[مسألة: ]
وإن غر عبد بحرية، أي: بدعواه أنه حر فدفعت له، ثم ظهر رقه، فإن وجدت معه كلها أو بعضها أخذت، وإن تلفها فجناية تتعلق برقبته على الأرجح عند ابن يونس، ومقابله تعلقها بذمته.
وإن غر غني أو كافر غرمها، وإلا فلا، ثم هل يغرمها من كانت عليه أو لا؟
[المسافر يزكي: ]
وزكى مسافر ما معه من مال حال حوله، وإن لم يكن نصابًا، ويزكي ما غاب عنه منه إذا كان الجميع نصابًا فأكثر؛ لأن ماله تبع له.
وقيل: لا يزكي ما غاب عنه.
[شرط زكاتهما: ]
وزكاته للجميع بشرطين: أشار لأحدهما بقوله: إن لم يكن عنه مخرج بتوكيل، أو يكون الإمام يأخذ عما ببلده، فلا يزكيه حينئذ اتفاقًا.
وأشار للثاني بقوله: ولا ضرورة مما معه من نفقة وغيرها، فلا يلزمه الإخراج حينئذ، ويصبر لبلده.
فصل ذكر فيه حكم صدقة الفطر، وما يتعلق بها
[الفطر لغة: ]
والفطر بكسر الفاء خاصة لفظة مولدة اصطلح الفقهاء عليها وليست عربية ولا معربة.
[حكمها: ]
ولما كان في وجوبها وسنيتها خلاف أخرها عن الزكاة المجتمع
стр. 1192
عليها، فقال: يجب على المشهور وجوبًا ثابتًا بالسنة؛ ففي الموطأ عن ابن عمر ﵁ فرض رسول اللَّه ﷺ صدقة الفطر من رمضان على المسلمين (١).
وحمل اللخمي الفرض على التقدير بعيد.
[القدر المخرج: ]
صاع: فاعل (يجب) لمن قدر عليه، أو جزؤه لمن عجز عن كله؛ لخبر: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢).
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: الظاهر أنه [إذا] (٣) أراد بجزء الصاع ما يجب على مالك جزء من رقيق (٤).
стр. 1193
عنه -أي: عن المكلف- فضل الصاع أو جزؤه في ذلك اليوم عن قوته إن كان وحده، أو عن قوته وقوت عياله اللازم له نفقتهم، وظاهره: ولو خشي جوعه وجوعهم بعد، وهو كذلك، وظاهره أيضًا وجوبها بالشرط المذكور، ولو حل له أخذها، وهو كذلك، خلافًا لابن الماجشون.
تنبيه:
وهذا إذا كان مالكًا لما يجب عليه قبل وقت الوجوب، وأما لو ملكه بعد طلوع الشمس لم يجب عليه، بل يستحب الإخراج.
ويجب الصاع وإن كان قادرًا عليه بتسلف؛ إذ القدرة مناط التكليف، ولو بالغ بـ (لو) ليشير لخلاف محمد لكان أحسن، ولكنه يشير بـ (إن) أيضًا للمبالغة.
فائدة:
التحديد من الشارع فالزائد عليه بدعة مكروهة، كالزيادة في التسبيح على ثلاث وثلاثين عقب الفريضة، ذكره القرافي في فروقه.
[زمنها: ]
وهل تجب زكاة الفطر بأول ليلة العيد عند غروب الشمس، وشهره ابن الحاجب وبعض الأشياخ، أو بفجره -أي: بفجر يوم العيد- وشهره الأبهري؟ خلاف، وفائدة الخلاف: وجوبها وسقوطها في حق مولود ومشتر وميت ومعتق ومطلقة ومن أسلم بين هذين الوقتين.
[صفة المخرج: ]
ويخرج من أغلب القوت في البلد، كان قوت المخرج منه أو من غيره.
تتمة:
الظاهر: أن مرادهم بالغالب في جميع العام، ابن ناجي: قال بعض شيوخنا: المعتبر الغالب ما يأكلونه في شهر رمضان لا ما قبله، وكان شيخنا
стр. 1194
يعجبه ذلك، وهو كذلك، انظر بقية كلامه في الكبير، وللمسألة نظائر ذكرناها في الكبير، من معشر متعلق بالقوت (١)، والمراد ما يعتبر فيه العشر في زكاة، أو من أقط بفتح الهمزة وكسر القاف، أو كسرهما، وأخرج من المعشر العلس بقوله: غير علس، وأثبته ابن حبيب، إلا أن يقتات غيره، أي: المذكور، كالقطاني والتين واللحم وغيرها، فيخرج منه (٢).
[إخراجها عمن ينفق عليهم: ]
ثم عطف على قوله: (عنه)، فقال: ويجب أن يخرج أيضًا عن كل مسلم يمونه -أي: يلزمه مؤنته- بقرابة، كالأولاد والآباء بشروطه، وخرج
стр. 1195
المستأجر بنفقته، أو زوجية على المشهور؛ إلحاقًا لها بالقرابة لا بالإجزاء، وإن كانت الزوجة لأب فقير؛ لأنها تبع له، وإن لم تكن أمه، خلافًا للمغيرة.
ويجب عليه نفقة خادمها أيضًا، وظاهره: ولو تعددت، أو رق فيلزمه زكاة فطره لوجوب نفقته عليه.
ولما كان المكاتب نفقته على نفسه وزكاة فطره واجبة على السيد، أشار لوجوبها وللخلاف فيه بقوله: ولو مكاتبًا؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم، وكذا لو كان آبقًا رجي وجوده؛ لتحقق الملك فيه، وغير المرجو كالعدم.
ولو كان الرقيق مبيعًا بمواضعة أو خيار، وأتى عليهما عيد الفطر قبل انقضاء الاستبراء والخيار، فإن زكاة فطرهما على البائع؛ لأن ضمانهما منه.
أو مخدمًا سواء طالت مدة اختدامه أم لا، فزكاة فطره على سيده، إلا أن يرجع أمر المخدم بعد الإخدام لحرية، كـ: اخدم فلانًا مدة كذا ثم أنت حر، فعلى مخدمه، بفتح الدال، إلا أن نفقته عليه على المشهور، ولم يبق للسيد فيه منفعة.
والعبد المشترك بين ثلاثة مثلًا لأحدهما نصفه، وللآخر ثلثه، وللآخر سدسه يجب على كل واحد من الصاع بقدر ملكه.
وقيل: على رؤوس.
وللمسألة نظائر نظمها الشارح، فقال:
إجارة قسام وكتب وثيقة ... وحارس بستان وصيد كلاب
وإخراج فطر عن رقيق جماعة ... ومسكن محضون وكنس تراب
وضف نفقة الوالدين وشفعة ... وتكميلها عشرًا بعتق رقاب
وزيد عليها من أوصى بمجهولات مختلفة، ولم يذكره الشارح، ولا حكم المسائل التي ذكرها، وليس المراد الإقتصار على حارس البستان، بل
стр. 1196
وحارس إعدال المتاع وبيوت الغلات وحارس الدابة.
وزاد العبدوسي: كنس السواقي.
وزاد أبو عمران: أجرة السقي على المشهور.
وابن رشد: أجرة الوكيل على الخصام.
ورجح كونها على الرؤوس، وذكرت ذلك مع بيان الحكم ونظمتها، فقلت:
وكنس السواقي ثم أجر الذي سقى ... وأجر وكيل في الخصام ولأب
وموص بمجهول مخالف هل على ... رؤوسهم أو عدل كل نصاب
ولو جعل الشارح كافًا موضع الواو في قوله: (وحارس) لشمل مسائل الحراسة كلها.
والمبعض من الرقيق الذي بعضه حر وبعضه رقيق لمسلم يجب على كل مالك بعضه من زكاة فطره بقدر الملك منه، ولا شيء على العبد في باقي نفسه الحر؛ لأن حكمه حكم العبد.
وقيل: جميع الصاع على المالك للتبعض.
والعبد المشترى شراء فاسدًا زكاة فطره على مشتريه؛ لأن ضمانه منه حتى يرده، سواء رده يوم الفطر أو ليلته.
[المندوب فيها: ]
وندب إخراجها بعد الفجر وقبل الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾.
وندب إخراجها من قوته الأحسن، إذا كان يأكله ودونه.
وندب غربلة القمح ليخرج الصاع كاملًا، وذكر القمح لأنه الغالب، إلا الغلث بالمثلثة، ككثير التراب، فتجب غربلته.
وندب دفعها لزوال فقر ورق يومه، فيندب لمن زال فقره أو رقه يوم
стр. 1197
العيد إخراج زكاة الفطر، وإن عتق بعد غروب الشمس آخر يوم من رمضان وجبت على المعتق بالفتح، وندبت على سيده.
وندب دفعها للإمام العدل ليفرقها، وندب لمخرجها عدم زيادة على صاع واحد لعموم النفع عند تعدد الصغار، وليكون ما أخرج عن واحد لواحد، كذا قرره الشارح، ويحتمل أن يريد أن ما زاد على ذلك بدعة، كما قدمنا عن القرافي، ويحتمل أن يريدهما معًا.
وندب إخراج المسافر عن نفسه ببلد هو به؛ ففي المدونة: ويؤديها المسافر حيث هو، ولما لم يكن ذلك واجبًا قال: وجاز إخراج أهله عنه ببلده، إن أوصاهم، أو علم أنهم يخرجون عنه.
[مسألة: ]
وجاز بالاجتهاد كما في الإرشاد دفع صاع واحد لمساكين متعددين، قاله ابن المواز، ودفع آصع متعددة لواحد، قاله في المدونة.
[مسألة: ]
وجاز دفع من قوته الأدون، يحتمل الأدون من قوت غيره، ويحتمل من قوته، إن كان يأكلهما معًا.
تنكيت:
قول البساطي: (هذا مستفاد من ندبية الأعلى) فيه نظر؛ لأن مفهوم ندبية الأعلى صادق بأمرين:
- التساوي.
- ومرجوحية الأدنى.
فليس فيه تعيين المطلوب، الذي هو الجواز، فلم يستفد مما ذكر؛ فلذا احتاج للنص عليه (١).
стр. 1198
إلا أن يقتات الأدون على الأول، أو يدفعه على الثاني لشح، فلا يجوز، وعدم الجواز يحتمل الكراهة والمنع، والأول هو الظاهر.
[التقديم في إخراجها: ]
وجاز إخراجه -أي: المكلف- الزكاة قبله، أي: بكاليومين والثلاثة، ونحوه للجلاب، وهل محل الجواز الذي ذكره مطلقًا، دفعها هو بنفسه أو دفعها لمن يفرقها، وهو فهم اللخمي للمدونة وشُهر، أو إنما ذلك إذا دفعها لمفرق، وأما إذا فرقها بنفسه فلا يقدمها، وهو فهم ابن يونس، وشهر أيضًا، إلا أن ابن يونس لم يجزم، بل قال: يمكن؟ تأويلان.
[سقوطها: ]
ولا تسقط الزكاة بمضي زمنها لترتبها في الذمة كغيرها من الفرائض.
[من تدفع له: ]
وإنما تدفع:
لحر، لا لقن أو ذي شائبة.
مسلم، لا كافر، ولو مؤلفًا أو جاسوسًا.
стр. 1199
فقير، يريد أو مسكين، ولو ابن السبيل، لا غني، ولو مجاهد.
واعلم أن الفقير هنا غيره في زكاة المال؛ لقول اللخمي: لا أعلمهم يختلفون أنه لا يعطى زكاة الفطر من يملك نصابًا.
وقول الشارح: (انظر هل يشترى منها رقيق العتق إذا فضل شيء عن فقراء محلها، أو لم يوجد به فقير، أو تنقل لغيرهم) خلاف ظاهر كلام المصنف؛ فإن ظاهره المنع.
خاتمة:
فرضت زكاة الفطر في السنة الثانية من الهجرة عام فرض رمضان.
باب ذكر فيه حكم الصيام وما يتعلق به
[الصيام لغة: ]
وهو لغة الإمساك، والتنقل من حال لآخر.
ابن عرفة: رسم الصوم عبادة عدمية، وقتها: طلوع الفجر حتى الغروب، فلا يدخل ترك ما تركه ورعًا؛ لعدم اقتضائه لذات المخصوص.
وقد يحد بأنه: كف بنية عن إنزال يقظة ووطء وإنعاظ (١) ومذي
стр. 1200
ووصول غذاء وغير غالب غبار طريق أو ذباب أو فلقة بين الأسنان لحلق أو جوف زمن الفجر حتى الغروب دون إغماء أكثر نهاره، ولا يرد بقول ابن القاسم فيمن حالف ليصومن غدًا، فبيت، فأكل ناسيًا؛ لقول ابن رشد: هذا رعي للغو الآكل ناسيًا وإلا زيد إثر جوف غير منسيه في تطوع.
وقول ابن رشد: (إمساك بنية عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية) يبطل طرده قول المدونة فيمن:
- صب في حلقه ماء.
- ومن جومعت نائمة.
- ومن أغمي عليه أكثر نهاره.
- أو مذي.
- أو أمنى يقظة. انتهى.
[ثبوت رمضان: ]
ولما كان من طرق ثبوت رمضان كمال شعبان، بدأ به، فقال:
[١ - إكمال شعبان: ]
يثبت رمضان بكمال شعبان ثلاثين يومًا (١)؛ لخبر الموطأ: (الشهر
стр. 1201
تسعة وعشرون يومًا؛ فلا تصوموا حتى تروا الهلال، فإن غم عليكم فاقدروا له" (١).
الباجي: تقديره إكمال الشهر الذي أنت فيه ثلاثين يومًا، والتقدير يأتي بمعنى التمام.
[٢ - رؤية عدلين: ]
وأشار لطريق آخر يثبت به بقوله: أو برؤية عدلين، أضاف المصدر إلى فاعله، وحذف مفعوله، وهو الهلال لوضوحه، ومفهوم العدد أنه لا يثبت برؤية واحد، وهو كذلك، خلافًا لابن الماجشون، ولا به وبامرأة، خلافًا لأشهب، ولا به وبامرأتين، خلافًا لابن مسلمة.
وأشار إلى أنه لا فرق بين كون السماء مصحية أو لا، ولا بين كون المصر صغيرًا أو كبيرًا، ولا بين نظرهم لصوب واحد أو لا، وللخلاف بقوله: ولو بصحو بمصر، خلافًا لسحنون في أنه إذا كان المصر كبيرًا والسماء مصحية لا يكفي اثنان، وأما إن كانت غير مصحية والبلد صغير يثبت اتفاقًا.
стр. 1202
[فرع: ]
ثم فرع على شهادتهما قوله: فإن لم ير الهلال بعد ثلاثين يومًا من شهادتهما صحوًا -أي: في صحو، أو في حال كون الوقت صحوًا- كانت شهادتهما أولًا في صحو أو لا، شهدا بهلال رمضان أو شوال، ابن الحاجب كغيره: أو بهلال المواسم، كعرفة وعاشوراء، كذبا في شهادتهما، وهو معنى قول مالك في المجموعة: هما شاهدا سوء، يصام الحادي والثلاثون.
[٣ - الرؤية المستفيضة: ]
وأشار لطريق آخر بقوله: أو برؤية مستفيضة كخبر من يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، ولو كان فيهم نساء وعبيد.
الباجي: اتفاقًا.
[لازم ثبوت رمضان: ]
وعم الحكم بثبوت الصوم كل منقول له من سائر البلاد: قريبًا أو بعيدًا، ولا يراعى في ذلك اتفاق المطالع ولا عدمه، ولا مسافة القصر، إن نقل ثبوته بهما، أي: العدلين أو الاستفاضة عنهما، أي: عن العدلين والاستفاضة.
فالصور أربعة:
- استفاضة عن مثلها.
- أو عن عدلين.
- وعدلين عن مثلهما.
- أو عن استفاضة.
وظاهره: سواء ثبتت شهادة الأصل عند حاكم عام كالخليفة، أو خاص بناحية، وهو كذلك، خلافًا لعبد الملك، فيما ثبت عند حاكم خاص؛ فإن الصوم لا يلزم إلا أهل ولايته فقط، إذ لا يتعدى حكمه غيرهم.
стр. 1203
[من يعمل برؤية الفرد: ]
لا بمنفرد يحتمل أنه مخرج من رؤية عدلين، ولا يلزم برؤية منفرد، إلا أن مالكًا منع أن يصام بشهادته على الوجوب، ولا على الندب، ولا على الإباحة، بل يلزمه هو وأهله ومن في حكمه كخادمه وأجيره ومن في عياله، وإليه أشار بقوله: إلا كأهله، وفي بعض النسخ (إلا لأهله)، ومحتمل أنه مخرج من قوله: (وعم إن نقل بهما عنهما إلا بمنفرد) في النقل فلا يعم، بل يخصه وأهله ومن في حكمهم، خلافًا لما نقله الباجي عن ابن ميسر؛ لقول المؤلف قبل: والمشهر خلاف ما نقله ابن ميسر.
وإلا من لا اعتناء لهم بأمره كبلد لا حاكم به، أو به ولكن لا يعتني بأمر الهلالى ولا بموافقة العبادة، فيلزمهم الصوم والفطر عند رؤية واحد، ويحمل ذلك على من يقتدى به، نقله الباجي وغيره عن عبد الملك.
[واجب من يرى الهلال: ]
ويجب على عدل رأى الهلال رفع رؤيته للحاكم، أو مرجو لأن يقبل أو يزكى ولو على جرح نفسه رفع رؤيته للحاكم رجاء انضمام آخر فتكمل الشهادة، قاله ابن عبد الحكم.
[إفطار هؤلاء: ]
والمختار وغيرهما -أي: غير العدل والمرجو-. وإن أفطروا -أي: العدل والمرجو أو غيرهما- بعد انفراد كل منهم بالرؤية فالقضاء والكفارة لازمان لكل منهم:
الأول: لمخالفته رؤيته.
والثاني: للانتهاك اتفاقًا.
إلا أن يكون فطرهم لغير انتهاك، بل بتأويل، كاعتقادهم عدم الوجوب عليهم كغيرهم، أو لا يجب عليهم حتى يثبت عند الحاكم، فتأويلان:
- القضاء ولا كفارة عند أشهب؛ بناءً على أنه تأويل.
стр. 1204
- والقضاء معها عند مالك؛ بناءً على أنه يعيد، وهو المشهور، كذا في التوضيح، وعكس بعض مشايخي فجعل الأول لمالك، والثاني لأشهب.
[ما لا يثبت به رمضان: ]
لا بمنجم لا يثبت رمضان بقوله: أوله كذا، وإن وافق حسابه في بعض المواضع.
[رؤية المنفرد هلال شوال: ]
ولا يفطر منفرد بشوال، أي: برؤية هلاله خفية إن لم يأمن الظهور على فطره، بل ولو أمن الظهور على أصح القولين، إلا لمبيح الفطر كسفر ومرض وحيض فيسوغ له ذلك لزوال التهمة، فإن لم يكن مبيحًا فبالنية.
[تلفيق الشهادة: ]
وفي تلفيق شاهد شهد بالرؤية أوله ولآخر شهد بهلال شوال آخره مطلقًا، سواء رواه الثاني بعد الثلاثين أو بعد تسعة وعشرين، حكاه ابن رشد عن بعض أهل العلم وصححه.
قال: والصحيح عندي أنه لا فرق بين المسألتين.
وعدم تلفيقه مطلقًا وهو قول يحيى بن عمر وصوبه ابن زرقون تردد.
[الصوم بحكم المخالف: ]
وفي لزومه -أي: الصوم- للمالكي بحكم المخالف بثبوت الهلال بشاهد واحد لموافقة حكمه محل الاجتهاد وهو رأي ابن رشد، وعدم لزومه لأنه فتوى وليس بحكم، وهو رأي القرافي؛ بناءً على قاعدته أن العبادات كلها لا يدخلها حكم، وليس لحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة، وإنما يدخل في مصالح العباد تردد لهما، وتردد فيه أيضًا ابن عطاء اللَّه (١).
стр. 1205
[رؤيته نهارًا: ]
ورؤيته -أي: الهلال- نهارًا قبل الزوال أو بعده للقابلة اتفاقًا في الثانية، وعلى الأصح في الأولى، وظاهره: أن لا فرق بين أول رمضان وآخره، وهو كذلك خلافًا لأحمد في آخره احتياطًا للصوم، وإن ثبت نهارًا أن الهلال رؤي في الليلة الماضية أمسك مريد الصوم وجوبًا، ولو تقدم منه فطر أو عزم عليه لحرمة اليوم، ويقضيه، ولو لم يفطر فيه، ولو عزم على صومه لعدم الجزم بالنية.
وإلا بأن ثبت نهارًا ولم يمسك كفر إن انتهك على المشهور، ومفهوم الشرط لا كفارة إن أفطر متأولًا؛ لأنه إن لم يجز صومه جاز له فطره.
[يوم الشك: ]
وإن غيمت سماء ليلة ثلاثين ولم ير الهلال فصبيحته -أي: يوم الغيم- هو يوم الشك المنهي عن صيامه، وصيم يوم الشك جوازًا عمادة، كمن عادته صوم يوم الخميس أو سرمد الصوم فوافقه، ويجوز صومه تطوعًا، لا لعادة ولا لسرد على المشهور، خلافًا لمحمد في كراهته.
стр. 1206
تنبيه:
تبين بما قررناه الفرق بين التطوع والعادة في ال فرع ين.
ويجوز صومه قضاء عن صوم عليه، وقال البساطي: يجب صومه على من عليه يوم من رمضان.
ويجب صومه لنذر صادف يوم الشك، مفهوم صادف منع نذر صومه من حيث كونه يوم الشك؛ لأنه نذر معصية، لا احتياطًا، على أنه إن كان من رمضان احتسب به منه، ولا يعلم من كلامه عين الحكم: هل الكراهة، كما في الجلاب، أو المنع ونسبه اللخمي لمالك، وحملها عليه أبو الحسن.
وندب إمساكه ليتحقق -أي: يوم الشك- حتى يرفع النهار ليتحقق كونه من رمضان بورود خبر من حاكم أو مسافر أو غيره، فإن تحقق وجب الإمساك، وإلا أفطر الناس، ولام (ليتحقق) للتعليل.
إلا لتزكية شاهدين شهدا برؤيته فلا يستحب الإمساك، أو زوال عذر مباح له -أي: لأجله- الفطر مع ذلك العذر مع العلم برمضان كحائض أو نفساء أفطرت لذلك ثم زال عذرها، أو مسافر أو مجنون أو مغمى عليه فلا يستحب الإمساك لواحد من هؤلاء، بل يباح له التمادي على فطره.
ثم شبه في الحكم فقال: كمضطر لجوع أو عطش زال كل منهما بعد فطره له فإنه يستديم على فطره، ولو بالجماع، ولا يستحب الإمساك، قاله سحنون.
ابن ناجي: وعليه جمهور أهل المذهب.
[فرع: ]
ثم فرع على جواز التمادي على الفطر قوله: فلقادم من سفره وطء زوجة طهرت من حيضها أو نفاسها يوم قدومها، ونكر (زوجة) ليشمل المسلمة والكتابية، خلافًا لابن شعبان في منعه وطء الكتابية.
стр. 1207
[ما يندب في الصوم: ]
ثم عطف على إمساكه، فقال: وندب:
[١] كف لسان على غير لائق من فحش القول وهجره والهذيان، لا ما هو حرام، كالكذب والغيبة والنميمة؛ لأن تركه واجب مطلقًا.
تنبيه:
ذكر المصنف استحباب كف اللسان للصائم وإن كان حكمه لغيره كذلك لئلا يتوهم وجوبه في حق الصائم.
فائدة:
قال التادلي: الكذب خمسة أقسام:
- واجب، لإنقاذ نفس مسلم، أو ماله.
- وحرام، لغير منفعة شرعية.
- ومندوب، كالكذب لكافر بأن المسلمين أخذوا في أهبة الحرب، إن قصد إرهابهم.
- ومكروه، للزوجة تطييبًا لنفسها.
- ومباح، للإصلاح بين الناس.
وتعقب ابن ناجي الرابع بتجويز السنة الكذب فيه، وقال قوم: كله قبيح، سئل مالك عن الرجل يكذب لزوجته وابنه تطييبًا للقلب، فقال: لا خير في الكذب.
[٢] تعجيل فطر وتأخير سحور، نص على استحبابهما الفاكهاني، والسحور، بفتح السين: ما يتسحر به.
[٣] وندب صوم بسفر لقادر عليه، وإن علم دخوله لوطنه بعد الفجر، وبالغ عليه لئلا يتوهم وجوبه لدخوله أول النهار.
[٤] وندب صوم يوم عرفة؛ لتكفيره سنة قبلها وسنة بعدها، إن لم
стр. 1208
يحج حينئذ، فإن كان واقفًا بعرفة ندب له الفطر ليتقوى على الدعاء.
[٥] وندب صوم عشر ذي الحجة غير يوم العيد، وأطلق العشر على الغالب فيه.
[٦, ٧] وندب صوم تاسوعاء، وهو تاسع المحرم، وعاشوراء، وهو عاشر المحرم.
[٨, ٩, ١٠] وصوم شهر محرم وصوم رجب؛ لأنه ﵊ بعث في سابع عشرتيه، وصوم شهر شعبان؛ لأن الأعمال ترفع فيه.
[١١، ١٢] وندب إمساك بقية اليوم من أسلم فيه وقضاؤه، وتعجيل القضاء ومتابعته ككل صوم لم يلزمه تتابعه، ككفارة اليمين والتمتع وصيام الجزاء وثلاثة أيام في الحج مستحب تتابعه، فأما ما يلزم تتابعه فيجب تتابع قضائه.
[١٣] وندب بدء بكصوم تمتع اجتمع مع قضاء رمضان على المشهور؛ لأن له تأخير رمضان لشعبان، وإنما ندبت له البداءة به ليصل سبعة التمتع بالثلاثة التي صامها في الحج؛ إذ لو بدأ بقضاء رمضان لفصل بينه وبين جزء التمتع، وهذا إن لم يضق الوقت على قضاء رمضان، بأن لا يبقى بينه وبين رمضان الثاني إلا ما يسع قضاء الأول، فيقضي رمضان حينئذ وجوبًا؛ لئلا يفرق بين صوم رمضان الأول وبين قضائه بصوم رمضان الثاني، وذلك موجب للإطعام عليه، وما أوجب حكمًا آكد مما لم يجب حكمًا.
[١٣] وندب فدية، وهي مد لكل (١) يوم من أفطره (٢) لهرم لا يستطيع الصوم معه.
تنبيه:
ما ذكره المؤلف من الاستحباب شهره ابن عبد السلام، وقول ابن الحاجب: (لا فدية على المشهور ظاهره نفي الوجوب والاستحباب)، تعقبه المؤلف بنقل الجلاب والرسالة الاستحباب، وبنقل ابن بشير: الوجوب.
[١٤, ١٥] وندب فدية لعطش لا يقدر معه على الصوم، وندب صوم
стр. 1209
ثلاثة أيام من كل شهر غير معينة، وكان مالك يصوم الأول والحادي عشر والحادي والعشرين (١).
[مكروهات الصوم: ]
[١] وكره مالك كونها (٢) البيض، أي: أيام الليالي البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر لبياضها، وبالغ مخافة اعتقاد وجوبها.
تنبيه:
حذف المصنف الموصوف وأقام الصفة مقامه، وإلا فالأيام كلها بيض.
ثم شبه في الحكم فقال: كستة من شوال عقب الفطر من رمضان؛ ففي الموطأ: لم أر أحدًا من أهل الفقه والعلم يصوم الستة الأيام التي بعد الفطر، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك مخافة بدعته.
[٢, ٣] وذوق ملح في طعامه مثلًا، ومضغ علك، أي: ما يعلك من تمر مثلًا ليطعمه لصبي مثلًا، ثم يمجه؛ لئلا يصل شيء منه للجوف، فإن وصل منه شيء قضى إن لم يتعمد، وإلا كفر أيضًا.
[٤] وكره مداواة حفر بفتح الفاء وسكونها لغة، وهو فساد أصولها.
стр. 1210
وقال يعقوب (١): ساق في أصولها.
زمنه -أي: زمن الصوم- نهارًا لا ليلًا، فيداويه فيه، إلا لخوف ضرر يلحقه إن تأخر له، فلا يكره مداواته له نهارا.
[٥] وكره نذر صوم يوم مكرر، ككل خميس أو إثنين، ولكن يصوم إذا شاء ويفطر إذا شاء.
[٦] وكره مقدمة جماع كقبلة وملاعبة ومداومة نظر وفكر إن علمت السلامة من الإنزال والمذي، وظاهره كالمدونة، إذ لا فرق بين الشاب والشيخ، ولا بين الفرض والنفل.
ابن ناجي: وهو المشهور.
ولا بين الرجل والمرأة، وهو كذلك، نص عليه في المدونة، وإلا بأن لم تعلم السلامة مما ذكر، فإن علم عدمها أو شك أو لم يعلم شيئًا حرمت.
[٧] وكره حجامة مريض فقط، لا صحيح على المشهور، أي: إذا علمت السلامة، فإن علم عدمها حرمت، وإن شك فالكراهة.
قال ابن ناجي: هذا التفصيل هو المشهور.
стр. 1211
[٨] وكره تطوع بصوم أو صلاة قبل فعل نذر منها أو قبل قضاء لواجب منهما على الفرعين في النوادر؛ ولذا حملناه على ما يعمهما.
[مسألة: ]
ومن علم الشهور ولا تمكنه رؤبة الهلال ولا غيرهما من خبير يعلمه به كأسير ومسجون أو تاجر بأرض العدو كمل الشهور، فيعد كل شهر ثلاثين يومًا، ويصوم رمضان ثلاثين احتياطًا.
ومفهومه: أن من يمكنه علم ذلك يعمل على ما يعلمه، وهو كذلك عند ابن عبد السلام.
وإن التبست عليه الشهور بحيث لا يعلم رمضان من غيره مع علمه بالأهلة فإن ترجح عنده أحد جانبي الالتباس بقرينة وظن شهرًا منها رمضان بعينه صامه عملًا بظنه (١).
وإلا بأن التبست ولم يظنه بأن لم تقم عنده قرينة تنقله عن الشك للظن، بل بقي على الالتباس تخير شهرًا منها وصامه، كأحد القولين فيمن التبست عليه القبلة لغيم أو غيره، ثم إذا صام الشهر الذي ظنه أو تخيره وحضر لبلاد الإسلام فله أربعة أحوال:
أشار لأحدها بقوله: وأجزأ ما تبين أنه صامه بعده، أي: بعد رمضان.
ابن رشد: اتفاقًا.
ويكون ذلك بالعدد، فإن كان الذي صامه بعده هو شوال، وكانا كاملين أو ناقصين قضى يوم العيد، وإن كان الناقص رمضان فلا قضاء، وبالعكس قضى يومين؛ لأنه صام ثمانية وعشرين.
وأشار للحال الثاني بقوله: لا قبله، أي: إلا إن تبين أن الذي صامه قبل رمضان فلا يجزئه على العام الأول اتفاقًا، ولا عن ما بعده على المشهور؛ لوقوعه قبل وقته.
وأشار للحال الثالث بقوله: أو بقي على شكه، أي: لم يتبين له شيء، ولا حدث له أمر يشككه سوى ما كان عليه، فلا يجزئه عند ابن القاسم؛ لاحتمال أن يكون صادف ما قبله، ويجزئه عند ابن الماجشون وأشهب وسحنون.
وربما أشعر قوله: (أو بقي على شكه) بأنه لو حدث له شك آخر: هل ما كان رمضان أو بعده لأجزأه، وأنه لو شك هل كان رمضان أو قبله قضاه، ونص عليهما اللخمي.
وأشار للحال الرابع بقوله: وفي عدم إجزائه عند مصادفته له، وهو الذي حكاه ابن رشد عن ابن القاسم، وإجزائه وهو الذي جزم به اللخمي عن أشهب وسحنون تردد لابن رشد واللخمي.
[شروط صحة الصوم: ]
ثم شرع في شروطه بادئًا بالنية لتقدمها، فقال: وصحته -أي: الصوم- مطلقًا: واجبًا كان كرمضان والنذر والكفارة، أو نفلًا كعاشوراء
стр. 1215
وغيره، معينًا كنذر يوم كذا، أو مبهمًا كيوم من كل شهر مثلًا:
[النية: ]
بنية، لخبر: "إنما الأعمال بالنيات" (١)، مبيتة من الليل.
سند: المذهب أنه يبني متى شاء منه وقت موسع للنية ليس لبعضه اختصاص في ذلك دون بعض.
الجلاب: فلا يفسدها ما يحدث بعدها من أكل وشرب أو جماع قبل الفجر.
أو مع الفجر، نص عبد الوهاب على صحة مقارنتها له، وصححه ابن رشد.
وكفت نية واحدة لما يجب تتابعه من الصوم، كرمضان وكذا كفارة
стр. 1216
الظهار والقتل والنذر على المشهور، خلافًا لابن عبد الحكم، ومنشأ الخلاف هل هو كالعبادة الواحدة اعتبارًا بركعات الصلاة وأفعال الحج، أو كعبادات متعددة لعدم فساد ما يمضي منه بفساد يوم ما لا يجب تتابعه، كصوم مسرود، أي: متتابع، ونذر صوم يوم معين مدة عمره مثلًا كله على صوم كل خميس، فتجب النية فيه كل ليلة منه عند ابن القاسم، ولا تكفي فيه نية واحدة.
قال في البيان: وهو الصحيح ومذهب مالك في المدونة.
ثم أخرج من عموم ما تكفي فيه نية واحدة، فقال: لا إن انقطع تتابعه، أي: تتابع ما يكفي فيه نية واحدة بكمرض أو سفر مما يجوز معه القطع، أو يجب كحيض ونفاس فلا تكفي فيه نية واحدة، بل يعيدها إذا رجع للصوم تنزيلًا له منزلة ابتدائه، ولو مثّل بمثال لما يجب القطع معه واكتفي بواحد لما يجوز معه القطع لكان أحسن.
تنبيه:
ربما أشعر قوله: (انقطع تتابعه) بأنه لو تمادى على صومه في سفره أو مرضه لم يحتج لتحديد نية، وهو قول مالك في المبسوط، وله في العتبية: لا يجزئه إلا بالنية في كل ليلة؛ لجواز تفريقه، وكلام المؤلف يحتمله.
[النقاء من دم الحيض والنفاس: ]
وأشار للشرط الثاني بقوله وبنقاء من حيض ونفاس كل النهار.
تنبيه:
هل هو شرط وجوب فيلزم منه كون القضاء بأمر جديد، وهو الصحيح، أو شرط صحة فيقتضي وجوبه على الحائض وهو قول متروك.
ووجب الصوم إن طهرت حائض أو نفساء قبل الفجر اغتسلت أم لا، وبالغ بقوله: وإن كان طهرها لحظة قبل الفجر لا يمكن فيها الغسل لبيان
стр. 1217
مخالفة قول ابن الماجشون: إن لم يسع ما قبل الفجر الغسل فحكم الحيض باق، ولا يصح صومها.
والفرق على قول ابن الماجشون بينه وبين الصلاة لأن الطهر شرط فيها دونه.
ومفهوم قبل الفجر لو طهرت بعده لم تجب، ووجب صوم ذلك اليوم مع القضاء له إن شكت هل طهرت قبل الفجر أو بعده، ونحوه في المدونة.
ابن رشد: بخلاف الصلاة فإنها لا تؤمر بقضاء ما شكت في وقته، هل كان الطهر فيه أم لا.
[العقل: ]
وأشار للشرط الثالث بقوله: وبعقل، فلا يجب على غير عاقل، ولا يصح منه، ويجب عليه قضاؤه، وإن جن عاقل جنونًا مطبقًا ثم عاد له عقله فعليه القضاء لما مضى عليه حال جنونه، إن لم يكثر سنوات إطباقه كخمس، بل ولو عاد له بعد سنين كثيرة كعشرة، بلغ صحيحًا ثم جن، أو بلغ مجنونًا، وهو كذلك، فالصور حينئذ أربع:
الأولى: إن بلغ صحيحًا ثم يجن ويقل سنوات إطباقه فالقضاء اتفاقًا.
الثانية: أن يبلغ كذلك، وتكثر سنوات إطباقه.
الثالثة: أن يبلغ مجنونًا وتكثر السنون.
الرابعة: أن يبلغ مجنونًا وتقل السنون.
المشهور في الثلاثة القضاء
[حالات المغمي عليه: ]
ثم أشار إلى أن المغمي عليه له حالات، أفاد أولها بقوله: أو أغمي عليه يومًا كاملًا، بأن طلع عليه الفجر مغميًا عليه واستمر للغروب، فالقضاء اتفاقًا.
وثانيها بقوله: أو أغمي عليه جله فالقضاء، وهو مذهب المدونة.
стр. 1218
ولثالثها بقوله: أو أقله ولم يسلم أوله فالقضاء، راجع لمسائل الجنون والإغماء، وحذفه من كل منهما لدلالة هذا الأخير عليه، وسكت عن الإمساك، وفي الذخيرة عن ابن حبيب: لا يلزمه ذلك.
ولرابعها وخامسها بقوله: لا إن سلم أوله، بأن طلع الفجر عليه صحيحًا ولو أغمي عليه نصفه فلا قضاء فيهما، وهو كذلك، الأولى باتفاق، والثانية على المشهور، خلافًا لابن حبيب.
وفهم منه القضاء إن أغمي نصفه ولم يسلم أوله، وهي الصورة السادسة، وهو مذهب مالك في المدونة.
تنكيت:
قول البساطي: (بين قوله: "لم يسلم أوله، أو أغمي عليه كل النهار" تكرار خفي) غير ظاهر؛ لأن قوله: "ولم يسلم أوله" قيد في غير قوله: "يومًا"؛ لأنه لو سلم أوله لم يكن يومًا، فتأمله.
وفهم من قوله: "إن أغمي عليه" أنه لو نام اليوم كاملًا أو نصفه أو جله لا أثر له، وهو كذلك.
[ترك الجماع وإنزال المني والمذي والقيء: ]
وأشار للشرط الرابع بقوله: وبترك جماع وقت الصوم بمغيب حشفة أو قدرها في قبل أو دبر، وإن لم ينزل، وبترك إخراج مضي، وإن لم يجامع، وبترك إخراج مذي على المشهور (١)، وهو اللذة الصغرى بأن لم
стр. 1219
يتعاط أسبابه من ملاعبة ومباشرة وتذكر، خلافًا للجلاب في استحباب القضاء.
وبترك إخراج قيء، وقال (إخراج) دون (خروج) ليفيد أن مخالفة الشرط مبطلة، ثم يختلف الحكم، ففي المني والجماع تجب الكفارة، وفي المذي والقيء القضاء فقط، وأن إخراج الأول احتلاما والثاني لسلس والقيء لغلبة لا أثر له في كفارة ولا قضاء.
[إيصال متحلل للمعدة: ]
وأشار للشرط الخامس بقوله: وصحته بترك الصال متحلل في المعدة مما لها فيه تأثير من طعام وشراب وإدام مائع أو جامد، أو غيره مما لا يتحلل فيها، كالحصاة والدرهم عند اللخمي على المختار، فتجب عليه الكفارة في عمده، والقضاء في سهوه، وهو قول ابن الماجشون؛ لأنه يشغلها وينقص كلب الجوع.
وقال ابن القاسم: عليه القضاء في العمد دون السهو.
لمعدة متعلق بإيصال.
[طرق الإيصال: ]
ولما كان ما يصل للمعدة فيه تفصيل، تارةً من الحلق، وتارةً من
стр. 1220
الدبر، أشار للثاني بأن ما يصل لها بحعنة -أي: بسببها- بمائع -أي: منه- مبطل عند مالك وجمهور أهل العلم لا من غير المائع كالفتائل فإنه غير مفطر.
سند: لأنه لا يحصل به معنى الغداء، وإنما يفعل ليجذب إليه، ثم يخرج الفتيل بنفسه وما يضم إليه.
تفريع:
في المدونة كراهتها، وهل على ظاهرها أو للتحريم، وعن الصحابة وغيرهم كراهتها إلا من ضرورة غالبة، والعرب لا تعرفها، وهي من فعل العجم.
شعبة (١): من عمل قوم لوط.
وأشار للتارة الأولى بقوله: أو وصل لها من حلق من مائع أو غيره مفطر، سواء وصل من منفذ واسع كالفم، أو ضيق، وبالغ عليه بقوله: وإن من أنف كالسعوط، أو ما صب من الدواء في أذن، أو في عين كاكتحال ونحوه، وظاهر كلام المصنف كالمدونة، سواء كان فيها عقارًا أو لا، كان فيه دهن أو لا، وهو كذلك.
وظاهره: إن اكتحل وما معه إذا فعل نهارًا، وهو كذلك.
سند: إنما الممنوع فعله نهارًا، وأما ليلًا فلا شيء فيه، ولا يضره هبوطه نهارًا، لأنه إذا غاص في أعماق الباطن ليلًا لم يضره حركته بمثابة ما
стр. 1221
ينحدر من الرأس إلى البدن من غير طريق الفم.
وبخور بفتح الباء كصور، معطوف على متحلل، والمعنى: وبترك إيصال بخور للحلق حتى يجد طعمه.
وصحته بترك إيصال قيء خرج منه غلبة إن أمكن طرحه، وبترك إيصال بلغم إن أمكن طرحه، فإن لم يمكن طرحه فحكمه حكم ما في معدته أو بصدره أو رأسه مطلقًا، راجع للمسألتين.
ثم عطف على قيء وبلغم غير مشارك له في شرطه وإطلاقه، فقال: أو غالب غلبه من ماء مضمضة وصل لحلقه، والاستنشاق كالمضمضة، نص عليه ابن شعبان، أو رطوبة سواك، ولو لم يمكنه طرحه.
قال البساطي: وفيه تنبيه على أن المراد من الإطلاق السابق. انتهى.
ولئلا يتوهم أن الشارع لما طلب ذلك فيغتفر ما سبق للحلق منه فلا قضاء فيه، فدفع ذلك الوهم بقوله: وقضى في الفرض مطلقًا في كل ما تقدم، سواء وصل المفسد للمعدة أو للحلق، عمدًا أو سهوًا أو جهلًا أو غلبة أو اختيارًا، من منفذ واسع أو ضيق، كان الفرض رمضان أو غيره، كان الفطر حرامًا أو لا.
ثم بالغ على فطره بما لا علم له به بقوله: وإن بصب في حلقه نائمًا؛ إذ لم توجد حقيقة الصوم معه، وكذا لو كان مكرها، كمجامعة نائمة، تشبيه في لزوم القضاء، وكأكله شاكًا في غروب الشمس اتفاقًا، وكذلك في طلوع الفجر على حمل أبي عمران للمدونة، وحملها اللخمي على الكراهة.
وإنما اتفق على الحرمة في الأول واختلف في الثاني لأن الأصل في الأولى بقاء النهار، وفي الثاني بقاء الليل.
أو أكل ثم طرأ الشك عليه في الصورتين، وهو في الصورتين الأوليين سابق، وفي الأخريين لاحق، ولا يرتفع فرض لغير يقين.
стр. 1222
تنبيه:
هذا كله إذا استمر على شكه، وأما لو تبين أنه قبل أو بعد لعمل على ما تبين.
ومن لم ينظر دليله على طلوع الفجر أو الغروب لعجزه عن الاستشهاد اقتدى بالمستدل مقلدًا له، وإلا بأن لم يجد من يقلده احتاط بتأخير الفطر عند الغروب وتقديم السحور على الفجر.
ثم استثنى من إطلاق الفرض من قوله في الفرض: (مطلقًا) فقال: إلا صوم المعين بنذر كيوم أو شهر كذا فيتعذر عليه صومه لمرض أو حيض أو نسيان فلا يقضي في كل على المشهور، لالتزامه معينًا، وسواء كان لليوم فضيلة كعاشوراء وعرفة أو لا، لذا قال الشارح: الاستثناء منقطع.
تنبيه:
تبع المصنف في عد القضاء في النسيان تشهير ابن الحاجب، ووهمه ابن عرفة بأن المشهور القضاء، وشهره البرزلى أيضًا.
ويجب القضاء في فطر صوم النفل بالعمد لأجل الفطر الحرام، إن لم يكن الفطر طوعًا، بل ولو كان السبب طوعًا لخالف عليه بطلاق بت به، أو حالف باللَّه أو بعتق أو مشي، لقول أبي عمران: إن ذلك الذي يلعب بصيامه ويحنث الحالف باللَّه مطلقًا، وبالطلاق والعتاق والمشي، وبالغ على الطلاق وبالبت لقول بعض الفاسيين: إن اليمين إذا كانت آخر الثلاث فهو وجه لفطره، إلا أن يفطر في النفل عمدًا لوجه كوالد أو أم يعزم عليه ليفطر رفقًا به لإدامة صومه فلا يحرم عليه الفطر حينئذ.
وأشار بقوله: وشيخ لإلحاق ابن غلاب له بالأب، سواء حلفا عليه ليفطر، وإن لم يحلفا، وفهم من تقييده بالعمد عدم القضاء في النسيان، ومن تقييد العمد بالحرام أنه لا قضاء في غيره مما استثناه لوجه، ولو كان لغير وجه كعزم الأب على من لم يدم الصوم فإنه يحرم عليه، ويلزمه القضاء.
стр. 1223
[ما فيه القضاء والكفارة: ]
ولما قدم وجوب القضاء في كل واجب، ذكر أن في بعض أنواع الواجب الكفارة مع القضاء بشروط أفادها ضمن قوله: وكفر الكفارة الكبرى إن تعمد -أي: تعمد الفطر- وهو الشرط الأول.
وثانيها: كونه منتهك حرمة الشهر، فلا كفارة على متأول، ولذا قال: بلا تأويل -أي: بالاستناد لشبهة- ثم وصف التأويل بقوله: قريب؛ ليخرج البعيد، ولهما أمثلة سيذكرها.
ولما كان الجاهل وهو الذي لا يستند لشيء أدخله في العامد مع أن حكمه كالمتأول على المعروف من المذهب، أخرجه بقوله: وبلا جهل.
وأشار لثالثها بكون ذلك الواجب رمضان في زمنه بقوله: في رمضان فقط، لا في نذر أو كفارة أو غيرهما ولا في قضاء رمضان على المشهور، خلافًا لرواية ابن الماجشون وابن نافع، وهو من خصوصيات رمضان على المشهور.
ثم ذكر معمول تعمدًا معددًا لما يقع به الكفارة بقوله: جماعًا ولو بمغيب حشفة أو قدرها في قبل أو دبر من حي أو ميت أو بهيمة فنسيان الجماع غير موجب لها عندنا؛ لخبر: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، أي: إثمه، فانظر حديث عهد بإسلام إن تعمد الجماع غير موجب لها، وإن الصوم الإمساك عن الأكل والشرب، لا الجماع فلا كفارة عليه.
أو رفع نيه نهارًا؛ بناءً على رفضه بذلك، وهو المشهور، فمن عزم على الأكل والشرب ناسيًا ولم يرفع نيته ثم ترك ما عزم عليه فلا شيء عليه، أو تعمد أكلًا أو شربًا بفم فقط اتفاقًا، ولا كفارة فيما وصل لحلقه من أنف وأذن على المشهور، خلافًا لأبي مصعب.
ثم بالغ على وجوب الكفارة بما يصل من الفم بقوله: وإن باستياك بجوزاء، وهي قشر أصول الجوز، وأكثر من يستعمله أهل الهند والمغرب،
стр. 1224
ويتحلل منه كثير يصل للجوف مع الريق.
وظاهر كلامه: استاك ليلًا أو نهارًا؛ لأنه تصبح بفيه وباطن شفتيه وظاهرهما، ولكن قيد ذلك ابن لبابة بكونه نهارًا، وأما ليلًا وأصبحت على فيه فالقضاء فقط.
أو إن تعمد الصائم منيًا -أي: خروجه- فعليه القضاء والكفارة إن لم يكن بإدامة فكر، بل بتقبيل أو مباشرة أو لمس، وإن كان بإدامة فكر وكانت عادته الإنزال عند ذلك، وأما إن كانت عادته السلامة عنده لكنه خالف عادته وأنزل فقولان: لزوم الكفارة وعدمها، حكاهما ابن رشد وابن الحاجب أيضًا، لكن في الفكر والنظر، واختار اللخمي وابن عبد السلام [الثاني]، وإلى اختيار اللخمي أشار بقوله: إلا أن يخالف عادته على المختار فلا كفارة حينئذ (١).
стр. 1225
وبالغ على إدامة الفكر ليدخل ما ذكر معه من باب أولى، وبهذا التقرير يندفع قول البساطي: (إن اللخمي لم يخص ذلك بالفكر والنظر) يعني والمصنف خصه به، وكذا قوله: (إن تفصيل اللخمي تفقهًا، والجاري على عادته أن يعبر بلفظ الفعل).
وإن أمنى الصائم بتعمد نظرة واحدة فتأويلان في الكفارة وسقوطها من قول المدونة: إن لم يتابع النظر فأمذى أو أمنى فليقض فقط، ظاهرها قصد بالنظرة الأولى اللذة أو لم يقصد، وعليه أكثر الشيوخ، وحملها عبد الحق على ما إذا لم يقصد بالنظرة الأولى اللذة، ولذا قال قول القابسي: إذا قصد بالنظرة الأولى اللذة فأمنى فعليه القضاء والكفارة وفاق للمدونة.
ابن يونس: ويظهر لي أن قول القابسي خلاف ظاهر الكتاب.
[أنواع الكفارة: ]
ولما كانت الكفارة ثلاثة أنواع إطعام وصيام وعتق، وكان المعروف من المذهب أنها على التخيير لا الترتيب خلافًا للباجي، ذكر النوع الأول فقال: بإطعام متعلق بـ (كفر) بستين مسكينًا، أي: محتاجًا؛ ليشمل الفقير،
стр. 1226
وليس المراد مسكين الزكاة، لكل مد بمده ﵊؛ إذ به تؤدى جميع الكفارات ما عدا كفارة الظهار، فإنها بمد هشام على المشهور، وأفهمت عبارته أن العدد في المساكين والأمداد شرط، وهو كذلك، صرح به صاحب الإرشاد، فلو أعطي ستين مدًا لأكثر من ستين مسكينًا أو لأقل لم يجزئه، وأن الغذاء والعشاء غير معتبر، وهو -أي: الإطعام- أفضل من العتق، وهذا في الحر، وأما في العبد فيكفر بالصوم فقط، ما لم يضر سيده، فيبقى في ذمته إلى أن يأذن له السيد في الإطعام، قاله ابن يونس.
تنبيهات:
الأول: ظاهر كلام المؤلف: أنه لا يراعى الوقت والمكان والشخص، وهو كذلك، خلاف من راعى ذلك، ففضل الإطعام في الشدة، والعتق في الرخاء والخصب، ولمن راعى الشخص فأفتى الغني الواسع بالصوم لمشقته عليه دون الإطعام والعتق.
الثاني: ظاهره أنه لا فرق بين الجماع وغيره، وهو كذلك، خلافًا من قال: العتق والصيام للجماع، والإطعام لغيره.
وأشار للنوع الثاني بقوله: أو صيام شهرين متتابعين، وأفاد النوع الثالث بقوله: أو عتق رقبة مؤمنة كاملة الرق غير معينة ولا مستحقة للعتق كالظهار، أي: تنزل هذه الكفارة فيما عدا التخيير على كفارة الظهار، وهو متعلق بالصيام والعتق، وشبهه به وإن لم يتقدم لشهرته.
[التكفير نيابة: ]
ولما كان التخيير في هذه الثلاثة للحر المكفر عن نفسه، وأما من كفر نيابة كواطىء أمته فيعتق عليه الإطعام أو عن زوجته التي أكرهها على الوطء، فالتخيير بين العتق والإطعام فقط، بيّن ذلك بقوله: وعن أمة وطئها في نهار رمضان، ولو طائعة، لأنها كالمكرهة، أو عن زوجة اكرهها، إذ لو أطاعته لكانت عليها، ولم يقولوا هنا: حصل لها مع الإكراه لذة أم لا، أنزلت أم لا، وقالوا: لو أكرهها على القبلة حتى أنزلا فيه تأويلان، ولو أطاعته أول النهار وحاضت آخره لحصل الانتهاك، وتكون عليه نيابة عن كل منهما على
стр. 1227
المشهور، فلا يصوم عن واحدة منهما؛ إذ لا نيابة في الصوم، ولا يعتق عن أمه؛ لأنه لا يصح منها، ولا يقبل النيابة عنها؛ إذ لا ولاء لها، ويعتق عن الزوجة والولاء لها.
تنبيه:
تلخص من هذا ما قاله ابن يونس: تكفيره عن نفسه بواحد من الثلاثة، وعن زوجته باثنين العتق والإطعام، وعن أمته بالإطعام، واقتصر على الزوجة والأمة؛ لأنه الغالب، وإلا فإكراه غيرهما كذلك.
[المعسر عن الكفارة: ]
وإن أعسر الزوج عن الكفارة نيابة عن زوجته كفرت هي عن نفسها بأحد الأمور الثلاثة (١)، ورجعت عليه بما يمكن الرجوع به، وهو العتق والإطعام، لا الصيام، ولذا قال: إن لم تصم وترجع عليه بالأقل من الرقبة وكيل الطعام، حكاه الباجي عن المغيرة.
تنبيه:
لو كفرت وهو مليء لرجعت أيضًا، بل هو أولى (٢).
стр. 1228
[مسألة: ]
وفي تكفيره -أي: المكره بالكسر- عنها -أي: المكرهة بالفتح- إن أكرهها على القبلة حتى أنزلا، وهو تأويل أبي محمد وحمديس؛ لتسببه في إفساد صومها، وعدم تكفيره عنها، بل عن نفسه فقط، وهو قول للقابسي وابن شبلون.
عياض: وهو ظاهر المدونة؛ لأن إنزالها دليل على اختيارها بوجه.
стр. 1229
تأويلان، وظاهر قوله في التوضيح: وعليها القضاء؛ لأن لا كفارة عليها.
وفي لزوم تكفير مكره بالكسر رجل ليجامع وجامع نظرًا لصورة الإكراه، وأنكره ابن عرفة قائلًا: لا أعرفه إلا من قول ابن حبيب في النائم، وقول اللخمي: انتهاك صوم غيره كنفسه.
أو لزومها للمكره بالفتح نظرًا لانتشاره الذي هو علامة اختياره واستغربه ابن عبد السلام لمباشرته: قولان.
[مسائل التأويل القريب: ]
ثم أخرج قوله: لا إن أفطر ناسيًا من قوله: (وكفر إن تعمد بلا تأويل قريب) على ما قرره الشارح، أي: فلو كان قريبًا كمن أفطر ناسيًا ثم أفطر عامدًا متأولًا أن من أفطر لا يحرم عليه التمادي، وهي إحدى الست مسائل التي فيها التأويل القريب على المشهور.
وقال البساطي: هو مفهوم قوله في لزوم الكفارة بالعمد، أي: فلا كفارة عليه، لأنه لم ينتهك.
وأشار لثانية المسائل الست بقوله: أو لزمه غسل ليلًا بسبب جنابة أو حيض ولم يغتسل إلا بعد الفجر، وظن أن لا صوم له، فأكل وشرب فلا كفارة عليه لعدم انتهاكه.
وأشار للثالثة بقوله: أو تسحر قربه، أي: الفجر، فظن بطلان صومه لذلك فأفطر، كذا قال المصنف وتبعه الشارح، والذي في سماع ابن أبي زيد: تسحر في الفجر.
ولرابعها بقوله: أو قدم من سفره ليلًا، وظن أن الصوم لا يلزمه صحة قدومه فأفطر، ولا شك في ضعف عذره.
ولخامسها بقوله: أو سافر دون القصر، وظن أنه مبيح، فأفطر.
стр. 1230
ولسادسها بقوله: أو رأى شوالًا -أي: هلاله- نهارًا، فظن أنه للماضية فأفطر.
فظنوا في المسائل الست الإبماحة في جميعها، فلا كفارة، وأما لو أفطر واحد منهم مع علمه بالحرمة لكفر اتفاقًا عند سند وابن عطاء اللَّه.
[مسائل بعيدة التأويل: ]
بخلاف بعيد التأويل، فعليه الكفارة، وذكروا لها خمس صور، أفادها بقوله: كراءٍ هلال رمضان ويشهد، ولم يقبل، وظن أن عدم قبوله مبطل، فأفطر، والواو في كلامه للحال.
البساطي: لو حذفها لكان أحسن.
تنبيه:
اقتصر المصنف هنا على لزوم الكفارة لأنه المشهور، وقدم أول الصيام أن في لزومها وعدم لزومها تأويلين، واللَّه أعلم.
أو أصبح مفطرًا لحمى تأخذه في ذلك اليوم عادة، ثم حم بعد فطره على المشهور، وأحرى إن لم يحم؛ لأن المبيح مجىء العذر لا ظن مجيئه.
أو أفطرت لحيض عادتها إتيانها ذلك اليوم ثم حصل بعد فطرها على المشهور.
أو أفطر لغيبة بكسر الغين المعجمة صدرت منه فظن أنه أكل لحم أخيه حقيقة فأفطر.
أو أفطر لأجل حجامة، وهذه العبارة صادقة بالحاجم والمحتجم، أما الأول فقال ابن حبيب: يكفر؛ لأنه تأويل بعيد، وأما الثاني فقول أصبغ ولم يذكر في توضيحه إلا المحتجم، قائلًا: ألحقه ابن القاسم بالبعيد، وأصبغ بالقريب.
ولزم معها -أي: مع الكفارة- القضاء، فكل موضع لزمت فيه عن