تنكيت:
كأن البساطي فهم التنافي فقال: أي تردد. انتهى. وليس ظاهر؛ إذ لا نية مع التردد.
على المختار عند اللخمي والمرجح عند ابن يونس واختيارهما، ويحتمل في مسألتي التجر مع الغلة ونية التجر مع القنية، ويحتمل في الثانية فقط، والأول منصوص للخمي فيهما، ولابن يونس في الثانية.
قال بهرام: الأولى عنده من باب أولى؛ لأنه إذا قال بالوجوب فيما إذا نوى القنية والتجارة فلأن يقول فيما إذا نوى التجارة والغلة أحرى.
لا بلا نية أصلًا، فلا زكاة؛ إذ الأصل القنية، أو نية قنية عند الشراء فلا زكاة أيضًا من باب أولى.
أو نية غلة فقط فلا زكاة كنية كرائه، أو هما -أي: نوى القنية والغلة معًا- فلا زكاة.
وأشار للشرط الرابع بقوله: أو كان العرض المذكور كأصله، وهو من عكس التشبيه؛ إذ كان حقه أن يقول: وكان أصله كهو، أي: يكون أصله عرضًا للتجارة؛ لشمول عبارته لما لم يكن أصله للتجارة.
أو كان أصله -أي: العرض المحتكر- عينًا اشتراه بها، وأما لو كان عرض قنية استقبل بثمنه، وإن قل العين المشترى بها هذا العرض، بأن كان دون النصاب، وبيع بنصاب فأكثر.
وتحرز بمجموع هذه الشروط عما إذا كان أصله عرض قنية، وظاهر هذا أن نية التجارة لا تنقل والحالة هذه.
وأشار للشرط الخامس بقوله: وبيع بعين ذهب أو فضة، فلو بيع بعرض فلا زكاة فيه، ولا فرق في إبداله بالعين بين الإختيار كالبيع أو غيره؛ ولذا قال: وإن لاستهلاك، كمن استهلك لشخص عرضًا محتكرًا، أو أخذ بدله عينًا زكى تلك العين لعام واحد، ولو مر لأصلها عند مالكها أحوال، وفي هذه غير ذلك، انظره في الكبير.
стр. 1157
وإذا حصلت هذه الشروط فكالدين، كذا بالفاء عند بهرام، وكأنه يلاحظ الشرط الذي قررناه، والتشبيه في الحكم، أي: يزكي زكاة واحدة لحوله أو أحواله، وعند البساطي بغير فاء، وكأنه لم يلاحظ الشرط المذكور.
وأشار للسادس بقوله: إن رصد به السوق بأن يمسكه حتى يجد ربحًا جيدًا.
البساطي: ليس إن رصد به السوق شرطًا، بل لتحقق اسم الاحتكار.
وإلا بأن لم يرصد به السوق، بل كان مديرًا، أو هو للضرب الثاني من يبيع بالسعر الحاضر ويخلفه بغيره، بأي ربح كان، وربما باع بغير ربح خوف الكساد كأرباب الحوانيت زكي عينه الذهب والفضة، ودينه -أي: عدده- لكل عام كالنقد بشروط ثلاثة في دينه، وأشار لها بقوله: النقد الحال المرجو على المشهور.
وقيل: يزكي قيمته.
وإلا بأن لم يكن كذلك، بأن باع عرضًا أو مؤجلًا قومه، ويأتي مفهوم المرجو، أو كيفية تقويم العين إن تقوم بعرض، ثم العرض بنقد حال؛ لأن الدين إنما يقوم بما يباع به، ولو كان الدين طعام مسلم، كما قال أبو بكر بن عبد الرحمن.
كسلعة -أي: للتجارة- فإنه يقومها كل عام، ولو بارت، أي: كسدت سلع المدين، فلم يبعها، فلا ينتظر سوقها لذلك، فالمشهور لا ينتقل عن الإدارة، ولا ينزل ببوارها منزلة القنية، ولا ينزلها منزلة الإحتكار على ما اعتمده المصنف.
وفي تحديد البوار بعامين كما قاله سحنون وابن نافع، أو بالعادة وهو لابن الماجشون واستظهره في التوضيح قولان.
لا إن لم يرجه -أي: الدين- فلا يقومه؛ لأنه كالعدم، خلافًا لابن حبيب.
ثم عطف على المنفي فقال: أو كان الدين قرضًا فلا يقومه؛ إذ لا
стр. 1158
يقوم إلا ما كان للنماء، وهو ظاهر المدونة، ولما كان الظاهر عنده تأويلًا قال: وتؤولت أيضًا بتقويم القرض، ففيها: والمدير الذي لا يكاد يجتمع ماله كله عينًا كالخياط والبزاز الذي يجهز الأمتعة إلى البلدان فيجعل لنفسه في السنة شهرًا يقوم فيه عروضه التي للتجارة فيزكي ذلك مع ما بيده من عين، وما له من دين يرتجى قضاؤه.
عياض: ظاهر هذه العبارة الزكاة.
واختلف في فهم قولها: (يجعل لنفسه في السنة شهرًا يقوم فيه عروضه) هل حوله للأصل من حين زكى الأصل أو ملكه، وهو فهم الباجي، واستظهره بعض الأشياخ، أو حوله، وسط منه ومن الإدارة، أي: من وقتها، وهو فهم اللخمي.
المازري: وهو ظاهر الروايات.
تأويلان، مثاله أن يملك نصابًا ويزكيه في المحرم ثم يدير به عروضًا في رجب، فعلى الباجي يجعل أوله المحرم، فيقوم عروضه ودينه وما معه من الناض عند المحرم الثاني ويزكيه حينئذ، وإن لم يكن معه ناض انتظر النضوض.
وعلى فهم اللخمي لا يجعل أوله المحرم ولا رجب بل ربيع الأول، فإذا جاء مثله قوم، ثم إذا قوم على أحد التأولين وزكى ثم باعه فجاء ثمنه أكثر مما قوم به لم تلزمه زكاة الزائد، بل زيادته ملغاة؛ لاحتمال كونها لارتفاع سوق أو رغبة مشتر فلم يتبين خطأ التقويم، بخلاف حلي التحري المنظوم بالجوهر يتحرى زنة ما فيه من النقد ويزكيه، ثم يفصل فتوجد زنته أكثر مما تحرى، فإنه يزكي الزائد؛ لظهور الخطأ قطعًا.
والقمح والشعير والزبيب والتمر وغيره من المعشرات كغيره من العروض، يقومه المدير، ويضيف قيمته لما معه من ناض ويزكيه.
تنبيه:
وإنما يعتبر هذا العرض إذا لم تجب الزكاة في عينها، وأما إن وجبت
стр. 1159
في عينه أديت وكان بعد ذلك كالعرض.
وعرض التجارة المرتجع لمالكه من مفلس اشتراه يعود لما كان عليه قبل البيع.
والعبد المكاتب يعجز عن أداء الكتابة كما كان عليه قبل الكتابة يرجع كغيره من عروض التجارة؛ لأن عجزه عن الكتابة ليس باستئناف ملك.
وانتقل المدار -أي: المشترى بنية الإدارة- للإحتكار العرض بنية ذلك، ونبه عليه لئلا يتوهم أنها لا تنقله لاحتمال هروبه من الزكاة في كل عام إلى الزكاة في بعض الأعوام، وهما -أي: المشترى أولًا بنية الإدارة أو بنية الإحتكار- ينتقل كل منهما للقنية بالنية على المشهور؛ لأن النية سبب ضعيف تنقل للأصل بمجردها، والأصل في العروض عدم الزكاة.
لا العكس، بأن ينوي بما كان للقنية الإدارة والإحتكار؛ فإنه لا ينتقل عن القنية على المشهور؛ لأن النية لضعفها لا تنقل عن الأصل إلا بانضمام فعل إليها.
ثم بالغ على عدم النقل بقوله: ولو كان اشتراه أولًا للتجارة، ثم نوى به القنية، ثم نوى به التجارة عند مالك وابن القاسم؛ لأن نية القنية المتوسطة نسخت حكم التجارة، وبالغ على ذلك لئلا يتوهم انتقاله للتجارة بعد القنية لما كان للتجارة؛ لأن فيه رجوعًا للأصل الأول.
[حكم اجتماع إدارة واحتكار: ]
وإن اجتمع عند شخص عروضان، أحدهما إدارة والآخر احتكار وتساويا فكل على حكمه، يقوم المدار لكل عام ويزكيه مع ما معه من العين، والمحتكر بعد بيعه لعام واحد.
ابن بشير: اتفاقًا.
أو احتكر الأكثر وأدار الأقل فكل على حكمه عند ابن القاسم، وإلا بأن كان المدار الأكثر والمحتكر أقل فالجميع للإدارة، فيقوم الجميع في كل عام ويزكيه مع ما بيده من العين عند ابن القاسم.
стр. 1160
[تقويم الأواني: ]
ولا تقوم الأواني المدار فيها البضائع كعطار وزيات وآلات الحائك ونحو ذلك.
ابن عرفة: وبقر حرث التجر وماعون التجر قنية.
[تقويم الكافر العروض: ]
وفي تقويم الكافر المدير لعروضه وديونه إذا أسلم لحول من يوم إسلامه، وكان يوم إسلامه هو يوم شرائه، وهو قول محمد بن عبد الحكم، أو استقباله بالثمن حولًا من يوم بيعه، وهو قول يحيى بن عمر؛ لأنه كالفائدة: قولان، حكاهما المازري.
[عرض إدارة العامل واحتكاره: ]
ولما ذكر حكم العرض الذي يديره رب المال بنفسه أو يحتكره تكلم على ما يديره العامل أو يحتكره، فقال: والقراض الحاضر ببلد ربه أو في حكمه يزكيه ربه إن أدارا ما بيدهما معًا من العروض، أو العامل هو المدير فقط، واحتكر ربه، وغلب جانب العامل عند انفراده بالإدارة؛ لأنه هو المنمي للمال، وسواء كان المدار مساويًا لما هو محتكر بيد ربه أو أقل أو أكثر، فيقوم رب المال ما بيده ويد العامل من العرض كل عام ويضيفه لما بيده من الناض ويخرج قدر زكاته من غيره، لا من عينها (١).
стр. 1161
[غياب رب المال: ]
وصبر ربه زكاته إن غاب عن بلده بعيدًا فيزكى لسنة الفصل ما فيها، وسقط زكاة مما زاد قبلها؛ لأن رب المال لم ينتفع به مثل أن يكون في السنة الفصل خمسة وعشرون، وفي التي قبلها أربعون، فيزكى لسنة الفصل خمسة وعشرون، وفي اللتين قبلها كذلك، إلا ما نقصه الزكاة.
[حكم النقص: ]
وإن نقص المال عن سنة الفصل فلكل من السنين زكاة ما فيها خاصة، كما لو كان في الأولى عشرين، وفي الثالثة ثلاثين، فيزكى لسنة الفصل ثلاثين، وللثانية خمسة وعشرين، وللأولى عشرين (١).
وأزيد وأنقص قضي بالنقص على ما قبله، سحنون: كما لو كان في الأولى مائة، وفي الثانية مائتين، وفي الثالثة مائة، لم يزك إلا عن مائة لكل سنة، إلا ما نقصه الزكاة.
стр. 1162
تنبيه:
تلخص من كلامه ثلاثة أحوال:
- كون المال على صفة واحدة: نقص.
- أو زيادة.
- أو اجتماعهما.
وقد علم حكم كل منهما.
[مسألة: ]
وإن احتكر -أي: رب المال- فيما بيده والعامل في مال القراض، أو احتكر العامل فقط، ورب المال مديرًا، فكالدين في الحالين، يزكيه لعام واحد، ولو أقام أعوامًا، قاله مالك.
قال المصنف: وهو ظاهر المذهب، ولمالك أيضًا يزكيه لماضي الأعوام.
ابن رشد: وهو الصحيح.
تنبيه:
تلخص من كلامه أربعة أحوال:
- إدارتهما.
- واحتكارهما.
- وإدارة رب المال، واحتكار العامل.
- وعكسه.
وقد علم حكم كل منها.
تنكيت:
مقتضى كلامه هنا: سواء كان المحتكر أقل أو أكثر أو مساويًا لما بيد ربه مدارًا.
стр. 1163
قال الشارح: وليس كذلك، بل المراد ما لم يكن أقل، فإنه يتبع الأكثر.
[زكاة ماشية القراض: ]
وعجلت زكاة ماشية مال القراض المشتراة به أو منه، ولا تؤخر لسنة الفصل، بخلاف ما تقدم في العين، والفرق أن زكاة الماشية من عينها، بخلاف غيرها من السلع والثمرة، والزرع كالماشية مطلقًا، فسره الشارح في الكبير بكونه مديرًا كالعامل، أو محتكرًا، وتبعه البساطي، وفي الشرح الصغير: كان القراض حاضرًا أو غائبًا باتفاق.
[حساب زكاتها على رب القراض: ]
وحسبت زكاة ماشية القراض المأخوذ منه على ربه، ولا يحسب على العامل شيء منها؛ لأنه كالأجير، فلو كان رأس المال أربعين، فاشترى أربعين شاة، وأخذ الساعي منها شاة تساوي دينارين، ثم باع الباقي بستين، فمذهب المدونة أن الشاة على رب المال، فيصير رأس المال ثمانية وثلاثين.
[زكاة عبيده: ]
وهل عبيده كذلك، زكاة فطرهم على المالك كالماشية، وهو مذهب المدونة عند اللخمي، أو تلغى زكاة فطرهم فكالنفقة عليهم في رأس المال، هو العدد الأول؟ تأويلان.
[زكاة ربح العامل: ]
وزكي ربح العامل، وزكاته على العامل إن لم يقل، بل كان نصابًا فأكثر، وإن قل على المشهور بشروط خمسة، قاله ابن القاسم.
أحدها: إن قام بيده حولًا، فلا تجب قبله.
تنبيهان:
الأول: لم ينبه المصنف على كون الوجوب على العامل إنما هو بعد
стр. 1164
القسمة لوضوحه، ونص عليه في المدونة، فلو لم يقتسما فلا زكاة، ولو أقام أحوالًا.
الثاني: يجوز اشتراط زكاة الربح على العامل أو رب المال، ولا يجوز اشتراط زكاة رأس المال على العامل.
وأشار للشرط الثاني والثالث والرابع بقوله: وكانا حرين مسلمين بلا دَيْنٍ عليهما؛ لأنهما ليسـ[ـا] من أهل الزكاة عند فقد شرط منها.
وأشار للشرط الخامس بقوله: وحصة ربه بربحه نصاب، فلو كان دون نصاب لم تجب زكاة ربح العامل.
تنكيت:
إذا علمت هذا ظهر لك أن قول الشارحين: (يعني أن رب المال يزكي حصة العامل) خلاف مذهب المدونة، ولكنه أحد الأقوال في المسألة، وأن قول الشارح: (انظر المبالغة في كلامه؛ فإنها توهم أن رب المال يزكي نصيب العامل، وإن كان نصابًا، وليس كذلك) وَهْمٌ سرى له من إعادة ضمير (يزكي ربح العامل) لرب المال، ونسبه البساطي له وأقره.
[شراكة العامل: ]
واختلف في كونه -أي: العامل- شريكًا بعمله، ورب المال بماله؛ لتساويهما في زكاة الربح ونقصه كالشريكين، ولعدم تعلق ما يستحقه العامل بالذمة، أو كونه أجيرًا لاختصاص رب المال بغرم رأس المال، ولأنه معاوضة على عمل، وهو شأن الأكثر الإجارة خلاف.
تنكيت:
وهم البساطي في قوله: (ما يدل على أنه أجير وجوب الزكاة على ربه، إذا كانت حصته دون النصاب).
[ما لا يسقط الزكاة: ]
ولا تسقط زكاة حرث ومعدن وماشية بدين -أي: بسببه- أو بسبب
стр. 1165
فقد أو أسر لصاحبها إن لم يساو ما بيده الدين الذي عليه، كما لو كان عليه خمسة أوسق مثلًا وبيده أربعون شاة، أو بيده ستة أوسق، وإن ساوى مما بيده، كمن ملك من حرثه خمسة أوسق وعليه مثلها، أو خمسة من الإبل أو أربعين شاة أو ثلاثين بقرة، وعليه مثلها.
[ما يسقطها: ]
واستثنى من ذلك مسألة، فقال: إلا زكاة فطر عن عبد عليه مثله، فتسقط زكاة فطره عند ابن القاسم، بخلاف زكاة العين، فإن الدين يسقطها، كمن بيده عشرون دينارًا ولا يملك غيرها، وعليه مثلها، والفرق العمل أيضًا؛ فإنها أموال ظاهرة.
ثم بالغ بـ (لو) المشيرة للخلاف على أمور يتوهم أنها لا تسقط مع أنها مسقطة على الراجح، فقال: ولو دين زكاة ترتب في ذمته، ومعه مثله فإنه يسقطها عند ابن القاسم، وهو المشهور.
أو كان الدين عليه مؤجلًا لا يطالب به عند وجوبها عليه؛ فإنه يسقطها لتعلقه بالذمة.
أو كان الدين كمهر ترتب في ذمته؛ فإنه يسقطها عند مالك وابن القاسم، وهو المشهور ومذهب المدونة.
ابن ناجي: ظاهرها ولو كانت في عصمته.
وقال ابن حبيب: لا يسقطها مهر التي في عصمته؛ إذ ليس من شأنهن القيام به إلا في الموت، أو الفراق أو تزويج غيرهن.
وشهره ابن بزيزة، وشهرهما في التوضيح، واقتصر هنا على الأول، ولم ينبه على الثاني.
تنبيه:
لعله أدخل بالكاف بعض ديون الزوجة ودين الأب على ولده مما لا
стр. 1166
يطالب إلا عند موت أو مشاجرة، وأنكر ابن عرفة وجود القول الثاني في غير المهر.
أو كان الدين عن نفقة زوجة فإنه يسقطها مطلقًا، حكم بها حاكم أو لا.
ابن ناجي: اتفاقًا؛ لترتبها عن عوض.
أو تحمل الدين عن نفقة ولد إن حكم بها؛ لأن حكم القاضي بها صيرها كالدين، وإن لم يحكم بها فكالمواساة فلا يسقطها عند ابن القاسم خلافًا لأشهب.
وقول البساطي: (مراده بالحكم هنا الفرض) غير ظاهر.
[مسألة: ]
وهل معنى كلام أشهب السقوط إن لم يتقدم له -أي: للولد- يسر البتة فتسقط مطلقًا، حكم بها حاكم أو لا؛ لأنها لم تزل واجبة، وأما إن سقطت عن أبيه فلا؟ تأويلان:
الأول: لبعض القرويين.
والثاني: لعبد الحق.
أو كان الدين تحمل من نفقة والد أب أو أم بشرطين: أشار إليهما بقوله: بحكم إن تسلف ما ينفقه ليأخذ بدله من ولده؛ فإنه يسقطها باتفاق ابن القاسم وأشهب، فإن لم يحكم له بها حاكم ولو تسلف أو حكم بها ولم يتسلف لكنه تحيل بالإنفاق على نفسه أو بهبة له لم يسقط في الحالين، ومفهوم الشرط: عدم الإسقاط عند انتفاء الشرطين معًا.
[دين الكفارة والهدي: ]
ثم أخرج من قوله: (بخلاف العين) قوله: لا بدين كفارة وجبت عليه، أو دين وجب عليه في هدي لزم في حج أو عمرة؛ إذ لا يقضى عليه به.
стр. 1167
[ما لا يسقطه الدين العام: ]
ولما أسلف أن الدين يسقط زكاة العين استثنى من ذلك مسائل، فقال: إلا أن يكون عبده -أي: المدين- معشر يجب فيه العشر أو نصفه من حب أو تمر زكى، أي: يتعلق به الزكاة، سواء كانت تجب فيه كخمسة أوسق أو دونها، وليس المراد زكى بالفعل، فمفهومه مفهوم موافقة، كذا قرره البساطي.
وقال الشارح: سواء زكي أم لا، فيجعل فيه دينه إن قابله ويزكي ما بعده من العين، كما لو كان عنده عشرون دينارًا وعليه مثلها، وله معشر يساويها، أما لو نقص عنها بأن ساوى ثمانية عشر فلا زكاة.
أو يكون عنده معدن عين يجعله في مقابلة دينه؛ فإنه يجعله فيه على التفصيل المتقدم.
أو يكون له قيمة كتابة لمكاتبه فيجعلها في دينه كما تقدم، وعلى المشهور فإن كانت بعرض قومت بعين، وإن كانت بعين قومت بعرض، ثم قوم بالعين.
أو رقبة مدبر قبل دينه أو بعده، فيجعل قيمة رقبته في دينه، أو يكون له خدمه معتق لأجل جعلها على غررها في دينه، أو يكون له مخدم -أي: خدمته- فيجعل من له الخدمة قيمتها في دينه، أو يكون له رقبته -أي: مرجعها- فيجعل قيمتها لمن مرجعها له في دينه، فيقال: كم تساوي هذه الرقبة على أن يأخذها المبتاع بعد استيفاء الخدمة، أو يكون له عدد دين حل على مليء فيجعله في دينه ويزكي ما معه من العين، أو قيمة دين مرجو مؤجل على مليء عينًا كان أو عرضًا اعتبرت قيمته على المشهور.
أو يكون له عرض يجعله في دينه، ويزكي بشرطين عند ابن القاسم.
الأول: أن يكون حل حوله عنده، خلافًا لأشهب.
والثاني: أشار له بقوله: إن بيع، أي: كان مما يباع على المدين، كعرض ودار ونحوه، وقوم العرض وقت الوجوب للزكاة عليه، وهو آخر
стр. 1168
الحول، نقصت قيمته أو زادت، على مفلس متعلق بقوله: (إن بيع)، ففيه فصل بين العامل ومعموله.
[ما لا يجعل في مقابلة الدين: ]
لا آبق فلا يجعله في مقابلة الدين إن لم يرج عوده، بل وإن رجي، وعلله في المدونة بأنه لا يجوز بيعه.
أو دين لم يرج بأن كان على معدم فلا يجعله في دينه؛ لأنه كالعدم، وإن وهب الدين الذي يسقط بسببه لمن هو عليه ولم يحل حول الموهوب فلا زكاة عليه عند ابن القاسم.
أو وهب لمالك النصاب ما -أي: شيء- يجعل فيه الدين ولم يحل حوله عنده، فلا زكاة عليه فيه على المشهور.
أو مر كمؤجر نفسه بستين دينارًا ثلاث سنين وقبضها معجلًا ولا شيء له غيرها حول فلا زكاة عليه في شيء منها؛ لأن عشرين السنة الأولى لم يتحقق ملكه لها إلى الآن، فلم يمض لها على ملكه حول كامل، والأربعون الباقية دين عليه.
تنبيه:
فرضها كغيره في مؤجر؛ إذ لو أجر عبده أو أداره لكان له ما يجعل فيه الدين أو بعضه.
و(حول): فاعل.
و(ثلاث سنين): معمول اسم الفاعل.
و(ستين): متعلق به. وحذف (فلا زكاة) من المسألتين قبله؛ لدلالة الثالث عليه.
[مسألة: ]
ومدين مائة له مائة محرميه، أي: ابتداء حولها المحرم، وله مائة رجبية، أي: ابتداء حولها رجب، يزكي المائة الأولى فقط، وهي المحرمية
стр. 1169
على المشهور لحولها، ويجعل الدين في مقابلة الآخر، ولا يزكيها عند حولها؛ لتعلق الدين بها.
وقيل: يزكيهما، وأي مائة حال حولها منهما جعل دينه في الأخرى، وهو أحوط (١).
[الموقوف للسلف: ]
وزكيت عين ذهب أو فضة وهما نصاب فما فوقه وقفت للسلف، مالك: لأنها باقية على ملك ربها.
ومفهوم (وقفت للسلف): أنها لو وقفت لتفرق في سبيل اللَّه أو على المساكين فلا زكاة، وهو كذلك.
ثم شبه في الحكم، فقال: كنبات قمح وشعير ونحوهما من المعشرات كالحوائط، وحيوان إبل أو بقر أو غنم، أو نسله وقف على مساجد أو مسجد، أو على غير معينين كالفقراء والمساكين، فتجب زكاة جملته، إذا كان نصابًا، سواء حصل لكل مسجد أو مسكين نصاب أو دونه؛ لبقائه على ملك واقفه اتفاقًا عند ابن رشد.
ثم أشار للتشبيه المعين في الحكم بزيادة شرط، فقال: كعليهم بعين مهملة فمثناة تحتية بعد اللام إن تولى المالك تفرقته -أي: المحبس على
стр. 1170
المعينين- ويحتمل أن يكون كغلتهم بالغين المعجمة والمثناة الفوقية، أي: كغلة الحيوان.
وإلا بأن لم يتول المالك تفرقتها نظرت إن حصل لكل المعينين المحبس عليهم نصاب زكاة، وإلا فلا.
[مسألة: ]
وفي إلحاق ولد فلان كبني تميم بالمعينين نظرًا لفلان فيجيء فيهم التفصيل السابق، أو غيرهم نظر إليهم فلا تفصيل قولان.
قال ابن رشد: وهما قائمان من المدونة في الوصايا وغيرها.
[زكاة المعدن]
وإنما يزكي معدن عين ذهب أو فضة أو هما، نص عليه في المدونة، لا غيره من المعادن كنحاس ورصاص وعقيق وكحل وزرنيخ وطين أحمر، وتسمية المأخوذ منه زكاة هو كذلك.
تنكيت:
قول البساطي: (إطلاق الزكاة على المخرج من العين مجاز؛ لتساويهما في المصرف، وللتنبيه على شروطها على غير الحول، وعلى القدر المخرج) غير ظاهر، كأنها هنا زكاة.
وإنما لم يشترط فيه الحول؛ لأنه كالزرع، وهو بفتح الميم وكسر الدال: المال المخلوق من الأرض تنبته كالزرع (١).
стр. 1171
[حكمه: ]
وحكمه للإمام إن لم يكن بأرض معين، بل غير مملوكة كالفيافي وما انجلى عنه أهله، أو كان بأرض مالكها معين على المشهور، ولذا بالغ عليه بقوله: ولو بأرض معين.
قال الشارح: من أهل الحرب.
إلا أرضًا مملوكة لمصالح عليها فله لا للإمام، وضم بقية عرقه المتصل لما خرج منه أولًا إن لم يتراخ العمل، بل كان متصلًا اتفاقًا، بل وإن تراخى العمل حتى أتم النصاب وزكاه، ثم يزكي ما خرج منه بعده، وإن قل (١).
стр. 1172
تنبيه:
اختلف الشارحان في معنى (تراخى العمل) ففسره بهرام بكونه مسترسلًا على هيئة العامل، وليس المراد بتراخيه أن يعمل تارةً ويبطل تارةً؛ فإنه لا يضم.
وفسره البساطي بأن يعمل تارة ويترك أخرى؛ فيضم بعضه لبعض على المشهور.
وربما أشعر قوله: (بقية عرقه) بأنه لو كان في المعدن الواحد عرقان ذهب وفضة لم يضم أحدهما للآخر، وهو كذلك على أحد القولين.
[ضم المعادن]
لا معادن، فلا يضم ما خرج من واحد منها لما خرج من آخر إن اتحد وقتهما، بأن عمل في الثاني وأدرك نيله قبل انقطاع نيل الأول عند سحنون.
قال في الذخيرة: وهو المذهب، وإن اختلف وقتهما فلا ضم اتفاقًا.
стр. 1173
ولا يضم عرق آخر بأن ينقطع نيل الأول ويبتدئ عملًا، فيجد نيلًا آخر، كما في المدونة.
[ضم الفائدة: ]
وفي ضم فائدة بيده نصابًا أو دونه حال حولها لما أخرجه من معدن دون نصاب، وهو قول عبد الوهاب وبعض المتأخرين، وعدم ضمها كما خرجه اللخمي من أن المعدنين لا يضمان لاختلاف نوعيهما باشتراط الحول في أحدهما دون الآخر.
قال بعضهم: وهو الذي يظهر من المدونة تردد.
وفي قوله: (ضم) إشارة لبقاء الفائدة في يده حتى يخرج من المعدن ما يملكه، وهو كذلك؛ إذ لو تلفت قبل إخراج ما يكملها من المعدن فلا زكاة.
[محل الوجوب: ]
وفي تعلق الوجوب بزكاة ما يخرج من المعدن بإخراجه منه ويتوقف الإخراج على تصفيته وهو قول الباجي، أو لا يتعلق الوجوب إلا عند تصفيته من تراه ونحوه وهو قول طائفة تردد.
وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا أنفق شيئًا بعد خروجه وقبل تصفيته، فعلى الأول يحسب عليه دون الثاني.
وحذف (تردد) من الأول لدلالة الثاني عليه، وهما للمتأخرين.
[مسألة: ]
وجاز له بالمعدن دفعه بأجرة معلومة من العامل المدفوع له غير نقد ذهب أو فضة على أن المخرج اسم مفعول للمدفوع له -أي: العامل- وزكاته عليه، وهذا إذا كان العمل منضبطًا بزمن أو بشيء يتفقان عليه، وإنما كانت الأجرة غير نقد لأنها بالنقد كراء الأرض بما يخرج منها، والمشهور منعه، كما لا يجوز كراء أرض الزرع بطعام، وهذا على ما في بعض النسخ
стр. 1174
من إسقاط الواو قبل على، وأما على إثباتها فالمعنى: وجاز دفعه مجانًا على أن المخرج للمدفوع له، ففيه حذف على أن المخرج للمدفوع له.
[مسألة: ]
وإذا تعدد العامل اعتبر ملك كل منهم، فإن حصل لكل واحد نصاب وهو من أهل الزكاة زكاه، وإلا فلا على المشهور.
[قدر الدفع: ]
واختلف في جواز دفعه لعامل يعمل فيه بجزء ثلث أو ربع أو ما يتفقان عليه كالقراض ومنعه من كراء الأرض بما يخرج منها.
ويفرق بينه وبين القراض: أن في القراض رأس مال دون هذا.
قولان:
الأول: لمالك وابن القاسم، واختاره فضل بن مسلمة.
والثاني: لأصبغ، واختاره ابن المواز وأكثر الأصحاب.
[ندرة المعدن: ]
وفي ندرته -أي: ندرة المعدن العين- بنون فدال مهملة ساكنة القطعة من ذهب أو فضة توجد في المعدن خالصة غير محتاجة لتصفية ولا لكثير عمل الخمس على المشهور كالركاز، أفاد التشبيه (١) أمرين:
стр. 1175
- القياس عليه.
- وبيان الحكم.
[غير الندرة: ]
وأما غير الندرة مما فيه من العين ففيه ربع العشر إذا بلغ نصابًا فأكثر.
[الركاز: ]
ثم فسر الركاز بقوله: وهو دفن جاهلي بالإضافة نعت للدافن، وهو بكسر الدال بمعنى مدفون، كذبح بمعنى مذبوح، ويصح فتحها كضرب بمعنى مضروب، والكنز يقع عليه وعلى دفن الإسلام.
ومفهوم قوله: (دفن) مفهوم موافقة؛ لأن في المدونة: ما وجد على وجه الأرض من مال جاهلي أو بساحل البحر من تصاوير الذهب والفضة فلواجده مخمسًا.
واقتصر على الدفن لأنه الغالب (١).
стр. 1176
[ما شك في كونه ركازًا: ]
ولما ذكر حكم ما علم أنه دفن جاهلي، أفاد حكم ما شك فيه التخميس كالمتيقن، مبالغًا عليه وعلى ما بعده بقوله: وإن بشك في كونه دفن جاهلي أو مسلم، بأن لا يكون عليه علامة أصلًا، أو عليه وطمست؛ لأن الغالب أنه من فعلهم، وأما ما عليه علامة الإسلام فسيأتي.
[النصاب في المخمس: ]
ولما كان لا فرق فيما يخمس بين كونه نصابًا أو دونه، أدخل بالمبالغة، فقال: أو قل عن النصاب.
[العرض فيه: ]
ولما كان لا فرق بين العين وغيرها، قال: أو عرضًا، كلؤلؤ ورصاص مثلًا.
[صفة الواجد: ]
ولما كان لا فرق بين أن يكون الواجد حرًا أو غيره، مسلمًا أو غيره، قال: أو وجده عبد أو كافر، فقير أو مدين ممن لا تجب عليه زكاة، فإنه يخمس.
[محل عدم التخميس: ]
إلا لكبير نفقة في الحفر عليه فالزكاة، أو كبير عمل في تخليصه لفظ فالزكاة ربع عشرة لا الخمس.
[حكم ككنوز الفراعنة: ]
وكره مالك حفر قبره -أي: الجاهلي- والطلب فيه للدنيا، وهل
стр. 1177
لنجاسة ترابه أو خوف مصادفة قبر نبي أو صالح؟ قولان: لابن القاسم وأبي محمد.
وأما ما عرف من قبور المسلمين فلا يجوز حفره، فإن حفر ووجد به حلية وشبهها مما ليس من الكنز فله حكم اللقطة، إن عرف أهله رد إليهم، وأما قبر من لا يعرف كونه مسلمًا أو ذميًا فكقبر الجاهلي.
[باقي الركاز بعد التخميس: ]
وباقيه -أي: باقي الركاز- وهو الأربعة الأخماس، البساطي: أو الباقي بعد ربع العشر لمالك الأرض من المسلمين فهو للمسلم المعين، إن كان وجده هو أو غيره؛ بناءً على أن من ملك أرضًا ملك باطنها.
[ركاز الحرب: ]
ثم بالغ فقال: ولو كان المالك جيشًا افتتحها عنوة فله أو لوارثه، وإلا بأن لم يكن لها مالك كالموات وفيافي الأرض أو لم يوجد مالكها المعين ولا الجيش ولا وارثه فلواجده عند مطرف ومن وافقه.
[دفن المصالحين: ]
ثم استثني من عموم الواجد فقال: وإلا دفن المصالحين يجده غيرهم أو بعضهم بها فلهم.
تنبيه:
قال بعض من تكلم على هذا المحل: الإستثناء هنا بغير واو، ولا يصح غيره؛ لأن الإستثناء بإلا لا تعطف على المركبة من شرط ونفي.
إلا أن يجده رب دار منهم بها، أي: بداره فله أو لوارثه دون غيرهم (١).
стр. 1178
[دفن كمسلم: ]
ودفن مسلم أو ذمي علم كونه لأحدهما بعلامة لقطة، فيجري على حكمها الآتي في بابها؛ لأن حرمة مال الذمي كهو.
[ما يلفظه البحر: ]
وما لفظه البحر -أي: ألقاه من جوفه لساحله- كعنبر ولو مما لم يسبق عليه ملك أحد فلواجده بلا تخميس كصيد؛ لأنه ليس بركاز، فلو رآه شخص وابتدره غيره فلآخذه.
ومفهوم (ما لفظه البحر كعنبر) ولؤلؤ أن ما تركه صاحبه ببر أو لم يكن كالعنبر بل مما تقدم عليه ملك أحد لا يكون حكمه كذلك، واللَّه تعالى أعلم.
فصل ذكر فيه مصرف الزكاة، وما يتعلق به
فقال: ومصرفها -أي: المحل الذي تصرف فيه الأصناف الثمانية- في آية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، فاللام فيها عند مالك لبيان المصرف، فلا يلزم استيعاب كلها، وعند الشافعي للملك فيلزم.
стр. 1179
وتكلم المصنف عليها مرتبة كالآية الشريفة:
فالصنف الأول: فقير ذو بلغة لا تكفيه.
والصنف الثاني: مسكين لا شيء له؛ ولهذا قال: وهو أحوج من الفقير على المشهور.
وصدقا في دعواهما الفقر والمسكنة إلا لريبة، بأن يشهد ظاهر كل منهما بخلاف ذلك.
[شروط استحقاقهما لها: ]
ثم ذكر لاستحقاقهما لها شروطًا:
أشار لأحدها بقوله: إن أسلم كل منهما، فلا تصرف لكافر فقير أو مسكين؛ لأنها قربة، وربما استعان بها على المسلمين، إلا أن يكون جاسوسًا أو من المؤلفة.
ولثانيها بقوله: وتحرر فلا تعطى لذمي رق كله أو بعضه أو أم ولد لغنى كل بسيده، وإن عجز ساداتهم بيع منهم من يباع، وعجل عتق غيره.
ولثالثها بقوله: وعدم كفاية بقليل معه لا يقوم به، أو بسبب إنفاق عليه لا يكفيه، أو صنعة لا تقوم به.
ولرابعها بقوله: وعدم بنوة لهاشم ثاني أجداده ﷺ والمطلب أخي هاشم، مثله لقواعد عياض، وعزاه في إكماله للشافعي، وهو قول أشهب.
وقال ابن القاسم كمالك وأكثر أصحابه: آله بنو هاشم، وهو المشهور.
تنكيت:
وهم الشارح فظن أن بني المطلب هم بنو عبد المطلب، فقال: انظر كيف ذكر بني المطلب مع أنهم داخلون في بنوة هاشم، وهلا اكتفى بذكر بنوة هاشم؛ لأنه يلزم قطعًا أن من كان خارجًا عن بنوة هاشم يخرج عن بنوة المطلب؛ لأنه يلزم من نفي العام نفي الخاص، بخلاف العكس. انتهى.
ثم شبه في الشرط السابق في عدم الجواز وعدم الإجزاء فقال:
стр. 1180
كحسب دين على عديم، كأن يقول: لي عليك دينار دينا، أسقطته عنك من زكاة مالي، قاله ابن القاسم.
[من تجوز له: ]
وجاز إعطاؤها [١] لمولاهم -أي: بني هاشم- عند ابن القاسم [٢] وجاز دفعها لفقير قادر على الكسب. [٣] ودفعها لمستحق مالك نصاب لا يكفيه، وجاز دفع اكثر منه -أي: نصاب- وجاز دفع كفاية سنة لوقت خروجها.
[مسألة: ]
وفي جواز دفعها -أي: الزكاة- لمدين ثم أخذها منه في دين عليه لدافعها، وهو رأي ابن عبد السلام، ومنعه من التواطؤ على إعادتها؛ لأنه كمن لم يعط شيئًا، وهو رأي المصنف تردد لهما (١).
[العاملون: ]
وأشار المصنف للثالث بقوله: وجاب ومفرق مرفوعان عطفًا على (فقير) الأول بتقدير، والثاني لفظًا، وهو تفسير مالك لقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، وهم الساعون في تحصيلها من أربابها وإيصالها لمستحقيها.
زاد في الجواهر: الكاتب الضابط لها، والحاشر الذي يجمع أرباب الأموال لأخذ ما عليهم، والقاسم لا ساق وراع على المشهور، ويعطى بقدر عمله.
стр. 1181
وأما الإمام والقاضي والفقيه والقارئ فرزقهم من الخراج والخمس والعشر وغير ذلك.
[شروط العامل: ]
وذكر للعامل شروطًا:
أشار لأحدها بقوله: حر، فلا يستعمل عليها عبد.
ولثانيها بقوله: عدل، فلا يستعمل صبي ولا فاسق، وربما يستغنى بهذا الشرط عن الذي قبله.
ولثالثها بقوله: عالم بحكمها؛ لئلا يأخذ غير حقه، أو يترك فيضيع حق غيره، أو يمنع مستحقًا، أو يعطي غيره.
وغير هاشمي؛ لحرمتها على آله ﷺ ؛ إذ هي أوساخ الناس (١).
وغير كافر، مستغنى عنه أيضًا باشتراط العدالة، وربما أشعر ذكر الأوصاف بالتذكير باشتراط الذكورية، وهو كذلك، قاله ابن عرفة.
ويعطى العامل وإن كان غنيًا، قاله اللخمي وغيره، وبدئ به -أي: بالعامل- لأن فعله لتحصيلها، وأخذ العامل الفقير بوصفيه: العمل، والفقر.
ابن عرفة: إن لم يغنه حظ عمله.
ويعطى حارس زكاة الفطرة منها؛ لأنه لا عمل له فيها.
[المؤلفة قلوبهم: ]
وأشار للصنف الرابع، وهو المؤلفة قلوبهم بقوله: ومؤلف بفتح اللام
стр. 1182
وفسره بقوله: كافر ليسلم، وحكمه باق إلى الآن، فيعود إليه سهمه إن احتيج لتأليفه (١).
[الرقيق: ]
وأشار للصنف الخامس، وهو قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: ورقيق مؤمن يشترى منها، ولو بعيب فيه، ونكره ليشمل الخفيف وغيره كالعمى والزمانة وغيرهما، فلا يشترط سلامته منه عند ابن القاسم، ولأصبغ: عدم إجزاء المعيب، وأشار لخلافه بـ (لو) (٢)، يعتق منها -أي: يشتري الرقيق ليعتق منها- لا عقد حرية فيه، كمكاتب ومدبر فلا يشتري منها، ولو كان
стр. 1183
يتم عتقه بذلك، وولاؤه -أي: الرقيق المعتق من الزكاة- للمسلمين؛ لأن المال لهم، وبالغ بقوله: وإن اشترطه -أي: الولاء- له، ينفعه شرطه، ولو اشتراه منها وأعتقه عن نفسه صح، ولم يقع عنه كوكيل في عتق أعتق عن نفسه فإنه يصح عن الموكل عنه. أو فك بها أسيرًا لم يجزه ذلك عن الزكاة على المشهور.
[الغارمون: ]
وأشار للصنف السادس، وهو الغارم بقوله: ومدين يعطى منها ما يوفي به دينه، ولو مات وفَّى دينه منها على الأصح، وأشار بلو لمقابلة وصف الدين بقوله: يجلس فيه فلا يعطى لوفاء دين عليه لولده عند من لا يحبسه فيه، ولا في دين زكاة ولا كفارة.
البساطي: إن أراد كون شأنه أن يحبس فيه خرج دين الولد وإن أراد أن يحبس فيه بالفعل خرج من ثبت عدمه.
لا يعطى منها مدين أدانه في فساد كشرب خمر مثلًا؛ لما فيه من معونته على ذلك.
ولا يعطي منها من استدان لأخذها كذي الكفاية يوسع في الإنفاق زيادة على كفايته ليصير غارمًا للأخذ، بخلاف ذي الضرورة يستدين لأخذها.
ثم استثني من أحوال الفساد، فقال: إلا أن يتوب المستدين في فساد فيعطى على الأحسن، قاله ابن عبد الحكم.
ولا يعطى مدين بيده شيء إلا إن أعطى لرب الدين ما بيده من عين، كمن عليه عشرون وبيده عشرة فلا يعطى ما يوفي به دينه حتى يدفع العشرة التي بيده.
وأعطي أيضًا فضل غيرها -أي: غير العين- كمن له دار تساوي مائة وتكفيه دار تساوي خمسين فتباع عليه ويوفي الزائد في دينه، ثم يعطى، وإذا كان ما عنده من العين أو غيره يوفي دينه كله ففقير لا غارم، قاله ابن عرفة.
стр. 1184
[في سبيل اللَّه: ]
وأشار للصنف السابع وهو قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بقوله: ومجاهد -أي: ملتبس به أو بالرباط- وآلته كسيف ورمح ونحوها، ويعطى منها ما ينتفع به إن لم يكن غنيًا اتفاقًا، ولو كان غنيًا في غزو كجاسوس يرسله الإمام عينًا للإطلاع على أخبار العدو والعلم بأمره، فيعطى منها، ولو كافرًا لسعيه في مصالح المسلمين.
لا في بناء سور يتحفظ به من الكفار، ولا في عمل مركب يقاتلونهم فيه.
[ابن السبيل: ]
وأشار للصنف الثامن وهو ابن السبيل بقوله: وغريب محتاج لما يوصله لبلده غنيًا كان ببلده أو فقيرًا، ولإعطائه شروط ثلاثة:
- حاجته كما تقدم.
- وكون سفره في غير معصية، فلا يعطى مسافر لمعصية؛ لما فيه من إعانته على الفساد، ولا يعطى في عوده إلا أن يتوب، الواو بمعنى أو، ويخاف عليه الموت إن لم يعط، قاله ابن يونس.
وأشار للشرط الثالث بقوله: ولم يجد مسلفًا وهو مليء ببلده وجد مسلفًا في سفره، ولو وجده وهو فقير بها أعطي.
وصدق إن ادعى أنه ابن سبيل، إن كان على هيئة الفقر، قاله مالك، ولم يجد من يعرفه.
وان أخذها ابن السبيل وجلس نزعت منه، قاله اللخمي، كغاز أخذ منها ليغزو ثم جلس فإنها تنزع منه لأنها في معنى المعاوضة على الغزو.
وفي رد غارم أخذها لوفاء دينه ثم ليغزو ثم يستغني قبل وفائه بها وعدم رده لأنه أخذها بوجه مشروع، والطارئ لا عبرة به، تردد للخمي وحده؛ لقوله: فيه إشكال، ولو قيل تنزع منه لكان وجهًا.
стр. 1185
وندب إيثار المضطر بأن يزاد في إعطائه منها على غيره ممن ليس مضطرًا من غير تحديد؛ لأن المقصود سد خلة المحتاج.
وأفهم كلامه أنه حيث لا اضطرار فلا إيثار.
تتمة:
قال في الطراز: عن مالك: إن استوت الحاجة يؤثر الأدين ولا يحرم غيره.
وقال أبو عمر: يؤثر لسابقة الإسلام والفضائل الدينية؛ لأن إقامة بُنية الأبرار أفضل من غيرهم؛ لما يترتب على بقائهم من المصالح.
دون عموم الأصناف الثمانية، فلا يستحب، خلافًا لأصبغ؛ لئلا يندرس باستحقاقهم، ونبه على خلاف الشافعي في قوله: يجب التعميم.
[استنابة المزكي: ]
وندب للمزكي الإستنابة في إخراجها خوف المحمدة والثناء وعمل ليس أفضل، وقد تجب الإستنابة إذا لم يكن عارفًا مصرفها؛ لأنه قد يعطي من لا يستحق ويمنع المستحق، وكره حينئذ له -أي: لمفرقها- تخصيص قريبه بها، والمراد: قريب لا تجب النفقة عليه، وهل يمنع إعطاء زوجة زوجها من زكاتها، وهو ظاهر قول المدونة: "ولا تعطي المرأة زوجها من زكاتها"، وعليه فهمها اللخمي، أو يكره، وعليه فهمها ابن القصار وبعض أشياخه، تأويلان.
وظاهره: سواء كان ذلك يرجع لها في نفقتها أو لا، وتخصيصه التأويلين بإعطاء الزوجة زوجها يفهم منه منع إعطائه لها، وهو كذلك.
تنبيه:
وقع في نسخة بعض مشايخي قولان موضع تأويلان، فقال: كان الأنسب للمؤلف على عادته أن يقول: تأويلان.
[زكاة مالك النقدين: ]
وجاز لمالك النقدين إخراج ذهب عن ورق وعكسه على المشهور فيهما.
стр. 1186
وقيل: يكره.
وأنكر القول بالمنع، وأفهمت عبارته منع إخراج عروض وطعام عن ذهب أو ورق، وهو كذلك، فلو وقع رجع به دافعه على آخذه، ودفع ما وجب عليه، فإن فات لم يرجع بشيء، ويخرج الذهب عن الورق وعكسه بصرف وقته مطلقًا، سواء ساوى الصرف الأول وهو عشرة دراهم في الدينار أو أزيد أو أنقص، قاله ابن المواز، وتعقب تشهير ابن الحاجب اعتبار صرف الوقت ما لم ينقض عن الصرف الأول، وتبعه صاحب الشامل في تشهيره.
وإذا وجب جزء عن دينار مسكوكًا تعين، وإن لم يوجد مسكوكًا وأخرج عنه من غير نوعه ورقًا أخرجه بقيمة السكة اتفاقًا، والباء بمعنى مع، وإن أخرج من نوعه ذهبًا غير مسكوك أخرج بقيمة السكة على الأصح عند ابن الحاجب؛ لأنه لما ثبت للفقراء جزء في السكة حين إخراج الورق وجب إن ثبت مثله في الذهب.
وقال ابن حبيب: إنما يتعلق بالعين لا بالسكة.
وإلى خلافه أشار بقوله: ولو في نوع، أي: ولو كان المخرج في نوعه، فالتنوين عوض عن الضمير، ثم أخرج من قوله السكة قوله: لا بقيمة صياغة فيه، أي: في النوع، فلا يلزم قيمتها كذهب مصوغ وزنه عشرون دينارًا، أو قيمة صياغته خمسة، فأخرج عنه ذهبًا مكسورًا، فإنه يخرج عن عشرين فقط على المشهور، وقوله: (صياغة) مجرور منون عطفًا على لفظ (السكة).
[إلغاء قيمة الصياغة: ]
وفي إلغاء قيمة الصياغة في غيره -أي: غير النوع- مثل أن يخرج ورقًا عن ذهب مصوغ قدر الجزء الواجب فقط، كما له أن يخرج مكسورًا، وإليه ذهب أبو عمران ومن وافقه، أو لا بد من إخراج قيمة الصياغة، وإليه ذهب ابن الكاتب ومن وافقه تردد للفريقين.
стр. 1187
ثم أخرج من فاعل جاز، فقال: لا كسر مسكوك كامل أو غيره، فلا يجوز، كأن يريد كسره ليخرج ما عليه من الزكاة مثلًا؛ لما فيه من فساد سكة الناس.
إلا أن يكون كسره وجب عند الكافة لسبك لحاجة له في ذلك فيجوز، ووجب عند الكافة نيتها على المزكي إن كان مكلفًا، وإلا فوليه؛ لأنها عبادة تتنوع لفرض، ونقل ابن عرفة عن ابن القصار: المذهب وجوبها ولا نص.
[نقل الزكاة: ]
ووجب تفرقتها بموضع الوجوب إن كان به مستحق أو قربه، ابن ناجي: دون مسافة القصر.
إلا لأعدم في بلد مسافته القصر فأكثر، فأكثرها ينقل له من بلد الوجوب، ويدفع أقلها لأهل بلد الوجوب.
حادثة:
أفتى الشبيبي أن الفقير إذا جاء من بلد فوق مسافة القصر لبلد الزكاة فإنه يعطى، وليس من نقلها، وأفتى السيوري والغبريني من نقلها.
وفهم من قوله: (أعدم) أنهم لو تساووا في الحاجة أو كان حاجة غيرهم أقل منع نقلها، وهو المشهور.
وأشعر نقلها بأنها لا تدفع لبيت المال، ولا تصرف في كفن ميت ولا في بناء مسجد، وهو كذلك.
[الأجرة في نقلها: ]
وتنقل بأجرة من الفيء لا من مخرجها، ولا تباع وتشتري مثلها في الموضع، وإلا بأن لم يكن في فيء لها أو كان وتعذر بيعت بموضع الوجوب، واشترى مثلها بموضعهم.
أبو الحسن: ولا يضمنها إن تلفت.
стр. 1188
ثم شبه في الحكم، فقال: كعدم مستحق في البلد الذي هي به، فتنقل وإن لم يمكن نقلها بيعت.
[زمن نقلها: ]
وقدم نقلها قبل الحول ليصل المال لموضع تفرقته عند الحول، قاله ابن المواز.
[ما لا يجزئ: ]
ثم ذكر سبع مسائل، وأجاب عنها بجواب واحد، وهو عدم الإجزاء، فيقدر مثله في كل منها، فقال: وإن قدم معشرًا -أي: زكاة ما فيه العشر- كحب وتمر قبل وجوب لم يجزه.
أو زكى دينًا بعد حوله وقبل قبضه ممن هو عليه، أو زكى عرضًا محتكرًا بعد حول قبل بيعه وقبض ثمنه؛ لاحتمال أن يطول فيكون كمن قدم على الحول بكثير، فقوله: قبل القبض طرف للمسألتين، وما ذكره هو مذهب المدونة.
أو نقلت زكاة لدونهم -أي: دون أهل محلها- في الحاجة على المشهور.
أو دفعت باجتهاد لمن يظن أنه مستحق، ثم تبين عدم استحقاقه لغناه أو رقه أو كفره، وتعذر ردها منه لم تجزه على المشهور، فإن لم يتعذر ردها وصرفها في مصرفها.
إلا الإمام يدفعها لواحد ممن ذكر باجتهاد، ثم تبين خلاف اجتهاده، فيجزئ؛ لأن اجتهاده حكم، فلا يتعقب.
أو طاع ربها بدفعها لجائر معروف جوره، في صرفها لم يجزه، إذا لم يصرفها، بل أخذها لنفسه أو صرفها في غير مصرفها، أو طاع بقيمة دفعها عنها لم تجز.
стр. 1189
تنبيه:
نكر (قيمة) ليعلم أنه لا يراعى بدل معين من جنس أو مقدار، بل المقصود حفظ المستحق.
لا إن أكره على دفع القيمة فإنها تجزئ على المشهور، وقوله: (لا إن أكره) راجع للمسألتين اللتين قبله.
ثم عطف على المخرج، فقال: أو دفعت، وفي بعض النسخ (أو نقلت) موضع (دفعت)، لمثلهم في الحاجة فتجزئ.
أو قدمت على الحول يسيرًا في عين وماشية، فتجزئ على المشهور، واستظهر الشارح أن معنى (في) السببية.
وقال البساطي: ظرفية.
ومفهوم معشرًا أو دينًا فيما تقدم مفهوم لقب، وهو ضعيف، ولم يبين المصنف مقدار ما يجزئ تقديمها فيه على ما حكاه بعضهم عن مبيضته، وفي بعض النسخ بكشهر.
وقال بعضهم: إن في مسودته بكشهرين.
فإن ضاع المخرج المقدم عن وقت الوجوب قبل وصوله لمستحق فعن الباقي، ولا يحسب عليه ما ضاع، فإن كان الباقي نصابًا فأكثر أخرج عنه، وإلا فلا.
[سقوط الزكاة: ]
وإن تلف جزء نصاب، والحال أنه لم يمكن الأداء، إما لعدم مستحق، أو لعدم إمكان الوصول إليه، أو لغيبة المال سقطت زكاته، ولم يكلف بها.
وقال ابن الجهم: يخرج عن الباقي.
ومفهوم (جزء نصاب) سقوطها مع تلف كله، أو لا مع عدم التمكن.
كعزلها عن ماله بعد حولها لمستحقها فضاعت بغير تفريط فتسقط، لا
стр. 1190
إن عزلها بعد الحول، وضاع أصلها، وهو المال المزكي قبل وصولها للمستحق، فلا تسقط.
[ضمانها: ]
وضمن إن أخرها -أي: الزكاة- عن الحول مفرطًا في تأخيرها عنه، وضاعت قبل أن ينفذها بغير تفريط، أو أدخل عشرة بنية مفرطًا في دفعه لمستحقه وضاع فإنه يضمنه.
ومفهومه: أنه لو ضاع بالجزأين لم يضمنه، وهو كذلك.
[مسألة: ]
ثم أفاد مفهوم (مفرطًا)، بقوله: لا إن أدخله بنية محصنًا له فلا ضمان عليه، وحذف (مفرطًا) من الأول لدلالة الثاني عليه، وإلا بأن لم يعلم كيفية إدخاله بنية هل على صفة تحصنه فيصدق؛ لأنه الغالب من حال البيت، أو لا يصدق؛ لأن الأصل إبقاء الضمان فتردد للمتأخرين.
[الزكاة من التركة: ]
وأخذت الزكاة من تركة الميت من رأس ماله إذا حال عليها الحول، ولم يخرجها، سواء أوصى بها أو لا، وهو كذلك.
[الممتنع عن أدائها: ]
وأخذت من الحي الممتنع من أدائها كرهًا مع القدرة عليه، وإن لم يقدر عليه أخذت بقتال.
وظاهره: كان الممتنع معاندًا أو لا، وأدب من امتنع وأخذت منه بغير قتال لامتناعه مما وجب عليه.
[دفعها للإمام: ]
ودفعت للإمام العدل في أخذها وصرفها وجوبًا إن كانت ماشية أو حرثًا، بل وإن كانت عينًا، وهو مذهب المدونة.
стр. 1191
[مسألة: ]
وإن غر عبد بحرية، أي: بدعواه أنه حر فدفعت له، ثم ظهر رقه، فإن وجدت معه كلها أو بعضها أخذت، وإن تلفها فجناية تتعلق برقبته على الأرجح عند ابن يونس، ومقابله تعلقها بذمته.
وإن غر غني أو كافر غرمها، وإلا فلا، ثم هل يغرمها من كانت عليه أو لا؟
[المسافر يزكي: ]
وزكى مسافر ما معه من مال حال حوله، وإن لم يكن نصابًا، ويزكي ما غاب عنه منه إذا كان الجميع نصابًا فأكثر؛ لأن ماله تبع له.
وقيل: لا يزكي ما غاب عنه.
[شرط زكاتهما: ]
وزكاته للجميع بشرطين: أشار لأحدهما بقوله: إن لم يكن عنه مخرج بتوكيل، أو يكون الإمام يأخذ عما ببلده، فلا يزكيه حينئذ اتفاقًا.
وأشار للثاني بقوله: ولا ضرورة مما معه من نفقة وغيرها، فلا يلزمه الإخراج حينئذ، ويصبر لبلده.
فصل ذكر فيه حكم صدقة الفطر، وما يتعلق بها
[الفطر لغة: ]
والفطر بكسر الفاء خاصة لفظة مولدة اصطلح الفقهاء عليها وليست عربية ولا معربة.
[حكمها: ]
ولما كان في وجوبها وسنيتها خلاف أخرها عن الزكاة المجتمع
стр. 1192
عليها، فقال: يجب على المشهور وجوبًا ثابتًا بالسنة؛ ففي الموطأ عن ابن عمر ﵁ فرض رسول اللَّه ﷺ صدقة الفطر من رمضان على المسلمين (١).
وحمل اللخمي الفرض على التقدير بعيد.
[القدر المخرج: ]
صاع: فاعل (يجب) لمن قدر عليه، أو جزؤه لمن عجز عن كله؛ لخبر: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢).
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: الظاهر أنه [إذا] (٣) أراد بجزء الصاع ما يجب على مالك جزء من رقيق (٤).
стр. 1193
عنه -أي: عن المكلف- فضل الصاع أو جزؤه في ذلك اليوم عن قوته إن كان وحده، أو عن قوته وقوت عياله اللازم له نفقتهم، وظاهره: ولو خشي جوعه وجوعهم بعد، وهو كذلك، وظاهره أيضًا وجوبها بالشرط المذكور، ولو حل له أخذها، وهو كذلك، خلافًا لابن الماجشون.
تنبيه:
وهذا إذا كان مالكًا لما يجب عليه قبل وقت الوجوب، وأما لو ملكه بعد طلوع الشمس لم يجب عليه، بل يستحب الإخراج.
ويجب الصاع وإن كان قادرًا عليه بتسلف؛ إذ القدرة مناط التكليف، ولو بالغ بـ (لو) ليشير لخلاف محمد لكان أحسن، ولكنه يشير بـ (إن) أيضًا للمبالغة.
فائدة:
التحديد من الشارع فالزائد عليه بدعة مكروهة، كالزيادة في التسبيح على ثلاث وثلاثين عقب الفريضة، ذكره القرافي في فروقه.
[زمنها: ]
وهل تجب زكاة الفطر بأول ليلة العيد عند غروب الشمس، وشهره ابن الحاجب وبعض الأشياخ، أو بفجره -أي: بفجر يوم العيد- وشهره الأبهري؟ خلاف، وفائدة الخلاف: وجوبها وسقوطها في حق مولود ومشتر وميت ومعتق ومطلقة ومن أسلم بين هذين الوقتين.
[صفة المخرج: ]
ويخرج من أغلب القوت في البلد، كان قوت المخرج منه أو من غيره.
تتمة:
الظاهر: أن مرادهم بالغالب في جميع العام، ابن ناجي: قال بعض شيوخنا: المعتبر الغالب ما يأكلونه في شهر رمضان لا ما قبله، وكان شيخنا
стр. 1194
يعجبه ذلك، وهو كذلك، انظر بقية كلامه في الكبير، وللمسألة نظائر ذكرناها في الكبير، من معشر متعلق بالقوت (١)، والمراد ما يعتبر فيه العشر في زكاة، أو من أقط بفتح الهمزة وكسر القاف، أو كسرهما، وأخرج من المعشر العلس بقوله: غير علس، وأثبته ابن حبيب، إلا أن يقتات غيره، أي: المذكور، كالقطاني والتين واللحم وغيرها، فيخرج منه (٢).
[إخراجها عمن ينفق عليهم: ]
ثم عطف على قوله: (عنه)، فقال: ويجب أن يخرج أيضًا عن كل مسلم يمونه -أي: يلزمه مؤنته- بقرابة، كالأولاد والآباء بشروطه، وخرج
стр. 1195
المستأجر بنفقته، أو زوجية على المشهور؛ إلحاقًا لها بالقرابة لا بالإجزاء، وإن كانت الزوجة لأب فقير؛ لأنها تبع له، وإن لم تكن أمه، خلافًا للمغيرة.
ويجب عليه نفقة خادمها أيضًا، وظاهره: ولو تعددت، أو رق فيلزمه زكاة فطره لوجوب نفقته عليه.
ولما كان المكاتب نفقته على نفسه وزكاة فطره واجبة على السيد، أشار لوجوبها وللخلاف فيه بقوله: ولو مكاتبًا؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم، وكذا لو كان آبقًا رجي وجوده؛ لتحقق الملك فيه، وغير المرجو كالعدم.
ولو كان الرقيق مبيعًا بمواضعة أو خيار، وأتى عليهما عيد الفطر قبل انقضاء الاستبراء والخيار، فإن زكاة فطرهما على البائع؛ لأن ضمانهما منه.
أو مخدمًا سواء طالت مدة اختدامه أم لا، فزكاة فطره على سيده، إلا أن يرجع أمر المخدم بعد الإخدام لحرية، كـ: اخدم فلانًا مدة كذا ثم أنت حر، فعلى مخدمه، بفتح الدال، إلا أن نفقته عليه على المشهور، ولم يبق للسيد فيه منفعة.
والعبد المشترك بين ثلاثة مثلًا لأحدهما نصفه، وللآخر ثلثه، وللآخر سدسه يجب على كل واحد من الصاع بقدر ملكه.
وقيل: على رؤوس.
وللمسألة نظائر نظمها الشارح، فقال:
إجارة قسام وكتب وثيقة ... وحارس بستان وصيد كلاب
وإخراج فطر عن رقيق جماعة ... ومسكن محضون وكنس تراب
وضف نفقة الوالدين وشفعة ... وتكميلها عشرًا بعتق رقاب
وزيد عليها من أوصى بمجهولات مختلفة، ولم يذكره الشارح، ولا حكم المسائل التي ذكرها، وليس المراد الإقتصار على حارس البستان، بل