عياض: وهو ظاهر المذهب.
وخص الحليفي بذلك لفعله ﵊، فإن أخره بياض نهاره أعاده، كما في المدونة، وقول البساطي: (إن الغسل وإن كان في نفسه سنة قد يعرض له الاستحباب بواسطة أمر خارج عنه) أي: فيصير سنة ومستحبًا، لا أنه يخرج عن السنة، ويصير مستحبًا فقط، كما فهمه بعضهم عنه.
[من يسن له الغسل: ]
وسن غسل أيضًا لدخول غير حائض ونفساء مكة على المشهور، وهو في الحقيقة للطواف لا لدخولها.
[موضع الغسل: ]
ثم بين موضع فعله (١)، فقال: بذي طوى، إن مر بها؛ ليتصل بدخوله.
الأصمعي: هو بفتح الطاء مقصور أحد أرباض مكة.
стр. 1332
أي: ما حولها، ونواحيها، ومن لم يمر بها فيغتسل من مقدار ما بينهما.
ابن فرحون في مناسكه: هذا الوادي الذي بعد التثنية التي يصعد إليها من الوادي المعروف الآن بالزاهر على يسارك وأنت قادم إلى مكة في طريق التنعيم، بفتح الطاء مقصور، والذي بطريق الطائف بالمد.
[الغسل للوقوف: ]
وسن غسل ثالث للوقوف بعرفة، قاله المصنف، ويستحب تقديمه عند رواحه للصلاة، فلا يتدلك ولا يتنظف لغير الأول، إلا أن تصيبه جنابة فيتدلك برفق.
واقتصر المصنف على ذكر هذه الثلاثة لأنه ظاهر المذهب، وفي الجلاب: يغتسل لأركان الحج كلها.
والسنة الثانية لإحرام الرجل تجرده من المخيط، وتحصل هذه السنة بمجموع أمور ثلاثة:
- لبس إزار يأتزر به.
- ورداء يضطجع فيه، فيشتمله، ويخرج منكبه الأيمن، ويخرج طرف الثوب من تحت إبطه الأيمن، ويخرج طرفه الأيسر من تحت إبطه الأيسر، فيلقيه على منكبه الأيمن.
- ونعلين.
عياض: كنعال التكرور التي لها عقب يستر بعض القدم.
[سنن الإحرام: ]
والسنة في حق من أحرم تقليد هدي، إن كان معه لتطوع أو لعام مضى؛ لأن ما يجب بعد الإحرام كالواجب قبله، لا يقلد إلا بعد الإحرام.
ثم بعد تقليده إشعاره، إن كان مما يشعر، وسيأتي ذلك، وتفسيره، ثم يلي ذلك ركعتان فأكثر من غير الفرض؛ ليكون للإحرام صلاة تخصه،
стр. 1333
وهاتان الركعتان فأكثرهما السنة الثالثة من سنن الإحرام، فإن أتى الميقات وقت نهي انتظر وقت جواز، إلا أن يكون خائفًا أو مراهقًا.
والفرض مجز عن الركوع للإحرام، لكن فيه ترك الأفضل، ولو أحرم من غير صلاة وهو قادر فلا شيء عليه، وقول الشارح: (السنة في حقه أن يقلده، ثم يشعره، ثم يصلي ركعتين عقبه) يريد أن هذا الترتيب هو المشهور، ولذا أتى المصنف بـ (ثم).
وقيل: يصلي قبل التقليد، ثم يحرم.
ولا يريد أن مجموع ذلك هو السنة، وقول البساطي: (إن هذه السنة مركبة من تقليد الهدي وإشعاره، وترتيبها مندوب) غير ظاهر؛ لتصريحهم أن الصلاة هي السنة.
[العمل بعد الصلاة للإحرام: ]
وإذا فرغ من الصلاة يحرم الراكب إذا استوى على مركوبه، ولا موقف على أخذه في السير على المشهور، خلافًا لابن حبيب، ويحرم الماشي إذا مشى، ولا ينتظر خروجه للبيداء (١)، وإنما كان كذلك لأن الراكب لا يركب إلا للتوجه، والماشي قد يمشي لحوائجه.
تنبيه:
فهم من هذا أنه لا يقيم بعد إحرامه، وهو كذلك.
ابن الحاجب: هو السنة.
[التلبية: ]
والسنة الرابعة تلبية، قال في الشامل: على الأصح، وتأتي بها الحائض والجنب والصغير الذي يتكلم، ولا يلبى عن الذي لا يتكلم.
قال مالك: ويلبي العجمي بلسانه.
стр. 1334
تنبيه:
قال ابن فرحون: أقلها مرة.
[محل تجديد التلبية: ]
وجددت تلبية لتغيير حال، كقيام وقعود وركوب ونزول وصعود وهبوط وملاقاة رفاق، وخلف صلاة فريضة أو نافلة، ولم يذكر حكم تجديدها، والظاهر: أنه من تمام سنتها، وعليه فيقال في تقريره: وجددت هذه التلبية.
هذا وقد قرر هو قول ابن الحاجب: وتجدد التلبية على ما قاله ابن شاس، فإنه قال: والسنة الرابعة أن يجدد التلبية، ولم يذكر حكم ابتدائها، ولم يتعقبه.
[انتهاء التلبية: ]
وهل تنتهي التلبية في حق الحاج بدخوله لمكة، كقول الرسالة: فإذا دخل مكة أمسك على التلبية. وشهره ابن بشير، أو لابتدائه للطواف، كقول المدونة: ولا يقطع التلبية حتى يبتدئ الطواف. وشهره ابن الحاجب، لكنه قال: لرؤية البيت. خلاف في التشهير.
[ترك التلبية: ]
وإن تركت هذه السنة أوله، أي: الإحرام فدم إن طال تركه، فإن قرب لبى ولا شيء عليه، ومفهوم الظرف: أنه لو تركها أثناء ذلك لا شيء عليه، وكره في المدونة التلبية في غير حج أو عمرة، ورآه خرقًا.
وفي الجلاب: من نادى رجلًا فأجابه بالتلبية سفهًا فقد أساء.
تنبيه:
إجابة الصحابة له ﷺ بذلك خاص به، قاله ابن أبي جمرة (١).
стр. 1335
[السنة في التلبية: ]
وسن لرجل توسط في تلبية بين علو صوته وانخفاضه، وتسمع المرأة نفسها؛ لأن صوتها عورة.
وسن بالتوسط فيها، أي: في التلبية بين الكثرة والقلة، مالك: قد جعل اللَّه لكل شيء قدرا (١).
وعاودها قاطعها المحرم مفردًا وقارنًا بعد فراغ سعي على المشهور. أشهب: إذا فرغ الطواف ليلبي عنده في السعي.
وإن بالمسجد الحرام، وكذا مسجد منى، قال المصنف في مناسكه: ولا يرفع صوته بها في هذين المسجدين؛ لكثرتها فيهما، فلا يشهر الملبي
стр. 1336
أو لأن لهما تعلقًا بالحج، وأما في غيرهما من المساجد فيسمع نفسه ومن يليه. انتهى.
وهو مخصص لإطلاق التوسط في علو الصوت بها، ولا يزال يلبي بعد معاودتها، وغايته لرواح مصلي عرفة، إذا زالت يومها، وإليه رجع مالك، وكان يقول: لرواح الموقف. ثم رجع عنه للزوال، إذا راح مصلي عرفة.
تنبيه:
تبع المصنف ابن الحاجب في ترك تتميم هذه الرواية بقول الجلاب، إلا أن يكون أحرم بالحج من عرفة فيلبي حتى يرمي جمرة العقبة مع ذكره لذلك في توضيحه.
[منتهى التلبية (١): ]
محرم مكة مكيًا كان أو غيره يلبي بالمسجد، أي: منه، ويلبي معتمر الميقات من أهل الآفاق إلى وصوله للحرم، ويلبي معتمر فائت الحج، أي: من اعتمر لأجل فوات حجه بحصر مرض أو عدو أو خروج وقت، وينتهي إذا وصل للحرم، كمن أحرم بها من الميقات.
واعترض المصنف قول ابن الحاجب: (للبيوت) (٢) بأنه خلاف نص الجميع.
ويلبي المعتمر من الجعرانة للبيوت ومن التنعيم، قاله في المدونة.
[سنن الطواف: ]
ولما فرغ من سنن الإحرام ذكر سنن الطواف، وهي أربع:
[المشي: ]
стр. 1337
أشار للأولى بقوله: وللطواف المشي، وإلا يمشي فيه، بل طاف راكبًا على الدواب أو محمولًا فالدم لازم لقادر على المشي، ما لم يعده، فإن أعاده فلا دم، إلا أن يرجع لبلده، فليهرق دمًا.
ومفهوم كلامه: أن العاجز لا شيء عليه، وهو كذلك، والفرق بينه وبين من صلى جالسًا أن المصلي أتى بفرض نفسه مباشرة بقدر طاقته، بخلاف المحمول لم يأت بطواف قطعًا، والطائف إنما هو الحامل.
[تقبيل الحجر: ]
وأشار للثانية بقوله: تقبيل حجر، أي: الأسود بفم: صفة كاشفة؛ إذ لا يكون التقبيل إلا به، بخلاف الاستلام.
[محل السنية: ]
أوله: أي: الطواف: الأول منه - لأنه مستحب فيما بعده، وجائز في غير الطواف.
تتمة:
قال الباجي: ومن سنة استلامه الطهارة.
فائدة:
في البخاري عن عابس بن ربيعة (١) عن عمر أنه جاء إليه يقبله، فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ
стр. 1338
يقبلك ما قبلتك (١). انتهى.
وروي أن أبيًا قال له: إنه يضر وينفع، فإنه يأتي يوم القيامة وله لسان ذلق، يشهد لمن قبله واستلمه، وهذه منفعته (٢).
وقال صاحب المختصر الفصيح: إن عليًّا قال لعمر: بل هو يضر وينفع.
قال له: وكيف ذلك؟
قال: لأن اللَّه تعالى لما أخذ الميثاق على الذرية كتب كتابًا، وألقمه هذا الحجر، فهو يشهد للمؤمنين بالوفاء، وعلى الكافرين بالجحود (٣).
стр. 1339
[صفة تقبيله: ]
وفي عدم توسيعه الصوت عند التقبيل، لقول ابن وضاح: إنما يكون بالصوت في تقبيل الشهوة، والتوسعة في الصوت فيه لقول أبي عمران في قول ابن وضاح: هذا تضييق، ومن قبل مصحفًا أو خبزًا أو رأس عالم لا يقال فيه قصد الشهوة، وإنما هو صوت يتولد مع التقاء الأعضاء.
الشيخ: كأنه يقول ذلك واسع صوت أم لا، قولان، ولا يعلم من كلام المؤلف هل أراد ابن وضاح المنع أو الكراهة، وأيضًا عادته في مثل هذا التعبير بالتردد.
[مسه ونحوه للزحمة: ]
وإن لم يقدر على التقبيل بفمه للزحمة؛ فإنه يمسّ الحجر بيد إن قدر، ثم عود وإن لم يقدر بيده ووضعا على فيه، أي: اليد في الأولى والعود في الثاني من غير تقبيل على المشهور، وهو مذهب المدونة، ومذهب الموازية مع التقبيل، ثم كبّر يحتمل مع لمسه باليد وبالعود؛ لأنه كان مأمورًا بهما سقط الاستلام، وبقي التكبير.
ويحتمل مع غير القدرة على لمسه بأحدهما؛ لأنه شرع لعدم القدرة على الاستلام.
قال العوفي: هذا مما ينظر فيه. ثم ذكر مواضع تدل على أن التكبير مع عدم القدرة على الاستلام، ومواضع تدل على الجمع بينهما، فانظره.
وأشار للسنة الثالثة بقوله: الدعاء بلا حد، زاد في مناسكه: والصلاة على النبي ﷺ وما في معناهما.
ابن أبي زيد في مناسكه: يقول في الطواف: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
[الرمل: ]
وللسنة الرابعة بقوله: رمل رجل -أي: إسراعه بالخبب- لا يحصر
стр. 1340
عن منكبيه، ولا يحركهما بفعل ذلك في الأطواف الثلاثة الأول.
قال في مناسكه: من طواف القدوم وطواف الإفاضة، للمراهق والمحرم من مكة، لكن مشروعيته هنا دونها في القدوم على المشهور. انتهى.
ابن فرحون: فإن لم يرمل في الطواف الواجب فإن بعد فلا إعادة عليه.
وهل يهدي أم لا؟ قولان، وآخر قولي مالك: ليس عليه دم، وإن قرب ففي الإعادة قولان، وإضافته للرجل مخرج للمرأة، فلا يسن لها في طواف ولا سعي، وتقييده بالأول يفيد عدم سنيته في بقيته، وهو كذلك.
ثم بالغ على محل الخلاف في الرمل بقوله: ولو مريضًا أو صبيًا حملا، الأول على المنصوص، والثاني على المشهور.
تلخيص:
قال بعض الشيوخ: الرمل بالنسبة للطائفين ثلاثة أقسام:
- قسم يرمل اتفاقًا، وهو المحرم من الميقات.
- وقسم لا يرمل اتفاقًا، وهن النساء.
- وقسم اختلف فيه، وهو المراهق والمحرم من الجعرانة، والصبي والمريض والمحرم من مكة، وذكرنا سببه في الكبير.
[الرمل للزحمة: ]
ويرمل للزحمة -أي: لأجلها- الطاقة.
تتمة:
فإن لم يطق الرمل إلا مع بعده عن البيت تأخر بحيث يمكنه ذلك.
[مكروهات الطواف: ]
وسكت ﵀ عن ذكر مكروهات الطواف، وذكر منها مواضع في
стр. 1341
مناسكه، وعد ابن راشد منها إحدى عشرة، انظرها في الكبير.
[سنن السعي: ]
ثم ذكر سنن السعي، فقال وللسعي تقبيل الحجر الأسود، وإن فرغ من طوافه وركعتيه، ولم يبين مالك من أي باب يخرج.
سند: والناس يستحبونه من باب الصفاء لقربه.
والثانية: رقيه -أي: الرجل- عليهما، أي: الصفا والمروة؛ لقصد استيعاب ما بينهما.
وقيل: يجب.
[شرط رقي المرأة: ]
كمرأة سن لها أن ترقى عليهما، إن خلا الموضع، وإلا وقفت أسفلهما.
قال ابن فرحون في مناسكه: السنة القيام لهما عليهما، ولا يجلس إلا من عذر، وإن جلس في أعلى الصّفا فلا شيء عليه.
[الإسراع: ]
والسنة الثالثة للرجال دون النساء إسراع بين الميلين الأخضرين، وهو بطن المسيل:
أحدهما: وهو الذي يلي الصفاء بركن المسجد، الذي فيه المنارة، التي يقال لها: منارة باب علي.
والآخر: في جدار باب المسجد، الذي يقال له: باب العباس.
[صفة الإسراع: ]
فوق الرمل في الأطواف السبعة، وفي منسك التادلي عن تدريب ابن القاسم الجزيري: ثلاثة خببا، وأربعة مشيا، واستغرب.
قال مالك: وإن لم يرمل في بطن المسيل فلا شيء عليه.
стр. 1342
[الدعاء: ]
والسنة الرابعة دعاء عند الرقي على كل منهما، ولم يحد مالك فيه حدًا، وقد ثبت أن ﵊ رقى الصفا حتى رأى البيت واستقبله، وكبر ثلاثًا، وقال: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، ثم دعا بعد ذلك.
قال مثل ذلك ثلاث مرات، ثم نزل للمروة، ففعل عليها كالصفا (١).
وزاد ابن فرحون سنة خامسة، وهي المشي، فإن ركب لغير عذر أعاده، إن قرب، وإن بعد وطال أجزأه وأهدى.
[صلاة ركعتين للطواف: ]
وفي سنية ركعتين للطواف مطلقًا، واجبًا كان أو لا، وهو لعبد الوهاب، وعليه فسنن الطواف خمس، أو وجوبها مطلقًا، وهو اختيار الباجي.
تردد لعموم نص المتقدمين، وذهب الأبهري وابن رشد إلى أن حكمهما كالطواف، وشهره في المعتمد عند كلامه على ركعتي الفجر، ولم يعول هنا على تشهيره.
تكميل:
الباجي: من حكم الطواف وركعتيه أن يفعلا بطهارة واحدة، ولذلك نظائر:
- سجود السهو قبل السلام، يلزم أن يكون بوضوء الصلاة، فإن أخره حتى أحدث أعاد على قول.
- والوتر مع ركعتيه.
стр. 1343
- والطواف مع السعي، إذا طاف ليلًا وسعى صبحًا بطهارة واحدة، وإلا أعاد ما دام بمكة، فإن خرج أهدى، وأجزأه.
- وزيد خامس خطبة الجمعة، إن ذكر أنه جنب على أحد الأقوال.
تنبيهان:
الأول: ربما أشعر قوله: (ركعتين) بأن الفرض لا يجزئ عنهما، وهو كذلك في المدونة.
الثاني: لا يجمع أسابيع ويصلي لجميعها ركعتين، بل لكلِّ ركعتان؛ لأنهما كالجزء من الأسبوع.
[المندوبات: ]
ولما فرغ من الواجبات والسنن شرع في المندوبات، فقال: وندب -أي: استحب- أن يقرأ في ركعتي الطواف، سواء قلنا بوجوبهما أو سنيتهما ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ في الأولى و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ في الثانية، بعد أم القرآن فيها.
كالإحرام -أي: كالقراءة فيه- بالكافرون والإخلاص في الركعتين، كما تقدم، وذكر الكافرون بالواو على الحكاية.
البساطي: والتشبيه بينهما في القراءة فقط، أو فيهما تارةً.
[محلهما: ]
وندب إيقاع ركعتي الطواف بالمقام -أي: عنده- كما في الجلاب، ويقتضي جهة مخصوصة منه.
ابن عبدوس عن ابن القاسم: خلفه.
ومثله لصاحب الإرشاد، وهذا مع القدرة تأسيًا برسول اللَّه ﷺ .
ابن الحاج: حيث شاء من المسجد، خلا الحجر.
الشارمساحي: بين الحِجر والبيت.
стр. 1344
بكسر الحاء؛ لأنه إذا صلى تحت الميزاب استدبر بعض البيت، فإن فعل فهل يكتفى بهما، أو لا؟ قولان في المذهب.
تنبيه:
قال الباجي: المقام هو الحجر.
قال مالك في العتبية: سمعت أهل العلم يقولون: إن إبراهيم قام هذا المقام، فيزعمون أن ذلك أثر مقامه.
[محل الدعاء: ]
وندب دعاء بالملتزم بعد طوافه، وهو ما بين الباب والحجر الأسود، فيلتزمه ويعتنقه واضعًا صدره ووجهه وذراعيه عليه، باسطًا كفيه كفعل ابن عمر، ولقوله: رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعل كذلك، وهو أحد المواضع الخمسة عشر التي قال الحسن بن الحسين: يستجاب فيها. وذكرناها في الكبير.
[استلام الحجر واليماني: ]
وندب استلام الحجر الأسود والركن اليماني، وهو الركن الذي قبل الحجر الأسود، ويستلمه في كل طواف، بعد الطواف الأول، وأما استلام الحجر الأسود في الطواف الأول فيستند فيه فقط، لا فيهما.
وقول الشارح: (إن استلامهما في الأول سنة)، وتسليم البساطي له ذلك، غير ظاهر.
وأفهم كلام المصنف أن الركنين اللذين يليان الحجر الأسود لا يستلمان، وهو كذلك؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم، ولا يكبر إذا حاذاهما، ونقله البراذعي (١) والصقلي عنها نصًا.
стр. 1345
[نص التلبية: ]
وندب اقتصار على تلبية الرسول ﷺ ، وهو: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك (١).
وربما أشعر استحباب الاقتصار عليها كراهة الزيادة، وهو كذلك، قاله مالك.
ويروى (أن الحمد) بكسر الهمزة، وفتحها، والثاني اختيار الجمهور.
стр. 1346
[دخول مكة نهارًا: ]
وندب دخول مكة نهارًا؛ لأنه ﷺ بات بذي طوى حتى أصبح، فدخلها.
[دخول البيت: ]
وندب دخول البيت الشريف، اقتداءً به ﷺ .
[محل الدخول للمدني: ]
وندب دخول مكة من كداء، بفتح الكاف، والمد منونًا، وهي التي بأعلى مكة، يهبط منها للأبطح، والمقبرة تحتها.
الفاكهاني: لا يبعد منع صرفه إذا حمل على البقعة؛ إذ هو علم على المكان المخصوص.
لمدني -أي: لكل آت من طريق المدينة- كما في المدونة؛ لدخوله ﷺ منه، لا المدني فقط، كما توهمه عبارة المصنف.
[الباب المدخول منه: ]
وندب دخول المسجد من باب بني شيبة، المعروف الآن بباب السلام.
ابن حبيب: لدخوله ﵊ منه.
ويقول إذا رأى البيت: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا ومهابةً وتكريمًا (١).
وأنكر ذلك مالك.
[محل الخروج: ]
وندب خروجه من مكة من كداء بالضم والقصر؛ لفعله ﷺ ، وليس هو كدى الصغرى، كما قال ابن شاس وابن راشد؛ لأنه موضع ثالث غيرهما، قاله ابن دقيق العيد.
[محل الركوع: ]
وندب ركوعه -أي: الطائف- بعد العصر للطواف بعد صلاة المغرب، ويبدأ بركعتي الطواف قبل تنفله بعد المغرب (١).
стр. 1350
قال مالك: إذ لا يباح الفصل بين الطواف وجزئه إلا بما هو أعلى منه أو مثله.
وإذا جاز الفصل بين أجزائه بالفرض مع الجماعة فالفصل بينه وبين ركوعه أولى.
[مكان ركعتي الطواف: ]
وندب إيقاع ركعتي الطواف بالمسجد الحرام، وتقدم ندبهما عند المقام، فهو مندوب آخر.
وندب رمل رجل محرم من موضعين:
أحدهما: من أحرم من طرف مجاور لأول الحرم، كالتنعيم، وهو المسمى بمساجد عائشة.
وأشار للآخر بقوله: أو بالإفاضة للمراهق؛ إذ هو الطواف الأول في حقه، ولو لم يكن مراهقًا لطاف للقدوم.
وظاهره: سواء طاف عن نفسه أو عن غيره، ممن لا لطواف تطوع ووداع، فلا يستحب فيها الرمل.
[شرب ماء زمزم: ]
وندب كثرة شرب ماء زمزم، زاد في الذخيرة: والوضوء به لمن بمكة.
стр. 1351
قال ابن عباس: "ماء زمزم لماء شرب له، إن شربته تريد الشفاء شفاك اللَّه، وإن شربته لظمأ أرواك اللَّه، وإن شربته لجوع أشبعك اللَّه" (١).
стр. 1352
وضعف بعضهم: "ماء زمزم لما شرب له"، قائلًا حديث: "الباذنجان لما أكل له" (١) أثبت.
[نقل ماء زمزم: ]
وندب نقله من مكة لغيرها من بلاد الإسلام.
стр. 1353
[مندوبات السعي: ]
وندب للسعي شروط الصلاة من ستر عورة وطهارة حدث وخبث، لكن يسعى الجنب والحائض والنفساء، ولا يريد المصنف كل شروط الصلاة؛ لعدم إمكان الاستقبال.
ويدخل في كلام المصنف ترك الكلام، وهو واضح؛ ففي عد البساطي له مع الاستقبال شيء.
[الخطبة بعد الظهر: ]
وندب للإمام خطبة بعد صلاة ظهر يوم السابع من ذي الحجة بمكة واحدة (١) أي: لا يجلس بينهما كما في توضيحه، فقول البساطي: (لا يخطب خطبتين كما في الجمعة) غير ظاهر.
ويفتتحها بالتكبير، ويخللها به، كالعيد، يخبر الخطيب الناس فيها بالمناسك التي تفعل إلى الخطبة الأخرى.
[الخروج لمنى: ]
وندب خروجه لمنى قدر ما يدرك بها الظهر، فيصليها، ويصلي بها
стр. 1354
أيضًا العصر والمغرب والعشاء، وظاهره: ولو وافق خروجه يوم الجمعة، وهو كذلك عند الجمهور، فإنه الأفضل للمسافرين، وأما المقيمون فيجب عليهم.
[البيات بها: ]
وندب بياته بها ليلة عرفة، وصلاته الصبح بها.
[وقت السير لعرفة: ]
وندب سيره لعرفة بعد الطلوع لشمس ذلك اليوم، ولا يجاوز بطن محسر قبل طلوعها على ثبير، وهو بالمثلثة جبل بمنى.
[النزول بنمرة: ]
وندب نزوله بنمرة موضع بعرفة، نزل به ﷺ .
[خطبة يوم عرفة: ]
وندب خطبتان بعد الزوال يوم عرفة على المشهور، أي: خطبة تشمل عليهما، وخير ابن حبيب في إيقاعهما قبل الزوال أو بعده، وسماهما خطبتين باعتبار الجلوس بينهما، ويعلم الناس فيها صلاتهم بعرفة، ووقوفهم بالمشعر الحرام والدفع منه إلى منى والإسراع بوادي محسر ورمي جمرة العقبة والحلق والتقصير والنحر والذبح وطواف الإفاضة.
تتمة:
بقيت خطبة ثالثة لم يذكرها المصنف، ولعله لترك الناس لها، وتفعل في اليوم الحادي عشر من الحجة أول يوم من أيام الرمي بعد الزوال، وهي واحدة لا يجلس فيها، يعلم الناس فيها حكم مبيتهم بمنى وكيفية الرمي وما يلزم بتركه أو بعضه، وحكم التعجيل والتأخير وطواف الوداع، ونحو ذلك.
[الأذان بعد الخطبة: ]
ثم أذن بالبناء للمفعول بعد الخطبة، وتقام وهو جالس على المنبر، وجمع بين الظهرين، أي: الظهر والعصر إثر الزوال جمع تقديم، ويصلي
стр. 1355
الظهر سرًا، ولو وافق يوم الجمعة، كما فعل ﷺ في حجة الوداع.
وهل يؤذن لكل صلاة ويقيم لها، أو أذان واحد وإقامة؟ قولان، والأول أشهر.
وكلام المصنف يحتملهما؛ لإطلاقه الأذان، وإن كان ظاهرًا في الثاني.
[الدعاء بعرفة: ]
وندب دعاء وتضرع بعرفة من فراغ الصلاة للغروب، وقولنا: (بعرفة) ليخرج وقوف أهل الآفاق تشبيهًا بهم؛ فإنه مكروه، كما أسلفه في سجود التلاوة.
[الطهارة في الوقوف: ]
وندب وقوفه بوضوء؛ ليكون على أكمل الحالات.
[الركوب في الموقف: ]
وندب ركوبه، أي: الواقف به، أي: بوقوفه؛ لأنه ﵊ وقف راكبًا.
[القيام بالموقف: ]
ثم تلي رتبة استحباب الركوب: قيام إلا لتعب، يحصل له، فيجلس.
البساطي: ولم يعلم من كلامه مرتبة الجلوس مع التعب والقيام أيهما أفضل.
[الصلاة بمزدلفة: ]
وندب لمن نفر من عرفة صلاته بمزدلفة للعشاءين؛ لأنه ﷺ صلاهما بها.
[المبيت بها: ]
وندب بياته -أي: الجامع- بها، أي: بالمزدلفة القدر الزائد على الواجب.
стр. 1356
القاموس: من أدركه الليل فقد بات.
الشارمساحي: النزول سنة، والمبيت فضيلة.
الباجي: الفرض من المبيت النزول فيها والمقام بقدر ما يرى أنه مقام.
فلا يكفي إناخة البعير من غير أن يحط ما عليه؛ ولذا قال: وإن لم ينزل بها فالدم على الأشهر.
ابن المواز: وهو بدنة.
ولا فرق بين نزوله أول الليل أو وسطه أو آخره، وبما قررناه يندفع قول البساطي: (ظاهر محبارته أن هذا مستحب، وعبارتهم أنه سنة)، وقول الشارح: (انظر كيف جعل البيات بها مستحبًا، وقد حكى القرافي أن النزول بها واجب)، وتعقب البساطي كلام الشارح قائلًا: (وهل بين وجوب النزول واستحباب شبه منافاة) ظاهر.
وتعقبه لقول المصنف: (وإن لم ينزل فالدم، بأنه قد ذكر أن المبيت مستحب، وفي تركه دم، وهما متنافيان.
وجوابه: بأنه لم يجعل الدم في ترك المبيت، وإنما جعله في ترك النزول، وفيه ترك مستحبان على رأيه) غير ظاهر؛ لما قررناه.
[الجمع: ]
وندب جمع بين مغرب وعشاء أول وقت الثانية، وقصر للثانية فقط لكل من نزل بالمزدلفة، إلا أهلها فيتمون بها.
ثم شبه في الحكم، فقال: كمنى وعرفة، فإذا قصر الإمام بمنى قصر معه أهل عرفة ومردلفة ومكة، ويتم أهل منى، وإذا قصر بعرفة قصر معه غير أهلها، وأتموا هم.
تنبيه:
حاصله: أن أهل كل موضع يتمون فيه بخلاف غيرهم، وهذا للسنة، قاله ابن المواز؛ لأن المسافة دون مسافة القصر.
стр. 1357
[سير من نفر: ]
وإن عجز من نفر عن السير مع الناس به أو بدابته فبعد الشفق، يجمع بينهما حيث كان إن نفر مع الإمام، كذا قرره الشارح، أن العاجز من نفر.
وقال البساطي: من وقف مع الإمام، ثم عجز عن الالتحاق بالناس، فيجمع بين الصلاتين بعد الشفق، بأي مكان كان.
وظاهر عبارته: أنه لا يشترط أن ينفر مع الإمام، وإنما يشترط أن يقف معه.
وإلا بأن لم ينفر معه على تقرير الشارح أو لم يقف معه على تقرير البساطي بل أتى عرفة بعد دفع الإمام فكل من الصلاتين يفعل لوقته، ولا يجمعهما، قاله ابن المواز.
وظاهره: ولو طمع في بلوغ المزدلفة ثلث الليل.
وقال ابن القاسم: إن طمع آخرهما.
[تقديم العشاءين على الشفق: ]
وإن قدمتا -أي: المغرب والعشاء- عليه، أي: على الشفق، بأن قدمهما من نفر مع الإمام وعجز عن إلحاق الناس، أو لم يعجز وصلاهما بالمزدلفة أو غيرها، أعادهما، أطلق الإعادة، وظاهره أبدًا، وهو كذلك في العشاء اتفاقًا، وأما المغرب فهو قول ابن الحبيب.
وحمل الشارح الإعادة على الوقتية؛ لأنه قول ابن القاسم، فإن كان هو الراجح أو المشهور ففي كلامه إجمال؛ حيث أطلقها على الأبدية في واحدة، وعلى الوقتية أخرى.
[زمن الارتحال: ]
وندب ارتحال بعد صلاة الصبح أول وقتها مغلسًا.
[الوقوف بالمشعر: ]
وندب وقوفه بالمشعر الحرام: بفتح الميم، لا كسرها، على
стр. 1358
المشهور، وهو ما بين جبل المزدلفة وقرح: بضم القاف وبالراء المفتوحة ثم حاء مهملة، وهذا هو المعروف.
وقال ابن الحاج: المزدلفة وجمع والمشعر وقرح أسماء مترادفة.
[التكبير والدعاء واقفًا به: ]
يكبر في وقوفه ويهلل، ويدعو للإسفار.
البساطي: الاستحباب متعلق بالقيد.
[استقبال الداعي القبلة: ]
وندب استقباله -أي: الداعي- القبلة، وهو به، أي: عنده.
قال المصنف: والمشعر على يساره.
[زمن الوقوف: ]
ولا وقوف بعده -أي: الإسفار- بل يفوت به، كذا للشارح في الصغير، ومثله للبساطي مستظهرًا له على ما في الكبير من حمل ضمير (بعده) على الإمام، أي: لا يقف أحد بعده، إذا نفر.
وقيد في الجلاب الإسفار بالأعلى، فإن أخره عنه قال ابن القاسم: أساء، ولا شيء عليه عند مالك.
وإنما كان مستحبًا لمخالفة المشركين؛ فإنهم كانوا يقفون حتى تطلع الشمس.
ولا وقوف قبل صلاة الصبح؛ لأنه خلاف السنة، كذا قرره الشارح، ومثله في منسك المصنف، ويحتمل: لا وقوف لمن نفر من المزدلفة قبل الفجر، أي: وقوفه وعدمه سيان.
[الإسراع ببطن محسر: ]
وندب إسراع ببطن وادي محسر، حتى يخرج منه؛ للسنة، وهو وادي بين مزدلفة ومنى قدر رمية حجر، وهل ليس من واحد منهما، وهو رأي
стр. 1359
النووي، أو كبعضه من المزدلفة من منى ذكره صاحب المطالع، أو جميعه من منى. خلاف.
وسمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي: عني.
وقيل: لأنه موضع نزول العذاب عليهم.
ولبعض الشافعية: إن النصارى كانت تقف هناك والجاهلية، وتتفاخر فحولها، وتسميه أهل مكة وادي النار، يقال: إن رجلًا صاد فيه فنزلت نار فأحرقته.
ويقال له أيضًا: المهلك.
[تعجيل رمية العقبة: ]
وندب رميه العقبة، أي: جمرتها مبادرًا بذلك حين وصوله إلى منى قبل حط رحله؛ فالاستحباب متعلق بالصفة، وهي الوصول، فيرميها على حالته التي هو عليها؛ طلبًا للتعجيل.
قال في الذخيرة: لأنه تحية الحرام. انتهى. يريد تحيته بعد مجيئه من جبل عرفة، كما أن تحية البيت الطواف.
ثم بالغ على تعجيل ذلك بقوله: وإن راكبًا، أي: لأنه الشأن، ولا يؤخره للنزول، وبهذا يندفع قول الشارح في الكبير: ظاهره أن الركوب فيها مرجوح، وهو خلاف ما في المدونة.
[المشي في غير يوم النحر: ]
وندب المشي في غيرها، أي: وفيها أيضًا في غير يوم النحر.
[التحلل الأصغر: ]
وحل بها، أي: بجمرة العقبة، أي: إن رماها يوم النحر.
قال في الذخيرة: أو يخرج وقتها حل كل ما كان محرمًا على المحرم.
غير قربان نساء وصيد، فإن حرمتهما باقية عليه.
стр. 1360
[الطيب: ]
وكره الطيب، فلا فدية فيه على المشهور، وهذا هو التحلل الأصغر.
[التكبير مع الرمي: ]
وندب تكبيرة واحدة مع رمي كل حصاة.
البساطي: التاء من تكبيرة حرف؛ إذ لو كانت ضميرًا لشملت الواحدة والأكثر.
وأشعر قوله: (تكبيرة) بأنه لا يبيح بدلها، وهو كذلك.
قيل لمالك: فإن سبح؟
قال: السنة التكبير.
فائدة:
إن ترك التكبير فلا شيء عليه؛ إذ ليس في الإحرام ذكر يجب الدم بتركه إلا التلبية.
[تتابع الحصيات: ]
وندب تتابعها -أي: الحصيات- في زمنه، لكل من الثلاث.
قال سند: يتبع الحصاة الثانية للأولى من غير تربص إلا بمقدار يتميز به كونهما رميتين، ولا يبعد أن يتحد ذلك بوصول الحصاة للجمرة، لا بوقوعها في الأرض حولها.
والمستحب: رمي الحصاة بأصبعه، لا بقبضته.
تنبيه:
قال في مناسكه: الترتيب بين الثلاث واجب.
[صفة الحصى: ]
وندب لقطها صحيحة، لا كسرها.
стр. 1361
ابن القاسم وغيره: يستحب من المزدلفة.
[محل الذبح: ]
وندب ذبح قبل الزوال يوم النحر.
[محل طلب الضالة: ]
وندب طلب بدنته الضالة له، أي: للزوال، ليحلق بعد النحر؛ إذ النحر قبل الزوال مستحب، وقبل الحلق مستحب، فيطلبها لينحرها إن أصابها، لتحصيل هذين المستحبين، فإن لم يصبها حلق.
تنبيه:
قال سند: يستحب الهدي بخلاف الأضحية؛ لتعلقها بالصلاة، ولا صلاة عيد على أهل منى، فلذلك جاز الهدي قبل الشمس.
[العمل بعد النحر: ]
ثم الذي يفعله بعد النحر حلقه جميع رأسه أفضل من تقصيره.
قال المصنف في مناسكه: ومن يعجز عن التقصير لعدم الشعر أو ضفره تعين في حقه الحلق، بأن يص الموسى على رأسه، ويتعين الحلق أيضًا في حق من ضفر أو عقص أو لبد للسنة، نعم إن لبدت المرأة فليس عليها إلا التقصير. انتهى.
وذكره بثم المرتبة لأن الذي يفعل بمنى يوم النحر ثلاثة على ترتيب:
- الرمي.
- فالنحر.
- فالحلاق.
ولذا قال البساطي: لا يريد بـ (ثم) هنا أنه بعده في الفضيلة كما تقدم له، وإنما يريد أن الفضيلة على هذا الوجه.
стр. 1362
تنبيه:
حلق المعتمر أفضل من تقصيره، إلا أن يعقبه الحج بيسير أيام ف التقصير أفضل أيضًا (١) إبقاء للشعث عليه في الحج.
[الحلق بغير الحديد: ]
ولما كان الحلق بالحديد أفضل اتفاقًا، أشار للخلاف في غيره بقوله: ولو بنورة، خلافًا لأشهب: لا يجزئه للتعبد، إن عم رأسه.
ابن التبان: ويبلغ به العظمين اللذين في الصدع عند منتهى اللحية.
ومفهوم الشرط عدم إجزاء البعض، وإطلاقه الحلاق يتناول الأقرع، وهو كذلك؛ ففي المدونة: يجر الموسى على رأسه؛ لأنه عبادة تتعلق بالشعر، فينتقل للبشرة عند فقده، كالمسح في الوضوء.
[التقصير: ]
والتقصير مجزئ عن الحلق، وفي قوله: (مجزئ) إشارة لمفضوليته، وهو كذلك، لخبر: "اللهم ارحم المحلقين. . " الحديث (٢).
وهو -أي: التقصير- سنة المرأة.
стр. 1363
ابن القاسم: ويجزئ بالمقراض والفم (١).
تذييل:
لا يعلم من كلامه حكم مخالفتها سنتها، وفيه قولان: المنع والكراهة، وهذا ما لم يكن برأسها أذى.
وقوله: (المرأة) يشمل بنت عشر وتسع، وهو كذلك، قاله اللخمي.
قال: وإن كانت صغيرة جاز لها الحلق.
وفي منسك المصنف: الحلاق أفضل في حق الرجل والصغير.
تكميل:
في سماع ابن القاسم: لو نسيت التقصير فذكرته ببلدها بعد سنين قصرت، وعليها دم.
[صفة التقصير: ]
ولما كانت صفة التقصير مختلفة بالنسبة للرجل والمرأة بينه بقوله: تأخذ المرأة من أطراف شعرها قدر الأنملة من جميعه.
ابن عرفة: روى ابن حبيب قدر الأنملة أو فوقها بيسير أو دونها به، ورواية الطراز: قدر الأنملة، لا أعرفه. انتهى.
ولو قال المصنف: (كالأنملة) لسلم من هذا، وفي نسخة الأقفهسي (تأخذ) موضع (يأخذ).
ويأخذ الرجل من قرب أصله، قريب من هذا قول الموازية: يجز ذلك جزءًا، وإن أخذ من أطرافه أجزاء، ويجزئه.
تتميم:
يستحب في الحلق والتقصير البداءة بالشق الأيمن، ويستقبل المحلوق رأسه القبلة.
стр. 1364
[الإفاضة: ]
ثم بعد رمي جمرة العقبة والنحر والذبح إن كان معه ما يذبح أو ينحر والحلق أو التقصير يفيض، أي: يستحب أن يطوف للإفاضة بعدهما، وهو التحليل الأكبر، وهو من جملة الشعائر التي تفعل يوم النحر.
ومنها السعي بعده لكل من لم يسع أولًا، وقدم المصنف منها رمي جمرة العقبة ونحو الهدي والحلق والتقصير.
ومنها الإسراع ببطن محسر.
ومنها الإتيان لمنى.
ومنها العود إليها.
ومنها المبيت بها.
وحل به -أي: بطواف الإفاضة- ما بقي محرمًا، وهو النساء والصيد، أو مكروهًا، وهو الطيب إن حلق أو قصر لتمام تحلله حينئذ.
[الوطء بعد الإفاضة وقبل الحلق: ]
وإن طاف للإفاضة ولم يحلق ووطئ قبله -أي: قبل الحلق- فدم؛ لأنه من تمام التحلل، بخلاف الصيد بعد الإفاضة وقبل الحلق؛ لأن تأخير الحلق لا يمنع الصيد، ولا يوجب جزاء على المشهور، وفرقوا بينه وبين النساء بشدة الوطء.
[ما يجب فيه الدم: ]
ثم شبه مسائل في وجوب الدم، وأشار لأحدها بقوله: كتأخير الحلق لبلده ناسيًا أو جاهلًا، ونحوه في المدونة، وظاهره: لو حلق قبل رجوعه لا شيء عليه، على أن التونسي قيد المدونة، فقال: قولها: (وإن أخر الحلاق حتى رجع لبلده جاهلًا أو ناسيًا حلق أو قصر وأهدى) يريد أو طال ذلك، ومثله في منسك المصنف.
стр. 1365
وأشار لثانيها بقوله: أو تأخير طواف الإفاضة للمحرم، ونحوه في الجلاب.
تذنيب:
سند: وتحديد أول وقت الإفاضة مبني على تحديد أول وقت الرمي، هل طلوع شمس يوم النحر أو فجره أو نصف الليل، وأما تحديد آخره فالمختار عند أصحابنا تتميم الشهر، وعليه الدم بدخول المحرم.
وأشار لثالثها بقوله: وتأخير رمي كل حصاة من العقبة أو غيرها، أو الجميع لليل.
قال في مناسكه: الرمي من الأبعاض المجبورة بالدم.
ولا خلاف في وجوبه مع الفوات، ولا في سقوطه مع الأداء، والمشهور وجوبه مع القضاء، ويجب سواء ترك جمرة أو حصاة أو جميع الرمي؛ ففي ترك الجمار لها أو جمرة بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، وفي الحصاة يهدي ما شاء. انتهى.
ولما كان حكم الصبي في تأخير الرمي عنه حكم البالغ بالغ عليه بقوله: وإن كان التأخير لصغير لا يحسن الرمي، أخر من أحجه الرمي عنه لليل، فالدم على من أحجه، وأحرى صغير يحسن الرمي، فإنه يرمي عن نفسه، ولو أخر لليل فالدم على من أحجه.
ثم نوع في المبالغة، فقال: أو عاجز عن الرمي لمرض به، فهو كالصغير الذي لا يحسن الرمي في وجوب الدم لتأخير الرمي لليل.
[الاستنابة في الرمي: ]
ويستنيب العاجز من يرمي عنه، وظاهره كان يرجو الراحة أيام التشريق أو لا، خلافًا لابن عبد الحكم في أنه إن رجى أخر فيما بينه وبين غروب الشمس من آخر أيام منى.
стр. 1366
وإذا استناب العاجز فيتحرى وقت الرمي عنه، وكبر لكل حصاة تكبيرة.
زاد في المدونة: وليقف الرامي عنه عند الجمرتين للدعاء، وحسن أن يتحرى المريض ذلك الوقوف، ويدعو، وعلى المريض الدم، لأنه لم يرم، وإنما رمي عنه.
وأعاد العاجز إن صح، فيرمي ما كان رمي عنه في مرضه قبل الفوات بالغروب من اليوم الرابع، وعليه الدم، ولو رمي عنه العقبة، وصح يومها أعاد، ولا دم، لأن جميع يومها أداء لها.
وأفضله من طلوع الشمس للزوال، وإن صح ليلًا أعاد، وسيأتي من كلامه حكم المريض المطيق للرمي.
وقضاء كل من العقبة وغيرها إليه، أي: غروب الرابع، والليل قضاء، لما فات من رمي اليوم الذي قبله.
تلخيص:
علم مما تقدم أن للرمي وقت أداء، يجوز فيه التأخير، ولا دم، وهو يوم النحر لجمرة العقبة، وكل يوم بالنسبة للجمار الثلاثة وقت قضاء، لا يجوز التأخير إليه، وفيه الدم، ووقت فوات لا يرمي فيه بوجه.
[رمي المريض المطيق: ]
وحمل مطيق وجد من يحمله، ورمى عن نفسه، ولا يرم في كف غيره ليرمي عنه، إذ لا يعد راميًا، ونحوه في المدونة.
[عود على ما يجب فيه الدم: ]
ولما أسلف أن تأخير الحلق إلى بلده أو الإفاضة للمحرم موجب للدم عطف عليه ما يجب فيه الدم، فقال: أو تقديم الحلق على الرمي موجب للدم؛ لوقوعه قبل حصول شيء من التحلل.
ابن المواز: ويمر الموسى على رأسه بعد الرمي.
стр. 1367
لأن الحلق الأول غير معتد به، أو الإفاضة -أي: تقديمها- على الرمي.
وهذا النوع من المخالفة موجب للدم، لا إن خالف في غير، كأن حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، فلا دم عليه على الأصح.
[العودة للمبيت بمنى: ]
وعاد لزومًا بعد طواف الإفاضة يوم النحر للمبيت بمنى فوق جمرة العقبة، ولا يجوز مبيته أسفل منها لجهة مكة، لأنه ليس منه.
تنبيه:
لم يذكر حد منى من جهة عرفة، وهو وادي محسر على أحد الأقوال الثلاثة السابقة.
وإذا عاد لمنى بات بها ثلاثًا إن لم يتعجل، وحذف التاء لأنها ليال، وأشعر قوله: (عاد للمبيت) بأنه لا يلزمه ذلك عقب الطواف فورًا، بل له التربص بعده، وهو كذلك، ولكن فورًا أفضل.
[ترك المبيت بمنى: ]
وإن ترك المبيت بمنى جل ليلة فدم، قاله مالك في الموازية، أو عاد للمبيت بمنى لزمه مبيت ليلتين إن تعجل، ولم يبت بمكة، ولو بات بمكة على المشهور.
وقال ابن الماجشون وابن حبيب: يلزمه العود للرمي لخروجه عن سنة التعجيل، ويلزمه الدم إن لم يرجع.
وعلى المشهور سواء كان المتعجل آفاقيًا أو مكيًا؛ إذ لا فرق بينهما في جواز التعجيل، وسواء كان تعجيل المكى لعذر أو لا، وهو قول مالك، وله أيضًا: لا أراه له إلا لعذر.
[التعجل: ]
وإذا تعجل فله ذلك قبل الغروب من اليوم الثاني، فإن غربت شمس
стр. 1368
الثاني وهو بمنى لم يبح له التعجيل؛ لأنه لم يصدق عليه أنه تعجل في يومين، ويدخل في عبارته من تعجل قبل الغروب من الثاني وطاف للإفاضة وانصرف وكان ممره بمنى، ولم يخرج منها حتى غربت عليه الشمس فليمض ولا يضره ذلك، نص عليه في الجلاب.
وكذلك من نسي بمنى شيئًا فرجع له فغربت عليه بها فلا يضره ذلك، وكذا من ليس شأنه التعجيل، فطاف للإفاضة، ورجع لمنى فبدا له قبل الغروب أن يتعجل فله ذلك، ذكرهما صاحب النوادر.
وإذا تعجل في ليلتين فيسقط عنه رمي اليوم الثالث، ومبيت ليلته، وإلا فلا فائدة في التعجيل حينئذ.
ولابن حبيب يرمي للثالث عند رميه للثاني.
[مسألة: ]
ورخص لراع (١) على وجه الجواز -كما في الجلاب- بعد رميه جمرة العقبة يوم النحر أن ينصرف من منى لرعيه، ويقيم فيه يومه وليلته وغده وليلته.
ويأتي لمنى اليوم الثالث من يوم النحر فيرمي فيه اليومين اليوم الثاني
стр. 1369
الذي مضى، وهو في رعيه، والثالث الذي حضر فيه وهو يوم النفر الأول، ثم يتعجل إن شاء ويسقط عنه رمي الرابع، أو يقيم ويرمي له مع الناس وينفر وهو يوم النفر الثاني.
[تقديم الضعفة في النفر: ]
ولما كان المطلوب استحباب الدفع مع الإمام من المزدلفة، ولا يتعجل قبله، ووسع للنساء والصبيان التقدم والتأخر كما في المدونة وغيرها قال: وتقديم الضعفة إلى منى في الرد من عرفة للمزدلفة.
البساطي: (تقديم) عطف على (أن ينصرف)، والنظم هكذا: أو رخص أن ينصرف الراعي بشرطه وتقديم.
يعني: أن من هو ضعيف وشبهه رخص له أن يتقدم إلى منى في الرد من عرفة إلى المزدلفة.
فقوله: (للمزدلفة) متعلق بالرد، والذي يتعلق بالتقديم محذوف، كما قررناه إلى منى.
تنبيهات:
الأول: تكلم المصنف على التقديم خاصة، وإن كان التأخير كذلك، وكأنه قصد موضع النص، وهو تقديم أم حبيبة، إذ بعث بها ﷺ من جمع.
الثاني: لم نحمل عبارته على ظاهرها من أن الرخصة التقديم من عرفة عند أهل المذهب.
الثالث: لو قال: (وتقديم الضعفة أو تأخيرهم من المزدلفة لمنى) لأفاد المسألتين.
[ترك النزول بالمحصب: ]
وترك التحصيب -أي: رخص في ترك النزول بالمحصب- لغير مقتدى به، وأما المقتدى به فلا يرخص له في تركه.
стр. 1370
[العمل بعد الإفاضة: ]
ثم ذكر ما يفعله من عاد بعد الإفاضة إلى منى بقوله: ورمى الجمار كل يوم بعد يوم النحر الثلاث، كل واحدة منها بسبع حصيات، بادئًا بالأولى، وهي التي تلي مسجد منى، ثم الوسطى التي بالسوق، وختم بالعقبة.
[وقت أدائها: ]
ووقت أدائها في كل يوم من الأيام الثلاثة من الزوال للغروب، فلو رمى قبل الزوال أعاد، ولو أخر عن الغروب قضى.
[شرط صحة الرمي: ]
وصحته -أي: الرمي- يكون بحجر، قال في الذخيرة: ولا يختص بجبس، بل ما سمي حجرًا أو رخامًا أو برامًا، كحصى الخذف بمعجمتين، الذي يرمى بالأصابع.
وفي المدونة: استحب مالك كونه أكبر من حصى الخذف قليلًا. الذخيرة: يكره بكبير، لئلا يؤذي الناس، ولا يرمي بصغير كالقمحة والحمصة، لأنه في حكم العدم.
البساطي: ونبه بقوله: (كحصى الخذف) على إخراج الزلط ونحوه.
ورمى بالجر، أي: يشترط الرمي، فلا يجزئ الوضع.
[الرمي بمتنجس: ]
ويجزئ وإن رمى بمتنجس ذكره ابن الحاج في مناسكه عن مالك، وإذا رمي فيرمي على المجمرة.
الباجي: اسم لموضع الرمي، سميت باسم ما يرمى فيها.
قال المصنف في مناسكه: ولا يرمي في البناء، بل يرمي أسفله لموضع الحصى.
فقول الشارح: (مراده هنا بالجمرة البناء، وما تحته) مخالف لذلك.