← Фикх малики

Фикх малики · id 150676

جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر

التتائي

Полный текст (3 498 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وليس المراد مسكين الزكاة، لكل مد بمده ﵊؛ إذ به تؤدى جميع الكفارات ما عدا كفارة الظهار، فإنها بمد هشام على المشهور، وأفهمت عبارته أن العدد في المساكين والأمداد شرط، وهو كذلك، صرح به صاحب الإرشاد، فلو أعطي ستين مدًا لأكثر من ستين مسكينًا أو لأقل لم يجزئه، وأن الغذاء والعشاء غير معتبر، وهو -أي: الإطعام- أفضل من العتق، وهذا في الحر، وأما في العبد فيكفر بالصوم فقط، ما لم يضر سيده، فيبقى في ذمته إلى أن يأذن له السيد في الإطعام، قاله ابن يونس. تنبيهات: الأول: ظاهر كلام المؤلف: أنه لا يراعى الوقت والمكان والشخص، وهو كذلك، خلاف من راعى ذلك، ففضل الإطعام في الشدة، والعتق في الرخاء والخصب، ولمن راعى الشخص فأفتى الغني الواسع بالصوم لمشقته عليه دون الإطعام والعتق. الثاني: ظاهره أنه لا فرق بين الجماع وغيره، وهو كذلك، خلافًا من قال: العتق والصيام للجماع، والإطعام لغيره. وأشار للنوع الثاني بقوله: أو صيام شهرين متتابعين، وأفاد النوع الثالث بقوله: أو عتق رقبة مؤمنة كاملة الرق غير معينة ولا مستحقة للعتق كالظهار، أي: تنزل هذه الكفارة فيما عدا التخيير على كفارة الظهار، وهو متعلق بالصيام والعتق، وشبهه به وإن لم يتقدم لشهرته. [التكفير نيابة: ] ولما كان التخيير في هذه الثلاثة للحر المكفر عن نفسه، وأما من كفر نيابة كواطىء أمته فيعتق عليه الإطعام أو عن زوجته التي أكرهها على الوطء، فالتخيير بين العتق والإطعام فقط، بيّن ذلك بقوله: وعن أمة وطئها في نهار رمضان، ولو طائعة، لأنها كالمكرهة، أو عن زوجة اكرهها، إذ لو أطاعته لكانت عليها، ولم يقولوا هنا: حصل لها مع الإكراه لذة أم لا، أنزلت أم لا، وقالوا: لو أكرهها على القبلة حتى أنزلا فيه تأويلان، ولو أطاعته أول النهار وحاضت آخره لحصل الانتهاك، وتكون عليه نيابة عن كل منهما على

стр. 1227

المشهور، فلا يصوم عن واحدة منهما؛ إذ لا نيابة في الصوم، ولا يعتق عن أمه؛ لأنه لا يصح منها، ولا يقبل النيابة عنها؛ إذ لا ولاء لها، ويعتق عن الزوجة والولاء لها. تنبيه: تلخص من هذا ما قاله ابن يونس: تكفيره عن نفسه بواحد من الثلاثة، وعن زوجته باثنين العتق والإطعام، وعن أمته بالإطعام، واقتصر على الزوجة والأمة؛ لأنه الغالب، وإلا فإكراه غيرهما كذلك. [المعسر عن الكفارة: ] وإن أعسر الزوج عن الكفارة نيابة عن زوجته كفرت هي عن نفسها بأحد الأمور الثلاثة (١)، ورجعت عليه بما يمكن الرجوع به، وهو العتق والإطعام، لا الصيام، ولذا قال: إن لم تصم وترجع عليه بالأقل من الرقبة وكيل الطعام، حكاه الباجي عن المغيرة. تنبيه: لو كفرت وهو مليء لرجعت أيضًا، بل هو أولى (٢).

стр. 1228

[مسألة: ] وفي تكفيره -أي: المكره بالكسر- عنها -أي: المكرهة بالفتح- إن أكرهها على القبلة حتى أنزلا، وهو تأويل أبي محمد وحمديس؛ لتسببه في إفساد صومها، وعدم تكفيره عنها، بل عن نفسه فقط، وهو قول للقابسي وابن شبلون. عياض: وهو ظاهر المدونة؛ لأن إنزالها دليل على اختيارها بوجه.

стр. 1229

تأويلان، وظاهر قوله في التوضيح: وعليها القضاء؛ لأن لا كفارة عليها. وفي لزوم تكفير مكره بالكسر رجل ليجامع وجامع نظرًا لصورة الإكراه، وأنكره ابن عرفة قائلًا: لا أعرفه إلا من قول ابن حبيب في النائم، وقول اللخمي: انتهاك صوم غيره كنفسه. أو لزومها للمكره بالفتح نظرًا لانتشاره الذي هو علامة اختياره واستغربه ابن عبد السلام لمباشرته: قولان. [مسائل التأويل القريب: ] ثم أخرج قوله: لا إن أفطر ناسيًا من قوله: (وكفر إن تعمد بلا تأويل قريب) على ما قرره الشارح، أي: فلو كان قريبًا كمن أفطر ناسيًا ثم أفطر عامدًا متأولًا أن من أفطر لا يحرم عليه التمادي، وهي إحدى الست مسائل التي فيها التأويل القريب على المشهور. وقال البساطي: هو مفهوم قوله في لزوم الكفارة بالعمد، أي: فلا كفارة عليه، لأنه لم ينتهك. وأشار لثانية المسائل الست بقوله: أو لزمه غسل ليلًا بسبب جنابة أو حيض ولم يغتسل إلا بعد الفجر، وظن أن لا صوم له، فأكل وشرب فلا كفارة عليه لعدم انتهاكه. وأشار للثالثة بقوله: أو تسحر قربه، أي: الفجر، فظن بطلان صومه لذلك فأفطر، كذا قال المصنف وتبعه الشارح، والذي في سماع ابن أبي زيد: تسحر في الفجر. ولرابعها بقوله: أو قدم من سفره ليلًا، وظن أن الصوم لا يلزمه صحة قدومه فأفطر، ولا شك في ضعف عذره. ولخامسها بقوله: أو سافر دون القصر، وظن أنه مبيح، فأفطر.

стр. 1230

ولسادسها بقوله: أو رأى شوالًا -أي: هلاله- نهارًا، فظن أنه للماضية فأفطر. فظنوا في المسائل الست الإبماحة في جميعها، فلا كفارة، وأما لو أفطر واحد منهم مع علمه بالحرمة لكفر اتفاقًا عند سند وابن عطاء اللَّه. [مسائل بعيدة التأويل: ] بخلاف بعيد التأويل، فعليه الكفارة، وذكروا لها خمس صور، أفادها بقوله: كراءٍ هلال رمضان ويشهد، ولم يقبل، وظن أن عدم قبوله مبطل، فأفطر، والواو في كلامه للحال. البساطي: لو حذفها لكان أحسن. تنبيه: اقتصر المصنف هنا على لزوم الكفارة لأنه المشهور، وقدم أول الصيام أن في لزومها وعدم لزومها تأويلين، واللَّه أعلم. أو أصبح مفطرًا لحمى تأخذه في ذلك اليوم عادة، ثم حم بعد فطره على المشهور، وأحرى إن لم يحم؛ لأن المبيح مجىء العذر لا ظن مجيئه. أو أفطرت لحيض عادتها إتيانها ذلك اليوم ثم حصل بعد فطرها على المشهور. أو أفطر لغيبة بكسر الغين المعجمة صدرت منه فظن أنه أكل لحم أخيه حقيقة فأفطر. أو أفطر لأجل حجامة، وهذه العبارة صادقة بالحاجم والمحتجم، أما الأول فقال ابن حبيب: يكفر؛ لأنه تأويل بعيد، وأما الثاني فقول أصبغ ولم يذكر في توضيحه إلا المحتجم، قائلًا: ألحقه ابن القاسم بالبعيد، وأصبغ بالقريب. ولزم معها -أي: مع الكفارة- القضاء، فكل موضع لزمت فيه عن

стр. 1231

رمضان لزم فيه القضاء للزوم تحقق اللازم عن تحقق ملزومه، وليس كل موضع لا تلزم فيه الكفارة يسقط فيه القضاء، لأن نفي الملزوم وهو الكفارة لا يستلزم نفي اللازم وهو القضاء، إن كانت له، أي: الكفارة للمكفر، واللام بمعنى عن؛ ليخرج من كفر عن غيره من زوجة وأمة وغيرهما، فإن الكفارة ثابتة ولا قضاء إلا عليها. وأعاد الشارح ضمير (له) على رمضان، وألزم المصنف القضاء في صيام التطوع بما يوجب الكفارة، ونظر فيه بأن من أفطر في تطوعه ناسيًا فظن فساد صومه فأفطر ثانيًا فإنه يقضيه، وعلى ما قال المصنف لا يقضي؛ لأنه تأويل قريب لا يوجب الكفارة في رمضان على المشهور، فلا يوجب القضاء في التطوع، وكذا في مسائل التأويل، ثم حاول الجواب بنحو ما قررناه. [قاعدة: ] ثم ذكر قاعدة مطردة غير منعكسة، فقال: والقضاء لازم في التطوع بموجبها بكسر الجيم، أي: الكفارة في الواجب، فكل ما وجبت به الكفارة في الواجب وجب به القضاء في التطوع من غير عكس، وخرج من هذه القاعدة مسألة النواة يعبث بها في فيه، فتنزل في حلقه. قال ابن القاسم: يقضي ويكفر في الفرض، ولا يقضي في النفل (١).

стр. 1232

[القضاء في الغالب: ] ولا قضاء في غالب قيء إن لم يرجع منه شيء غلبة أو نسيانًا، ويمسك بقية يومه، ولا فرق بين المتغير منه عن حال الطعام وغيره، ولا بين ما خرج لعلة أو امتلاء. ولا في غالب ذباب، ولا قضاء في غالب غبار طريق، الباجي: لم أجد أحدًا أوجب فيه القضاء. أو غبار دقيق وصل للجوف، أو غبار كيل طعام كقمح أو غيره، أو غبار جبس كذلك لصانعه، يحتمل عود الضمير للأخير فقط، أو له ولسابقيه. ولا قضاء في حقنة من إحطيل، وهو مخرج البول؛ لأنه لا يصل للأمعاء؛ لأن المثانة حائلة بينهما؛ وإنما يجتمع الماء فيها من الرشح من الأمعاء بمنفذ قائم، ولا عبرة بجوف الذكر إذا لم يصل للأمعاء، كما لا عبرة بجوف الأنف والفم والأذن إذا لم يصل لغيره. [عود على ما لا قضاء فيه: ] ثم عطف على ما لا قضاء فيه قوله: أو دهن جائفة، ولا قضاء في خروج مني مستنكح، أي: كثير، أو مذي مستنكح للزومه حين القضاء أيضًا، فلا فائدة فيه. ولا قضاء في نزع مأكول أو مشروب من فيه وقت طلوع الفجر، ولا

стр. 1233

قضاء عليه إن لم يتمضمض بعد نزعه (١)، أو نزع فرج لمجامع طلوع الفجر، وحذفه من الأولين لدلالة هذا عليه، بناءً على أن النزع ليس بوطء، فلو لبث قليلًا متعمدًا فالكفارة كابتداء الإيلاج حينئذ. [ما يجوز للصائم: ] وجاز لصائم سواك بيابس ولو مبتلًا، فلا ترد كراهته بالرطب؛ خوف تحلله، ولا منعه بالجوز، لأنه يتكلم على السواك لا على ما يستاك به كل النهار وفاقًا لأبي حنيفة وخلافًا للشافعي وأحمد في كراهته بعد الزوال، وخبر: "خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك" (٢)، موجود بعد الزوال لدوام بخار المعدة، وإن خف. سؤال: قال في الذخيرة: اللَّه تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فيعلم الخلوف منتنًا، فكيف يكون عنده أطيب من ريح المسك؟ جوابه: ليس المراد أن رائحته طيبة، بل تشبيه الحسن الشرعي بالعرفي، أي: إن هذا المنتن في الشرع أفضل من ريح المسك عند الطبع، إما لصبر

стр. 1234

الصائم عليه، والصبر عمل صالح، أو للتسبب فيه بالصوم الذي هو عمل صالح، وإلا فالخلوف ليس من كسبه حتى يمدح عليه أو يمدح في نفسه. وجاز مضمضة لعطش، أي: لزواله، قال الباجي: ولا يبلع ريقه حتى يزول طعم الماء من فمه. وخصه لئلا يتوهم عدم جوازها له، ويرد قول الشارح: لا وجه لتخصيصها به. وجاز له إصباح -أي: أن يستمر إلى دخول الصباح- بجنابة، وسواء كان عالمًا بجنابته أو لا. وقال عبد العزيز بن الماجشون وابن مسلمة: إن كان عالمًا لم يجزئه. وجاز صوم دهر -أي: يجوز له القدوم على ذلك- وخبر: "لا صام من صام الدهر" (١)، محمول على من صام فيه ما نهي عن صومه، أو على قلي عجزًا أو مضرة. وجاز صوم يوم جمعة فقط، بأن يخصه بذلك دون غيره من الأيام. [شرط جواز فطر المسافر: ] وجاز المسافر فطر في رمضان، وإن كان صومه أفضل لبراءة الذمة على المشهور بثلاثة شروط:

стр. 1235

أشار لأحدها بقول: بسفر قصر أربعة برد فأكثر، سواء دخل عليه رمضان وهو مسافر أو حاضر ثم سافر، ولا فرق بين البر والبحر، وأشعر قوله: (سفر قصر) بأنه مباح. ولثانيها بقوله: شرع فيه قبل الفجر، ولا يكفي النية في ذلك، بل لا بد من الفعل. وأشار لثالثها بقوله: ولم ينوه -أي: الصوم- فيه -أي: في السفر- وإلا بأن فقد أحد هذه الشروط قضى. ثم بالغ على القضاء بقوله: ولو كان صومه الذي أفطر فيه سفر تطوعًا -أي: إن كان لعذر- كما في المدونة ولا كفارة عليه مع القضاء، إلا في واحدة منها، وهي: أن ينويه، بأن يبيته لسفر، ثم يفطر فيه. ثم شبه في حكم لزوم الكفارة مع القضاء، فقال: كفطره -أي: المسافر الصائم- بعد دخوله لأهله نهار دخل أوله أو آخره. وجاز الفطر بمرض خاف زيادته عليه، أو حدوث علة أخرى، والفطر أرجح من الصوم في هاتين، عكس المسافر، أو خاف تماديه به، ووجب الفطر إن خاف على نفسه بصيامه هلاكًا أو شديد أذى، أي: أذى شديدًا من إضافة الصفة لموصوفها، وإنما وجب الفطر لأن حفظ النفوس واجب ما أمكن، وعبر بالخوف لأنه يشترط التحقق. [صيام الحامل والمرضع: ] ثم شبه للحكمين السائقين للمريض الجواز والوجوب، فقال: كحامل أو مرضع لم يمكنها -أي: المرضع- استئجار، بأن لا يكون مال، أو يكون ولا يوجد من يرضعه، أو يوجد ولم يقبلها، أو غيره -أي: غير الاستئجار- بأن يوجد مجانًا، خافظً من الصوم على ولديهما، فإن كان خوف ضرر ما جاز فطرهما، وهو الحكم الأول، أو الهلاك وجب، وهو الحكم الثاني.

стр. 1236

ومفهوم كلامه: إن أمكنها الاستئجار أو وجدت من يرضعه مجانًا وجب صومها، وهو كذلك. والأجرة إذا وجدت من تستأجر واجبة في مال الولد، إن كان؛ لأن نفقته في ماله، ثم إن لم يكن له مال هل تكون في مال الأب؛ لأن نفقته عليه حينئذ، وهو فهم اللخصي، ومال إليه التونسي، أو في مالها إن لم تكن مطلقة؛ لوجوب الرضاع عليها حينئذ، وهذا بدله، وهو لسند؟ تأويلان. [القضاء بالعدد: ] ووجب القضاء بالعدد صام بالهلال أو لا، فمن أفطره كاملًا، وهو ثلاثون قضاه بالهلال، وكان المقضي فيه تسعة وعشرين صام يومًا آخر على المشهور. وهذه وإن تقدم ما يغني عنها وهو قوله: (وآخرًا ما بعده بالعدد لا ما قبله)، لكن أعادها ليرتب عليها قوله: يقضيه بزمن أبيح صومه، لا في يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة على المشهور، وإن جاز صوم اليومين اللذين يليان العيد للمتمع الذي لا يجد هديًا، والرابع للمتمتع والناذر ومن كان في صوم متتابع، ولا في شهر نذره غير رمضان، فإنه وإن أبيح صومه لمسافر لا يجوز قضاء رمضان آخر فيه؛ إذ لا يقبل زمن غيره. ولو ظن أن عليه يومًا من رمضان، وشرع في قضائه، وجب عليه تمامه إن ذكر قضاءه قبل، قاله ابن القاسم (١)، وفي وجوب قضاء القضاء على من لزمه قضاء يوم فأفطر في قضائه فيقضي يومين؛ لأنه أفسدها، ولأنه لما دخل في القضاء وجب عليه إتمامه، وشهره ابن غلاب في وجيزه،

стр. 1237

وعدم وجوبه فيقضي الأول فقط؛ لأنه الواجب في الأصل، والقضاء غير مقصود لذاته، وشهره ابن الحاجب في كتاب الحج، خلاف في التشهير. تنبيه: لا فرق في ذلك بين الفرض والنفل، وتعقب المؤلف ابن عبد السلام تخصيص ذلك بالنفل (١).

стр. 1238

[حكم المنتهك: ] وأدب المفطر في رمضان أو غيره عمدًا بضرب أو سجن أو بهما بما يظهر أنه راح له ولغيره، وعليه أيضًا الكفارة؛ ليجتمع عليه عقوبة الجسم والمال. و(أدب) على هذا مبني للمفعول، وفي الشرح الصغير للشارح بضم الباء عطفًا على فاعل يجب. إلا أن يأتي المفطر تائبًا، فلا يعاقب، وعليه الكفارة. [الكفارة الصغرى: ] ثم شرع في بيان الكفارة الصغرى، فقال: ووجب إطعام قدر مده ﷺ لمفرط في قضاء رمضان لمثله، اللام فيه للغاية، ولا كفارة في قضاء غيره؛ لعدم فواته.

стр. 1239

تتمة: أسباب الإطعام ثلاثة: تأخير القضاء عن وقته مع الإمكان، والكلام الآن فيه، وفوات فضيلة الوقت، كالحامل والمرضع، وبدل من الصوم للشيخ العاجز. [صفة الإطعام: ] عن كل يوم متعلق بقدر مده لمسكين متعلق بوجب، فلو أطعم غنيًا لم تجزئه، وفهم منه أنه لو أعطى مدًا لاثنين لم يجزئه، وخرج بمده ﵊ مد هشام. وظاهره: أنه لا فرق بين مكة والمدينة وغيرهما، وهو كذلك عند الجمهور، خلافًا لأشهب. وإذا وجب عليه أمداد فأعطى مسكينًا زائدًا عن مد لا يعتد بالزائد على المد لكل واحد اتفاقًا، ونبه على خلاف الشافعي في إجزائه. ثم أفاد شرط وجوب المد على من فرط بقوله: إن أمكن قضاؤه بشعبان قبل دخول رمضان الثاني، وأعاد الشارح الضمير لرمضان، والبساطي من عليه القضاء، والمعنى واحد. ولو لم يمكنه قضاؤه قبل رمضان الثاني لسفر أو مرض لم يلزمه الإطعام، إلا إن اتصل مرضه أو سفره من رمضان الذي أفطر فيه إلى رمضان الذي يليه فلا إطعام عليه لعذره، ولو قال: لا إن اتصل عذره لكان أشمل. ويخير في الإطعام مع القضاء في العام الثاني بأن يطعم في كل يوم يصومه، أو بعده، فيصوم ثم يطعم، وهو مذهب المدونة، فهو واجب مخير (١).

стр. 1240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1241

[الوفاء بالنذر: ] ووجب منذوره -أي: الوفاء بنذره- لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وأعاد الشارح ضميره للصوم، وهو المناسب للمتن، والبساطي للمكلف، فيعم الصوم وغيره. ووجب الأكثر في محتمل الأقل وأكثر إن احتمل لفظه بلا نية، وأما معها فإنما يعمل عليها، كان ما نواه قليلًا أو كثيرًا، صام بهلال أو غيره،

стр. 1242

كشهر لصدقه على ثلاثين وتسعة وعشرين، فثلاثين احتياطًا، وهو مذهب المدونة. وهذا إن لم يبدأ بالهلال، كأن بدأ به لم يلزمه، كاملًا كان أو ناقصًا باتفاق فيهما، وابتداء الناذر أو الحالف سنة -أي: صومها من حين نذره أو حلفه- وقضى ما لا يصح صومه منها عن ذلك كرمضان والعيدين وأيام منى في نذر صوم سنة بغير عينها، أو حلف كذلك، وظاهره: نوى تتابعها أو لا. ابن عرفة: لو نذر صوم سنة مبهمة ففي وجوب اثني عشر شهرًا غير رمضان مطلقًا. أو إلا أن ينوي تابعتها فكعينة، قولًا المشهور واللخمي عن أشهب، ويدخل فيما لا يصح صومه الحيض والنفاس (١).

стр. 1243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1244

إلا أن يسميها بعينها، كسنة كذا، أو يكون في أولها، فلا يقضي منها ما لا يصح صومه، كـ: العيدين وأيام منى، ويصوم الرابع من أيام التشريق. تنبيه: قال مالك في المدونة: لا قضاء عليه فيهن ولا في رمضان، إلا أن يكون نوى قضاء ذلك، كمن نذر صلاة يوم بعينه فليصل في الأوقات الجائز فيها الصلاة، ولا يصلي في الأوقات التي لا يصلى فيها، ولا شيء عليه فيها، ولا قضاء. أو إلا أن يقول: هذه السنة، ولم يزد في فيأتنف اثني عشر شهرًا من يوم حلف، قاله مالك في العتبية. أو إلا أن يقول: هذه السنة، وينوي باقيها، فهو -أي: يلزمه الباقي- ولا يأتنف سنة، ولا يقضي رمضان، ولا ما لا يصام، وإلى عدم القضاء في المسائل الثلاث قال: ولا يلزم القضاء؛ لأن هذه الأشياء لما كانت معينة كان القدر فيها أو الحلف منصبًا على ما يقبل الصوم لا قضاء ما لا يقبله، بخلاف غير المعينة، فإنه التزم جميع صوم سنة (١).

стр. 1245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1246

تنبيه: هذا الذي ظهر في تقرير هذا المحل، وقول بعض من حشاه: يجب عطف ينوي بالواو، كما في بعض النسخ التي وقفنا عليها، فلم يشتمل كلامه إلا على مسألتين، واستند في ذلك إلى أنه لم يذكر في توضيحه إلا المسألتين، غير ظاهر، ولم أقف على هذه النسخة التي أشار إليها، ومن وقف على كلام اللخمي، وما حكاه العوفي، وتأمله اتضح له ما قررناه، واللَّه الموفق. بخلاف فطره -أي: الناذر- لسفر -أي: لأجله- فيلزمه القضاء عند مالك، واستحسنه ابن القاسم، ومفهوم لسفر: أنه لو أفطر لعذر فلا قضاء، وقاله ابن القاسم. وصبيحة ليلة القدوم من سفر زيد يلزمه صوم يومها، في نذر صوم يوم قدومه، وكذا لو نذر صوم ليلة قدوم نفسه من سفره. سند: لأن الليل متعلق به حكم صوم النهار الذي يليه، ألا ترى أنه وقت لنية صومه، فهو شرع فيه في حكم صومه بتبيته فيه. انتهى. [شرط لزوم القضاء: ] ثم ذكر شرط لزوم القضاء في المسألتين بقوله: إن قدم ليلة غير عيد، فطر أو أضحى، وإلا بأن قدم نهار أو ليلة عيد فلا يلزمه صوم ذلك اليوم في المسألتين، إذ لا يصام بعض يوم، ولا يوم العيد، ولا قضاء عليه في الأولى، خلافًا لأشهب ومن وافقه، ولا في الثانية عند ابن القاسم وأشهب، خلافًا لابن الماجشون.

стр. 1247

[صيام الجمعة: ] ووجب صيام الجمعة، وهو الأسبوع كله، إن نسي اليوم الذي نذر منه على المختار عند اللخمي من أقوال ثلاثة؛ قياسًا على ناسي صلاة من الخمس يصلي خمسًا. ورابع النحر يجب صومه لناذره إن لم يعينه، بل وإن كان تعيينًا له بخصوصه، لا سابقيه ثاني النحر وثالثه، فلا يجب صومها على ناذرهما، بل لا يجوز، لأن نفي الوجوب لا يستلزم نفي الجواز (١). إلا المتمتع لا يجد هديًا فيجوز له صومها. تنبيهات: الأول: لا خصوصية للمتمتع، بل وكذا القارن، ومن وجب عليه دم لنقص شعائر الحج، فلو قال: إلا المتمتع ونحوه، كما في الجلاب والإرشاد لشمل ذلك. ويحتمل أن تكون اللام في المتمتع كافًا، وكثيرًا ما تصحف الكاف باللام. الثاني: تلخص من كلامه أن صيام أيام السنة على أقسام: - واجب، كرمضان. - وحرام، كالعيدين.

стр. 1248

- ومكروه، كأيام الليالي البيض وستة من شوال. - وجائز، للمتمتع، وهما اليومان اللذان بعد يوم النحر، وجائز لثلاثة أشخاص المتمتع والناذر ومن هو في صيام متتابع، وهو رابع النحر. - وما رغب فيه الشارع بخصوصه، كعرفة وعاشوراء. - وما لا يصام على وجه الاحتياط، كيوم الشك. - وما لم يرغب فيه (١).

стр. 1249

[ما يعفى من التتابع: ] لا تتابع نذر سنة مخرج من فاعل وجب، فنذرها لا يجب تتابعه شهورًا، ولا أيامًا، أو تتابع شهر نذره، أو أيام غير معينة، بل إن شاء تابعه وإن شاء فرقه، إلا أن ينويه متتابعًا، كما في المدونة، ففي كلامه ثلاث مسائل، وقرره البساطي على أن السنة لا بجب تتابع شهورها ولا أيامها (١). وإن سافر في رمضان سفرًا يباح له فيه الفطر فصامه، ونوى برمضان في سفره غيره، أي: غير رمضان، كان تطوع به أو نوى به نذر أو كفارة لم يجزئه عن واحد منها؛ لتعيين الوقت له، فلا يقبل غيره. أو نوى بصومه رمضان الذي هو فيه قضاء عن رمضان الخارج لم يجزئه أيضًا عن واحد منهما، وهو قول ابن القاسم وأشهب وابن المواز، وفي المدونة: من صام رمضان قضاء لرمضان قبله أجزأه، وعليه قضاء الآخر، روي بفتح الخاء وكسرها. أو نواه -أي: رمضان- ونذرًا أو كفارة أو قضاء الخارج بأن شركهما في نيته لم يجز عن واحد منهما؛ لأن كل يوم بعضه على الماضي، وبعضه عما هو فيه. وحذف لم يجزئه من الأولين لدلالة هذا عليه، وما ذكره المصنف في

стр. 1250

هذه المسائل ذكره العوفي فيما إذا كان ذلك في حضر، ولذا قال البساطي: والحضر من باب أولى. وليس لمرأة يحتاج لها زوج أو سيد تطوع به يوم بلا إذن، ونحوه في المدونة. خاتمة: فرض الصوم في ثانية الهجرة، لليلتين خلتا من شعبان، وفي نصف شعبان منها حولت القبلة، واللَّه أعلم. باب ذكر فيه الاعتكاف، وتعلقاته [معناه لغة: ] وهو لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه خيرًا كان أو شرًا، فالأول كقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، والثاني: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾. [حكمة مشروعيته: ] وحكمة مشروعيته التشبه بالملائكة الكرام في استغراق الأوقات في العبادات وحبس النفس عن شهوتها وكف اللسان عن الخوض فيما لا ينبغي. [معناه اصطلاحًا: ] وحده لزوم مسجد مباح لقربة قاصرة بصوم معزوم على دوامه يومًا وليلة، سوى وقت خروجه لجمعة أو لمعينة الممنوع فيه خرج بالمسجد المحجور في البيوت. والمراد بـ (القربة القاصرة) المختصة بالعائد لصلاة وتلاوة وذكر؛ احترازًا من المتعدية لغيره، كتدريس وإقرار وحكم بين الناس.

стр. 1251

[حكمه: ] الاعتكاف نافلة، أجمل في بيان حكمه، والظاهر: أنه أراد كونه مستحبًّا، كما استظهره في توضيحه، فلا يصح من بالغ مجنون. [صحته: ] وصحته حاصلة لمسلم، لا كافر؛ لعدم صحة القربة منه، مميز فلا يصح من بالغ مجنون ولا صبي من غير مميز بمطلق صوم، واجبًا كان كرمضان أو نذرًا أو تطوعًا؛ فلا يصح من مفطر ولو لعذر، خلافًا لابن لبابة في صحته بغير صوم. وعلى الأول: لا يشترط له صوم يخصه؛ ولذا قال: ولو نذر -بالبناء للمفعول- أي: الصوم في نفسه لا للاعتكاف، وللشارح في الكبير والأوسط كالبساطي على أن المبالغة راجعة للاعتكاف، أي: ولو كان الاعتكاف منذورًا لا يتعين له صوم يخصه، بل يجوز في رمضان وغيره عند مالك، خلافًا لعبد الملك وسحنون: لا يجزئ نذره في رمضان. البساطي: والنكتة أن لازم الشيء شرعًا هل يشترط فيه صفة ملزومة. وصحة كونه في مسجد لا في غيره على المشهور، وفي كونه ركنًا أو شرطًا قولان. [شرط مسجد الاعتكاف: ] ولا يصح في كل مسجد إلا لمن فرضه الجمعة، والحال أنها تجب به، أي: بالزمان الذي ينوي اعتكافه بنذر أو غيره، فالجامع -أي: لا يعتكف إلا فيه- مما -أي: من المواضع الذي- تصح فيه الجمعة. كصحنه ورحابه الداخلة فيه لا الخارجة عنه، قاله ابن رشد. وإلا بأن اعتكف من تلزمه الجمعة في غير الجامع خرج للجمعة وجوبًا، وبطل اعتكافه، وسواء دخل على أن لا يخرج أو لا على المشهور.

стр. 1252

[ما يجب الخروج إليه: ] ثم شبه في البطلان بما يجب الخروج له، فقال: كمرض أبويه، فيجب خروجه لعيادتهما، ويبطل اعتكافه، ونص ابن القاسم على بطلانه بخروجه لأحدهما، ونحوه في مختصر ابن عبد الحكم. لا جنازتهما معًا، فلا يخرج لها، وإن خرج بطل اعتكافه على المشهور. ثم عطف على جنازتهما مشبهًا له في المنع والبطلان إن خرج بقوله: وكشهادة، فلا يجوز خروجه لأدائها، وإن خرج بطل إن لم يجب عليه، بأن كان هناك من ينوب عنه. وإن وجبت بأن لا يكون هنا من ينوب عنه عند مالك، وبالغ على ذلك لئلا يتوهم البناء مع وجوبها عليه، كما هو عند غير مالك؛ لأنه أدى فرضًا، أو عاد لمعتكفه، ولتؤد بالمسجد، فيأتي إليه القاضي لسماعها منه؛ لأجل عذره، أو يؤخره لانقضاء اعتكافه، أو تنفل عنده لعذره؛ إذ لا ريبة مع صحته وحضوره، فهو معطوف على جنازتهما معًا. كذا ظهر لي في تقرير هذا الموضع، وجعله الشارح معطوفًا على مرض أبويه، قائلًا: وقد علمت أنه مأمور بالخروج، فيقتضي أنه مأمور به للأداء، والأمر بخلافه؛ لنقل اللخمي منع خروجه للأداء. وأجاب بأن المشاركة بين المسألتين في البطلان في جميع أحكامها، ويدل عليه قوله: وإن وجبت؛ لأنه أراد المبالغة في البطلان، ولو تعينت الشهادة. وعلى الحمل على ما ذكرته يفسد المعنى أن يصير معنى كلامه: ويجب الخروج لأداء الشهادة إن وجبت، انتهى. وتبعه البساطي وغيره قائلين: الواو تقتضي المشاركة في المعطوف عليه، ولو أسقطت وشبه بالخروج لسلم من ذلك.

стр. 1253

[عود على مبطلات الاعتكاف: ] ثم عطف على المبطل، فقال: وكردة؛ لأن شرط صحته الإسلام، وهي محبطة للعمل، وكمبطل صومه: أكل وشرب وحيض ونفاس؛ لأن الصوم شرط، ومبطل الشرط مبطل لمشروطه. وكسكره ليلًا، وإن صحا قبل الفجر، ونحوه في المدونة، ونص على الليل لأنه المتوهم. وفي إلحاق الكبائر غير المبطلة للصوم كالغيبة مثلًا به -أي: السكر- فتبطله، وهو فهم العراقيين للمدونة، وعدم إلحاقها به، وهو فهم المغاربة لها؛ لعدم إبطالها الصوم: تأويلان. وفهم منه أن الصغائر غير مبطلة، وهو كذلك. [عود على شروطه: ] وصحته بعدم وطء ليلًا؛ لأنه من محظوراته، لا من محظورات الصوم، وكذا حرام في سائر الأوقات دون الأكل والشرب، فإن حرمتهما نهارًا فقط. أبو عمران: وطء المكرهة كالمختارة، والنائمة كاليقظانة، بخلاف الاحتلام. وصحته بعدم قبلة شهوة قصدها أو وجدها، وبهذا التقرير يندفع دعوى التكرار بين هذا وبين قوله: (وكمبطل صومه)، فتأمله. فائدة: هذه إحدى المسائل التي فيها حكم القبلة حكم الوطء، ومن قبّل فأنزل فسد حجه، ومن عقد في العدة وقبل حرمت عليه، ومن خير امرأته فلم تختر حتى قبلها، ومن اشترى أمة بالخيار وقبلها زمن خياره فهو رضى، ونظمتها فقلت: خمس يساوي الوطي فيها قبلة ... فاظفر بحفظ الخمس ترق إلى العلا

стр. 1254

حج عكوف كالنكاح بعد ... وكذلك تخيير فكن متأمّلا أمة الخيار زواله فـ: قبلة ... وبعد راض بعدها بين الملا ولعدم لمس شهوة، ومباشرة أنزل أم لا، عمدًا أو نسيانًا، ابن ناجي: اتفاقًا. وإن لحائض ناسية؛ لاعتكافها عند خروجها لحيضها، ويحتمل أن يقرأ (ناسيه) بضمير، لا بمثناة. [اعتكاف العبد والمرأة: ] وإن أذن سيّد بعبد أو امرأة له في نذر؛ لاعتكاف فنذراه، ثم أراد منعهما من الدخول فيه أو قطعه عليهما بعد الدخول فيه فلا منع له من ذلك، فظاهره: الإطلاق. سند: إلا أن يكون النذر مطلقًا فلسيّده منعه؛ لأنه ليس على الفور. كغيره -أي: غير نذره- بأن يأذن لهما في فعله، لا في نذره، فلا يقطعه عليهما، إن دخلا فيه، وله منعهما قبل الدخول، وأتمت امرأة ما سبق منه -أي: من الاعتكاف- للعدة، بأن اعتكفت أولًا، ثم طلقها، أو مات عنها وهي معتكفة فإنها تتمه، ولا تخرج للعدة؛ لأنه يبطله، واستمرارها لا يبطل عدتها، بل إذا خرجت منه بنت على ما مضى من عدتها إن بقي منها شيء. أو ما سبق من عدة، بأن طلقت أو مات عنها قبل نذرها الاعتكاف فيجب تماديها على عدتها، فإذا تمتها فإن كان نذرها مطلقًا فعلته، وإن كان معينًا ومضى وقته لم تقضه عند سحنون. والاعتكاف والعدة مع الإحرام كالعدة مع الاعتكاف، فتتم السابق منهما، إلا أن تخالف وتخرج من الاعتكاف والعدة، وتحرم إن لم تكن في عدة موت، بل وإن كانت بعدة موت فتنفذ بالمثناة الفوقية وبالذال المعجمة، أي: تمضي على إحرامها وهي عاصية.

стр. 1255

ويبطل بالمثناة التحتية كل من اعتكافها جملة، إذ شرطه المسجد، وتبطل عدتها، أي: مبيتها لها لا أصل عدتها، انظر الكبير (١). وإن منع سيده عبده نذرًا نذره بغير إذنه فعليه قضاؤه، إن عتق لبقائه

стр. 1256

في ذمته، وليس له إسقاطه، بخلاف الدين، ولا يمنع مكاتب يسيره، بخلاف كثيرة المؤدى لعجزه، ولزم يوم وليلة إن نذر ليلة أعمالًا لكلام المكلف ما أمكن. [النذر: ] لا إن نذر بعض يوم، لا يلزمه شيء، ولزم تتابعه -أي: الاعتكاف- في مطلقة؛ لأنه سنة. ولزم منويُّه من أيام أو غيرها، وحين دخوله، كما لو نذره وقت الشروع، ثم شبه لإفادة الحكم وهو لزوم المنوي دخوله، فقال: كمطلق الجوار بضم الجيم وكسرها، أي: المجاورة، فيلزم في مطلقة ما يلزم في الاعتكاف من الصوم، وإذا دخل ونوى شيئًا لزمه. لا لمقيد بجواز النهار فقط، بأن يلتزم مجاورة النهار، وينقلب لأهله ليلًا، فباللفظ -أي: لا يلزم من ذلك- إلا ما نذره بلفظه، ولا يلزمه فيه حينئذ -أي: حين تلفظ بالنهار- صوم، ولم يلزمه ما بعد اليوم الأول. وفي لزوم يوم دخوله في نيته أيامًا أو يومًا، وهو تأويل ابن يونس، وعدم لزومه هذا الجوار إن دخل يومه؛ إذ لا صوم فيه، وهو تأويل أبي عمران؛ لأنه إنما نوى ذكر اللَّه، وهو يتبعض تأويلان. [شد الرحال: ] وإتيان ساحل -وهو شاطئ البحر- كدمياط وإسكندرية، وكذا كل موضع يتقرب إلى اللَّه -تعالى- بإتيانه كالمدينة ومكة لنذر صوم به، كرباط العدو مطلقًا، سواء كان موضعه الذي هو به أفضل، كناذره بموضع مما سبق، والذي نذره الإتيان إليه أفضل، وخص الصوم؛ لأنه لو نذر اعتكافًا بساحل من السواحل لاعتكف بموضعه. ولزم إتيان أحد المساجد الثلاثة مكة والمدينة وبيت المقدس فقط، دون غيرها لناذر عكوف بها، سواء كان بغيرها أو بأحدها، وإلا يكن بأحدها، بل نذر أن يعتكف بغيرها، كنذره الاعتكاف بجامع الفسطاط

стр. 1257

بموضعه؛ لخبر: "لا تشدد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة" (١). [مكروهات الاعتكاف: ] وكره لمعتكف أكله خارج المسجد، بل يأكل فيه وفي رحابه، وكره اعتكافه حال كونه غير مكفي، حتى لا يخرج إلا لحاجة الإنسان البول والغائط. وكره دخول منزله وإن لغائط؛ لأنه مظنة التعويق، ويستحب في غير منزله. وكره اشتغاله بعلم على الأصح، وكره كتابته لعلم، ابن نافع: إلا الشيء الخفيف. ثم بالغ على كتابة القرآن لئلا يتوهم جوازها كتلاوته، بقوله: وإن مصحفًا إن كثر ذلك فيهما. وكره له فعل غير ذلك وصلاة وتلاوة، ويدخل في الذكر التسبيح والطواف (٢)، إن كان بالمسجد الحرام، ولم يعلم من كلامه عين الحكم؛ لأنه إنما نفى الكراهة عن هذه العبادات، وقول المدونة: قال مالك: وليقبل

стр. 1258

المعتكف على شأنه، ولا يعرض لغيره مما يشغل به نفسه مشعر بالوجوب، ونحوه قولي اللخمي: يتضمن الاعتكاف الصلاة وتلاوة القرآن والذكر للَّه تعالى، فعلى من دخل معتكفه أن يلتزم ذلك في ليله ونهاره بقدر طاقته، ولا يدع ذلك إلا لغلبة. وفي التلقين: ينبغي له التشاغل بالذكر والعبادة والصلاة والدعاء وقراءة القرآن دون أن يتصدى لغيره ذلك من أفعال القرب (١). ثم شبه لإفادة الحكم في الكراهة، فقال: كعيادة لمريض، إلا أن يصل إلى جانبه، أو وهو ماش، كما كانت عائشة تفعل، وكصلاة جنازة إن لم تلاصق، بل ولو لصقت بأن ينتهي إليه زحام المصلين، وهذا ما لم تتعين عليه، وكره صعودًا لتأذين بمنار أو سطح؛ لأنه كالخروج من

стр. 1259

المسجد، وفهم منه جوازه بصحنه، وهو كذلك، نص عليه اللخمي (١). ويقع في بعض النسخ: وترتبه للإمامة، نص عليه في التنبيهات، وفي بعضها للإقامة؛ لأنه ربما يشغله عن بعض شأنه. قال الشارح: وانظره مع قول الرسالة: ولا بأس أن يكون إمام المسجد (٢). وكره للقاضي إخراجه لحكومة قبل تمام اعتكافه، إن لم يلد به، أي: باعتكافه، فلا يكره إخراجه حينئذ (٣).

стр. 1260

[ما يجوز للمعتكف: ] ثم شرع في الكلام على مسائل جائزة، فقال: وجاز له إقراء قرآن، أي: تعليمه، وأما تعلم القارئ القراءة فالظاهر أنه من تعلم العلم. وجاز سلامه على من بقربه من مريض أو صحيح، وتطييبه بأنواع الطيب على المشهور، وللمرأة الحلي. وجاز له أن ينكح بفتح الياء، أي: يتزوج، وأن ينكح بضمها، أي: يزوج غيره بولايته عليه، بأن يغشاه ذلك بمجلسه؛ إذ ليس فيه غير الإيجاب والقبول. وجاز أخذه إذا خرج لكغسل جمعة أو جنابة أو عيد، قال في المجموعة: أو لحر أصابه؛ لأنه من باب دفع الحاجة ورفع المضرة، وما لا بد منه ظفرًا وشاربًا أو نتف إبط أو حلق عانة. وفهم من قوله: (خرج) أنه لا يفعل ذلك في المسجد، وهو كذلك، وإن جمعه في ثوبه وألقاه خارجه؛ لإهانة المسجد، ومثله السواك داخله، ولا يعلم من كلامه عين الحكم وهو الكراهة. وجاز انتظار غسل ثوبه إذا أجنب فيه مثلًا، وخرج لغسله، أو تجفيفه، أي: انتظار تجفيفه، إذا لم يكن له غيره، ولا وجد من يستنيبه في ذلك، قاله سند؛ لأنه إذا تعذر ذلك صار من الأمور الضرورية لقضاء الحاجة. ويدل على أن هذا مراد المصنف قوله: وندب إعداد ثوب، كالمرضع يستحب لها إعداده، وعلى هذا فقول الشارح: (الذي في المدونة لا ينتظره،

стр. 1261

ولعله معطوف على ما تقدم من المكروه) غير ظاهر، ولم يقف البساطي على كلام سند، فتبع الشارح، ولكنه أجاب بنحو كلام سند، فقال: لعل كلامه محمول على ثوب مستغنى عنه. وندب مكثه في معتكفه ليلة العيد، إذا اتصل اعتكافه به، فيمضي من مصلاه لبيته، لفعله ﵊، وهو قول ابن عبد السلام. وندب لمن نذر الاعتكاف دخوله معتكفه قبل الغروب من الليلة التي يريد اعتكاف يومها، وصح إن دخل قبل الفجر على الأصح؛ بناءً على أن أقله يوم، وشهره ابن الحاجب (١). وندب اعتكاف عشرة، يحتمل فما فوقها، كقول أبي محمد، وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام، وأما أكثره فلا حد له كالصوم،

стр. 1262

ويحتمل لا أزيد منها، كقول ابن الحاجب: وأكمله عشرة، أي: فأكثر منها غير أكمل. وندب الاعتكاف بآخر المسجد، وهو عجزه بسكون الجيم (١)، لا برحبته؛ لأنها دونه في الفضل. وقيل: هما سواء. وندب كونه برمضان لفضله على غيره، وبالعشر الأخير منه؛ لأنه ﵊ اعتكفه، وعلل ذلك بقوله: لليلة القدر -أي: لطلبها- الغالبة به، لوجودها فيه؛ لخبر: "التمسوها في العشر الأواخر" (٢). ولما اعتكف ﷺ العشر الأول منه أتاه جبريل، فقال: إن الذي تريد أو تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، فأتاه وقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأواخر (٣).

стр. 1263

واختلف في كونها بالعام كله، أي: دائرة في لياليه، وهو مذهب مالك وغيره، أو مختصة برمضان فقط، وشهره ابن غلاب: خلاف في التشهير. فائدتان: الأولى: قال القرطبي في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾: إن قيل: لم خص الليالي بالذكر دون الأيام. قيل: لأن الليلة أسبق من اليوم، فهي قبله في الرتبة؛ ولذلك وقع بها التاريخ، فالليالي أولى الشهور، والأيام تبع لها. انتهى. الثانية: قال ابن العربي: هي في النصف الأخير منه، ومن شرطها أن تكون وتر ليلة الجمعة. وانتقلت في العام، وعليه مالك وأكثر أهل العلم، فلا يختص بليلة، واختلاف الآثار يدل على ذلك. ابن رشد: وهو أصح الأقاويل وأولاها بالصواب. والمراد عند مالك ومن وافقه بكسابعة في خبر: "التمسوها في العشر الأواخر في التاسعة فالسابعة والخامسة" (١)، بالنسبة إلى ما بقي (٢)، فيعد من آخر الشهر، فتكون في إشفاع هذه الآثار فالتاسعة ليلة الثاني والعشرين، والسابعة ليلة الرابع والعشرين، والخامسة ليلة السادس والعشرين، بناءً على أن الواو للترتيب. ويختلف في ذلك نقصان الشهر وكماله، وقيل: ليست للترتيب، فيعد من أول الشهر، فالخامسة ليلة خمس وعشرين، والسابعة ليلة سبع وعشرين، والتاسعة ليلة تسع وعشرين. ومن دخل في الاعتكاف ينوي أيامًا معينة أو نذر أيامًا، فحصل له ما

стр. 1264

منع اعتكافه أثناءها وخرج لذلك، فزال مانعه وعاد لمعتكفه، بنى على ما تقدم له قبل طروء المانع بزوال إغماء عنه أو جنون، إذا كان ما نواه ونذره غير معين، وأما المعين فيبني إن بقي منه بعذر زوال عذره، وإلا فات. ثم شبه ما شرطه مانع بما هو مانع بنفسه في كونه يبني على ما تقدم بقوله: كأن منع المعتكف من الصوم فقط لمرض مع القدرة على المكث في المسجد، فإنه يخرج على المشهور. أو منعت المرأة المكث لأجل حيض، أو منع المعتكف الاعتكاف لأجل عيد حتى صح، أو طهرت، أو مضى يوم العيد، وإذا خرج المعتكف رجلًا كان أو امرأة لأجل مانع من مرض أو حيض أو عيد خرج وعليه حرمته، أي: الاعتكاف؛ فلا يقرب الرجل النساء، ولا المرأة الرجال، ولا يفعل ما لا يسوغ له فعله لو كان معتكفًا. [مسألة: ] ولما كان ما قدمه من البقاء إذا عاد بعد زوال مانعه لا يعد منه كونه فورًا قال: وإن آخره -أي: الرجوع لمعتكفه بعد زوال عذره- بطل اعتكافه لتراخيه، وابتدأه، إلا إذا كان زوال عذره ليلة العيد ويومه، وأخر عوده لأجل ذلك لم يبطل اعتكافه. [مسألة: ] وإن اشترط مريد الاعتكاف سقوط القضاء عنه إن عرض له ما يوجبه لم يفده شرطه، بل يبطل شرطه، ويصح اعتكافه على المشهور، وعبر عنه بعضهم بالمشهور. قال مالك: ليس لأحد أن يشترط في الاعتكاف ما يغير سنته. كذا في التهذيب، وهو أعم من كلام المؤلف؛ لأن كلامه مختص باشتراط سقوط القضاء، واللَّه -تعالى- أعلم. * * *

стр. 1265

باب فرض الحج فرض الحج عينًا إجماعًا على كل مكلف بشروطه الآتية مرة واحدة في العمر، وسنت العمرة في حق كل مكلف مرة واحدة في العمر على المشهور، رواه محمد. وسواء في ذلك أهل مكة وغيرهم، خلافًا لابن الجهم وابن حبيب في إيجابها مطلقًا. وقال ابن حارثة: فرض على أهل مكة. ويصح رفع (مرة) على أنه خبر لقوله: (فرض الحج)، ونصبه على أن فرض فعل مبني لما لم يسم فاعله. [صفة فرضيته: ] وفي فوريته -أي: فرض الحج- وهو قول مالك، واقتصر عليه في الجلاب، وأخذ به العراقيون، وشهره ابن بزيزة، وتراخيه، وبه قال المغاربة اللخمي والباجي وابن رشد والتلمساني وغيرهم، وشهره الفاكهاني، وعليه فغاية التراخي لخوف الفوات، فإن خافه تعين حينئذ فورًا] اتفاقًا (١).
следующие страницы →