[ذكاة الإبل: ]
ووجب نحر إبل وذبح غيره في ذكاته إن قدر ظاهر كل حيوان حتى الفيل والطير ولو طال عنقه كالنعام، وحكي الباجي نحر الفيل قال: وعندي أنه يجوز فيه الوجهان.
ابن عرفة: نحر الطير حتى النعام لغو.
ولما كان مفهوم الشرط صادقًا بالإباحة والندب والكراهة صرح بالمقصود منه فقال: وجاز أي: النحر والذبح في الإبل وغيرها للضرورة.
ابن رشد: عدم آلة الذبح ضرورة تبيح نحره إلا البقر فيندب الذبح فيها، فهو إما مخرج من متعلق (يجب)، أي: يجب في غير الإبل الذبح إلا البقر، فيندب الذبح.
وإما من مفهوم: إن قدر على الذبح فيما يذبح ولم يذبح ولا ضرورة لم يؤكل إلا البقر فيندب ذبحها، وترك المندوب لا يمنع الأكل كالحديد تشبيه في الحكم، فيستحب أن يكون ما يقع به الذكاة حديدًا لا حجرًا ولا عظمًا ولا سنًا ولا ظفرًا، وندب مع كونه حديدًا إحداده، أي: سنه؛ لخبر: "وليحد أحدكم شفرته" (١).
[صفة نحر الإبل: ]
وندب قيام الإبل ومعقولة عند نحرها؛ لأنه أمكن للمذكي من كونها باركة.
стр. 1472
[صفة ذبح المذبوح: ]
وندب ضجع ذبح بكسر الذال: أي ما يراد ذبحه على شقه الأيسر؛ لأنه أمكن للذابح، ولذا قال ابن القاسم: يضجعها الأعسر على الأيمن، والضجع بالكسر هيئة الاضطجاع. وندب توجهه، أي: الذي يراد ذبحه للقبلة مشرف الرأس بالفاء وضبطه بعض بالقاف.
وندب إيضاح المحل الذي يذبح فيه: بأن يأخذ بيده اليسرى جلد حلقها من لحيها الأسفل بالصوف أو غيره حتى يظهر من البشرة موضع الشفرة.
قال ابن المواز: هو من السنة لكون الجوزة لجهة الرأس، ويمر الشفرة مجهزًا من غير ترديد، ولا ينخعها، ولا يجعل رجله على عنقها.
وندب فري ودجي صيد أنفذ مقتله بالسهم أو الجارح وأدركه الصائد حيًا إراحه له، ولو لم يفعل ذلك وتركه حتى مات أكله، قاله في المدونة.
وسمع القرينان (١): ذبح الطير قائمًا ذابحه غير مستقيم وهو استخفاف يفعله مفلح، ويؤكل.
[الذبح بالعظم ونحوه: ]
وفي جواز الذبح بالعظم والسن مطلقًا اتصلا أو انفصلا، وهو لمالك، واختاره ابن القصار.
أو الجواز بهما إن انفصلا لا أن اتصلا، وهو لمالك أيضًا.
ابن رشد: هو الصحيح. أو جوازه بالعظم مطلقًا لا بالسن فيكره به مطلقًا، وهو لمالك أيضًا.
وشهره صاحب الأكمال. لكن كلام المؤلف يوهم المنع به أو منعهما مطلقًا، وهو لمالك أيضًا، وصححه الباجي خلاف.
стр. 1473
تنبيه: يظهر من هذا أن المصنف لا يقتصر في الخلاف على ذكر التشهير في كل قول بل يكفي عنده التصحيح والاختيار. وحرم اصطياد مأكول طير أو غيره لا بنية الذكاة، لأنه من العبث المنهي عنه، كأن يصيده للفرجة أو ليحبسه بقفص.
البساطي: إلا كصيد باز أو غيره مما يعلم؛ فإنه إذا عرى عن نية الأكل لا يحرم، إلا بكخنزير ونحوه مما لا يؤكل فيجوز اصطياده لقتله، لا بنية الذكاة الوقار إلا لحاجة تبيح أكله، فيستحب نية ذكاته.
ابن عرفة: فيه نظر؛ لأن الرخصة تعلقت به من حيث كونه ميتة لا من حيث ذاته، وتذكية الميتة لغو كذكاة ما لا يؤكل، كفرس وبغل وحمار ونحوهم فيجوز إن أيس منه، قاله ابن القاسم، أي: لإراحته.
ومفهوم الشرط: أن غير المأيوس منه لا تجوز ذكاته، ويدخل فيه ما عجز عنه وتركه بمضيعة لا علف فيها ولا ماء، وهو كذلك، قاله ابن القاسم.
وكذا بغير عجز في السفر، ولا ينتفع بلحمه فلا ينحره، إلا أن يخاف على من يأكله، قاله في التوضيح.
[ما يكره في الذبح: ]
وكره ذبح بدور حفرة لما فيه من ترك استقبال القبلة، وهو مستحب، والعمد والجهل سواء، وقيل: لا يؤكل إن تعمد وكره سلخ لمذكى أو قطع منه قبل الموت فيها، بل يترك حتى يبرد، ومضى عليه العمل، فإن خالف وقطع قبل الموت أكل إن كان في فعله إيلام، كقول مضح عند ذكاة أضحيته: اللهم منك وإليك، كرهه مالك؛ لأنه بدعة، وكره تعمد إبانة رأس إذا ابتدأ في قطعه من الحلقوم والأوداج، قاله ابن القاسم.
فإن لم يتعمد فلا كراهة حملًا لقول المدونة: ومن ذبح فترامت يده إلى أن أبان الرأس أكلت إن لم يتعمد ذلك، وتؤولت على أنه إن تعمد
стр. 1474
كره، وإن لم يتعمد لم يكره، وتؤولت أيضًا على عدم الأكل إن قصده أوَّلًا، تأولها على ذلك مطرف وابن الماجشون والتونسي؛ حملًا لقولها: أكلت إذا لم يتعمد، على أنه إن تعمد لم تؤكل ودون نصف كيد أو رجل أو جناح أبين من الصيد، أي: انفصل حقيقة أو حكمًا بأن بقي معلقًا بجلده أو بيسير لحم ولم يبلغ مقتلًا ميتة، فلا يؤكل المبان اتفاقًا ويؤكل ما عداه، وإن بلغ كونه مقتلًا بحيث لا تمكن حياته بسبب ما قطع منه، فالمشهور عدم أكله.
وفي الجلاب: تؤكل ومفهوم دون نصف أن النصف يؤكل، وهو قول ابن الحاجب: (وما قطع من الصيد إن كان نصفه أو أكثر منه أكل).
تنبيه: وقع في نسخة البساطي موضع (ميتة): (منه)؛ فقال: ظاهره أنه معطوف على المكروهات، وليس كذلك، فيعطف على فاعل (حرم). إلا الرأس إذا بين فإنه غير ميتة ويؤكل الجميع، ونحوه في المدونة، وملك الصيد المبادر لأخذه. سحنون: لو رأى واحد من قوم عشاء، فقال: هو لي لا تأخذوه، أو وجدوه كلهم فأخذه أحدهم فلآخذه، فلو تدافعوا عنه ولم يدع بعضهم بعضا يصل إليه فلكلهم، وهو معنى قوله: وإن تنازع قادرن فبينهم.
ابن عرفة: قلت: إن كان هذا بمحل غير مملوك، وأما بمملوك فلربه. انتهى. قال المصنف: وإنما جعل لهما قطعًا للنزاع ولعدم مرجح بعضهم. وإن ند، أي: نفر صيد من ربه ولو من مشتر من صائد أو غيره وصاده ثان فللثاني لا لربه الأول، وأشار بلو لخلاف ابن المكاتب في قوله: إنه للأول. لا إن تأنس عند ربه ولم يتوحش بعد ندده فهو لربه الأول اتفاقًا.
ومفهومه: أنه لو ند قبل أن يتأنس وأخذه الثاني أو أخذه بعد توحشه لكان للثاني، وهو كذلك في قول مالك، وبه أخذ ابن القاسم، وشهره المازري في الثانية.
стр. 1475
تنبيهان:
الأول: قال المصنف: حيث حكمنا به للأول فالمنصوص أنه يغرم للثاني أجرة تعبه في تحصيله.
الثاني: قال في المدونة: من صاد طيرًا في رجله سبقان أو ظبيًا في أذنه قرطان أو في عنقه قلادة عرف بذلك؛ فإن كان هروبه هروب انقطاع وتوحش فلصائده، وإلا فلربه.
وقوله: فلصائده، أي: دون ما عليه فلربه، وقوله: فلصائده، أي: دون ما عليه فلربه. واشترك طارد لصيد مع ذي حبالة بكسر الحاء المهملة، أي: شبكة أو شرك أو فخ أو ما في معناه كحفرة جعلت للصيد قصدها الطارد حتى وقع الصيد فيهما ولولاهما، أي: الطارد والحبالة لم يقع ذلك الصيد، ويكون اشتراكهما فيه بحسب فعليهما، فإذا قيل: أن أحدهما يساوي درهمًا والآخر كذلك، أو الثاني يساوي درهمين مثلًا اشتركا في المثال الأول بالنصف، وبالثاني بالثلث والثلثين عند ابن القاسم، وهو المشهور.
وإن لم يقصد طارده الحبالة وأيس منه، أي: من الصيد فلربها دون الطارد، وإن كان الطارد أتعب الصيد، وهو على تحقيق من أخذه بغيرها، أي: الحبالة فله، أي: للطارد، ولا شيء لصاحبها، قاله ابن القاسم.
وفهم من كلام المصنف أن الواقع في الحبالة بغير طرد أحد لها لربها لا لمن سبق إليه؛ لأنه لم يأت إليه إلا بعد أن صار مقدرًا عليه، كالدار تشبيه في أن الطارد يستحقه دون ربها إذا اضطره لها ولو قصدها، سواء أمكنه أخذه بدونها أو لا؛ لأن الدار لم توضع للصيد، ولا قصد بانيها تحصيله بها، إلا أن لا يطرده لها ويبعده عنه يقع فيها فلربها.
وقال البساطي: هذا تشبيه للاستدلال، يعني: أن الطارد إذا أشرف على أخذ الصيد أو تحققه من غير حبالة كانت الحبالة حينئذ تشبه من ألجأه الصيد إلى دار وأخذه منها، فليس لصاحب الدار فيه شيء؛ لأنها غير معدة للصيد والحبالة والحالة هذه كذلك. يعني: وأما قوله: (إلا أن لا يطرده
стр. 1476
لها) فمستثنى من أحوال الدار، يعني: أن صاحب الدار لا شيء له في كثير من الأحوال إلا في حالة إذا لم يطرده للدار فغلبه ودخل الدار، فإنه لصاحبها، والحالة هذه عند ابن القاسم، وخالفه أشهب ومطرف. انتهى.
[مسألة: ]
وضمن مار تصح ذكاته بصيد أمكنته ذكاته بأن كانت معه آلة وترك ذكاته فمات لتحريمه على ربه، أو بمروره تنزل منزلته، وربه لو أمكنه وتركه لم يؤكل.
تنبيه: قولهم: (تصح ذكاته) مخرج للمجوسي والمرتد ونحوهما، فلا ضمان، وتؤكل.
قال الشارح: بل لو ذكاه واحد منهم لا ينبغي ضمانه، وهو واضح؛ لتفويته على ربه.
وجعل البساطي ضمانه محل اجتهاد، ومفهوم (أمكنته) أنه لو لم تمكنه لم يضمن، وهو كذلك، نص عليه اللخمي.
والتخصيص بالصيد مخرج لنحر الشاة، فلا يلزم المار ذكاتها، لاحتمال أن لا يصدقه ربها أنه خيف موتها فيضمنها.
ابن بشير: ويجري في المذاكرات جريه على قولين في الترك: هل هو فعل فيضمن أو لا فلا؟ وأشار إليه ابن محرز. ابن عرفة: لم يشر ابن محرز إلى أن الترك فعل بحال، بل إلى كونه موجبًا للضمان فقط، ولا أعلم قولًا بأن الترك فعل، بل اختلف المذهب في حكم الحاكم إن كان متعلقه تركًا وعدمًا هل يوجب الحكم باحترامه كما إذا كان متعلقه فعلًا أو لا؟ وفرق بين كون الترك فعلًا وكون حكمه كحكمه. انتهى.
وبنوا على الإجزاء المتقدم فروعًا منها:
قول المصنف: كترك تخليصه مستهلك من نفس بيده أو بشهادته، أو ترك تخليص مال للغير بيده من لص أو محارب يقدر عليه وتركه حتى فات
стр. 1477
أو شهادته له على جاحد وترك حتى فات بكموت أو فات بإمساك وثيقة حتى ضاع ما فيها أو تقطيعها كذلك لتسببه، ويضمن أيضًا ثمن الورقة، وضمنه الشافعي ثمنها فقط اعتبارًا بالمباشرة دون التسبب. وفي تضمينه بسبب قتل شاهدي حق فضاع وعدم تضمينه تردد للمتأخرين، ويضمن بسبب ترك مواساة وجبت بخيط معه مستغنى عنه لجائف إن خيطت به سلم صاحبها وإلا هلك، أو منعه فضل طعام أو شراب عن مالكه لمضطر له من آدمي أو بهيمة أو زرع حتى تلف.
تتميم: أطلق الضمان هنا وقيده في باب الجناية بأنه القصاص وسيذكره. ومنع عمد وخشب وحجر ونحوه لذي جدار مائل فيقع الجدار. ولما كان الأصل في الواجب عدم العوض دفع توهم ثبوت هذا الأصل بقوله: وله، أي: لمن وجب عليه الدفع فيما تقدم الثمن عنه إن وجد معه ثمن، وهو مذهب المدونة.
ابن يونس: ولا يشترط عليهم فيه.
ومفهوم الشرط: إن لم يجد لم يجب شيء، وهو كذلك، قاله أشهب.
ولا يتبع به أن أيسر واستظهر، وقيل: يتبع. واكل المذكى إن لم ييأس من حياته بأن كان مرجوها بل وإن أيس من حياته بحيث لو ترك لمات، وقاله في الموطأ، ورواه ابن القاسم لخبر الموطأ والصحيحين: "أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنمًا بسلع فأصيبت منها شاة فأدركتها فذكتها بحجر فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "لا بأس بها كلوها"، فأباح أكلها مع إشرافها على الموت.
وفي الحديث فوائد: منها: [١] جواز تذكية المريض [٢]، ومنها ذكاة المرأة [٣]، ومنها ذكاة الإماء [٤]، ومنها كونها بحجر [٥]، ومنها ذكاة غير المالك بغير إذنه.
[مسألة: ]
وأشار لما يدل على صحة الذكاة في مجتمع الحياه بقوله: بتحرك
стр. 1478
قوي يدل على ألم الذبح، وسواء كانت مريضة أو صحيحة، ولا فرق بين حركة الأسافل والأعالي، ودليل اجتماع الحياة في المريضة، قال محمد: حركة رجلها أو ذنبها أو طرف عينها مطلقًا، قرره الشارح راجعًا للتحرك القوي، أي: سواء كان قبل الذبح أو معه أو بعده. انتهى.
ابن رشد في مقدماته: في وقت مراعاة الحركة ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنها لا تراعى، إلا أن توجد بعد الذبح.
والثاني: تراعى، وإن وجدت معه.
والثالث: وإن وجدت قبله. انتهى. وهذا الثالث: هو الذي عناه الشارح بالإطلاق.
وظاهره: سال معه دم أو لا، وفسر البساطي الإطلاق بأنه سواء كان المذكي صحيحًا أو مريضًا، ويدل على صحة الذكاة أيضًا سيل دم دون تحرك لا شخبه إن صحت.
قال المصنف: إذا استدل على حياتها بسيلان الدم فالحركة أولى. انتهى. فإن لم يحصل حركة ولا سيل دم لم تؤكل.
ابن عرفة: دليل الحياة في الصحيحة في كونه سيلان الدم منها أو شخبه نقل ابن رشد قائلًا: اتفاقًا مع الباجي عن محمد واللخمي عنه.
ومفهوم الشرط: أن سيل الدم فقط لا يكفي في المريضة، ونحوه في المقدمات. ولما كان قوله: (وإن أيس من حياته) يشمل ما أنفذت مقاتله مع أن الذكاة لا تفيد فيه على المشهور لمنافاته الحياة المستمرة استثناه فقال: إلا الموقوذة بضربة حجر أو خشبة أو نحوها وما معها في الآية الشريفة وهي المنخنقة بحبل وشبهه حتى منعت النفس، والمتردية من شاهق أو في بئر أو حفرة، والنطيحة من أخرى، وما أكل السبع.
وقول البساطي: (كان الأولى أن يقول: "إلا المنخنقة بحبل وما معها") غير ظاهر، بل الأولى على الآية أن يقول إلا المخنقة وما بعدها، لكن لما
стр. 1479
كان ما قبل المنخنقة غير متوهم لم يحتج للتنبيه عليه. ثم وصف الموقوذة وما معها بقوله المنفوذة المقاتل نحوه قول الجلاب: إذا بلغ ذلك منها مبلغًا ليس لها بعده حياة مرجوة، وهو صواب بخلاف قول الشارحين بأن كلا منها مات من ذلك، وأما إذا لم ينفذ مقتلها من ذلك فهي مريضة، وتقدم حكمها، ثم فسر ما به إنفاذ المقاتل وهي خمسة أو ستة، فقال: بقطع نخاع مثلث النون وهو مخ أبيض في فقار العنق أو الظهر بين فلكه يوصل أثر الدماغ للقلب وأثر القلب للدماغ؛ لأن قطعه يفاجئ الموت، وأما كسر الصلب دون قطع النخاع فغير مقتل ونثر دماغ وهو الدهن الذي تحوزه الجمجمة، فشرخ الرأس دون انتشاره غير مقتل، أو نثر حشوه من الجوف عند شقه بحيث لا يقدر على رجوعها، وأما شق الجوف فغير مقتل والحشوة بضم الحاء المهملة والشين المعجمة، وفري ودج لاستئصال الدم، فيسرع الموت. عبد الحق: الواحد مقتل. وكلام المصنف يحتمل الواحد والاثنين.
وثقب مصران بضم الميم جمع مصير كرغيف ورغفان، وجمع الجمع مصارين، وظاهره: ثقب من فوق أو من أسفل، وهو كذلك، وأما قطعه وإبانة بعضه فمقتل بلا شك.
تنبيه: عد المصنف انتثار الحشوة وشق المصير وجهين، وهو كذلك عند شيوخ عياض، قال: وعندي أنهما راجعان لشيء واحد وفي كون شق الودج مقتلًا، وهو قول أشهب وغيره من أصحاب مالك، أو غير مقتل، وهو قول ابن عبد الملك قولان، وهما خلاف في حال هل الشق يستأصل الدم أو الباقي بحفظ بعضه.
تنبيه: ما ذكره المصنف مبني على أنه متصل. ولما قدم المصنف أن الذكاة تفيد فيما أيس من حياته وأخرج منه ما لا تفيد فيه مما أنفذت مقاتله من الموقوذة وما معها بشرط وجود مقتل من المقاتل السابقة كقطع النخاع أو نحوه استشهد للحالين بما في المدونة، فاستشهد للأول بقوله: وفيها أكل ما دق عنقه؛ لأنه غير مقتل، أو أصابه ما علم إنه لا يعيش منه، وللثاني بمفهوم قولها إن لم ينخعها، أي: لم يقطع نخاعها؛ لأنه ليس بمقتل، وهو
стр. 1480
المشهور، ورواه ابن القاسم، فإن نخعها لم تؤكل، وهو كذلك؛ لأنه مقتل، واللَّه أعلم.
[ذكاة الجنين: ]
وذكاة الجنين يخرج ميتًا من بطن حيوان مأكول حاصلة بذكاة أمه، ويؤكل بذلك لخبر: ذكاة الجنين ذكاة أمه" (١) روي ذكاة مرفوعًا في الموضعين من قاعدة حصر المبتدأ في الخبر، أي: ذكاته محصورة في ذكاة أمه؛ فلا يحتاج لذكاة ثانية، وهذا الحكم ثابت له أن تم، أي: كمل خلقه بشعر (٢) أي: مع نبات شعره، ويحتمل بسببه واستظهر الشارح الأول. تذييل: قال الباجي: المعتبر من تمام خلقه أنه كمل منه خلقته، ولو خلق ناقص يد أو رجل وتم خلقه على ذلك لم يمنع نقصه من تمامه.
تنبيه: لا يشترط كمال شعره، قال ابن ناجي: بل يكفي بعضه. ابن عرفة: ظاهر الروايات وأقوال الأشياخ أن المعتبر نبات شعر جسده، لا نبات شعر عينيه فقط خلافًا لبعض أهل الوقت، وفتوى بعض شيوخ شيوخنا.
[تنبيه: قيد البساطي كون الجنين من جنس أمه، ولم أره لغيره، لكنه واضح، وينبني عليه إن وجد خنزير أو كلب ببطن شاة لم يؤكل ولو ولدت بقرة شاة أكلت لأنها من جنس ذوات الأربع] (٣) وهذا بشرط خروجه ميتًا؛ ولذا قال وإن خرج حيًا حياة محققة أو مشكوكة ذكي ذكاة تخصه لفوات محل نيابة ذكاة أمه عنه واستقلاله بحكم نفسه، قاله اللخمي؛ فلو مات فورًا لم يؤكل، إلا أن يبادر لذكاته فيموت قبلها بغير تفريطه فيؤكل، كذا قرره الشارحان، ويحتمل إلا أن يبادر لذكاته فيفوت، بأن لا يدرك ذكاته؛ فلا يؤكل بذكاته أمه كما في الجلاب والإرشاد.
стр. 1481
تكميل: لم يعلم من كلام المصنف حكم مشيمة الجنين، وحكى ابن عرفة فيها ثلاثة أقوال: حلها، وحرمتها، والثالث: إن حل أكل الجنين أكلت، وإلا فلا.
فائدة: روى ابن حبيب استثقال أكل عشرة أشياء دون تحريمها: الطحال، والعروق، والغدة، والمرارة، والعسيب، والأنثيان، والكليان، والحشا، والمثانة، وأذنا القلب، ونظمتها، فقلت:
طحال وعرق غدة ومرارة ... عسيب حشا والأنثيان مع الكلى
كذا أذن القلب ثم مثانة ... روى ابن حبيب ثقل ذلك فانقلا
والمثانة بالمثلثة: موضع البول. وذكي المزلق وهو الذي تلقيه البقرة مثلًا حال حياتها، وكثيرًا ما يحصل ذلك إذا عطشت، ثم شربت كثيرًا ويؤكل إن حيى مثله حياة محققة، فلا يذكي ما شك في حياته، وافتقر نحو الجراد مما لا نفس له سائلة لها أي للذكاة، خلافًا لمطرف، وعلى المشهور فذكاته بما يموت به ولو لم يعجل موته كقطع جناح أو رجل كما في المدونة، خلافًا لسحنون، ولا يؤكل ما قطع منه، وأشار لخلافه بلو، وأما ما يعجل به موته كقطع الرؤوس والإلقاء في النار فباتفاق، وحيث كان ذكاة فلا بد من النية والتسمية.
باب ذكر فيه ما يباح من الأطعمة والحيوان وما يحرم وما يكره
وبدأ بالأول فقال: المباح: طعام طاهر وقت استعماله، سواء كان جامدًا أو مائعًا، فيجوز أكله، ويدخل فيه اللحم الني، لقول المصنف في توضيحه: يجوز أكله، وخرج بالوصف: الميتة ونجس العين وما تنجس.
ومن المباح: الحيوان البحري كله، وإن ميتًا، وسواء وجد راسيًا أو طافيًا أو في بطن حوت أو طير الماء. ومنه الطير بجميع أنواعه، ولو
стр. 1482
خطافًا، ونص عليه البراذعي بلفظ: "لا بأس"، وهي محتملة للإباحة والكراهة، لكن قال ابن ناجي: هي لصريح الإباحة. انتهى.
ولمالك كراهته، وسواء كان يأكل الجيف أم لا؛ ولذا قال: ولو جلالة، ولو كان ذا مخلب على المشهور، والمخلب بالكسر: ظفر كل سبع من الماشي ومن الطائر، أو هو لما يصيد من الطير، والظفر لما لا يصيد، قاله في القاموس. وأشار بالمبالغة لقول مالك بعدم أكله، بل قال أبو أسحاق: هو المذهب عندنا. ومنه نعم إبل وبقر وغنم، ولو جلالة على المشهور، وظاهره: ولو تغير لحمه من ذلك، وهو كذلك، خلافًا للشافعي في حرمته حينئذ.
ومنه وحش لم يفترس - كيربوع بمثناة تحتية مفتوحة فراء مهملة فباء موحدة مضمومة: دابة قدر بنت عرس رجلاها أطول من يديها، عكس الزرافة.
تنبيه: جعل البساطي هذا وما بعده من أمثلة غير المفترس، وجوزه الشارح وجوز كونه مشبها بما لا يفترس، ومثل لما لا يفترس بالظبي وبقر الوحش وحمره ونحوها. وخلد مثلث الأول ساكن اللام وفتح اللام مع الثلاثة أيضًا فار أعمى أعطى من الحس ما يغني عن البصر ووبر الجوهري: ساكن الموحدة. ابن عبد السلام: مفتوحها من دواب الحجاز فوق اليربوع ودون السنور كحلاء اللون، لا ذنب لها. وأرنب بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح النون فوق الهر ودون الثعلب في أذنيه طول، وقُنْفُذ بضم القاف والفاء وفتحها بينهما نون ساكنة وذال معجمة: أكبر من الفأر، كله شوك إلا رأسه، وضَرْبُوب كذا هنا بضاد معجمة مفتوحة فراء ساكنة فموحدتين بينهما واو، كالقُنْفُذ في الشوك، إلا أنه أكبر.
وفي التوضيح عن عياض: الضرابيب جمع ضرب، على وزن نمر ومن المباح حية أمن سمها مالك في المدونة: إذا ذكيت موضع ذكاتها فلا بأس بأكلها لمن أحتاج إليها.
стр. 1483
وقول أبي الحسن الصغير: (يريد بموضع ذكاتها حلقها، وموضع الذكاة من غيرها) خلافه قول القرافي فرصفتها: أن يمسك برأسها وذنبها من غير عنف وتثنى على مسمار مضروب في لوح، ثم تضرب بآلة حادة رزينه في حد الرقيق من رقبتها وذنبها من الغليظ الذي هو وسطها، ويقطع جميع ذلك في فور واحد بضربة واحدة، فمتى بقيت جلدة يسيرة فسدت وقتلت أكلها بواسطة جريان السم من رأسها وذنبها في جسمها بسبب غضبها، وهذا معنى قول مالك: "موضع ذكاتها".
ومن المباح خشاش أرض مثلث الأول، كعقرب وخنفسًا ونمل ودود، وإضافته للأرض لأنه لا يخرج إلا منها، ويبادر في رجوعه إليها.
تنبيه: أطلق في الإباحة، وقيد في الواضحة بالحاجة وقول المدونة: "لا بأس بأكل خشاش الأرض وهوامها" محتمل للإباحة والكراهة: ومن المباح عصير وهو ماء العنب ونقاع وهو نقيع الزبيب والتمر حتى ينحل وسوبيا، قال في المعونة: "تعمل بمصر لا تعرف عندنا ولا بسائر العراق". وعقيد وهو ما غلا من العصير حتى انعقد، وفي المعونة: "أن يطبخ رب العنب والتمر حتى يذهب أكثره ويثخن حتى يمزج بالماء ويشرب". أمن سكره، قيد في المسائل الأربع وحذفه من الثلاثة الأول لدلالة هذا الأخير عليه. ولما قدم ما يباح مطلقًا ذكر ما يباح للضرورة فقط مما هو حرام في غيرها.
فقال: وأبيح للضرورة تناول ما يسد الرمق فقط من الميتة، فلا يشبع منها، وهو قول مالك وابن الماجشون وغيرهما.
وفسر الضرورة في الجواهر بأنها خوف الهلاك على النفس، ولا يشترط الإشراف على الموت؛ لأن الأكل حينئذ لا يفيد، وفي الرسالة: إنه يشبع ويتزود، وبه قال سحنون والأكثر، وشهره الفاكهاني (١).
стр. 1484
وقال بعض من حَشَّى هذا المختصر: إن قوله: (يسد) تصحيف (شبع). انتهى. وهو بعيد، وما ذكره من الإباحة عليه الأكثر، وقيل: محرم، لكن لا إثم فيه. ثم استثنى مما يسد، فقال: غير ميتة آدمي، فلا يباح.
وقدمه في الجنائز، فقال: والنص عدم جواز أكله للمضطر وصحح أكله أيضًا تتميم: هل حرمة أكله تعبد، وهو المشهور، أو معقول المعنى، وهو أذيته؟ قولان.
وغير خمر كالمياه النجسة وغيرها من المائعات، فلا يباح شربها لضرورة عطش، ولا يباح الخمر إلا لغصة، فيباح عند عدم ما يسيفها به على المشهور.
وقال الشارح: ولا يبعد في الوجوب، وأما العطش فيزيده. البساطي: هو صحيح لكن في المآل، ويحصل لها في الحال جري الريق الذي تبقى معه الحياة، ولو لحظة، ولا فرق بين إباحتها للغصة ولشدة العطش. انتهى.
وإذا ساغت الخمر لذلك فالمياه النجسة وغيرها من المائعات أحرى، وقدم الميت على خنزير إذا اجتمعا؛ لأن لحم الخنزير حرام لذاته، والميتة لوصفها، وما أنيط الحكم بذاته أشد مما أنيط به لوصفه وقدم الميت على صيد لمحرم وجدهما؛ لأن فيه زيادة حرمة اصطياده، لا على لحمه أي الصيد، فلا تقدم الميتة عليه؛ إذ لا فعل له فيه فتساويا في الحرمة حالًا، وزادت الميتة باستمرارها وحرمته خاصة بحالة الإحرام، فهو أخف، فيقدم، كذا قرره الشارحان، ونحوه لابن شاس.
والذي يقتضيه كلام المصنف: أن الميتة لا تقدم عليه، فيحتمل تساويهما وتقديمه عليها، ولا تقدم الميتة على طعام غير إذا لم يضطر له صاحبه وبأخذه المضطر إن لم يخف القطع ليده أو رجله بأن ينسب للسرقة إن اطلع عليه، فإن لم يخف ذلك وأبي مالكه أن يعطيه أخذه غصبًا، وإن منعه صاحبه أعلمه أن يقاتله وقاتل عليه، فإن قتله المضطر فهدر، وإن قتله المالك فالقصاص.
стр. 1485
تفريع: قال في الذخيرة: إذا أكل مال المسلم اقتصر على سد الرمق، إلا أن يعلم طول طريقه فيتزود، لأن مواساته تجب إذا جاع. ولما ذكر المباح أعقبه بذكر المحرم، فقال: والمحرم النجس والمتنجس من طعام أو شراب، ومنه خنزير لحمه إجماعًا، وشحمه خلافًا لداود الظاهري، ومنه بغل وفرس وحمار على المشهور، ولو كان الحمار وحشيًا دجن تأنس وصار يعمل عليه. وأشار بلو لقول ابن القاسم: لا يحرم ما دجن، وأما الإنسي يتوحش فلا يؤكل اتفاقًا. ولما قدم الإباحة والحرمة ذكر حكمًا متوسطًا، فقال: والمكروه أكله سبع وضبع وثعلب وذئب وهر وإن وحشيًا.
قال في المدونة: "لا أحب أكل الضبع ولا الثعلب ولا الذئب ولا الهر الوحشي ولا الإنسي ولا شيء من السباع". ومذهب الموطأ التحريم، وحمل جماعة كالباجي وغيره المدونة على الكراهة، واستظهر ابن عرفة حملها على تحريم العادة. وكره فيل نحوه لابن الحاجب، لكن قال في التوضيح: الصحيح والإباحة، ولا تبعد الكراهة على أصل المذهب؛ مراعاة للخلاف. وكره كلب ماء وخنزيره مثله للجلاب، وعليه درج هنا. ابن بشير: الأقرب الإباحة. وفي المدونة: توقف مالك أن يجيب في خنزير الماء، وقال: أنتم تقولون خنزيرًا. كره شراب خليطين: تمر وزبيب، أو بسر ورطب، أو حنطة وشعير، أو أحدهما مع تين أو عسل. البساطي: والعلة خفاء القليل في جانب الكثير، فإذا خلط تمر وزبيب مثلًا فقد يتخمر ماء الزبيب ويخفى لمخالطة ماء التمر. وكره نبذ بكدباء بالمد، وهي القرع، وأدخل بالكاف ما لا منفذ فيه كالمزفت والحنتم والنقير لإسراع التغير فيه وفي كره اكل القرد قاله الباجي والطين قاله ابن الماجشون ومنعه، أي: الأكل أما القرد فحكاه ابن الحاجب، وأما الطين قاله ابن الماجشون قولان بغير ترجيح، على أنه قال في توضيحه الصحيح إباحة القرد ولم يقتصر عليه هنا.
تنبيه: ربما أشعر ذكره الحكم في أكله على منع اتخاذه وحبسه، وهو كذلك، قاله في الواضحة، وآخر الكلام على حكم القرد لاجتماعه مع الطين في الخلاف اختصار، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1486
باب ذكر فيه الأضحية وما هي منه وما يجزئ منها وما لا يجزئ ومكانها
وهي بضم الهمزة وكسرها وفتحها وتسكين الضاد وكسر الحاء وشد الياء فيها، وسميت باسم أول زمانها ووقوعها في يوم الأضحى، وسمي بذلك لوقوع صلاته في ذلك الوقت، وبدأ المصنف بحكمها، وفي ضمنه من تطلب منه، فقال سن اتفاقًا عند بعض الشيوخ أو على المشهور من طريق من يحكي الوجوب والسنية أو من طريق من يحكيهما والاستحباب لحر، لا الرقيق كله أو بعضه أو ذي شائبة، وإن أذن السيد فقال مالك: يستحب له، وسواء كان الحر كبيرًا أو صغيرًا، ذكرًا أو أنثى، مقيمًا أو مسافرًا.
غير حاج بمنى: فيسن لحاج بغيرها ولمن فاته الوقوف وغير الحاج من أهلها، وأما الحاج بها فسنته الهدي لا الضحية على المشهور.
ضحية: نائب فاعل، لا تجحف بمال الحر من غير تحديد، فلا تسن في حر من تجحف بماله، وإن كان يتيمًا ويخاطب وليه بفعلها عنه. قيل لمالك: أيضحى عن يتيم يملك ثلاثين دينارًا بنصف دينار؟ قال: نعم. ثم ذكر السّن الذي لا يجزئ دونه، فقال: بجذع ضان وثني معز وثني بقر وإبل وحذف (ثني) من الثاني والثالث لدلالة الأول. وقال الشارح: متعلق بسن. والبساطي بضحية؛ لأن المراد هنا النفل إذ لا يسن، ويجب وغيره ذي سنة بيان لسن جذع الضأن وثني المعز لأن في جذع الضأن خلافًا: سنة وعشرة وثمانية وسبعة وستة، والأولى لأشهب وابن نافع وابن حبيب، قال في الشامل: وهو المشهور.
وثلاث بيان لثني البقر وخمس لثني الإبل، لف ونشر مرتب، وإنما أجزأ جذع الضان وثني غيره لأنه ينتج ويولد له حينئذ، ولما كان غير البالغ من الآدمي ناقصًا لصغره كان في الأنعام كذلك لا يصلح للتقرب به، وتؤدي السنة بالجذع والثني إذا كان بلا شرك فيه، لأن المطلوب من كل واحد
стр. 1487
إراقة الدم، ولا يوجد عند اشتراك إلا بعض دم، إلا أن يكون الاشتراك في الأجر فيجوز ذلك.
ولا تبطل الأُضْحَيّة وإن كانوا أكثر من سبعة، ابن عرفة: لربها إدخال أهل بيته فيها، وتجزيهم ولو كانوا أكثر من سبعة، واشترط الباجي واللخمي في ذلك ثلاثة شروط، أشار لأحدها بقوله: إن سكن معه، البساطي في موضع واحد أو كالواحد. انتهى.
ولا ينافيه قول الشارح: في منزل واحد. ولثانيها: وقرب له فيخرج الزوجة وأم الولد ومن فيه بقية رق، ولثالثها بقوله: وأنفق عليه وجوبًا كأبويه العاجزين وولده الفقير البالغ، بل وإن كان الإنفاق تبرعًا، فلا يدخل من ليس في نفقته كولده البالغ الغني، وجدّه وجدّته وأخيه ونحوهم.
تنبيهات:
الأول: قال اللخمي والباجي: ويسقط عن المدخل ولو كان مليًا، وفيها: تجزئ الشاة الواحدة عن أهل البيت.
الثاني: قال اللخمي إن أدخل من لم يجز إدخاله لم يجز عن أحدهما. ثم بالغ فيما يجزئ من جذع الضان وثني المعز والبقر على ما يتوهم أجزأه، فقال: وإن جماء وهي المخلوقة بغير قرن في نوع ماله قرن اتفاقًا كل إجماعًا، وكذا قال البساطي: لا محل لقوله: (وإن جما) ومقعدة لشحم، أي: عجزت عن القيام بسببه، ونص على أجزائها سحنون ومكسورة قرن يجزئ لا أن آدمي وقت الذبح فلا يجزئ، وظاهره: إجزاء القرن غير المدمي، سواء كسر من أصله أو طرفه، وهو كذلك.
قال في الشامل: على الأصح، ونكر (قرن) ليشمل الواحد والاثنين. ابن عرفة: وفي إجزاء مستأصلة القرنين قولان.
قال المصنف: الصواب الإجزاء؛ لأنه غير نقص في خلقة ولا لحم، ثم شبه بما لا يجزئ فقال: كبين مرض وبين جرب وبين بشم وهي المهيضة من أكل كثير أو غير معتاد، وبين جنون وهي في الحيوان فقد
стр. 1488
الإلهام، بحيث لا يهتدي لما ينفع ولا يجانب ما يضر، رواه الباجي، كالمرض بعد أن قال: لا نص فيها. وبين هزال؛ لخبر العجفاء (١) التي لا تنتقي، أي: لا مخ لعظامها، كذا فسر أهل اللغة وابن حبيب التي لا شحم فيها، وفسرها الجلاب وغيره بالوجهين. وبين عرج، وهي: التي لا تسير كسير الغنم؛ لخبر النبي ﷺ "البين ضلعها" (٢) عياض بفتح الضاد واللام، أبو الحسن: روي بالضاء المشالة؛ لأنها أبدًا تجهد نفسها؛ فتصير مهزولة رديئة اللحم وبين عور، وهي: التي ذهب بصر إحدى عينيها، فإن كان على الناظر بياض لا يمنع النظر لم يمنع الإجزاء، قاله مالك. الباجي: وكذا عندي لو ذهب أكثر بصرها.
قال المصنف: والدبرة والجرح إن عظما فكالمرض، واحترز بقوله: (بين مرض) من الخفيف؛ فإنه غير مانع في ذلك كله. ولا يجزئ بنعم فائت جزء كيد مثلًا خلقة أو بإزالة غير فائت خصية فتجزئ؛ لأن الخصا يجبر ما نقص منه، ولا يجزئ شاة مثلًا صمعاء بالمد، وهي صغيرة الأذنين جدًا عند ابن القاسم، ويجزئ الصمعاء لا جدا، وهو معنى قول المدونة: لا يجزئ السكاء.
ابن القاسم: ونحن نسميها الصمعاء ولا يجزئ بنعم ذي أم وحشية كما لو ضربت فحول المعز مثلًا إناث الظباء فأنتجت فلا يجزئ ما أنتجته اتفاقًا. ومفهوم (وحشية): أنها لو كانت من الأنعام والأب وحشيًا لأجزأت، وهو كذلك على أحد قولين حكاهما ابن بشير. ابن شعبان: وهو الذي أقول به، لأن أكثر الأحكام تبعية الولد للأم. البساطي: وظاهر كلام المصنف: أنه يجزئ. انتهى.
وفي الشامل: الأصح عدم الإجزاء. البساطي: ومن غير الأكثر ما نصوا من اشتراك من له أنثى من حمام ولآخر ذكر في فراخهما لتساويهما في الزق والحضن.
стр. 1489
تنبيه: ما ذكرناه من اعتبار الأم هو ما قال به ابن شعبان، وأما على ما صحح صاحب الشامل فلا يعتبر الأم. ومنع إجزاء بتراء وهي المقطوعة الذنب، كذا فسرها في الصحاح، وفسرها الشارح بالمخلوقة بغيره، وفسرها البساطي بما يعمهما لنقصها فقال: هي التي ليس لها ذنب في جنس ماله ذلك قال ولو استغنى عنها بفائت جزء لكان أحسن. انتهى.
وقد يقال: إنما نص عليها لبيان النص في أعيان المسائل. ثم عطف على ما لا يجزئ فقال: بكماء، أي: خرساء وهي فاقدة الصوت. البساطي: من غير أمر غادي لأن الناقة إذا حملت ومضى لها أشهر تبكم فلا تصوت ولو قطعت وبخراء وهي التي تغيرت رائحة فمها.
الذخيرة: لأنه نقص جمال، وأما ما كان أصليًا لبعض الإبل فلا يضر وبابسة ضرع.
قال ابن المواز فلو أرضعت ببعضه لم يضر، قاله في المدونة، ومشقوقة أذن أطلق هنا كالجلاب وفي توضيحه عن ابن القصار المذهب أن الكثير يمنع الإجزاء، وفي الرسالة: ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون يسيرًا، ونحوه في المدونة، بل حكي الشارح الاتفاق على أجزاء اليسير فيحمل كلام المصنف على الكثير. ومكسورة سن وكذا مقلوعته اتفاقًا، وظاهره أنه لا فرق بين كسر رباعية أو ثنية أو غيرهما. وقوله: (سن)، أي: واحدة. الباجي: إذا ذهب لها سن أو أسنان لا يضحي بها اتفاقًا، وكذا مقلوعته لغير أثغار ومفهومه إجزائها مع الأثغار، وهو كذلك اتفاقًا. أو كبر وهو كذلك في كتاب محمّد اللخمي هو أبين خلافًا لابن حبيب. ومفهوم (مكسورة) أن حافيتها تجزئ وأن مقلوعتها لا تجزئ من باب أولى. أو ذاهبة لغير كبر فلا تجزئ، وربما أشعر قوله (لغير كبر) بإجزاء الهرمة التي سقطت أسنانها لكبر أو هرم؛ فقد سمع ابن القاسم، لا بأس بالتي خفت أسنانها، أي: سقطت لكبر أو هرم ومنع إجراء ذاهبة ثلث ذنب فصاعدا بقطع أو مرض؛ لأنه لحم وعظم، وهذا بناءً على أن الثلث في حيز الكثير، لا ذاهبة ثلث أذن؛ لأنه جلد في حيز اليسير، وصححه في الشامل، وشهر يوسف بن عمر عدم
стр. 1490
الإجزاء، ولم يعتبره المؤلف، ومبدأ وقتها بالنسبة لغير الإمام من ذبح الإمام أو نائبه أضحيته يوم النحر وانتهاؤه لآخر الثالث من أيام النحر وتفوت بفواته لأنها الأيام المعلومات للذبح وأما الأيام المعدودات لرمي الجمار الثلاث فثلاثة أيام بعد يوم النحر، فيوم النحر معلوم للنحر غير معدود للرمي، وإن رمي فيه للعقبة واليومان بعده معلومان معدودان واليوم الرابع معدود غير معلوم.
تكميل: لم يعلم من كلام المصنف ابتداء وقتها بالنسبة للإمام، ابن عرفة: وقت النحر في اليوم الأول بعد صلاة العيد للإمام ولغيره وذبحه. انتهى.
ومراده بعد صلاة العيد وخطبته، إذ لو ذبح هو أو نائبه عنه وبعد صلاته وقبل خطبته لم يجزه. ابن ناجي: وقعت بالقيروان فأفتى بعض شيوخنا وغيره بذلك. انتهى.
وأشعر قوله (من ذبح الإمام) بأنه لو تأخر ونحر في المصلى لا يذبحون قبله، وهو المشهور، وهل كون الإمام المشترط سبقه هو العباسي (١) وهو أحد الأقوال الثلاثة، وبه قال اللخمي.
وزاد: أو من يقيمه ولا عبرة بالمتغلبين ويكون الناس معهم كمن لا إمام لهم فيتحرر ويذبح أقرب الأئمة، أو إمام الصّلاة الذي يصلي بكل طائفة صلاة العيد، وبه قال ابن رشد وابن بشير وابن ناجي، وبه الفتوى.
قولان بغير ترجيح عند المصنف، وشهر يوسف بن عمر الثاني، ولا يداعى قدره، أي: قدر الوقت الذي ذكر الإمام فيه أول يوم ليذبح فيه في غير اليوم الأول وهو الثاني والثالث على المشهور، هذا نحو قول ابن الحاجب: ولا يراعي قدر الصلاتين في اليومين بعده على المشهور، قال في
стр. 1491
التوضيح: هو المشهور رواه ابن حبيب عن مالك، وقاله الباجي. وهو قول ابن المواز. قال: ويذبح إذا ارتفعت الشمس وحلت النافلة، ولو فعل ذلك بعد الفجر أجزأه وقال أصبغ: إذا طلع الفجر جاز الذبح في هذين اليومين. إذا علمت هذا علمت أن مراده يراعى وقت الصلاة لا يراعى طلوع الشمس إلا استحبابًا، ولا يؤخذ هذا من كلام المصنف، وتشهير المصنف هو الصحيح، وإن كان ابن بشير جعل الشاذ هو المشهور. انتهى.
ودرج هنا على قول أصبغ، ولا يؤخذ من كلامه هنا استحباب مراعاة طلوع الشمس، واللَّه أعلم وأعاد سابقه، أي: سابق الإمام في اليوم الأول إلا المتحري أقرب إمام لأنه لا إمام له، وحد بعضهم القرب بثلاثة أميال، قال: لأنه الذي يأتي لصلاة العيد منه فلا يلزمه اتباعه؛ لأن الضحية تبع للصلاة، ولو ذبح مجتهدًا أن إمامه سبقه وذبح، ثم تبين خطؤه وأن إمامه لم يسبقه أجزأه ويعيد وانظر معارضتها وما يؤخذ منها في الكبير. كأن لم يبرزها الإمام للمصلي، بل رجع ليذبح ببيته، وتواني في الذبح بلا عذر قدره، أي: قدر ما يذبح، وذبح غيره بعد ذلك القدر، ثم تبين أن الإمام لم يذبح أجزأه.
ولنا مع البساطي مشاحة انظرها في الكبير. وبه، أي: بسبب العذر انتظر الإمام للزوال، ابن رشد: إن أخر الذبح لعذر كاشتغاله بعذر أو غيره انتظروه، ما لم يذهب وقت الصحة بزوال الشمس، والنهار شرط في ذكاة الأُضْحَيّة، فلو ذكى ليلًا لم يجزه، ولمالك يجزيه، والخلاف في غير ليلة النحر فلا تجزئ اتفاقًا، والعدم دخول الوقت، وكذا الليلة الرابعة لفواته، والهدي كالأُضْحَيّة، كما في الرسالة وغيرها. وندب للإمام إبرازها للمصلى وذبحها به ليقتدى به، لفعله ﵊. وندب جيّد في الجمال، وتفسير البساطي له بكونه من مال طيب بعيد، وكذا الشارح له على الأكل؛ لقوله: إذ لا نزاع في أفضلية الأكمل على الكامل. وندب سالم من العيوب التي يجزئ معها، وندب غير خرقاء، أي: في أذنها خرق مستدير، وفسرها الجلال وعبد الوهاب بالمقطوع لبعض أذنها من أسفله، وغير شرقاء وهي مشقوقة، الأذن وغير مقابلة وهي التي قطع من أذنها من قبل وجهها
стр. 1492
وترك معلقًا، وغير مدابرة وهي التي قطع من أذنها من خلف وترك معلقًا، وظاهره: أنه لا فرق بين قليله وكثيره، لكن يقيد ذلك باليسير كما تقدم في قوله: (مشقوقة أذن) لئلا يتناقض كلامه وندب سمين قال الشارح لا إشكال في استحبابه والمشهور استحباب تسمينها، وكره ابن شعبان التسمين؛ لأنه من سنة اليهود، وذكر لأنه أفضل من الأنثى، وأقرن؛ لأنه أفضل من الأجم، وأبيض؛ لأنه ﷺ ضحّى بكبشين أملحين، وهل كلون الملح أو سواد ممازج أو خالط بياضه حمرة أو سواد تعلوه حمرة أو بياضه أكثر من سواده، أو في خلاله بياضة طبقات سواد، أو التقى البياض؟ أقوال. وندب فحل أسمن من الخصي، أو مثله ولذا قال: إن لم يكن الخصي أسمن، فإن كان أسمن فهو أفضل، قاله ابن حبيب، وكلامه محتمل تساويهما لولا النفل وندب ضان مطلقًا ذكرًا أو أنثى فحلًا أو خصيًا، ثم معزًا أفضل من البقر والإبل مطلقًا، ثم اختلف، هل يلي المعز بقر كما في الجلاب وغيره وهو الأظهر عند ابن رشد، ابن ناجي: وهو المشهور أو يلي المعز في المفضل إبل قاله ابن شعبان، وهو المشهور؟ خلاف، وهو خلاف في حال هل البقر أطيب لحما أم الإبل، بخلاف الهدايا؛ فإن الأفضل فيها كثرة اللحم.
فائدة: ذكور كل نوع أفضل من خصيانه، وخصيانه أفضل من إناثه، وإناثه أفضل من ذكور النوع الذي يليه ثم كذلك، فهي ثنتي عشر مرتبة، أعلاها ذكور الضان وأدناها إناث الإبل وندب ترك حلق لشعر، أي: قصه من سائر البدن، وقلم من ظفر لمضح مدة ليالي عشر ذي الحجة، أي: العشرة الأولى موافقة للحاج.
تنبيه: وأما في غير ذي الحجة فيندب نتف أبطيه من الجمعة إلى الجمعة وغاية تركها كالعانة أربعون يومًا، وندب ضحية، وتقدم على صدقة عنها على المشهور من قول مالك.
قال ابن حبيب: وعلى عتق؛ لأن إحياء السنن أفضل من التطوع، قال في المدونة: ولا يدع أحد الأضحية ليتصدق بثمنها. وندب ذبحها أو نحرها
стр. 1493
بيده لفعله ﵊ وهو من التواضع، للَّه إلا عن ضرورة، وظاهر كلام المصنف: ولو امرأة، وهو كذلك؛ لرواية محمد تلي ذبح أضحيتها أحب إليَّ. ابن رشد: الأشهر منع ذبح أضحيتها إلا لضرورة ومن مات عن أضحيته قبل ذبحها ندب للوارث واحد أو متعدد إنفاذهما كسائر القرب التي مات عنها ولم يوص بها ولم ينفذها ما لم يوجبها فيجب إنفاذها.
وندب للمضحي جمع أكل وصدقة لفقير ومسكين وإعطاء لأصحابه بلا حدّ في شيء من ذلك كله بثلث ولا غيره، وإن اقتصر على واحدة أو اثنتين منها خالف المستحب، واليوم الأوّل من أيام النحر كله أفضل في ذبح الضحايا من اليومين بعده، وما قبل الزوال منه أفضل مما بعده اتفاقًا، وما بعد زواله أفضل من أول الثاني (١)، وفي أفضلية أوّل اليوم الثالث إلى الزوال على آخر اليوم الثاني من زواله للغروب وإليه ذهب ابن رشد بل حكى عليه الاتفاق، أو العكس، وهو أفضليّة آخر الثاني على أول الثالث، وإليه ذهب أبو الحسن، واستحسنه.
قال: وهو المعروف عند ابن المواز، تردد لمن قدمناه. وندب ذبح ولد لأضحية معينة خرج قبل الذبح لقول مالك في المدونة: "وإذا ولدت الأضحية فحسن أن يذبح ولدها معها وإن تركه لم أزد لك عليه واجبًا؛ لأن عليه بدل أمه إن هلكت، ثم عرضها عليه فقال: امح واترك معها إن ذبحه معها فحسن.
قال ابن القاسم: ولا أرى ذلك عليه واجبًا واستشكل الفرق بين الممحو والمثبت لاستوائهما في الدلالة. وأجيب بأن المثبت قائل للوجوب، ويكون أراد بقوله "فحسن" أحد طرفي الحكم؛ لأن المراد به الفضيلة والقول الممحو أقائل لذلك بل هو صريح في أن ذبحه فضيلة قاله المغربي.
تكميل: هذه إحدى الممحوات الأربعة، الثانية: نكاح المريض إذا
стр. 1494
صحّ كان مالك يقول أو لا يفسخ ثم أمر بمحو الفسخ، الثالثة: إذا حلف لا يكسو أمرأته فاقنك لها ثيابًا من الرهن فقال مالك: أوّلًا يحنث، ثم أمر بمحوه، وقال: لا يحنث.
ابن القاسم: وأرى إن لم تكن له نية حنث، الرابعة من سرق ولا يمين له أو له يمين مثلًا فقال مالك تقطع رجله اليُسْرى، ثم أمر بمحوه وأمر أن تقطع يده اليُسْرى، وإن خرج ولد الأضحية بعده، أي: بعد الذبح فهو جزء منها ابن هارون اتفاقًا فيصنع ما يصنع بلحمها (١).
[مكروهات الأضحية: ]
ولما فرغ من المندوبات شرع في ذكر المكروه فقال: وكره لمن ملك الأضحية جز صوفها قبله، أي: الذبح لما فيه من نقص لها إن لم ينبت صوفها حتى يعود كما كان أو قريبًا منه من وقت الجز للذبح ابن المواز: ومفهوم الشرط ظاهر، ومفهوم الظرف: فجوازه بعد الذبح، وهو كذلك، وينتفع به كجلدها وإن لم ينوه، أي: الجزء حين أخذهما فإن نواه لم يكره. البساطي: الظاهر: أنها إن تضررت لجزاء وغيره جاز وإذا جز صوفها كره بيعه إذا لم ينو حين أخذها الانتفاع به ببيع أو غيره، وإن نواه جاز، ولو بعد ذبحها لفتوى عبد الحميد الصائغ.
بذلك وكره شرب لبن منها كان لها ولد أو لا، وظاهره: ولو أضربها أو فضل من ولدها، قال في المدونة: "ولم أسمع من مالك في لبنها شيئًا، إلا أنه كره لبن الهدي، وأرى إن لم يكن لها ولد فلا يشربه. وكره إطعام كافر منها في أحد قولي مالك، وظاهره: كتابيًا أو مجوسيًا لأنها قربة فلا يعان بها وهل محل الكراهة إن بعث له وأما إن كان في عياله أو أقاربه فلا
стр. 1495
كراهة، وعليه حمل ابن رشد قول مالك بالكراهة أو قول مالك يكره مطلقًا ولو كان في عياله من غير بعث.
ابن الحاجب: ويكره للكافر على الأشهر وهو اختيار ابن القاسم، ولذا قال تردد في فهم كلام الإمام وكره التعالي فيها مالك أكره لمن يجدها بعشرة أن يشتريها بمائة ابن رشد: لأنه يؤدي للمباهاه ولا كراهة عند انتقائها لخبر "أفضل الرقاب أغلاها ثمنًا" (١) وكره فعلها عن ميت لعدم وروده كعتيرة بمثناتين فوقية فتحتية ويحتمل التمثيل قال ابن يونس العتيرة طعام يعمل لأهل الميت مالك أكره أن يرسل للنياحة ولغير النياحة فمستحب كما تقدم في الجنائز فلا تعارض بينهما وفي هذا الحمل تجوز لجعل عن بمعنى اللام ويحتمل أنه تشبيه لأن العتيرة شاة كانوا يذبحونها في رجب لآلهتهم وكره لصاحب الأضحية إبدالها بدون معها ويجوز بمثلها ويخير منها أخرى.
تنبيه: ما ذكره المصنف نحوه في التهذيب وهو متعقب بأن الّذي في الأمهات لا يبد لها إلا بخير ويحتمل كلامه هنا على ما إذا لم يعينها وإلا فسيأتي منع أبدًا لها بدونها وإن كان لاختلاط بغيرها قبل الذبح بل يبدلها بالأفضل من المختلطين فإن كان الاختلاط بمساو فلا كراهة وجاز أخذ العوض إن اختلطت بغيرها بعده، أي: بعد الذبح ولم يعرف كل أضحيته فيأخذ كل واحدة من المختلط على الأحسن من القولين ابن عبد السلام فإنه قال الجواز أقرب لأن مثل هذا لا يقصد به المعاوضة ولأنها شركة ضرورية كشركة الورثة في لحم أضحية مورثهم.
تنبيه (٢): لم يتنبه الشارح لما استغربه ابن عبد السلام، فحمل على الاستحباب على تخريج اللخمي الجواز على قول محمّد: (إذا اختلطت رأس برأس عند الشواء جاز الأكل)، وهذا استحسان، وفيه نظر؛ إذ لو أراده لقال على المختار كعادته. تنبيهان:
стр. 1496
الأول: ظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق بين اختلاط الكل والجزء، وهو كذلك.
الثاني: ظاهره أنه لا فرق في جواز أخذ العوض بين كونه من الجنس أو غيره، مع أنه تعقب قول ابن الحاجب: (ولو اختلطت بعد الذبح أو جزئها ففي جواز أخذ العوض قولان) بأنه لم ير في الجنس قولان بالجواز، بل هما بالكراهة والمنع، ثم ارتكب ذلك هنا بقوله: (على الأحسن). وصحّ إنابة، أي: استخلاف في ذبح أضحيته بأحد أمرين حقيقة أو عادة: الأولى كونها بلفظ، كاستنبتك أو وكلتك ونحوه ويقبل الآخر، وظاهره: سواء كان لعذر أو لا، وهو كذلك.
وفي قوله: صحّ إشارة إلى أن الأولى خلافه، وهو كذلك، ففي مختصر ابن عبد الحكم عدم الإجزاء، وأشار لشرط النائب بقوله: إن أسلم، فلا تجزئ نيابة كافر مجوسي اتفاقًا، وكتابي على الأشهر؛ لأنها قربة، فإن غر بإسلامه ضمن، وعوقب، ثم بالغ بقوله: ولو لم يصل؛ لأن فسقه غير مؤثر، وأشار بلو لخلاف القائل بعدم صحتها لكفره. أو نوى عن نفسه لا عن مالكها، فإنها تجزئ عن المالك عند مالك، وهو داخل في حيز المبالغة، ومقابله عدم الإجزاء عن المالك، ثم هل تجزئ عن الذابح أو لا؟ قولان لأصبغ والفضل ابن مسلمة. وأشار لثاني الأمرين بقوله: أو فعادة له في القيام عنه بأمور، وهي مجازيه كقريب أب أو ابن أو أخ ونحوه على الأصحّ.
تنبيه: أدخل بين الحقيقة والمجازية أحكامًا مشتركة لو أخرها لتوهم اختصاصها بالثانية، وأيضًا كقريب مختص بالثانية. وإلا يكن قريبًا لرب الأضحية بل أجنبيًا ذبح بغير إذن ربها فتردد للمتأخرين في النقل، فحكي اللخمي أنه كالقريب، أي: فيجزئ إن كان قائمًا عنه بأموره، وظاهر الكتاب: عدم الإجزاء، البساطي: وإليه أشار بالتردد.
تنبيه: إطلاق المؤلف يقتضي وجود الخلاف سواء عينها أضحية بنذر أو لا، وقد قال الطرطوشي: إذا لم يوجبها، فإن أوجبها خرج على روايتين، فيمن قلد هديًا فذبحه غيره، ابن القاسم أجزأه عن من قلده.
стр. 1497
وروى أشهب: لا يجزيه لا إن غلط فذبح أضحية غيره معتقدًا إنها أضحيته فلا تجزئ عن واحد منهما اتفاقًا عن مالكها وعلى المشهور في الذابح وسواء أخذ ربها لحمها أو قيمتها خلافًا لابن المواز في إجزائها عن الذابح إن أخذ المالك قيمتها، وإن أخذ اللحم لم تجز، ومنع البيع للأضحية من لحم وجلد وشعر وغيره، ابن عرفة: المذهب منع بيع شيء منها ولو بماعون. انتهى.
وأفتى المغربي. . بمنع بيع الجززة التي توجد في البقر المضحى بها ابن ناجي: وتردد في ذلك شيخنا.
ثم ذكر المؤلف مسائل ربما يتوهم فيها البيع لعدم إجزائها، وبالغ عليها لموجود الخلاف، فقال: وإن ذبح قبل الإمام نص عليه القابسي، وقيل له البيع أو تعيبت حالة الذبح ابن عرفة: وجوبها الملغي طروء عيبها بتمام، ذبحها وفي كون ابتدائه بعد فري أوداجها كذلك نقل للباجي عن إسماعيل القاضي قائلًا: لأنه نية وفعل. ومفهوم قول ابن حبيب إن أصابها عيب بعد فري أوداجها وحلقومها أجزأته، وفيها لابن القاسم: لو أراد ذبحها فاضطربت فانكسرت رجلها أو عورت لم تجزئ لم أسمعه أو تعيبت قبله، أي: الذبح نص عليها وعلى التي قبلها ابن حبيب، وفي جعل البساطي من انكسرت رجلها عند محاولة ذبحها من أمثلة حالة الذبح نظر أو ذبح معيبًا عيبًا لا يجزئ معه جهلًا فإنه لا يجزئ أو جهل أنها معيبة، ثم اطلع على العيب بعد ذبحها، لم يجز ومنعت الإجارة لها قبل ذبحها ولجلدها وغيره بعده ومنع البدل فيها إن أوجبها، وظاهره: ولو بخير منها.
تنبيه: ما تقدم من كراهة إبدالها، أي: حيث لم يوجبها، ابن عرفة وجوبها المانع بدلها إلا بخير منها شراؤها بنية الأضحية. انتهى. ويحتمل أن يريد أن المنع هنا بعد الذبح، وفيما تقدم قبله، ولا تعارض بينهما إلا المتصدق عليه، فله المبيع لما ملكه من لحمها وجلدها. ابن غلاب: وهو المشهور، ومنعه مالك والظاهر: أن غير المتصدق عليه كالمتصدق عليه، وفسخت عند الأكثر عقدة بيع وإجارة أو بدل، إن عثر عليها قبل فوات العين، ورد المبيع والمبدل وإن لم يعثر على ذلك، إلا بعد الفوات تصدق
стр. 1498
بالعوض في الفوات عند ابن القاسم وابن حبيب، وحمل أصبغ كلام ابن القاسم على ما إذا تولى المضحي العقد بنفسه، أو تولاه عنه غيره بإذن، وصرف ذلك عليه فيما يلزمه، وأما إن تولى ذلك غيره بغير إذنه وصرف فيما لا يلزمه فلا شيء عليه، وإليه منطوقًا ومفهومًا وتقييدًا أشار بقوله: إن لم يتول غيره بلا إذن وصرف بالتنوين فيما لا يلزمه. ثم شبه في قوله: كارش عيب لا يمنع الأجزاء من التضحية بها بقوله فيما سبق وتصديق بالعوض في الفوت كذا قرره الشارح في الصغير.
وقال البساطي: التشبيه في مفهوم إن لم يتول غير فيفعل بالأرش والشاة ما شاء من بيع أو غيره؛ لأنها لا تجزئ، ولا شيء عليه، وهو قول ابن القاسم، ولمالك: منع بيعها؛ لخروجها مخرج القرب، ومفهومه: أن ما لا يمنع الإجزاء يكون حكم أرش عيبها كلحمها، وإنما تجب الأضحية بأحد أمرين: الأول بالنذر كنذرت هذه أضحية أو للَّه عليّ أن أضحي بها ونحو ذلك. والثاني الذبح. قال في الذخيرة: على المشهور فيهما فالواو بمعنى (أو) ولا تجب بشرائها بنية الأضحية ولا بقوله: أوجبتها أضحية، خلافًا للقاضي إسماعيل، ولا بتسميتها كذلك، خلافًا لما في الجواهر، وإذا لم يجب بغير الأمرين المذكورين فلا تجزئ إن تعيبت، أي: طرأ عليها عيب قبله، أي: قبل الإيجاب بأحدهما وصنع بها ما شاء من بيع أو غيره، ولا يعارض هذا قوله قبله أنه يمنع البيع إذا تعيبت قبل الذبح؛ لأن هذا حيث لم يوجبها، وذلك إذا أوجبها، ومفهوم الظرف غير معتبر. ابن يونس عن الموازية: من اشترى أضحية سليمة وأوجبها فلم يذبحها حتى نزل بها عيب لا تجوز به الضحايا أنها لا تجزئه، بخلاف الهدي بعد التقليد والإشعار؛ لأن الضحايا لا تجب إلا بالذبح، وفرق بأن الشارع لم يوجب الخلف في الهدي؛ لأنه عينه بخلاف الأضحية؛ لأن الآدمي هو الذي عينها، وتعيينه لا يرفع ما طلبه الشارع كحبسها حتى فات الوقت بانقضاء أيام النحر، فإنه يفعل بها ما شاء إلا أن هذا آثم بحبسها.
قال ابن القاسم في المدونة: ويجوز للوارث القسم بالقرعة في ضحية ورثها إن لم تذبح، بل ولو ذبحت رواه مطرف وابن الماجشون عن مالك،
стр. 1499
وعيسى عن ابن القاسم. وأشار بلو لقول محمّد بالمنع بناء على أنها تمييز حق أو بيع، وفهم من قوله: (للوارث القسم) أن له الانتفاع به شركة بغير قسم وهو كذلك، وقولنا بالقرعة، أي: لأنه الذي فيه الخلاف: هل هو بيع أو تمييز حق، وأما قسمة التراضي فبيع.
تنبيه: في كلام المصنف إجمال من وجهين: الأوّل: حكمه بجواز القسمة لم يعلم منه هل هو على المواريث وهو سماع عيسى، أو على قدر ما يأكلون، وهو ظاهر الواضحة. الثاني: إذا قلنا (ينتفعون بها على الشركة) فهل الذكر كالأنثى والزوجة سواء، أو الذكر كحظ الأنثيين؟ قولان. لا بيع بعده، أي: الذبح في دين على الميت إذا ذبحها ومات، وربما أشعر هذا بأن صاحبها لا يأخذها في الفلس لفواتها بالذبح. وقيل: له أخذها؛ لأنها عين ماله. وفهم منه بيعها في الدين قبل الذبح، وهو كذلك.
[العقيقة: ]
ولما كانت العقيقة تشبه الأُضْحَيّة جعلها كالقسيمة لها ولم يجعل لها بابًا، ولا فصلا كجماعة من المؤلفين (١)، وبعضهم أفردها بباب؛ نظرًا لمخالفتها في الحكم، ولم يحدها المصنف، وعرفها ابن عرفة، فقال: هي ما تقرب بذكاته من جذع ضان أو ثني سائر النعم سليمين من بيّن عيب، مشروطًا بكونه في سابع ولادة آدمي حي عنه، فتخرج الأضحية عنه، وعلى رواية بدل سائر النعم بالمعز، وعلى رواية يزاد، أو سابع سابعه، أو سابعه.
وبدأ المصنف بالكلام على حكمها، فقال: وندب ذبح واحدة، سواء كان المولود حرًا أو عبدًا أذن سيده وسواء كان ذكرًا أو أنثى فقد عق ﷺ عن الحسن وكذا عن الحسين، وتتعدد بتعدد المولود، ثم وصف الواحدة التي تذبح بقوله: تجزئ ضحية من غنم أو بقر أو إبل على المشهور، خلافا لابن شعبان: لا يعق بغير الغنم، وهو قول مالك في العتبية، وخرج ما لا يجزيء ضحية لنقص سن أو وجود عيب مما تقدم. ومحلها في سابع الولادة لا قبله اتفاقًا، ولا بعده في السابع الثاني أو الثالث أو الرابع على المشهور.
стр. 1500
تنبيه: لم يعلم من كلامه حكمها إن مات يوم السابع، وفيه خلاف، وظاهر المدونة: لا يعق عنه، وهو لمالك، وفي العتبية: يعق عنه نهارًا، ظاهره: من طلوع الفجر للغروب، وهو كذلك عند ابن الماجشون، قال في البيان: وهو الأظهر لأنها ليست منضمة لصلاة وقول الشارح: (لا تذبح ليلًا بل من ضحوة النهار للغروب هذا هو المشهور) خلاف ما مشى عليه المصنف. وألغي يومها، أي: الولادة إن سبق اليوم المولود بالفجر وولده بعد وبعد سبعة من اليوم الثاني، وهذه إحدى الولائم السبعة وذكرناها في الكبير، ويحلق رأسه سابعة ويندب التصدق بزنة شعره فضة أو ذهبًا، نص عليه في الرسالة وغيرها؛ لأمره ﵊ ابنته فاطمة بحلق رأس الحسن والتصدق بزنة شعره فضة (١) ففعلت وظاهره: لا فرق بين الذكر والأنثى، وهو كذلك. وجاز كسر عظمها إذ لا أصل لعدم كسره وكره عملها وليمة ويدعى الناس لها لمخالفة السلف وكره لطخه، أي: المولود بدمها وإنما يستحب لطخه بخلوق.
وكره ختانه يومها، وهو السابع، وأحرى يوم ولادته، مالك: لأنه من فعل اليهود، ولم يكن من عمل الناس.
فوائد: الأولى: حد الختان من حين يؤمر بالصلاة من سبع سنين إلى عشر. الثانية: حكمه عندنا السنة في الذكور والإناث مكرمة فيهن. الثالثة: قال الباجي: هو في الذكر قطع الجلدة الساترة، وفي الأنثى قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج، ولا تنهك. الرابعة: من ولد مختونا قال ابن عبد البر: هل تجرى عليه الموس، فإن كان فيه ما يقطع قطع. وقيل: لا. وأجراه بعض المتأخرين على الأقرع في الحج. الخامسة: هل يختتن الخنثى المشكل أو لا، وإذا قلنا (يختتن): هل في أحد الفرجين، أو فيهما، أو لا؟ قال الفاكهاني: لم أر لأصحابنا في ذلك نصًا، وللشافعية قولان: يختتن بعد البلوغ. وقيل: لا حتى يتبين، وهو الأظهر عندهم. ابن ناجي: لا يختتن لما علمت من تغليب الحظر على الإباحة. السادسة: في المدونة
стр. 1501
يختن الرجال الصبيان، ويخفض النساء الجواري، لمنع اطلاع الرجال على ذلك. السابعة: ظاهر كلام الجوهري الختان للذكر والخفاض للمرأة والأعذار مشترك بينهما وتركنا الكلام على ما تتعلق بتسمية المولود، فانظره في البساطي وابن عرفة وغيرهما.
* * *
باب ذكر فيه اليمين وما يتعلق بهما
وهو باب ينبغي الاعتناء به لكثرة وقائعه وتشعب فروعه، فيحتاج إليه، وهي مؤنثة، وجمعها أيمان وأيمن، وأصلها لغة في العضو؛ لأنهما كانوا إذا تحالفوا وضع أحدهم يمينه بيد صاحبه فسميت به، واختلف: هل هي ضرورية فلا تحد اصطلاحا، أو نظرية فتحد، قال بعضهم: وهو الحق، وهل التعليق منها، وعليه الأكثر، أو لا؟ قولان. وحدها المصنف بقوله: اليمين تحقيق، أي: تقرير ما لم يجب وقوعه بأن احتمل الموافقة والمخالفة في البر والحنث، فما لم يجب يشمل الممكن كحلفه (ليدخلن الدار) والممتنع (كـ: ليقتلن زيدًا الليلة) وسواء كانت صادقة مع علمه أو كاذبة مع علمه بحاله، والثانية غموس، ويشمل أيضًا الماضي (كواللَّه ما كلمت زيدًا) والمستقبل (كلا أكلمه) والنفي وهو صيغة البر (كلا أدخل) أو (إن دخلت)، والإثبات وهو صيغة الحنث (كلا دخلت) أو (إن لم أدخل) وأما إذا كانت على فعله أو فعل غيره وخرج بما لم يجب الواجب كـ (واللَّه لأموتن) أو (لا أصعد السماء) فإنه غير يمين لتحققه في نفسه عدم الصعود؛ لأنه لا يتصور فيه الحنث.
والظاهر: أن المصنف قصد تعريف اليمين من حيث هي الشاملة للغموس واللغو، ثم بين ما فيه الكفارة من ذلك وغيره ويحصل التحقيق بذكر اسم اللَّه الدالك على ذاته فقط أو عليها مع صفته كالرحمن الرحيم، أو بذكر صفته فقط كالعزيز وما معه مما يأتي، واتفق على جواز الحلف بما
стр. 1502
يدل على الذات، واختلف في جوازه بما دل على الصّفات، والمعروف جوازه، والباء في (بذكر) تحتمل السببية والمصاحبة والمعية وخصّ الشارع اليمين بما دل على الذات والصفات ليكون التعظيم ذاتًا وصفاتٍ (١) له تعالى.
قال الشارح: والمراد ضبط اليمين التي تتعلق بها الكفارة، لا مجرد اليمين. وأخرج بما ذكر الحلف بالنبي والكعبة ونحوهما مما يأتي. ولما ذكر أنه لا بد في اليمين من ذكر اللَّه وصفاته مجملًا مثله مفصلًا بقوله: كباللَّه بالموحدة، وتاللَّه بالمثناة الفوقية، وواللَّه، وهو صريح لا يحتمل غيره، ولا يدين فيه.
فرع:
قال ابن عرفة: في لزوم اليمين باللَّه مرادة بلفظ مباين لفظها كالطلاق بذلك نظر، وأخذه ابن رشد من نقله عنها من قال: لا مرحبًا، يريد الإيلاء مول. وقيل: معناه: واللَّه لا مرحبًا؛ إذ لا يعبر عن اسم اللَّه بغير اسمه، والأظهر كاليمين بالنية. وقال قبله عن التونسي: إن نوى حرف القسم ونصب فحذفه، كـ (اللَّه، لأفعلن) فيمين، وإن كان خبرًا فلا، إلا أن ينوي اليمين. انتهى.
وها اللَّه بإبدال الواو هاء، ابن عبد الحكم: هي كباللَّه، وأيم اللَّه عند ابن حبيب، وصوبه ابن رشد فيه. وفي كل لغاته، ولغاته أصله أيمن اللَّه، حذف آخره، وقد يحذف صدره، وهو الهمزة والياء، فيصير (مُن اللَّه)، وقد يحذفان فيصير (م اللَّه) وتكسر ميمه وتضم، وتوصل همزته وتقطع، وتردد مالك في كونه يمينًا، قال في المدونة: أخاف أن يكون يمينًا. وحق اللَّه، قال في العتبية: يمين. والعزيز قاله في المدونة، قال سيبويه: يكون لام التعريف للكمال، القرافي: هي من أسماء اللَّه تعالى كذلك، لا للعهد، ولا للعموم. وعظمته وجلاله وهما راجعان للقدرة، وهي من صفات المعاني. وإرادته منها أيضًا، وكفالته وهما التزامه، ويرجع لخبره، وخبره كلامه، وهو من صفات المعاني، والقرآن والمصحف على المشهور فيهما،
стр. 1503
ولمالك: لا كفارة فيهما، واستظهره ابن عبد السلام، والصفات المعنوية سبعة: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، وتنعقد بها اليمين، ونظمتها، فقلت:
حياة وعلم قدرة وإرادة ... وسمع وإبصار كلام بلا مرا
بها يعقد الإيمان فاصغ لسمعها ... صفاته معان وهي سبع كما ترا (١)
وإن قال حالف باللَّه: أردت بقولي باللَّه وثقت باللَّه أو اعتصمت باللَّه ثم ابتدأت فقلت: لأفعلن دين، أي: وكل إلى دينه، وقبل قوله؛ لأن القائل باللَّه لا بد من تعلقه بشيء يصحّ أن يكون بالقسم وغيره لا بسبق لسانه فلا يدين في دعواه إرادة النطق بغير ما نطق به، وجوز الشارح كونه مخرجًا من تحقيق ما لم يجب، أي: إلّا إن كانت اليمين على سبق لسانه إلى شيء غير مقصود، فإنها لا تنعقد عليه بذلك وهو اختيار اللخمي وكعزة اللَّه وأمانته ينعقد بها اليمين إن أراد الصفة، وعهده، أي: إلزامه لأفعلن كذا، وعلي عهد اللَّه. قال ابن الحارث: يمين تكفر اتفاقًا البساطي اتفقوا على الكفارة في (على عهد اللَّه)، واختلفوا إذا قال: (عهد اللَّه)؛ لأنه محتمل، وكان ينبغي للمؤلف أن لا يجمع بين (على عهد اللَّه) مع ما يحتمل؛ إذ لا يصح الاستثناء حينئذ. انتهى. إلا أن يريد المخلوق، أي: ما خلقه اللَّه فيه من العزة والأمانة، وما جعله اللَّه تعالى في إبراهيم من العهد، فلا ينعقد به يمين. قال المصنف: ولا يجوز الحلف به، وكأحلف وأقسم وأشهد لأفعلنّ كذا إن نوي باللَّه فيمين وأحرى إن تلفظ وإن قصد غير اللَّه أو لم يقصد شيئًا فلا، وأعزم إن قال باللَّه فيمين، وإلا فلا نص عليه. ابن يونس تبعًا لما في الأم. وفي أعاهد اللَّه قولان: الكفارة لابن حبيب، وعدمها لابن شعبان؛ لأنه عهد منه، وليس بصفة لا بلك على عهد أو أعطيك عهدًا فليسا بيمين، وهو وما بعده مخرج من باللَّه، لا من الذي قبله، لما فيه من الإلباس؛ إذ هو مخرج حينئذ مما فيه قولان.
стр. 1504
تنبيه: تلخص من كلامه أن العهد كما قال اللخمي على أربعة أوجه: الكفارة في واحد، وهو قوله: (وعهده)، وقولان في (أعاهد اللَّه)، وعدم انعقادها في (لا بلك عليّ) عهد أو: أعطيك عهدًا). تنكيت: قول البساطي بعد حله كلام المصنف تفصيل بعضهم ثم ما قاله اللخمي: (يفهم منه أن تفصيل اللخمي غير كلام المصنف)، وليس كذلك.
ولا تنعقد بقوله لآخر: عزمت عليك باللَّه إلا ما فعلت كذا، فخالف، فلا شيء على واحد منهما، سواء كسر همزة الأول أو فتحها.
تنبيه:
فرق المصنف بين هذه وبين أعزم باللَّه، بأن هذه سأل فيها غيره، والأولى حلف فيها على نفسه.
وحاش للَّه، ومعاذ اللَّه بالدال، ليسا بيمين، وظاهره: الإطلاق، قصد اليمين بهما، أو لا؛ لأن حاش للَّه التبرئة إليه، والمعاد من العود.
واللَّه راع أو كفيل ليس كل منهما يمين.
والنبي والكعبة والبيت والحجر والمقام ونحوها مما هو مخلوق ليست أيمانا؛ لما تقدم أن اليمين إنما هو بأسماء اللَّه تعالى وصفاته.
تنبيه:
سكت المؤلف هنا عن ذكر الخلاف بهذه وأشباهها: هل هو حرام أو مكروه، وقال في توضيحه: الأشهر التحريم، وشهره الشارح في شامله.
وقال الفاكهاني: الحالف بغير اللَّه كالمسجد والرسول ومكة والصلاة والزكاة ونحوها مكروه على المشهور.
والخلق والرزق والإماتة -بكسر الهمزة والمثناة الفوقية- ونحو ذلك مما يصدر عن قدرة اللَّه تعالى وهي من صفات الفعل فليست بأيمان.
قال ابن يونس: ولا كفارة على من حلف بشيء من أفعال اللَّه تعالى،
стр. 1505
كالخلق والرزق والإحياء والإماتة، وأما لو قال والخالق والرازق والمحيي والمميت فهو حالف باللَّه، وعليه الكفارة.
تنكيت:
تقرير الشارح والبساطي (الإماتة) بالنون غير ظاهر؛ لتكرره مع ما تقدم، ومحاولة الشارح الـ[ـتـ]ـفر [يـ]ـق بينهما غير جلي بأن مضافة لاسم اللَّه تعالى دون هذه غير جلي، بل يتعين حمله على ما ذكرناه عن ابن يونس.
وقال: هو يهودي، أو نصراني أو مجوسي أو مرتد أو على غير ملة الإسلام إن فعل كذا، ثم فعله، أو إن كنت فعلت كذا، أو قد كان فعله، أو هو سارق أو زان أو يأكل الميتة، أو عليه غضب اللَّه، أو دعا على نفسه، فلا كفارة عليه، وليستغفر اللَّه، وقيل: لا بد معه من التشهد.
ولا كفارة في يمين غموس، قال مالك: وهي أكبر من أن تكفر.
قيل: لأنها تغمس صاحبها في النار.
وقيل: في الإثم.
وفسرها بقوله: فإن شك الحالف حين حلفه فيما حلف عليه، هل هو كما حلف أو لا، أو ظن أنه كذا، وحلف على ظنه واستمر على ذلك فيهما؛ لذا قال: بلا تبين صدق، وأما إذا تبين صدق ما حلف عليه لم يكن غموسا.
قال المصنف: وهذا إذا أطلق، وأما إذا قيد، فقال: في ظني، أو ما أشبهه، فلا شيء عليه.
فيحمل إطلاقه هنا عليه، إذا علمت أنها غموس مع الشك والظن فمع العلم أولى، لذا لم يصرح به، بل لو صرح به لتوهم أن قوله: (بلا تبين صدق) وراجع له أيضًا.
стр. 1506
فرع:
الشيخ: روى ابن حبيب: الألغاز -أي: التورية- في اليمين لمكر أو قطع حق يصيرها غموسًا، وما كان لعذر أو خوف سخط أخيك فلا بأس به.
وليستغفر اللَّه حالف اليمين الغموس، وقائل هو يهودي وما بعده.
قال في الجلاب: ويتوب، بأن يندم ويقلع ويعزم على عدم عوده لشيء من ذلك.
وإن قصد الحالف بكالعزة واللات ونحوهما مما عبد دون اللَّه التعظيم؛ لما حلف به منهما فكفر، لأنه تعظيم خاص بقرينة أنه عبد، وإن لم يقصد ذلك فحرام.
ولا كفارة في يمين لغو وفسرها بأن يحلف على ما يعتقده، كواللَّه لم يقدم زيد أمس فظهر خلافه، بأن تبين قدومه أمس، هذا هو المشهور.
وقيل: لغو اليمين ما يسبق اللسان من: واللَّه، ولا واللَّه، قالت عائشة: وهو سبب نزول قوله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم)، وينبغي أن يقيد هذا بما إذا لم يقل: في اعتقادي، كما تقدم عن المصنف في الغموس.
ولم يفد لغو اليمين في غير اللَّه من طلاق أو عتاق أو صدقة؛ لأنها ليست إيمانا شرعا، وإن دخلت في الأيمان، وإنما هو التزامات.
قال المصنف: ولذلك لا يدخل عليها حروف القسم.
ثم شبه بما لم يفد فقال: كالاستثناء بـ: إن شاء اللَّه؛ فإنه لا يفيد في غير اللَّه إن قصده أي: الاستثناء، وأحرى إن لم يقصد، فإذا قال: أنت طالق إن شاء اللَّه لزمه، وإن قصد الاستثناء، ومفهومه: أنه يقيد في اللَّه بشرطه الآتي، فإذا قال: واللَّه لأفعلن كذا إن شاء اللَّه ثم فعله فلا كفارة عليه، وبهذا التقرير ظهر لك أن قصده ليس مكررا مع قوله فيما يأتي وقصد كما فهمه بعضهم، وسبب ذلك أنه جعله متعلقا بقوله باليمين باللَّه، وهو
стр. 1507
أحد ما جوزه البساطي فيه؛ فإنه قال: ويصح تعلقه باليمين باللَّه وباليمين بغير اللَّه، وبالأعم منهما.
قال: والمعنى على الأول لا تجب في اللغو، ولا في غير هذا استثناء، وعلى الثاني لا لغو في غير اليمين باللَّه ولا الاستثناء فيهما، ويعرف الأعم من الأخصين. انتهى.
ثم شبه هذا المفهوم في عدم إفادة الاستثناء فيه بغير اللَّه، وإفادته في اللَّه بقوله: كإلا أن يشاء اللَّه، أو إلا أن يريد اللَّه، أو إلا إن قضى اللَّه على الأظهر، في هذين الأخيرين؛ لقول ابن رشد: هو القياس والنظر الصحيح، إذ لا فرق بين مشيئة اللَّه وقضائه، وبه قال عيسى.
وقال ابن القاسم: ليست إرادة والقضار كالمشيئة؛ لورود الاستثناء بها دونهما، وإن كان كله مرادا.
ونعقب الشارح في الكبير كلام المؤلف بأن (ظاهره: أن الأظهر راجع لقوله كـ: إلا أن يشاء أيضًا، وليس كذلك) ظاهر.
تنبيه:
اختلف في الاستثناء هل هو رافع للكفارة فقط، أو حل اليمين، وفائدة الخلاف فيمن حلف واستثنى، ثم حلف أنه ما حلف، فالحنث على أنه رافع للكفارة، لا على أنه حل، ومن حلف على ألا يحلف فحلف واستثنى حنث في يمينه، إلا على الأول دون الثاني، ولو حلف ألا يكفر فحلف واستثنى لم توجب يمينه الأولى شيئا عليهما.
وأفاد الاستثناء بكإلا وليس ولا يكون وخلا وعدا وحاش ونحوها مما به الاستثناء في العربية في الجميع، قال المصنف في حل قول ابن الحاجب (وأما الاستثناء بإلا ونحوها فمعتبر بشرطه في الجميع): يحتمل جميع الأيمان، يريد: واللَّه، وغيرها.
وقال ابن عبد السلام: جميع أدوات الاستثناء.
стр. 1508
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: أي جميع متعلقات اليمين مستقبلا وماضيا وغموسا وغيرها.
وأشار المؤلف إلى أن شرط إفادته ثلاثة شروط، أو شروط مركبة من ثلاثة أجزاء: أحدها: أن تصل بغير قطع في إن شاء اللَّه، وإلا وأخواتها، إلا لعارض لا يمكن دفعه، كـ: سعال، أو عطاس أو تثاؤب أو تنفس؛ فإنه لا يضر، لا لذكر.
وأشار للثاني بقوله: ونوى به الاستثناء، أي: الإخراج، فلو نطق به بغير نية بل سهوا لم يفد، وقصد به الإخراج، لا التبرك، ولا أن يجري على لسانه بغير قصد؛ فإنه لا يفيد.
وظاهره: كان قصد الإخراج قبل اليمين أو في أثنائها أو بعد تمامها، وهو كذلك على المشهور، وخلافا لابن المواز: لا يفيد إلا قبل تمامها، ولو بحرف، وفي قوله (قصد) بعد قوله (ونوى الاستثناء) شيء.
وأشار للثالث بقوله: ونطق به، ولما كان الجهر غير شرط قال: وإن أسر بحركة لسان، ولو لم يسمع نفسه.
تنبيه:
نبه بالمبالغة على ذلك وعلى خلاف رواية أشهب: أن النية كافية في الاستثناء بـ (إلا) وأخواتها، وإطلاقه يشمل ما لو حلف تبرعا أو في حق واجب، وهو قول ابن القاسم: يكفي حركة اللسان، وإن لم يعلم بذلك مستحلفه، وخالف سحنون؛ لأن اليمين على نية المستحلف.
ثم استثنى من متعلق نطق، فقال: إلا أن يعزل في يمينه عن الشيء المحلوف عليه، أولا بنية كالزوجة في الحلال على حرام؛ فلا يحتاج للاستثناء، وهي المحاشاة؛ لأنه عام أريد به الخصوص، بخلاف الاستثناء؛ فإنه إخراج لما أدخله الحالف في يمينه أولا، فهو عام مخصوص، وعلى هذا فالاستثناء منقطع.
стр. 1509
ابن عرفة عن ابن محرز: إنما فرق الفقهاء بين الاستثناء والمحاشاة لاختلاف معناهما، فما كان وقفا لحكم اليمين أو رفعا له لم يصح بالنطق، وما كان رفعا لحكم اليمين عن بعض ما تناولته وإيقافا له إن عزله عن دخوله في يمينه أولا بنية كفته، وهذه المحاشاة وإن لم يعزله فإخراجه استثناء، وشرطه النطق؛ لأنه حل لما عقد. انتهى.
تنبيه ات:
الأول: لو أتى بكل موضع الألف واللام فقال: كل حلال على حرام لكان كذلك، قاله الباجي.
الثاني: ظاهر كلامه قبول قوله: (والمحاشات) ولو قامت عليه بينة، وهو كذلك، وهل بيمين، وصدر به توضيحه، أو بغير يمين؟ قولان.
الثالث: ظاهر إفادة المحاشات ولو في حق استحلفه الطالب عليه، أو ضيق عليه ليحلف له، أو خاف ألا يتخلص بغير يمين، وصرح في الشامل بأن الأصح عدم إفادتها ذلك.
وفي النذر المبهم كلله علي نذر، أو إن فعلت كذا فعلي نذر كفارة، وهذا وما بعده خبر مبتدأ: طعام إلخ، وكذا نذر اليمين المبهمة، كله علي يمين إن فعلت كذا.
تنبيه:
ربما أشعر إتيانه بالنذر واليمين بهذه الصيغة بأنه لو قال: علي ثلاثة أيمان مثلا، لزمه ثلاث كفارات، وثلاثون يمينا لزمه ثلاثون كفارة، وهو اختيار اللخمي.
وفي نذر الكفارة، كإن فعلت كذا فعلي كفارة، وفي اليمين المنعقدة سواء كانت منعقدة على بر بصيغة إحداهما: إن فعلت، كقوله: واللَّه إن فعلت كذا، والثانية: كقوله: واللَّه لا جعلت كذا، ثم فعل، أو كانت منعقدة على حنث بصيغتيه أيضًا، بلا فعلت كذا، أو إن لم أفعل كذا، وسميت
стр. 1510
الأولى بها برا؛ لأن الحالف بها على براءته الأصلية، والثانية: لأن الحالف بها على خلاف البراءة الأصلية.
ثم قيد صيغتي الحنث بقوله: إن لم يؤجل بيمينه بأجل؛ إذ لو أجله لكان على بر إليه، ولا يحنث إلا بمصيبة، فإن أمكن الفعل فيه وفرط ولم يعجل حتى فات المحل فلا يحنث، وارتفعت اليمين على المشهور.
تنبيه:
حلفه على فعل غيره كحلفه على فعل نفسه على المشهور.
إطعام عشرة مساكين: مبتدأ خبره في النذر المبهم وما عطف عليه.
تنكيت:
قال الشارح في الصغير: (في النذر مبتدأ، أو ما عطف عليه مبتدأ، والخبر إطعام) سبق قلم، وهذا شروع في بيان الكفارة، واستغنى بذكر أنواعها اختصارا، واشتراط العشرة هو نص الآية الشريفة: (فكفارته إطعام عشرة مساكين)، واشتراط المسكنة، فخرج الغني وذو الرق.
لكل -أي: لكل واحد منهم- مد بمده ﵊ لمن بالمدينة اتفاقا، ابن القاسم: وكذا بغيرها.
مالك: وأما سائر الأمصار فإن لهم عيشا غير عيشنا.
أي إنما يكفي المد بالمدينة؛ لقلة الأقوات بها، وقناعة أهلها باليسير.
وندب بغير المدينة زيادة ثلثه عند أشهب، أو نصفه عند ابن وهب، وكلاهما غير خلاف لملك، والخلاف بينهما في القدر المزيد خلاف في حال.
ولما كان المد غير متعين، بل يشاركه في الأجزاء أمران، كل منهما مظنة، أشار لأحدهما بقوله: أو رطلان خبزا بالبغدادي بأدم لحم أو لبن أو زيت أو بقل أو قطنية، وأعلاه اللحم، ووسطه اللبن، وأدناه الزيت.
الشيخ أبو الحسن: المراد باللبن الحليب، لا المضروب.