تنبيهان:
الأول: قال في المعونة: اللجاج أن يقصد منع نفسه من فعل شيء ومعاقبتها بإلزامها النذر، كلله على نذر إن كلمت فلانًا، ونذر البر والرضى أن يكون على سبيل الشكر كلله علي نذر إن شفا اللَّه مريضي، أو قدم غائبي، ونحوه.
الثاني: اقتضى كلام المؤلف أن للنذر ثلاثة أركان الملتزم والملتزم به والصيغة، ثم بالغ على اللزوم بقوله وإن قال الناذر: علي المشي مثلًا لمكة إلا أن يبدو لي أن لا أفعل ففي المدونة: لا ينفعه استثناؤه، ولا استثناء في طلاق ولا عتاق ولا مشي ولا صدقة. أو قال: علي المشي إلا أن أرى خيرًا منه، خلافًا للقاضي إسماعيل في قوله: ينفعه، بخلاف إن شاء فلان فبمشيئته من حل أو عقد، وفرق أبو إسحاق بينهما في الأوليين وقع فلا يرتفع، وفي مشيئة فلان معلق لم يقع إلا بمشيئته. والنذر إنما يلزم به من الأحكام الخمسة ما ندب وأما غيره فلا يعلم من كلامه عين الحكم فيه، أما الواجب فلازم بنفسه، وأما غيره فقال ابن عرفة: نذر المحرم محرم، وفي كون المباح والمكروه كذلك أو مثلهما قولان والأكثر مع ظاهر الموطأ والمقدمات، وأشار لصيغته بقوله: كلله علّي ركعتان قبل صلاة الظهر مثلًا أو عليّ ضحية أو المشي للكعبة بإسقاط لفظ الجلالة ثم ذكر أقسامًا باعتبار الإقدام عليه، وهي ثلاثة، أشار لأحدها بقوله: وندب المطلق، أي: التزامه، وهو ما ليس مكررًا، ولا معلقًا، ويصير لازمًا، كشكر لأمر وقع. وأشار للثاني بقوله: وكره المكرر كصوم كل خميس مثلًا، لأنه لتكرره قد يؤتي به على كسل، فيكون لغير الطاعة أقرب. وأشار للثالث بقوله: وفي كره المعلق يأتي غير مكرر كإن نجاني اللَّه من البحر، وهو قول الباجي، وإباحته وهو قول ابن رشد، تردّد للمتأخرين، ولزمه البدنة بنذرهما معلقًا أو غيره في يجي غيرها مع القدرة عليها، فإن عجز عنها فبقرة على المشهور، ثم إن عجز عنها لزم سبع شياه لا غير، كشياه الأُضْحَيّة، ولا يلزمه غير السبع من صوم وإطعام إذا عجز عنها، بل يصير إلى أن يجد الأصل أو البدل الثاني أو الثالث، ولا ينتقل للصوم خلافًا لما في كتاب ابن حبيب:
стр. 1542
إذا عجز صام سبعين يومًا. وقيل: يصوم عشرة أيام، ويحتمل لا غير السبع مع القدرة على أكثر منها، خلافًا لما في كتاب محمد: إن عجز عن البقرة فعشر شياه، والعجز إما لعدم الوجود مع القدرة على الثمن، أو عدم القدرة عليه. ولزم صيام نذره على نفسه يتقرب به إلى اللَّه بثغر يأتيه، كعسقلان وذمياط. والثغر: بثاء مثلثة وذمياط بذال معجمة، وظاهره: لزوم إتيانه للثغر ولو كان مفضولا بالنسبة لموضعه، كمكي ومدني، وهو كذلك في المدونة، بخلاف الصلاة لا يلزمه إتيانها للثغر من مكة، ولزم ثلثه حين يمينه من عين ودين وعرض وقيمة كتابة وإن عجز وكان في قيمته فضل عن قيمة كتابته، أخرج ثلث الفضل، ولا شيء عليه في أم ولده، ولا قيمة مدبره، قاله في هبات المدونة، ولا يلزمه جميع ماله، وما لا يجحف، ولا ثلث ما زاد بعد يمينه، سواء كان الزائد منفصلا كهبة ونحوها، أو لا كولادة، وهو كذلك عند ابن القاسم، ويلزمه عند مالك، إلا أن ينقص ماله بعد اليمين، فما بقى لزمه ثلث فقط، كانت يمينه على حنث أو بر، وظاهره: ولو كان النقص بإنفاق بعد الحنث، وهو كذلك في المدونة بما لي في كسبيل اللَّه، أي: يلزمه ثلث ماله بسبب أو في هذه اليمين، ودخل بالكاف ما شابه سبيل اللَّه مما فيه قربة على المشهور، كمالي صدقة للفقراء والمساكين، أو هبة لهم، أو هدي، ونحوه في المدونة.
ثم فسر السبيل بقوله: وهو الجهاد في سبيل اللَّه والرباط بمحل خيف العدوّ فيه كالسواحل والثغور وقوله: (بمحل خيف) تحقيق للرباط، لا أنه أمر زائد عليه إذ لو لم يكن محل خوف فليس برباط، وأنفق عليه، أي: على الثلث من غيره إن احتيج في إيصاله إلى محله على المشهور، وأشعر قوله: (مالي) بأنه لو قال: ثلث مالي لم يلزمه الإنفاق على إيصاله محله من غيره بل منه، وهو كذلك اتفاقًا، وفرق ابن رشد بأن الأصل في مالي لزوم الجميع، فلما رخص له في الثلث وجب إخراج جميعه، بخلاف ثلث مالي لا يلزمه وغيره، إلا لمتصدق به على معين كزيد فالجميع له وكرر إخراجه الثلث في حلفه بمالي في كسبيل اللَّه إن أخرج بمعنى أنه كلما حلف وحنث أخرج ثلث الباقي؛ وإلّا بأن تكرر الحنث ولم يخرج فقولان؛ الأول:
стр. 1543
يخرج للأول من ثلثه وللحالف الثاني ثلث الباقي وهكذا عند ابن القاسم ومن وافقه. والثاني: يكفي إخراج واحد لجميع الأيمان عند مالك وأصحابه. وظاهر كلامه: كانت أيمانه في كلمة واحدة أو كلام مختلف. وأيمان شتى وأزمان متباعدة أو لا، وهو كذلك، ولزمه ما سمي جميعه في نذر غير معين كسدس ماله أو نصف ماله، وإن كان معينًا كعبدي مبارك أو داري أتى ذلك المعين على الجميع، فالجميع لازم له على المشهور ولزم بعث فرس وسلاح نذرهما بأن قال: في السبيل أوْ نذر للَّه أو حلف وجبت لمحله، أي: الجهاد. أبو الحسن: وليس له حبسه وإخراج قيمته من ماله إن وصل، أي: أمكن وصوله وإن لم يصلْ، أي: لم يمكن وصوله لعارض به أو لم يوجد من يوصله بيع وعوض بثمنه في محله أو قربه.
تتمة: أطلق فيما يعوض، وفي المدونة مثل المبيع من كراع وسلاح أو غيره. ثم شبه لإفادة الحكم قوله: كهدي فيلزمه بعته لمحله إن أمكن وصوله وإن لم يمكن بِيع وعوض مثله من جنسه إن بلغ كما في المدونة، ولزم بعثه ولو أهداه معيبًا كعلي نذر هذه البقرة العوراء أو العرجاء على الأصح، وهو قول أشهب؛ لأنه لما لم يمكن وصوله صار كأنه غير مقصود العين؛ إذ لا يطلب السلامة إلا في النذر المطلق كعليَّ بدنة وجاز له فيه، أي: الهدي معيبًا أو سليمًا إذا بيع الإبدال بالأفضل منه على الأصح عند ابن الحاجب وله شراء مثله، ونحوه في المدونة، وإن كان نذر من ماله بما لا يهدي معيبًا، كثوب وفرس وسلاح بيع واشترى به هدي، وكره بعثه، ابن عبد السلام: وجه الكراهة ما فيه من إيهام تغيير سنة الهدي؛ لأن حبسه محصور في بهيمة الأنعام، في ذا بعت بثوب أو فرس أو سلاح لم يتم هذا الحصر، وإذا بعث هذا المكروه بيع، وأهدي به، أي: اشْتُرِيَ بثمنه هناك هدي.
ابن عرفة: سمع ابن القاسم لو نذر بهما كثوب فعليه الوسط يبعث بقيمته، يُشْتَرى به هدي، وما ذكره المصنف من أن ما لا يهدى يباع ويعوض بثمنه هدي هو مذهب المدونة هنا. قال: وظاهرها في كتاب الحج وموضع آخر في النذر جواز تقويمه على نفسه وإخراج قيمته وهو مذهب العتبية. ابن عرفة: سمع ابن القاسم من نذر هدي دابته أو عبده له جعل
стр. 1544
قيمته أو ثمنه في هدي. الصقلي: ومثله في الموازية، وإلى كون ما في المدونة هنا وما في حجها الموافق لما في الكتابين والسماع مخالفين أو موافقين أشار بقوله وهل اختلف هل هو خلاف، وعليه الأكثر، وهو أيضًا رأي بعض أهل النظر، أو وفاق وما في السماع تفسير فما في حجهما محمول على أنه يقومه أو لا فيكون خلافًا أو لا، أي: وما هنا لا أو لا بل عند عشر البيع فيتفقان أو ما هنا محمول على أن البيع مطلوب ندبًا، وما في حجها جوازًا على التخيير، لا ندبا فوفاق أيضًا.
تنكيت: جعل البساطي مقابل (ندبا) وجوبًا يحتاج لنقل، فإن المنقول في المواضع الأخر من نذورها وما في السماع إنما هو التخيير كما علمت. أو التقويم على ما في حجها إن كان النذر بيمين لأن الحالف لا يقصد القربة، والمقصود من هدي ما لا يهدى هو عوضه فلم يدخل في خبر العائد في هبته والبيع على ما إذا كان بغير يمين، فهو مقطوع قاصد للقربة، فهو جنس الصدقة، فيدخل في الخبر السابق، فيتفقان أيضًا، قال بعض القرويين: وهو ظاهر كلام المصنف؟ تأويلات.
تنبيه: قال ابن عبد السلام: لا يكتفى بتقويم العدول بل ينادى عليه، فإذا بلغ ثمنًا خير فيه (١) فانظره في الكبير. وقال بعض من تكلم على هذا المحل: كلام المصنف معقد؛ كرر فيه (هل) مرتين، قابل كل واحدة منهما بأو العاطفة ولا النافية على طريق التلفيق كأنه قال: هل اختلف أم لا، فقيل، أي: شيء يختلف فيه؟ فقال هو يقومه على نفسه أم لا فقيل له إذا قلنا بترك التقويم فعلى، أي وجه؟ فقال: ندبا. ثم كمل بالتأويل الثالث، فقال: أو التقويم إن كان بيمين. فإن عجز ثمنه ما لا يهدي كالثوب عن إكمال ما لا يهدي كالبدنة والبقرة عوض الأدنى وهو شاة ثم إن عجز عن الأدنى دفع لخزنة الكعبة وهم أمناؤها وأصحاب حلها وغلقها يصرف فيها لمصالحها إن احتاجت وهذا القيد ليس في الرواية بل في الموازية وذكر المؤلف لدفع أشكال ورد على ظاهر الرواية قال مستشكله قد لا يحتاج له
стр. 1545
الكعبة فتأكله الخزنة وهو خلاف عوض الناذر فدفعه بالقيد ثم ذكر مفهومه بقوله وإلا بأن لم تحتج له الكعبة تصدق به.
تنبيه: أجمل المؤلف لعدم ذكره من يتصدق عليه فيحتمل قول ابن القاسم أحبّ إلى أن يتصدق به حيث يشاء أو قول أصبغ على فقر الحرم وقصره البساطي على الثاني ترجيح بغير حج وحيث دفع للخزنة ليصرفوها في مصالحها فلا يشرك معهم غيرهم في صرفه. وأعظم مالك أن يشترك معهم غيرهم يحتمل في صرفه أو خدمتها لأنه أي: القيام بها أو الحكم عليها أو التصرف ولاية منه ﵊، وفي بعض النسخ: لأنها، أي الخدمة؛ لما روى أنه ﵊ لما انتزع المفاتح عام الفتح من عثمان بن طلحة نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فاستدعاه ﷺ ودفعها له، وقال: هي لكم بني عبد الدار، لا ينتزعها منكم إلا ظالم. والتشريك نوع من الانتزاع. ولزم المشي لمسجد مكة لمن نذره ولو لصلاة، وأشار بلو لخلاف القاضي إسماعيل في أن من نذر المشي إلى المسجد الحرام للصلاة لا للحج لم يكن عليه المشي، وليركب، وخص مسجد مكة لأنه لا يلزم المشي لمسجد المدينة ولا الياء على المشهور، بل يركب لهما. وظاهره: ولو كان الناذر امرأة، وهو كذلك على المنصوص، وقيل: إن لم يكن مشيها عورة ولزوجها منعها من نذر المشي. وخرج من نذر المشي للحل وأتى لعمرة ماشيًا ولو من أدنى الحل، وسواء التزم ذلك وهو بالمسجد أو خارجًا عنه، وهو كذلك اتفاقًا في الأولى، وعلى المشهور في الثانية، ودرج المصنف على مذهب ابن القاسم، فلم يفرق بين المسجد وغيره، ثم شبه في لزوم المشي لمن نذره فقال: كمكة أو البيت أو جزؤه كبابه أو ركنه أو ملتزمه أو شادروته أو حجره فيلزمه المشي إذا نذره لا غير ما هو من أجزاء البيت كزمزم. قال جمهور الشيوخ: كل متصل بالبيت فحكمه حكمه وكل منفصل فحكمه كعرفة. عياض: هذا هو الصواب. إن لم ينو الناذر نسكًا حجًا أو عمرة، فإن نوى أحدهما لزمه المشي في المنفصل أيضًا، وهو تأويل أكثر الشيوخ ويلزم الناذر المشي من حيث نوي إن كانت له نية اتفاقًا وإلا بأن لم يكن له نية لزمه المشي من حيث نذر اتفاقًا وفي اليمين من حيث حلف على المشهور وهو مذهب المدونة.
تنكيت: قول البساطي من حيث نوي هو معنى قولهم من حيث نذر
стр. 1546
غير جلي أو من مثله، أي: من مثل موضع حلفه إن حنث به، أي: بغير موضع حلفه قاله اللخمي لأن القصد التقرب بمثل تلك الخُطأ ولا مزية للأراضي والتقييد بمثله مقتض لعدم الأجزاء بدونه وهو كذلك حكاه في توضيحه غير معزو وتعين لابتداء مشيه محل اعتيد المشي منه من بلد وإلا فجميع نواحي البلد سواء ما لم تكن نية وركب في إقامته في المنهل، أي: أجاز له ذلك عند مالك وأخذ به ابن القاسم وركب لحلقه له في المنهل أو احتاج للرجوع لها ونحوه في المدونة كطريق قربى اعتيدت للمشي فيها فإن لم تكن معتادة فليس له المشي فيها.
تنبيه: نص ابن رشد على أنه لا يجوز له التعليق في المشي كنذر مدني مشيًا على الشام أو العراق. وركب بحرًا اضطر له كساكن جزيرة لا يمكنه المرور منها إلا في السفن ثم يمشي بعد ذلك وقول البساطي: (هذا لا إشكال فيه، وإنما النظر في طرق بحر بعد اليمين ليس) ما ذكر محل نظر إذا طرأ بحر لا يمكنه المرور إلا منه. ابن رشد: لا يجوز له أن يحلق في طريقه الآمنة ليقل ركوبه في البحر لا بحرًا اعتيد حيث لا ضرورة على الأرجح عند ابن يونس، انظر الكلام على هذه في الكبير.
وغاية المشي في الحج لتمام طواف الإفاضة على مذهب المدونة إن كان السعي قبله، وإلا فتمام سعيه، وإذا أتم بطواف الإفاضة فيركب برجوعه منه إلى منى، ويركب في رمي الجمار بها، وغايته في العمرة تمام سعيها، لا حلقها، لأنه غير ركن إن نذره أو حلف به فيها، وإن نوى نسكا منها فيدخل مكة بأيهما شاء، ورجع لمكة وأهدى إن ركب كثيرًا، والكثرة والقلة في ذلك بحسب مسافته، فقد يكون اليوم كثيرًا بالنسبة لمسافة ويسيرًا بالنسبة لغيرها، وما فوق اليومين كثيرًا، وفيما بينهما قولان، والحق: أنه يختلف باختلاف المسافة. انتهى.
وقد تكون الكثرة بحسب المعنى المقصود، وإن كانت يسيرة في الحسّ، وإليه أشار بقوله: أو المناسك، أي: التي تفعل من حين خروجه من مكة لعرفة، والإفاضة مع المناسك، لأنهما وإن كانا يسيرين في الحس فهما كثير في المعنى؛ لركوبه في مواضع أفعال الحج، فهو أشد ممن ركب
стр. 1547
كثيرًا من غيرهما. وفهم من جمعه الإفاضة مع المناسك أنه لا يرجع لركوبه الإفاضة فقط، وسيصرح به قريبًا. نحو المصري هو فاعل رجع قابلا، أي: ثانيًا في عام قابل لا في رجوعه لبلده باتفاق.
تنبيه: مثل بالمصري لأنه متوسط، وهو موطن الخلاف، وأما من قرب من مكة فيرجع اتفاقًا، ومن بعد كالأفريقي لا يرجع اتفاقًا، وإذا رجع فيمشي ما ركب، أي: الأماكن التي ركبها أولًا، ويحصل ركوبه في مثل المعين أو لا، فإن كان في حج ففي مثله اتفاقًا، أو عمرة ففي مثلها وإن أحرم ثانيًا بعمرة، وقد كان أحرم بحج لم يجزه اتفاقًا، ولا يجزئه في العكس على مذهب المدونة لما بينهما من التغاير، وإلا يكن النسك الأول معينًا بل مبهمًا ومشى محرمًا بأحدهما فله المخالفة بأن يحرم بغير ما كان أحرم به أوّلًا، وما تقدم من وجوب الرجوع والهدي محله بأن ظن الناذر والحالف أولا حين نذره أو حين يمينه القدرة على مشي كل الطريق فعجز، وإلا بأن لم يظنها بأن توهمها أو علم عدمها للكبر أو ضعف جسم أو نوى أن لا يمشي إلا طاقته ولو شابًا مشى مقدوره فقط ولو نصف ميل، وركب عند عجزه وأهدي فقط، أي: بلا رجوع يمشي ما ركب، كأن قل ركوبه فالهدي فقط ولو قادرًا على المشي، خلافًا لابن حبيب. ثم مثل للقليل مشبهًا له بما قبله في عدم لزوم الرجوع وفي أنه يلزمه الهدي فقط بقوله: كالإفاضة فقط أبو الحسن الصغير: أي: في مسيره للإفاضة من منى لمكة، فسر به قول المدونة: إن ركب في الإفاضة فقط لم يعد وأهدى، وكذا فسرها ابن محرز، واحترز بقوله: (فقط) عما لو زاد على رجوعه للإفاضة رجوعه قبل ذلك من عرفة لمنى أو ركوبه حين خروجه من مكة لعرفة.
تنكيت: قول البساطي: (كالإفاضة تشبيه لإفادة الحكم لا تمثيل لليسير) غير ظاهر مع قوله قبله في قوله (أو المناسك والإفاضة) أنه يسير في الصورة، وتفسير الإفاضة بأنه ركب في طوافها غير صواب مع تفسير أبي الحسن وابن محرز. وكعام عين للنذر كله عليّ الحج ماشيًا في هذا العام أو عام كذا فحج راكبًا أو ركب فيه لم يرجع ثانيًا فيهما، ولزمه الهدي، وليقضه إن لم يحج فيه في المسألتين. ومفهوم المعين: الرجوع في
стр. 1548
المضمون، وهو كذلك كما ذكره هو وغيره. أو لم يقدر من أمر بالرجوع ثانيًا على مشي ما ركبه أولًا فليهد ولا يرجع، وهو مذهب المدونة. وكإفريقي ممن بعدت داره جدًا فليهد ولا يرجع.
تنبيه: تلخص من كلامه أن من ركب كثيرًا إن كان موضعه قريبًا كالمدينة ونحوها رجع ثانيًا، وهو كذلك اتفاقًا، والرجوع في المتوسط وهو كذلك على المشهور، وعدم الرجوع في البعيد جدًا كأفريقة، وهو كذلك اتفاقًا. ولما كان المشي لا يطلب اتصاله على وجه الشرطية شبهه بما لم يلزمه فيه الرجوع، فقال: وكإن فرقط، أي: في الزمان ومشى على غير العادة، فإقامة في طريقه إقامة طويلة، فإن كانت لعذر أو عدم رفقة فبإنفاق، ولو بلا عذر على ظاهر المدونة، وهو أحد الطرق ورجحه ابن راشد، والطريق الآخر استظهره ابن عبد السلام، ولهذين الترجيحين قال في الشامل: وفي الترجيح خلاف، وقولنا: (على غير العادة)؛ لأن الإقامة المعتادة غير مضرة، كمغربي يقيم بمقر الشهر ونحوه ليأتي أيام الحج، وكالإقامة بالعقبة وغيرها. ولما ذكر التفريق بالزمان ذكره في الرجوع، فقال: وفي لزوم مشي الجميع، أي: جميع الطريق عند رجوعه لبطلان مشيه أولًا بمشي عقبة وركوب أخرى في أحد التأويلين؛ لأنه لا يتحقق بطريق العادة ضبط مواضع مشيه أولًا من ركوبه، لا سيما مع الموضع جدًا، وهو موافق لما في الموازية: من مشى عقبه وركب أخرى ابتدأ المشي كله وعدم لزومه فيمشي أماكن ركوبه فقط، وهو ظاهر قول المدونة "إذا عرف أماكن ركوبه من الأرض عاد ثانية ومشى من ركب" وهو مذهب الموطأ تأويلان.
تنبيه: قاعدة المؤلف في التأويلين اختلاف شيوخ المدونة في فهمها، ولم أقف على من تأولها على الأول، نعم يحتمل أن يكون معنى التأويلين هل ما في الموازية مخالف لما في المدونة أو لا فالهدي السابق واجب، سواء وجب الرجوع معه أو لا إلا فيمن شهد المناسك كلها أو بعضها راكبًا فندب؛ لقول مالك: يهدي أحب إليّ من غير إيجاب. ابن القاسم: لأن بعض الناس لا يرى المشي إلا إلى مكة فقط. ثم بالغ على وجوب الهدي بقوله: ولو مشي الجميع؛ لأن ركوبه أوجب أمرين: الرجوع والهدي، فلا
стр. 1549
يسقط فعل أحدهما الآخر. وأشار بلو لقول محمَّد: يسقط الرجوع ولو أفسد ما أحرم به من حج أو عمرة في نذره بكوطء أتمه فاسدًا كسائر صور الفساد وقضاه، ومشى في قضائه من الميقات؛ إذ لم يتسلط الفساد إلا على ما بعد الإحرام، والظاهر: أن المراد بالميقات الشرعي، فلو أحرم قبله لم يلزمه المشي إلا من الميقات، واستغربه ابن عبد السلام، فإن فاته الحج الذي أحرم به جعله في عمرة، أي: تحلل منه بها، ومشي فيها لتمام سعيها، وينقضي نذره بذلك، وقضي حجة على حكم الفوات، وركب في قضائه، أي: جاز له ذلك إلى انقضاء مناسكه على مذهب المدونة؛ لأنَّ النذر قد انقضى، وهذا إنما هو في الفوات.
تنكيت: قول البساطي (إذ قضى لا يلزمه الركوب؛ لأنه صرف مشيه لعمرة) صوابه لا يلزمه المشي؛ لأنه هو المتوهم وإن حج ناذر ناويًا نذره وفرضه معًا مفردًا كان أو قارنًا أجزأ عن النذر فقط في كل من الصورتين وجميعها لاتحاد حكمهما: الأولى إن حج مفردًا ينوي بحجه فرضه ونذره الثانية: أن يحج قارنًا للعمرة مع الحج للفرض، وينوي نذره أيضًا إن قرن نذره بنية قرانه، وهذا ظاهر كلامه، وقرره في توضيحه بأن ينوي العمرة للنذر والحج للفرض وتبعه الشارح والأقفهسي، انظر ما في ذلك في الكبير واختلف هل محل قول مالك: يجزئ لنذره فقط في الصورتين إن لم ينذر حجًا أو لم ينو حين النذر حجًا ولا عمرة بل نذر المشي فقط، ولم يبين فيما هو، وأما لو بين بالنذر حجًا لم يجز عن واحد منها للشريك، وهو تأويل ابن المواز وتجزئ مطلقًا، وهو ظاهر المدونة؟ تأويلان.
تنبيه: ميز بقوله: مفردًا أو قارنًا مخالفة قول اللخمي: أرى إذا فرق أن يجزئ عن حجة الإِسلام، ويكون قارنًا وعلى الصرورة الناذر للمشي جعله نذره المبهم أو حلفه الذي حنث فيه في عمرة ثم يحج بعد تمامها من مكة على الفور. قال المصنف: بناءً على أن الحج على الفور، ومفهوم الصرورة أن غيره لا يلزمه ذلك، فله جعله في حج إذا أتمها، ويكون متمتعًا، وهو كذلك بشروطه السابقة في الحج. وعجل النادر الإحرام في قوله أنا محرم بحج أو عمرة إن قيد بيوم كذا، أو يوم افعل كذا، أو قال:
стр. 1550
الناذر أنا أحرم بحج أو عمرة إن قيد بيوم كذا أو يوم كذا افعل كذا وفعله؛ لأن القيد قرينة على إرادة الفور، وهو قول مالك. عبد الوهاب: لأن النذور المطلقة محملها على الفور، أو عند السبب الذي علقت عليه كالعمرة في تعجيل الإحرام بها مطلقًا، أي: في أي وقت حنث؛ لقول أبي محمد لما كانت العمرة لا وقت لها لزمه الإحرام بها حين الحنث.
تنبيه: قال بعض من تكلم على هذا المحل: مراده بالإطلاق ضد التقييد لاندراج المقيدة فيما قبل، فلو قال: (مطلقة) لكان أبين، ويصح كسر لام مطلقًا على أنه حال من مضاف محذوف، أي: لناذر العمر حال كونه مطلقًا غير مقيد، وبهذا يعلم أن قوله: لا الحج خاص بالمطلق دون المقيد، وإن كلامه قد اشتمل على أربع صور: حج وعمرة مقيدين، حج وعمرة مطلقين، ثم ذكر المؤلف تعجيل إحرامه بالعمرة وقت حنثه شرطًا أفاده بقوله إن لم يعدم صحابة يرافقهم، فإن عدمهم وخاف على نفسه أخّر حَتّى يجد ويخرج معهم قاله في المدونة. لا ناذر الحج غير المقيد بيوم كذا ولا ناذرًا المشي فلا يعجل الإحرام وشهره. ابن الحاجب: وإذا لم يلزمه تعجيله فلأشهره ولو قبل ميقاته إن وصل لمكة من محله فيها، وإلا بأن لا يصل لمكة حتى تخرج أشهر الحج فمن حيث يصل لمكة ويدرك الحج، قاله ابن أبي زيد وقال القابسي: يخرج من بلده غير محرم، وأين ما أدركته أشهر الحج أحرم. ابن يونس: وقول ابن أبي زيد أولى، ولعله هو الذي أشار إليه المؤلف بقوله: على الأظهر، وعليه فكان ينبغي التعبير بالأرجح. وقال ابن عبد السلام: الظاهر مذهب أبي محمد. ويحتمل أن المؤلف أراده، وعليه فكان ينبغي أن يعبر بصحح أو استحسن. ولا يلزم النذر في قوله مالي في الكعبة قال في المدونة: لأنها لا تنتقض فتبنى أو في قوله مالي في بابها ولا يلزمه في ذلك كفارة يمين، ولا غيرها، وكذا لو قال في الحطيم: وهو ما بين الباب إلى المقام عند ابن القاسم ابن حبيب: ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام؛ إذ عليه تنحطم الناس، وأما لو قال: مالي في كسوتها أو طيبها لزمه ثلثه للحجية يصرفونه فيها، قاله في المدونة. أو قال: كل ما اكتسبه يحتمل في الكعبة، ويحتمل صدقه، لا يلزمه شيء للحرج
стр. 1551
والمشقة، والاحتمال الأول ذكره في الشامل. والثاني: ذكره ابن رشد أو نذر هدي لغير مكة لا يلزمه شيء قال في المدونة لأن سوقها لغيرها ضلال وللشارح في الصغير ينحره بموضعه، أي: ويلزمه أو مال غير لا يلزمه أن نذره إن لم يرد إن ملكه وأما إن أراد ذلك لزمه إن ملكه؛ لأنه تعليق وسواء كان مما يهدى كبعير فلان، أو لا كعبده. ولما قدم نذر ما يملك ودخل فيه العبد ذكر ما لا يملك كالحر فقال أو قال علي أو علي للَّه نحر فلان لم يلزمه شيء إن لم يكن قريبًا بل ولو كان قريبًا إن لم يلفظ بالهدي لظهوره في المعصية فإن لفظ بالهدي لزمه لأنه قرينة في إرادة القرية أو إن لم ينوه، أي: الهدي فلا شيء عليه فإن نواه لزمه اتفاقًا، أو إن لم يذكر مقام إبراهيم ﵇ أو مكة أو منى. ابن بشير: أو يذكر موضعًا من مواضع مكة أو منى فلا شيء عليه، وإن نوى موضعًا منها لزمه الهدي؛ للدلالة على القربة.
وظاهر كلام المصنف: لا فرق بين القريب والأجنبي، ونحوه للباجي، وقرره الشارحان بأنّه لا شيء عليه في الأجنبي. البساطي: ومعنى الإطلاق سواء لفظ بالهدي أو لا ذكر مقام إبراهيم أو لا، والأحب حينئذ، أي: حين ذكر الهدي أو نيته أو مقام إبراهيم كنذر الهدي تشبيه لإفادة الحكم بدنة خبر الأحب ثم بقرة عند فقدها، ثم من الغنم عند فقد البقر ثم شبه في استحباب الهدي وصفته بقوله كنذر الحمل بالمد، وهو: المشي بغير خف أو نعل؛ إذ لا قبة فيه ومثله الحبو والزحف، أو نذر حمل فلان إلى بيت اللَّه، فلا يلزمه شيء، ولكن ينوي إن نوى التعب كحمله على عنقه حج ماشيًا، وأهدى استحبابًا، وليس عليه أن يحج بفلان. وإلَّا بأن لم يرد التعب ولا حمله على عنقه ركب وحجّ به معه إن رضي فلان بلا هدي فإن أبي حج الناذر راكبًا وحده، ولا شيء عليه ولغا قوله عليّ المسير إلى مكة إن كلمت فلانا والذهاب والركوب لمكة إلا أن ينوي أن يأتيها حاجًا أو معتمرًا فلا يلغي.
الجوهري: الغيت الشيء أبطلته ولغي مطلق المشي في قوله على المشي من غير تقييد بموضع بلفظ ولا نية إذ هروبه من التعيين دليل على عدم الالتزام، ولما قدم لزوم المشي على ناذره لمسجد مكة ولو لصلاة وسيتكلم على مسجد المدينة ومسجد إيليا ذكر هنا حكم غيرهم من المساجد فقال: ولغا في
стр. 1552
قوله عليَّ المشي لمسجد إن لم يكن لاعتكاف بل وإن كان لاعتكاف. قال الشارح: لو قال: (وإتيان) لكان أحسن؛ لأن ظاهره: جواز إتيانه راكبًا، وليس كذلك؛ ففي الرسالة: وأما غير الثلاثة فلا يأتيها ماشيًا ولا راكبًا لصلاة نذرها، وليصل بموضعه إلا المسجد القريب جدًا كأميال فمن نذر المشي إليه فقولان في لزوم المشي وعدمه تحتملهما المدونة؛ ففيها: من نذر الصلاة في غيرها من سائر الأمصار صلى بموضعه، وفيها أيضًا: من نذر جوار مسجد مثل جوار مكة لزمه ذلك فيه. قال الشارح: ولعل سبب احتمالهما قولها: ومن نذر إلى آخره ولغا مشي للمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، أو إيليا، وهو القدس، فلا يلزمه مشي ولا ركوب لهما إن لم ينو صلاة بمسجديهما، فإن نواهما لزمه الإتيان لهما راكبًا لا ماشيًا، إن شاء، أو إن لم يسمهما، أي: المسجدين، فإن سماهما فقال: (عليّ المشي لمسجد الرسول) أو: لـ (مسجد القدس) لزمه إتيانهما، وإن لم ينو الصلاة فيهما، فيركب إن شاء إذا أباهما وكأنه لما سماهما قال: (للَّه عليَّ أن أصلي فيهما) ونحوه في المدونة. وهل لزوم إتيان أحد المساجد الثلاثة مطلقًا، وإن كان ناذر المشي ببعضها فاضلًا كان ما هو فيه أو مفضولًا، ابن بشير: وهو الظاهر من المذهب، وعبر عنه ابن الحاجب بالأصح. أو يلزم إلا لكونه بأفضل فلا يلزم أن يأتي المفضول، وإن كان في المفضول أتى للفاضل، ابن الحاجب: وهو المشهور؟ خلاف، وجعله صاحب الشمائل ترددًا.
تنكيت: إذا علمت أن النقل كما قدمناه فقول البساطي: (الذي يظهر لنا إلى آخره) سهو؛ لأنه قدم أنه يلزمه إذا سمى أو نوى، فكيف يقول بعد ذلك: اللزوم مقيد بأن يكون ببعضها غير ظاهر؛ لأن المصنف كثيرًا ما يقع أنه يذكر الحكم محروسًا به، ثم يقول: هل هو مطلق أو مقيد. والمدينة أفضل من مكة عند مالك ثم مكة أفضل من القدس، ثم القدس أفضل من غيره من المساجد، حتى المنسوبة له ﵇، كمسجد قبا ونحوه، وقيل: مكة أفضل من المدينة، وهو مذهب الشافعي وجماعة، والخلاف في ذلك شهير، وهو ما عدا موضع قبره الشريف؛ فإنه أفضل البقاع بالإجماع.
* * *
стр. 1553
باب ذكر فيه الجهاد وما يتعلق به
وهو لغة: التعب والمشقة ولم يعرفه المصنف اصطلاحًا، وعرفه ابن عرفة بأنه قتال مسلم كافرًا غير ذي عهد لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، أو حضوره، له أو دخول أرضه به، فيخرج قتال الذمي المحارب على المشهور، لأنه غير نقض. الجهاد في أهم جهة للعدو مع خوف غيرها أقل والجار والمجرور متعلق بما قبله، كل سنة مرة يبعث الإمام طائفة يخرج معها من يثق به ليدعوهم للإسلام ويرغبهم فيه، ويكف أذاهم، ويظهر دين اللَّه، ويقاتلهم حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية، أو يخرج بنفسه ثم بالغ بقوله: وإن خاف محاربًا أو لصًا، يحتمل في طريقه، وهو قول صاحب الجواهر: ولا يسقط بالخوف في الطريق من المتلصصين؛ لأن قالتهم أهم، ويحتمل إذا كان المحارب في جهة، والعدو في أخرى، وخيف من المحارب في جهة عند الاشتغال بقتال العدو؛ لأن فساد الشرك أعظم لا يعد له فساد كزيارة الكعبة في كل عام فرض كفاية عند الجمهور، وهو خبر الجهاد، وكل سنة ظرف له، فلا يجوز تركه لغير عذر، ودليله قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية لوعده فيها القاعد والمجاهد بالحسنى؛ إذ لو كان على الأعيان لكان من غير ضرورة عاصيًا، وقد تواتر إرساله ﵊ قومًا دون آخرين، ووجوبه كفاية إن لم يكن مع والٍ جائر، بل ولو مع والٍ جائر، وإليه رجع مالك، لخبر "الجهاد ماض منذ بعث اللَّه نبيه، لا ينقضه جور من جارّ، ولا عدل من عدل" (١)، ومقابله مشهور أيضًا.
стр. 1554
قال الأقفهسي: على كل حر مكلف قادر، لا ضد كل، ثم عدد نظائر مشاركة له في فرض الكفاية، فقال كالقيام بعلوم الشرع من فقه، وما يتوقف عليه من تفسير وحديث وأصول وكلام ونحو ولغة، وهذا فيما لا يجب على المكلف من طهارة وصيام وصلاة وزكاة وحج، فأما ما وجب من ذلك ففرض عين، والفتوى، ويرجع هذا وما قبله للتعليم والتعلم، ودفع أو رفع الضرر عن المسلمين ومن في حكمهم من أهل المدينة، ومنه إطعام جائع وستر عورة حيث لم تف الصدقات بسد الحاجات، ولم يكن في بيت المال ما يعطونه. قال مالك: كان عمر ﵁ يخرج إلى الحوائط فيخفف عمن أثقل في عمله من الرقيق والأحرار ويزيد في رزق من أقل في رزقه. والقضاء لما فيه من مصالح العباد، كفصل الخصومة ودفع التهارج وإقامة الحدود وكف الظالم ونصرة المظلوم، والشهادة. مالك: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، أي: إذ ما دعوا للأداء، وأما قبل فأرجو أن يكون في سعة إذا كان ثم من يشهد والإمامة الكبرى ويظهر لي وإمامة الصلاة، البساطي: الشهادة والقضاء والإمامة ترجع إلى دفع الضرر. والأمر بالمعروف لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ الآية، ولم يصرح بالنهي عن المنكر لدخوله في الأمر بالمعروف؛ لأن الأمر بالشيء نهى عن ضده، وللأمر بالمعروف شروط: علمه بكل منهما، وأن لا يؤدي إنكاره المنكر لأعظم منه، وعلمه تأثير ذلك ونفعه، وفقد الشرطين الأولين يمنع الجواز، والثالث يسقط الوجوب فقط، ويبقى الجواز والندب.
فائدة: قال ابن ناجي: يشترط ظهور المنكر في الوجود من غير تجسس ولا استراق سمع ولا استنشاق ريح ليتوصل بذلك لمنكر، ولا يبحث عما خفي بيد أو ثوب أو حانوت أو دار؛ فإنه حرام. والحرف المهمة لا يستقيم صلاح الناس إلا بها، كخياطة وحياكة ونحوهما، وخرج غير المهمة ولعل من أمثلتها قصارة وكمد ونحوهما.
ورد السلام فرض كفاية على المشهور، ويسقط برد واحد من جماعة، ويتعين في حق واحد، وهذا في حق غير قارئ ومستمع خطبة وقاضي حاجة وملب ومؤذن؛ فلا رد عليهم.
стр. 1555
تتمة: تردد التادلي في كونه أفضل لكونه سببًا في فرض أو الرد لأنه مقصود وفرض واستظهره.
وتجهيز الميت من غسل وكفن وصلاة وغيرهما وفك الأسير، ولو أتي على جميع المال؛ لوجوب القتال على خلاصه ولو أتى: على النفس، فالمال أولى.
تنبيه: قال القرافي: يكفي في إسقاط فرض الكفاية ظن الفعل لا تيقنه، وتعين الجهاد أي: صار عينًا بفجء العدو على قوم، بأن هجم عليهم، قال في القاموس: فَجِئَه كسمعه ومنعه فجئًا وفجأة هجم عليه كفاجأه وافتجأه. إن لم يتعين على امرأة، وإن تعين على امرأة وعبد، ونحوه لابن شاس، وقرره الشارح بأنه فجأ على امرأة لقوله: ولا فرق بين أن يكون العدو أغار على قوم أو امرأة، وتعقبه البساطي فقهًا وإعرابًا، انظر ذلك في الكبير. وعلى من بقربهم إن عجزوا، أي: وتعين على من بقرب من عجز دفعه.
تنبيه: قيد المؤلف كلام ابن الحاجب بما إذا لم يخف من بقربهم معرة العدو، فإن خافوا ذلك بأمارة ظاهرة فليلزموا مكانهم، قاله سحنون، وترك القيد هنا. وتعين الجهاد أيضًا بتعيين الإمام جماعة له، فلا تجوز مخالفتهم له مع ظن كفايتهم العدو وظاهره: كان من عينه الإمام قريبًا من العدو أم لا، كان من أهل الجهاد أم لا كالعبد والمرأة كان له مانع من أبويه أو رب الدين أم لا، واللَّه تعالى أعلم.
تتمة: قال ابن فرحون: جميع فروض الكفاية تتعين بتعيين الإمام ولا يجوز الهروب إلا في القضاء، إذا كان غير المعين يصلح، وسقط وجوب الجهاد بمرض، أي: بسببه أو معه، وهو خروج الطبيعة عما تقتضيه، والسقوط قد يكون حقيقة، وقد يكون مجازًا وصبًا فيه تجوز؛ لأنه لم يجب حتى يسقط، فمعنى سقوطه عدم وجوبه عليه وسقط بسبب جنون وعمى طارئ، وإن كان أصليًا ففي السقوط تجوز وعرج مانع وأنوثة لضعف بنيتهن عن مكافحة الرجال ولما فيه من عدم سترهن، ونص على الثلاثة لأنها أصل
стр. 1556
قال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ وسقط بسبب عجز عن شي محتاج له من سلاح ومركوب عند الحاجة له ونفقة ذهابًا وإيابًا بحسب حاله.
والمسقطات ضربان: موانع حسية كالسابقة، وشرعية، وأشار لها بقوله: ورق؛ لأن حق السيد فرض عين فقدم إلا بإذن، ودين حل مع قدرته على قضائه، إلا بإذن صاحبه، فإن لم يحل جاز، ولو حل في غيبته وكل في قضائه، وقولنا (مع قدرتهم) هو كذلك في توضيحه؛ إذ العاجز لا يحتاج لإذن. ثم شبه في السقوط لإفادة الحكم قوله: كوالدين أو أحدهما، أي: إذا منعا في فرض كفاية جهاد أو غيره، كطلب علم، ولا يسقط الوجوب بإذنهما، وخرج بفرض الكفاية فرض العين ببحر أو خطر ببر، أي لهما منع الجهاد بسبب ذلك، كذا قرره الشارح، والذي في التوضيح: لهما منعه من ركوب البحر ومن السفر في البر الخطر للتجارة، وهذه مسألة أخرى كما قال البساطي لا جد أو جدة فليس لهما المنع وإن كان برهما واجبًا وقيل كالأبوين والأب الكافر كغيره، أي: كالأب المسلم في غيره، أي: غير الجهاد فله المنع منه وليس له منعه من الجهاد.
وقال الشارح عن سحنون: لهما المنع منه إلا أن يعلم أن منعهما للتوهين وقال البساطي ليس لها المنع منه؛ لأن منع الأب الكافر مظنة التوهين. انتهى.
وبينهما فرق ودعوا للإسلام، فيعرض عليهم أولًا جملة من غير تفصيل للشرائع إلا أن يسألوا عنها فتبين لهم، فإن أجابوا وجب الكف عن قتالهم.
تكميل: لم يذكر المؤلف هل تكرر الدعوى أَوْ لا الفاكهاني: أقلها ثلاثة أيام. ابن عرفة: وفيها عن علي ﵁ ثلاث مرات، ثم إن امتنعوا عن الإِسلام دعوا إلى جزية تضرب عليهم إجمالًا من غير توقيت ولا تحديد، إلا أن يسألوا فتبين لهم، فإن أجابوا وجب الكف عنهم، وهذا إن كانوا بمحل يؤمن على المسلمين منهم. وظاهره: سواء بلغتهم الدعوة أم لا،
стр. 1557
قربت دارهم أم لا، شك في إجابتهم أم لا، كانوا قبطًا أو غيرهم، وهو كذلك، والجار والمجرور يحتمل أن يتعلق بدعوا أو بالجزية أو لهما.
تذييل: قال الفاكهاني: لا تقبل منهم الجزية إلا أن ينتقلوا لبلد تنالهم فيه أيدينا، وتجرى عليهم فيه أحكامنا.
تنبيه: أتى المصنف بثم لينبه على مخالفة ظاهر قول ابن الحاجب: (يدعوا إلى الإِسلام أو الجزية) فإن ظاهره: التخيير، وإلا بأن لم يجيبوا للجزية وكانوا بمحل خوف قوتلوا، وفي الثاني بغير دعوة، وقتلوا بالبناء للمفعول، ثم استثني سبعة لا يقتلون بقوله: إلا المرأة فلا تقتل إلا في حال مقاتلتها فتقتل، فإن أسرت لم تقتل، ولو قتلته حال قتالها.
فرع: لو أسرت ومعها ولد رضيع ولم يقدر إلا على حمل أحدهما وفي ذلك هلاك للصبي فقال سحنون: يتركان. وإلا الصبي المطيق للقتال فلا يقتل، وأما إن لم يطق لطفولته فقال سحنون: ليس قتالهم قتالًا بل ولع.
تتمة: لو شك بلوغه قال ابن شاس: كشف عن مئزره، واعتبر منابت شعر عانته. وإلا المعتوه، أي: الضعيف العقل، كشيخ فانٍ لا بقية فيه ولا رأي ولا تدبير وزمن وأعمى عطف خاص على عام؛ لقول سحنون: من الزمنى الأعمى والمقعد والأشل الذين لا رأي لهم ولا تدبير ولا نكاية فيهم: والأجذم الذي أقعده الجذام، والمفلوج الذي لا حراك له، وراهب منعزل بدير أو صومعة كذا في المدونة، ولا خصوصية لذلك بل كذلك من وجد في دار أو غار، قاله ابن سحنون، وإذا لم يقتل الراهب فالراهبة أولى، وظاهره: كالمدونة جواز قتل رهبان الكنائس وسباهم، وهو كذلك، وترك قتلهم لا لتدينهم ولا لتبتلهم، بل هم أبعد عن اللَّه من غيرهم، وإنما هو لاعتزالهم أهل دينهم عن محاربة المؤمنين بلا رأي وتدبير، قيد فيما بعد الكاف، وفهم من استثنائه لمن ذكر جواز قتل العسيف، وهو الأجير والزراع والحراث والفلاح وأهل الصنائع، وهو كذلك. وقيل: لا يقتلون بل يؤسرون. وترك لهم أي: للرهبان الذين لا يقتلون الكفاية فقط على الأشهر عند ابن الحاجب: لأكل أموالهم على المشهور عنده.
стр. 1558
تنبيه: ما قررنا به كلامه من أن الذين تدفع لهم الكفاية هو الراهب فقط صرح به الشارح في الصغير، وجوز فيه عوده للسبعة الذين لا يقتلون، واقتصر على الثاني في الأوسط والكبير، واستدل له بقول المدونة: ولا تقتل النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير ولا الرهبان في الصوامع والديار، ويترك لهم ما يعيشون به. انتهى.
وما فيها يحتمل عوده للجميع أو للأخير فقط. واستغفر قاتلهم، أي: الذين لا يقتلون قبل أن يصيروا غنيمة، وإنما استغفر لقدومه على ما لا يجوز، كمن لم تبلغه دعوة فليس على قاتله غير الاستغفار، ولا دية ولا كفارة، وإن حيزوا للغنيمة فقتلوا فقيمتهم على قاتلهم يجعلها الإمام في المغنم، والراهب والراهبة حران لا يؤسران ولا يسترقان عند مالك. وقال سحنون: تسترق الراهبة. وظاهر كلام المؤلف: ولو ترهب ببلد الإِسلام، وذهب لبلاد الحرب، وهو كذلك يستصحب له ذلك الحكم حتى يثبت خلافه، ويقاتلون بقطع ماء عنهم وبإرسالهم عليهم، ولو قال: بماء ليشملهما لكان أحسن.
وآلة كسيف ورمح ونبل وغيرها من الآلات، وظاهره: ولو كان فيهم النساء والصبيان، وهو كذلك، ولو خيف على الذرية. ويقاتلون بنار إن لم يمكن غيرها وخيف منهم قال المصنف اتفاقًا وأما إن لم يخف منهم وقدرنا عليهم لها وبغيرها لم يجبر قتالهم بها عند ابن القاسم وسحنون، ولمالك: يقاتلون بها ولم يكن فيهم مسلم فإن كان لم يجز أن يحرقوا بها. ابن يونس: اتفاقًا ثم بالغ على المفهوم، وهو عدم رميهم بها إذا أمكن غيرها، أو كان فيهم مسلم بقوله: وإن بسفن وبهذا يندفع اعتراض الشارح على المبالغة مع حكاية ابن رشد وابن زرقون جواز رميهم بها في السفن، وإن كان معهم النساء والصبيان؛ لأنهم إن لم يرموا بها رمونا بها. وقوتلوا بالحصن، أي: فيه بغير تحريق بالنار وتغريق بالماء، بل بما عداهما من قطع الماء عنهم ومنجنيق وقيل: وغيرها حال كونهم مع ذرية، والفرق عمومها من بالحصن دون غيرهما وإن تترسوا بذرية لهم أو نساء أي جعلوهم بين أيديهم كالترس تركوا إلا لخوف منهم على المسلمين فيقاتلون،
стр. 1559
وإن تترسوا بهم، وإن تترسوا بمسلم رميناهم ولم يُقْصَد الترس بالرمي إن لم على أكثر المسلمين، فإن خيف وجب الدفع، وسقط مراعاة الترس.
وظاهر كلامه: الإطلاق، والذي في الجواهر: إذا تترسوا، بهم، وإن تترسوا في الصف وأشعر قوله وبمسلم بأنهم لو تترسوا بماله لم يتركوا، فانظره، وهل يضمن قيمته أم لا؟
وقوله: أكثر المسلمين مفهومه لم يتركوا فانظره. وهل يضمن قيمته لو خيف على نصفهم لم تسقط مراعاة الترس وحرم نبل سم كرمح مخافة أن يرمونا به ثانيًا وتعبير مالك بالكراهة محمول على المنبع وحرم استعانة بمشرك في القتال على المشهور إلا الاستعانة به لخدمة يستعمل فيها فلا يحرم كنوتي أو رمي بمنجنيق أو هدم حصن وربما أشعر إتيانه بالسنين المقتضية للطلب بأن المشرك لو خرج من تلقاء نفسه لم يمنع وهو ظاهر ما في سماع سحنون وقد قال ﷺ ليهودي تبعه: "ارجع فإنا لا نستعين بمشرك" وحرم إرسال مصحف لهم خشية إهانته وربما ثالثه نجاسة لعدم توقيها لها وظاهره ولو أرسل الطاغية يطلبه لتدبر ما فيه وهو كان لك حكاه ابن يونس عن ابن الماجشون وحرم سفر به لأرضهم ولو مع جيش آمن لخبر الموطأ وغيره "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يسافر بالقرآن لأرض العدو مخافة أن ينالو" (١) ثم شبه لإفادة الحكم فقال كمرأة يحرم السفر بها لأرضهم إلا في جيش آمن بالمد أو على أنه مبني للمفعول فيجوز السفر بها لأرضهم إلا في جيش آمن والفرق بينهما وبين المصحف حينئذ أنها تنبه على نفسها إن تركت بخلاف المصحف حينئذ وفرار من العدو إن بلغ المسلمون النصف من العدو كمائة من مائتين ولو فر الإمام وهو من الكبائر فلا تجوز شهادة الغار إلا أن تظهر توبته ابن عرفة وإنما تظهر ثبوته إذا فر الناس في زحف آخر وحرمة فرار النصف مقيدة بما إذا لم يبلغوا اثني عشر ألفًا فإن بلغوها أحرم الفرار إلا أن تظهر ولو كانوا أقل من النصف فلو نقصوا عنه جاز الفرار إلا أن يكون الفرار تحرفًا بأن يظهر من نفسه الانهزام
стр. 1560
وليس قصده، بل حتى يتبعه العدو، فيرجع عليه ليقتله، وهو من مكايد الحرب، يقال: انحرف عنه وتحرف وأحرورف، أي: مال وعدل وإلا تحيزًا بأن يرجع إلى فئة يستنجد بها أو إلى أمير الجيش بشرط القرب إن خيف خوفًا بينًا وهذا الشرط يحتمل عوده للتحرف والتحيز معًا وعليه قرر البساطي، ويحتمل للثاني فقط وهو ظاهر كلام الشارح.
وحرم المثلة: وهو أن يمثل بالعدو عند الظفر به، ولا يغيث به ولا يقطع وسطه بالسيف ولكن يضرب عنقه وأبي ﷺ أن يمثل بيحيى بن أخطب وأما قبل الظفر فيقتله، أي قتل أمكن وحرم حمل رأس منهم لبلد يعلق به أو إلى وال لأنه من فعل فارس والروم ولا يتأنى بهم وحرم خيانة أسير ومن طائعًا إن لم يكن ائتمانه على نفسه بأن كان على مال بل ولو على نفسه قاله سحنون.
ومفهومه: أنه إذا لم يؤتمن أو ائتمن مكرهًا جازت خيانته وبه صرح في توضيحه وحرم الغلول اتفاقًا بل إجماعًا عند الأكثر ابن عرفة هو عرفًا أخذ ما لم يبح الانتفاع به من الغنيمة قبل حوزها فهو أخص معه لغة واختلف هل هو لغة القصور على الخيانة من الغنيمة أو عام في كل خيانة قولان لأبي عبيدة والأكثر وأدب الفال إن ظهر عليه ولا يحرق رجله ولا يمنع سهمه من الغنيمة ويرد ما أخان وإن مات صلي عليه غير الإمام ومفهوم الشرط عدم أدبه إن جاء تائبًا لسقوطه بالتوبة وظاهره تاب قبل قسم الغنيمة ورد ما أخذ أو بعد ولو بعد تفرق الجيش وجاز لمجاهد أخذ محتاج إليه من المغنم نعلًا وحزامًا ظاهره له أو لدابته وهو واضح وتخصيص البساطي له بقوله يشد به وسطه غير ظاهر وابرة وطعامًا وإن بعد حوزه بغير إذن الإمام ظاهر أو خفية وإن كان المحتاج إليه نعمًا إبلًا وبقرًا وغنمًا بغير ذكاة ولو لأضحيته قال ابن القاسم واللَّه أعلم.
تنبيه: بالغ ليبين أنه لا فرق في المأكول بين ما لا يحتاج في أكله لواسطة كعسل وزيت وزبيب وما يحتاج لواسطة كالنعم وظاهره إن مطلق الحاجة كاف ولا يتوقف على الضرورة المبيحة للميتة العوفي وهو ظاهر كلام اللخمي وعلفا بفتح اللام لدوابه كثوب احتاج للبسة وغرارة لطعامه أو
стр. 1561
حمل متاعه وسلاح يقاتل به ودابة لركوبه حال القتال أو في رجوعه لبلده وقيد جواز ما بعد الكاف بقوله ليرد عند الاستغناء عنه أنه لا يجوز أخذه بنية التملك بخلاف ما قبله لأن الانتفاع بهذه مع بقاء عينها وتلك مع ذهابها ورد الفضل من طعام وعلف وغيرهما إن كثر لقصر الإباحة على قدر الحاجة.
ومفهوم الشرط عدم رد اليسير؛ لأنه في حكم ما دعت الحاجة إليه فيجوز أكله واختلف هل هو كالدانق وما ثمنه كالدرهم قولان لمالك وابن القاسم وإن تعذر رد ما كثر كثوب وما بعده والفضل الكثير من الطعام والعلف لسفر الإمام أو تفريق الجيش تصدق به كله على المشهور وبما قررناه يندفع قول البساطي إن الذي يباع ويتصدق بثمنه هو الطعام ولم يتعرض لفضل الثوب وما معه ومضت مبادلة بينهم فيما بأيديهم ملح وعسل وسمن ولحم ولو بتفاضل في النوع إلا واحد لأنهم لم يروا المبادلة بيعًا وإنما المقصود بها الانتفاع بالعوض الآخر وفي قوله مضت إشعار بعدم الجواز ابتداء وهو كذلك فقد كره بعضهم التفاضل في النوعين ومنعه ابن العربي وفي قوله بينهم إشعار بعدم الجواز مع غيرهم وهو كذلك فعن مالك كراهته في المختلفين ومقتضى المذهب حرمته وكلام المصنف سواء غنموا ذلك جملة لو غنم كل ما بادل به وهو كذلك وجاز ببلدهم إقامة الحد سواء كان للَّه أو ليدمي كزنا وقذف ولو على أسير أو على من أسلم ولا يراعي خوف ارتداده لإقامة الحد وجاز تخريب لقراهم وحصونهم وجاز قطع نخل وأشجار بأرضهم مثمرة أو غيرها وحرق لشجر وبناء وغيره ولذا أطلق بغير ضمير إن كان بغيرهم سواء رجي للمسلمين أو لم ترج لهم وإن لم ترج جاز مطلقًا كان فيه نكاية أو لا لما فيه من التضييق عليهم.
أنكر عند ابن رشد أنه، أي: التخريب والقطع والتحريق مندوب إليه إن لم يرج لنكايتهم كعكسه وهو الإبقاء إن رجى للمسلمين عند ابن رشد أيضًا وجاز وطء أسير زوجة أو أمة له سبيتا معه وسلمتا من وطء الكافر؛ لأن السبي لا يهدم النكاح ولا يبطل الملك إذا أمن وطء الكافر، كما هنا.
стр. 1562
تنكيت: قول البساطي لا يفهم من كلامه هذا القيد غير ظاهر ولعل الوقع في نسخته سبيتا بدل سلمتا كما هو في بعض النسخ وجاز ذبح حيوان عجز عن الانتفاع به وإتلافه وعرقبته، أي: قطع عرقوبه وأجهز عليه خوف موته جوعًا وعطشًا وفي جواز إتلاف النحل بالحاء المهملة إن كثرت ولم يقصد عسلها رواه ابن حبيب وكراهته روايتان حكاهما الباجي وقيد الكثرة للمازري للنكاية بخلاف اليسيرة إلا أن يقصد عسلها فيتلف، وأومأ الشارح للتعقب على المؤلف في الرواية الثانية بقوله وظاهر ما هنا إن الخلاف في الجواز وعدمه، أي: الحرمة المقابلة له يعني وليس كذلك وحرق الحيوان بعد إتلافه إن أكلوا الميتة استحلالًا كي لا ينتفعوا به. قال الباجي وابن بشير وغيرهما وإلا لم تحرق كمتاع أو لمسلم قدر عليه لكن عجز عن حمله أو عن حمل بعضه فيتلف حتى لا ينتفعوا به.
وجاز جعل الديوان بفتح الدال بأن يجعل الإمام ديوانًا لطائفة يجمعها وتناط بهم أحكامه وقرره الشارح بأن الشخص يجوز له أن يكتب نفسه في الديوان واستدل بقول المدونة وما كان من جعل ديوان مصر والشام والمدينة مثل دواوين العرب فلا بأس به قال أبو الحسن الصغير معناه لا بأس أن يكتب نفسه في الديوان إذا كان حلالًا. انتهى.
وجوز البساطي ضم الجيم، أي: يجعل لمن باشر الديوان ويخرج منه ما يحتاج إليه الإمام ويضبط عددهم لتقع القسمة على ذلك جعلا يعطاه من المغنم والديوان قال ابن عرفة لقب لرسم جميع أسماء أنواع المعدين لقتال العدو وبعطاء. انتهى.
قال في الذّخيرة: أول من دون الدواوين عمر ﵁، وجاز جُعل بضم الجيم من قاعد لمن يخرج عنه للغزو إن كانا بديوان واحد مضى الناس على ذلك لأن عليهم سد الثغور وربما خرج العطاء وربما لم يخرج ومثله في المدونة وظاهر كلام المؤلف سواء كان الجعل هو عطاء من يخرج عنه من الديوان أو قدر معين غيره وظاهره أذن الإمام أو لا غير الجاعل باسمه وصفته أو لا وهو ظاهر المدونة وقوله بديوان يشمل ما لو كانا من بعثين شتاء وصيفا ومفهوم الشرط المنع إن كانا بديوان.
стр. 1563
تكميل: سكت المصنف عن السهم لمن هو المعطي سهم الخارج بجعالة من ديوان واحد للجاعل لا للخارج به أفتى شيوخنا من بعض القرويين ولابن عرفة هنا كلام انظره في الكبير. وجاز رفع صوت مرابط وحارس بحر بالتكبير ليلًا ونهارًا للإرهاب ابن حبيب يكره أن يلي التكبير والتهليل واحد ويجيب الباقون وليكبر كل واحد لنفسه على نيته ورغبته وإن رفع به صوته ولا بأس أن يكبر واحد وينصت الباقون.
وكره التطريب، أي: التغني بالتكبير. وجاز قتل عين على المسلمين وهو الجاسوس إن لم يؤمن بل وإن أمن، أي: دخل بلادنا بأمان لأنه كونه عينًا لا يتضمنه الأمان ولا يستلزمه بل لا يجوز أن يؤمن وكذا يقتل ذمي عند ما يتبين أنه عين المسلم العين كالزنديق، إن ظهر عليه قتل، وإن جاء تائبًا قبل عند ابن القاسم وجاز قبول الإمام هديتهم، أي: أهل الحرب فقد قبل رسول اللَّه ﷺ هدية إلى سفيان ودحيا ورد هدية عياض المجاشعي. وهي له، أي: يختص بها الإمام إن كانت من بعض من الحربيين لكقرابة بينه وبين المهدي ودخل بالكاف ما كان لمكافأة يرجوها أو ما دل على أنه لخاصة وإلا ففي لبيت المال وهي في لا تخمس إن كانت من الطاغية للإمام إذا كان أخذه وهو في مقامه إن لم يدخل الإمام بجيشه بلده، أي: العدو.
تنبيه: اختلف الشارحان في معنى مفهوم الشرط فحمله الشارح على معنى أنه إن دخل بلد الطاغية فالهدية غنيمة تخمس والبساطي لا يجوز الأخذ لأنه توهين ورشوة. وجاز قتال روم وهم من ولد الروم بن عيض وترك وهم جيل من الناس لا كتاب لكل منهما، فيقاتلون على كل حال لقوتهم، وأما نحو القبط والحبشة من الضعفاء فيقاتلون في بعض الوجوه دون بعض.
تنكيت: بما قررناه يندفع قول الشارح (مفهومه أن قتال غيرهم من الحبشة والقبط لا يجوز والمشهور جوازه) وجاز احتجاج عليهم بقرآن عليهم عند أمن السب وبعث كتاب إليهم فيه كالآية ونحوها وجاز إقدام الرجل الواحد على جمع كثير من العدو إن لم يكن إقدامه عليهم ليظهر شجاعة بل
стр. 1564
تقربًا للَّه تعالى إن علم من نفسه تأثيره فيهم على الأظهر عند ابن رشد ومفهومه عدم الجواز لمن ضعف أن يحمل وحده على كثيبة قاله ابن حبيب. وجاز لمغلوب ترجح عنده العطب انتقال من سبب موت أو من صفة موت لآخر عند استوائهما كحرق العدو سفينة للمسلمين وهو بها إن استمر بها هلك وإن طرح نفسه في البحر هلك على المشهور وإن صبر فهو أكرم ووجب الانتقال إن رجى حياة مستمرة أو طولها قاله ابن بشير لأن حفظ الحياة واجب ما أمكن وعبارة المتقدمين له ذلك وظاهره ولو كان طول الحياة مع موت أشد وأصعب من الموت المعجل.
تتمة: أقام الشيخ أبو الحسن من هنا ما في سماع عبد الملك قطع كف من أكلت الأكلة بعض كفه خوف أكل جميعه ما لم يخف الموت من قطعه ثم شبه في الوجوب قوله كالنظر من الإمام باجتهاده في حال الأسرى بقتل صبرًا أو من بأن يتركوا أو فداء بمال أو أسير عندهم أو جزية يضربها عليهم أو استرقاق فالنظر واجب في الجملة والتخيير بين القتل وعدمه ثم عدمه مخير فيه أيضًا بين الأمور الباقية كل ذلك بالمصلحة فالتخيير في الجملة والوجوب في الأنواع لا ينافيه.
تنبيه: ظاهر كلامه جواز استرقاق جميع كفار العرب وهو كذلك على المشهور ولابن وهب سبع قبائل لا يجوز استرقاقهم قريش والأنصار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار والاسترقاق لا يمنعه في المرأة حمل فيها بمسلم كأن تزوجها مسلم ببلد الحرب ثم سبيت فولدها حر لا يرق ورق وصار سبيا إن حملت به يكفر لأبيه ثم سبيت بعد إسلام أبيه وجب الوفاء بما، أي: بالشرط الذي فتح لنا به، أي: بسببه بعضهم كقوله أفتح لكم على أن تؤمنوني على فلان رأس الحصين فرضوا وفتح فالرأس مع الفاتح، وكذا على فلان، وكما لو قال: (أنا آمن على فلان) كما لو قلنا له أمناك على أهلك كان هو أمنا وجب الوفاء بأمان الإمام مطلقًا في بلد الإمام المؤمن وبلد غيره من الأئمة من سائر المسلمين كملك مصر وملك الروم فلا يزول أمانه باتفاق أو على المذهب كما قال المازري أو غيره أو بخلاف وعبر عنه ابن يونس بالمشهور.
стр. 1565
تنبيه ان: الأول: فسر الشارح الإطلاق بذلك وتبعه البساطي وفسره الأقفهسي بما إذا أمنه على مال أو غيره. انتهى. ويحتمل سواء أمنه مطلقًا ببلده أو غيره أو مقيدًا بزمن، أو مكان أو صفة كما في التوضيح عن ابن بشير.
الثاني: إنما ذكر ذلك ابن بشير في أمير الجيش كما قال ابن الحاجب لكن قال المصنف إذا جاز ذلك لأمير الجيش فأمير المؤمنين أولى كالمبارز لقرن يجب عليه الوفاء بالشرط لما برز عليه مع قرنه ظاهره مطلقًا خيف عليه الضعف والغلبة أو لا خلافًا فابن المواز في قوله لا بأس بإعانته البساطي لو سقط المسلم وأراد الإجهاز عليه منعه المسلمون من ذلك على الصحيح وإن أعين الكافر المبارز بإذنه لواحد أو جماعة قتل الكافر معه، أي: من استعان به ومفهومه أن أعين بغير إذنه لإنه لم يقتل وهو كذلك وقاله في الجواهر ولمن خرج في جماعة مبارزة لمثلها وعند القتال انفرد كل لقرن إذا فرغ من قتل قرنه الإعانة لغيره نظر إلى أن جماعة خرجت لجماعة وأصلها قضية علي وحمزة وعبيدة يوم بدر بارزوا الوليد بن عقبة وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة فقتل الأول الأول والثاني الثاني والثالث وهو عبيدة ضربه شيبة قطع رجله فكر عليه علي وحمزة فاستنفذاه منه.
وأجبروا، أي: أهل الحصين أو المدينة أو من قدم بتجارة ونحوها إذا نزلوا بأمان على اتباع حكم من نزلوا على حكمه إن كان عدلًا وعرف المصلحة للمسلمين فيما فعل معهم وإلا بأن انتفت العدالة والمصلحة أو أحدهما نظر الإمام في حكمه فإن رأه مصلحة ونظر أمضاه، وإلا رده وتولى هو الحكم بما يراه نظرًا كتأمين غيره، أي: الإمام من أحاد الناس إقليمًا فإن الإمام ينظر في إمضائه وعدمه لأن آحاد الناس ليس له تأمين إقليم، وإنما ذلك للإمام فقط قاله غير واحد.
تنبيه: في إمضاء الإمام ذلك ورده في المسألتين دليل على صحة الحكم في الأولى والآمان في الثانية وإلا بأن لم يكن الأمان لأهل إقليم بل لعدد محصور أو واحد فهل يجوز ذلك ابتداء وعليه الأكثر الباجي
стр. 1566
وعبد الوهاب وغيرهما وهو ظاهر المدونة أو لا يجوز ولكن يمضي إن وقع واختلف هل هو خلاف لظاهرها أو وفاق، فيحمل قولها (يجوز) على (يمضي) وهما التأويلان الآتيان، وإذا قلنا بجواز جائزًا أو ماض فإنما يكون من مؤمن مميز فلا يؤمن مجنون ولا صغير غير مميز ثم بالغ على مواضع فيها خلاف بقوله ولو صغيرًا أو امرأة أو رقًا كما تقدم عن المدونة وهو الأشهر عند ابن الحاجب خلافًا لعبد الملك في الثلاثة أو كان المؤمن خارجًا على الإمام وأمن حربيًا للقتال معه فظهرنا على الجميع بقتال أو غيره فلا تعرض للحربي لأنه انعقد له أمان إلا إن كان المؤمن ذميًا فلا يجوز أماه على الأشهر عند ابن الحاجب وعبر عنه المازري بالمشهور والباجي بالظاهر من المذهب وابن عبد السلام بالتصحيح أو أمنهم خائفًا منهم أسيرًا أو غيره لأنه إنما راعى مصلحة نفسه لا مصلحة المسلمين تأويلان فيما قبل أو خارجًا ولذا قال الشارحان كان الأحسن تقديمه هناك وسقط القتل عمن دخل تحت الأمان بالنسبة لأمان الإمام مطلقًا وبالنسبة للمؤمن اتفاقًا ولغيره عند ابن القاسم ويخير الإمام عند سحنون بين الإمضاء والقتل.
تنبيه: إنما اقتصر على سقوط القتل لأن الاسترقاق لا يسقط قاله ابن القاسم لصيرورته مملوكا ثم بالغ على مضي التأمين بقوله ولو كان بعد الفتح على المشهور وظاهر كلامه قبول قوله بعد الفتح إنه أمنه قبله لأن الأصل الصدق وهو قول ابن القاسم ويعتبر التأمين بلفظ أو إشارة مفهمة الباجي يثبت بكل لسان عبر عنه ولو لم يفهمه المؤمن وحكم الإشارة حكم العبارة وفي هذا مخالفة لقول المؤلف مفهمة قال الشارح في الصغير عن الباجي التأمين معنى في النفس فكلما بين به فهو كالكلام. انتهى. إن لم يضر التأمين بالمسلمين كإشرافهم على فتح حصن وتيقن أخذه فيؤمنهم مسلم فإن الإمام يخير في رده قاله سحنون.
تنكيت: عدم الضرر صادق بأمرين حصول المصلحة واستواء حالها وعدم الضرر ونحوه قول الجوهري لا تشترط المصلحة بل يكفي عدم الضرر فقول البساطي ما لم يضر مستغنى عنه لأن معناه ما لم يعد الأمان بضرر على المسلمين فإنه والحالة هذه ليس بمصلحة وإنما يلزم الأمان إذا كانت
стр. 1567
فيه مصلحة غير مسلم فتأمله وإن ظنه، أي: الأمان حربي فجاء إلينا معتمدًا على ظنه أو نهي الإمام الناس عنه، أي: عن التأمين فعصوا نهيه وأمنوا أو نسوا نهيه أو جهلوا بأن لم يتعلموا نهيه أو أمن من جهل الحربي إسلامه، أي: ظن أنه مسلم فتبين أنه ذمي قال بعض تلامذة المصنف أنه كتب بخطه على حاشية أصله قولي أو جهل إسلامه وهو مما اختلف فيه قول ابن القاسم فمرة قال هو فيء ومرة يرد لمأمنه محمد وهو أحب إليّ وقاله ابن ابن حبيب وغيره ولذا اقتصر عليه هنا لا إن علم أنه ذمي وجهل إمضاؤه، أي: اعتقد أن أمانه ماضٍ أمضى الأمان أو رد المؤمن لمحله الذي كان به وقت التأمين في المسائل كلها ولا يقتل ولا يسترق.
تنبيه: قوله لمحله أحسن من قول ابن الحاجب لمأمنه لصدقه على ما إذا كان قبل التأمين بمحل خوف فإنه لا يرد لحيث يأمن بل لمحله وقت التأمين وهذا هو المنقول وإن أخذ كافر حربي حال كونه مقبلًا، أي: عليه آثار الإقبال علينا بأرضهم متعلق بأخذ وقال جئت أطلب الأمان أو أخذ بأرضنا وقال: ظننت أنكم لا تعرضون لتاجر وإنه لا يحتاج لآمان أو أخذ بينهما، أي: انفصل من أرضه ولم يدخل أرضنا قال البساطي ولم يتعرض المصنف لما ادعى وظاهر كلامهم إن دعواه كالأول رد لمأمنه في المسائل الثلاثة والأولى لمالك في المدونة لمنه قال إنه أمر مشكل وجزم المصنف برده لمأمنه في الثانية والذي لابن القاسم تصديقه أو رده لمأمنه وإن دخل إلى ساحل المسلمين فادعى أمرًا وقامت قرينة تدل على كذبه كمن كسرت مركبه ومعه سلاح فادعى أنه تاجر وقال: جئت رسولًا ومعه مكاتبة أو لفداء ومعه من يفديه عمل عليها فيرى الإمام رأيه في الأول ويصدق في الثاني وإن رد المؤمن بعد خروجه من عندنا بريح ولو بعد بلوغه لمحله فعلى أمانه الأول حتى يصل لبلده ردته الريح غلبة أو اختيارًا وإن مات عندنا من دخل بأمان فله أحوال أشار لأحدها بقوله فماله فيء لبيت المال إن لم يكن معه وارث وكذا إن لم يدخل إلينا على التجهيز لحاجة يقضيها ويرجع بل دخل على الإقامة عندنا وسيأتي مفهوم هذين الشرطين وإن لم يمت عندنا بل خرج من الأمان وحارب المسلمين وقتل فماله لقاتله إن أسر ثم قتل عند
стр. 1568
ابن القاسم وأصبغ لأن قاتله ملك رقبته بأسره قبله قتله وهذه حالة أخرى ثم صرح بمفاهيم ما سبق وهي حالة أخرى وأشار لذلك بقوله وإلا، أي: وإن لم تكن واحدة من الصور الثلاث السابقة بل كان معه وارث أو دخل عل التجهيز أو قتل في معركة بغير أسر أرسل ماله مع ديته لوارثه إن لم يكن معه ولا حق للمسلمين في المسائل الثلاث. وقول البساطي وألا يدخل فيه ثلاث صور وذكر صورتين الأولتين وقال في الثالثة أن يقتل في المعركة وقال ثم لما كان في الأخيرة خلاف ولم يترجح عنده فيه شيء ذكر القولين غير ظاهر في الثالثة لأن القولين فيهما إنما حكاهما المصنف في توضيحه في وديعته إذا قتل في غير المعركة وكذا الشارح في الأوسط والصغير وكذا الأقفهسي ولذا شبهها المصنف بما يرسل لوارثه فقال كوديعته، أي: المتروكة عندنا فإنها ترسل لوارثه إن مات وإلا فهي له وأما مسألة الخلاف فليست كما قال البساطي بل هو في وديعته وأشار المؤلف للخلاف فيها بقوله وهل ترسل وديعته لوارثه إن مات وإن قتل في معركة، أي: في محاربته من غير أن يرسل كما يرسل له ماله إذا قتل في غير معركة أو هي فيء للمسلمين لا خمس فيها لأنها لم يرجف عليها قولان حكي الأول في توضيحه لابن القاسم وأصبغ عن الموازية والثاني لابن حبيب واللَّه أعلم.
وإذا قدم الحربي إلينا بأمان ومعه سلع للمسلمين كره لغير المالك اشتراء سلعة لما فيه من تفويتها على ربها وهو قول ابن القاسم ولا يكره ذلك للمالك وسلعة يحتمل أنها بالهاء جمع سلعة ويحتمل أنه بالتاء مفردة وفاتت على المشهور مالكها به، أي: البيع وفاتت أيضًا بهبتهم لها لغير ربها على المشهور وهو قول ابن القاسم ولا فرق بين بيعها من مسلم أو ذمي لأن الأمان يحقق الملك وانتزاع من المستأمن ما سرق من بلد الإسلام لمسلم أو ذمي زمن المعاهدة وخرج به ثم عيد به لبلد الإِسلام بأمان على الأظهر عند ابن رشد لاختياره من الخلاف، سواء كان العائد به سارقه أم غيره، ولذا بنى (عيد) للمجهول، لكن إن عاد به سارقه قطع على مذهب المدونة خلافًا لأشهب ولا يختلف في قتله إن قتل، لا أحرار مسلمون قدموا بهم، فلا ينتزعوا منهم ذكورًا كانوا أو إناثًا ولا يمنعون من وطء، إلا
стр. 1569
ما عند ابن القاسم، وقال جميع أصحاب مالك يجبرون على بيعهم بالثمن؛ إذ لا مضرة عليهم، وملك المستأمن بإسلامه غير الحر المسلم؛ لأن إسلامه يحقق ملكه لما بيده من مال ورقيق اتفاقًا تأليفًا لهم على الإِسلام، وكذا يحقق ملكه لذمي على الأصح؛ لأن الذمة حق لهم علينا لا على أهل الحرب، وأما الحر المسلم فلا يسترق.
تنبيه: قال بعضهم: إنما لم يقل المصنف غيرهم مع تقدم ذكر الأحرار المسلمين لئلَّا يتوهم أنه لا يملكها إلا إذا قدم بهم لعود الضمير على موصوف مخصص بصفة القدوم وفديت أم الولد وجوبًا على سيدها بقيمتها، إن كان مليئًا، وإلا اتبع بها القوة شبهها بالحرة وعتق المدبر كله من ثلث سيده إذا مات سيده، إن حمله، وإلا عتق منه فحمل الثلث، ورق باقيه للمستأمن، وإن لم يترك غيره ولا دين عتق ثلثه، وإن كان دين يستغرقه رق كله للمستأمن، وعتق على المستأمن الذي أسلم معتق لأجل بعده، أي: بعد الأجل كما لو كان بيد سيده، ولا يتبعون، أي: المدبر والمعتق لأجل بشيء، أي: لا يتبعهم المستأمن لأنه لم يملك منهم غير الخدمة كالمالك المحقق، ليس له غيرها، وجمع المدبر والمعتق لأجل باعتبار حبسهما، ولا خيار للوارث بالنسبة للمدبر بموت سيده، وعليه دين يستغرق جميع ماله في أخذه ودفع قيمته للمستأمن أو إسلامه له بل يسترقه المستأمن؛ لأن مورث المدبر لم يكن قادرًا على انتزاعه فأحرى وارثه، وحد زان بأمة من المغنم وكذا سارق منها نصابًا يقطع؛ وإن حيز المغنم عنه، وإلا فلا عند ابن القاسم، وسواء قل الجيش أو كثر ووقفت الأرض المفتوح بلدها عنوة لتكون في أعطيات المقاتلة وأرزاق لمسلمين ومنافعهم.
ويحتمل قوله: وقفت أن الإمام يوقفها ويحتمل أنها صارت وقفا بمجرد الاستيلاء كمصر والشام والعراق على المشهور، يحتمل التمثيل بما ذكر التخصيص بوقف القريبة وهو الذي حمل عليه كلام ابن الحاجب، وعليه فيكون ساكتا عن الحكم على غيرها ويحتمل وقفها قريبة كانت أو بعيدة وهو قول مالك في المستخرجة كل أرض افتتحت عنوة فالشأن فيها أن تترك كما فعل عمر وخمس غيرها، أي: غير الأرض من سائر الأموال من
стр. 1570
عين وغرض ودواب وحبوب بأن تقسم أخماسًا خمس لبيت المال لقول اللَّه تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ والأربعة للمجاهدين إن أوجف، أي: قوتل عليه وهو المسمى غنيمة قاله محمد.
ومفهوم الشرط أن ما لا محمد يوجف عليه لا يخمس وهو المسمى فيا وأما الأرض فخراجها إن أقرت بأيدي المسلمين أو بأيدي أهلها لعمارتها وسوقوا على سوادها باجتهاد والإمام وكذا الخمس من غنيمة أو ركاز والجزية ويعرب الإمام في ذلك لآله ﵊ من غنيمة أو ركاز والجزية بالاجتهاد كما فعل عمر ﵁ ابن يونس ويوفر نفيسهم لمنعهم من الزكاة ويبدون بالصرف على غيرهم قال البساطي استحبابًا ثم يليهم الصرف للمصالح كبناء المساجد والغزو وأرزق القضاة وقضاء الديون وزواج أعزاب وإعانة حاج وظاهر كلامه أن الإمام لا يبدي نفقة نفسه وعياله وبه قال ابن عبد الحكم وقال عبد الوهاب يبدأ بغير تقدير ولو أتى على جميع المال وبدئ في قسم الفيء وما هو في حكمه بمن فيهم المال عند مساواة غيرهم في الحاجة حتى يغنوا وما فضل أعطى غيرهم أو وقف لنوائب المسلمين أبو الحسن يزيد عنا سنة وإن لم يتساووا في الحاجة نقل للأحوج منهم الأكثر من المال ونفل الإمام، أي: زادها منه، أي: من الخمس خاصة لا من أصل الغنيمة السلب إذا كان لمصلحة كشجيع أو جاسوس أو حارس وغير ذلك.
وينقل غير السلب من باب أولى فلو أسقط لفظ السلب لكان أولى وأشمل وأخصر ولعله ذكره لأنه أصل القضية ففي الموطأ بعث رسول اللَّه ﷺ سرية قبل نجد فغنموا إبلًا كثيرة فبلغت سهامهم اثني عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا ونفلوا بغير البعير أو مفهوم قوله: لمصلحة أن الإمام لا ينفل لغيرها إذا استوى حالهم لا من خمس ولا من غيرهم ولم يجز للإمام إن لم ينقض القتال بأن كان قائمًا أو لم يقم أن يقول للمجاهدين: "من قتل قتيلًا فله السلب" ابن القاسم لئلا تفسد النياب.
تنبيه: عدل المصنف عن جرم الأخضر مع التصريح بالمقصود لما قال الصادق به وبالكراهة فيه إجمال ومفهوم الشرط جوازه إن انقضى القتال وهو
стр. 1571
كذلك ومضى غير الجائز إن لم يبطله الإمام قبل المغنم لأنه حكم مختلف فيه فإن أبطله اعتبر فيما بعد الإبطال لا قبله وللمسلم فقط لا لذمي إلا أن يمضيه الإمام له سلب اعتيد وجوده مع المقتول حال الحرب كفراسه الراكب له أو الممسوك معه للقتال وسرجه ولجامه ودرعه وبيضته وسيفه ورمحه وقوسه وسهامه ومما هي فيه ونحوه لا سوار بيديه وصليب معه وعين ذهب أو فضة ودابة مجنونة أو منفلتة عنه أو بغل أو حمار ولا يختص باستحقاق السلب من سمع فقط بل يستحقه من سمع وإن لم يسمع أو تعدد مقتوله بأن قتل اثنين فأكثر فالأول فله سلبهم إن لم يقل ذلك الإمام لمعين إن قتلت قتيلًا فلك سلبه بأن قال من قتل قتيلًا فله سلبه وإلا بأن قالوا لمعين فقتل اثنين وأكثر فالأول له سلبه فقط إن علم فإن جهل فنصفهما وقيل أقلهما ولو قتلهما المعين معًا فقيل له نصف سلبهما وقيل أكثرهما ولو قال الإمام من قتل قتيلًا فله سلبه لم يكن لكمرأة سلب إذا قتلت قتيلًا إن لم تقاتل لأنها إذا لم تقاتل كأجنبي من الجيش قتل كافرًا قال الشارح في الصغير ويحتمل نفر تقرر بما قال ابن يونس إذا قال الإمام من قتل قتيلًا فله سلبه فليس له سلب من قتل ممن لا يجوز قتله من امرأة أو صبي أو من واهب إلا أن يقابل ها ولا فله سلبهم إلا أن يقاتلوا فله سلبهم حينئذ كالإمام له السلب كغيره في قوله من قتل قتيلًا فهو مشبه بمفهوم كمرأة إن لم تقاتل أو بقوله أو للمسلم فقط سلب أعتيد إن لم يقل، أي: الإمام من قتل منكم فإن قال ذلك فلا سلب له سواء قتل في مبارزة أو غيرها أو إن لم يخص نفسه بقوله إن قتلت قتيلًا فلي سلب فلا شيء له لأنه حابا نفسه وله، أي: القاتل البغلة التي عليها المقتول إن قال الإمام من قتل قتيلًا على بغل فهو له لصدقة البغل على الأنثى وفي بعض النسخ إن قاتل على بغل لم يكن له كذا في النوادر وفي كلام البساطي هنا شيء انظره في الكبير لا إن كانت، أي: الفرس أو البغلة أو غيرها مجنوبة بيد غلامه والمقتولة راجلًا لعدم دخولها في السلب قاله في النوادر ومثله لو وضع المبارز بعض سلاحه بالأرض ثم قاتل فقتله فليس له إلا ما عليه بخلاف ما لو كانت بغلته أو فرسه بيده أو مربوطة بمنطقته فله قاله سحنون.
стр. 1572
ولما قدم مصرف الخمس بين الأربعة الباقية فقال: وقسم الإمام الأربعة الأخماس الباقية على كل من اجتمعت فيه أوصاف أشار لها بقوله لحر مسلم عاقل بالغ حاضر للقتال قاتل أو لم يقاتل قال الشارح وتبعه البساطي استغني عن المذكورة بإتيانه بالأوصاف مذكرة. انتهى.
وقد يقال إنما لم يذكره لأن الحنثى يسهم له قال ابن رشد: ربع قال العضوني: واستشكل. وبيانه إن جعل أنثى فلا شيء له إذ لا يسهم لها في الغزو وإن جعل ذكرًا فله نصف نصيبه قياسًا على الميراث ولا يكون كمال تنازعه اثنان فيقسم بينهما نصفين فيكون له الربع وهو غير بين وقيل له النصف وهو أظهر. انتهى.
ولم يشترط كونه صحيحًا لأن المذهب عدم اعتباره كتاجر وأجير يسهم لهما مع القراءة إن قاتلا أو خرجا بنية غزو فأحد الأمرين كاف في الإسهام وظاهره سواء كانت التجارة أو الإجارة تابعة أو مقصودة لهما على السواء وهو كذلك لا ضدهم كعبد وكافر ومجنون وصبي ثم بالغ على غير الكافر لبيان الخلاف بقوله ولو قاتلوا ثم أخرج من الضدة قوله إلا الصبي المطيق للقتال ففيه إن أجيز من الإمام وقاتل خلاف عدم الإسهام وهو المشهور والإسهام كما في النوادر والرسالة ابن الفاكهاني وهو الظاهر من المذهب ومن لا يسهم له من الضد لا يرضخ لهم على المشهور والرضخ لغة العطاء ليس بالكثير وشرعًا مال وكل تقديره للإمام ومحله الخمس كميت قبل اللقاء لا يسهم له قبل دخوله بلدهم اتفاقًا ولا بعده قبل اللقاء ويدخل في مفهوم قوله قبل اللقاء صورتان بعد القتال وقبله والأولى يسهم له فيها اتفاقًا وفي الثانية عند ابن حبيب ومقابله لمالك وأعمى وأحرج وأشل لا يسهم لهم ولو كانت لهم منفعة. ابن بزيزة وهو المشهور.
ومتخلف ببلد الإِسلام لحاجه أن لم نتعلق بالجيش فلا يسهم له اتفاقًا وإلا أسهم على المشهور وقوله إن لم يتعلق بالجيش، أي: ولو تعلقت بالمسلمين وضال عن الجيش ببلدنا ثم رجع له بعد المغنم لا يسهم له وإن ضل عن الطريق بريح أتت على مركبه ولو كانت مركب الأمير بخلاف ضال
стр. 1573
عن الطريق في بلدهم فيسهم له قال الشارح وإن بريح فجعله محذوفًا من الثاني لدلالة الأول عليه وهذا التفصيل الذي ذكره المصنف هو المشهور وعند ابن شاس وابن الحاجب وابن بشير وفيه كلام انظره في الكبير.
وبخلاف مريض شهد القتال من ابتدائه ولم يزل كذلك حتى انهزم العدو كفرس رهيص، أي: به مرض بحافره من حجر وطئه كالوقرة يسهم له فهو بصفة الأصحاء فهو معطوف على ضال وجوز البساطي عطفه على حر، أي: قسم لمريض وعلى تاجر وعلى الصبي قال وهو ظاهر معنى ضعيف نحرًا وبخلاف مرض حصل المجاهد بعد أن أشرف على القيمة فيسهم له اتفاقًا وإلا بأن خرج من بلد الإِسلام مريضًا واستمر كذلك حتى انقضى القتال أو خرج صحيحًا ثم مرض قبل دخول مرض الحرب أو خرج صحيحًا ومرض بعد دخوله أو خرج صحيحًا وشهد القتال كذلك ثم مرض قبل الإشراف على الغنيمة فقولان في الإسهام وعدمه في كل من هذه الصور الأربع ونص على الخلاف في كل منها ابن بشير ويسهم للفرس مثلا سهم فارسه فله ولفارسه ثلاثة أسهم للخير والعمل وعللوه بكلفة نفسه والفرس وخادمه فله ثلاثة أسهم ولا فرق بين كونه ذكرًا أو أنثى فحلًا أو حصينًا وظاهره ولو كان الفرس لأمير الجيش وهو كذلك وقال أشهب وإن كان الفرس بسفينة لقى العد وأهلها فقاتلوهم فللفرس سهمًا ونحوه في المدونة، أو كان الفرس برذونًا بالمعجمة ابن حبيب عظيمًا الباجي يريد الجافي الخلقة غليظ الأعضاء والعراب أضمر وأرق أعضاء، وقيل: هو الذي أبوه وأمه نبطيان وهجينًا ابن عربي وأمه نبطية وعكسه معرب وإن كان صغيرًا يقدر بها، أي: بكل واحد من الثلاثة على الكر والفر وهما معروفان فيسهم لها حينئذ وظاهره ولو لم يجزها الوالي ونحوه لابن حبيب، وشرط في المدونة إجازة الوالي لها ولم يذكره المؤلف.
تنبيه: هل قول ابن حبيب خلاف لها وهو رأي الباجي والمازري أو وفاق لها حملًا لمطلق ما في الواضحة على مقيد المدونة، وهو رأي التلمساني ويسهم لفرس مريض رُجى لبرئه قاله سحنون.
стр. 1574
تنبيه: في كلامه إجمال لأنه إن أراد به الرهيص كما قال الأقفهسي فقد قدمه ولم يشترط رجاء برئه وإنه أراد غيره فلم يعلم منه وقت مرضه، لكنه كذلك في كلام غيره ويسهم لفرس محبس في سبيل اللَّه سحنون، وسهماه للمقاتل عليه لا لمحبسه ولا في مصالحه يسهم لفرس مغصوب من الغنيمة أو من غير الجيش وسهماه في المسألتين للمقاتل عليه وسهما الفرس المغصوب منه، أي: من الجيش من أحد الغزاة لربه عند ابن القاسم، وقال أشهب وسحنون للغاصب وعليه أجرة مثل الفرس لا فرس أعجف، أي: هزيل لا ينتفع به أو كبير ينتفع به فلا يسهم لواحد منهما وحذف لا ينتفع به من الأول لدلالة الثاني، وخص البساطي قيد عدم الانتفاع بالكبير ولا بغل وبعير وحمار وفرس ثان لا يسهم لواحد من الثلاثة الأول اتفاقًا والفرس الثاني على المشهور.
قال الشارح: بغل وما بعده يصح فيه الرفع عطفًا على كل لامع اسمها وهو قوله: لا أعجف والنصب على لفظ اسم لا والفرس المشترك بين اثنين فأكثر سهماه للمقاتل عليه من الشركاء وإذا كان له سهماه دفع أجر شريكه.
تتمة: لو تداول القتال عليه شريكان فلكل بقدر ما حضر من ذلك وعليه نصف أجرته وإلا اقتسما الجميع وتحمالا والمستند للجيش في خروجه للكفار واحدًا كان أو متعددًا أذن له الوالي في الخروج أو لا إذا غنم شيئًا من أموال الكفار قسم بينه وبين الجيش ولا يختص به، لأنه إنما وصل له بسبب الجيش ووقوته كهو، أي: كالمستند إذا غنم الجيش في غيبته فلا يختص الجيش به وإلا بأن لم يستند للجيش بل خرج غازيًا وحده من بلد الإِسلام فلهما (١) أخذه يختص به كمتلصص أخذ شيئًا من أموالهم فيختص به، وخمس مسلم ما أخذه مما يختص به وغيره ولو كان المسلم عبدًا على الأصح وهو قول ابن القاسم ومقابله لسحنون وشمل المسلم المرأة والصبي وهو كذلك على أحد القولين، لا ذمي فلا يخمس ويختص بما أخذه وكذا من عمل سرجًا أو سهمًا من أهل الجيش فيختص به وله
стр. 1575
سمعه في الغنيمة ونحوه قول المدونة من تحت سرجًا أو يرى سهمًا أو صنع مشجبًا بأرض العدو فهو له ولا يخمس انظر ما يتعلق بهذه المسألة في الكبير.
والشأن القسم للغنيمة ببلدهم، أي: العدو لأنه احفظ للغنيمة مع تمييز نصيب كل ولتطييب نفوسهم وتعجيل مسوتهم والرفق بهم لتفرقهم مع تمييز نصيب كل ولتطييب نفوسهم لبلادهم، وغيظ الكفار وإدخال النكاية عليهم، واختلف هل المراد بالشأن السنة التي فعلها رسول اللَّه ﷺ أو فعل السلف وهما متقاربان أو الوجه أقوال.
تتمة: لابد في قسمها من حاكم إذ لو فرض ذلك لجميع الناس لدخلهم الطمع وأحب كل لنفسه من كرائم الأموال ما يطلبه غيره وهو مود للغين. قال ابن فرحون في تبصرته: وهل يبيع الإمام أو أمير الغنيمة ليقسم أثمانها وهو لمالك وسحنون إذ هو أقرب المساواة لما في التقويم من الخطأ، أو تقسم أعيانها وهو لابن المواز قولان. البساطي وهذا بعد إخراج الخمس وحيث قسمت أعيانها أفرد كل صنف منها وقسم أخماسًا إن أمكن قسمة على الأرجح عند ابن يونس وحكاه في توضيحه أيضًا عن اللخمي.
تنبيه: لا يفرق في القسم بين أم وولدها قبل الإثغار قاله في الجواهر، وإذا تعين سهم الخمس بالقرعة كتب عليه للَّه ولرسوله أو للخمس وأخذ معين حاضر وإن ذميًا ما عرف له لمشاركته المسلم في العصمة قبله، أي: قبل القسم مجانًا، أي: بغير شيء وهذا أحسن من قول ابن الحاجب إن ثبت أنه له قال ابن عرفة، لأن لفظ الثبوت إنما يستعمل فيما هو سبب الاستحقاق كالبينة ولفظ المعرفة والاعتراف فيما دون ذلك وإذا قلنا: يأخذه خلف أنه ملكه الآن ما باعه ولا وهبه وإن كان لمعين غائب عن الغنيمة فقال محمد حمل له أن كان حمله خيرًا له وعليه كرواه وإلا بأن لم يكن حمله خيرًا له بيع له، أي: لربه وأنفذ الإمام بيعه وليس لربه غير ثمنه، وإن قسم الإمام ما عرفه أنه لمعين لم يمض قسمه إلا المتأول بأن يأخذ بقول بعض العلماء أن الكافر يملك مال المسلم فيمضي القسم حينئذ، لأنه حكم
стр. 1576
بما اختلف فيه الناس على الأحسن. قال ابن عبد السلام: هو اختيار بعض الأشياخ هذا، وقد قال في توضيحه عند قول ابن الحاجب: لو جهل الوالي أو تأول فقسم ما وجب لمالك فثالثها يمضي المتأول لم أر الثالث. انتهى. لا إن لم يتعين بل علم أنه لمسلم كمسلم والموطأ أو علم أنه لذمي جاز قسمه على المشهور تغليبًا لحق المجاهدين ولا يوقف، فهو مخرج من قوله ولم يمض قسمه بخلاف اللقطة فتوقف اتفاقًا، والفرق بينهما وبين ما لا يعرف بعينه على المشهور تغليبًا لحق المجاهدين ولا يوقف مبنى على أن ما يأخذه المشرك من مال المسلم فهذا يصير له فيه شبهة ملك عندنا، خلافًا للشافعي تقرر ملكه عليه ولذا لو أتلف قبل إسلامه صم أسلم لم يطالب به إجماعًا والغانم ينزل منزلته بخلاف اللقطة لا حق فيها للملتقط وبيعت خدمة معتق لأجل وجد في الغنيمة وعرف أنه لمسلم غير معين؛ فإن جاربه في فداء خدمته أو إسلامها لمشتريها وكذا تباع خدمة مدبر علم أنه لمسلم لأنها مال من الأموال فيقسم ثمنها، واستشكله ابن عبد السلام بأنها محدودة بحياة السيد وهي مجهولة الغاية، وتبعه البساطي.
تنبيه: بيع خدمته حكاه ابن عرفة عن سحنون ثم قال عن الصقلي عن الشيخ يريد سحنون: تجعل خدمته في القسم أنه يؤجر بقدر قيمتة رقبته يجعل في المغنم أو يتصدق بها إن افترق الجيش؛ فإن تمت خدمة إجارته صار خراجه لقطة وبيعت كتابة على مكاتب جهل ربه لا خدمته، لأنه أحرز نفسه وماله فإن أدى لمشتريه عتق وولاؤه للمسلمين وإن عجز رق لمشاريه لا خدمة أم ولد فلا تباع، إذ ليس للسيد فيها غير الاستمتاع وهو لا يقبل المعاوضة وكأنهم راوان يسير خدمتها لغو وله، أي: لصاحب السيد المعين بعده، أي: بعد القسم أخذه، أي: عرف أنه له بثمنه، أي: الذي يبيع به ليقسم وإن أبي من مساو له وأخذه بالأول من أثمانه إن تعدد بيعه على المشهور وإن قوم في الغنيمة أخذ بتلك القيمة، وأجبر السيد في أم الولد تقسم جهلًا بها واشتريت من المغنم ظنًا أنها. . على أن يفديها بالثمن وإن كان الثمن أضعاف قيمتها إن كان مليًا واتبع سيدها به إن عدم إلا أن تموت هي أو سيدها قبل الفداء، فلا شيء في تركته لأنها حرة بموته إذ ليس بدين
стр. 1577
ثابت عليه وإنما هو لتخليص الرقبة، وقد فات وقولنا جهلًا بها إذ لو قسمت مع العلم بحالها لأخذها لسيدها من غير شيء اتفاقًا، وله، أي: للسيد فداء معتق لأجل وفداء مدبر بيعت خدمتهما مع العلم بحالهما لعدم العلم لسيدهما ويحتمل إذا قسما جهلًا بحالهما الشارح وهو مراد المصنف. واستظهره البساطي وإذا فديا رجعا لحالهما الأول من المعتق لأجل والتدبر، وله تركهما بيد من ابتاع خدمتهما على الأول أو من وقعا في سهمه على الثاني حال كونه مسلمًا لخدمتهما يستوفي منهما ما بيعت به خدمتهما على الأول أو ما قومًا به لو بيعًا به على الثاني، وأشار المصنف لبيان ما يتعلق بالمدبر بقوله: فإن مات المدبِر بكسر الباء وفي بعض النسخ: سيد المدبر، قبل الاستيفاء لما اشتريت به على الاحتمالين خدمته ورقبته فحران حمله الثلث واتبع بما بقي عليه عند ابن القاسم كمسلم أو ذمي جهلًا، أي: والحال أنهما لا عذر لهما سكوتهما بأمر فإن عذرًا فيه بأمر. . أو بله أو غفلة أو عجمة لم يتبعان وهو قول ابن القاسم، وقرره الشارح في الأوسط بيانها يتبعان وهو قول ابن القاسم وقرره الشارح في الأوسط، ولا يعذران بأمر من الأمور وهو قول أشهب، قال في شامله وهو الأصح: وإن حمل الثلث بعضه، أي: المدبر عتق ذلك البعض ورق باقيه لمن هو بيده، ولا خيار للوارث بين إسلامه وفدائه لترك سيده ذلك بخلاف الجناية من المدبر يسلمه السيد ثم يموت وثلثه يحمل بعضه؛ فإن وارثه يخير فيما رق منه بين إسلامه رقًا للخمي عليه وفدائه فيما بقي عليه من الجناية وفرق ابن يونس بأن المشتري دخل على ملك الركبة فلم يتعلق بها رقبته فوجب ملك ما صح ملكه وفي الجناية لم يتعلق حق المجني عليه إلا بالخدمة دون قصد دخول على ملك الرقبة، فلم يتعلق بها إلا أن يسلمها وارثها وإن أدى المكاتب ثمن الكتابة على الاحتمال الأول أو ثمنه الذي بيع به في المغنم على الثاني، فعلى حاله مكاتب وإلا بأن لم يؤد فقن سواء أسلم لصاحب الثمن أو فدي، أي: فداه السيد بما اشترى به عند ابن القاسم وعلى الأخذ لشيء من المغنم رقيقًا أو غيره إن علم أنه باق بملك شخص معين مسلم أو ذمي ترك تصرف فيه ليخيره في أخذه بالثمن أو تركه لأنه مملوك له وزوال
стр. 1578
ملكه موهوم، وإن تصرف الأخذ مرتكبًا للخدمة مضى تصرفه لشبهة الكفار وليس لمالكه أخذه كالمشتري ملك معين من حربي لا يتصرف فيه حتى يخيره فإن تصرف فيه باستيلاء مضى وأحرى بعتق ناجز ومحل إمضاء تصرفه إن لم يأخذه من المغنم على دره لربه، وإلا بأن أخذه على نية رده لربه ثم بدأ له فأعتقه ناجزًا أو استولدها فقولان إمضاء عتقه كالأول وهو قول القابسي وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعدم إمضائه لأنه أخذه ليرده لصاحبه وهو قول ابن الكاتب وجماعة، وفي إمضاء العتق المؤجل ممن صار له العبد أو الأمة ورده تردد لعدم نص المتقدمين، ولمسلم أو ذمي أخذ ما، أي: شيء وهبوه، أي: الحربيون كعبد أو غيره أغاروا عليه أو هرب إليهم شخص دارهم مجانًا إذ هو هبة بغير عوض وإن وهبوه بعوض أخذه به ودفع له مثله حيث لقيه أو حاكمه، وهذا إن لم يبع في المسألتين، أي: يبيعه الموهوب له وإن بيع فيمضي البيع ولمالكه الثمن على البائع إن كانت الهبة مجانًا. . . . أو الزائد عليه إن أخذه بعوض كان أخذه بعشرة وبيعه باثني عشر وهو لف ونشر مرتب، والأحسن من القولين عند ابن عبد السلام وهو الذي مال إليه من يرضى من شيوخه في المعدي من لص أخذه بالفداء، إذ لو أخذه بغير شيء مع كثرة أخذ اللصوص انسد هذا الباب مع حاجة الناس إليه، ومقابلة أخذه بغير شيء وإن أسلم لمعاوض مدبر ونحوه معتق لأجل فيما دفعه عوضًا عن كل بدار الحرب أو غيرها ليستوفي عوضه من خدمتهما استوفيت خدمته في ذلك؛ فإن وقت من المدبر ما عليه قبل موت سيده ومن المعتق قبل أجله، فلا كلام للمعاوض لوصوله لما دفعه، ثم إن لم يوف كل قبل ذلك فاختلف محل يتبع إن عتق بالثمن المعاوض به كله ولا يحاسب بشيء مما استوفي منه، أو يحاسب به ويتبع بما في بقي فقط قولان صدر ابن الحاجب بالأول وعند الخربي يسلم بدار حران فر إلينا اتفاقًا، لأنه غنم نفسه وإن قدم معه بمال فله ولا يخمس ومفهوم إن فر أنه لا يكون حرًا بمجرد إسلامه أو إن بقي على إسلامه بدار الحرب حتى غنم وسيده مشرك فحر، لا إن خرج من دار الحرب إلينا مسلمًا بعد إسلام سيده، فإنه رقيق له أو خرج العبد إلينا مسلمًا بمجرد إسلامه، أي: سيده
стр. 1579
بأن أسلما معًا وهذم بالذال المعجمة، أي: قطع السبي النكاح بين الزوجين الكافرين سبيًا معًا أو مفترقين، وعلى المسبية الاستبراء بحيضه ولا عدة؛ لأنها صارت أمة.
ثم استثنى من عموم هذا النكاح مسألة واحدة فقال: إلا أن تسبى الزوجة وتسلم بعده، أي: بعد إسلام وجهًا حربيًا كان أو مستأمنا فيبقيان على نكاحهما لأنهما أمة مسلمة تحت مسلم، ومفهوم تسلم إن لم تسلم لم يبقيا زوجين؛ لأنها أمة كافرة لا يتوجها المسلم وولده، أي: الحربي الذي أسلم، ثم غزا المسلمون بلده فغنموا ولده فهو وماله في مطلقًا صغارًا أو كبارًا خرج من بلده إلينا أم لا هكذا فهمها اللخمي وهو المشهور. وفهمها التونسي على أنه خرج، وأما إذا لم يخرج فينبغي أن تبعه ماله وولده، لأن غيره لم يجزه وهما تأويلان على قولها إذا أسلم حربي ببلد ثم غنمًا ذلك، فماله وولده فيء لا ولد صغير ولو بدار الحرب لكتابية سبيت أو مسلمة سبيت، وولدت كل منهما عندهم ثم غنمها المسلمون فولدها بمنزلتهما ولا يكون فيئًا على المشهور. وهل كبار أولاد المسلمة فيء لأنهم على حال يمكنها القتال وإليه ذهب ابن شبلون أو لا يكونوا فيئًا إلا إن قاتلوا بالفعل، وإليه ذهب ابن أبي زيد وعبد الوهاب تأويلان في فهم قولها، وأما الكبار إذا بلغوا وقاتلوا فإنهم فيء.
تنبيه: خص المصنف كبار المسلمة مع أنه في المدونة لم يخصهم، بل لما ذكر المسألة السابقة وهي إذ أسر العدو حرة مسلمة أو ذمية فولدت عندهم أولادًا فغنمها المسلمون أن الصغير بمنزلتها لا يكون فيئًا وأما الكبار إذا بلغوا وقاتلوا فإنهم فيء وقد يجاب بأنه إنما اقتصر على كبار المسلمة للخلاف فيهم وأما كبارًا الذمية ففي اتفاقًا وولد الأمة المسبية يغنمهم المسلمون لمالكها صغارًا كانوا أو كبارًا من زوج أو غيره على المشهور، لأن الولد تابع لأمة في الرق والحرية واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1580
فصل ذكر فيه الجزية وشروطها والمهادنة وذلك الأسير وما يتعلق بهما
وسميت بذلك لأنها أجزأت عن القتل، أي: كفت عنه واقتضت عصمة الأموال والذراري، وهي غير مستحقة للقتل عقد الجزية إذن الإمام فلا ينعقد بإذن غمره، ابن شاس لو عقد مسلم بغير إذنه لم يصح يمنع الاغتيال البساطي الإضافة إلى الإمام تقتضي أنها لا تنعقد بإذن غيره، وفي الجواهر تنعقد، فيحمل كلامه الأول على الابتداء الثاني على ما بعد الوقوع لكافر صح سباه ككتابي ومجوسي وعابد وثن ونار وقرشي ومشرك عرب لا مرتد ولا من عقد له قبل انقضاء عقده.
تنبيه: قول الشارح في الكبير لا تؤخذ من كفار قريش إجماعًا عند ابن الجهم وصلب المقدمات واتفاقًا عند صاحب المجهول لعله طريق فلا منافاة بينه وبين ما هنا مكلف لا صبي ومجنون حر لأذى قن وشائبة قادر على أدائها، لا عاجز بما فوق قدرته مخالط ولو راهب كنيسة لا راهب لا يقتل كذي دير وصومعة، ابن حارث اتفاقًا لم يعتقه مسلم فلا تؤخذ منه تبعًا لمعتقه وخرج معتق كافر فتؤخذ منه، وظاهره سواء عتق ببلاد الإِسلام أو الحرب، ولم يصرح المصنف باشتراط الذكورة اعتناء بذكر الأوصاف. مذكرة فلا تؤخذ من امرأة سكني غير مكة والمدينة واليمن، قال الشارح: سكني منصوب بنزع الخافض وهي جزيرة العرب، فيجوز العقد على سكني بيت المقدس والثغور ولهم الاجتياز بجزيرة العرب مسافرين وهو مستغني عنه بمفهوم سكني، ثم وصف العقد بكونه بمال، قال في الذخيرة: لو أقرهم بغير جزية أخطأ ويخيرون بين الجزية وللرد لما منهم، وقدره المعنوي وهو من فتحت بلده قهرًا أربعة دنانير فمن الذهب أو أربعون درهمًا فضة. وفي نسخة الأقفهسي بخطه من أصل المؤلف أربعين فيكون هو وأربعة دنانير بدلًا من قوله بمال، واللَّه أعلم.