الآية الشريفة، والأوّل تفسير مالك في المدونة، وهو المشهور في المذهب، ولذا درج عليه هنا.
والثاني له في الموازية، إذا رجع لأهله إلا أن يقيم بمكة.
اللخمي: وهو أبين.
وليس المراد أن يصوم في الطريق، ولم ينبه على اختيار اللخمي، وقد علم مما تقدم أن المرتب: الهدي ثم الصيام ولا إطعام.
ولم تُجْزئ السبعة بضم المثناة الفوقية وسكون الجيم من الإجزاء، إن قدمت في صومها على وقوفه بعرفة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾.
الباجي: وهو الظاهر من المذهب، وأرى الإجزاء؛ لأن التأخير توسعة، فإذا ارتكب الأشق أجزأ، وعلى الأول يحتسب من السّبعة إذا قدمت بثلاثة؛ لأنه أوقعها في غير موضعها.
وقول ابن شاس عن ابن حارث: (لا بد من اتصال الثلاثة بعضها ببعض، وكذا السبعة)، قال ابن عرفة: لم أجده له.
كصوم أيسر بالهدي لزمه قبله، أي: قبل الشروع في الصوم، فلا يجزئه لقدرته على الهدي حينئذ، أو وجد العاجز في الحال مسلفًا لمال له ببلده يوفي منه فلا يجزئه الصوم، ومفهومه: إن لم يجد مسلفًا أو وجده، ولا مال له ببلده أجزأه الصوم، وهو كذلك، فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ولا يؤخر الصوم ليهدي ببلده.
وندب الرجوع له -أي: للهدي- إذا أيسر به بعد صومه يومين، قاله مالك؛ ليرجع للأصل، وفى معناه حصول السلف.
تنبيهان:
الأول: قوله: (بعد يومين) قال ابن ناجي: أي قبل الشروع في صوم الثلاث.
стр. 1437
وفي الشارح عن اللخمي وتبعه البساطي: يستحب له أن يرجع قبل استكمال الثلاثة إلى الهدي.
الثاني: قال ابن عبد الحكم: صيام اليمين والظهار والقتل والتمتع كله سواء، إن لم يصم إلا يومين رجع لما يجب أولًا، وإنما لم يرجع بعد الثلاثة؛ لأنها قسيمة السبعة في العشرة، وكانت كالنصف.
وندب وقوفه -أي: الحاج- به -أي: بالهدي- المواقف عرفة ومزدلفة والمشعر الحرام، بأن يجمع بينهما به، وإنما قلنا ذلك لأن وقوفه بعرفة جزءًا من الليل شرط، والنحر له موضعان:
أحدهما: بمنى بشروط ثلاثة، ذكرها في الإكمال، وتبعه المؤلف، وأشار لأحدها بقوله: إن كان في حج لا عمرة، ولثانيها بقوله: ووقف به هو بعرفة، أو غائبه كهو في وقوفه به عنه في نيته، وسواء كان نائبه محرمًا أو حلالًا.
وفهم منه أن ما أوقفه التجار غير مجزئ، وهو كذلك.
ابن يونس: إلا أن يشتريه منهم، ويأذن لهم في الوقوف به فيجزئه.
وفي المدونة: لا يجزئك ما وقف به غيرك حتى توقفه أنت بنفسك، محمول على أن الغير أجنبي، لم يستنبه ربه.
ولثالثها بقوله: بأيامها -أي: منى- وإذا اجتمعت هذه الشروط لم يجز النحر بمكة ولا غيرها سوى بمنى، قاله مالك وابن القاسم وأشهب.
تنبيه:
ظاهر كلامه: أن منى كلها منحر، وهو كذلك.
محمد: إلا خلف العتبة.
وأفهم قوله: (بأيامها) أن النحر لا يكون ليلًا، وأفهم أيضًا أنه لا يشترط كونه بعد الإمام ولا قبل الشمس، وهو كذلك بخلاف الأُضْحيّة.
وإلا بأن انتفت الشروط الثلاثة أو واحد منها فمكة محله لا غيرها،
стр. 1438
فإن نحر خارجًا عن بيوتها إلا أنه من لواحقها فالمشهور عدم الإجزاء، ونص ابن القاسم على أنه لا يجزئ بذي طوى.
وما فات وقوفه بعرفة ولم يشتر من الحل أجزأ إن أخرج لحلّ، ونحر بمكة؛ لأنه لا بد في الهدي من الجمع بين الحل والحرم، وظاهره: سواء كان واجبًا أو تطوعًا، وهو كذلك.
وقول ابن الحاجب: (إن خروجه بعد عرفة غير واجب، فله نحره بغير إخراجه للحلّ) قال ابن عرفة: إنه وهم. انتهى. وانظر الجواب عنه في الكبير.
كإن وقف به -أي: بالهدي صاحبه- فضل منه حال كونه مقلّدًا، ووجده غير صاحبه، وَنُحِرَ بمنى في أيامها أو بمكة بشرطه أجزأ عن صاحبه.
تنبيه:
هذا التقرير بناءً على (إن) شرطية، و (وقف) فعل الشرط و (نحر) من تمامه، والجزاء ما في الكاف من التشبيه، ويحتمل أن يقرأ وقف بالبناء للمفعول، فيشمل مسائل غير ما ذكر، انظرها في الكبير.
[مسألة: ]
ومن ساق هديًا في العمرة، سواء كان تطوعًا أو نذرًا أو جزاءً فمحل نحره بمكة، بعد كمال سعيها، نزلوا سعيها منزلة الوقوف في الحج، ثم حلق رأسه أو قصر، وحل من عمرته.
الأبهري: ولا يجوز أن يؤخر نحره.
وأتى المصنف بـ (ثم) المرتبة؛ لأن الحلق في العمرة يكون بعد الذبح كالحج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
[مسألة: ]
وإن أردف الحج على العمرة لخوف فوات لحجه إن تشاغل بعملها، أو أردفته امرأة خوف فواته بأن لم يستطع الطواف لحيض حصل لها، وسار
стр. 1439
كل منهما قارنًا أجزأ الهدي التطوع لقرانه، وهدي التطوع هو كل هدي سبق لغير شيء وجب أو يجب في المستقبل.
ثم شبه في الإجزاء، فقال: كأن ساقه، أي: هدي التطوع فيها، أي: في العمرة، وأتمها قبل إحرامه بالحج، وأخر نحره ليوم النحر، ثم حج من عامه ذلك، وصار متمتعًا، فإن هذا الهدي يجزئه عن متعته في أحد قولي مالك في المدونة، وهو ظاهرها.
وقوله الآخر فيها عدم الإجزاء؛ لأنه لزمه أن ينحر أولًا، ولما كان ظاهرها عند المصنف تأويلًا على اصطلاحه، قال: وتؤولت أيضًا على أن أجزاه عن التمتع مقيد بما إذا سيق للتمتع ليجعله عنه، فلما وجب بالتقليد والإشعار قبل أن يتعلق عليه الدم للمتعة حمل محمل التطوع في الوجوب، وهو تأويل عبد الحق وغيره.
قال: وعدم الأجزاء أقيس.
تنكيت:
جرى المصنف هنا على خلاف عادته في ذكر التأويلين، وإلا فكان يقول: وهل يجزئ إن ساقه فيها ثم حج من عامه أو إلا إذا سيق للتمتع تأويلان، وكأنه فعل ذلك لرجحان الأول عنده.
[مسألة: ]
والمندوب في كل ما ينحر أو يذبح بمكة المروة؛ لقوله ﷺ في المروة: "هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر" (١).
[مسألة: ]
وكره نحر غيره، أي: تكره استنابة غيره في ذلك كالأُضْحِيّة؛ لفعله ﵊، وكان مالك يشدد في كراهته، وإن خالف أجزاء
стр. 1440
لاستنابته ﷺ عليًّا في بعض هداياه بعد أن نحر منها سبعة في عام الحديبية، وكان الهدي سبعين بدنة.
تنبيهات:
الأول: ظاهر كلامه ولو لم يهتد إلا بمعلم وهو كذلك إلا أن لا يحسنه جملة، واللَّه -تعالى- أعلم.
الثاني: عموم غيره يشمل الكافر وليس كذلك ففي المدونة لا يجزي وعليه البدل، واللَّه أعلم.
الثالث: تخصيصه الكراهة بالذبح، يفهم منه جواز استنابته في السلخ وتقطيع اللحم، وهو كذلك، قاله سند، واللَّه أعلم.
الرابع: قيدنا كلامه بالاستنابة لتشبيهه بالأُضحِيّة؛ إذ لو غلط فيها لم تجزئ، ومثله قول المدونة: إذا أخطؤوا فنحر كل هدي صاحبه أجزأهم، ولو كانت ضحايا لم تجزئهم، وعليهم بدلها.
[مسألة: ]
وإن مات متمتع قبل استيفاء أركان الحج فالهدي لازم له، وعلى ورثته إخراجه من رأس ماله.
ابن القاسم: إن رمى العقبة.
لحصول أكثر أفعال الحج مع حصول أحد التحللين، ومفهوم الشرط: أنه إذا مات قبل رمي جمرة العقبة وبعد الوقوف لا يلزمه شيء، وهو كذلك على المشهور.
[شروط الهدايا: ]
وسِنّ الجميع بكسر السين وشد النون -أي: أسنان جميع الهدايا من إبل وبقر وغنم- وكذا عيبه كالأُضْحِيّة على ما يأتي بيانه في بابها، والمعتبر من السن المشترط وجوده والعيب المشترط نفيه حصوله حين وجوبه وتقليده، لا حين نحره وذبحه.
стр. 1441
فائدة:
قال في توضيحه: ليس المراد بالوجوب أحد الأحكام الخمسة، بل تعيينه وتمييزه عن غيره ليكون هديًا، والمراد بالتقليد هنا أعم منه فيما يأتي؛ لأن المراد به هنا إنما هو تهيئته للهدي وإخراجه سائرًا إلى مكة؛ ألا ترى أن الغنم يعمها هذا الحكم، وهي لا تقلد.
وعلى هذا فالمراد بالوجوب هنا والتقليد متقارب؛ فلا يجزئ مقلد بفتح اللام بعيب، أي: مصاحبا له؛ وكذا من لم يبلغ السن ولو سلم، بأن زال عيبه أو بلغ السن بعد ذلك، فهو مبالغة في عدم الإجزاء، ولل تنبيه على خلاف الأبهري.
بخلاف عكسه، وهو ما قلد سليمًا ثم تعيب فإنه يجزئ، بشرط في هذا الأخير أشار له بقوله: إن تطوع به.
ومفهومه: لو كان واجبًا لم يجزئه، وأرشه -أي: هدي التطوع- ويشمل مسألتين؛ الأولى: المأخوذ عن عيب ظهر به بعد إشعاره وتقليده، مما لا يمنع الأجزاء، والثانية: المأخوذ عن جناية عليه، فإنه يجعل في هدي آخر إن بلغ ثمن الهدي.
وإن لم يبغ تصدق به وكذلك ثمنه إذا استحق يجعل في هدي إن بلغ ثمن هدي، وإلا تصدق به.
وفي كتاب محمد: يفعل به ما شاء، وذكرهما في المدونة مع زيادة إيضاح، انظره في الكبير.
والمأخوذ في أرش الهدي الفرض كهدي تمتع أو قران أو نقص في حج أو جزاء صيد أو فدية أذى يستعين به في غير، أي: في هدي غيره، ولا يتصدق به.
تنبيه:
هذا إذا كان العيب لا يمنع الإجزاء، وأما لو منعه لكان عليه بدله، ويستعين بما يرجع به على البائع في ثمن بدله، ونحوه في المدونة.
стр. 1442
[مسألة: ]
وسن بضم السين مشدد النون في هدايا الإبل إشعار سُنمها بضم السين والنون، جمع سنام، بأن يشق السنام من الجانب الأيسر على المشهور قدر أنملتين أو نحوهما بحيث يسيل منه الدم.
وعن مالك من الأيسر واختار عبد الوهاب هذا القول، ويكون هذا الشق منتهيًا في الإشعار للرقبة، مبتدئًا من المؤخر، هذا ظاهر كلامه، وعكسه لابن الحاجب، ومثله في منسك المصنف.
قال في توضيحه: وهو المشهور.
وبه قرره الشارح هنا، فجعل اللام بمعنى (من)، قائلًا أيضًا: وهو المشهور.
ويشقه حال كونه مسميًا، أي: قائلًا: باسم اللَّه، ويزيد: واللَّه أكبر.
وأفهم قوله: (سنمها) بأن لا إشعار لغير المسنمة، وهو رواية محمد، وفي المدونة: يشعر.
[التقليد: ]
وسن تقليد. وفسره في منسكه بتعليق شيء في العنق.
[ما يندب: ]
وندب نعلان، ويجزئ الواحد، وتعلقان أو أحدهما بنبات الأرض، لا بصوف ووبر.
وأشعر قوله: (ببنات الأرض) أن يكون التعليق بنفس النبات، لا بما ينشأ عنه، كـ: خيط الكتان أو القطن؛ إذ هو كالصوف.
البساطي: وقوة كلامه يقتضي أن المجموع سنة.
تنبيه:
سنة الإشعار والتقليد في كلامه يحتمل أنه حكمهما، وهو الظاهر،
стр. 1443
ويحتمل أن السنة هي هذه الصفة، وأن الحكم الوجوب؛ ففي اختصار الواضحة لفضل بن سلمة: أما التقليد والإشعار فواجب، وفائدتهما الإعلام، فإنه هدي خرج عنه للَّه؛ ليعلم به من وجد إذا ضل.
وندب تجليلها، أي: البدن فقط، وما ذكره من استحباب التجليل قال في البيان: يستحب العمل به.
وفي المدونة: يجلل إن شاء.
ومثله لابن الحاجب.
وندب شقها -أي: الجلال- إن لم ترتفع، يحتمل أثمانها بأن يكون قيمتها الدرهمين ونحوهما، قاله مالك.
فإن ارتفعت لم تشق؛ لأنه من إضاعة المال، ويحتمل كما قال في توضيحه، وتبعه الشارحان: على الأسنمة.
[ما يقلد: ]
وقلدت البقر فقط، ولا تشعر (فقط) قيد لـ (قلدت) لا للبقر، إلا ما كان منها بأسنمة، فتشعر أيضًا، رواه محمد في المدونة: لا تشعر.
لا الغنم فلا تشعر اتفاقًا، ولا تقلد على المشهور، وظاهر كلامه: أنه لا فرق في الإشعار بين الرجل والمرأة، انظر الكبير.
[الأكل من الهدي: ]
ولما كان لمنع الأكل من الهدي وجوازه أربعة أحوال، أشار لأحدها بقوله: ولم يؤكل المهدى -أي: لا يجوز له الأكل- من نذر مساكين عين لهم، بأن قال: هذا نذر للمساكين مطلقًا: سواء بلغ محله أم لا.
وظاهره: كان المساكين معينين أم لا، وتقرير البساطي له بالمعينين خلاف ظاهر كلامه وكلام غيره.
وظاهره: حرمة الأكل.
العوفي: الظاهر أنه لا خلاف في المذهب على المنع من الإقدام،
стр. 1444
وإنما الخلاف إذا وقع، هل المنع أو الكراهة.
وأشار للحال الثاني بقوله: عكس الجميع، أي: جميع الهدايا واجبة كانت أو متطوعًا بها ما تقدم ذكره منها، كالواجب لنقص في حج أو عمرة وفواته وتعدي ميقات وترك مبيت بمزدلفة أو مِنَى وترك طواف وهدي فساد على المشهور، وما لم يتقدم له ذكر كنذر لم يعين فله الأكل منها مطلقًا، بلغت محلها أم لا، ويتزود.
وإذا جاز له الأكل فله إطعام الغني والقريب، وعمم فيه ليشمل من تجوز دفع زكاته له ومن لا يجوز، ويهدي ويصدق.
[مسألة: ]
وكره الإطعام منها لذمي؛ ففي المدونة: ولا يتصدق بشيء من الهدي على فقراء أهل الذمة. انتهى.
[حال ما يؤكل منه: ]
ثم استثنى مما يؤكل منه مطلقًا وما يؤكل منه في حال دون آخر، وتحته حالان أشار لأحدهما، وهو الثالث بقوله: إلا نذرًا لم يعين بلفظ، ولا نية لمساكين ولا غيرهم، وهو المضمون، كدية على هدي، وإلا الفدية للأذى، أي: إذا نوى بها الهدي، وإلا فهي لا يختص بمكان ولا زمان، وإلا الجزاء للصيد إذا نوى به الهدي، فلا يأكل من هذه الثلاثة بعد المحل، ويأكل قبله.
وانظر الجواب على قول البساطي: (في الاستثناء شيء) في الكبير. وأشار للحال الرابع، وهو ما لا يجوز الأكل منه قبل محله، فقال: وإلا هدي تطوع إن عطب قبل محله، فلا يؤكل منه حينئذ لنية التقرب، ويؤكل منه بعده.
وفي كون المنع من الأكل تعبدًا أو لاتهامه على عطبه قولان، حكاهما ابن عرفة.
وحيث منع من أكله فتلقى قلادته بدمه ويخلى للناس يأكلونه، ولا
стр. 1445
يأمر بأخذ شيء منه، ولا يبيعه، ولا يستعين به في ثمن هدي؛ إذ ليس عليه بدله؛ لخبر: "خل بين الناس وبينه" (١).
كرسوله تشبيه في أنه ينحره أو يذبحه ويلقي قلائده بدمه ويخلي بين الناس وبينه، ولا يأكل منه.
قال في المدونة: إلا أن يكون مسكينًا، ولا يأمر أحدًا بأخذ شيء منه.
[حكم الوقوع: ]
ولما ذكر حكمه ابتداء، ذكر حكمه بعد الوقوع، فقال: وضمن صاحبه في غير مسألة الرسول، وهي المسألة المتعلقة صاحبه، أي: بسبب أمره أخذ شيء من هدي منع الأكل منه، والباء (بأخذه) صلة، كأكله -أي: صاحبه- من ممنوع أكله أو أخذه منه كالنذر غير المعين، وفدية الأذى وجزاء الصيد بعد محله وهدي التطوع قبل محله بدله مفعول ضمن، أي: جميعه على المشهور.
سند: لأن ما أكله منه أبطل إراقة الدم فيه، ووجب أصل الهدي؛ لأنه لا يتبعض؛ إذ لا يثبت بعض هدي.
وهل عليه البدل مطلقًا في كل ممنوع، وشهره صاحب الكافي، أو ممنوع إلا نذر مساكين عين فقدر أكله؟
إذ هو الممنوع فقط، وشهره ابن الحاجب؛ لأنه شبيه بالغاصب، خلاف.
وإذا قلنا عليه قدر أكله فهل لحمًا إن عرف وزنه وقيمته، وإن لم
стр. 1446
يعرف وزنه أو قيمته طعامًا يتصدق به، أو قيمته ثمنًا؟ أقوال، أصحها الأول.
[مسألة: ]
والخطام والجلال كاللحم في المنع والإباحة والأمر بالأخذ وضمان القيمة إن أتلفه، وإلا رده.
قال البساطي: إلا البدل.
وإن سرق الهدي الواجب بعد ذبحه أو بعد نحره أجزأ، سند: لأنه بلغ محله ووقع التعدي في حق المساكين، واللَّه أعلم.
تفريع:
لصاحبه المطالبة بقيمته، وصرفها للمساكين؛ لأنه كان تحت يده.
[مسألة: ]
لا إن سرق قبله، أي: قبل نحره أو ذبحه، فلا يجزئه، وعليه بدله.
تنبيه:
إنما قيدنا بالواجب لأن هدي التطوع إذا مات أو سرق أو ضل لم يلزم صاحبه بدله، قاله في المدونة.
[مسألة: ]
وإذا نتجت الهدية حمل الولد معها لمكة؛ لأنه بمنزلتها، قاله في الجلاب وغيره، ويحمل على غير، أي: غير أمه إن وجد، ثم عليها إن لم يوجد غيرها، وكان لها قوة.
وإلا فإن لم يمكن حمله على أمه لضعفها أو خوف هلاكها ولا أمكن حمله بأجرة من مال صاحبه تركه عند أحد ليشتد، فإن لم يمكن تركه فكالتطوع يعطب قبل محله، قاله أبو عمران.
وظاهر كلام المصنف وجوب حمله، قال في توضيحه: وعليه أن ينفق على حمله أو بقائه، فإن أضاعه حتى هلك ضمنه.
стр. 1447
ولا يشرب من اللبن، وإن فضل عن ري فصيلها، وظاهره: ولو أضر بها ترك حلبها، وهو كذلك، ولكن يحلبها ويتصدق به؛ لأن شربه نوع من العود في الصدقة، حكاه اللخمي عن مالك.
وبالغ على منع شرب ما فضل من لبن ما منع من أكله؛ لأنه ربما يتوهم محل إباحة، فإن شرب فلا شيء عليه.
وغرم صاحبها إن أضر بشربه للبنها الأم موجب فعله، أو أضر بشربه الولد حتى مات أو أضرها موجب فعله، لفتح الجيم، أي: ما أوجب شربه، كما لو مات.
فقوله: (الأم) معمول (أضر) و (موجب فعله) معمول (غرم)، قال في المدونة: عليه بدله مما يجوز في الهدي؛ لأنه أتلف ما تعين هبة، فإن كان بصفة ما لا يجزئ ابتداء عن واجب الهدي فهو كما لو قلد هديًا، فوجده معيبًا فتعدى فذبحه فيضمنه بهدي تام لا عيب فيه.
[مسألة: ]
وندب عدم ركوبها بلا عذر يلجئه لذلك؛ لأنه أخرجها للَّه، فإن ركبها بلا عذر كره، قاله الأبهري.
وإن اضطر وركب فـ: لا يلزم النزول عنها بعد الراحة، وفسر اللخمي الاضطرار بأن لا يجد ما يكتري به، أو لا يجد ما يكريه.
وظاهر كلام المصنف: لو تلفت بركوبه لم يلزمه شيء، وهو كذلك ما لم يتعد عليها في ركوبه بأمر ما، قاله سند.
وربما أشعر ركوبها للعذر بأنه بغير محمل، وبأنه لا يحمل عليها زادًا ولا ما يتعبها، وهو كذلك، قاله مالك.
وفي الجلاب: إذا اضطر لحمل متاعه عليها حمله، فإذا وجد غيرها نقله عنها.
وأشعر قوله: (ندب عدم ركوبها بلا عذر) أنه لو نزل عنها بعد العذر
стр. 1448
أو الراحة لم يركبها ثانيًا إلا أن يضطر كالأول، وهو كذلك، نص عليه التونسي.
وندب لهديها نحرها حال كونها قائمة على قوائمها الأربع مقيدة، ولا يعقلها، قاله مالك في كتاب ابن المواز.
أو قائمة معقولة مثنية ذراعها الأيسر إلى عضدها فتبقى قائمة على ثلاث قوائم.
وهذا إذا خيف نفارها، وما قررنا به كلامه نحوه قول ابن الحاجب: تنحر قائمة معقولة أو مقيدة.
قال في توضيحه: هذه صفات مستحبة في نحر الهدي، أولها: أن يتولى نحرها صاحبها اقتداء به ﵊.
ثانيها: أن تكون قائمة معقولة أو مقيدة. انتهى.
ويمكن أن يقرر كلامه هنا بما في توضيحه، فيقال: وندب لصاحبها نحرها، وندب كونها قائمة أو معقولة.
فائدة:
قال سند: لا خلاف أن العنز تذبح مضطجعة، والبقر إن ذكيت فكذلك، وإن نحرت فقائمة، هذا قول الجمهور.
[مسألة: ]
وأجزأ نحر الهدي عن صاحبها إن نحر غيره عنه مقلدًا أو مشعرًا، ولو نوى غير صاحبه نحره عن نفسه إن غلط على المشهور، لا إن تعمد (١).
стр. 1449
[مسألة: ]
ولا يشترك في هدي، ظاهره: تحريمًا، ونكره ليشمل الواجب والمندوب وجزاء الصيد والفدية.
ابن عرفة: وهو المذهب.
ويشمل التطوع، وعلى المشهور لا فرق بين كون الشركاء أقارب أو أجانب، وإن وجد الهدي الضال بعد نحر بدله نحر الموجود أيضًا، إن قلد؛ لتعينه هديًا بالتقليد.
تفريع:
قال العوفي: تنافس الناس وراء ذلك فيما هو الواجب، فقيل: الضال؛ لأنه تعين عن الواجب، والمذهب أنه يجب نحر الاثنين؛ لأنه أمر بنحرهما وجوبًا، إلا أن الأول إذا وجد هو المتعين عما في الذمة، والثاني إنما وجب بتعينه هديًا.
فائدة:
لو اختلط واجب بتطوع فَضَلَّ أحدهما لزم بدله، ومنع الأكل منها، كما لو لم يضل، ذكره ابن عرفة.
[مسألة: ]
وإن وجد الهدي الضال قبل نحره -أي: نحر بدله- نحرًا معًا، إن قلدا؛ لتعيينهما بالتقليد وإلا بأن وجد الضال قبل نحر بدله وهما غير مقلدين، أو الضال مقلدًا دون البدل، أو البدل مقلدًا دون الضال، فهي ثلاث صور، بيع واحد منهما، أي: من غير المقلدين في الأولى، إما الضال أو بدله، ونحر الآخر، وبيع غير الضال في الصورة الثانية، وبيع
стр. 1450
الضال في الثالثة، وهذا هو المراد بقوله: (بيع واحد منهما)، أي: بيع أحدهما، لا بعينه في الصورتين الآخرتين، وإلا لصدق كلامه على جواز بيع المقلد في الصورتين الآخرتين، وليس كذلك.
* * *
فصل ذكر فيه موانع الحج، وما يتعلق بها
وعدها بعضهم خمسة، وبعضهم ستة، وبعضهم سبعة، وبعضهم ثمانية، والمصنف يأتي على غالبها، وهي:
- العدو.
- الفتن.
- والمرض.
- والحبس.
- والزوجية.
- والرق.
- والسفه.
- والدين.
- والأبوة.
وبدأ بالكلام على منع العدو، فقال: وإن منعه عن الوصول للبيت والوقوف بعرفة عدو كافر حال بينه وبين مكة، أو فتنة حصلت بين المسلمين، أو حبس ظلمًا لا بحق بحج، أي: فيه، أو في عمرة، فله التحلل مما هو محرم منهما بموضعه، حيث كان في حرم أو غيره بشرطين، أشار لأحدهما بقوله: إن لم يعلم به، أي: بالعدو قبل إحرامه، سواء كان
стр. 1451
طارئًا بعده أو قبله، ولم يعلم به، ومثله علمه به، ويرى أنه لا يمنعه فمنعه، كإحرامه ﷺ والمشركون بمكة، وعنده أنهم لا يصدونه، فلما صدوه حل، ويحتمل إن لم يعلم بالمنع، والمعنى واحد.
وأشار للشرط الآخر بقوله: وأيس من زواله علمًا أو ظنًا أو شكًا قبل فوته، أي: الحج، ونحوه في المدونة.
وفهم من قوله لا بحق أنه لو حبس بحق لم يتحلل، وهو كذلك، وسيأتي.
وكذا لو علم بالعدو والفتنة قبل إحرامه؛ لأنه التزم ذلك، وفهم من قوله: (فله التحلل) أنه مخير، لكن نص في المدونة والعتبية على استحباب التحلل.
[حكم التحلل: ]
ولا دم -أي: لا يوجب تحلل المحصور دمًا عليه، إذا حل لأجل العدو، وقاله ابن القاسم، وخالفه أشهب، ورجحه اللخمي وغير واحد.
[ما يحصل به التحلل: ]
ويحصل التحلل هنا بنحر هديه إن كان معه، وينحره حيث كان، وحلقه رأسه، ولا دم إن أخره، أي: الحلق لبلده؛ لأنه لما وقع في غير زمانه ومكانه لم يكن نسكًا، بل تحلل فقط.
[مسألة: ]
والمحصر لا يلزمه إذا رأى العدو بطريق وله طريق مخيف أن يسلك المخيفة، قاله ابن الماجشون.
وفهم منه أنه يسلك طريقًا مأمونًا بعيدًا، إذا كان يدرك الحج، قال في الصحاح: يقال: وجع مخيف، أي: يخيف من رآه، وطريق مخوف؛ لأنه لا يخيف، وإنما يخيف فيه قاطع الطريق، وعلى هذا الوجه طريق مخوف.
стр. 1452
[مسألة: ]
وكره لمن فاته الحج بوجه مما سبق إبقاء إحرامه لعام قابل، إن قارب مكة أو دخلها.
سند: خشية ارتكاب المحظورات.
وإذا دخل مكة طاف وسعى وحل من إحرامه ذلك، ولا يثبت عليه: (إن دخل مكة)، فنص عليه في المدونة، وأما إن قاربها فهو للخمي؛ ولذلك قال البساطي: الأحسن لو أخر إن قارب مكة. انتهى.
ولما رأى المصنف اتحادهما في الحكم لم يعتبر تقديمًا ولا تأخيرًا.
[مسألة: ]
ولا يتحلل إن بقي على إحرامه مرتكب المكروه حتى دخل وقته، أي: الحج من العام القابل؛ ليسارة ما بقي.
[مسألة: ]
وإلا بأن تحلل بعد أن دخل وقته فثالثها -أي: الأقوال- يمضي تحلله، وهو متمتع فيلزمه دم التمتع؛ لأنه استمتع بتحلله، كما في العمرة.
قال المصنف: والأقرب أنه ليس بمتمتع؛ لأن التمتع من تمتع بالعمرة إلى الحج، وهذا إنما تمتع من حج لحج، والقول الأول يمضي تحلله.
والثاني لا يصح تحلله، وهو باق على إحرامه، والثلاثة لابن القاسم، ولم يختلف قوله في المدونة ثلاث مرات في مسألة واحدة غيرها، وأما الإمام فقد اختلف قوله فيها ثلاثًا في مواضع شتى.
[مسألة: ]
ولا يسقط عنه الفرض، أي: عمن منع إتمامه، وتحلل منه، قاله الداوودي، واستحسنه أبو الحسن.
قال المصنف: وهو القياس كسائر الفرائض، خلافًا لابن الماجشون وأبي مصعب وابن سحنون؛ لإتيانه بمقدوره.
стр. 1453
[مسألة: ]
ومن جاز له التحلل لم يفسد حجه بوطء حصل منه قبل تحلله، إن لم ينو البقاء على إحرامه، وعدم نية البقاء صادق بأمرين:
- وجود نية التحلل.
- أو لا نية.
والذي ذكره في توضيحه عن المبسوط: إن نوى أن يحل فلا شيء عليه، وإن نوى أن يقيم على إحرامه لقابل فقد فسد حجه، وعليه أن يقضي حجته تلك.
[مسألة: ]
وإن وقف بعرفة وحصر عن البيت وعن المزدلفة ومبيت منى والرمي فحجه تم.
تنكيت:
في قوله: (تم) تسامح.
[كيف يتحلل: ]
ولا يحل إلا بالإفاضة، أي: بطوافها الذي بقي عليه من أركانه، فيبقى محرمًا، ولو مضت عليه سنون، حتى يطوف للإفاضة؛ لأن الحج لا يلزمه الفسخ بعد الوقوف.
[مسألة: ]
وعليه للرمي مبيت منى ومزدلفة هدي واحد؛ لأنه لما ترك ذلك بنية واحدة كان في الجميع دم واحد، كمن تطيب ولبس وحلق في قصد واحد، كنسيان الجميع، ظاهره: جميع ما تقدم، وهو كذلك على اختصار ابن يونس للمدونة، وأما على ما في الأم واختصار البراذعي فنسيان جميع الجمار، وعلى هذا الثاني قرره الشارحان.
стр. 1454
[الحصر عن الوقوف: ]
ولما كان الحصر ثلاثة أقسام:
- عن الوقوف والبيت معًا.
- وعن البيت فقط، وقدمهما.
ذكر الثالث، وهو الحصر عن الوقوف فقط، فقال: وإن حصر عن الإفاضة لم يحل إلا بفعل عمرة بلا إحرام، وسماه إفاضة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ "، وهذا التقسيم موافق لما في توضيحه ومنسكه.
وما قررناه نحوه للأقفهسي في شرحه لهذا الكتاب، وبه كان يقرره الشيخ زين الدين طاهر شيخ شيوخنا (١)، وبه يندفع قول بعض من تكلم على هذا المحل: إن كلام المصنف تصحيف.
[ما تحلله عمرة: ]
أو فاته الوقوف بغير، أي: عذر العدو، كمرض أو خطأ عدد أو حبس بحق، أو خفي الهلال.
مالك في كتاب ابن المواز: أو بأي وجه كان غير العدو.
لم يحل في مسألة من هذه المسائل، إلا بفعل عمرة بلا إحرام لها. ابن عرفة: اتفاقًا.
стр. 1455
بل إجماعًا، فيطوف ويسعى ويحلق، ويكفيه إحرامه السابق.
[مسألة: ]
ولا يكفي قدومه عن طواف هذه العمرة.
قال في منسكه: ولا يكتفي بالطواف والسعي بعده على المشهور؛ لكونه لم ينو بهما التحلل، خلافًا لعبد الملك. انتهى.
التونسي: معنى تحلله بعمرة، أي: بفعلها؛ لأنه عمرة حقيقة، وإلا لزمه قضاء عمرة، لو وطىء في أثنائها.
[مسألة: ]
وحبس المريض هديه معه رجى أن يصح، فينحره بعد بلوغه محله، هذا إن لم يخف عليه، أي: على الهدي لطول مرضه، فإن خاف بعثه لمكة لينحر بها.
ونحو هذا التقرير للشارحين تبعًا لقول المصنف في شرح قول ابن الحاجب: (وإن كان مع المحصر هدي حبسه معه إلا أن يخاف عليه، فليبعث به إلى مكة) أي: المحصر بالمرض؛ لأن حكم المحصر بالعدو تقدم أنه ينحره حيث كان. انتهى.
وقد يُقرر كلامه هنا على عمومه، فيشمل المحصر بالمرض والعدو في هدي التطوع.
ويعضده ما حكاه في توضيحه عن الذخيرة عقب كلامه السابق: وإن قدر المحصر، أي: بعدو على إرسال الهدي أرسله، وإن تعذر نحوه في الحل. انتهى.
ولا يعارضه نحر المحصر بعد، وحيث كان يحمله على ما لا يقدر على إرساله، كما في الذخيرة، واللَّه أعلم.
وأما هدي التطوع فقال سند: من ساق هديًا تطوع به استحب له أن ينحره بنفسه، وأن يكون صحبته، فمتى أمكنه ذلك أمر به.
стр. 1456
وهذا إن لم يخف على الهدي حبسه معه لينحره هو عند ما يحل، وإن خاف عليه أن يعطب قبل بلوغه، كان بلوغه مع غيره أولى من عطبه قبل بلوغه، فيرسله حينئذ، ولو أرسله من غير خوف أو حبسه مع الخوف، إلا أنه لم يصح حتى هلك لم يكن عليه شيء، وإنما الكلام فيما تقدم فيما هو الأحسن. انتهى.
[مسألة: ]
ولم يجزئه هذا الهدي، سواء بعثه أو تركه حتى أخذه معه عن هدي ترتب عليه عن فوات لهذا الحج؛ لأن هذا واجب بالتقليد والإشعار فلا تجزئ عنه.
[مسألة: ]
وخرج من فاته الوقوف ولم يتحلل بفعل عمرة للحل، ولبى منه إن أحرم بحج بحرم، أو أردف الحج فيه؛ ليجمع في تحلله بين الحل والحرم، ويحج قابلًا ويهدي، وأخر دم الفوات، أي: الذي ترتب عليه لأجله للقضاء؛ ليتفق الجابر النسكي والمالي، ولا يفعله عند الفوات وإن أجزأ إن قدم هذا الدم مع العمرة التي اعتمرها بعد الفوات.
[مسألة: ]
وإن أفسد حجة بكوطء وتمادى فيه، ثم فات الحج، تحلل بعمرة وقضاه، أو بالعكس بأن فاته حجه ثم أفسده، وإن بعمرة التحلل، أي: قبل تحلله بعمرة التحلل، أو أفسده فيها، تحلل وقضاه -أي: الحج- دونها، أي. العمرة، فلا يقضيها؛ إذ لا فساد فيها؛ لأنها في الحقيقة تحلل لا عمرة، وعليه في كل من المسألتين هديان: واحد للفساد، وواحد للفوات، وسواء كان مفردًا أو قارنًا أو متمتعًا؛ ولذا قال: لا يلزمه دم قران ومتعة للفائت منها، أي: وأما عند قضاء كل من القران والتمتع فيلزم دم ثالث.
البساطي: والحاصل أنه لا يلزمه؛ لما هو فيه من فاسد وفائت شيء. ومعنى قوله: (للفائت)، أي: لهذا الذي هو فيه، وسماه فائتًا بالنظر لما
стр. 1457
يأتي به، قائلًا: لا أن مراده تخصيص هذا الحكم، أعني عدم الدم في القران والتمتع بصورة الفوات دون الفساد، فافهم.
[مسألة: ]
ولا يفيد لمرض أو غيره -كـ: حيض أو غيره- نية التحلل وقت الإحرام بحصوله، أي: بسببه؛ لأنه شرط مخالف لسنة الإحرام، ويجري الحكم في هذا الناوي كغيره ممن لا نية له، وقَصْرُ الشارح كلام المؤلف على المريض غير ظاهر.
[مسألة: ]
ولا يجوز دفع مال لحاصر عن الحج إن كفر؛ لما فيه من الذل وتقويته على ما هو فيه.
ومفهوم الشرط: الجواز إن كان الحاصر مسلمًا، وهو كذلك عند جماعة من المتأخرين.
[مسألة: ]
وفي جواز القتال للحاصر مطلقًا: مسلمًا أو كافرًا، بمكة أو بالحرم، وصوبه ابن هارون وصاحب الكافي، ومنعُه وهو لابن شاس وابن الحاجب تردد لهؤلاء المتأخرين.
[مسألة: ]
وللولي منع سفيه من الحج، وله أن يأذن له فيه، إن كان نظرًا كزوج، تشبيه في الحكم فيمنعها في تطوع، وتجب عليها طاعته، وإن لم يأذن لها وأحرمت فله التحليل، وعليها القضاء؛ لما حللها منه، إن أذن لها أو خرجت من عصمته.
تنبيه:
أفرد الضمير لعوده على المرأة فقط؛ إذ لا قضاء على السفيه إذا حلله على المشهور، ووقع في نسخة البساطي تثنية الضمير، فقال: هو تصحيف.
стр. 1458
وفهم من قوله: (في تطوع) أنه ليس له منعها في الفرض، وهو كذلك.
كالعبد تشبيه بالمرأة في أن له تحليله، وعليه القضاء إذا أذن له أو عتق، وظاهره: سواء كان الإحرام الذي حلله سيده منه تطوعًا أو نذر أو غيره، وللخمي تفصيل، انظره في الكبير.
[مسألة: ]
وأثم -أي: ارتكب حرامًا- إن لم يقبل ما أمره به من التحليل من سفيه وزوجة وعبد.
[مسألة: ]
وله -أي: الزوج- مباشرتها مكرهة، وإفساده عليها، كفريضة أحرمت بها قبل الميقات الزماني أو المكاني.
وفهم من قوله: (له تحليلها) أنه معها، وأنها أحرمت قبله؛ ولذا لم يحتج للقيد فيهما، ومن قوله: (قبل الميقات) أنها لو أحرمت منه لم يكن له تحليلها، وهو كذلك.
[مسألة: ]
وإلا بأن أذن الولي للسفيه والسيد للعبد والزوج للزوجة في التطوع فلا منع له، إن دخل كل واحد منهم فيما أذن له فيه من الإحرام بحج أو عمرة.
ومفهوم الشرط: له الرجوع إن لم يدخل، وهو كذلك.
[مسألة: ]
وللمشتري إن لم يعلم بإحرام رقيق اشتراه رده إن علم بذلك، لا تحليله من إحرامه.
تنبيه:
قال في توضيحه: ينبغي أن يكون الحكم إذا باعه السيد قبل علمه
стр. 1459
بإحرامه ثم رده المشتري أن يكون له تحليله.
ومفهوم الشرط: لا رد للمشتري إن علم بإحرامه، وظاهره: سواء قرب الإحلال أو لا، كان المشتري محرمًا أو لا، وهو كذلك.
[مسألة: ]
وإن أذن السيد لرقيقه في الإحرام وأحرم فأفسد ما أحرم به لجماع أو غيره لم يلزمه -أي: السيد- إذن في القضاء، وقاله أشهب؛ لأنه عبادة ثانية.
أصبغ: يلزمه؛ لأنه أثر إذنه.
وأشار لقول ابن المواز: والأول أصوب بقوله: على الأصح، وانظر مفهوم (أفسد): هل الفوات كذلك، أم لا؟
[مسألة: ]
وما لزمه -أي: العبد المأذون له في الإحرام- من دم أو صوم إن كان عن خطأ صدر منه، كأن فاته الوقوف بخطأ عده، أو في الهلال، أو قتل صيدًا، وكان عن ضرورة، كأن لبس أو تطيب للتداوي، فإن أذن له السيد في الإخراج لما وجب من هدي أو فدية نسك أو طعام من ماله فعليه، وإلا بأن لم يأذن له في الإخراج صام بلا منع، أي: ليس للسيد منعه من الصيام، وإن أضر الصوم بالرقيق في عمله للسيد.
وإن تعمد الرقيق ذلك فله منعه من الإخراج ومن الصوم إن أضر به الصوم في عمله على المشهور، ولإدخاله ذلك على نفسه بغير إذن سيده.
ومفهوم الشرط: أن له الصوم إن لم يضر به، وله أن يأذن له في الإخراج أو الصوم وإن أضر به في عمله، وهو ظاهر من قول المصنف: (فله).
خاتمة:
بقي على المصنف من الموانع: الدين الحال، والذي يحل في غيبته،
стр. 1460
فإن لصاحبه منع الموسر به من الخروج ما لم يوكل من يقضيه عند حلوله، وليس له تحليله إن أحرم، ولا له هو أن يتحلل.
وبقي أيضًا الأبوة، فللأبوين المنع من حج التطوع، ومن تعجيل الفرض على إحدى الروايتين، قاله في الجواهر، واللَّه -تعالى- أعلم بالصواب.
* * *
باب ذكر فيه الذكاة وما يتعلق بها والصيد
وبدأ بالذكاة وهي ثلاثة أنواع: ذبح ونحر وما يعجل الموت (١) بنية.
والذبح لغة: الشق، وشرعًا شق خاص.
قال المصنف: يحتمل أنه من باب التواطىء أو من باب المشترك.
وحكمة الذكاة: إزهاق النفس بسرعة واستخراج الفضلات.
[صفة الذكاة: ]
وبدأ بذكر صفتها فقال الذكاة: [١] قطع مميز لا مجنون وسكران وصبي غير مميز يناكح، يشمل الكتابيين ذميهم وحربيهم، وسوى بهم (٢) ابن القاسم نساءهم وصبيانهم مطيقي الذبح، ولا فرق بين أهل الكتاب الآن ومن تقدم.
تنبيه:
قول البساطي: (في قوله: "يناكح" قلق) أشار به لاقتضاء المفاعلة الفعل من الجانبين، وليس هو كذلك هنا، ويجاب بأنه الغالب، وهذا من غير الغالب، أو اتكل على منع المفاعلة هنا من الجانبين لشهرته، وخرج به المرتد ولولدين أهل الكتاب والزنديق والمجوسي. [٢] تمام الحلقوم، وهو: مجرى النفس عند الباجي وغيره، وزاد غيرهم والكلام. واشتراط قطعه مخرج للغلصمة بالغين المعجمة أو الصاد أو السين: وهي التي تحاز
стр. 1461
فيها الجوزة عند الذبح للبدن فلا تؤكل على المشهور، ولا فرق في أكلها بين غني أو فقير خلافًا لبعض القرويين يأكلها الفقير فقط.
[٣] وقطع تمام الودَجين بفتح الدال المهملة: عرقان في صفحتي العنق متصل بهما أكثر عروق الكبد، ويتصلان بالدماغ وبقطع هذه العروق يمتنع (١) النفس، ويستفرغ الدم فيحصل الموت، ولا يشترط قطع المري.
[صفة القطع: ]
والقطع من المقدم لا من القفا ولا من صفحتي العنق؛ لأنه نخع قبل تمام الذكاة، ويدخل فيه ما لو أدخل السكين من خلف الودجين والحلقوم.
[رفع اليد قبل التمام: ]
ويشترط كون الذبح بلا رفع قبل التمام فلو رفع قبله ثم عاد فأتم لم يؤكل، وظاهره: ولو كان المذبوح بحيث لو ترك لعاش، وقيد ابن القصار ذلك بما إذا كان لو ترك لم يعش وإلا فتؤكل لأنها ذكاة ثانية، ولم يذكر هذا التقييد هنا مع أنه ذكره في توضيحه؛ فإطلاقه يدل على ما قلنا: إنه ظاهر كلامه، وظاهره: سواء عاد للتمام عن قرب أوْ لا، وهو كذلك.
ابن حبيب يؤكل مع القرب، وظاهره: سواء رفع عمدًا أو غلبة أو تفريطًا وهو كذلك.
وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن يجري الكلام في الغلبة على عجز ماء المتطهر، وظاهره: سواء سقطت السكين من يده أو رفعها قهرًا أو خوفًا، وهو كذلك.
وقال أبو محمد صالح: تؤكل، وظاهره: رفع معتقدًا للتمام أو مختبرًا، وهو كذلك.
وقال سحنون: إن رفع معتقدًا الإتمام أكلت.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ينبغي أن تعكس هذه التفرقة.
стр. 1462
[صفة النحر: ]
وصفة الذكاة في النحر: طعن بفتح اللام، وهي من الصدر وسطه، وظاهره: أنه لا يشترط في النحر قطع الودجين والحلقوم، وهو كذلك، نص عليه ابن رشد؛ لأنه محل تصل الآلة منه للقلب فيموت سريعًا.
اللخمي: لم يشترطوا قطع الحلقوم والودجين كما في الذبح، وشهر أيضًا قول ابن القاسم في الذبح: الاكتفاء بنصف الحلقوم، وتمام الودجين، وهذا من تمام الكلام على الذبح، وهذا التقرير كقوله في النوادر عن ابن حبيب: إن قطع الأوداج ونصف الحلقوم فأكثر أُكلت، وإن قطع منه أقل لم تؤكل، وفي العتبية عن ابن القاسم في الدجاج والعصفور إذا أجهز على أوداجه ونصف حلقه أو ثلثيه: لا بأس بأكله.
وقرر الشارحان كلام المصنف بأنه يكتفي بنصف الحلقوم ونصف الودجين، ويشمل صورتين: إحداهما: نصف الحلقوم وودج، والثانية: نصف كل واحد منهما، واللَّه أعلم.
تنبيه: لم يجر المؤلف هنا على عادته في التشهير، ولعله لأن الثاني لم تبلغ رتبته في التشهير رتبة الأول.
تنكيت:
تعقب البساطي على المؤلف قوله: (وشهر) بأنه لم ير من شهره وبأنه مخصوص بالطير.
ويجاب عن الأول: بأنه لا يلزم من عدم رؤيته عدم وجوده، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ: إذا قالت حذام فصدقوها (١). وعن الثاني: بنقل أبي محمد. وإن كان المميز الذي تنكح نساؤه سامريًا، وهم قوم من بني يعقوب ﵇ ينكرون بنوة ما عدا موسى وهارون ويوشع بن نون من
стр. 1463
أبناء بني إسرائيل ويزعمون أن بأيديهم توراة فيها أمور بدلها أحبار اليهود، ولا يرون لبيت المقدس حرمة كاليهود، ويحرمون الخروج من جبال نابلس، وينكرون المعاد الجسماني. أو كان المميز مجوسيًا وهو عابد النيران، ويقول: إن للعالم أصلين: نور وظلمة فالنور إله الخير، والظلمة إله الشر، ويعتقد تأثير النجوم، وأنها فعالة، تنصر كل منهما؛ فإن ذبيحته تؤكل.
ونبه بذلك على أن خروج غير المسلمين لغير ملته لا يوجب قتله وأنه يصير حكمه كأهل الملة التي دخل فيها. وقيد ذبح غير المسلم الذي تؤكل ذبيحته، بكونه: ذبح لنفسه، وأن يكون ذلك والمذبوح لنفسه مستحله، أي: حلالًا له عندهم.
وخرج به ما ذبحه النصراني لمسلم أو لنفسه مما لا يستحله في دينه؛ فإنه لا يحل للمسلم. ثم بالغ، فقال: وإن أكل الميتة، أي: من شأنه أكلها كالإفرنج.
وسواء علم ذلك منه أو شك، قاله ابن شاس، إن لم يغب على ما ذبحه مما يستحله، بل ذبحه بحضرة مسلم؛ فإنه يؤكل، نص عليه الباجي والقرافي، لا صبي مميز ارتد؛ فلا يؤكل ما ذبحه عند ابن القاسم، خلافًا لسحنون.
ولا ذبح بكسر الذال، أي: مذبوح لصنم؛ فلا يؤكل؛ لأنه مما أهل به لغير اللَّه، أي: ذكر غير اسم اللَّه، لأنهم يعتقدون إلهية الصنم.
تلخيص: يجوز أكل ذبيحة الكتابي بثلاثة شروط (١).
أحدها: كونه ذبح لنفسه.
ثانيها: كونه مما يستحله.
ثالثها: أن لا يهل به لغير اللَّه.
стр. 1464
[ذبحه ما لا يحل له: ]
أو ما ذبحه مما هو غير حل له فلا يحل لنا أكله، إن ثبت تحريمه عليه بشرعنا من ذي الظفر كالإبل وحمر الوحش والنعام والأوز والدجاج وكل ما ليس بمشقوق الظلف.
وأما مشقوقه كالبقر والغنم والظباء، فيجوز لنا أكله، وهو قول ابن القاسم وأشهب. وإلا بأن لم يثبت تحريمه بشرعنا كالطريقة، وهي: أن يوجد المذبوح فاسد الرئة كره لنا أكله.
ثم شبه في الكراهة فقال: كجزارته في الأسواق أي: يكره أن يكون جزارًا في الأسواق لعدم نصحه. وبيع بالجر عطف على جزارته، أي: يكره كونه بياعًا في الأسواق أو صيرفيًا.
قال مالك: لا يبيعون في أسواقنا شيئًا من أعمالهم. وإجارة له بأن يكري المسلم دابته أو سفينته لعبده، ويحتمل أنه حذف (لعبده) من التي قبلها لدلالة هذه، أي: يكره أن يباع له ما يذبحه لعبده وشراء ذبحه، أي: مذبوحه، وتسلف ثمن خمر منه، قاله مالك.
وظاهره: باعه لذمي أو مسلم، إلا أن ثمنه من مسلم أشد كراهة. وبيع به، أي: بثمن الخمر، بأن يأخذه المسلم منه بثمن ما يبيعه له، لا أخذه قضاء عن دين عليه لمسلم، فلا يكره كما لا يكره أن يؤخذ منه في جزية.
وكره شراء شحم يهودي باعه لمسلم، لحرمته عليه، وليس محرمًا علينا كالثرب بمثلثه مفتوحة فباء موحدة، وهو: شحم رقيق يغشي الكرش والأمعاء وما أشبه ذلك من الشحم الخالص، وأضاف الشحم لليهودي؛ لأنه علم على الشحوم التي حرمت عليهم، فيبيعونها للخروج عن النهي فتكره إعانتهم على هذه الحيلة.
[ما ذبح لصليب: ]
وذبح بكسر الذال: أي يكره أكل مذبوح لصليب، أي: لأجله أو
стр. 1465
عيسى أو جبريل أو كنائسهم أو أحبارهم أو أعيادهم، كرهه مالك من غير تحريم.
ووجهه لأنه لقصدهم به تعظيم غير اللَّه مع الذكاة وقبول متصدق به منهم كذلك، أي: لتعظيم شركهم، كتصدقهم عن موتاهم بشيء يكره قبوله، وكذا ما يهدونه لمسلم في عيدهم من رقاق وبيض وخبز يسمونه قربانًا؛ لما فيه من تعظيم عيدهم.
[ذكاة الخنثى والخصي والفاسق: ]
وذكاة خنثى وخصي وفاسق ابن رشد: لضعف الأولين ونقص دين الثالث.
ونقض التعليل بالضعف في الأولين بالمرأة، والثالث بالكافر.
[مسألة: ]
وفي حل ذبح كتابي لمسلم فيجوز أكلها، وعدم حله فيمنع أكلها قولان لمالك.
[الصيد: ]
ولما كانت الذكاة نوعين قطع وجرح وهو الصيد، وقدم الأول أتبعه بالثاني، ولما اشتركا في بعض الأحكام جمعهما في باب واحد، وإلا فكان حقهما جعل كل في باب أو جعل الثاني فصلًا.
فائدة: الصيد من حيث ذاته جائز إجماعًا، وتعتريه الأحكام الخمسة:
الإباحة: إذا كان للمعاش اختيارًا لأكله، وانتفاعًا بثمنه.
والندب: وهو ما صيد لسد الخلة وكف الوجه أو لتوسيع على عياله من ضيق.
والمنع: إذا كان يريد قتل الصيد لا ذكاته؛ لأنه من الفساد، أو كان الاشتغال به يؤدي لتضييع الصلوات.
والوجوب: وهو ما إذا كان لإحياء نفسه أو غيره ولا يجد غيره.
ومكروه: للهو.
[أركان الصيد: ] وأركانه ثلاثة صائد ومصيد وآلة.
وبدأ بالأول فقال: وجرح وهو يشمل كل جرح، وخرج به ما مات
стр. 1466
خوفًا أو من صدمة أو عضة دون جرح على المشهور، أو من شرك، أو من حبالة.
[وصف الصائد: ] ووصف الصائد بقوله: مسلم لا كافر مجوسي باتفاق، وكتابي على المشهور، ومرتد عن الإسلام مميز: لا سكران ومجنون وصبي لا يعقل القربة؛ لأن شرطه النية.
[وصف المصيد: ]
وأشار للركن الثاني بقوله: وحشيًا، وهو معمول جرح، وخرج به الإنسي، فلا يؤكل بالجرح، والبحري لا يشترط فيه جرح ولا غيره فيؤكل صيد الكافر منه؛ إذ لا يزيد على كونه ميتة، وميتته حلال. ثم بالغ على الوحشي بقوله: وإن تأنس، أي: فيؤكل بالجرح إن لم يتأنس وإن تأنس في خلال ذلك، ثم عجز عنه في الحالين؛ فلا يؤكل مقدور عليه بالعقر إلا أن يكون في القدرة عليه بعسر يلحقه بالمعجوز عنه، فيؤكل حينئذ بالعقر لا نعم إبل أو بقر أو غنم شرد، أي: نفر أو تردى، أي: سقط بكهوة بفتح الكاف وضمها؛ فلا يؤكل بالعقر على المشهور.
[آلة الصيد: ]
وأشار للركن الثالث بقوله: بسلاح محدد، وهو متعلق بجرح، وأخرج به العصا ونحوها، إلا أن يوجد مجتمع الحياة غير منفوذ المقاتل فيؤكل بالذكاة.
تنكيت: قول البساطي: (قولهم محترز به من الشبكة والشرك) وهم؛ لأنه لم يدخل في الجرح، فلا حاجة لإخراجه)، مبني على أنه قولهم: جرح ليس للاحتراز، وأما إذا كان مخرجًا ومدخلًا كما قدمنا فيحتاج لإخراجهما كما قالوا: أولًا وهم. وحيوان علم لما كان شرط الجرح أن يكون بأحد أمرين: أحدهما: سلاح محدد وتقدم ذكره. الثاني: وهو هذا، فلا بد من التعليم، فلو صيد بغيره من جنس ما يعلم لم يكف، ويدخل في المعلم ما لو علم ما لا يقبل التعليم كأسد ونمس ونمر، وجعله البساطي محل نظر.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كان طبع المعلم الغدر كالدب؛ فإنه لا
стр. 1467
يمسك إلا لنفسه، ويشترط أن يكون بإرسال من يده، فلو وجد معه صيد لم يعلم به أو انفلت قبل رؤية ربه الصيد، ولو أشلاه عليه أثناء ذلك، أو رآه ولم يرسله، أو أرسله وليس بيده، لم يؤكل في واحد منها إلا بالذكاة، وعدم الأكل في الذخيرة هو المرجوع إليه.
واختار ابن القاسم والتونسي واللخمي الأكل، وهو المرجوع عنه وكلاهما في المدونة. بلا ظهور ترك من الجارح، وكون هذا شرطًا وانتفاء مانع أمر قريب، فلو ظهر منه ترك بأن وقف على أكل جيفة أو لشم كلب أو سقط البازي على موضع عجزا عنه ثم رآه فصاده لم يؤكل إلا بإرسال مؤتنف.
تنبيه: أطلق في ظهور الترك ليعم الطول وعدمه، وهو كذلك، وجرد اللخمي الأول من الخلاف، وجعل في الثاني قولين، ثم بالغ على جواز الأكل على ما يشبه الترك فقال: ولو تعدد مصيده بأن أرسله كما قال ابن القاسم على جماعة صيد، ولم يرد واحدًا منها دون غيره فأخذ كلها أو بعضها؛ فإنه يؤكل ما أخذ منها، ولا يعد اشتغاله بالأول فما بعده تركًا.
وظاهره: وإن لم يأت على كلها إلا مع الطول. ثم عطف عليه مسائل مساوية له.
أشار للأولى: منها بقوله: أو أكل الجارح من الصيد فلا يضر في البازي اتفاقًا، ولا في الكلب على المشهور.
وأشار للثانية: بقوله: أو لم ير الصائد الصيد كأن اختفى عنه بغار من الأرض أو في غيضة من الشجر، أو غيرها، فأرسل عليه فأخذه أكل على المشهور.
وأشار لثالثها: بقوله: أو لم يظن نوعه من المباح، أي: علم أنه منه ولم يدر أظبي أم غيره.
ولرابعها: بقوله: أو أرسل على نوع من المباح كظبي مثلًا وظهر خلافه من المباح كأرنب، وانظر مثار الخلاف في الكبير.
стр. 1468
ثم ذكر مسائل الحكم فيها غير الأولى مخرجًا لها منها، فقال: لا إن ظنه حرامًا كخنزير فأرسل عليه فإذا هو ظبي لم يؤكل إلا أن يدركه غير منفوذ المقاتل ويذكيه، أو أخذ الجارح صيدًا غير مرسل عليه لم يؤكل، قال في المدونة: إلا أن ينوي به ما صاد. أو لم يتحقق الصائد المبيح لصيده في شركة غيره، أي: بسبب شركة غير الخارج له كماء بالمد وقع فيه الجارح والصيد ومات، ولم يعلم هل مات بسبب الجرح أو الماء فلا يؤكل، أو ضرب بمسموم لا يؤكل؛ لاحتمال موته من السهم أو السم، ويحتمل لما فيه من أذية المسم ولو أدرك ذكاته؛ لقول مالك: أخاف على من يأكله الموت. أو شركة كلب مجوسي أرسله، سواء كان له أو لمسلم إذا قتلاه معًا لعدم تحقق المبيح، واللَّه أعلم.
تنبيه: لو وجداه حيًا حكم للمسلم بذبحه وأخذ نصفه، ولو امتنع من ذلك المجوسي بيع وقسم ثمنه إلا بموضع فيه، فللمسلم ذبحه إن شاء.
[مسائل لا يؤكل الصيد فيها: ]
ثم استطرد مسائل لا يؤكل الصيد فيها، فقال: أو بنهشة، أي: الجارح ما، أي: صيدًا قدر على خلاصه حيًا منه، أي: من الجارح ولم يفعل فلا يؤكل لقدرته على ذكاته، ويحتمل أنه ذكاه بعد نهشه مع القدرة على خلاصه، ولم يعلم هل مات من النهش أو الذكاة؛ لعدم تحقق المبيح مع شركة غيره. أو أغرى الصائد الجارح في الوسط بعد انبعاثه من نفسه على المشهور فلا يؤكل، لأن الإغراء لا يبيحه.
تنبيه: يستغنى عن هذه بقوله فيما سبق (بإرسال من يد)، ومراده بالوسط الأثناء لا حقيقة وقول الشارح: (ظاهر كلامه: أن المثير للشك هو الإغراء) بعيد. أو تراخي الصائد في اتباعه لصيد لم يؤكل، ثم استثنى من هذه فقال: إلا أن يتحقق أنه لا يلحقه إن تبعه فيؤكل حينئذ. ثم عطف على ما قبل المستثنى قوله: أو حمل الصائد الآلة التي يذبح بها مع غير لعلم الصائد أنه يسبق الحامل للصيد فأدركه حيًا ومات قبل إمكان ذكاته؛ فإنه لا يؤكل، أو حملها بخرج مثلًا بحيث لم يدركه لم يؤكل؛ لأنه يجب
стр. 1469
عليه حملها بمكان لا يعسر عليه تناولها منه كيده وكمه وحزامه، أما لو أدركه حيًا وذكاه لأكله أو بمات الصيد ثم وجده من الغد ميتًا أو منفوذ المقاتل وفيه السهم أو أثر الجارح لم يؤكل على المشهور. أو صدم الجارح الصيد بلا جرح ومات لم يؤكل على المشهور، أو عض الجارح الصيد بلا جرح ومات لم يؤكل.
ولو جرحه في المسألتين أكل اتفاقًا، ابن المواز: ولو في أذنه. وحذف (بلا جرح) من الأول لدلالة هذا عليه. أو أرسل الجارح أو رمى سهمه على ما لم يره لكن قصد ما وجد الجارح أو السهم في كل جهة لم يؤكل على المشهور أو أرسل جارحًا ثانيًا بعد مسك جارح أول وقتل الثاني لم يؤكل؛ لأنه بعد مسك الأول صار مقدورًا عليه؛ فلا يؤكل بالعقر، ومفهومه: لو لم يمسك الأول وإنما أمسك الثاني وقتل لأكل، وهو كذلك على المنصوص.
ومفهومه أيضًا: لو قتله الأول قبل وصول الثاني لأكل، وهو كذلك. أو اضطرب الجارح فأرسله الصائد ولم ير شيئًا، لأن الغالب أنه لم يضطرب إلا عند رؤية الصيد فأخذ صيدًا لم يؤكل، مالك: لأنه قد يقصد صيدًا أو يضطرب على صيده ويأخذ غيره.
قال المؤلف تبعًا لابن رشد: وهذا إذا نوى المضطرب عليه خاصة، وأما لو نواه وغيره لأكل؛ ولذا قال: إلا أن ينوي المضطرب عليه وغيره فتأويلان: الأكل وعدمه؛ بناءً على أن الغالب كالمحقق أو لا.
قال في المدونة في الذي يرسل كلبه على جماعة من الصيد وينوي إن كان وراءها جماعة أخرى لم يرها فيأخذ ما لم يره: إنه يأكله.
[وجوب نية الذكاة: ]
أي: الذكاة ذبحًا ونحرًا أو عقرًا بنوعيه: جارح وسهم، فلو رمى سهمًا غير قاصد صيدًا فصادف صيدًا لم يؤكل كضربه بقرة ونحوها بسيف أو سكين لا يريد ذكاتها بذلك فوافق الذبح أو النحر.
стр. 1470
[وجوب التسمية: ]
فيقول: بسم اللَّه في الأنواع الثلاثة إن ذكر، فلو تركها عمدًا لم تؤكل.
ومفهوم الشرط: أكلها إن نسي وهو كذلك.
وظاهر قوله: (تسمية) الاقتصار على (بسم اللَّه) فلا يزيد الرحمن الرحيم، وهو كذلك، قاله أبو الحسن وغيره. ابن حبيب: إن قال: باسم اللَّه فقط أو اللَّه أكبر فقط، أو لا حول ولا قوة إلا باللَّه أو سبحان اللَّه، أو لا إله إلا اللَّه، أجزاه، وكل تسمية، لكن ما مضى عليه الناس أحسن، وهو: بسم اللَّه، واللَّه أكبر. انتهى.
وحمله بعضهم على الوفاق للأول، وأن المراد ذكر اللَّه، والظاهر الاكتفاء فيها بحركة اللسان.
فائدة: كره ابن القاسم الصلاة عل النبي ﷺ عند الذبح، فلا يقول: باسم اللَّه [و] صلى اللَّه على رسول اللَّه، وعند العطاس، فلا يقول: الحمد للَّه وصلى اللَّه على رسول اللَّه، وزيد على الموضعين: عند الجماع وعند العثرة، وعند التعجب، وعند إشهار المبيع، وعند قضاء الحاجة، ابن ناجي: ونظمها بعض متأخري الأندلسيين فقال:
ذبح عطاس أو جماع عثرة ... وتعجب أو شهرة لمبيع
أو حاجة الإنسان فاعلم عندها ... كرهوا الصلاة على أجل شفيع
وزيد عليها ثلاث أيضًا، وهي: الحمام والأكل ومواضع الأقذار، وقد تممت بها البيتين السابقين فقلت:
وكذا حمام وأكل مثله ... ومواضع الأقذار للترفيع (١)
стр. 1471
[ذكاة الإبل: ]
ووجب نحر إبل وذبح غيره في ذكاته إن قدر ظاهر كل حيوان حتى الفيل والطير ولو طال عنقه كالنعام، وحكي الباجي نحر الفيل قال: وعندي أنه يجوز فيه الوجهان.
ابن عرفة: نحر الطير حتى النعام لغو.
ولما كان مفهوم الشرط صادقًا بالإباحة والندب والكراهة صرح بالمقصود منه فقال: وجاز أي: النحر والذبح في الإبل وغيرها للضرورة.
ابن رشد: عدم آلة الذبح ضرورة تبيح نحره إلا البقر فيندب الذبح فيها، فهو إما مخرج من متعلق (يجب)، أي: يجب في غير الإبل الذبح إلا البقر، فيندب الذبح.
وإما من مفهوم: إن قدر على الذبح فيما يذبح ولم يذبح ولا ضرورة لم يؤكل إلا البقر فيندب ذبحها، وترك المندوب لا يمنع الأكل كالحديد تشبيه في الحكم، فيستحب أن يكون ما يقع به الذكاة حديدًا لا حجرًا ولا عظمًا ولا سنًا ولا ظفرًا، وندب مع كونه حديدًا إحداده، أي: سنه؛ لخبر: "وليحد أحدكم شفرته" (١).
[صفة نحر الإبل: ]
وندب قيام الإبل ومعقولة عند نحرها؛ لأنه أمكن للمذكي من كونها باركة.
стр. 1472
[صفة ذبح المذبوح: ]
وندب ضجع ذبح بكسر الذال: أي ما يراد ذبحه على شقه الأيسر؛ لأنه أمكن للذابح، ولذا قال ابن القاسم: يضجعها الأعسر على الأيمن، والضجع بالكسر هيئة الاضطجاع. وندب توجهه، أي: الذي يراد ذبحه للقبلة مشرف الرأس بالفاء وضبطه بعض بالقاف.
وندب إيضاح المحل الذي يذبح فيه: بأن يأخذ بيده اليسرى جلد حلقها من لحيها الأسفل بالصوف أو غيره حتى يظهر من البشرة موضع الشفرة.
قال ابن المواز: هو من السنة لكون الجوزة لجهة الرأس، ويمر الشفرة مجهزًا من غير ترديد، ولا ينخعها، ولا يجعل رجله على عنقها.
وندب فري ودجي صيد أنفذ مقتله بالسهم أو الجارح وأدركه الصائد حيًا إراحه له، ولو لم يفعل ذلك وتركه حتى مات أكله، قاله في المدونة.
وسمع القرينان (١): ذبح الطير قائمًا ذابحه غير مستقيم وهو استخفاف يفعله مفلح، ويؤكل.
[الذبح بالعظم ونحوه: ]
وفي جواز الذبح بالعظم والسن مطلقًا اتصلا أو انفصلا، وهو لمالك، واختاره ابن القصار.
أو الجواز بهما إن انفصلا لا أن اتصلا، وهو لمالك أيضًا.
ابن رشد: هو الصحيح. أو جوازه بالعظم مطلقًا لا بالسن فيكره به مطلقًا، وهو لمالك أيضًا.
وشهره صاحب الأكمال. لكن كلام المؤلف يوهم المنع به أو منعهما مطلقًا، وهو لمالك أيضًا، وصححه الباجي خلاف.
стр. 1473
تنبيه: يظهر من هذا أن المصنف لا يقتصر في الخلاف على ذكر التشهير في كل قول بل يكفي عنده التصحيح والاختيار. وحرم اصطياد مأكول طير أو غيره لا بنية الذكاة، لأنه من العبث المنهي عنه، كأن يصيده للفرجة أو ليحبسه بقفص.
البساطي: إلا كصيد باز أو غيره مما يعلم؛ فإنه إذا عرى عن نية الأكل لا يحرم، إلا بكخنزير ونحوه مما لا يؤكل فيجوز اصطياده لقتله، لا بنية الذكاة الوقار إلا لحاجة تبيح أكله، فيستحب نية ذكاته.
ابن عرفة: فيه نظر؛ لأن الرخصة تعلقت به من حيث كونه ميتة لا من حيث ذاته، وتذكية الميتة لغو كذكاة ما لا يؤكل، كفرس وبغل وحمار ونحوهم فيجوز إن أيس منه، قاله ابن القاسم، أي: لإراحته.
ومفهوم الشرط: أن غير المأيوس منه لا تجوز ذكاته، ويدخل فيه ما عجز عنه وتركه بمضيعة لا علف فيها ولا ماء، وهو كذلك، قاله ابن القاسم.
وكذا بغير عجز في السفر، ولا ينتفع بلحمه فلا ينحره، إلا أن يخاف على من يأكله، قاله في التوضيح.
[ما يكره في الذبح: ]
وكره ذبح بدور حفرة لما فيه من ترك استقبال القبلة، وهو مستحب، والعمد والجهل سواء، وقيل: لا يؤكل إن تعمد وكره سلخ لمذكى أو قطع منه قبل الموت فيها، بل يترك حتى يبرد، ومضى عليه العمل، فإن خالف وقطع قبل الموت أكل إن كان في فعله إيلام، كقول مضح عند ذكاة أضحيته: اللهم منك وإليك، كرهه مالك؛ لأنه بدعة، وكره تعمد إبانة رأس إذا ابتدأ في قطعه من الحلقوم والأوداج، قاله ابن القاسم.
فإن لم يتعمد فلا كراهة حملًا لقول المدونة: ومن ذبح فترامت يده إلى أن أبان الرأس أكلت إن لم يتعمد ذلك، وتؤولت على أنه إن تعمد
стр. 1474
كره، وإن لم يتعمد لم يكره، وتؤولت أيضًا على عدم الأكل إن قصده أوَّلًا، تأولها على ذلك مطرف وابن الماجشون والتونسي؛ حملًا لقولها: أكلت إذا لم يتعمد، على أنه إن تعمد لم تؤكل ودون نصف كيد أو رجل أو جناح أبين من الصيد، أي: انفصل حقيقة أو حكمًا بأن بقي معلقًا بجلده أو بيسير لحم ولم يبلغ مقتلًا ميتة، فلا يؤكل المبان اتفاقًا ويؤكل ما عداه، وإن بلغ كونه مقتلًا بحيث لا تمكن حياته بسبب ما قطع منه، فالمشهور عدم أكله.
وفي الجلاب: تؤكل ومفهوم دون نصف أن النصف يؤكل، وهو قول ابن الحاجب: (وما قطع من الصيد إن كان نصفه أو أكثر منه أكل).
تنبيه: وقع في نسخة البساطي موضع (ميتة): (منه)؛ فقال: ظاهره أنه معطوف على المكروهات، وليس كذلك، فيعطف على فاعل (حرم). إلا الرأس إذا بين فإنه غير ميتة ويؤكل الجميع، ونحوه في المدونة، وملك الصيد المبادر لأخذه. سحنون: لو رأى واحد من قوم عشاء، فقال: هو لي لا تأخذوه، أو وجدوه كلهم فأخذه أحدهم فلآخذه، فلو تدافعوا عنه ولم يدع بعضهم بعضا يصل إليه فلكلهم، وهو معنى قوله: وإن تنازع قادرن فبينهم.
ابن عرفة: قلت: إن كان هذا بمحل غير مملوك، وأما بمملوك فلربه. انتهى. قال المصنف: وإنما جعل لهما قطعًا للنزاع ولعدم مرجح بعضهم. وإن ند، أي: نفر صيد من ربه ولو من مشتر من صائد أو غيره وصاده ثان فللثاني لا لربه الأول، وأشار بلو لخلاف ابن المكاتب في قوله: إنه للأول. لا إن تأنس عند ربه ولم يتوحش بعد ندده فهو لربه الأول اتفاقًا.
ومفهومه: أنه لو ند قبل أن يتأنس وأخذه الثاني أو أخذه بعد توحشه لكان للثاني، وهو كذلك في قول مالك، وبه أخذ ابن القاسم، وشهره المازري في الثانية.
стр. 1475
تنبيهان:
الأول: قال المصنف: حيث حكمنا به للأول فالمنصوص أنه يغرم للثاني أجرة تعبه في تحصيله.
الثاني: قال في المدونة: من صاد طيرًا في رجله سبقان أو ظبيًا في أذنه قرطان أو في عنقه قلادة عرف بذلك؛ فإن كان هروبه هروب انقطاع وتوحش فلصائده، وإلا فلربه.
وقوله: فلصائده، أي: دون ما عليه فلربه، وقوله: فلصائده، أي: دون ما عليه فلربه. واشترك طارد لصيد مع ذي حبالة بكسر الحاء المهملة، أي: شبكة أو شرك أو فخ أو ما في معناه كحفرة جعلت للصيد قصدها الطارد حتى وقع الصيد فيهما ولولاهما، أي: الطارد والحبالة لم يقع ذلك الصيد، ويكون اشتراكهما فيه بحسب فعليهما، فإذا قيل: أن أحدهما يساوي درهمًا والآخر كذلك، أو الثاني يساوي درهمين مثلًا اشتركا في المثال الأول بالنصف، وبالثاني بالثلث والثلثين عند ابن القاسم، وهو المشهور.
وإن لم يقصد طارده الحبالة وأيس منه، أي: من الصيد فلربها دون الطارد، وإن كان الطارد أتعب الصيد، وهو على تحقيق من أخذه بغيرها، أي: الحبالة فله، أي: للطارد، ولا شيء لصاحبها، قاله ابن القاسم.
وفهم من كلام المصنف أن الواقع في الحبالة بغير طرد أحد لها لربها لا لمن سبق إليه؛ لأنه لم يأت إليه إلا بعد أن صار مقدرًا عليه، كالدار تشبيه في أن الطارد يستحقه دون ربها إذا اضطره لها ولو قصدها، سواء أمكنه أخذه بدونها أو لا؛ لأن الدار لم توضع للصيد، ولا قصد بانيها تحصيله بها، إلا أن لا يطرده لها ويبعده عنه يقع فيها فلربها.
وقال البساطي: هذا تشبيه للاستدلال، يعني: أن الطارد إذا أشرف على أخذ الصيد أو تحققه من غير حبالة كانت الحبالة حينئذ تشبه من ألجأه الصيد إلى دار وأخذه منها، فليس لصاحب الدار فيه شيء؛ لأنها غير معدة للصيد والحبالة والحالة هذه كذلك. يعني: وأما قوله: (إلا أن لا يطرده