← Фикх малики

Фикх малики · id 150676

جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر

التتائي

Полный текст (3 498 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وإذا استناب العاجز فيتحرى وقت الرمي عنه، وكبر لكل حصاة تكبيرة. زاد في المدونة: وليقف الرامي عنه عند الجمرتين للدعاء، وحسن أن يتحرى المريض ذلك الوقوف، ويدعو، وعلى المريض الدم، لأنه لم يرم، وإنما رمي عنه. وأعاد العاجز إن صح، فيرمي ما كان رمي عنه في مرضه قبل الفوات بالغروب من اليوم الرابع، وعليه الدم، ولو رمي عنه العقبة، وصح يومها أعاد، ولا دم، لأن جميع يومها أداء لها. وأفضله من طلوع الشمس للزوال، وإن صح ليلًا أعاد، وسيأتي من كلامه حكم المريض المطيق للرمي. وقضاء كل من العقبة وغيرها إليه، أي: غروب الرابع، والليل قضاء، لما فات من رمي اليوم الذي قبله. تلخيص: علم مما تقدم أن للرمي وقت أداء، يجوز فيه التأخير، ولا دم، وهو يوم النحر لجمرة العقبة، وكل يوم بالنسبة للجمار الثلاثة وقت قضاء، لا يجوز التأخير إليه، وفيه الدم، ووقت فوات لا يرمي فيه بوجه. [رمي المريض المطيق: ] وحمل مطيق وجد من يحمله، ورمى عن نفسه، ولا يرم في كف غيره ليرمي عنه، إذ لا يعد راميًا، ونحوه في المدونة. [عود على ما يجب فيه الدم: ] ولما أسلف أن تأخير الحلق إلى بلده أو الإفاضة للمحرم موجب للدم عطف عليه ما يجب فيه الدم، فقال: أو تقديم الحلق على الرمي موجب للدم؛ لوقوعه قبل حصول شيء من التحلل. ابن المواز: ويمر الموسى على رأسه بعد الرمي.

стр. 1367

لأن الحلق الأول غير معتد به، أو الإفاضة -أي: تقديمها- على الرمي. وهذا النوع من المخالفة موجب للدم، لا إن خالف في غير، كأن حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، فلا دم عليه على الأصح. [العودة للمبيت بمنى: ] وعاد لزومًا بعد طواف الإفاضة يوم النحر للمبيت بمنى فوق جمرة العقبة، ولا يجوز مبيته أسفل منها لجهة مكة، لأنه ليس منه. تنبيه: لم يذكر حد منى من جهة عرفة، وهو وادي محسر على أحد الأقوال الثلاثة السابقة. وإذا عاد لمنى بات بها ثلاثًا إن لم يتعجل، وحذف التاء لأنها ليال، وأشعر قوله: (عاد للمبيت) بأنه لا يلزمه ذلك عقب الطواف فورًا، بل له التربص بعده، وهو كذلك، ولكن فورًا أفضل. [ترك المبيت بمنى: ] وإن ترك المبيت بمنى جل ليلة فدم، قاله مالك في الموازية، أو عاد للمبيت بمنى لزمه مبيت ليلتين إن تعجل، ولم يبت بمكة، ولو بات بمكة على المشهور. وقال ابن الماجشون وابن حبيب: يلزمه العود للرمي لخروجه عن سنة التعجيل، ويلزمه الدم إن لم يرجع. وعلى المشهور سواء كان المتعجل آفاقيًا أو مكيًا؛ إذ لا فرق بينهما في جواز التعجيل، وسواء كان تعجيل المكى لعذر أو لا، وهو قول مالك، وله أيضًا: لا أراه له إلا لعذر. [التعجل: ] وإذا تعجل فله ذلك قبل الغروب من اليوم الثاني، فإن غربت شمس

стр. 1368

الثاني وهو بمنى لم يبح له التعجيل؛ لأنه لم يصدق عليه أنه تعجل في يومين، ويدخل في عبارته من تعجل قبل الغروب من الثاني وطاف للإفاضة وانصرف وكان ممره بمنى، ولم يخرج منها حتى غربت عليه الشمس فليمض ولا يضره ذلك، نص عليه في الجلاب. وكذلك من نسي بمنى شيئًا فرجع له فغربت عليه بها فلا يضره ذلك، وكذا من ليس شأنه التعجيل، فطاف للإفاضة، ورجع لمنى فبدا له قبل الغروب أن يتعجل فله ذلك، ذكرهما صاحب النوادر. وإذا تعجل في ليلتين فيسقط عنه رمي اليوم الثالث، ومبيت ليلته، وإلا فلا فائدة في التعجيل حينئذ. ولابن حبيب يرمي للثالث عند رميه للثاني. [مسألة: ] ورخص لراع (١) على وجه الجواز -كما في الجلاب- بعد رميه جمرة العقبة يوم النحر أن ينصرف من منى لرعيه، ويقيم فيه يومه وليلته وغده وليلته. ويأتي لمنى اليوم الثالث من يوم النحر فيرمي فيه اليومين اليوم الثاني

стр. 1369

الذي مضى، وهو في رعيه، والثالث الذي حضر فيه وهو يوم النفر الأول، ثم يتعجل إن شاء ويسقط عنه رمي الرابع، أو يقيم ويرمي له مع الناس وينفر وهو يوم النفر الثاني. [تقديم الضعفة في النفر: ] ولما كان المطلوب استحباب الدفع مع الإمام من المزدلفة، ولا يتعجل قبله، ووسع للنساء والصبيان التقدم والتأخر كما في المدونة وغيرها قال: وتقديم الضعفة إلى منى في الرد من عرفة للمزدلفة. البساطي: (تقديم) عطف على (أن ينصرف)، والنظم هكذا: أو رخص أن ينصرف الراعي بشرطه وتقديم. يعني: أن من هو ضعيف وشبهه رخص له أن يتقدم إلى منى في الرد من عرفة إلى المزدلفة. فقوله: (للمزدلفة) متعلق بالرد، والذي يتعلق بالتقديم محذوف، كما قررناه إلى منى. تنبيهات: الأول: تكلم المصنف على التقديم خاصة، وإن كان التأخير كذلك، وكأنه قصد موضع النص، وهو تقديم أم حبيبة، إذ بعث بها ﷺ من جمع. الثاني: لم نحمل عبارته على ظاهرها من أن الرخصة التقديم من عرفة عند أهل المذهب. الثالث: لو قال: (وتقديم الضعفة أو تأخيرهم من المزدلفة لمنى) لأفاد المسألتين. [ترك النزول بالمحصب: ] وترك التحصيب -أي: رخص في ترك النزول بالمحصب- لغير مقتدى به، وأما المقتدى به فلا يرخص له في تركه.

стр. 1370

[العمل بعد الإفاضة: ] ثم ذكر ما يفعله من عاد بعد الإفاضة إلى منى بقوله: ورمى الجمار كل يوم بعد يوم النحر الثلاث، كل واحدة منها بسبع حصيات، بادئًا بالأولى، وهي التي تلي مسجد منى، ثم الوسطى التي بالسوق، وختم بالعقبة. [وقت أدائها: ] ووقت أدائها في كل يوم من الأيام الثلاثة من الزوال للغروب، فلو رمى قبل الزوال أعاد، ولو أخر عن الغروب قضى. [شرط صحة الرمي: ] وصحته -أي: الرمي- يكون بحجر، قال في الذخيرة: ولا يختص بجبس، بل ما سمي حجرًا أو رخامًا أو برامًا، كحصى الخذف بمعجمتين، الذي يرمى بالأصابع. وفي المدونة: استحب مالك كونه أكبر من حصى الخذف قليلًا. الذخيرة: يكره بكبير، لئلا يؤذي الناس، ولا يرمي بصغير كالقمحة والحمصة، لأنه في حكم العدم. البساطي: ونبه بقوله: (كحصى الخذف) على إخراج الزلط ونحوه. ورمى بالجر، أي: يشترط الرمي، فلا يجزئ الوضع. [الرمي بمتنجس: ] ويجزئ وإن رمى بمتنجس ذكره ابن الحاج في مناسكه عن مالك، وإذا رمي فيرمي على المجمرة. الباجي: اسم لموضع الرمي، سميت باسم ما يرمى فيها. قال المصنف في مناسكه: ولا يرمي في البناء، بل يرمي أسفله لموضع الحصى. فقول الشارح: (مراده هنا بالجمرة البناء، وما تحته) مخالف لذلك.

стр. 1371

[مسألة: ] ولما أفاد أن الرمي على الجمرة، خشي أن يتوهم أنه لابد من إصابتها أولًا، فدفع ذلك الوهم بقوله: دان أصابت تلك الحصاة غيرها -أي: غير الجمرة- كما لو أصابت شيئًا دونها ثم ذهبت إلى الجمرة فإنها تجزئ إن ذهبت لها بقوة. سند: لاتصال الرمي بها بمثابة من رمى صيدًا فأصاب السهم حجرًا أو تقلب السهم بحده الرمية إلى الصيد فقتله، فإنها ذكاة تامة. وشمل قوله: (بقوة) ما لو وقعت دونها، ثم تدحرجت إليها، فإنها تجزئ، وهو كذلك؛ لأنه من فعله، وأنه لو ذهبت إليه لا بقوة الرمية بل بنفض من إصابته لم يجزئه؛ لأنها إنما وصلت لها بفعل الذي نفضها، كمن رمى صيدًا بحجر فوقع في حجر رجل فنفضه، فأصاب الذكاة، لم يؤكل بحال؛ لأنه لم يمت برمي الصائد، بل برمي الذي نفض الحجر ثانيًا. لا إن وقعت دونها، ولم تصل لها لم يجزئ، ومفهوم دون مفهوم موافقة، كما لو رماها فتجاوزتها، ثم وقعت بالبعد منها. سند: لأن رميه لم يتصل بها. [مسألة: ] ثم بالغ على صورة يتوهم فيها الإجزاء، وليس كذلك، فقال: وان أطارت غيرها -أي: غير التي وقعت دون الجمرة- بأن رماها، فوقعت على حصاة غيرها، فأطارتها لها -أي: للجمرة- فإنها لا تجزئ، ونحوه لسند. [ما يجزئ في الرمي: ] ولا يجزئ طين؛ لأن الشرط كونه حجرًا، ولا معدن متطرق، كـ: ذهب وفضة وحديد وشبهها، أو غير متطرق، كـ: زرنيخ. قال في الذخيرة: على ظاهر المذهب.

стр. 1372

[مسألة: ] وفي إجزاء ما وقف مما رمي به بالبناء في شقوقه وعدم إجزائه تردد لسيدي عبد اللَّه المنوفي والشيخ خليل المكي. تنبيه: توهم ابن فرحون أن الشيخ خليل هو المصنف، فعزا الثاني له، وليس كذلك. [عود على شرط صحة الرمي: ] وشرط صحة الرمي ترتبهن، أي: الجمرات الثلاث، فيبدأ بالأولى، وهي التي تلي مسجد منى، ثم الوسطى، ثم العقبة. الباجي: وهو واجب، كركعات الصلاة، وتقدم نحوه عن سند. [مسألة: ] وأعاد ما حضر بعد الجمرة المنسية من اليوم الذي ذكرها فيه، كأن نسي الأولى من اليوم الثاني، ورمى الثالث والرابع، ثم تذكر ما نسيه رماه، وأعاد ما بعدها، أي: ما بعد المنسية في يومها، وهو: الثانية والثالثة منه فقط، ولا يعيد جمرات اليوم الثلاث، ويرمي الثالث عن الرابع. [مندوبات الرمي: ] ولما ذكر شروط الرمي شرع في مندوباته، فقال: وندب تتابعه، بحيث لا يفرق بين أجزاء الجمرات، ولو بأجزاء كل منهما، ورتب على ذلك قوله: فإن رمى الجمار ثاني يوم النحر كل جمرة بخمس خمس، ثم ذكر ذلك في يومه أو عنده اعتد بالخمس الأول في الجمرة الأولى، وكملها بحصاتين، ورمى كلًّا من الثانية والثالثة بسبع سبع، ونحوه في المدونة. تنبيه: ما ذكره هنا صرح بتشهيره الباجي وابن بشير، وصدر به في الجواهر، واعتمده المصنف متعقبًا به تشهير ابن الحاجب، حيث قال: فلو كانت

стр. 1373

حصاة لم يكتف برمي حصاة على المشهور. وإن رمى الجمار الثلاث لم يدر موضع حصاة نسيها منها اعتد بست من الأولى؛ لاحتمال كونها منها، وكملها بواحدة، وبطلت الثانية والثالثة؛ لعدم الترتيب، ولا تبطل الأولى على احتمال كونها من الثانية أو الثالثة. ومفهوم (حصاة) مفهوم موافقة، ومنه المسألة السابقة. تنبيه ان: الأول: ظاهر كلامه سواء بقي ما نساه في يده أو لا، وهو كذلك على أحد القولين. ابن عبد الحكم: وهو أحب إليّ. والثاني: يعيد الجميع بسبع سبع، إن لم يبق في يده شيء. الثاني: ربما أشعر عموم كلامه بأنه لا فرق بين نسيان ذلك مرة أو مرتين. قال سند: إذا أخذ يفعل ما نسيه على أحد القولين ممن ابتدأ رمي الأولى وإتمامه وفعل جميع الرمي في الباقي فسها أيضًا عن حصاة، اختلف قول مالك فيه كاختلافه فيمن رأى بثوبه نجاسة، وهو في الصلاة، فقطع وذهب ليغسلها، فنسي أيضًا، وصلى، يعيد صلاته الثانية، كما لو نسيها أولًا. وأجزأ تفريق الرمي كرميه عنه سبعًا في جمرة وعن صبي سبعًا فيها، وكذا الثانية والثالثة، ولا يفرق بين أن يبدأ بنفسه أو بالصبي، ولو كان التفريق بأن رمى في كل جمرة حصاة حصاة واحدة عنه، وأخرى عن الصبي على المشهور ليسارة التفريق. تنبيه: قررنا كلامه على التفريق؛ إذ لو رمى رميًا واحدًا عنه وعن الصبي لم يجزئه، كما في الجلّاب، ولذا تورك عليه البساطي قائلًا: لا يؤخذ من

стр. 1374

كلامه أنه رمى عنه، ثم الصبي، وكذا لا يجزئ رمي السبع في مرة واحدة، فإن وقع فكراحلة، وكذا لو رمى في مرة بحصاتين، اعتد بواحدة، والأخرى لغو. وندب رمي العقبة أول يوم من أيام النحر طلوع الشمس للزوال، وقول ابن القاسم في العتبية: وإذا زالت الشمس فات الرمي، محمول على فوات وقت الفضيلة، وليس هو بمكرر مع ما سبق من استحباب رمي العقبة أول يوم حين وصوله؛ لأن الفرض هنا بيان أن يوم النحر وقت لها لا لغيرها. وإلا بأن فات الرمي عند طلوع الشمس فالمستحب لها رميها إثر الزوال قبل صلاة الظهر؛ تشبيهًا لها ببقية الجمار، ويحتمل أن يريد بيان المستحب من الرمي في غير يوم النحر في جميعها. وندب وقوفه -أي: الرامي- إثر رمي الجمرتين الأوليين للذكر والدعاء قدر إسراع القارئ سورة البقرة، وأخرج بالأوليين أنه لا يقف عند العقبة، وهو كذلك. وندب تياسره في وقوفه للدعاء في الجمرة الثانية، ولا يجعلها خلف ظهره للسنة، ويستقبل الكعبة في وقوفه، ولم يذكر صفة وقوفه لرميها، وهو أن يقف له مما يلي مسجد مِنًى. وفهم من استحباب تياسره لدعاء الثانية أنه لا يتياسر في وقوفه لدعاء الأولى، وهو كذلك، ولا ذكر صفة وقوفه لرميها ولا لرمي العقبة، والمستحب أن يرمي الأولى من أعلاها مما يلي مسجد مِنى، ثم ينحدر أمامها للوادي مما يلي الوسطى، ويجعلها خلف ظهره. وأمَّا العقبة فيرميها من أسفلها، ولا يدعو عندها.

стр. 1375

[مسألة: ] وندب تحصيب الراجع من مِنى لمكة، فينزل له بعد الزوال ليصلي (١) به أربع صلوات، وينتهي نزوله بعد العشاء، ثم يدخل مكة لفعله ﵊، وقد ترك نزوله في هذا الزمان، قال القرافي: وليس بنسك. البساطي: ليست اللام في ليصلي للعلة، بل للغاية. [طواف الوداع: ] وندب طوَاف الوداع: بفتح الواو وكسرها، إن خرج من مكة من أهلها أو من غيرهم لموضع بعيد بكالجحفة من المواقيت الإفاضة، وسواء خرج لضرورة أو زيارة أو نحوها. وسمي وداعًا لأنه يودع البيت، وهو آخر نسك يفعله الحاج، لا إن خرج لمكان قريب كالتنعيم والجعرانة، فلا يندب له التوديع، إلا أن يريد إقامة طويلة. وإن كان الخارج بكالجحفة صغيرًا أو امرأة أو عبدًا فإنه يودع، وهل يقبّل الحجر بعد وداعه أو لا؟ رأيان لسند وابن فرحون. [ما يتأدى به: ] وتأدى طوَاف الوداع بالإفاضة، وبطواف العمرة، أي: ينوب كل منهما عنه إذا خرج من فوره وسعيه للعمرة لا يعد طولًا، ولا يرجع في خروجه

стр. 1376

من المسجد عقب طواف الوداع القهقرى بالقصر ماشيًا لخلف ووجهه للبيت؛ لعدم وروده عنه ﷺ . ولم يعلم من كلام المؤلف عين الحكم، وأشار بذلك لمخالفة الحنفية. [ما يبطله: ] وبطل كونه للوداع مع كونه صحيحًا في نفسه بإقامة فاعله بمكة بعده بعض يوم، ويستحب له الإتيان بوداع غيره، لا بإقامة فاعله بها لشغل خف، كشراء طعامه، فلا يودع ثانيًا. [تركه: ] ورجع له من تركه جملة، أو بطل كونه وداعًا له، أن لم يخف فوات أصحابه الذين يسير بسيرهم لحصول المشقة عليه بفوتهم. [الحيض قبل الإفاضة: ] وإذا حاضت المرأة قبل إفاضتها حبس لها الكري والولي محرمًا كان أو زوجًا لحيض، أي: قدره مبتدِئة كانت أو معتادة، ولو أيام الاستظهار، أو لحصول نفاس قدره، أي: الحيض أو النفاس، فإن زاد لسقم لم يحبس كريها. وحيث حبس لم يزد له شيء وقيد الحبس إن أمن الطريق؛ كذا قيده ابن اللباد، وخرج بقيد الأمن خوف الطريق كهذا الزمان. عياض: يفسخ الكراء اتفاقًا. وحبس الرفقة لها مع الكري في كيومين، ولا يحبسون فيما زاد على ذلك، بل الكري فقط. [الرمي بمرمي به: ] وكره على المشهور رمي بمرمي به؛ لأنه ﷺ رمي بحصيات، فلو كان الرمي بما رمي به مباحًا لتسابق الناس لما رمي به.

стр. 1377

تنبيه: ظاهر كلامه أنه لا فرق بين ما رمي به هو أو غيره في يومه أو قبله في الجمرة التي رمي فيها أو غيرها، وهو كذلك، وأخرج البساطي صورة، وهي ما رمى به هو نفسه في يومه تلك الجمرة. قال: لأنه لا يمكن إلا إذا رمى حصاة أو اثنتين، ثم أخذهما فرمى بهما، ولذلك فيقع الالتقاط بين أجزاء الرمي فيفوت التتابع. انتهى. وهذه الصورة التي ذكرها، قال اللخمي: لا تجزئ. ثم شبه في الحكم فقال: كأن يقال للإفاضة طواف الزيارة؛ لأنه لفظ يقتضي التخيير، وهو ركن، أو أن يقال: زرنا قبره ﵊؛ لأنه من أعظم القرب، فلا تخيير فيه، أو لأن للزائر فضلًا على المزور. [ما يكره فيه الانتعال: ] وكره رقي البيت الحرام، أي: دخوله بنعل، أوْ صعوده عليه، أي: على ظهره بنعل، وذكرهما في المدونة، أوْ صعود على منبره ﵇ بنعل، ذكره التونسي، والمراد نعل طاهر، بدليل قوله: بخلاف الطواف بالبيت الحرام، فيجوز بالنعل. ويجوز دخوله الحجر به، وإن كان بعضه من البيت لعدم تواتره على رأي، وكرهه أشهب كالبيت، فيحتمل مراعاة للخلاف، أو لتواتره على رأي. [مسألة: ] وإن حمل مريد الطواف شخصًا وطاف به، وقصد بطوافه نفسه مع محموله لم يجزئ واحدًا منهما على المشهور. وإن سعى بمحمول ونوى عنه وعن نفسه أجزأ السعي عنهما؛ لخفته. ثم شبه في الإجزاء قوله: كمحمولين على شخص واحد نواه عنهما فيجزئ فيهما، أي: في الطواف والسّعي. وظاهره: كان المحمول معذورًا أو لا، وهو كذلك.

стр. 1378

تكميل: إذا رجع غير المعذور لبلده ولم يعده فليهرق دمًا، قاله في المدونة. فائدة: قال سند: الدم في الحج بمنزلة سجود السّهو في الصلاة. * * * فصل ذكر فيه محرمات الإحرام وهي قسمان: - غير مفسد، كـ: اللبس والتطيب والترفه والتزين. - ومفسد، كـ: الجماع ومقدماته. [أولًا: غير المفسد: ] وبدأ بالأول، فقال: حرم بالإحرام بحج أو عمرة -أي: فيه، أي: بسببه أو معه. [١ - على المرأة: ] على المرأة لبس قفاز على المشهور؛ لأنه محيط، ويختص بالكفين، وما وقع في المدونة من كراهته فمحمول على التحريم. القاموس: قفاز كرمان: شيء يعمل لليدين يحشي بقطن، تلبسهما المرأة من البرد، أو ضرب من الحلي لليدين والرجلين. انتهى. والمراد هنا الأول. وحرم عليها ستر وجه أو بعضه، فلا تتبرقع ولا تنتقب، وسواء سترته لحر أو برد أو غيره، إلا لستر عن الناس، فلا يحرم عليها حينئذ، وإذا سترته لذلك فستره بلا غرز بإبرة ونحوها، وبلا ربط كعقد.

стр. 1379

وإلا بأن سترت كفيها أو وجهها أو بعضه لغير ستر أو غرزت ما سدلته أو عقدته ففدية. الأبهري: خص وجهها ويديها بذلك لجواز إظهارهما في الصلاة وللناس؛ لأن لها ضرورة لذلك في المعاملات ولتصرفها في ما يصلحها. [٢ - ما يحرم على الرجل: ] وحرم بالإحرام على الرجل محيط بعضو من أعضائه، ويدخل القفاز، فالمحيط بجميعها أحرى، وهو بالحاء المهملة أشمل منه بالمعجمة. وان بنسج، كـ: ثوب من لبد وبرنس، ويدخل في النسيج درع الحديد؛ لأن العرب سمته بذلك، ويدخل في المحيط جلد نسج بغير شق لبدنه أو أعضائه. قال المصنف: وما لصق بعضه ببعض. [المحيط بزر ونحوه: ] ولا فرق بين ما أحاط بنسج أو زر يفعله عليه به، أوْ عقد كربطه أو تخليله بعود. [الخاتم ونحوه: ] وكخاتم وسوار، وفهم من تخصيصه ذلك بالرجل جوازه للمرأة، وهو كذلك، فيجوز لها لبس المحيط بالعضو والمخيط لسائر أعضائها ما عدا الوجه والكفين. وقباء بالفتح والمد وإن لم يدخل كما منه في يده، لأنه يلبس كذلك، وسواء كانت عادته لبسه أو لا. [ستره وجهه: ] ولما كان إحرام الرجل في وجهه ورأسه وجميع جسده، قال: وحرم عليه ستر وجه على المشهور. وقيل: يكره.

стр. 1380

وظاهره: ستر جميعه، وهو نص حجها الثالث، وقول ابن الحاجب: (ولا يحرم على الرجل تغطية وجهه على المشهور) تعقبه المصنف قائلًا: لا أدري من أين شهره. وابن عرفة بأن ظاهره إباحته، قال: ولا أعرفه. [تغطية المرأة رأسها: ] أو رأس اتفاقًا، بل حكي سند الإجماع والاتفاق على أن المرأة لا تكشفه؛ لأنه عورة. بما يعد ساترًا كطين، لأنه يدفع الحر، ودخل غيره كالعمامة والقلنسوة من باب أولى. البساطي: هما متخالفان لسائر البدن؛ إذ يحرم سترهما مطلقًا، وسائر البدن إنما هو بنوع خاص، وهو المحيط وما في معناه. [تقلد سيف: ] ولا فدية في حمل سيف بعنقه، ولو حمله بلا عذر على الأصح، وبالغ عليه لخلاف ابن وهب في لزوم الفدية لغير عذر. [الاحتزام: ] ولا فدية في احتزام، قال في المدونة: لا يحتزم المحرم بحبل ولا خيط إذا لم يرد العمل، فإن فعل افتدى، وإن أراد العمل فجائز له أن يحتزم. انتهى. وفسروه بثوبه. [الاستثفار: ] ولا فدية في استثفار، وهو جعل طرفي مئزره بين فخديه ملويًا معقودًا في وسطه كالسراويل لعمل فقط، لا لركوب ونزول، وهو كذلك في أحد قولي مالك (١).

стр. 1381

[ما يجوز للمحرم: ] وجاز لمحرم: [١ - الخف: ] خف قطع أسفل من كعب لفقد نعل أصلًا؛ لخبر: "إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" (١). أوْ لأجل غلوه -أي: النعل- غلوًا فاحشًا، فيلبس الخف بشرطه، وحد أبو الحسن الفاحش هنا بزيادة الثلث كالتيمم والغبن في البيع على القول بالقيام به، ومعتدة لها ثوب لا تجوز العدة فيه، ولا تجد ما تعتد فيه، إلا بزيادة الثلث. وظاهر كلامه: كان قليل الدراهم أو لا، بخلاف التيمم؛ وفرق عبد الوهاب بأن له مندوحة، وهي مشيه حافيًا، بخلاف التيمم لا مندوحة له، واستشكل فرقه بأن كل أحد لا يقدر على المشي حافيًا، وعلى تقديره فالمشقة والحرج حاصل، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وفرق بأن للماء بدلًا، وهو التيمم، وهنا لا بدل له. تنبيهات: الأول: هل يشمل قوله: (خف) الجرموق والجورب أو لا، ونص في المدونة على كراهة الجوربين.

стр. 1382

الثاني: ظاهر قوله: (لفقد نعل) أنه لو لم يفقد واحتاج للبس الخف لضرورة بقدميه وقطعهما أسفل من الكعبين لزمته الفدية، وهو كذلك، رواه ابن القاسم عن مالك. الثالث: قوله: (فقد نعل) أن ذلك عند الإحرام، وفي الطراز ما يقتضي أن على المحرم أن يعد النعلين إذا علم أنهما لا يوجدان في الميقات وكان واجدًا لثمنها. الرابع: مفهوم (فاحشًا) ظاهر. [٢ - اتقاء كشمس: ] وجاز اتقاء شمس أو ريح بيد، لأنه لا يعد ساترًا ومطر، يجوز اتقاؤه بمرتفع كخيمة أو شيء يجعله على رأسه يقيه ذلك، قاله ابن الحاج في مناسكه. [٣ - تقليم الأظافر: ] وجاز تقليم ظفر انكسر، مثله في المدونة، أبو إسحاق: واثنين أو ثلاثة. تنبيهات: الأول: قوله: (ظفر) يحتمل الواحد والجنس. الثاني: قال سند: هذا إن اقتصر على ما انكسر منه، عملًا بقدر الضرورة، فإن أزال جميعه كان ضامنًا، كمن أزال بعضه بغير ضرورة. الثالث: ربما أشعر قوله: (انكسر) بأن ذلك لضرر يختص به، وهو كذلك، أما لو كان بأصابعه قروح ولم يصل لمداواتها إلا بقصها لم يكن كذلك، وهو كما أشعر، قاله سند، وحكمه أنه يفتدي. الرابع: المراد ظفر نفسه، ابن عرفة: تقليم المحرم حلالًا لغو. [٤ - ارتداء بكقميص: ] وجاز ارتداء بقميص ونحوه؛ لأنه لا يعد لابسًا لما خيط له.

стр. 1383

تذنيب: لم يجعل مالك الارتداء هنا لبسًا، بخلاف الأيمان لضيقها، ولذا لم يفرق في الإيمان بين طول زمان اللبس وقصره في الحنث، بخلاف هنا. [٥ - السراويل: ] وفي كره ارتداء السراويل لقبح زيه وجوازه روايتان، كذا في توضيحه، وتقرير الشارح له على كراهة لبسه وجوازه فيه نظر، إلا أن يريد لبسه على الوجه الذي ذكرناه. [٦ - التظلل ببناء: ] وجاز تظلل ببناء، كحائط وسقف وخباء، وهو: الخيمة وما في معناها، وهو نازل، ومحارة يجوز تظلله بها على الأرض، وكذا بجنبها سائرة، لا فيها، فلا يجوز، بل يكشفها. وظاهره: سواء كان نازلًا أو سائرًا، وهو كذلك، صرّح به اللخمي. قال: ويعسر الفرق بين الاستظلال بها نازلًا وبين الخيمة. تتمة: ظاهره: المنع، ولو كان عديلًا لامرأة، وهو كذلك، وظاهره: ولو كان عديلًا لمريض أيضًا، وهو كذلك على أحد القولين. كثوب بعصًا -أي: عليها- أو على أعواد يستظل بها، فيمنع لسائر اتفاقًا، ونازلًا عند مالك، فإن فعل ففي وجوب الفدية عند مالك، قال في مناسكه: وهو ظاهر المذهب، واستحبابها، وهو: عند مالك -أيضًا- خلاف. وتعقب البساطى المصنف بأنه لم ير من شهر القولين تفريعًا على عدم الجواز. [٧ - الحمل على الرأس: ] وجاز حمل لمعاش على رأسه خرجًا أو جرابًا أو غيره، فيه زاده؛

стр. 1384

لحاجة دعته لذلك، وليس من تغطية الرأس، فإن حمله لغير حاجة افتدى. وجاز حمله خرج نفسه أو غيره لأجل فقر، فالغني بخلا لا يجوز، بلا تجر، فلا يجوز حمله لتجره. أشهب: ما لم يكن تجره لعيشه كالعطار. قال المصنف في مناسكه: الظاهر أنه تقييد، وكلام ابن بشير يدل على أنه خلاف. ولم يذكر هنا ما استظهره في مناسكه. [٨ - إبدال الثوب: ] وجاز إبدال ثوبه الذي أحرم فيه بثوب غيره؛ إذ ليس عليه شعوثة لباسه فيجدد مئزره ورداءه بغيرهما؟ لأن مالكًا رأى نزع ثوبه بقملة بمثابة من ارتحل من بيته وأبقاه حتى مات حتف أنفه، أوْ بيعه لقمل أذاه على المشهور. بخلاف كسله، فلا يجوز، إلا لنجس أصابه فبالماء فقط؛ لأنه حالة ضرورة يعفى فيها عن ذلك، وظاهره: سواء كان غسل النجاسة يحتاج لفرك أو لا. ومفهوم (فقط) منعه بحرض أو أشنان أو صابون. ابن القاسم: فإن فعل أطعم. وظاهره: قل قمله أو كثر، وقال مالك: إن كثر افتدى. [٩ - بط الجرح: ] وجاز بط جرحه، أي: شقه، وفقء دُمله للحاجة، ابن عبد البر: اتفاقًا. [١٠ - الحك: ] وجاز حك ط خفي من جسده -كـ: ظهره- برفق، يؤمن معه قتل الدواب، وأما ما لا يخفى فله أن يخفف وإن أدمى.

стр. 1385

[١١ - الفصد: ] وجاز فصد لحاجة، ونحوه في الموطأ والمدونة، إن لم يعصبه، فإن عصبه افتدى. [١٢ - شد المنطقة: ] وجاز شدّ منطقة من جلد أو خرقة لنفقته، لا لتجارته ولا لنفقة غيره، ولا مجردة على جلده تحت إزاره لا فوقه. [١٣ - إضافة نفقة غيره: ] وجاز إضافة نفقة غيره لنفقته، وأشعر قوله: (إضافة) بأنها بعد شد نفقته، لا ابتداء، وهو كذلك، وظاهر الجلاب واللخمي: الجواز ابتداء. وإلّا بأن شدّها لتجارته أو نفقة غيره أو مجردة أو فوق مئزره أو شدّهما معًا ففدية. [ما يوجب الفدية: ] ثم شبه فيما يوجب الفدية، وإن كان جائزًا دون ما قبله، فقال: كعصب جرحه بخرقة ففيه الفدية، أو عصب رأسه فيه الفدية عصبها لعلة أو غيرها، لكن يفترقان في الإباحة والمنع، أوْ لصق خرقة كدرهم على جرح أو قرع فالفدية، والفرق بين التعصيب واللصق للتونسي. أوْ لفها -أي: الخرقة- على ذكر لمني أو بول يفتدي بخلاف جعل ذكره فيها عند النوم من غير لف فلا فدية، وجعل البساطي اللف في الموضعين، واعترض إطلاق المؤلف بقول العتبية: لو لفّ على ذكره خرقة عند النوم فلا بأس به، وهذا بخلاف لفها عليه للمني والبول، هذا يفتدي. انتهى. والذي فيها وفي الموازية على ما نقله غيره، قال مالك: لا بأس أن يتخذ الخرقة ويجعل فيها فرجه عند نومه، وهذا بخلاف لفها عليه للمني والبول هذا يفتدي.

стр. 1386

أوْ جعل قطنة بأذنيه صغيرة أو كبيرة مطيبة أو غير مطيبة لعلة أو غيرها لأنهما موضع إحرام. سند: سواء سترهما أو واحدة. أو لصق قرطاس بصدغيه فيفتدي كذا قرر الشارح المسألتين، وسقط من الناسخ في نسخة البساطي شرح قطنة بأذنيه ومتن أو قرطاس بصدغيه، واعتمد البساطي هذه النسخة، وشنع على الشارح قائلًا: فسّر الشارح قطنة بأذنيه بأن يجعل على صدغيه قرطاسًا. قلت: وما أدري كيف بدل قطنة بأذنيه على قرطاس على صدغية، فإنا للَّه. ولما ذكر في المدونة الفدية في هذه المسائل قال: إن شاء صام أو أطعم أو نسك. أوْ ترك ذي نفقة ذهب، ولم يدفعها بعد نفاد نفقة نفسه التي كان ضمنها إليه أو لا، فإنه يفتدي. أوْ ترك ردها له، وهو معه، فيفتدي، ونحوه في توضيحه عن اللخمي. قال عنه: وإن ذهبت نفقته حيث أضاف نفقة الغير لها فإنه يرد نفقة الغير، وإلا افتدى، وإن ذهب صاحبها وهو عالم افتدى، وإن لم يعلم فلا شيء عليه، ويبقيها معه. ونحوه للشارح في الصغير، وقول البساطي: قال الشارح: وهو معطوف على الجائز، ويجوز لصاحب النفقة إذا شدّ نفقة غيره معها ونفدت نفقته أو ترك نفقة الغير إن ذهب صاحبها وفي بردها له، فعجبًا من كلام ليس له معنى ولا مطابقة للمشروح، والتشاغل به فاسد. انتهى. وقد ذكرنا في الكبير ما يصح به كلام الشارح.

стр. 1387

[١٤ - ] وجاز للمرأة خز وحلي، كما هو جائز لها قبل إحرامها، ولا فدية عليها، ونبه بذلك على خلاف قول حكاه اللخمي بالفدية؛ ولئلا يتوهم أنها مطلوبة بأن تخشوشن في اللباس إذا أحرمت، وبهذا التقرير يندفع مناقشة البساطي بأن في تخصيص المرأة بهذا شيء؛ لأن الكلام هنا فيما يشبه الإحرام، والخز والحلي حرام على الرجل في غير هذه الحالة. [المكروهات: ] وكره ضد نفقة بعضده أو فخذه، زاد في المدونة أو ساقه. ابن القاسم: ولا فدية فيه. قال فيها: ولم يوسع مالك أن يشدها إلا في وسطه. وكره كلب رأس على وساد، في مناسكه كتوضيحه: (وجه) بدل (الرأس)، بخلاف وضع خده عليها فجائز؛ وذلك أنه لما قدم أنه يحرم تغطية رأس بما يعد ساترًا ذكر أنه يكره كبه على وساب، لكن قال الشارح وتبعه البساطي: إن في العتبية نحو ما ذكره المصنف. انتهى. والذي في التوضيح عنها: يكره أن يكب رأسه على الوساد من الخز. قال: وهو معنى قول ابن الحاجب: يجوز توسده. فإن كان ما عزاه الشارحان لها غير ما في توضيحه فهما مسألتان، وإن كان هو فما قالاه غير ظاهر، واللَّه أعلم. وكره مصبوغ -أي: لبسه- لمقتدى به إمام أو غيره؛ سدًا للذريعة، إذ منه ما هو جائز، وما هو ممنوع، فإذا لبس المقتدى به الجائز ظن غيره أن كل مصبوغ جائز. وكره شم كريحان وورد؛ لما فيه من الترفه، ولما فيه من تهييج شهوة النساء، ولا فدية فيما ذكره، وهو ما يظهر ريحه ويخفى أثره. وكره مكث بمكان به طيب يعبق منه ريحًا كالعطارين.

стр. 1388

تنبيه: قال سند: هذا بخلاف البيت، أي: الكعبة، فيجلس إليه وفيه ذلك، ويدخله؛ لأن القرب منه قربة، وبخلاف رجل متطيب. وكره استصحابه -أي: الطيب- وكره حجامة بلا عذر؛ خيفة قتل الدواب، فلا يكره لعذر؛ ففي الكتاب: وإن اضطر محرم إلى الحجامة جاز لمحرم آخر أن يحجم، ويحلق موضع الحجامة إذا أيقن أنه لا يقتل الدواب، والفدية على المفعول به ذلك، وإن لم يضطر إلى ذلك فلا يفعله. تنبيه: قد علم مما في المدونة أن الكراهة للمحتجم فقط. وكره غمس رأسٍ في الماء؛ خيفة قتل الدواب على المشهور عند ابن القاسم. زاد في المدونة: فإن فعل أطعم شيئًا. وإطلاق المصنف يعم من له وقرة أو كانت وعلم أنه لا شيء برأسه، أو كان حديث عهد بالحلاق، فلا بأس، ولم يذكر تقييده (١).

стр. 1389

وكره تجفيفه رأسه بعد غسله بشدة؛ خوف قتل الدواب، ولو جففه برفق فلا كراهة. وكره نظر بمرآة، لئلا يرى شعثًا، فربما أزاله. وكره لبس امرأة قباء مطلقًا، محرمة أو غيرها، حرة أو أمة. [ما يحرم على الرجل والمرأة معًا: ] ولما ذكر ما يحرم على الرجل فقط، وما يحرم على المرأة فقط، ذكر ما يحرم عليهما معًا، فقال: وحرم عليهما دهن اللحية، وهي للرجل أو لهما إن كانت لها أو موضعها لهما. ودهن الرأس لهما، وإن كانت الرأس صلعاء، والأصلع من انحسر مقدم شعر رأسه وموضعه الصلعة بالتحريك، سواء كان يذهب بطيب أم لا؛ لمنافاته الشعث المطلوب في الحج. وحرم عليهما إبمانه ظفر، كقليمه ويفتدي جاهلًا أو ناسيًا، أوْ إبانة شعر بنتف أو حلق من أي موضع كان، ويطعم شيئًا من الطعام إن كان قليلًا كشعرة أو شعرات، جاهلًا كان أو ناسيًا، وإن نتف ما أماط به أذى افتدى. وشمل قوله: (إبانة) من كانت عادته أكل أظفاره أو شعر لحيته فالفدية، قاله مالك. ابن القاسم: يريد مالك -فيما أظن- ولو تكرر مرارًا. أو إزالة وسخ، يحرم على كل منهما إزالته عند ابن عبد السلام، وفيه الفدية اتفاقًا. إلّا وسخ غسل يديه بمزيله من حرة بضمة أو ضمتين، وهو الأشنان، أو خطمي، قاله في توضيحه، وهو: بزر الجنيربي، فلا يحرم، ولا شيء فيه؛ للضرورة. ولا تساقط شعر من لحيته أو رأسه أو أنفه لوضوء، وظاهره: ولو

стр. 1390

كثر، وذكر الوضوء لأنه الغالب، وإلا فالغسل كذلك. ابن القاسم: لو اغتسل فتساقط من ذلك شعر كثير فلا شيء عليه، ولو قتل بسبب ذلك دواب. فلو قال: (بطهارة) ليعمهما لكان أحسن، وظاهره: ولو تبردًا، وهو كذلك، إلا أن يقتل في تبرده دواب فالفدية. أصبغ: هذا فيما به بال في الدواب، وأما في مثل الواحدة فيطعم ثمرات، أو قبضات من سويق، أو كسرات. ونحوه في التوضيح. أوْ لأجل ركوب من أكاف أو سرج، قال في المدونة: وهذا خفيف لا بد للناس منه. وحرم عليهما دهن الجسد كله أو بعضه، ككف أو رجل. سند: إذ لا فرق بين كل عضو كامل أو بعضه. ونبه بذلك على خلاف أبي حنيفة في أنه لا بد من عضو كامل. بمطيب؛ لعلة من شقوق أو شوكي أو قوة على عمل. أو بمطيب لغير علة ولها، أي: لعلة بغير مطيب، قولان بالجواز والمنع، وجعل الشارح محل القولين المطيب لعلة، انظر الكلام مع البساطي في الكبير. اختصرت المدونة عليهما، أي: على القولين. تنبيهات: الأول: أطلق الكف والقدم كابن الحاجب، على أنه فسّر إطلاقه بقول ابن عبد الحكم: لا بأس بدهن المحرم كفيه وقدميه بالزيت والسمن ليمر بهما، وما كان على ظهر قدميه ففيه الفدية. الثاني: قوله: (بمطيب أو لغير علة) يحتمل رجوعه لمسألتي الجسد وبعضه، وحذفه من الأولى لدلالة الثاني، وهو ظاهر تقرير البساطي، ويحتمل رجوعه للثانية فقط، وهو ظاهر صنيع الشارح؛ فإنه جعل في

стр. 1391

الجسد الفدية بطيب أو غيره، خلافًا لابن حبيب في نفيها بغير الطيب. الثالث: إذا قلنا في الجسد الفدية فظاهره كان لعلة أو غيرها. وحرم عليهما تطيب بمؤنث الطيب، وهو ما يظهر ريحه وأثره، ومثل له بكورس، وهو نبت باليمن كالسمسم، طيب الرائحة، صبغة بين الحمرة والصفرة يبقى نبته عشرين سنة. وبالغ على بقاء حرمة الطيب وإن انقطع ريحه، فقال: وإن ذهب ريحه، لثبوت المنع فيه، والأصل استصحابه، وسدًا للذريعة، وعليه المتأخرون. ابن راشد: قياسًا على بول ذهب ريحه. أو كان استعمال الطيب لضرورةِ كُحْلٍ فالفدية، ولغير ضرورة أولى، لا لضرورة بغير مطيب كحر أو برد فلا فدية. وحرم استعماله ولو خلط في طعام وأكل بغير طبخ فالفدية على المشهور، ولو خلط في دقه. تنبيه: مفهوم (طعام) مفهوم موافقة؛ ففي المدونة: يكره له أن يشرب شرابًا فيه كافور، فإن فعل افتدى. وكره فيها شربه لغير المحرم؛ للسرف، ويأتي حكمه -إذا طبخ- في طعام. أو مس طيبًا مؤنثًا لم يعلق، فإن علق فالفدية، ولو أزاله بسرعة على المشهور، وصحح ابن راشد سقوطه فيهما. وشمل قوله: (لم يعلق) ما لو جعل ثوبه في صندوق به طيب فتعلقت به رائحته، وهو كذلك. تنبيه: أطلق في الطيب كابن الحاجب ولم يعتبر تقييده التونسي بالمسك والكافور وشبههما.

стр. 1392

قال: وأما مثل اللبان والرياحين أو دهن البنفسج أو الورد فليس في مسّه فدية، ولكن إن أدهن به أو أسقط فعليه الفدية. انتهى، مع أنه ذكره في توضيحه. إلا قارورة بها طيب سدت، فلا شيء في حملها معه، ولم يقل: (ونحوها) كما قال ابن الحاجب؛ لتعقب ابن عرفة تفسير ابن عبد السلام نحوها بفأرة المسك غير المشقوقة، بأنه بعيد؛ لأنه كطيب. وجوز البساطي في الاستثناء: - الاتصال بتضمين تطيب معنى المس، أي: يحرم مس الطيب لا مس قارورة سدت. - والانفصال، أن يحرم التطيب، لكن حمل الطيب على الوجه المذكور. ثم قال: وشرط في سدت أن يكون محكمًا، ولا يفهم هذا من كلامه. انتهى. وهو غير ظاهر؛ لقول صاحب القاموس: سد الثلمة كمد أصلحها ووثقها. ثم قال: وسداد القارورة والثغر بالكسر. ثم عطف على المستثنى، فقال: ومطبوخًا، أي: لا يحرم أكل الطيب مطبوخًا في طعام. وظاهره: ولو صبغ الفم، وهو كذلك، وهذا مذهب المدونة، وقول البساطي: (إطلاقه هنا ينافي ذلك التفصيل) أراد تفصيلًا ذكره عند قوله: (ولو في طعام)، وهو: فإن كان الطيمب في طعام، فإمّا أن يطبخ معه أو يجعل فيه بعد طبخه، وفي الأول إمّا أن يميته الطبخ أو لا، فإن أماته فلا شيء عليه، وإلا فالفدية. وأمّا المصنف فلم يتقدم له تفصيل، بل أطلق في الموضعين، فيحمل

стр. 1393

الأول على ما خلط بعد الطبخ، وهنا على ما طبخ (١). ولا يحرم أثر طيب أو ريحه باقيًا عليه ممّا تطيب به قبل إحرامه؛ بناءً على أن الدوام ليس كالابتداء. البساطي: ويظهر من كلامهم: أن محل الخلاف إذا بقي أثر الطيب، ومن كلام الباجي: إذا بقيت الرائحة، انظر كلام ابن عرفة في الكبير. ولا يحرم طيب مصيبًا من إلقاء ريح أو إلقاء غير عليه نائمًا أو غير نائم، وسنذكر حكم الملقى. أو مصيبًا من خلوق كعبة كثير أو لم ينزعه، قال في الصحاح: الخلوق: ضرب من الطيب. سند: إنما هو من العصفر، وهو نبات ليس من الطيب المؤنث عند الجمهور. وخير في نزع يسيره، أي: يسير خلوق الكعبة، وأما كثيره فلا بد من نزعه.

стр. 1394

تذييل: قال سند: إن تعذر عليه الماء لغسل الطيب من بدنه أو ثوبه الذي ليس عنده غيره وطال حتى بعد جرت على القولين فيمن ذكر لمعة كان نسيها في وضوئه وبعد منه الماء، وعندي فإنه هنا يفتدي لقدرته على إزالة الطيب من غير ماء؛ إذ لو أزاله ببوله لأجزأه في الإزالة، ويصير حاملًا نجاسة يغسلها إذا وجد الماء. وإلّا بأن كان كثيرًا ولم ينزعه افتدى إن تراخى في نزعه، كذا في توضيحه، فلا يعود الاستثناء لنزع اليسير، لأنه مخير فيه. تنبيه: قال سند: هذا في مجرد الخلوق، فإن كان فيه مسك ونحوه غسل قليله وكثيره. وأعاد الشارح الاستثناء لقوله: (مصيبًا) وما بعده، وجوز البساطي فيه احتمالين: أحدهما: أن الطيب الملقى إن كان يسيرًا خير في نزعه وتركه، فإن نزعه فلا شيء عليه، وإن لم ينزعه افتدى، إن أخره بعد التخيير كثيرًا. قال: فيكون إنما تكلم بمنطوقه على اليسير. الثاني: إنما التخيير في اليسير، وإلا معناه: وإن لم يكن يسيرًا افتدى، فبشرط أن يتأخر النزع بعد التمكن. انتهى. وفي الاحتمال الأوّل بحث (١).

стр. 1395

ثم شبه في حكم إلقاء الطيب بشرطه، فقال: كتغطية رأسه حال كونه نائمًا، فإن نزعه عاجلًا فلا شيء عليه، وإن تراخى افتدى. سند: لأن النوم عذر غالب يسقط معه الحرج والكلفة. ولا تخلق الكعبة الشريفة في أيام الحج؛ لأنه يؤدي لمس الطائفين له، ونحوه في المدونة، ولم يبين عين الحكم، وهو محتمل الكراهة والتحريم. ويقام العطارون فيها، أي: في أيام الحج من المسعى، وهو ما بين الصّفا والمروة، وافتدي الملقي الحل، أي: إذا ألقى ثوبًا مثلًا على رأس

стр. 1396

نائم أو طيبًا على محرم إن لم يلزمه، أي: إن لم تلزم الفدية المحرم، بأن بادر وقت استيقاظه، فألقى الثوب أو غسل الطيب، فإن لم يبادر لزمته الفدية دون الملقي، وهو مفهوم الشرط. وحيث لزمت الفدية الملقي فيفتدي بما يفتدي به المحرم، لكن بلا صوم، لأنه في معنى الصوم عن الغير، والعبادات لا تلزم أحدًا عن أحد. وإن لم يجد هذا الحلال الملقي ما يفتدي به عنه فليفتد المحرم نيابة عنه، لأنه على المحرم بطريق الأصالة، لا بطريق التحمل عن النائم، والنيابة عنه، ولهذا يرجع المحرم عليه بالأقل من الطعام أو النسك، وإن صام لم يرجع بشيء. وظاهر قول المصنف: (فليفتد) الوجوب. وهو كلام ابن المواز. وقيل: مندوب. ثم شبه في الحكم فقال: كأن حلق حلال رأسه، أي: رأس محرم نائم، فإن الفدية تجب على الفاعل، حيث لا تجب على المفعول به، فإن لم يجد افتدى المحرم. وَرجع على الفاعل بالأقلّ مِن الطَّعام والنسك إن لم يفتد المحرم بِصوْمٍ، فإن افتدى به فلا رجوع. وحذف من الفرع الذي قبله لدلالة هذا عليه، وهذا الذي ذكره هو مذهب المدونة. وعلى المحرم الملقي لطيب على محرم نائم، فهو قسيم قوله: (الحل) حيث لا فدية على النائم فديتان: فدية لمسه الطيب، وفدية لتطييبه المحرم النائم، قاله القابسي، وصوبه ابن يونس، فقال: هو أصوب من قول ابن أبي زيد: عليه فدية واحدة، كما لو طيّب نفسه، ولذا قال: على الأرجح، وصححه ابن عبد السلام.

стр. 1397

تنبيه: عادته في اصطلاحه أن يذكر هذا ترددًا؛ إذ هو لعدم نص المتقدمين. وإن حلق حل محرمًا بإذن منه فعلى المحرم الفدية دون الحلال. ابن عبد السلام: وفي معنى الإذن عندي أن يفعل الحلال بغير إذنه ويتركه المحرم اختيارًا. وإلّا يكن بإذنه أو ما في معناه بل نائمًا لم يتراخ أو مكرهًا فعليه -أي: الفدية- على الحلال. وإن حلق محرم رأس حل عكس الذي قبلها أطعم وجوبًا، وهل يطعم حفنة من طعام (١).

стр. 1398

قال في الصحاح: وهي ملء الكفين. وسيذكر الشارح عند قوله وتقرير بغيره أنها بيد واحدة، ووجه لزوم حفنة إن لم يحط عن نفسه أذى، ولا في ذلك ترفه. أو فدية، وهو قول مالك: يفتدي. واختلف الأشياخ: هل هما خلاف، وقول مالك: فدية، على ظاهره، إطعام أو صيام أو نسك، أو هما وفاق، ومراد مالك بالفدية شيء من الطعام؟ تأويلان. ذهب إلى الأول اللخمي والباجي، وإلى الثاني التونسي. تنبيهات: الأول: في قوله: (إن حلق) إشعار بأنه لا يجوز له القدوم عليه، وهو كذلك، ذكره سند. الثاني: في تخصيصه الرأس إشعار بجواز حلق غيره: الساق وشبهه مما يؤمن فيه قتل الدواب، وهو كذلك، خلافًا لأبي حنيفة. الثالث: تلخص من كلامه ثلاثة أقسام: - فعل حلال بمحرم ما يوجب فدية بإذنه. - وعكسه. - وفعل محرم بمحرم ما يوجبها. وأما القسم الرابع، وهو: فعل حلال بحل، فلم يذكره؛ لعدم الحاجة له، ولوضوحه. ويلزم المحرم في قلم الظفر الواحد من أظفار نفسه لا لإماطة الأذى حفنة من طعام، وأفهمت عبارته أنه لو قلمه من حلال فلا شيء عليه، وفي المدونة: لا بأس به.

стр. 1399

وأشعر كلامه بإباحة إزالة وسخ ظفره. وهو كذلك، نص عليه ابن القاسم. كشعرة واحدة يزيلها من جسده أو شعرات لغير إماطة أذى، فيلزمه حفنة من طعام. وكذا في قتل قملة واحدة أو قملات، وكذا في طرحها؛ لأنه يؤدي لقتلها، كحلق محرم لمثله موضع الحجامة، يلزم المحرم الفاعل حفنة من طعام لمكان الدواب. إلا أن يتحقق نفي القمل، فلا يلزم الفاعل شيء؛ لأنه إنما لأزال شعرًا عن جسد غيره، والفدية على المحلوق له لحلقه قبل التحلل. وكذا يلزم المحرم حفنة من طعام في تقريد بعيره، أي: إزالة القراد عنه، واقتصر على الفاعل وعلى كونه له، وعلى التقريد تبعًا للفظ الموطأ، ولأنه الغالب على الحاج، وإلا فالبعير وغيره من الدواب، ودابته ودابة غيره سواء. لا كطرح علقة عنه، أو عن بعيره، فلا شيء عليه؛ لأنهما من دواب الأرض، لا من دوابهما. أو طرح برغوث أو قراد عن نفسه، فلا شيء عليه؛ لأنهما ليسا من دوابه، والبرغوث من دواب الأرض. وفهم من قوله: (طرح) لا شيء عليه في نقله من جسده أو ثوبه من موضع لآخر منه. تنبيه: إذا طرح ذلك فلا يقتله. قال سند: ومن شبهه بالعقرب فليس كذلك، فلو أدخل الكاف على علقة لكان أحسن. والفدية لازمة فيما يترفه به أو فيما يزيل أذى، كـ: قص الشارب أو

стр. 1400

ظفر أو حلق عانة أو نتف إبط أو أنف، وقتل قمل كثر؛ إذ لا ضرر في القليل. وتردد الباجي في قتل القمل: هل هو من إلقاء التفث أو قتل الصيد. وتلزم الفدية في خضب بكحناء بالمد برأسه أو لحيته أو غيرهما للترفه، أو لإزالة كفعله لجرح أصابه، وإن رقعة إن كبرت، فإن صغرت فلا شيء فيها، وهو عند مالك من الطيب. وأدخل بالكاف ما يشبه كالوسيمة بكسر السين: نبت يختضب به، وأفهم قوله: (خضب) أنه لو جعله داخل جرح لا شيء فيه، وإن كثر، والرجل والمرأة سواء. وظاهر كلامه: لزوم الفدية، ولو نزع مكانه، وهو كذلك؛ لانتفاعه به. وتلزم الفدية في مجرد حمام، وإن لم يتدلك ولا أزال وسخًا على المختار. [ما تتحد فيه الفدية: ] ولما كان الأصل تعدد الفدية بتعدد موجبها، إلا في مواضع استثنوها، ذكرها مشيرًا لأحدها بقوله: واتحدت إن ظن فاعلها الإباحة لجميعها، وإن شيئًا لا يوجب الفدية، أو علم أن كلًّا منها موجب إلا أنه ظن لزومها بفعل واحد منها وإباحة الباقي. وشملهما قوله: (إن ظن الإباحة)، وقول الشارح: (لم يعطوا حكم الجاهل هنا حكم العامد؛ لأنهم أسقطوا عنه ما عدا الفدية الواحدة، ولا حكم الجاهل؛ لأنهم أوجبوا واحدة)، قال البساطي: هو مسلم في القسم الأول، وأما الثاني فقد أعطوه حكم الجاهل. انتهى. ومعنى كونهم أعطوا حكم الجاهل: أنهم أسقطوا عنه حكم ما جهل به. وأشار لثانيها بقوله: أو تعدد موجبها بفور، كلبس وطيب وقتل دواب

стр. 1401

وقلم أظفار فلا يتعدد كسجود السهو، كما لو بال وتغوط ولمس وقبل. ومفهوم الفور تعددها عند التراخي، وهو كذلك. قال ابن الحاجب: كما لو قلم أظفار اليمنى اليوم واليسرى غدًا. ولثالثها بقوله: أو نوى التكرار عند الفعل الأول، ولو بعد ما بينهما، كتداويه لقرحة بدهن مطيب، وتكرر ذلك، ففدية واحدة، ولو تداوى لقرحة أخرى تعددت. ولرابعها بقوله: أو قدم الثوب في لبسه على السراويل، أو القلنسوة على العمامة ففدية واحدة لاتحاد المنفعة، ولو عكس ففديتان. وقال المصنف: وينبغي أن يقيد الأولى بما إذا لم يفصل السراويل على الثوب، وأشار إليه اللخمي في مسألة القلنسوة. وشرطها في اللبس انتفاع بلبس ودفع ضرر من حر أو برد، قيد بذلك لأن من موجبها ما لا يقع إلا منتفعًا به كحلق الرأس ومس الطيب فتجب إن انتفع. لا إن نزع ما لبسه مكانه، كقياس ثوب عليه أو خف، فلا شيء عليه. وفي عد الانتفاع به في قدر صلاة فقط ونزعه حين فراغها موجبًا للفدية وعدم عدّه قولان؛ بناءً على عده طولا أو لا (١).

стр. 1402

[مسألة: ] ولما كان لا فرق في هذا الباب بين العذر وعدمه في لزوم الفدية، بل في الإثم وعدمه، فتجب الفدية حيث لا إثم كاللبس لعذر، ويكون مع الإثم كاللبس لغير عذر، قال: ولم يأثم إن فعل بعذر. قال المصنف: ربما ارتكب بعض العوام شيئًا محرمًا، وقال: إنما أفتدي، متوهمًا أنه بالفدية يخلص من الإثم، وهو خطأ صريح، وجهل قبيح، بمنزلة من يقول: أنا أشرب الخمر، والحد يطهرني. [الفدية نسك: ] ثم بين الفدية بقوله: وهي نسك، لا هدي؛ لأن ما وجب لترفه وشبهه يسمى نسكًا، ولنقص يسمى هديًا. ثم أبدل من النسك مفصلًا لبيان الأفراد فقال: شاة فأعلى منها بقرة أو بدنة. البساطي: وتجوز الإضافة، فتقول: نسك شاة فأعلى، ولم يعلم من كلامه: هل الشاة أفضل كالضحايا، أو الأعلى كما في الهدايا. ثم عطف على نسك مفصلًا للضمير ومبينًا أنها ثلاثة أنواع على التخيير؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. أو إطعام ستة مساكين على المشهور، لكل من السّتّة مدان كالكفارة في كونها بمده ﷺ ، وفي اعتبار عيش البلد، ولو اختلف برًا أو غيره. أو صيام ثلاثة أيام ولو أيام منى، وأشار بـ (لو) لخلاف القائل بالمنع، وإن صححه بعضهم، وللتنبيه على خلاف قول الموازية: يكره للنهي عن صيامها. ولم يختص النسك بزمان أو مكان، فيفعل في أي زمان شاء، وأي مكان أراد، إلا أن ينوي بالذبح بكسر الذال الهدي فكحكمه، فيختص

стр. 1403

حينئذ بمنى، إن وقف به بعرفة أو بمكة إن لم يقف، ويجمع فيه بين الحل والحرم، وهدي إحدى الكفارات الست أو السبع، ونظم بعضهم الست بقوله: ظهارًا وقتلًا ومروا وتمتعًا ... كما خيروا في الصوم والصيد والأذى وترك السابعة، وهي كفارة اليمين، وزادها بعضهم فقال: وفي حالف باللَّه خير ورتبا ... فدونك سبعًا إن حفظت محبذا ولا يجزئ في الفدية الإطعام غداء وعشاء إن لم يبلغ ذلك مدين، فإن بلغهما أجزأ، وفي بعض النسخ: أن تبلغ بمثناة فوقية، أي: الفدية. وقول المدونة: لا يجزئ أن يفدي ويعشي، ظاهره: ولو بلغ مدين أو أكثر؛ لأن النبي ﷺ سمى مدين. [الجماع: ] وحرم على محرم بحج أو عمرة الجماع ومقدماته كقبلة أو مباشرة أو تذكر أو لمس. ولما كان الحكم لا يستلزم الإفساد عمم، ثم خصّص، فقال: وأفسد الجماع اتفاقًا وإجماعًا، مطلقًا: عمدًا أو سهوًا، في قبل أو دبر، من آدمي أو غيره، أنزل أو لا، مباحا في الأصل أو لا. ثم شبهه بالمفسد، فقال: كاستدعاء مني حصل به -أي: المنى- بالاستدعاء. وإن حصل المني المستدعى بنظر على المعروف قبل الوقوف مُطلقًا يحتمل من غير قيد، يدل عليه ما بعده، ويحتمل سواء كان حصوله عما يستدعيه به غالبًا أو تارةً وتارةً، خلافًا للخمي في قوله: إن كان عن أمر طالب الإنزال معه أو بتردد: هل يكون أو لا أفسد، وإن كان الغالب عدمه فأنزل لم يفسد، وعليه هدي.

стр. 1404

وشبه بأضعف الوجوه، وهو النظر ليعلم منه العموم، وهو المشهور. أو حصل الجماع أو خروج المني بعده -أي: بعد الوقوف بعرفة- فإنه يفسد إن وقع شيء من ذلك قبل كطواف الإفاضة، وقبل جمرة عقبة يوم النحر، أو قبله ليلة المزدلفة على المشهور. وإلا بأن وقع قبلهما بعد يوم النحر أو بعد أحدهما، ولو في يوم النحر فهدي واجب، ولا فساد على المشهور. والفرق على المشهورين إذا وطىء قبلهما يوم النحر أو قبله وبين ما إذا وطىء قبلهما بعده أنه لما خرج يوم النحر صارت جمرة العقبة قضاء، وصار الطواف كالقضاء؛ لخروجه عن وقته الفاضل المقدر له شرعًا، والقضاء أضعف من المقضي. ثم شبه فيما يوجب الهدي، فقال: كإنزال ابتداء بغير استدعاء بشيء مما تقدم وإمذائه أو قبلته بغير إنزال، ووقوعه -أي: الجماع- من محرم بعمرة بعد سعي في عمرته، أي: المكلف قبل حلاقها، فيوجب الهدي ولا يفسدها، لانقضاء أركانها قبل وقوعه. ابن رشد: اتفاقًا. صاحب الشامل: على الأصح. وإلا بأن وقع شيء من ذلك في أثناء سعيها فسدت، وأحرى قبله، ووجب إتمام المفسد اسم مفعول من حجٍ أو عمرةٍ بالتمادي في فعله كالصحيح. وإلا بأن لم يتمه سواء ظن إباحة قطعه أو لا فهو باق عليه، أي: المفسد، ولو أحرم بغيره، كأن أحرم بعمرة قضاء عن الفاسدة، أو أحرم بالحج قضاء عن الفاسد فهو باق في الأولى على عمرته الفاسدة، وفي الثاني على حجه الفاسد، لأن إحرامه الثاني لم يصادف محلًا، ولا يكون ما جدد من إحرامه قضاء لحجه الفاسد عند مالك، ولا عليه قضاء ما جدده، وعليه إجماع الصحابة.

стр. 1405

ولم يقع قضاؤه للفاسد إذا جدد إحرامًا، ومضى عليه، إلا في سنة ثالثة، ويجب عليه فورية القضاء لما أفسده من عمرة بعد التحلل من فسادها، ومن حج في العام القابل، وإن كان ما أفسده منه تطوعًا. [قضاء القضاء: ] ويجب قضاء القضاء إذا أفسد الثاني أيضًا، فيأتي بحجتين عند ابن القاسم، وعليه هديان. عبد الملك: هدي واحد. تنبيه: اقتصر على وجوب قضاء القضاء هنا، ومقابله لابن الموّاز: إنما يجب قضاء الأوّل. وذكر في قضاء القضاء في الصوم قولين مشهورين، ولم ينقل خلافًا إذا أفسد قضاء صلاة، أنه ليس عليه غير صلاة واحدة. ويجب نحر هدي ثان في القضاء، أي: وقت القضاء، لا قبله. قال في مناسكه: لا ينحر هدي الفاسد في الحجة الفاسدة على المشهور، بل يؤخره إلى حجة القضاء؛ لينفق الجائر النسكي، والجائر المالي، وقرره البساطي بأنه يجب عليه لكل قضاء نحر هدي، ونحوه للشارح. [تكرر الوطء: ] واتحد الهدي وإن تكرر الوطء لنساء، أي: فيهم، وقال البساطي: اللام للعلة، واتحد مع تكرر النساء فأحرى اتحاده مع تكرره في واحدة؛ لحصول الفساد بأول مرة، والفساد لا يقبل التعدد. [تكرر الصيد: ] بخلاف تكرر صيد، فإنّ جزاءه يتكرر بتكرره؛ لأنه عوض عن متلف منه.
следующие страницы →