متلبسًا بأفعال الحج، وأما من لم يحج فله إيقاع العمرة فيها.
وكره الإحرام بها بعدهما -أي: التحليلين- وقبل غروب الشمس من اليوم الرابع من أيام التشريق، وينعقد، وسواء تعجل في يومين أو لا.
[الميقات المكاني: ]
ولما كان الميقات المكاني يختلف بالنسبة للمكي والآفاقي، ويختلف أيضًا باختلاف أهل الآفاق، بين ذلك بقوله: ومكانه له -أي: موضع الإحرام للحج- للمقيم بمكة، سواء كان من أهلها أو مقيمًا بها وأراد الحج، فميقاته مكة يحرم حيث شامتها.
وندب المسجد الحرام -أي: جوفه لا بابه- ثم شبه في الاستحباب فقال: كخروج ذي النفس (١) الآفاقي الداخل لمكة بعمرة في أشهر الحج.
والنفس: بفتح الفاء السعة في الزمان.
لميقاته ليحرم منه؛ ففي المدونة: ومن دخل من أهل الآفاق في أشهر الحج بعمرة وعليه نفس فأحب إلى أن يخرج إلى ميقاته، فيحرم منه بالحج، ولو أقام حتى يخرج من مكة كان ذلك له.
عبد الحق: استحب له هذا الخروج لميقاته، وفي التي قبلها أن يحرم من المسجد، وإن كان قد دخل بعمرة في المسألتين؛ لأن عليه نفسًا، والأول في ضيق من الوقت.
[الميقات للعمرة: ]
والميقات لها -أي: للعمرة الحل، فلا بد أن يخرج فيها لأدناه، ولو بخطوة من أي جهة أراد.
стр. 1297
والميقات للقران الحل، فلا يحرم إلا منه على المشهور؛ إذ لو أحرم من مكة لزم عدم الجمع في العمرة بين الحل والحرم؛ لأن خروجه لعرفة خاص بالحج.
ابن القاسم: فإن أحرم من الحل فلا يسعى إذا دخل مكة؛ لأن سعيه للحج، ومن أحرم بالحج من مكة أخر سعيه حتى يفيض.
والجعرانة: بسكون العين، وقد تكسر وتشد راؤها، موضع بين مكة والطائف.
الشافعي: كسر العين وشد الراء خطأ.
أولى -أي: أفضل من غيرها- من الحل؛ لفعله ﷺ ، ثم التنعيم يليها في الفضل على غيره؛ لأنه ﵊ أمر عبد الرحمن أن يخرج بأخته عائشة له، وهو المعروف الآن بمسجد عائشة، ويسمى بذلك لأن عن يمينه جبل نعيم، وعن يساره جبل نعيم، واسم الوادي نعمان.
وإن لم يخرج من أحرم بالعمرة ضمن الحرم للحل بل أحرم بها من الحرم وطاف وسعي أعاد طوافه وسعيه بعده، أي: بعد خروجه للحل لوقوعهما بغير شرطهما، وأهدى على الأصح إن حلق بعد سعيه الفاسد؛ لأنه حلق، وهو محرم.
ومفهوم الشرط: لا شيء عليه إن لم يحلق غير إعادة الطواف والسعي، ثم يحلق أو يقصر.
[الميقات المكاني للآفاقي: ]
ولما بين الميقات المكاني للحج والعمرة لمن بمكة ذكر ميقاتهما للآفاقي، فقال: وإلا يكن بمكة من أراد الإحرام بهما أو بأحدهما فلهما ذو الحليفة للمدني ومن وراءه، وهي بضم الحاء المهملة وفتح اللام والفاء من مياه بني جشم في الأصل، على ستة أميال أو سبعة من المدينة، وهي أبعد المواقيت من مكة على نحو عشر مراحل أو تسع؛ ولهذا الميقات خصوصية، وهي أن المحرم منه يحرم من حرم، ويحل في حرم؛ ففيه شرف الابتداء والانتهاء.
стр. 1298
والجحفة لأهل المغرب ومصر والشام، بجيم مضمومة فحاء مهملة ساكنة، قرية بين مكة والمدينة، سميت به؛ لأن السيل أجحفها، وتسمي أيضًا مهيعة، بسكون الهاء وكسرها على ثمان مراحل من المدينة.
وقيل: سبعة.
ويلملم لأهل اليمن، بفتح المثناة التحتية وبلامين بينهما ميم ساكنة، وتقال: ألملم بهمزة بدل المثناة، على مرحلتين من مكة، وهي جبل من تهامة.
وقرن لأهل نجد، بفتح القاف وسكون الراء، وهو قرن المنازل، لا قرن الثعالب.
وفي منسك المصنف: قرن المنازل والثعالب.
وذات عرق لأهل العراق وفارس وخراسان موضع بالبادية، قال الشارح: ولم أقف على من ذكر قربه من بعده من مكة.
وقال الكمال الدميري وغيره: على مرحلتين من مكة.
تكميل:
قال سند: هذه المواقيت معتبرة بأنفسها، لا بأسمائها، فلو كان الميقات قرية وخربت وانتقلت عمارتها واسمها إلى موضع آخر كان الاعتبار بالموضع الأول؛ لتعلق الحكم، فلا يزول عنه.
وروى ابن عيينة (١) عن عبد الكريم الجزري (٢) أنه قال: رأى سعيد بن
стр. 1299
جبير (١) رجلًا يريد أن يحرم من ذات عرق فأخذ بيده حتى خرج به من البيوت وقطع به الوادي فأتى المقابر، ثم قال: هذه ذات عرق الأولى. انتهى.
[ميقات القريب من مكة: ]
ومسكن دونها -أي: مسكن من هو أقرب من هذه المواقيت إلى مكة- هو ميقاته، قال في المدونة: كأهل قديد وعسفان ومر الظهران.
وترك المصنف ذكر أصحاب هذه المواقيت اتكالًا على شهرته؛ ففي الصحيحين عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم (٢).
وقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن أراد الحج
стр. 1300
والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث نشأ حتى أهل مكة من مكة".
زاد مسلم: "وأهل العراق من ذات عرق" (١). انتهى.
وهذا التحديد منه ﷺ حتى ذات عرق واختاره صاحب الاستذكار.
عياض: هو من معجزاته ﵊.
واختلف: هل هو تحديد؟ القرافي: وهو المذهب، أو تقريب؟ وهو قول ابن حبيب: قولان.
وفي الذخيرة: يروى أن الحجر الأسود كان له نور في أول أمره يصل إلى آخره إلى هذه الحدود، فمنع الشارع تجاوزها لمريد الحج تعظيمًا لتلك الآيات (٢).
[محاذاة الميقات: ]
وحيث حاذى مريد الإحرام واحدًا من هذه المواقيت، أو صار بإزائه مع بعده عنه، ولم يمر به، فميقاته موضع محاذاته بالاجتهاد، وفي منسك المصنف: من حاذى ميقاتين فهو كمن مر بهما.
[المرور بغير ميقاته: ]
أو مر مريد الإحرام بميقات غير ميقاته -أي: ملاصق- ويحتمل أن يريد أن معنى حاذى ومر واحد، وهو ظاهر قول البساطي، استثنى من لزوم الإحرام المحاذي من كان ميقاته بعد الحليفة، إذا مر بالحليفة، فإنه يجوز له التأخير إلى ميقاته، والأولى له الإحرام من الحليفة، كمصري يمر بذات عرق فميقاته ما مر به للخبر السابق.
[المرور بالميقات بحرًا وجوًا: ]
وبالغ بقوله ولو ببحر للتنبيه على ظاهر المذهب، وعلى مخالفة قول
стр. 1301
سند: من سافر في البحر وحاذى ميقاتًا لا يحرم منه، بل يؤخر إحرامه للبر.
أي: خوف التغرير والخطر بالريح لفوات الحج؛ إذ قد يرده فيبقى محرمًا، وهو خرج، ونحوه في منسك المصنف.
وعليه، فلا يحرم المصري إذا حاذى الحليفة، ويؤخره لجدة، ويهدي، وهل يحرم إذا دخلها أو إذا خرج منها؟ قولان.
[مسألة: ]
ثم استثنى من لزوم الإحرام لمن مر بميقات أو حاذاه كمن ميقاته الجحفة ومر بذي الحليفة، فقال: إلا كمصري وَمَنْ وَرَاءَهُ، كمغربي وشامي، يمر بالحليفة فهو أولى، أفضل له أن يحرم منه، لأنه ميقاته ﵊، ويجوز له مجاوزته الجحفة.
قال في توضيحه: هذا مذهبنا، خلافًا للجمهور في إيجابهم الإحرام من ذي الحليفة مطلقًا؛ لعموم (من أتى عليهن)، وهذا بشرط أن يمر بالجحفة، وإلا لم يجز له مجاوزتها بغير إحرام.
[الإحرام للحائض: ]
ولما قال مالك: لا تؤخر الحائض إحرامها من ذي الحليفة للجحفة رجاء أن تطهر، وحملوه على أنه أولى، بالغ المصنف تبعًا لحملهم، فقال: وإن لحيض رجي رفعه، ومثله المدني يرجو زوال مرضه قبل الجحفة، هل له التأخير للجحفة أو لا؟ قولان: شهر ابن بزيزة الأول.
ثم شبه لإفادة الحكم قوله: كإحرامه أوله، أي: أول الميقات أفضل مبادرة للطاعة، ولا يؤخره لآخره، ولا أثنائه.
قال التادلي: إلا في ذي الحليفة، فإنه يحرم من مسجدها؛ لفعله ﷺ .
[آداب مريد الإحرام: ]
والأفضل لمريد الإحرام رجلًا أو امرأة إزالة شعثه، كـ: قلم ظفر
стр. 1302
ووسخ وحلق شعر مأذون فيه من غير الرأس، فإن الأفضل بقاؤه طلبًا للشعث في الحج.
والأفضل ترك اللفظ به، أي: بالإحرام المفهوم من السياق، قال في الشامل: ترك اللفظ بما أحرم به مستحب لا مكروه على الأصح.
وقيل: هما سواء.
[المرور بالميقات لغير الحج: ]
والمار به -أي: بالميقات- إن لم يرد مكة عند مروره به، بل مر به لحاجة دونها.
أو أرادها، إلا أنه غير مخاطب بفرض الحج كعبد وصبي وكافر، فلا إحرام عليه؛ ففي المدونة للسيد أن يدخل عبده وأمته مكة بغير إحرام، ويخرجهما لمنى وعرفات غير محرمين.
ولا دم في ذلك على غير المريد، ولا على من بعده، وإن أحرم بعد ذلك من مكة؛ لأن الحج غير متوجه عليهم.
تنبيه:
ظاهره: ولو كان العبد فارهًا، وهو كذلك، ولمالك: لا أحب أن يدخل العبد الفاره إلا محرمًا.
وظاهره: دخول عبده معه، ولو نصرانيًا، وهو كذلك؛ ففي المختصر: له أن يحج بعبده النصراني، ويكري من النصراني، ولو مر بالميقات فأحرم لم يحكم بإسلامه، لأنهم كانوا يحجون قبل الإسلام، ولا ينعقد إحرامه، لأنه عبادة بدنية، فإن أسلم بعد كان حلالًا.
[الصرورة: ]
إلا الصرورة المستطيع يجاوز الميقات غير مريد لمكة، ثم يريدها بعد ذلك فتأويلان في لزومه الدم، وهو فهم أبي محمد، فإنه أولها على من جاوزه، يريد الحج، وإبقاء الثاني على ظاهره، فيشمل الصرورة وغيره.
стр. 1303
وفهمها ابن شبلون على أن المراد به غير الصرورة، وبالأول الصرورة جاوزه مريدها أو لا، وهما في قولها: من تعدى الميقات وهو صرورة ثم أحرم فعليه دم.
وقولها: لو مضى المصري إلى عسفان في حاجة، ثم بدا له أن يحج أو يعتمر فله ذلك، ولا دم عليه لترك الميقات.
وتعقب البساطي على المؤلف زيادة المستطيع، فإنها ليست في الرواية.
[تفصيل مريد مكة: ]
ثم فصل في حكم مريدها، فقال: ومريدها إن تردد لها كفكاه وحطاب ونحوهما، فلا إحرام عليه، ولا دم في تركه.
اللخمي: يحرم أول مرة. وتقدمت نظائرها (١).
أو أعاد مريدها لها لأمر عرض له، كرجوع ابن عمر لها من قديد لما بلغته فتنة المدينة.
فكذلك لا يلزمه إحرام، ولا دم عليه، كالمار الذي لم يردها، وإلا بأن لم يكن مريدها مترددًا، ولا عرضت له حاجة كالتجار، وجب عليه الإحرام من الميقات الذي يأتي عليه، ولأن دخولها حلالًا من خصائصه ﷺ .
وأساء -أي: أثم- تاركه الآفاقي، ولا يقضيه؛ لأن الإحرام منه
стр. 1304
لتعظيم البقعة، كتحية المسجد، فتفوت إذا فاتت.
[مريد النسك يجاوز الميقات: ]
وهذا إن لم يقصد نسكًا حجًّا أو عمرة، وإلا بأن جاوزه حلالًا قاصدًا النسك رجع له وأحرم به، إن لم يشارف مكة أو يقاربها، بل يرجع له، ولو شارفها ولا دم عليه إذا رجع له وأحرم منه، ولو علم أن مجاوزته له حلالًا ممنوعة، وأحرى إن جهل، وتقييده في المدونة بالجاهل خرج مخرج الغالب.
[المجاوزة خوف الفوت: ]
ثم أخرج من قوله: (رجع)، فقال: ما لم يخف قاصد النسك فوتًا لحجه أو رفقته فلا يرجع، ويدرك الحج، وحيث لم يرجع فالدم، وهو هدي، ويحرم من موضعه، ويتمادى؛ لأن محظورات الحج تستباح بالأعذار بالهدي.
وظاهر قوله: (رجع) أنه مطلوب بالرجوع، ونحوه في المدونة، وقول ابن الحاجب: فإن عاد لا يقتضي طلبه بالعود ولا عدمه.
ثم شبه في وجوب الدم قوله: كراجع أحرم بعد تعدي الميقات، ثم رجع له بعد إحرامه، وظاهره: ولو قرب، وهو كذلك، إذ رجوعه لا يسقط عنه ما لزمه على المعروف.
وظاهره أيضًا: كان مراهقًا أو لا، وهو كذلك، قاله سند، وللمسألة نظائر ذكرناها في الكبير.
[الدم للمحرم المتجاوز: ]
والدم لازم لمن جاوز الميقات، ثم أحرم لتعديه، ولو أفسد حجه بجماع مثلًا، ولا يسقط بفساد حجه للزوم تماديه فيه، لا إن فات الحج لمتعدي الميقات ثم أحرم، فلا دم عليه لتعديه.
стр. 1305
[حكم الفوت: ]
ولما كان قوله: (ما لم يخف فوتًا) لا يلزم منه الفوات، بيّن هنا حكم الفوت، فمعنى الكلام السابق خاف الفوات ولم يفت، ولا تعلق لهاتين المسألتين بالراجع، وقد ذكرهما في المدونة، وما ذكره المصنف في الفوات هو قول ابن القاسم، وصوبه اللخمي، ولأشهب: عليه الدم، وصوبه ابن يونس.
وإنما ينعقد الإحرام الذي تقدم أنه ركن بمجموع أمرين:
أشار لأحدهما بقوله: بالنية وإن خالفها لفظه، كأن ينوي حجًا وتلفظ بعمرة، أو عكسه، ويصح ما نواه دون ما تلفظ به، ولا دم، وإن بجماع، أي: ويقع فاسدًا، ويلزمه التمادي والقضاء.
وأشار للأمر الثاني بقوله: مع قول، أي: وتكون النية معه كالتلبية، أو مع فعل كالتوجه للطريق تعلقًا، أي: القول والفعل به، أي: بالحج، كما مثلنا، فالنية وحدها غير كافية في انعقاده على المنصوص، وفي منسك المصنف: على المشهور.
وقول البساطي: (انظر كيف يلتئم اشتراط الفعل المتعلق به في انعقاده، وهو يجامع).
قلت: لا نظر؛ لأنه قد يجامع وهو متوجه راكبًا أو ماشيًا، وسواء بيّن ما أحرم به من حج أو عمرة، أو أبهم، كـ: أحرمت للَّه، ولم يسم شيئًا من الأركان إلا بعد التعيين، إن طاف قبل التعيين، وصرفه -أي: ما أبهمه- لحج.
البساطي: أراد به الإفراد؛ لأنه الأكمل. انتهى.
ويكون هذا طواف قدوم؛ لأنه ليس من أركان الحج، وهو ركن في العمرة، وقد وقع قبل تعيينها.
قال مالك في الموازية: والإفراد أحب إليّ.
стр. 1306
والقياس صرفه لقران؛ لما فيها من الجمع بين طواف القدوم وطواف العمرة، فهو أقرب للإطلاق من المعنى، وعبر في الذخيرة عن الأول بالصواب، وفي الموازية عن الثاني بالقياس.
تنبيهان:
الأول: لو نوى حجًا ولم يبين فرضًا ولا نفلًا انعقد وانصرف عند الجميع إن كان صرورة، قاله سند.
الثاني: ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين مدني وغيره، وهو كذلك، وللخمي التخيير للمدني ونحوه دون أهل المغرب ونحوهم، فمن لا يقصد غير الحج فلا يلزمه غيره.
[نسيان ما أحرم به: ]
وإن نسي ما أحرم به معينًا، أهو: عمرة أو إفراد أم قران؟ فقران، أي: عمل عليه؛ لأنه الأحوط، فيطوف ويسعى ويهدي للقران، فإن كان الواقع في نفس الأمر العمرة فقد انطوى عليه الحج، وإن كان الواقع فيه الإفراد فصورته وصورة القران واحدة، وإن كان الواقع القران فهو الذي أتى به.
ونوى الحج الآن، أي: أحدث نيته ليتم القران، إن كان الواقع في نفس الأمر هو العمرة، فيكون قد ردف الحج عليها قبل الطواف، فعمله على القران، قاله أشهب، وزيادة إحداث نية الحج، قاله أحمد بن ميسر (١)، واختاره أبو إسحاق، وصوبه ابن يونس.
стр. 1307
وبرئ منه -أي: من الحج- فقط، لا من العمرة، فيأتي بها؛ لاحتمال أن يكون إنما أحرم أولًا بإفراد، ولا يبرئه منها ما أتى به من الاحتياط.
ثم شبه بقوله ونوى الحج، فقال: كشكه أفرد، أي: أحرم بإفراد فقط، أو تمنع، أي: أحرم بعمرة فقط فيحرم بالحج لاحتمال إحرامه أولًا بعمرة، فيطوف ويسعى لاشتراكهما فيهما، ولا يحلق لجواز الحج، فيكون قد حلق قبل جمرة العقبة.
اللخمي: ويهدي بتأخير الخلاف.
وأما لو شك أفرد أو قارن لتمادى على نية القران وحده، ولغا عمرة أدخلها عليه؛ لعدم ارتدافها عليه، فلا ينعقد، ولا يلزمه قضاؤها.
ثم شبه في الإلغاء، فقال: كالثاني في حجتين أو في عمرتين؛ إذ لا فائدة في إدخالها مماثلًا على مثله؛ إذ القصد من الثاني حاصل بالأول.
تنبيهات:
الأول: تلخص من كلامه:
- صورة عمرة على حج.
- حج على حج.
- عمرة على عمرة.
- وبقيت رابعة: حج على عمرة، وستأتي.
الثاني: ربما أفهم قوله: (كالثاني) أنه لو أحرم بحجتين أو بعمرتين معًا لغا أحدهما، لا بعينه، وهو كذلك في الجلاب.
وقال أبو حنيفة: ينعقدان، ويمضي في واحدة، ويقضي الأخرى.
الثالث: إطلاق حجتين يتناول الواجبتين، كفرض ونذر، وتطوعين، وفرض وتطوع، وحكي صاحب المجهول فسادهما في صورة الفرض والتطوع.
стр. 1308
ولغا رفضه -أي: الحج- فلا يرتفض برفض المكلف له على المشهور.
قال المصنف في مناسكه: ولا يلزمه هدي، ولا شيء. انتهى، وانظر الفرق بينه وبين الصوم في الكبير عن بعض شيوخ عبد الحق.
ويحتمل أن يريد قول سند: أن يرفض الأول ويجعل الثاني مكانه لفسخ حج في حج، أو عمرة في عمرة. انتهى. فقوله: (رفضه)، أي: النسك.
وفي جواز إحرام من قال: أحرمت كإحرام زيد، وهو لا يعلم ما أحرم به، وهو قول أشهب وغيره، ومنعه، ونقله صاحب المفهم عن مالك تردد للمتأخرين (١).
تكميل:
محل التردد إذا تبين أن زيدًا أحرم، وأما إن تبين أنه غير محرم فقد
стр. 1309
وقع إحرامه مطلقًا، فيعينه بما شاء.
[حكم الحج إفرادًا وقرانًا وتمتعًا: ]
ولما ذكر المبهم أخذ في بيان المعين وحكمه، فقال: وندب إفراد، بأن يحرم بحج مفردًا عاريًا عن صفتي القران والتمتع، ويحصل لصاحب الفرض ثواب الأصل، وثواب الإفراد، وكذا النفل كذلك، وكان أفضل من غيره لأنه لا هدي فيه؛ إذ الهدي للنقص، وعبادة لا نقص فيها أفضل، ولأنه ﷺ أحرم مفردًا، وكذلك أبو بكر وعمر مدة خلافته، وعثمان ثلاثة عشر عامًا، وعليه عمل أهل المدينة.
وقول المقري (١) في قواعده عن مالك ومحمد: (الإفراد أفضل إذا كان بعد عمرة، وإلا فالقران أفضل)، يخالفه التعليل السابق.
ثم يليه في الاستحباب قران، ويقع على وجهين:
أشار لأحدهما بقوله: بأن يحرم بهما معًا، وقدمها -أي: العمرة- لفظًا مع نية، أو يقدمها نية لارتدافه عليها، دون العكس، وظاهر كلامه
стр. 1310
وجوب تقديمها كظاهر قول الرسالة: ويبتدئ العمرة في نيته. وقرره البساطي على الاستحباب.
ابن عرفة: القران هو الإحرام بنية العمرة والحج، وإن سمى قدم العمرة، ولو عكس ناويًا القران، فقارن، وإلا فمفرد.
وأشار للوجه الثاني بقوله: أو يردفه -أي: الحج على العمرة- بطوافها -أي: في أثنائه، وأحرى قبله، إن صحت؛ إذ لا يرتدف على فاسدها.
وكمله -أي: الطواف الذي أردف فيه عليه العمرة الصحيحة- إن شاء، وإن شاء قطعه، فإكماله جائز لا شرط عند ابن القاسم.
ولا يسعى إن كمله؛ لأن السعي حينئذ للعمرة، وأفعالها قد اندرجت بتأخر الحج؛ ليأتي به بعد الإفاضة، وقول الشارح في الأوسط والأصغر: (إذا أردفه في الطواف على العمرة الفاسدة كمله، ولا يسعى) سبق قلم؛ لأن المشهور وهو مذهب المدونة أنه لا يرتدف على الفاسدة؛ ففيها: عن ابن القاسم من جامع في عمرته ثم أحرم لم يكن قارنًا، ولا يردف حج على عمرة فاسدة.
وتندرج العمرة في الحج، فيفعل لهما فعلًا واحدًا، وكره الإرداف بعد الطواف وقبل الركوع، ويصير قارنًا لا بعده، أي: لا إرداف بعد الركوع، كذا قال الشارح في الأوسط والصغير، وقوله في الكبير: (وكره قبل السعي) تعقبه البساطي بأنه لا يوافق النقل، ولا كلام المصنف.
وصح الإحرام بالحج إذا نواه بعد سعي، ويكون مفردًا لا قارنًا ولا متمتعًا، إلا أن يحل من عمرته في أشهر الحج، وحرم الحلق للعمرة حتى يفرغ من حجه، وأهدى لتأخره، أي: حلاق عمرته.
وبالغ على لزوم الهدي مخافة توهم أنه إذا فعله يسقط بقوله: ولو فعله بأن حلق بعد إحرامه بالحج؛ لأن تأخير الحلاق مأمور به، وإن ترتب عليه الدم؛ لأنه هو الذي فعل سبب التأخير، فحلاقه كالعدم.
стр. 1311
ثم يلي القران في الندب تمتع على المشهور، وفسره بقوله: بأن يحرم بالعمرة أولًا، ثم يحل منها في أشهر الحج، ثم يحج بعدها بإفراد، بل وإن بقران، ويصير متمتعًا وقارنًا اتفاقًا، وهل عليه دمان لتمتعه وقرانه، أو واحد؟ قولان.
تنبيه:
تلخص أن لإرداف الحج على العمرة أوجهًا عند ابن القاسم ثلاثة جائزة، ويكون قارنًا:
الأول: إذا لم يعمل شيئًا من عملها.
الثاني: أن يعمل ولم يطف.
الثالث: في أثناء الطواف.
الرابع: مكروه، وهو قارن أيضًا، إذا طاف ولم يركع.
ووجهان لا يكون فيهما قارنًا:
الأول: إذا طاف وركع ولم يسع، أو سعى بعض السعي.
والثاني: بعد فراغ السعي.
وهل يسمى تمتعًا لإسقاط أحد السفرين وترفهه نفسه بذلك، أو لإحلاله بينهما، وتمتعه بما شاء مما يمنعه المحرم؟ قولان.
[شرط الدم في التمتع والقران: ]
وشرط دمهما -أي: التمتع والقران- عدم إقامة بمكة أو بما في حكمها، مثل: ذي طوى وقت فعلهما، كانت إقامته أصلية أو غير أصلية، كمجاورتها.
وخرج بقوله: (وقت فعلهما) آفاقي قدم في أشهر الحج معتمرًا بنية الإقامة، ثم حج من عامه، فعليه الدم؛ لإتيانها غير مستوطن.
ثم بالغ على الإقامة غير الأصلية بقوله: وإن بانقطاع بها، سواء انقطع بأهله أو لا، قاله محمد.
стр. 1312
وطوى: بضم الطاء مقصور منون، هو: الموضع المعروف بالحجون، وقول البساطي: (بفتح الطاء موضع يعبر عنه اليوم ببطن مر) سهو.
وفهم من تمثيله بذي طوى أن ما هو أبعد منها ودون مسافة القصر فيه دم، وهو كذلك على أحد القولين.
ثم عطف على قوله وإن بانقطاع: أو خرج المكي والمنقطع بها لحاجة أو رباط أو تجارة مثلًا، ولم يرفض سكناها، ثم عاد لها بإحرام في أشهر الحج، فلا دم عليه؛ لتمتعه ولا لقرانه؛ لأنه إنما عاد لمنزله، فلا يسقط أحد السفرين.
لا إن انقطع بغيرها -أي: غير مكة- رافضًا سكناها، فعليه دم المتعة والقران، كالآفاقي، وهذا معنى قوله: أو قدم بها -أي: بالعمرة- وقال الشارح: الباء بمعنى في، وضمير بها، أي: أشهر الحج.
ينوي الإقامة بمكة، وعلى هذا فـ (أو) في كلامه بمعنى الواو، ويحتمل أنها على بابها، وإن هذه المسألة هي مفهوم قوله وقت فعلهما، وذكرهما لأنه لا يعتبر هذا المفهوم لزومًا، وجعل البساطي أو قدم بها، أي: بالعمرة معطوفًا على أو خرج، ووسط بينهما لانقطع.
وندب دم التمتع لذي أهلين: أهل بمكة وأهل ببعض الآفاقي، يقيم هنا زمنًا وهناك آخر، وقدم معتمرًا في أشهر الحج.
قال مالك في المدونة: هذا من مشتبهات الأمور، والأحوط الهدي، أي: لتعارض دليلي الوجوب والإسقاط.
وقال أشهب: العبرة بالمكان الذي يكثر سكناه فيه.
فحمله التونسي على أنه خلاف لقول مالك، ولا فرق بين المساوي والأكثر، وحمله اللخمي على الوفاق، فجعل كلام مالك في المساوي، وإلى هذين الفهمين أشار بقوله: وهل مطلقًا، أو إلا أن يقيم بأحدهما أكثر فيعتبر؟ تأويلان.
ومشى المصنف على استحباب الهدي تبعًا للخمي، وقال العوفي: عندي أن الاختيار وجوب الدم.
стр. 1313
وحج من عامه، هو مصدر معطوف على عدم إقامة، وهو شرط ثان لوجوب الدم في التمتع والقران، كما في التوضيح، فقول البساطي: (هذا ظاهر في التمتع)، وأجراه الشارح في القران نظرًا إلى ما تقدم للمصنف من تثنية الضمير، وقرره على ما إذا أحرم قارنًا وفاته الحج فإنه لا دم عليه، وأنت خبير بهذا غير ظاهر.
[ما انفرد به التمتع في الدم: ]
ويشترط في الدم للتمتع خاصة مع الشرطين السابقين عدم عود بعد فراغ عمرته في أشهر الحج لبلده أو مثله في البعد عن الحرم؛ لأنه لم يتمتع لإسقاط أحد السفرين، فإن عاد لذلك ثم رجع فأحرم بالحج لم يكن متمتعًا.
ولو كان بلده أو مثله بالحجاز، وأشار بـ (لو) لقول ابن المواز: الحجاز كله قريب، فلا يسقط عنه الدم إلا بعوده إلى نفس أفقه، أو خروجه عن أرض الحجاز بالكلية (١).
لا رجوعه إلى أقل من ذلك، ولو كان مسافة القصر، فلا يسقط عنه الدم على المشهور، وإن أحرم متمتعًا، ولم يذكر هنا تقييد ابن أبي زيد لذلك بما إذا كان أفقه يدركه إن ذهب إليه ثم عاد، فيدرك الحج من عامه، وأما من أفقه أفريقية فيرجع لمصر فهذا عندي يسقط التمتع؛ لأن موضعه لا يدركه إن ذهب إليه ثم يعود من عامه.
البساطي: (لا أقل) معطوف على لبلده، وفي عطفه قلق. انتهى. ولعله
стр. 1314
يشير بالقلق إلى أنه يحتمل أن يكون المقدر لا الرجوع إلى أقل من ذلك، كما تقدم، وإن تقدر فيه عدم، أي: لا عدم الرجوع إلى أقل.
[بقية شروط دم التمتع: ]
ومن شروط دم التمتع: فعل بعض ركنها -أي: العمرة- في وقته -أي: الحج- فلو طاف في رمضان وأخر بعض سعيه كان متمتعًا، وأحرى من فعل جميعها في وقته.
واحترز ببعض ركنها عما لو لم يبق إلا حلاقها، فإنه غير متمتع، ولا دم عليه.
وفي شرط لزوم دم التمتع كونهما، أي: الحج والعمرة عن شخص واحد الفاعل ومن استنابه، وهو الأشهر عند ابن الحاجب، وأنكره المؤلف في مناسكه، وهو مقابله، وعدم شرطه فيلزمه الدم إذا فعل أحدهما عن نفسه والآخر عن غيره، ولم يحك صاحب النوادر وابن يونس غيره تردد.
تعقب البساطى هذا التردد بأن المصنف يطرد له فيه قاعدة، ولا مشى فيه على اصطلاحه. انتهى.
وقال الشارح: أشار به للتردد في النقل، شهر ابن الحاجب الأول، وابن شاس القولين، ولم يذكر قائلهما، ولا شهر شيئًا، وذكر في الموازية الثاني، ونحوه في المدونة.
ودم التمتع يجب بإحرام الحج، إذ التمتع إنما يتحقق حينئذ [إلا] (١) بإحرام العمرة.
قال في الجلاب: والاختيار تقديمه أول الإحرام، ولم يراعوا احتمال الفوات، لأن الأصل عدمه.
وأجزأ إن أخرجه قبله، أي: قبل الإحرام بالحج عند ابن القاسم؛ قياسًا على تقديم الكفارة قبل الحدث والزكاة قرب الحول.
стр. 1315
أشهب وعبد الملك: لا يجزي؛ لأنه إنما يجب بإحرام الحج، وفعله قبل تطوع، وهو لا يجزي عن الواجب.
ثم عطف على قوله: وركنهما الإحرام، فقال: ثم الطواف لهما، أي: ركن لكل من الحج والعمرة، وأفاد بثم أن بعد الإحرام.
[شروط الطواف: ]
وللطواف شروط أشار لها بقوله: سبعًا، أي: أطواف، وهو منصوب على التمييز، والعدد شرط باتفاق، كعدد ركعات الصلاة، وسواء الواجب وغيره.
وقول البساطي: (لو أسقط "لهما" لكان أحسن) غير حسن؛ إذ لو أسقطه لتوهم أنه ركن للحج فقط؛ لأنه المذكور قبله.
بالطهرين مع الذكر والقدرة في طهارة الخبث للثوب والبدن، فلو طاف بنجاسة متعمدًا لم يصح طوافه، وهو كذلك، وأما طهارة الحدث فإن طاف محدثًا أعاد، وإن رجع لبلده قبل الإعادة رجع من بلده محرمًا وطاف، قاله في الجواهر، والباء للمصاحبة والمعية.
قال الشارح: لو قال بالطهارتين لكان أحسن، أي: لأن الطهر هو الفعل، والطهارة صفة قائمة بالفاعل.
وقيد البساطي باء المعية بالمتعدية لا المشركة في الحكم، قال: ولو نص على الوضوء لكان أحسن. انتهى.
وفيه نظر لفوات دخول التيمم حينئذ.
ويشترط الستر فيه؛ لخبر: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن اللَّه أباح فيه الكلام" (١).
стр. 1316
[ما يبطل الطواف: ]
وبطل بحدث حصل في أثناء الطواف، بناءً على ما فعله منه، وإذا بطل البناء بطل الأصل، فيأتنفه إن كان واجبًا، بخلاف التطوع، إلا أن يشاء ما لم يتعمد الحدث.
[عود على شروط الطواف: ]
ويشترط جعل البيت عن يساره، فلو نكس وجعله عن يمينه لم يصح، خلافًا لأبي حنيفة، وحكمة جعله عن اليسار كونه ناحية القلب.
ويشترط خروج كل البدن عن الشاذروان، بكسر الذال المعجمة، فلو طاف وبعض بدنه مسامت له، أو بعض بدنه داخل البيت، فلا يصح طوافه.
وجعل جماعة التنبيه على هذا من التنبيهات المهمة، وتعقبه القباب في شرح قواعد عياض بأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم لا يمكن أن يغيب عنهم ذلك، وكيف لم ينتهوا لذلك مع تكرار الحج في كل عام، إن هذا لبعيد.
ويشترط خروج كل البدن عن ستة أذرع تلي البيت من الحجر، بسكون الجيم؛ لأنها من البيت، اختصرت من بناءً أصله.
ويشترط نصب المقبل للحجر بفتح الجيم قامته بعد تقبيله له؛ لأنه لو لم يفعل لكان بعضه في بعض الطواف داخل البيت.
ويشترط كونه داخل المسجد، سند: يستحب دنوه من البيت كالصف الأول. انتهى.
стр. 1317
وهذا في الرجال، وأما النساء فقال الباجي: السنة لهن خلف الرجال كالصلاة، ولو خالف الشرط فطاف خارج المسجد لم يجزئه.
وولاء بالحجر، فهو شرط، ولذا قال: وابتدأ الطواف إن قطع طوافه لجنازة صلى عليها، اْو قطعه لأجل نفقة نسيها، وخرج لها ولا يبني، ونحوه في المدونة.
أو طاف ونسي بقطعه ابتداءه إن فرغ سعيه، وما ذكره قال ابن الحاجب: إنه المشهور. وتبعه هنا مع تنظيره فيه بأنه يقتضي أن المشهور يبتدئ بمجرد فراغه من سعيه، والذي في المدونة أنه يبتدئ إذا طال أمره بعد إكمال سعيه أو انتقاض وضوئه، على أن ابن عرفة أنكر تشهير ابن الحاجب قائلًا: لا أعرفه.
تذييل:
ظاهر قول المصنف: (بعضه) ولو شرطًا، وهو كذلك، قال في الذخيرة: لو أردف الحج على عمرته بعد كمال سعيه ثم ذكر بعرفة شوطًا من طواف مضى على قرانه.
سند: هو المشهور في وجوب السبعة، وبه قال الأئمة، وقد كان ابن القاسم يغتفر الشوطين؛ لأن الأقل تبع للأكثر.
[ما يقطع له الطواف: ]
وقطعه -أي: الطواف- للفريضة، أي لإقامتها عصرًا أو غيرها، وإذا سلم منها أتمها قبل تنفله، وإلا ابتدأه، وظاهره وجوب القطع، وهو كذلك؛ لأنه صلاة.
الأبهري: ولا يجوز لمن في المسجد أن يصلي بغير صلاة الإمام، إذا كان يصلي المكتوبة؛ لأنه خالف عليه.
وظاهر قول ابن الحاجب: (فله أن يقطع) التخيير، وقول المدونة: لا يقطعه إلا لفريضة، يحتمل لا يباح، أو لا يجب.
стр. 1318
تكميل:
قال ابن فرحون: المعتبر في مسجد إقامة صلاة الإمام المقام دون غيره من الأئمة.
[ما يندب في القطع: ]
وندب كمال الشوط، بأن ينتهي فيه إلى الحجر بفتح الجيم، قبل قطعه للصلاة؛ لتحصيل البداءة بعد الصلاة من أول شوط، فإن لم يكمله فقال ابن حبيب: يدخل في موضع حَرِجٍ.
تتمة:
قال ابن فرحون في مناسكه: لا ينبغي أن يدخل في الطواف إن خشي إقامة الصلاة قبل فراغه، ولا أن يدخل في طواف التطوع إذا خشي فوات ركعتي الفجر.
[البناء في الطواف: ]
ويبني على طوافه الواجب، كما في المدونة، وأحرى غيره إن رعف في أثنائه بعد غسل الدم.
البساطي: بشرط أن لا يمشي على نجاسة، ولا يتعدى موضعًا قريبًا كالصلاة.
أو علم بنجس في ثوابه أو بدنه أو سقطت عليه في أثناء طوافه، وينزعه إن أمكن، وإلا خرج وأزاله، وبنى، بخلاف الصلاة.
ابن عرفة: وقول ابن الحاجب: (إن ذكرها فيه بنى) لا أعرفه، ولو طاف بها عامدًا ففي صحته وإعادته أبدًا قولان؛ لأخذ ابن رشد من سماع القرويين: يكره بثوب نجس، ويخرجه عن الصلاة. انتهى. فإن فعل بعد فراغه لم يعد، ونحوه في المدونة.
وإن علم بنجس بعد أن صلى ركعتي الطواف أعاد ركعتيه، أي: الطواف بالقرب؛ لتأكد شرطية الطهارة في الصلاة ما لم يحدث؛ لأن ما
стр. 1319
قارب الشيء يعطى حكمه، فإن أحدث أو طال لم يعد لزوال الوقت بالفراغ.
وفهم منه تنصيصه على إعادة الركعتين أنه لا يعيد الطواف، وهو كذلك.
وبنى على الأقل إن شك، هل فعل طوافًا أو طوافين مثلًا؛ لأن الشك في النقص كتحققه.
وظاهره: شك قبل تمامه أو بعده، وهو كذلك.
الباجي: يحتمل أن الشك بعد تمامه غير مؤثر.
وظاهره: عدم الرجوع لإخبار غيره مع بقاء شكه كالصلاة.
الأبهري: القياس إلغاء قول غيره.
وفرق الباجي بأن الصلاة عبادة شرعت فيها الجماعة، بخلاف الطواف، فيعتبر قول من ليس معه فيه، كالوضوء والصوم.
وقول البساطي: (في لفظة الأقل تسامح) ظاهر؛ إذ ليس هناك أقل وقليل حتى يقع التفضيل، ويمكن كونه على بابه، كشكه: هل طاف واحدًا أو اثنين أو ثلاثًا مثلًا، لكن تقل فائدته، ويمكن قوله على غير بابه.
[الطواف بسقائف: ]
وجاز الطواف لحاج ومعتمر بسقائف، أي: في المسقوف من المسجد، وهي قطعة محيطة تلي حائطه، إذا كان ذلك لزحمة.
سند: لأن اتصال الزحام يصير الجميع متصلًا بالبيت كاتصال الزحام بالطرق يوم الجمعة.
وإلا بأن طاف بالسقائف لغير زحمة لحر أو برد لم يجز، وأعاد طوافه.
البساطي: ظاهره الوجوب.
ولم يرجع له من بلده، قاله ابن أبي زيد، وسيأتي لهذا من مزيد بيان
стр. 1320
عند قوله: وفي سنة ركعتي الطواف ووجوبهما تردد.
ولا دم عليه إن لم يرجع له.
ابن يونس: هو أقيس من قول ابن شبلون: يرجع من بلده، كمن لم يطف.
وفهم من كلامه جوازه خلف زمزم لزحمة من باب أولى؛ لأنها في جهة مخصوصة، كعارض عرض في بعض طريق الطائفين فلا يؤثر كالمقام، وما قررناه منطوقًا ومفهومًا هو كقول المدونة: ومن طاف من وراء زمزم أو في سقائف المسجد من زحام فلا بأس به، وإن طاف في سقائفه لغير زحام لحر أو نحوه أعاد الطواف.
فقول البساطي بعد كلام المدونة: (وفي كلامه بالنسبة لهذا نقص) غير ظاهر.
[طواف القدوم: ]
ولما قدم الطواف الركني أشار لطواف القدوم بقوله: ووجب -أي: طواف القدوم- على المشهور، ثم شبه في الوجوب قوله: كالسني، ويجب إيقاعهما قبل وقوفه عرفة بشروط.
نبه على أولها بقوله: إن أحرم من وجب عليه من الحل، فلو أحرم لم يطف للقدوم؛ لأنه غير قادم، ولا يسعى؛ لأن السعي إنما يكون بعد طواف واجب.
واستشكله البساطي بآفاقي تعدى الميقات للحرم ثم أحرم ولم يرجع، فيجب عليه طواف القدوم.
وقد يجاب بأن هذا آفاقي لم يخرجه إحرامه من الحرم عن ذلك، أو بأنها صورة نادرة.
ونبه على ثانيها بقوله: ولم يراهق -بفتح الهاء-أي: لم يخش فوات الحج، فيطوف، فإن خشي فواته خرج لعرفة، وترك طواف القدوم، مفردًا
стр. 1321
كان أو قارنًا، وأخر السعي للإفاضة، ولا دم عليه.
وأشار لثالثها بقوله: ولم يردف بحرم، فإن أردف فيه سقط طواف القدوم.
وإلا بأن لم تجتمع هذه الشروط الثلاثة بأن أحرم من الحرم أو قدم مراهقًا أو أردف فيه أخر السعي.
[محل السعي: ]
وسعى بعد طواف الإفاضة، لأنه محله، وإلا بأن لم يؤخر السعي للإفاضة بأن قدم وطاف وسعى حيث لا يجب الطواف فدم لازم له بشرطين:
أشار لهما بقوله: إن قدم السعي، ولم يعده حتى رجع لبلده، وأما إن أعاده بعد الإفاضة فلا دم عليه، لأنه لم يقدمه على محله، ونحوه في التوضيح، وبه يندفع تعقب البساطي، حيث قال: انظر من قال إنه إذا قدم عليه دم، وعلى تقديره من شهره.
[السعي: ]
ثم أشار للركن الثالث للحج والعمرة، وهو: السعي، ولتراخيه عن الطواف بقوله: ثم السعي سبعًا لكل منهما، ما لم يكن قارنًا، وهذا العدد شرط، يردده بين الصفاء والمروة.
فائدة:
ذكر الصفاء لوقوف آدم عليه، وأنث المروة لوقوف حواء عليها، وقال ابن عطية: لأنه كان على الصفاء صنم يسمى إسافًا وعلى المروة آخر ويسمى نائلة (١) فاطرد التذكير والتأنيث.
стр. 1322
تتمة:
سئل صاحب الذخيرة: هل الصفا أفضل، وأجاب: بأن الصفا أفضل؛ لأن السعي منه أربعًا، ومنها ثلاثة، وما كانت العبادة فيه أكثر فهو أفضل.
ولما كان لفظ بيْن يطلق على وسط الشيء وهو غير مراد هنا بيّن المراد هنا بقوله: منه -أي: من أوله- البدء والانتهاء للمروة مرة والعود منها إليه مرة أخرى.
ولا يشترط في حصول المرة وصوله للموضع الذي بدأ منه كما في الطواف، فيحصل من وقوفه مرتين على الصفا ومرة على المروة طوافان؛ ولذلك يختم بالمروة، ويحصل له بذلك أربع وقفات على الصفا، وأربع على المروة.
[شرط صحة السعي: ]
وصحته -أي: السعي- بتقدم طواف عليه، والحال أن الطائف نوى بذلك الطواف فرضيته، وإلا بأن طاف قبله ولم ينوه فرضًا ولا تطوعًا أو نوى به التطوع فدم، أي: إن تباعد، ولو لم يصل بلده، أي: إن تباعد ولم يصل بلده، وأما إذا لم يتباعد، فيرجع ويطوف ويسعى.
البساطي: ويحتمل قوله: (وإلا) من جهة اللفظ أن يكون وإن لم يطف أصلًا، والمنصوص عليه الأول. انتهى.
وما ذكره المصنف نحوه قول المدونة: وإذا طاف حاج أول دخول مكة، ولا ينوي بطوافه هذا فريضة، فإن لم يتباعد رجع فطاف وسعى، وإن فرغ من حجه ثم راح إلى بلده وتباعد وجامع النساء أجزأه ذلك، وعليه الدم، والدم في هذا خفيف.
стр. 1323
تنبيهات:
الأول: ما اقتصر عليه المصنف هنا شهر في مناسكه خلافه، فإنه قال: لا بد في السعي أن يكون بأثر طواف، ولا يشترط فيه أن يكون الطواف واجبًا على المشهور. انتهى.
الثاني: تعقب البساطي قول الشارح: ظاهر كلام المصنف عدم اشتراط كون الطواف واجبًا، وهو ظاهر المدونة، قائلًا: لا تعلم كيف هو ظاهر كلامه مع قوله: ونوى فرضيته، ولا كيف هو ظاهر المدونة مع قولها: لم يجزه، وقولها: إلا بعد طواف ينوي به الفرض الموالاة.
ابن فرحون: فإن جلس بين ظهرانيه خفيفًا فلا شيء عليه، وإن تطاول حتى صار كالتارك لما هو فيه ابتداء، قال ابن أبي زيد: يبتدئ الطواف والسعي.
ابن القاسم: وكذلك إن تحدث أو اشترى أو صلى على جنازة فيبني، قاله ابن حبيب.
ورجع معتمرًا إن لم يصح طواف عمرة اعتمرها، بأن فعله بغير وضوء مثلًا فيرجع حرامًا (١)، كما كان قبل طوافه، ولو من بلده، كمن لم يطف فطاف وسعى، وافتدى لحلقه إن كان قد تخلل به، ولا بد من حلقه ثانيًا؛ لأن حلقه لم يصادف محلًا.
ومفهومه كالمدونة: إن لم يحلق لا فدية، وهو كذلك، ومثل طوافه بغير وضوء نسيانه أو بعضه.
وإن أحرم من لم يصح طواف عمرته بعد سعيه بحج فقارن؛ لأن طوافه الفاسد كالقدوم، وسعيه عقبه كذلك لفوات شرطه، وهو صحة الطواف، فلم يبق معه غير إحرامها، والإرداف عليه صحيح، ومفهوم بعد سعيه أحروي.
ثم شبه في الرجوع فقال: كطواف القدوم الفاسد الواقع بغير وضوء مثلًا؛ لأنه شرط فيه على المشهور، وكذا نسيانه أو بعضه، إن سعى بعده،
стр. 1324
والحال أن الساعى اقتصر على سعيه، فيرجع له.
ومفهوم (اقتصر) أنه لو أعاد السعي ثانيًا بعد طواف الإفاضة لم يرجع.
وكذا يرجع لطواف الإفاضة الفاسد أو المنسي كله أو بعضه، إلا أن يتطوع بعده بطواف فيجزئه عنه، ولا يرجع؛ لأن تطوع الحج يجزئ عن واجب جلسه، كطواف عن مثله، وسعى كذلك، لا طواف عن سعي وعكسه، ونحو كلام المصنف في المدونة.
ابن يونس: ولا دم عليه، والتقييد بالظرف مشعر بأن طواف القدوم لا يجزئ عنه.
قال المصنف: وهو ظاهر المذهب، وهو مذهب ابن القاسم وغيره.
وظاهره أيضًا: إجزاء التطوع عنه، ولو ذاكرًا له، أو مع القرب، وهو كذلك.
حلًّا حال من فاعل (رجع)، أي: رجع من فسد طواف قدومه أو إفاضته وجوبًا في هذه الحالة من كل شيء، إلا من نساء وصيد، فلا يكون حلًّا منهما، إذ لا يحللهما إلا التحلل الأكبر، وهو طواف الإفاضة.
وزاد في المدونة: الطيب على النساء والصيد، وعبر عنه المصنف بقوله: وكره الطيب؛ لنص ابن يونس على كراهته؛ لأنه لما حل له إلقاء التفث كحلق شعر الرأس وقص الأظفار خف أمر الطيب، وإنما وجب عليه الرجوع للسعي؛ لأن الطواف الأول لما فعله على غير وضوء بطل سعيه فكان عليه سعي آخر؛ إذ لا يصح سعي بغير طواف، ولا يصح تقدم السعي على الطواف.
واستمر حلالًا إلى فراغ ما رجع إليه من طواف وسعي، ثم اعتمر، وأهدى، وليس عليه أن يحلق إذا رجع بعد فراغ سعيه؛ لأنه حلق بمنى، ولا شيء عليه في لبس الثياب؛ لأنه لما رمى الجمرة حل له لبسها.
стр. 1325
وقال الأكثر من الناس: إنما عليه العمرة إن وطئ (١)، واستظهره المصنف؛ لأنها لأجل الخلل الواقع في الطواف بتقديم الوطء عليه.
تنبيه:
ما قررنا به كلامه من أنه يعتمر بعد فراغ ما رجع له كقول المدونة: فليرجع لابسًا للثياب حلالًا، إلا من النساء والصيد والطيب، حتى يطوف ويسعى ثم يعتمر ويهدي.
وقول الشارح: (إذا رجع لمكة لا يدخلها إلا بعمرة، وقاله في المدونة) غير ظاهر؛ لأن الذي فيها غير ما نسبه لها، وأيضًا كيف يحرم بالعمرة وطواف الحج والسعي باقيان.
[الوقوف بعرفة: ]
ثم ذكر ركنًا مختصًّا بالحج دون العمرة، فقال: وللحج حضور جزء
стр. 1326
عرفة؛ لخبر: "عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة" (١)، ولذا اكتفي بالحضور في أي موضع كان منها.
ساعة ليلة النحر، أي: أجزاء من ليلة النحر، فلا يجب استيعاب الليلة إجماعًا، ولا المراد بالساعة الاصطلاحية عند المنجمين.
وفهم منه: أن وقوفه قبل الغروب فقط مبطل لحجه، وهو كذلك، وظاهره: ولو لضرورة، وهو معروف قول مالك.
وسئل اللخمي عمن نفر قبل الغروب، فأجاب بعض الناس قال بالإجزاء، وفي المذهب ما يؤيده، وهو الأصح عندي.
تذنيب (٢):
لو دفع من عرفة قبل الغروب ولم يخرج منها حتى غربت أجزأه ذلك.
فائدتان:
الأولى: قال في الذخيرة: أول وقت الوقوف الزوال عند الجمهور، وعذر أحمد طلوع الفجر قياسًا بجميع النهار، وعلى جميع النهار الليل، وآخره طلوع الفجر يوم العاشر.
الثانية: قال القرطبي: لكل يوم ليلة قبله، إلا يوم النحر، لم تجعل له ليلة قبله وليلة بعده؛ لأن يوم عرفة له ليلتان: ليلة قبله وليلة بعده، فمن أدرك الوقوف ليلة بعد يوم عرفة فقد أدرك الحج لطلوع فجر يوم النحر. انتهى.
وللفاكهاني عند قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر. . . " الحديث، سمى يوم القيامة اليوم الآخر؛ لأنه لا ليل بعده، ولا يقال يوم إلا لما تقدم له ليل.
وأشعر قوله: (حضور) بأن الوقوف والطمأنينة غير شرط، بل يكفي
стр. 1327
المرور والجلوس، ولذا قال: ولو مر بها راكبًا أو ماشيًا، إن نواه، أي: الوقوف على المشهور.
ويحتمل عود الضمير على المرور، ومفهوم الشرط عدم الإجزاء إن لم ينوه، وفيه بحث، انظره مع ما يتعلق به في الكبير.
ثم عطف على المبالغة فيه قوله: أو بإغماء، أي: وقف مغمًى عليه، قبل الزوال مستمر إغماؤه حتى فات الوقوف، فإنه يجزئه على المشهور؛ لاندراجه في نية الإحرام، فحصوله بعده غير مضر، وأفهم الظرف إجزاء بعد الزوال، وهو كذلك.
[أخطاء يوم عرفة: ]
ثم عطف على ما هو في حيز المبالغة، فقال: أو أخطأ الجم، أي: أهل الموسم، كذا فسره في توضيحه عن ابن المواز، بأن غم عليهم ليلة تسع وعشرين من القعدة، فوقفوا بعاشر، أي: في يوم عاشر الحجة، ثم تبين بعد ذلك أنه العاشر أجزأهم عند الأكثر.
ابن القاسم: ويمضون على عملهم، ويتأخر النحر، وعمل الحج كله، كحال من لم يخطئ.
وقيد فقط مخرج لما إذا أخطؤوا فوقفوا في الثامن؛ فإنهم لا يجزئهم.
وقيل بالإجزاء فيهما.
و: بعدمه فيهما.
وقولنا: (ثم تبين) مخرج لما إذا ثبت (١) أنه العاشر قبل وقوفهم فوقفوا، فإنه لا يجزئهم؛ لتيقن الخطأ حال المباشرة، وإنما الرخصة إذا وقفوا معتقدين، خلافًا للشافعية، قاله في الذخيرة.
ومفهوم (الجم): أن غلط القليل غير مجزئ.
стр. 1328
ابن عرفة: غلط المنفرد لا يجزي مطلقًا اتفاقًا.
ومفهوم أخطأ: أن من لم يخطئ بأن رأى الهلال ولم يقبل لزمه الوقوف ولينحر، وهو كذلك، ولا يلزمه دم؛ لأن ليلة المزدلفة في حقه قد سبقت وهذه الليلة يلزمه المبيت بمنى.
تنبيه:
ربما أشعر عبارة المصنف بأنه من شك في هلال الحج لا يقف يومين.
البرزلي: سئل عنها السيوري، فقال: لا ينبغي عندي أن يقف يومين احتياطًا؛ لأن الأهلة مواقيت، ولو غم شهر لم يغم ما قبله؛ ففيه الاجتهاد بما يجب من السنة.
وأجاب اللخمي: المذهب أنه لا يوقف إلا يوم واحد خاصة، يطرح يوم الشك، ويعتد بما سواه، إلا أن يكون يوم غيم فيحتاط عند ابن عمر وابن حنبل.
[الجاهل بعرفة: ]
لا الجاهل بعرفة فلا يجزئه الوقوف، ولو صادفها.
قال في مناسكه: وهو المشهور.
وفي التوضيح: إن لم يعرفها فقال محمد: لا يجزئه، والأشهر الإجزاء، إلا أن تخصيص أركان الحج بالنية ليس شرطًا، فكان ينبغى ذكر التشهرين.
ثم شبه في عدم الإجزاء فقال: كبطن عرنة، وهو أسفل عرفة، وهي في الحرم وسط الوادي المنخفض منه، فلا يجزئ الوقوف به على المشهور.
وأجزأ الوقوف بمسجدها، أي: عرفة بكره، أشار لقول مالك: لم يصب من وقف بمسجد عرفة.
وفي منسك المصنف: توقف مالك إذا وقف في مسجد عرفة، وهو
стр. 1329
الذي يقال له: مسجد إبراهيم، واختلف الأصحاب في إجزاء الوقوف به. انتهى.
محمد: يقال إن حائط مسجد عرفة القبلي على حد بطنها، ولو سقط لسقط في عرفة.
أي: لو سقط لغير جهة القبلة.
ومن قرب من عرفة وبقي بينه وبينها قدر ما يسع صلاة صلى تلك الصلاة ولو فات عليه الوقوف على المشهور، وسواء المكي وغيره، واختار اللخمي تقديم الحج مطلقًا، وصحح ابن عبد السلام إن كان مكيًا ابتدأ الصلاة، وإلا أدرك الحج، وهذا هو الصحيح.
تنبيه:
قال الشارح: فرض ابن بشير هذه المسألة في العشاء، وظاهر كلام غيره صلاة فائتة.
تذييل:
قال في الذخيرة: قاعدة المضيق في الشرع مقدم على ما وسع فيه في زمان مصحور كالصلاة مقدم على ما غياه بالعمر كالكفارات، وما رتب على تاركه القتل مقدم على ما ليس كذلك، فيقدم الصلاة على الحج إجماعًا، غير أن فضل الصلاة قد عورض هنا بالدخول في الحج، وما في فواته من المشاق فيمكن أن يلاحظ ذلك (١).
стр. 1330
[سنن الحج: ]
ولما فرغ من أركان الحج شرع فيما يسن للأركان، مبتدئًا بسنن الإحرام؛ لأنه أول الأركان، فقال:
والسنة لمريد الإحرام بحج أو عمرة، رجل أو امرأة، حائض أو نفساء، أو صغير: غسل متصل به، كغسل الجمعة عند الرواح، وهذا للنظافة، الذخيرة: يكفي له وللجنابة واحد، كالجمعة.
وفهم من قوله: (غسل) عدم التيمم عند فقد الماء، وهو كذلك، قاله سند، ولو أخر عن الإحرام لم يغسل بعده؛ لفوات محله، وجعل البساطي اتصاله سنة أيضًا، فقال: تقييده بقوله: "متصل" ربما يكره على أصله، والمعنى: يسن الغسل، ويسن اتصاله؛ فلا يفعل بينهما فعل لا تعلق له بالإحرام. انتهى.
ومعنى يكره على أصله، أي: على حكم الغسل لاحتمال كون السنة راجعة للاتصال، فلا يفيد حكم الغسل.
[حكم تارك الغسل: ]
ولا دم على تاركه، ولم يرخص مالك في تركه إلا لضرورة، كـ: قلة ماء، أو ضيق وقت.
[المندوب في الغسل: ]
وندب فعل هذه السنة غير متصلة في حق بعض، فيفعل بالمدينة للحليفي فقط، إذا مضى لذي الحليفة من فوره لابسًا لثيابه، فأحرم منها لقربها من المدينة.
стр. 1331
عياض: وهو ظاهر المذهب.
وخص الحليفي بذلك لفعله ﵊، فإن أخره بياض نهاره أعاده، كما في المدونة، وقول البساطي: (إن الغسل وإن كان في نفسه سنة قد يعرض له الاستحباب بواسطة أمر خارج عنه) أي: فيصير سنة ومستحبًا، لا أنه يخرج عن السنة، ويصير مستحبًا فقط، كما فهمه بعضهم عنه.
[من يسن له الغسل: ]
وسن غسل أيضًا لدخول غير حائض ونفساء مكة على المشهور، وهو في الحقيقة للطواف لا لدخولها.
[موضع الغسل: ]
ثم بين موضع فعله (١)، فقال: بذي طوى، إن مر بها؛ ليتصل بدخوله.
الأصمعي: هو بفتح الطاء مقصور أحد أرباض مكة.
стр. 1332
أي: ما حولها، ونواحيها، ومن لم يمر بها فيغتسل من مقدار ما بينهما.
ابن فرحون في مناسكه: هذا الوادي الذي بعد التثنية التي يصعد إليها من الوادي المعروف الآن بالزاهر على يسارك وأنت قادم إلى مكة في طريق التنعيم، بفتح الطاء مقصور، والذي بطريق الطائف بالمد.
[الغسل للوقوف: ]
وسن غسل ثالث للوقوف بعرفة، قاله المصنف، ويستحب تقديمه عند رواحه للصلاة، فلا يتدلك ولا يتنظف لغير الأول، إلا أن تصيبه جنابة فيتدلك برفق.
واقتصر المصنف على ذكر هذه الثلاثة لأنه ظاهر المذهب، وفي الجلاب: يغتسل لأركان الحج كلها.
والسنة الثانية لإحرام الرجل تجرده من المخيط، وتحصل هذه السنة بمجموع أمور ثلاثة:
- لبس إزار يأتزر به.
- ورداء يضطجع فيه، فيشتمله، ويخرج منكبه الأيمن، ويخرج طرف الثوب من تحت إبطه الأيمن، ويخرج طرفه الأيسر من تحت إبطه الأيسر، فيلقيه على منكبه الأيمن.
- ونعلين.
عياض: كنعال التكرور التي لها عقب يستر بعض القدم.
[سنن الإحرام: ]
والسنة في حق من أحرم تقليد هدي، إن كان معه لتطوع أو لعام مضى؛ لأن ما يجب بعد الإحرام كالواجب قبله، لا يقلد إلا بعد الإحرام.
ثم بعد تقليده إشعاره، إن كان مما يشعر، وسيأتي ذلك، وتفسيره، ثم يلي ذلك ركعتان فأكثر من غير الفرض؛ ليكون للإحرام صلاة تخصه،
стр. 1333
وهاتان الركعتان فأكثرهما السنة الثالثة من سنن الإحرام، فإن أتى الميقات وقت نهي انتظر وقت جواز، إلا أن يكون خائفًا أو مراهقًا.
والفرض مجز عن الركوع للإحرام، لكن فيه ترك الأفضل، ولو أحرم من غير صلاة وهو قادر فلا شيء عليه، وقول الشارح: (السنة في حقه أن يقلده، ثم يشعره، ثم يصلي ركعتين عقبه) يريد أن هذا الترتيب هو المشهور، ولذا أتى المصنف بـ (ثم).
وقيل: يصلي قبل التقليد، ثم يحرم.
ولا يريد أن مجموع ذلك هو السنة، وقول البساطي: (إن هذه السنة مركبة من تقليد الهدي وإشعاره، وترتيبها مندوب) غير ظاهر؛ لتصريحهم أن الصلاة هي السنة.
[العمل بعد الصلاة للإحرام: ]
وإذا فرغ من الصلاة يحرم الراكب إذا استوى على مركوبه، ولا موقف على أخذه في السير على المشهور، خلافًا لابن حبيب، ويحرم الماشي إذا مشى، ولا ينتظر خروجه للبيداء (١)، وإنما كان كذلك لأن الراكب لا يركب إلا للتوجه، والماشي قد يمشي لحوائجه.
تنبيه:
فهم من هذا أنه لا يقيم بعد إحرامه، وهو كذلك.
ابن الحاجب: هو السنة.
[التلبية: ]
والسنة الرابعة تلبية، قال في الشامل: على الأصح، وتأتي بها الحائض والجنب والصغير الذي يتكلم، ولا يلبى عن الذي لا يتكلم.
قال مالك: ويلبي العجمي بلسانه.
стр. 1334
تنبيه:
قال ابن فرحون: أقلها مرة.
[محل تجديد التلبية: ]
وجددت تلبية لتغيير حال، كقيام وقعود وركوب ونزول وصعود وهبوط وملاقاة رفاق، وخلف صلاة فريضة أو نافلة، ولم يذكر حكم تجديدها، والظاهر: أنه من تمام سنتها، وعليه فيقال في تقريره: وجددت هذه التلبية.
هذا وقد قرر هو قول ابن الحاجب: وتجدد التلبية على ما قاله ابن شاس، فإنه قال: والسنة الرابعة أن يجدد التلبية، ولم يذكر حكم ابتدائها، ولم يتعقبه.
[انتهاء التلبية: ]
وهل تنتهي التلبية في حق الحاج بدخوله لمكة، كقول الرسالة: فإذا دخل مكة أمسك على التلبية. وشهره ابن بشير، أو لابتدائه للطواف، كقول المدونة: ولا يقطع التلبية حتى يبتدئ الطواف. وشهره ابن الحاجب، لكنه قال: لرؤية البيت. خلاف في التشهير.
[ترك التلبية: ]
وإن تركت هذه السنة أوله، أي: الإحرام فدم إن طال تركه، فإن قرب لبى ولا شيء عليه، ومفهوم الظرف: أنه لو تركها أثناء ذلك لا شيء عليه، وكره في المدونة التلبية في غير حج أو عمرة، ورآه خرقًا.
وفي الجلاب: من نادى رجلًا فأجابه بالتلبية سفهًا فقد أساء.
تنبيه:
إجابة الصحابة له ﷺ بذلك خاص به، قاله ابن أبي جمرة (١).
стр. 1335
[السنة في التلبية: ]
وسن لرجل توسط في تلبية بين علو صوته وانخفاضه، وتسمع المرأة نفسها؛ لأن صوتها عورة.
وسن بالتوسط فيها، أي: في التلبية بين الكثرة والقلة، مالك: قد جعل اللَّه لكل شيء قدرا (١).
وعاودها قاطعها المحرم مفردًا وقارنًا بعد فراغ سعي على المشهور. أشهب: إذا فرغ الطواف ليلبي عنده في السعي.
وإن بالمسجد الحرام، وكذا مسجد منى، قال المصنف في مناسكه: ولا يرفع صوته بها في هذين المسجدين؛ لكثرتها فيهما، فلا يشهر الملبي