفسير معاني =стр. 137
[قال: ] وقد سمعناه في البلدان، قالوا: أهل المدينة وآل المدينة". . انتهى.
وعلى أصحابه: جمع صاحب، وهو من اجتمع مؤمنًا بمحمد ﷺ ، ومات كذلك، وإن لم تطل صحبته، ولو لم يرو عنه شيئًا على الصحيحِ (١) وقولِ المحدثين (٢) . الحواشي
(١) الذي صحح ذلك الآمدي وابن الحاجب.(٢) قال السيوطي في تدريب الراوي (٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩): "اختلف في حد الصحابي، فالمعروف عند المحدثين: أنه كل مسلم رأى رسول اللَّه ﷺ ، كذا قال ابن الصلاح، ونقله عن البخاري وغيره.
وأورد عليه إن كان فاعل الرؤية الرائي الأعمى كابن أم مكتوم ونحوه فهو صحابي بلا خلاف، ولا رؤية له.
ومن رآه كافرًا ثم أسلم بعد موته كرسول قيصر فلا صحبة له.
ومن رآه بعد موته ﷺ قبل الدفن -وقد وقع ذلك لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي- فإنه لا صحبة له.
وإن كان فاعلها رسول اللَّه ﷺ دخل فيه جميع الأمة، فإنه كشف له عنهم ليلة الإسراء وغيرها ورآهم.
وأورد عليه أيضًا من صحبه ثم ارتد كابن خطل ونحوه، فالأولى أن يقال: من لقي النبي ﷺ مسلمًا ومات على إسلامه.
أما من ارتد بعده ثم أسلم ومات مسلمًا فقال العراقي: في دخوله فيهم نظر؛ فقد نص الشافعي وأبو حنيفة على أن الردة محبطة للعمل.
قال: والظاهر أنها محبطة للصحبة السابقة، كـ: قرة بن ميسرة، والأشعث بن قيس.
أما من رجع إلى الإسلام في حياته، كـ: عبد اللَّه بن أبي سرج، فلا مانع من دخوله في الصحبة، وجزم شيخ الإسلام في هذا والذي قبله ببقاء اسم الصحبة له.
قال: وهل يشترط لقيه في حال النبوة أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبلها ومات على الحنيفية، كـ: زيد بن عمرو بن نفيل، وقد عده ابن منده في الصحابة، وكذا لو رآه قبلها ثم أدرك البعثة وأسلم ولم يره.
قال العراقي: ولم أر من تعرض لذلك. =стр. 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = قال: ويدل على اعتبار الرؤية بعد النبوة ذكرهم في الصحابة ولده إبراهيم دون من مات قبلها، كـ: القاسم.
قال: وهل يشترط في الرائي التمييز، حتى لا يدخل من رآه، وهو لا يعقل، والأطفال الذين حنكهم ولم يروه بعد التمييز، أو لا يشترط، لم يذكروه أيضًا، إلا أن العلائي قال في المراسيل: عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل حنكه النبي ﷺ ، ودعا له، ولا صحبة له، بل ولا رؤية أيضًا، وكذا قال في عبد اللَّه بن أبي طلحة الأنصاري حنكه ودعا له، وما تعرف له رؤية، بل هو تابعي.
وقال في النكت: ظاهر كلام الأئمة: ابن معين، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، وغيرهم: اشتراطه؛ فإنهم لم يثبتوا الصحبة لأطفال حنكهم النبي ﷺ ، أو مسح وجوههم، أو تفل في أفواههم، كـ: محمد بن حاطب، وعبد الرحمن بن عثمان التميمي، وعبيد اللَّه بن معمر، ونحوهم.
قال: ولا يشترط البلوغ على الصحيح، وإلا لخرج من أجمع على عده في الصحابة، كـ: الحسن، والحسين، وابن الزبير، ونحوهم.
قال: والظاهر اشتراط رؤيته في عالم الشهادة، فلا يطلق اسم الصحبة على من رآه من الملائكة والنبيين.
قال: وقد استشكل ابن الأثير مؤمني الجن في الصحابة دون من رآه من الملائكة، وهم أولى بالذكر من هؤلاء.
قال: وليس كما زعم؛ لأن الجن من جملة المكلفين، الذين شملتهم الرسالة والبعثة، فكان ذكر من عرف اسمه ممن رآه حسنًا، بخلاف الملائكة.
قال: وإذا نزل عيسى ﷺ ، وحكم بشرعه، فهل يطلق عليه اسم الصحبة؛ لأنه ثبت أنه رآه في الأرض، الظاهر: نعم. انتهى.
وعن أصحاب الأصول أو بعضهم: أنه من طالت مجالسته له على طريق التبع له، والأخذ عنه، بخلاف من وفد عليه، وانصرف بلا مصاحبة ولا متابعة.
قالوا: وذلك معنى الصحابي لغة.
ورد بإجماع أهل اللغة على أنه مشتق من الصحبة، لا من قدر منها مخصوص، وذلك يطلق على كل من صحب غيره قليلًا كان أو كثيرًا، يقال: صحبت فلانًا حولًا وشهرًا ويومًا وساعة.
وقول المصنف: أو بعضهم من زيادته؛ لأن كثيرًا منهم موافقون لما تقدم نقله عن أهل الحديث، وصححه الآمدي وابن الحاجب، وعن بعض أهل الحديث موافقة ما ذكر عن أهل الأصول: لما رواه ابن سعد بسند جيد في الطبقات عن علي بن محمد عن شعبة عن موسى السيلاني قال: أتيت أنس بن مالك فقلت له: أنت آخر من بقي =стр. 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قال: قد بقي قوم من الأعراب، فأما من أصحابه، فأنا آخر من بقي.
قال العراقي: والجواب أنه أراد إثبات صحبة خاصة ليست لأولئك.
وعن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد صحابيًا إلا من أقام مع رسول اللَّه ﷺ سنة أو سنتين أو غزا معه غزوة أو غزوتين، ووجهه أن لصحبته ﷺ شرفًا عظيمًا، فلا تنال إلا باجتماع طويل، يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص، كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من العذاب، والسنة المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف بها المزاج، فإن صح هذا القول عنه فضعيف، فإن مقتضاه أن لا يعد جرير بن عبد اللَّه البجلي وشبهه ممن فقد ما اشترطه كوائل بن حجر صحابيًا، ولا خلاف أنهم صحابة. قال العراقي: ولا يصح هذا عن سعيد بن المسيب؛ ففي الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي، [وهو] ضعيف في الحديث.
وقال: وقد اعترض بأن جريرًا أسلم في أول البعثة؛ لما روى الطبراني عنه قال: لما بعث النبي ﷺ أتيته لأبايعه، فقال: "لأي شيء جئت يا جرير؟ " قال: جئت لأسلم على يديك، فدعاني إلى "شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة. . " الحديث.
قال: والجواب: أن الحديث غير صحيح؛ فإنه من رواية الحصين بن عمر الأحمسي، وهو منكر الحديث، ولو ثبت فلا دليل فيه؛ لأنه يلزم الفورية في جواب لما؛ بدليل ذكر الصلاة والزكاة وفرضهما متراخ عن البعثة، والصواب ما ثبت عنه أنه قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة. رواه أبو داود وغيره.
وفي تاريخ البخاري الكبير أنه أسلم عام توفي النبي ﷺ ، وكذا قال الواقدي وابن حبان والخطيب وغيرهم.
فائدة:
في حد الصحابي قول رابع: أنه من طالت صحبته، وروي عنه، قاله الحافظ.
وخامس: أنه من رآه بالغًا، حكاه الواقدي، وهو شاذ كما تقدم.
وسادس: أنه من أدرك زمنه ﷺ ، وإن لم يره، قاله يحيى بن عثمان بن صالح المصري، وعد من ذلك عبد اللَّه بن مالك الجيشاني أبا تميم، ولم يرحل إلى المدينة إلا في خلافة عمر باتفاق، وممن حكى هذا القول القرافي في شرح التنقيح، وكذا من حكم بإسلامه تبعًا لأبويه، وعليه عمل ابن عبد البر وابن منده في كتابيهما، وشرط الماوردي في الصحابي أن يتخصص بالرسول ويتخصص به الرسول ﷺ .
ثم تعرف صحبته إما بالتواتر، كـ: أبي بكر وعمر وبقية العشرة في خلق منهم.
أو الاستفاضة والشهرة القاصرة عن التواتر، كـ: ضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن. =стр. 140
وقيل: من طالت صحبته ومجالسته على طريق التبع، وهو الراجح عند الأصوليين، قاله النووي (١) .
وخرج بقولهم: (ومات كذلك): من مات مرتدًا كابن الأخطل (٢) .
وعلى أزواجه عطف خاص على عام، عكس ما قبله، وعلى أمته: عطف عام على خاص، ويطلق على معان:
أحدها: هذه (٣) ، ثم وصفها بقوله: أفضل الأمم؛ [لقوله تعالى]: الحواشي
(١) قال ذلك في كتابه التقريب.(٢) لم أقف له على ترجمة.(٣) جاء في شرحه الكبير لوحة ٤ من نسخة مركز جهاد الليبيين: ويطلق الأمة على أحد معان ثمان:
أولها: أمة الأنبياء أتباعهم.
وثانيها: على الجماعة، كقوله: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾.
ثالثها: الدين والملة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾.
ورابعها: الرجل الجامع للخير المقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾.
خامسها: الحين والزمان، كقوله تعالى: ﴿أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾، وكقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، ومن قرأ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، أراد: بعد نسيان. =стр. 141
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، و: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، واللَّه أعلم.
تنكيت:
فيه موافقة هذه الفاصلة للتي قبلها لفظًا ومعنى، وهو مجتنب في السجع، وأجيب: بمخالفة الثانية لما قبلها في المعنى، وإن اتفقا لفظًا، فيقال: معناها: الأديان، ويكون على حذف مضاف، تقديره أفضل الأديان، ويشهد له قول الجوهري: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾، أي: خير أهل دين.
وبعد: ظرف مبني على الضم؛ لقطعه عن الإضافة لفظًا لا معنى (١) ، يؤتى به عند الانتقال مِن غرض إلى آخر، ولا يجوز الإتيان به أول الكلام. وهي فصل الخطاب الّذي أوتيه داوود (٢) عليه أفضل الصّلاة والسلام، وهل الحواشي
(١) المبني على الضم أربعة أنواع:
النوع الأول، وهو الذي يعنينا: الظروف المبهمة، أي: التي لا يتضح معناها إلا بذكر المضاف إليه، وذلك كـ: (قبل)، و (بعد)، و (أول)، وأسماء الجهات، وهي: (يمين)، و (شمال)، و (أمام)، و (وراء)، و (فوق)، و (تحت)؛ فإنها تبنى إذا قطعت عن الإضافة لفظًا لا معنى، بأن ينوي معنى المضاف إليه دون لفظه، وهي تعرب إذًا:
١ - صرح بالمضاف إليه، كـ: (جئتك بعد المغرب، وقبل العشاء).
٢ - أو حذف المضاف إليه، ونوي ثبوت لفظه، فيبقى الإعراب، لكن يُترك التنوين لوجود المعارض له وهو الإضافة.
٣ - أو حذف المضاف إليه، ولم يُنو شيء، فإنه يبقى الإعراب، وينوّن، إذ لا معارض له لا لفظًا ولا تقديرًا.
وإنما بنيت هذه الكلمات في هذه الحالة على حركة ليُعلم أن لها أصلًا في الإعراب، وكانت ضمة؛ لأنها أقوى الحركات، فجبرت هذه الكلمات بالبناء عليها، لما لحقها من الوهن بحذف المضاف إليه، واللَّه أعلم. ينظر: شرح شذور الذهب ص ٢٥٨ - ٢٥٩.(٢) هو داود بن إيشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عوينادب بن أرم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عبد اللَّه ونبيه =стр. 142
هو أول من نطق بها، أو قس بن ساعدة (١) ، أو كعب بن لؤي (٢) ، أو سحبان بن وائل (٣) ، أو يعرب بن قحطان (٤) ، . . . . . الحواشي
(١) هو: قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك، (٠٠٠ - نحو ٢٣ ق هـ = ٠٠٠ - نحو ٦٠٠ م)، من بني إياد: أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم، في الجاهلية، كان أسقف نجران. ويقال: إنه أول عربي خطب متوكئًا على سيف أو عصًا، وأول من قال في كلامه: "أما بعد"، وكان يفد على قيصر الروم زائرًا، فيكرمه ويعظمه، طالت حياته وأدركه النبي ﷺ قبل النبوة، ورآه في عكاظ، وسئل عنه بعد ذلك، فقال: "يحشر أمة وحده". ينظر: الأعلام (٥/ ١٩٦).(٢) هو: كعب بن لؤي بن غالب، من قريش، من عدنان، أبو هصيص، جد جاهلي، (٠٠٠ - ١٧٣ ق هـ = ٠٠٠ - ٤٥٤ م): خطيب، من سلسلة النسب النبوي، كان عظيم القدر عند العرب، حتى أرخوا بموته إلى عام الفيل. وهو أول من من الاجتماع يوم الجمعة، وكان اسمه "يوم العروبة"، فكانت قريش تجتمع إليه فيه، فيخطبهم ويعظهم. ينظر: الأعلام (٥/ ٢٢٨).(٣) هو: سحبان بن زفر بن إياس الوائلي، من باهلة، (٠٠٠ - ٥٤ هـ = ٠٠٠ - ٦٧٤ م): خطيب يضرب به المثل في البيان يقال: (أخطب من سحبان) و (وأفصح من سحبان). اشتهر في الجاهلية وعاش زمنًا في الإسلام. وكان إذا خطب يسيل عرقًا، ولا يعيد كلمة، ولا يتوقف ولا يقعد حتى يفرغ. أسلم في زمن النبي ﷺ ولم يجتمع به، وأقام في دمشق أيام معاوية. وله شعر قليل وأخبار. ينظر: الأعلام (٣/ ٧٩).(٤) هو: يعرب بن قحطان بن عابر، (٠٠٠ - ٠٠٠ = ٠٠٠ - ٠٠٠): أحد ملوك العرب في جاهليتهم الأولى، يوصف بانه من خطبائهم وحكمائهم وشجعانهم، وهو أبو قبائل اليمن كلها، وبنوه العرب العاربة. يقول رواة الأخبار في سيرته: ولي إمارة صنعاء بعد موت أبيه، وغزا الأشوريين في العراق وبابل، ففاز بغنائم وافرة، وعاد إلى اليمن فصفا له ملكها، وحارب العمالقة، وكانوا أصحاب الحجاز، فغلبهم عليه. ويقال: إنه هو وأبوه أول من دعا العرب إلى الاحتفاظ بأساليب لغتهم بعد أن دخلتها لغات الأمم الثانية. قال وهب بن منبه: يعرب أول من قال الشعر ووزنه، ومدح ووصف وقص وشبب. =стр. 143
أقوال (١) .
فقد سألني جماعة: قال صاحب الجمل (٢) : اللفظ المركب إن دل الحواشي
(١) قال الصولي في أدب الكتاب: "حدثنا زياد بن الخليل التستر، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثني عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن عبد العزيز، عن عمر، عن أبيه، عن أبي سلمة، قال: "أول من قال أما بعد كعب بن لؤي. وكان أول من سمى الجمعة وكانت تسمى العروبة".
ويروى أن أول من قال: أما بعد، داود النبي ﵇ وأن ذلك فصل الخطاب، الذي قال اللَّه : ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾.
حدثنا زياد بن الخليل قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحراني، قال: حدثني عبد العزيز بن عمران، عن أبي الزناد، عن أبيه، عن بلال بن أبي بردة، عن أمه، عن جده أبي موسى، أنه قال ذلك. وقال الشعبي: فصل الخطاب الذي أعطيه داود ﵇: "أما بعد".
فمعنى فصل الخطاب، على هذا، أنه إنما يكون بعد حمد اللَّه، أو بعد الدعاء، أو بعد قولهم: من فلان إلى فلان، فينفصل بها بين الخطاب المتقدم وبين الخطاب الذي يجيء بعد. ولا تقع إلا ما ذكرناه؛ ألا ترى قول سابق البربري لعمر بن عبد العزيز:
باسم الذي أنزلت من عنده السور ... الحمد للَّه أما بعد يا عمر
فإن رضيت بما تأتي وما تذر ... فكن على حذر قد ينفع الحذر
والمعنى في أنها لا تقع مبتدأة، أن المراد بها أما بعد هذا الكلام، يعني الذي تقدم فإن الخبر كذا وكذا، وروي عن النبي ﷺ أنه كتب إلى بني أسد: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللَّه إلى بني أسد، سلام عليكم، فإني أحمد اللَّه إليكم الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فلا تقربن مياه طيء، ولا أرضهم؛ فإنه لا يحل لكم".
فإذا كتب كاتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أما بعد فقد كان كذا وكذا، فمعناه: أما بعد قولنا بسم اللَّه، فقد كان كذا وكذا وأنه قد كان. فإنها لا تقع إلا بعد ما ذكرناه.
ولا بد من مجيء الفاء بعد أما؛ لأن أما لا عمل لها إلا اقتضاء الفاء واكتسابها، فإن الفاء تصل بعض الكلام ببعض، وصلًا لا انفصال بينه ولا مهلة فيه، ولما كانت أما فاصلة، أتيت بالفاء لترد الكلام على أوله، وليست تدل الفاء على تأخير متقدم، ولا تقديم مؤخر، ولا يستوي معناهما فيها ولا معها.(٢) هو الزجاجي: عبد الرحمن بن إسحاق النهاوندي، أبو القاسم، (٠٠٠ - ٣٣٧ هـ =٠٠٠ - ٩٤٩ م): شيخ العربية في عصره. ولد في نهاوند، ونشأ في بغداد، وسكن دمشق =стр. 144
بالقصد الأول على طلب الفعل كان مع الاستعلاء أمرًا، ومع الخضوع سؤالًا، ومع التساوي التماسًا.
أبان اللَّه، أي: أظهر وأوضح لي ولهم معاهم جمع معلم، قال الجوهري: هو ما يستدل به على الطريق والمظنة، والتحقيق ما لا شك معه ليتبعه، ولما سأل ما يدل على الطريق فكان الشيء الواحد قد يتوصل إليه من طرق متعددة، بعضها أنفع [مِن بعض] سأله، فقال: وسلك بنا وبهم أنفع طريق، وهو: استعارة، والطريق تذكر وتؤنث، وقدم نفسه في الدعاء لأنه المطلوب شرعًا (١) ، أن أصنف أي: أجمع لهم مختصرًا، وهو: ما قل لفظه، وكثر معناه، على مذهب، أي: طريق الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان (٢) بن خثيل (٣) بن عمرو بن الحواشي
(١) قد بوب ابن ماجه في سننه لذلك بقوله: (باب إذا دعا أحدكم فليبدأ بنفسه)، وقال (٢/ ١٢٦٦، رقم ٣٨٥٢): حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يرحمنا اللَّه وأخا عاد".
قال البوصيرى (٤/ ١٤٤): هذا إسناد صحيح.
وقال الألباني: ضعيف.
قلت: لأجل عنعنة أبي إسحاق؛ فإنه مدلس، ولكن قد ورد من غير طريقه مرسلًا عند ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٢٠، رقم ٢٩٨٣٩).
وله ما يشهد له من قول ابن عمر عند ابن شيبة أيضًا (١٠/ ٢٢٠، رقم ٢٩٨٣٨) من طريق وَكِيعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: جَلَسْت إِلَى ابْنِ عُمَرَ ﵁ فَذَكَرْت رَجُلًا، فَتَرَحَّمْت عَلَيْهِ، فَضَرَبَ صَدْرِي، وَقَالَ: ابْدَأْ بِنَفْسِك.(٢) كذا هو غيمان بالغين المعجمة مفتوحة، والياء المثناة من أسفل ساكنة، ذكره هكذا غير واحد، وكذا قيده الأمير أبو نصر بن ماكولا، وحكاه عن إسماعيل بن أبي أويس، ينظر: الديباج ص ١١. وبعضهم يقول: عثمان. وهو وهم.(٣) في بعض المراجع: خثيم، وخثيل بالخاء المعجمة مضمومة مثلثة مفتوحة وياء مثناة من أسفل ساكنة، كذا قيده الأمير أبو نصر، وحكاه عن محمد بن سعيد عن أبي =стр. 145
الحارث، وهو: ذو أصبح (١) .
وأما مالك جد مالك (٢) فكنيته أبو أنس مِن كبار التابعين، وهو أحد الحواشي
(١) قال عياض في ترتيب المدارك: "وأما ذو أصبح فقد اختلف في نسبه اختلافًا كثيرًا: فقال الزبير: ذو أصبح بن سويد بن عمر بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد ابن حمير الأصغر ابن سبأ الأصغر بن كعب بن كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جثم بن عبد شمس بنو وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميع بن حمير، وإنما الأكثر هو عبد شمس بن سبأ -وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبا وغزا القبائل- بن يعرب بن يشجب بن قحطان. وقال غيره: ذو أصبح بن عوف بن مالك بن يزيد بن شداد بن زرعة -وهو: حمير الأصغر- ابن سبا الأصغر ابن حمير الأكبر ابن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقيل: ذو أصبح بن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عفير بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن جشم بن عبد شمس. وقيل: هو عوف بن مالك بن زيد بن عامر بن ربيعة بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن يشجب.
وقيل: ذو أصبح ويحصب أبناء مالك بن زيد بن حمير. ولا خلاف أنه من ولد قحطان، وقد اختلف في نسب قحطان ورفعه".(٢) قال في تهذيب التهذيب (١٠/ ١٧): "مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو أنس، ويقال: أبو محمد، روى عن: عمر وعثمان وغيرهم، وروى عنه: أبناؤه وسليمان بن يسار وغيرهم.
قال ابنه الربيع: مات أبي حين اجتمع الناس على عبد الملك -يعني: سنة أربع وسبعين-.
ووهم عبد الغني -رحمه اللَّه تعالى- فقال: إنه مات سنة اثنتي عشرة ومائة، وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين سنة. وتعقبه المنذري بسماعه من طلحة في الصحيح، وطلحة قتل سنة ست وثلاثين، وعلى ما ذكره يكون مولده سنة أربعين، فكيف يمكن سماعه. ثم قال: فلعل كان الوهم في سنه، والصواب تسعين: بتقديم التاء. انتهى. وهو مشكل أيضًا؛ فقد صح سماعه من عمر؛ فإنه قال: شهدت عمر عند الجمرة، وذكر قصة أوردها ابن سعد بسند جيد، والصواب ما ذكر في الأصل، وكذا ذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات ما بين السبعين إلى الثمانين".следующие страницы →