ولعله معطوف على ما تقدم من المكروه) غير ظاهر، ولم يقف البساطي على كلام سند، فتبع الشارح، ولكنه أجاب بنحو كلام سند، فقال: لعل كلامه محمول على ثوب مستغنى عنه.
وندب مكثه في معتكفه ليلة العيد، إذا اتصل اعتكافه به، فيمضي من مصلاه لبيته، لفعله ﵊، وهو قول ابن عبد السلام.
وندب لمن نذر الاعتكاف دخوله معتكفه قبل الغروب من الليلة التي يريد اعتكاف يومها، وصح إن دخل قبل الفجر على الأصح؛ بناءً على أن أقله يوم، وشهره ابن الحاجب (١).
وندب اعتكاف عشرة، يحتمل فما فوقها، كقول أبي محمد، وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام، وأما أكثره فلا حد له كالصوم،
стр. 1262
ويحتمل لا أزيد منها، كقول ابن الحاجب: وأكمله عشرة، أي: فأكثر منها غير أكمل.
وندب الاعتكاف بآخر المسجد، وهو عجزه بسكون الجيم (١)، لا برحبته؛ لأنها دونه في الفضل.
وقيل: هما سواء.
وندب كونه برمضان لفضله على غيره، وبالعشر الأخير منه؛ لأنه ﵊ اعتكفه، وعلل ذلك بقوله: لليلة القدر -أي: لطلبها- الغالبة به، لوجودها فيه؛ لخبر: "التمسوها في العشر الأواخر" (٢).
ولما اعتكف ﷺ العشر الأول منه أتاه جبريل، فقال: إن الذي تريد أو تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، فأتاه وقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأواخر (٣).
стр. 1263
واختلف في كونها بالعام كله، أي: دائرة في لياليه، وهو مذهب مالك وغيره، أو مختصة برمضان فقط، وشهره ابن غلاب: خلاف في التشهير.
فائدتان:
الأولى: قال القرطبي في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾: إن قيل: لم خص الليالي بالذكر دون الأيام.
قيل: لأن الليلة أسبق من اليوم، فهي قبله في الرتبة؛ ولذلك وقع بها التاريخ، فالليالي أولى الشهور، والأيام تبع لها. انتهى.
الثانية: قال ابن العربي: هي في النصف الأخير منه، ومن شرطها أن تكون وتر ليلة الجمعة.
وانتقلت في العام، وعليه مالك وأكثر أهل العلم، فلا يختص بليلة، واختلاف الآثار يدل على ذلك.
ابن رشد: وهو أصح الأقاويل وأولاها بالصواب.
والمراد عند مالك ومن وافقه بكسابعة في خبر: "التمسوها في العشر الأواخر في التاسعة فالسابعة والخامسة" (١)، بالنسبة إلى ما بقي (٢)، فيعد من آخر الشهر، فتكون في إشفاع هذه الآثار فالتاسعة ليلة الثاني والعشرين، والسابعة ليلة الرابع والعشرين، والخامسة ليلة السادس والعشرين، بناءً على أن الواو للترتيب.
ويختلف في ذلك نقصان الشهر وكماله، وقيل: ليست للترتيب، فيعد من أول الشهر، فالخامسة ليلة خمس وعشرين، والسابعة ليلة سبع وعشرين، والتاسعة ليلة تسع وعشرين.
ومن دخل في الاعتكاف ينوي أيامًا معينة أو نذر أيامًا، فحصل له ما
стр. 1264
منع اعتكافه أثناءها وخرج لذلك، فزال مانعه وعاد لمعتكفه، بنى على ما تقدم له قبل طروء المانع بزوال إغماء عنه أو جنون، إذا كان ما نواه ونذره غير معين، وأما المعين فيبني إن بقي منه بعذر زوال عذره، وإلا فات.
ثم شبه ما شرطه مانع بما هو مانع بنفسه في كونه يبني على ما تقدم بقوله: كأن منع المعتكف من الصوم فقط لمرض مع القدرة على المكث في المسجد، فإنه يخرج على المشهور.
أو منعت المرأة المكث لأجل حيض، أو منع المعتكف الاعتكاف لأجل عيد حتى صح، أو طهرت، أو مضى يوم العيد، وإذا خرج المعتكف رجلًا كان أو امرأة لأجل مانع من مرض أو حيض أو عيد خرج وعليه حرمته، أي: الاعتكاف؛ فلا يقرب الرجل النساء، ولا المرأة الرجال، ولا يفعل ما لا يسوغ له فعله لو كان معتكفًا.
[مسألة: ]
ولما كان ما قدمه من البقاء إذا عاد بعد زوال مانعه لا يعد منه كونه فورًا قال: وإن آخره -أي: الرجوع لمعتكفه بعد زوال عذره- بطل اعتكافه لتراخيه، وابتدأه، إلا إذا كان زوال عذره ليلة العيد ويومه، وأخر عوده لأجل ذلك لم يبطل اعتكافه.
[مسألة: ]
وإن اشترط مريد الاعتكاف سقوط القضاء عنه إن عرض له ما يوجبه لم يفده شرطه، بل يبطل شرطه، ويصح اعتكافه على المشهور، وعبر عنه بعضهم بالمشهور.
قال مالك: ليس لأحد أن يشترط في الاعتكاف ما يغير سنته.
كذا في التهذيب، وهو أعم من كلام المؤلف؛ لأن كلامه مختص باشتراط سقوط القضاء، واللَّه -تعالى- أعلم.
* * *
стр. 1265
باب فرض الحج
فرض الحج عينًا إجماعًا على كل مكلف بشروطه الآتية مرة واحدة في العمر، وسنت العمرة في حق كل مكلف مرة واحدة في العمر على المشهور، رواه محمد.
وسواء في ذلك أهل مكة وغيرهم، خلافًا لابن الجهم وابن حبيب في إيجابها مطلقًا.
وقال ابن حارثة: فرض على أهل مكة.
ويصح رفع (مرة) على أنه خبر لقوله: (فرض الحج)، ونصبه على أن فرض فعل مبني لما لم يسم فاعله.
[صفة فرضيته: ]
وفي فوريته -أي: فرض الحج- وهو قول مالك، واقتصر عليه في الجلاب، وأخذ به العراقيون، وشهره ابن بزيزة، وتراخيه، وبه قال المغاربة اللخمي والباجي وابن رشد والتلمساني وغيرهم، وشهره الفاكهاني، وعليه فغاية التراخي لخوف الفوات، فإن خافه تعين حينئذ فورًا] اتفاقًا (١).
وأشار لتشهير القولين بقوله: خلاف، واختلف: هل خوف الفوات ببلوغ المكلف ستين سنة، وهو لسحنون، وانفرد بتفسيقه ورد شهادته، أو
стр. 1269
لظن العجز، وهو يختلف باختلاف أحوال الناس صحة ومرضًا، وقربًا وبعدًا، وسكت المؤلف عن هذين القولين وعن بيان الراجح منهما.
ابن عرفة: وعلى فوريته ففي كونه بعد أول عام مستطيعه قضاء أو أداء قولا ابن القصار وغيره.
ولم يذكر المؤلف هذا الخلاف أيضًا ولا راجحه.
[شرط صحة الحج والعمرة: ]
وصحتهما -أي: الحج والعمرة- حاصلة بالإسلام لا غيره؛ لخطاب الكفار به وجوبًا على المشهور، قاله القرافي، ولشهرته عدل عن قول ابن الحاجب: ويجب بالإسلام، وعلى المشهور فيصحان من مسلم ذكر وأنثى، حر وعبد، صغير وكبير.
[الإحرام عن الصغير: ]
وحيث كان شرط صحة فيحرم به ولي نيابة عن رضيع.
سند: ويصير محرمًا بما نواه عنه من حج أو عمرة.
وجرد الرضيع -أي: جرده وليه- ما لا يلبسه المحرم، ويكون تجريده له قرب الحرم، لا من محل الإحرام، وهل الظرف قيد في (يحرم) و (جرد) معًا، أو في (جرد) فقط تقريران، أجازهما الشارح رحمه اللَّه تعالى، والثاني منهما للبساطي.
وهل إحرامه عنه وجوبًا لمنع إدخاله حلالًا؟ رأيان للتلمساني وصاحب اللباب، وتخصيصه الإحرام عنه مشعر بأنه لا يفعل عنه ما يمكنه، ويطوف به ويسعى به، ولا يصلي عنه ركعتي الطواف على المشهور.
وإذا كان الرضيع يجرد فالذي يعقل أولى، وما ذكره المؤلف ذكره صاحب اللباب عن مالك، وهو خلاف قول الجلاب: لا يجرد الرضيع ونحوه للإحرام، وإنما يجرد المتحرك من الصغار.
الشرمساحي: أي الذي يعقل ويقدر على ذلك.
стр. 1270
[الإحرام عن المجنون: ]
ويحرم ولي عن مجنون مطبق في الجنون، ويفعل فيما عدا النية كما يفعل في الصبي، ومفهوم (مطبق): من يفيق أحيانًا لا يحرم عنه، إذا علم عادة أنه يفيق قبل انقضاء الحج.
[من لا يُحرم عنه: ]
لا مغمى عليه، فلا يحرم عنه وليه ولا غيره؛ لقصر مدته، بخلاف الجنون، وربما أشعر التعليل بقصر المدة بأنه لو كان يطول عادة لجاز الإحرام عنه (١).
[من يحرم بإذن: ]
ويحرم المميز عن نفسه حرًّا كان أو عبدًا بإذنه -أي: الولي- وحيث أذن فلا رجوع له.
البساطي: ظاهره ولو شرع.
стр. 1271
وإلا بأن أحرم بغير إذن فله تحليله؛ لتعديه، ولا سيما إذا رجي البلوغ والعتق قبل الوقوف، وله إبقاؤه على إحرامه.
ولا قضاء على الحر إذا أحله الولي بعد إحرامه، بخلاف العبد، فإنه يجب عليه القضاء بعد العتق، إذا حلله، وكذا إذا أذن له على المشهور.
قال المصنف في مناسكه: ويكون التحليل بالنية والخلاف، ولا يفيد رفض النية وحده، ويجب على العبد الموافقة، وإن خالف أثم.
وأمره -أي: أمر الولي المميز- أن يفعل بنفسه مقدوره من طواف وسعي وتلبية وركوع، وإلا بأن لم يقدر ناب الولي عنه إن قبلها -أي: النيابة- كطواف وسعي ورمي، لا ما لا يقبل النيابة في الأقوال، كـ: تلبية ومثل ركوع من الأفعال؛ لأنهما من الأمور البدنية.
[مسألة: ]
ولما خشي أن يتوهم أنه إذا ناب عنه فيما لا يقدر عليه فلا فائدة في إحضاره الموافق، دفع هذا الوهم بقوله: وأحضرهم -أي: أحضر الولي الصبي والمجنون والمغمى عليه- إذا طرأ عليه الإغماء بعد الإحرام المواقف، وعدل بهذا عن قول ابن الحاجب: (المواقيت)؛ لتنظيره فيه بأن الميقات واحد.
قال: ولعله يريد المشاعر كعرفة ومزدلفة ومنى.
[النفقة على الصبي: ]
وزيادة النفقة في السفر بالصبي على فقه الحضر واجبة عليه -أي: على الصبي في ماله- إن خيف عليه ضيعة بتركه؛ لأن ذلك من مصالحه، وإلا بأن لم يخف عليه فوليه عليه الزائد على نفقة الحضر؛ لإدخاله فيه بغير ضرورة.
ولا إشكال مع تساوي النفقتين كجزاء الصيد صاده الصبي حال إحرامه، وفدية لأذى، والتشبيه يحتمل أنه فيما بعد إلا، ويحتمل فيما قبلها.
стр. 1272
البساطي: والمسألة منصوصة في الفدية. انتهى. وفيه إشارة للتعقيب على المصنف جزاء الصيد.
بلا ضرورة كتطييبه بلا داع، ففي مال الولي، وبداع في مال الصبي على المشهور.
[شروط وجوب الحج: ]
وشرط وجوبه حرية وتكليف، فلا يجب على قن، ولا ذي شائبة، ولا على صبي ومجنون، وحيث لم يجب فلا يقع واجبًا، وإليه أشار منوعًا في العبارة بقوله: كوقوعه فرضًا شرطه حرية وتكليف وقت إحرامه، فلو تحرر القن أو بلغ الصبي بعد الإحرام بالحج لم يقع فرضًا.
وإذا وجد شرط الوجوب وشرط الصحة فيشترط في إحرامه للفرض كونه بلا نية نفل فقط أو مقارنة، سواء كان ضرورة أو لا، ولا بد في الفرض من نية.
وقول البساطي: (بلا نية نفل غير محتاج إليه) فيه نظر، بل ذكره للتنبيه على القائل بالضرورة إذا نوى بحجه النفل وقع فرضًا.
[معنى الاستطاعة: ]
ووجب الحج باستطاعة، وفسرها بأمرين:
أشار لأحدهم بقوله: بإمكان الوصول للبيت الحرام على أي وجه كان ماشيًا أو راكبًا، بلا مشقة تلحقه في باطنه أو ظاهره، كاحتياجه لسؤال لإعادة له به، أو لمشي ولا قدرة له عليه، وكذا مشقة في دينه كترك الصلاة أو إخراجها عن وقتها.
وقيد المشقة بقوله: عظمت؛ إذ لا بد منها لكل أحد، ولو ملكًا، ولو اعتبر مطلقها يسقط عن أكثر المستطيعين.
وأشار لثانيها بقوله: وأمن على نفس من الهلاك اتفاقًا، فالواو بمعنى مع مع.
стр. 1273
وعلى مال، فلو خاف على ماله لصًا أو محاربًا أو ظالمًا كصاحب مكس سقط.
قال سند: فلو تجشم غير مستطيع المشاق وتحمل الكلفة وارتكب الصعب حتى حج أجزأه عن حجة الوجوب.
ثم أخرج من الأمن على المال، فقال: إلا لأخذ ظالم ما قل من المال ما لا يضر، فلا يسقط الوجوب على أظهر القولين، واختاره ابن العربي وغيره.
ومفهوم (ما قل) سقوطه بما كثر، ولو لم يجحف.
اللخمي: ظاهر قول القاضي: لا يسقط بكثير لا يجحف.
ثم وصف الظالم للقليل بكونه: لا ينكث بعد أخذه القليل، بل يقف عند قوله.
ونكث: بثاء مثلثة، يقال: قال قولًا لا ينكث فيه، أي: لا خلف.
على الأظهر، لم يذكر في توضيحه ترجيحه عن ابن رشد، بل الظاهر منه: أنه من عند نفسه، وعزاه الشارح والبساطي والأقفهسي لابن رشد.
وعلى ما قررناه من كونه ينكث صفة لظالم قال البساطي: لو قدمه لكان أحسن.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: الظهور راجع لنفي السقوط بأخذ ما قل لعدم النكث، فإن فيه قولين. انتهى.
وليس فيه ما يشهد بأن الاستظهار لابن رشد.
تنبيه:
قوله: (باستطاعة) ظاهره ولو كان عزبًا ومعه ما يوصله، أو يتزوج به، وهو كذلك، ما لم يخش العنت، وظاهره: ولو كان معدمًا يوصله أو ينفعه على زوجته، وهو كذلك، ولو كانت تطلق عليه لعسره إذا حج، وهو كذلك، وهما على القول بوجوبه فورًا.
стр. 1274
وظاهر قوله (بإمكان الوصول) عدم اعتبار ما يرجع به، وهو كذلك، إلا أن يخاف الضيعة بعد وصوله، كما سيأتي في كلامه، وكأن البساطي غفل عنه مع قربه، فقال: ظاهر كلامه اعتبار القدرة على الوصول فقط.
وأشعر قوله (ظالم) أن ما يأخذه الجند من الحجيج ليدفعوا عنهم كل يد عادية جائز؛ لشبهه بالنفقة اللازمة في الكراع والسلاح والزاد، ولكنه يشبه الظالم من وجه آخر؛ لأن توظيفه من أجل قطاع الطريق، ذكره سند عن أبي بكر محمد بن الوليد.
[مطلق القدرة: ]
ولما كان المعتبر في الاستطاعة الزاد والراحلة لا مطلق القدرة على الوصول على المشهور نبه على الخلاف فيه، فقال: ويجب ولو بلا زاد وراحلة لذي صنعة تقوم به لزاده وقدر على المشي، أو تقوم به لراحلته وقدر على الزاد، أو تقوم به لهما، كأعمى له زاد وراحلة وقدر على المشي بقائد؛ لأنه كالبصير حينئذ.
وإلا تكن له صنعة تقوم به ولا قدر على المشي اعتبر في حقه لجانب السقوط المعجوز، هذا في حق البعيد، وأما من قربت داره كمسافة لا تقصر فيها الصلاة لم تعتبر الراحلة في الوجوب إجماعًا.
ووجب بإمكان الوصول إن يثمن ولد زنا نبه به على قول المخالف: لا يحج بثمنه.
وقول البساطي: (لو ترك خشونة هذا اللفظ في مثل الحج لكان أحسن) لا يتوجه على المصنف؛ لأنه لفظ مالك من رواية ابن القاسم.
أو بثمن ما يباع على مفلس لغرمائه من ربع وعقار وماشية وثياب ولو ثوبي جمعته إن كانت لهما قيمة، وخادمة كما يأتي في محله، وكذا كتب العلم، فإنها تباع على المفلس.
ووجب إن كان معه ما يحج به، وإن صار فقيرًا بعد ذلك، وإليه أشار بقوله: أو بافتقاره -أي: مع حجه- لأنه مستطيع على المشهور.
стр. 1275
أو مع ترك ولده للصدقة إن لم يخش عليهم هلاكًا، وأما مع خشيته فلا، بناءً على أنه على الفور؛ لأنه نفقة الأقارب مساواة تجب في الفضلة، فلا يترك لها ما يتعين فعله، وأما على التراخي فالولد مقدم، قاله سند، ومثله لابن رشد.
زاد التلمساني: ونفقة الأبوين كذلك.
ويحتمل أن يتعلق قوله للصدقة بافتقاره أيضًا.
[الحج بدين أو عطية: ]
لا باستطاعة بدين يستدينه ليحج به، فلا يجب، وإن بذل له؛ لأن الدين يمنع وجوبه، وظاهره كان جهة وفاء أو لا، وهو كذلك اتفاقًا في الثاني، وعلى المشهور في الأول.
أو عطية هبة أو صدقة لما فيها من المنة.
وظاهره: ولو كانت له عادة بالأخذ ممن يعطيه، وهو كذلك.
سند: إلا أن يكون الباذل له ولده.
أو سؤال مطلقًا، أي: سواء كانت عادته ذلك أو لا، كانت العادة أن يعطي أو لا، وهو كذلك (١).
стр. 1276
[المعتبر في الاستطاعة: ]
واعتبر في الاستطاعة ما يرد به إن خشي على نفسه ضياعًا، بأن بقي هناك، وإطلاقه ظاهر فيما يرد به إلى محله، وقد يقال: لموضع يأمن فيه الضياع على نفسه، وهو ظاهر قول اللخمي: يراعى أقرب موضع يمكنه التمعش فيه.
[الحج بحرًا: ]
والبحر في الأمن مع أداء فرض الصلاة كالبر فيما تقدم، فيجب السفر فيه في حق من لا سبيل له إلا منه.
الباجي: هو ظاهر المذهب.
إلا أن يغلب عطبه، فلا يجب السفر فيه. البساطي: وفي الحقيقة ليس هذا خاصًّا بالبحر. انتهى. ولا يعلم من كلام المصنف هنا عين الحكم، وفي توضيحه: يحرم إذا عرض الخوف على النفس أو الدين. وفي تقرير الشارح له بذلك عناية.
أو إلا أن يضيع بسفره فيه ركن صلاة كقيام لكميد يمنع منه، أو سجود لضيق أو غير ذلك، وأحرى ضياع الصلاة لكإغماء عليه عند اضطرابه.
والميد: الدوخة.
والمرأة حكمها في تعلقات الحج كالرجل لدخولها في قوله تعالى:
стр. 1277
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ إلا في بعيد مشي، فليست مثله؛ لما يظهر في كثيره من عوارها، ولا يعلم من كلامه عين الحكم في بعيد المشي، ونص في كتاب محمد على كراهته.
وخرج اللخمي وجوب مشيها من قول مالك في الحانث والحانثة في نذر المشي: والمشي على الرجال والنساء سواء. انتهى؛ لأن الفرض آكد من النذر.
وفرق بين ما في الكتابين، فحمل ما في كتاب محمد على الجسيمة الرائعة ومن ينظر لمثلها عند مشيها، وما في المدونة على المتجالة، ومن لا يؤبه لها.
وقال ابن عرفة: معني المدونة المشي الواجب عليهما سواء، أي: إكماله والعود لتلافيه وغير ذلك، لا إن مشيها سواء في الوجوب، فلفظ عليهما متعلق بنذر لا بسواء.
[الحج بحرًا للمرأة: ]
وإلا في ركوب البحر حيث يباح للرجل فليست مثله في ذلك، ولا يعلم من مخالفتها له عين الحكم؛ لأنه يحتمل أنه يكره لها، أو يجوز أو النهي عنه.
وأشار المؤلف لتقييد عياض ما وقع لمالك من عدم ركوبها البحر بالسفن الصغار لعدم الأمن حينئذ من انكشاف عورتها، لا سيما عند قضاء الحاجة، بخلاف السفن الكبار.
وحيث تختص بمكان تستتر به فيجوز، كذا في التوضيح عن عياض، قال الشارح: وإليه أشار بقوله: إلا أن تختص بمكان، فلا يكره.
وقال البساطي: إلا أن تختص بمكان فيجب. انتهى، وهو واضح.
وإلا في زيادة محرم، أطلق المحرم ليعم النسب والصهر والرضاع؛ لخبر: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسافة يوم وليلة
стр. 1278
إلا ومعها ذو محرم" (١)، وروي: "فوق ثلاث" (٢)، و"يومين"، و"ليلة"، و"يوم" (٣)، و"بريد".
وحمل الاختلاف على اختلاف السائل، وكراهة مالك سفرها مع ربيبها إما لفساد الزمان، وهو الظاهر في زماننا، وإما لخوف ضيقها؛ لما بينهما من العداوة، واستظهره المصنف.
ابن عات: كافلها كأبيها.
ابن فرحون: وهل عبدها محرم أو لا؟ قولان:
وعلى الأول هل يشترط كونه وغدًا، أو لا وصحح؟ قولان. انتهى. والأظهر الأول في هذا الزمان، بل كونه لغير المحرم مطلقًا.
أو إلا مع زوج لا محرم معها، وألحقوه بالمحرم من باب أولى.
[خروجها في رفقة: ]
ثم شبه بالمحرم أو الزوج فقال: كرفقة أمنت تلك الرفقة، بقيد كون حج المرأة بفرض للعلة، وهو عدم الخوف عليها معها، وأما التطوع فلا تسافر إلا مع محرم أو زوج، وشهره ابن بزيزة، وظاهره: أنه لا فرق بين شابة وعجوز، وهو كذلك؛ لعموم امرأة الواقع نكرة في سياق النهي في الحديث السابق، وهو قول الجمهور. البساطي: في فرض متعلق بالتشبيه؛ لما فيه من معنى الفعل، أي: ويشبه المحرم رفقة أمنت في فرض، وقول
стр. 1279
الشارح: (إنه متعلق بأمنت) لا معنى له، انظر تقرير ذلك في الكبير.
[صفة الرفقة: ]
وفي الاكتفاء من الرفقة بنساء فقط أو رجال فقط، أي: يكتفى بأحد النوعين فلا يشترطان معًا، وشهره ابن الحاجب وابن رشد، أو لا يكتفى إلا بالمجموع منهما، وشهره يوسف بن عمر: تردد للأشياخ في فهم قول الإمام: تخرج مع رجال ونساء.
ولما قرره البساطي بنحو ما قررناه قال: هل الواو باقية في كلام الإمام على حالها، فلا بد من المجموع، أو هي للجمع الذي يقصد به الحكم على أحد النوعين.
وظهر لك أن في قوله: (أو بالمجموع) نظر، لأنه لم يقل أحد أنه لا يكفي المجموع. انتهى (١).
стр. 1280
[الحج بالمال الحرام: ]
وصح الحج فرضًا أو نفلًا بالحرام صفة لمال محذوف، وعصى سواء غصبه، أو سرقه، أو اختلسه، أو أخذه حرابة عند الجمهور، خلافًا للشافعية.
[أفضلية الحج على الغزو: ]
وفضل حج على غزو، ويقصد به فتح [بلاد] الكفار المأمونة؛ لأنه لا يخلو من غرض دنيوي، إلا لخوف، فلا يفضل الحج على الغزو؛ لتعيين كل منهما، وانظر هل يستويان حينئذ، أو الغزو أفضل، وقرره البساطي على الثاني.
[أفضلية الركوب في الحج: ]
وفضل عند مالك ركوب في الحج على مشي فيه؛ لفعله ﵊، ولأنه أمكن في أداء الفرض، وأقرب للشكر والرضى.
[أفضلية القتب: ]
وفضل حج مقتب على ركوب بمحمل ونحوه؛ لفعله ﵊، ولولا أنه ﷺ فعله لكان المحمل ونحوه أفضل؛ لأنه أقرب للشكر.
стр. 1281
[التطوع عن الميت: ]
وفضل تطوع وليه -أي: ولي الميت- عنه بغيره، أي: بغير الحج، ونحوه في المدونة مقيدًا بما لم يوص، وربما يؤخذ القيد من قوله: (تطوع)، وفسر غيره بقوله: كصدقة ودعاء وهدي وعتق، وكانت هذه أفضل لقبولها النيابة إجماعًا دونه.
[إجارة الضمان: ]
وفضلت إجارة ضمان فيه على إجارة بلاغ، وإن كان المشهور كراهتهما كما سيأتي، ولما كانت إجارة الضمان أفضل، وهي أن يؤجر نفسه ليحج بأجرة معلومة يملكها ويتصرف فيها ما شاء، والثانية أن يعطى له مال على أن ينفق منه ويرد الباقي، وفيه من المشقة ما لا يخفى، فالمضمونة في الحج كغيره، أي: كهي في غير.
وتعينت الإجارة المضمونة في الإطلاق عن بيان صفتها من مضمونة وبلاغ عند الإيصاء، كقوله: استأجروا من يحج.
كميقات الميت يتعين عند الإطلاق فيحرم الأجير عن المصري من الجحفة.
وظاهره: ولو أوصى وهو باليمن، وهو ظاهر ما نقله اللخمي وغيره عن ابن القاسم.
أشهب: من ميقات موضع إيصائه. واستحسنه اللخمي.
وله -أي: الأجير مطلقًا، سواء كان على الضمان أو البلاغ من الأجرة- بالحساب إن مات في أثناء العمل قبل الإحرام أو بعده - فيعطى قدر سيره، ويرد الباقي، ويعتبر ذلك بسهولة الطريق وصعوبته، وأمنه وخوفه (١)، لا بالمسافة؛ لأنه ربما ساوى ثلثها لصعوبته نصفها لسهولته.
стр. 1282
ثم بالغ على أن له بالحساب ولو مات بمكة قبل التمام على المشهور، ونبه بـ (لو) على خلاف ابن حبيب: إنه يستحق الجميع بالوصول.
أو صد عطف على (مات)، وله بالحساب إن صد بمرض أو عدو أو حصر حتى فاته الحج، فيعطى لموضع صد فيه.
وله البقاء على إحرامه لقابل: صفة لعامل محذوف؛ لإتمام ما استؤجر عليه، واختاره ابن أبي زيد.
وقول الشارح تبعًا لتوضيح المصنف: (وكذلك المستأجر إذا أراد ذلك) غير ظاهر في صورة اختيار كل منهما ما يخالف اختيار الآخر (١).
стр. 1283
وإذا لم يبق لقابل وأريد تتميم الأول استؤجر من موضع الانتهاء من عمل الأول، كذا قرره الشارح، ويحتمل أنه يجب على الموصي الاستئجار من موضع الانتهاء، لا من موضع الابتداء.
[ما لا يجوز اشتراطه للأجير: ]
ولا يجوز للأجير اشتراط كهدي تمتع عليه، أي: على المستأجر
стр. 1284
بالكسر؛ لأن ذلك لازم للأجير يفعله، ولأن الهدي مجهول الصفة والجنس والثمن عند الإطلاق، وذلك مؤد للجهالة في الأجرة، وجعل الشارح ضمير (عليه) للأجير.
قال في الكبير: وحمله عليه ربما يخالف ظاهر ما في المدونة؛ ففيها: وإذا أخذ المال على الأجرة فكلما لزمه من تعمد أو خطأ فهو في ماله، وإذا كان لازمًا له في الأصل فلا يضر اشتراطه عليه.
[صحة عقد الأجرة: ]
وصح عقد الإجارة إن لم يعين العام الذي استؤجر على الحج فيه، خلافًا لابن العطار للجهل، وحيث لم يعين العام تعين العام الأول؛ لأنه أقرب زمان يمكن وقوع الفعل فيه.
وفضل تعيين العام الذي يحج فيه على عام مطلق، وقرره الشارح بأنه يصح العقد على عام مطلق في غير سنة بعينها، وقرره البساطي بنحو ما قلنا، واستبعد تقرير الشارح قائلًا: كأنه رأى أنه يتكرر مع قوله: (وصح إن لم يعين العام) وعندي أن الصورة الأولى إذا قال: (حج عني)، ولم يقيد بعام، ولم يطلق، فيحمل على أول سنة، وهذه مقيدة بالإطلاق، كـ: حج عني متى شئت. انتهى.
[الجعالة: ]
وفضلت الإجارة المضمونة على الجعالة، وهي: أن يشترط عليه أنه إن وفى بجميع أفعال الحج أخذ الأجرة، وإلا فلا شيء له، للغرر، ونحو هذا التقرير للبساطي.
قال: واقتضى هذا الكلام صحة الجعل، وقد نص عليه جماعة من الموثقين، وعلى نحو هذا حمله الشارح، وهو بعيد. انتهى.
وحج الأجير وجوبًا على حسب ما فهم من حال الموصي من ركوب مقتب أو محمل أو غيره، وجنى الأجير على مال الموصي إن وفي به دينه ومشى لفعله ما لا يحل له، ونحوه للبساطي.
стр. 1285
قال: وقرره الشارح على أنه إذا وفى دينه فهي جناية، والحكم أن يمشي.
[حد أجرة البلاغ: ]
والبلاغ الذي تقدم أن المضمونة أفضل [منه]: إعطاء الأجير مما ينفقه على نفسه بدءًا بسكون الدال المهملة مهموز مقصور -أي: في ذهابه- وعودًا في رجوعه نفقة مثله فيما يحتاج إليه من كعك وزيت وخل ولحم، المرة بعد المرة، ويكون ذلك بالعرف في ذلك مما يحتاج له من وطاء وغطاء، وفي ما لزمه عن هدي وفدية لم يتعمد موجبهما، كأن يقع ذلك منه اضطرارًا، كمن أغمي عليه فرمي عنه أو سهوًا.
قال البساطي: وأطلق التعمد هنا في مقابلة المضطر والمغلوب والغالط. انتهى.
[إسراف الأجير في الإنفاق: ]
وإن تعمد ففي ماله، وإذا فرغ رد ما فضل، وإن أسرف في الإنفاق رجع عليه بالسرف الخارج عن العرف، كعمله أو شرائه هديًا مما لا تعلق له بالحج. واستمر أجير البلاغ على عمله إن فرغ ما معه من النفقة حتى يتم عمله، وليس له قطعه، وإذا أنفق شيئًا رجع بنظير ما أنفقه.
[مرض الأجير: ]
أو أحرم ومرض بعد إحرامه فمنعه المرض من الحج، فإنه يستمر على نفقته ما دام محرمًا، ولو طال؛ لأنه على ذلك انعقدت إجارته، وهذا حيث لم يكن العام معينًا.
[ضياع النفقة: ]
وإن ضاعت نفقته أجير البلاغ قبله -أي: الإحرام- رجع، وله النفقة في رجوعه، فإن تمادى فلا شيء له في ذهابه ولا في رجوعه إلى موضع الضياع، وأما منه إلى موضع ابتدائه فله النفقة.
стр. 1286
قال المصنف في مناسكه: ينبغي في هذا الزمان أن يكون حكمه حكم الأجير قبل الإحرام؛ لعدم إمكان الرجوع.
[الضياع بعد الإحرام: ]
وإلا بأن لم تضع النفقة لم يرجع، وإذا لم يرجع فنفقته على آجره بالمد؛ لأن العقد باق، وأحكامه باقية، وكذا في توضيحه، وعزاه لسند، وقرره الشارح على ما إذا ضاعت بعد الإحرام، وهي مسألة ابن الحاجب، فرضها في التلف، فقال: وإن تلفت بعده ولا مال للميت فالنفقة على المستأجر، وإن كان له مال فقولان. انتهى.
ومذهب المدونة أن نفقته على آجره، سواء كان للميت مال أو لا؛ لأنه مفرط بتركه الإجارة المضمونة، ويمكن شمول كلام المصنف للمسألتين ضياعه بالإنفاق قبل الإحرام أو تلفه منه بعد الإحرام، لأن التلف نوع من أنواع الضياع.
[فرع: ]
ثم استثنى من قوله نفقته على آجره، فقال: إلا أن يوصى الميت بالبلاغ، ويضيع المال من الأجير، ففي بقية ثلثه -أي: يرجع الأجير إن لم يقسم مال الموصي اتفاق على الأجر- ولو قسم مال الموصي، ولو سكت عن إشارته للخلاف لكان حسنًا، لأنه يقتضي أنه منصوص، وليس كذلك، وإنما هو مخرج.
[مسألة: ]
وإذا اشترط على الأجير أن يحج في عام معين فحج قبله أجزأ إن قدم على عام الشرط، كمن قدم دينًا قبل محله، أو شرط عليه الحج وزيارة رسول اللَّه ﷺ فحج وترك الزيارة أجزاه حجه إن تعذرت عليه، ورجع عليه بقسطها من الأجرة، قاله ابن أبي زيد، كذا في التوضيح، وتبعه الشارح، ولذا تعقب البساطي كلامه هنا، بأن ظاهره: ولو تركهما عمدًا، وكلامهم أنه منع.
стр. 1287
ثم عطف على ما يجزئ، فقال: أو خالف الأجير إفرادا اشترطه عليه الوارث لغيره -أي: الإتيان بغيره من تمتع أو قران- فإنه يجزئه في التمتع عند مالك، ورجع إليه ابن القاسم.
ويجزي في القران عند أكثر أصحاب مالك إذا تمتع لم تن فسخ الإجارة ، ويعيد إن كان العام غير معين.
وهذا إن لم يشترطه الميت بأن كان المشترط هم الورثة، وإلا بأن اشترط الميت الإفراد وخالف الأجير فقران أو تمتع فلا يجري، وهذا مفهوم الشرط، ذكره ليرتب عليه ما بعده.
ثم شبه بالمستثنى في عدم الإجزاء، فقال: كتمتع اشترط عليه، فأتى بقران، أو عكسه اشترط عليه فأتى بتمتع، أو هما -أي: اشترط عليه أحدهما، أي: التمتع أو القران- فخالفه، وأتى بإفراد لم يجزئه.
قال في الذخيرة: لإتيانه بخلاف المعقود عليه.
وقد تخلص من كلامه ستة أوجه، ثم عطف على المستثنى من قوله وإلا فلا قوله: أو خالف الأجير ميقاتًا شرط عليه الإحرام منه.
قال في الذخيرة: عدم الإجزاء هو ظاهر المدونة، ويرد المال، إن فات الحج المعين.
وقول الشارح: (ميقاتًا معطوف على إفراد) غير صحيح؛ لاقتضائه الجواز، وهو قد قرره على المنع.
[فسخ الإجارة: ]
وإذا خالف الأجير الميقات المشترط فسخت الإجارة إن عين العام الذي يحج فيه أو عدم، يحتمل العام، بأن فات قبل أن يحج الأجير، وهذا على إثبات أو، وأما على ما في بعض النسخ: (وعدم) فيحتمل أن يعين العام وعدم الحج فيه، فتكون المسألة واحدة، وهو كذلك على أحد القولين، ويحتمل الأجير إن مات أو تنصر أو زال عقله ونحو ذلك.
стр. 1288
كغيره -أي: غير المعين- بأن استؤجر على عام غير معين، وشرط عليه الإفراد، فخالف وقرن انفسخت الإجارة، وأحرى الفسخ مع تعين العام، ونحو هذا للشارح، وذكر البساطي في تقرير هذا ثلاثة أوجه، انظر الكبير.
أو صرفه الأجير لنفسه -أي: أحرم عن نفسه- ظاهره: كان العام معينًا أو لا، وفي غير المعين قولان، كذا قرره الشارح في الكبير والأوسط، وتبعه البساطي، وقرره الشارح في الصغير على ما في الذخيرة، وهو أن الأجير يحرم عن الميت ثم يصرفه لنفسه فلا يجزي عن واحد منهما، ولا يستحق أجرة.
وأعاد من اشترط عليه الإفراد أو القران ما استؤجر عليه من الإفراد في عام قابل، إن خالف وتمتع لعدم اشترط عليه القران، وأطلق فتمتع، فإنه يعيد.
قال: وفي كلامه شيء، وهو أن إعادة المتمتع مشروطة بعدم التعيين، ويحتمل أن يؤخذ من كلامه. انتهى.
وفي لفظ (أعاد) شيء عند من يرى أنها لا تكون إلا في الشيء بعينه.
[الاعتمار عن نفسه: ]
وهل تفسخ الإجارة إن اعتمر أجير الحج عن نفسه من الميقات وحج عن الميت من مكة في العام المعين، وعليه أن يحج عن الميت حجة أخرى من الموضع الذي استؤجر فيه، لا من الميقات؛ لأنه لما اعتمر عن نفسه فكأنما خرج لذلك، كذا فهم المدونة بعض شيوخ ابن يونس مع كثير على عموم نفي الإجزاء.
أو إلا أن يرجع للميقات فيحرم عن الميت فيجزيه؛ لأنه لم ينقصه شيء حينئذ، وهو فهم ابن يونس للمدونة؛ تأويلان في قولها: ومن أخذ مالًا ليحج عن الميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة لم يجزئ ذلك عن الميت، وعليه أن يحج حجة أخرى، وحملها
стр. 1289
ابن يونس على الرجوع للميقات قطعًا، نحوه في التوضيح؛ فإنه قال فيه: الفسخ في المعين، وإذا لم يكن العام معينًا فلا فسخ.
[النيابة في الحج: ]
ومنع استنابة شخص صحيح لغيره في حج فرض، وهو من إضافة المصدر لفاعله.
وإلا بأن استناب الصحيح في تطوع أو العاجز فيه أو في فرض أو نفل كره، كما صرح به في الجلاب، وظاهر قول ابن الحاجب: ولا استنابة للعاجز على المشهور المنع.
قال المصنف: وهو ظاهر ما حكاه اللخمي.
ثم حمل كلام ابن الحاجب على الكراهة، وظاهره: أنه لا فرق بين القريب والأجنبي، وهو كذلك على المشهور.
ثم شبه في الحكم، فقال: كبدء ضرورة مستطيع (١) به عن غيره قبل حجة عن نفسه، ومفهوم (مستطيع) جوازه للعاجز، وهو كذلك.
[إجارة النفس: ]
وكره للشخص إجارة نفسه للحج على المشهور، مالك لأن يؤاجر الرجل نفسه في عمل اللبن والحطب -وروي وسوق الإبل- أحب إلى اللَّه
стр. 1290
من أن يعمل للَّه عملًا بأجرة، وهذه دار الهجرة، لم يبلغنا أن أحدًا منذ زمان رسول اللَّه ﷺ حج عن أحد، ولا أمر به، ولا أذن فيه، والشاذ جوازه.
[نفاذها من الثلث: ]
ونفذت الوصية به -أي: بالحج- وتكون من الثلث كغيرها من الوصايا، وإن كرهت؛ مراعاة للخلاف، ولو أوصى بمال وحج، ولم يتبع الثلث إلا أحدهما بدئت الوصية بالمال.
ابن رشد: وهو الصحيح من المذهب (١).
[مسألة: ]
ومن أوصى بمال يحج به عنه، أو يحج عنه بثلثه حج عنه به حجج متعددة إن وسع المال أو الثلث، وقال الموصي: يحج به، وظاهره: تكرار الحج، ولو كثر المال أو الثلث.
لا إن وسع، وقال: يحج منه، فلا يحج عنه غير مرة؛ لظهور التبعيض، وإلا بأن لم يسع المال أو الثلث حججًا متعددة، أو لا يسع واحدة فميراث، يحتمل ولو قال الموصي: يحج به أو منه، فيكون الاستثناء من المسألتين.
ويحتمل كونه من الأولى فقط، وحمله الشارح على ما إذا سمى قدرًا، ولم يجد ما يحج به من موضع الميت، ولا من مكة فهو ميراث، ثم جوز كونه من الثانية، قائلًا: والأول أظهر؛ لقوله: ميراث.
стр. 1291
ولو أراد الثاني لقال: والباقي ميراث، وقرره في الصغير على الثانية، فقال: إن لم يسع الثلث أن يُحجَّ به حجج، بل أشبه أن يحج به واحدة، رجع الباقي ميراثا.
ثم شبه لإفادة الحكم في مسألتين:
الأولى قوله: لوجوده -أي: من يحج عن الموصي بقدر معين- بأقل مما سمى، والثانية قوله: أو تطوع غير بالحج عمن أوصى أن يحج عنه بمال، فإن المال يرجع ميراثًا عند ابن القاسم.
وهل رجوع الباقي ميراثًا في مسألة وجوده بأقل مطلقًا، سواء قال: يحج عني فلان أو رجل بهذا القدر، أو لم يقل فلان ولا رجل، أو يعود الباقي ميراثا، إلا أن يقول: يحج عني بكذا، ولم يسم أحدًا فحجج، أي: ينفذ فيها، ولا يرجع الباقي ميراثًا؟ تأويلان في فهم قولها: إذا قال: حجوا عني بأربعين دينارًا، ففضل منها فضلة، أو رضي الأجير بثلاثين، فإن البقية ترجع ميراثًا. انظر كلام ابن المواز في الشرح الكبير.
البساطي: الظاهر أن الترديد متعلق بقوله: لا منه، يعني: إذا قال: يحج من ثلثي حمل على حجة أخرى، وإن قال: من ثلثي بكذا أو وسع فهل يرجع الباقي ميراثًا نظرًا للأول، أو يحج عنه مرارًا، نظرًا لكذا. انتهى. ونحوه للشارح في الوسط.
[مسألة: ]
ودفع القدر المسمي كله في الإيصاء لمن يحج به عنه، وإن زاد المسمى على أجرته إذا أوصى لمعين، وذلك المعين لا يرث الموصي بالفعل فهم عن الموصي إعطاؤه -أي: المسمى- له؛ لأنه حينئذ وصية له.
تنبيه:
لو قال: حجوا غيره، وادفعوا إلى ما زاد، لم يعطه؛ لأنه وصية بشرط الحج.
وفهم من قوله: (لا يرث) أنه لو كان وارثًا لم يزد شيئًا على الكراء
стр. 1292
والنفقة، وأنه لو لم يفهم إعطاؤه الجميع أو فهم غير ذلك لم يزد على أجرته شيئًا.
[مسألة: ]
وإن عين الموصي غير وارث يحج عنه، فقال: أحجوا عني زيدًا فدونها فواضح، وإلا زيد إن لم يرض بأجرة مثله ثلثها نائب فاعل زيد، فإن رضي بها مع ما زيد عليها فلا كلام.
ثم إن لم يرض بذلك تربص -أي: استؤني له قليلًا- لعله يرضى، فإن رضي فواضح، ثم إن لم يرض بذلك أوجر للضرورة، وهو الذي لم يحج فرضه مع قدرته.
فقط قيد في الضرورة، وأما غير الضرورة فيرجع ميراثًا إذا لم يرض، ويستأجر عن الضرورة غير عبد وصبي؛ لينزل حجة منزلة حج الموصي.
ثم بالغ فقال: وإن استؤجر عن الضرورة الذكر امرأة؛ إذ لا يشترط إيقاع جميع أفعال الحج على نحو ما يفعله الموصي؛ لمخالفة المرأة الرجل في صفة الإحرام والرمل في الطواف والسعي، وإن وافقته في تعلق الوجوب في أصل الفعل، وفيه تنبيه على مخالفة مانع نيابتها عنه.
البساطي: ومفهوم (إن لم يرض. . إلخ) أنه لو دفع له دون أجرة المثل وأبي لا تعتبر الزيادة على الثلث على القدر المدفوع. انتهى.
ومفهوم الشرط: أنه لا يزاد شيئًا إذا رضي، ومفهوم الصفة: أنه لا يزاد إذا سمى، وهو كذلك، ويستأجر غيره للضرورة، ويرجع ميراثًا في غيره.
وقوله: (غير عبد وصبي) إذا لم يوص (١) أن يحج عنه أحدهما، فإن أوصى (٢) نفذ ذلك، إن أذن ربه وأبوه، ونحوه في المدونة.
стр. 1293
ومفهوم (ضرورة) جواز استئجار العبد والصبي لغيره، أوصى لها أو لا.
[ما لا يضمنه الوصي: ]
ولم يضمن وصي للضرورة بالغ، ثم ظهر خلافه على ظاهر المذهب، وإن لم يوجد من يحج عن الميت بما سمي من مكانه، إذا لم يسم مكانًا، بأن قال: حجوا به عني، حج عنه من المكان الممكن الحج منه بذلك اتفاقًا.
ثم بالغ فقال: ولو سمى مكانًا، كقوله: من بلد كذا، فإنه يحج عنه من الممكن عند ابن القاسم في أحد قوليه: ولا يرجع ميراثًا، وعلى قوله الآخر: يرجع ميراثًا.
إلا أن يمنع الموصي نصًّا، كـ: لا يحج عني إلا من موضع كذا، ويفهم ذلك عنه، لميراث أي: فلا يحج عنه من الممكن، ويرجع ميراثًا اتفاقًا.
وتلخص من كلامه ثلاث صور:
- لا يذكر الميت موضعًا، بل يقول: حجوا عني.
- أو يسمي بلدًا، فيقول: من هنا تسمية مطلقة.
- أو يسمي تسمية مقيدة بالنص، كـ: لا يحج عني إلا من هنا، أو يفهم ذلك عنه.
[إشهاد الأجير: ]
ولزمه -أي: الأجير- الحج بنفسه على ما اختاره ابن عبد البر؛ بناء على تعلق الفعل بنفسه لا بذمته، وهذا حيث لا قرينة، وأما معها فيمنع اتفاقًا.
لا الإشهاد عند الإحرام بأنه أحرم عن فلان فلا يلزمه، وأفتى به أبو عمران.
стр. 1294
إلا أن يعرف -أي: جرى به العرف- فيلزمه، فلو عرف عدمه أو لم يكن عرف يلزمه، وقام وارثه -أي: وارث الموصي أو الأجير- مقامه في قول الموصي: من يأخذه -أي: المال- في حجه، ومات الموصي، فلوارثه تعيين الأجير للحج.
وكذا إن مات الأجير قام وارثه مقامه، فإن مات قبل الإحرام أحرم الوارث إن لم يفت، وإن فات نظر في السنة: هل هي معينة أو لا، ويحرم من ميقات الميت، ولا يعتد بما فعل مورثه.
[لا يسقط الفرض بحج الأجير: ]
ولا يسقط بحج الأجير فرض من حج عنه، قال: وإنما له أجر النفقة، إن أوصى أن يستأجر من ماله، وله أجر الدعاء إن تطوع أحد عنه، حكاه المصنف عنه في مناسكه، ولما لم يستحضره البساطي قال: فإن قيل: كيف تصح الإجارة، ومن شرطها الانتفاع؟
قيل: إنه ينتفع بثواب النفقة والدعاء، وحمله الشارح على البدل، ولا يخفى أن ثواب النفقة إنما يحصل إذا كانت وسيلة إلى مقصد فيه ثواب، والحج على هذا التقرير لا ينتفع به الميت ولا الأجير؛ لأنه لم ينوه عنه، والظاهر بعد تسليم أن الحج لا يسقط أن للميت ثوابه كحج النفل.
[ركن الحج والعمرة: ]
وركنهما -أي: الحج والعمرة المتقدم ذكرهما- الإحرام، ويأتي بيانه؛ إذ كل عبادة لها إحلال لم يصح دخولها إلا بالإحرام كالصلاة، ووقته لهما مختلف.
[ابتداء الإحرام في الحج ومنتهاه: ]
فابتداؤه للحج شوال، ومنتهاه لآخر الحجة على المشهور، ولما كان وقته يحتمل أنه الذي يقع فيه، ولو مع الكراهة، والذي لا ينعقد إلا فيه كالصلاة، وهما قولان، بين أن المراد الأول، فقال: وكره الإحرام به قبله، وينعقد.
стр. 1295
وفرق بينه وبين الصلاة بمباينتهما في أمور شتى، وبأنه لا يمكن فراغه قبل وقته بخلاف الصلاة، كمكانه يكره الإحرام به قبله، وينعقد سواء قرب مكانه من الميقات أو بعد على ظاهر المدونة، وهو الذي يحكيه العراقيون عن المذهب.
وفي الموازية: يكره في القريب لا البعيد.
وفي جواز الإحرام بغير كراهة من رابغ؛ لأنه أول الميقات، ومن أعمال الجحفة، ومتصل بها؛ لاتفاق الناس على ذلك، وهو رأي الزواوي (١)، ومال إليه تلميذه عبد اللَّه المنوفي شيخ المؤلف، وكراهته وهو رأي عبد اللَّه بن الحاج، لأنه قبل الجحفة: تردد، لعدم نص المتقدمين.
وصح الإحرام مع تقدمه على زمانه ومكانه، لا يؤمر بقطعه كالنافلة بعد العصر لعدم ارتفاضه.
[وقت الإحرام في العمرة: ]
ووقت الإحرام للعمرة أبدًا، أي: كل وقت من السنة، إلا المحرم بحج، فلا يصح له أن يحرم بها، ويستمر هذا الحكم لتحلله منه الأصغر والأكبر، وهما رمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة، فاللام للغاية؛ إذ لا تدخل العمرة على الحج، كما يأتي، ولا يجوز فسخه فيها.
وإن أحرم بها في أيام الرمي قبل رميه لم تلزمه، وإذا أحرم بها بعد تمام رميه من آخر أيام الرمي، وقد كان قد حل من إفاضته لزمته.
ومفهوم (بحج) مفهوم موافقة؛ إذ لا يصح إحرامه بها على عمرة أخرى، وأيضًا إنما تمتنع العمرة في أيام التشريق في حق من حج لكونه
стр. 1296
متلبسًا بأفعال الحج، وأما من لم يحج فله إيقاع العمرة فيها.
وكره الإحرام بها بعدهما -أي: التحليلين- وقبل غروب الشمس من اليوم الرابع من أيام التشريق، وينعقد، وسواء تعجل في يومين أو لا.
[الميقات المكاني: ]
ولما كان الميقات المكاني يختلف بالنسبة للمكي والآفاقي، ويختلف أيضًا باختلاف أهل الآفاق، بين ذلك بقوله: ومكانه له -أي: موضع الإحرام للحج- للمقيم بمكة، سواء كان من أهلها أو مقيمًا بها وأراد الحج، فميقاته مكة يحرم حيث شامتها.
وندب المسجد الحرام -أي: جوفه لا بابه- ثم شبه في الاستحباب فقال: كخروج ذي النفس (١) الآفاقي الداخل لمكة بعمرة في أشهر الحج.
والنفس: بفتح الفاء السعة في الزمان.
لميقاته ليحرم منه؛ ففي المدونة: ومن دخل من أهل الآفاق في أشهر الحج بعمرة وعليه نفس فأحب إلى أن يخرج إلى ميقاته، فيحرم منه بالحج، ولو أقام حتى يخرج من مكة كان ذلك له.
عبد الحق: استحب له هذا الخروج لميقاته، وفي التي قبلها أن يحرم من المسجد، وإن كان قد دخل بعمرة في المسألتين؛ لأن عليه نفسًا، والأول في ضيق من الوقت.
[الميقات للعمرة: ]
والميقات لها -أي: للعمرة الحل، فلا بد أن يخرج فيها لأدناه، ولو بخطوة من أي جهة أراد.
стр. 1297
والميقات للقران الحل، فلا يحرم إلا منه على المشهور؛ إذ لو أحرم من مكة لزم عدم الجمع في العمرة بين الحل والحرم؛ لأن خروجه لعرفة خاص بالحج.
ابن القاسم: فإن أحرم من الحل فلا يسعى إذا دخل مكة؛ لأن سعيه للحج، ومن أحرم بالحج من مكة أخر سعيه حتى يفيض.
والجعرانة: بسكون العين، وقد تكسر وتشد راؤها، موضع بين مكة والطائف.
الشافعي: كسر العين وشد الراء خطأ.
أولى -أي: أفضل من غيرها- من الحل؛ لفعله ﷺ ، ثم التنعيم يليها في الفضل على غيره؛ لأنه ﵊ أمر عبد الرحمن أن يخرج بأخته عائشة له، وهو المعروف الآن بمسجد عائشة، ويسمى بذلك لأن عن يمينه جبل نعيم، وعن يساره جبل نعيم، واسم الوادي نعمان.
وإن لم يخرج من أحرم بالعمرة ضمن الحرم للحل بل أحرم بها من الحرم وطاف وسعي أعاد طوافه وسعيه بعده، أي: بعد خروجه للحل لوقوعهما بغير شرطهما، وأهدى على الأصح إن حلق بعد سعيه الفاسد؛ لأنه حلق، وهو محرم.
ومفهوم الشرط: لا شيء عليه إن لم يحلق غير إعادة الطواف والسعي، ثم يحلق أو يقصر.
[الميقات المكاني للآفاقي: ]
ولما بين الميقات المكاني للحج والعمرة لمن بمكة ذكر ميقاتهما للآفاقي، فقال: وإلا يكن بمكة من أراد الإحرام بهما أو بأحدهما فلهما ذو الحليفة للمدني ومن وراءه، وهي بضم الحاء المهملة وفتح اللام والفاء من مياه بني جشم في الأصل، على ستة أميال أو سبعة من المدينة، وهي أبعد المواقيت من مكة على نحو عشر مراحل أو تسع؛ ولهذا الميقات خصوصية، وهي أن المحرم منه يحرم من حرم، ويحل في حرم؛ ففيه شرف الابتداء والانتهاء.
стр. 1298
والجحفة لأهل المغرب ومصر والشام، بجيم مضمومة فحاء مهملة ساكنة، قرية بين مكة والمدينة، سميت به؛ لأن السيل أجحفها، وتسمي أيضًا مهيعة، بسكون الهاء وكسرها على ثمان مراحل من المدينة.
وقيل: سبعة.
ويلملم لأهل اليمن، بفتح المثناة التحتية وبلامين بينهما ميم ساكنة، وتقال: ألملم بهمزة بدل المثناة، على مرحلتين من مكة، وهي جبل من تهامة.
وقرن لأهل نجد، بفتح القاف وسكون الراء، وهو قرن المنازل، لا قرن الثعالب.
وفي منسك المصنف: قرن المنازل والثعالب.
وذات عرق لأهل العراق وفارس وخراسان موضع بالبادية، قال الشارح: ولم أقف على من ذكر قربه من بعده من مكة.
وقال الكمال الدميري وغيره: على مرحلتين من مكة.
تكميل:
قال سند: هذه المواقيت معتبرة بأنفسها، لا بأسمائها، فلو كان الميقات قرية وخربت وانتقلت عمارتها واسمها إلى موضع آخر كان الاعتبار بالموضع الأول؛ لتعلق الحكم، فلا يزول عنه.
وروى ابن عيينة (١) عن عبد الكريم الجزري (٢) أنه قال: رأى سعيد بن
стр. 1299
جبير (١) رجلًا يريد أن يحرم من ذات عرق فأخذ بيده حتى خرج به من البيوت وقطع به الوادي فأتى المقابر، ثم قال: هذه ذات عرق الأولى. انتهى.
[ميقات القريب من مكة: ]
ومسكن دونها -أي: مسكن من هو أقرب من هذه المواقيت إلى مكة- هو ميقاته، قال في المدونة: كأهل قديد وعسفان ومر الظهران.
وترك المصنف ذكر أصحاب هذه المواقيت اتكالًا على شهرته؛ ففي الصحيحين عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم (٢).
وقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن أراد الحج
стр. 1300
والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث نشأ حتى أهل مكة من مكة".
زاد مسلم: "وأهل العراق من ذات عرق" (١). انتهى.
وهذا التحديد منه ﷺ حتى ذات عرق واختاره صاحب الاستذكار.
عياض: هو من معجزاته ﵊.
واختلف: هل هو تحديد؟ القرافي: وهو المذهب، أو تقريب؟ وهو قول ابن حبيب: قولان.
وفي الذخيرة: يروى أن الحجر الأسود كان له نور في أول أمره يصل إلى آخره إلى هذه الحدود، فمنع الشارع تجاوزها لمريد الحج تعظيمًا لتلك الآيات (٢).
[محاذاة الميقات: ]
وحيث حاذى مريد الإحرام واحدًا من هذه المواقيت، أو صار بإزائه مع بعده عنه، ولم يمر به، فميقاته موضع محاذاته بالاجتهاد، وفي منسك المصنف: من حاذى ميقاتين فهو كمن مر بهما.
[المرور بغير ميقاته: ]
أو مر مريد الإحرام بميقات غير ميقاته -أي: ملاصق- ويحتمل أن يريد أن معنى حاذى ومر واحد، وهو ظاهر قول البساطي، استثنى من لزوم الإحرام المحاذي من كان ميقاته بعد الحليفة، إذا مر بالحليفة، فإنه يجوز له التأخير إلى ميقاته، والأولى له الإحرام من الحليفة، كمصري يمر بذات عرق فميقاته ما مر به للخبر السابق.
[المرور بالميقات بحرًا وجوًا: ]
وبالغ بقوله ولو ببحر للتنبيه على ظاهر المذهب، وعلى مخالفة قول