وظاهر قوله: (كل لفظ) أنه لا ينعقد بالإشارة والكتابة ونحوهما؛ لأنه يفتقر للتصريح ليقع الإشهاد عليه.
ابن عبد السلام: وظاهر قول ابن الحاجب ومن الزوج ما يدل على القبول انعقاده بالإشارة، وهو كذلك. انتهى.
ابن عرفة: أبو عمر: إشارة الأخرس كلفظه. انتهى.
وخرج بقوله: (يقتضي البقاء مدة الحياة) الإجارة والعارية والرهن والوصية، فلا ينعقد بواحدها؛ لاقتضاء الأولين التوقيت، والثالث التوثق دون التملك، وعدم لزوم الرابع.
[ما ينعقد به قبول الزوج: ]
ولما كان الزوج لا يشترط في الصيغة منه لفظ معين، قال: وكقبلت بعد قول الولي: (زوجت) مثلًا، وكذا لا يجب تقديم الإيجاب على القبول.
وكذا ينعقد بزوجني فيفعل الولي، بأن يقول: (زوجت) أو (فعلت).
[لزوم العقد: ]
وإذا قال: (فعلت) لزم العقد، وإن لم يرض أحدهما على المشهور، بأن قال عقب فعلت أو زوجت: (لا أرضى)، ولا يمين، ونحوه في المدونة.
[الركن الثاني - الولي: ]
ولما تكلم على الصيغة، شرع في الكلام على بقية الأركان، وبدأ بالولي.
[ضربا الولي: ]
وهو ضربان: مجبر وغيره، وأشار الأول بقوله: وجبر المالك أمة وعبدًا على النكاح بلا إضرار، فلا يزوجها لمضر غير لائق عادة، لا عكسه، فلا يخير الأمة أو العبد السيد على أن يزوجهما، ولا يقضى عليه بذلك؛ إذ لا حق لهما فيه، وإن تضررا به؛ لأن الضرر إنما يجب رفعه إذا
стр. 1612
كان فيه حق واجب.
تنبيه:
إنما قدم المالك على الأب في الجبر؛ لأنه أقوى، إذ له جبر الصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب، والمجنونة وغيرها، والذكر والأنثى؛ لأنهما مال، وله إصلاح ماله بأي وجه كان: نكاح أو غيره.
[مالك البعض: ]
ولا مالك بعض، أي: لا يجبر لرقيقه المبعض يسيرًا كان البعض أو كثيرًا، سواء كان البعض الآخر له أو لغيره؛ إذ لا تسلط له على الجزء الآخر إلا مع اتفاق ملاك الجميع.
[ولاية المبعض: ]
ومالك البعض له الولاية، فلا يزوج غيره، وله الرد إن زوج غيره؛ لأنه لا يلز من نفى الجبر الذي هو أخص نفى الولاية التي هي أعم.
[جبر ذي الشائبة: ]
ولما قدم أن المالك يجبر كامل الرق لا المبعض، واللخمي موافق على ذلك، تكلم على حكم ذي الشائبة، ومخالفة اللخمي فيه، فقال: والمختار (١) عند اللخمي أخذًا من خلاف يأتي: ولا جبر في أنثى بشائبة
стр. 1613
من حرية، كـ: أم ولد، ومكاتبة، ومدبرة، ومعتقة لأجل؛ لأن حق السيد إنما هو فيمن لم يصر للحرية، ولا حق له فيما بعد العتق، وليس له بيع منافع لا حق به فيها، وعقد نكاحهن بيع لما يكون من الاستمتاع الآن، وبعد العتق لا حق له فيه، وليس لهن حل ذلك العقد إذا صرن للحرية.
[جبر المكاتب: ]
ولا جبر له في مكاتب ذكر، إلا أن يعجز، بخلاف مدبر ذكر، ومعتق لأجل كذلك، فيجبرهما على النكاح، إن لم يمرض السيد بالنسبة للمدبر، ويقرب الأجل بالنسبة للمعتق له؛ إذ ليس له حينئذ انتزاع مالهما؛ لأنهما أشرفا على العتق؛ ففي كلام المؤلف لف ونشر مرتب.
والخلاف الذي وعدناك به ما حكاه ابن عرفة بقول اللخمي في جبر ذي عقد حرية ثالثها الذكور ورابعها من له انتزاع ماله، والصواب الأول في ذكور من ينتزع ماله. انتهى.
أي: لا مطلقًا، وإذا علمت هذا فقول البساطي: (إن اللخمي اختار قولًا غير الأربعة، وهو أنه لا يجبر الأنثى بوجه، وأما الذكر فإن له جبر من
стр. 1614
له انتزاع ماله، ولا يجبر من ليس له انتزاع ماله، وأنت خبير بعد ما تقدم من اصطلاحه أن الواجب هنا التعبير بالفعل) صواب.
[جبر الأب: ]
ثم أب تلي رتبته في الجبر رتبة المالك، فولاية الإجبار للمالك أولًا، فإن لم يكن فللأب.
البساطي: وليس مراده أن بعد المالك في الولاية الأب؛ لأنه ليس المذهب.
[جبر المجنونة والعانس: ]
وجبر الأب ابنته المجنونة بكرًا أو ثيبًا لم تفق اتفاقًا، وإن كانت تفيق انتظرت إفاقتها للإذن، وظاهر كلام المؤلف: الإطلاق.
وجبر البكر صغيرة أو بالغة، ولو كانت عانسًا، وبه القضاء، وعليه العمل، خلافًا لابن وهب.
ومنشأ الخلاف: هل العلة البكارة، وهي موجودة، أو الجهل بمصالح النساء، وهو مفقود؟
والعانس: من طالت إقامتها ببيت أهلها، وعرفت مصالح نفسها، ولم تتزوج.
وهل سنها ثلاثون، أو ثلاثة وثلاثون، أو خمسة وثلاثون، أو أربعون، أو خمس وأربعون، أو خمسون، أو منها للستين؟ أقوال.
تنبيه:
لا خيار للصغيرة يجبرها الأب ثم تبلغ خلافًا للعراقيين.
[من لا تجبر عليه: ]
وحيث كان له الجبر فيزوجها لكل أحد، إلا لكخصي ومجبوب وعنين، وأشار لقول الباجي: هو الأظهر عندي، بقوله: على الأصح؛ لتحقق ضررها به.
стр. 1615
وظاهره: ولو كان على وجه النظر، علمت به أو لا، ولا يلزمها تزويجها من مجنون يخاف عليها منه، ولا من أبرص مسلخ، ولا مجذم، ومنقطع منه الكلام، وتغير ريحه ولو بمثلها، وحكى الأقفهسي الاتفاق عليه، بخلاف ضرير وقبيح منظر أدنى منها حالًا، وأقل مالًا.
[جبر الثيب الصغيرة: ]
وجبر الثيب بنكاح صحيح إن صغرت عند ابن القاسم، ومفهوم (صغرت) عدم جبرها إن بلغت، ولو بعد الطلاق، وهو كذلك، حكاه اللخمي عن سحنون.
وفي المنتقى عنه: جبرها وإن بلغت.
[جبر الثيب بعارض: ]
أو ثيب بعارض غير جماع، كـ: وثبة، أو وقعة، أو عود، اتفاقًا.
[جبر الثيب بحرام: ]
أو ثيبت بحرام: غصب أو زنا، وجبرها بثيوبة الزنا هو مذهب المدونة، وفي الجلاب: عدم الجبر.
وهل مطلقًا تكرر منها الزنا أم لا، وإن لم تكرر الزنا، فإن تكرر لم تجبر بخلعها جلباب الحياء عنها، وهو لعبد الوهاب، التزمه بمجلس المناظرة؟ تأويلان.
وهل كلام عبد الوهاب تفسير للمدونة، وهو الأظهر، أو خلاف؟ ابن عبد السلام: وهو الظاهر، خلاف.
[جبر الثيب بنكاح فاسد: ]
لا بفاسد وصف لنكاح، دخل فيه الزوج، وأزال بكارتها، ثم زالت عصمته بفسخ أو طلاق أو موت، فلا يجبرها الأب تنزيلًا له منزلة النكاح الصحيح، للحوق الولد فيه، ودرء الحد، وعدتها بموضع سكنها، وعدم جبرها إن لم تكن سفيهة، بل وإن كانت سفيهة على المعروف؛ إذ لا يلزم
стр. 1616
من ولاية المال ولاية النكاح، وبالغ عليها لئلا يتوهم مساواتهما.
[جبر البكر: ]
ولا يجبر أب ولا غيره بكرًا رشدت قبل البناء.
المتيطي: وهو المشهور، وعليه العمل.
[جبر غير المفضوضة: ]
أو زوجت بكرًا أقامت ببيتها سنة وأنكرت مس الزوج، فلا جبر، صدقها الزوج أو كذبها.
وزاد في المدونة: "وشهد مشاهد النساء"، وأسقطه المصنف.
[جبر الوصي البكر: ]
وجبر البكر على النكاح وصي أمره أب به، أعاد الشارح ضمير به على النكاح، وأعاده البساطي على الجبر، أو عين الأب للوصي الزوج كزوجها من فلان.
وإلا بأن لم يعين له الزوج فخلاف، فهو مستثنى من الأخير، وهو معنى قول اللخمي: الإجبار يختص بالأب وبمن يقيمه في حياته أو بعد وفاته إذا عين الأب الزوج الذي يزوج ابنته منه.
واختلف إذا لم يعينه الأب وجعله لاجتهاد من أقامه لذلك، فقيل: للمقام إجبارها، وينكحها ممن يراه حسن نظر لها قبل البلوغ وبعده، وهو المعروف من قول مالك.
وقال عبد الوهاب: ليس له إجبارها.
وذكر الأقفهسي تشهير القولين، ويحتمل أنه مستثنى من الأخير ومما قبله، ويدخل في الوصي صور انظرها وحكمها في الكبير.
[الوصي على الثيب: ]
وهو -أي: الوصي- في الثيب الموصى على نكاحها ولي من
стр. 1617
أوليائها، يزوجها برضاها، وشهره ابن راشد.
تنكيت:
قول البساطي: (لم يعلم من كلام المؤلف رتبته) فقد يقال: بل هي مفهومة؛ لتنزيله منزلة من أوصاه، وهو أحد الأقوال في ال مسألة .
[مسألة: ]
وصح الإيجاب من الأب في قوله: (إن مت فقد زوجت ابنتي فلانة)، إذا علقه بمرض مات منه، طال مرضه أم لا.
أصبغ: هو مجمع عليه، وهو من وصايا المسلمين.
[مسألة: ]
وهل صحته إن قبل الزوج ذلك بقرب موته -أي: موت الموصي- قاله سحنون، وحمل المدونة عليه، أو صحته مطلقًا: قبل بقرب موته أم لا، ابن بشير: وهو مذهب المدونة؟ تأويلان.
ومفهوم: (بمرض) لو قاله بصحته لم يصح، وهو قول ابن القاسم ومن وافقه، وصوبه ابن رشد.
قال في الشامل: وهو الأصح.
[لا جبر لغير الثلاثة: ]
ثم بعد السيد والأب والوصي لا جبر لأحد من الأولياء، فالبالغ -أي: وإذا لم يكن جبر فإنما يزوجهن البالغ- بكرًا كانت أو ثيبًا بإذنها، بحسب رتبته، ولا يتهم على ما يأتي.
[تزويج اليتيمة: ]
فلا يزوجون يتيمة غير بالغ على الرواية المشهورة التي رجع إليها مالك، ويعتمدها المصنف، بل مشى على ما اتفق عليه المتأخرون من تزويجها بشروط، فقال: إلا يتيمة خيف فسادها وبلغت عشر سنين، وشوور القاضي على إنكاحها.
стр. 1618
ابن عبد السلام: وعليه العمل ببلادنا اليوم.
ابن عبد السلام: ويكون لها ميل إلى الرجال.
المتيطي: وبه جرى العمل عند الموثقين، وانعقدت به الفتوى.
ولم يذكر المؤلف هذا الشرط، وإلا بأن زوجت مع فقد الشروط الثلاثة أو بعضها صح النكاح، أي: مضى إن دخل بها الزوج، وطال مقامها بعد الدخول بها.
أصبغ متممًا لهذا القول: ما لم يطل، وتلد الأولاد، ولم ير الولد الواحد والستين طولًا.
[أولى أولياء الثيب: ]
وقدم على جميع الأولياء في الثيب ابن لها، فإن لم يوجد فابنه، وإن نزل، فإن لم يكن، فأب، فإن عدم، فأخ لها، فإن لم يوجد فابنه، وإن نزل، فإن لم يكن فجد، وهو أبو الأب، وإن علا على المشهور، فإن لم يكن فعم، وهو ابن الجد، فإن لم يكن فابنه، وإن سفل، وقدم الشقيق على الذي للأب على الأصح والمختار عند اللخمي؛ لقوله: وتقديم الشقيق أحسن. وشهره في المعتمد.
فمولى أعلى، وهو المعتق، ثم عصبته، ثم معتقه، ثم هل المولى الأسفل، وهو العتيق، ولي لمعتقته، وبه فسرت، أي: المدونة.
قال ابن عبد السلام: فسر جميع شراح المدونة ما وقع لمالك في نكاحها الأول، والصحيح أن له حقًا في الولاية.
أو لا ولاية له، كما في الجلاب والكافي.
ابن الحاجب: وهو الأصح.
وشهره ابن راشد؛ لأن الولاية هنا إنما تستحق بالتعصيب، وإليه أشار بقوله: وصحح، فإن لم يكن مولى أسفل فكافل، ولي لمكفولته فيزوجها بعد من تقدم من الأولياء.
стр. 1619
[شرط الكفالة: ]
وهل ولايته إن كفل عشرًا -أي: سنين- وهو لبعض الموثقين، أو كفلها أربعًا، وهو لأبي محمد صالح، أو كفلها ما يشفق، أي: بما يعد فيه مشفقًا، ولو أقل من أربع، وهو للشيخ أبي الحسن؟ تردد لهؤلاء المتأخرين.
ولما كان ظاهر المدونة مخالفًا لما تقدم قال: وظاهرهما شرط الدناءة في المكفولة، فلو كانت ذات قدر لم يزوجها الكافل، بل وليها أو السلطان، فإن لم يكن كافل فحاكم، وهو آخر الولاية الخاصة، فإن لم يكن حاكم أو كان وتعذر فولاية عامة مسلم، شريفة كانت أو دنيئة.
[حكمه بالعامة: ]
وصح النكاح بها -أي: بالولاية العامة- في امرأة دنيئة مع وجود ولي خاص لم يجبر، كـ: أب في ثيب، وعاصب، أما مع مجبر كمالك مطلقًا، أو أب في بكر، أو وصي فيها، لم يصح وليس لهم الإجازة.
تنبيهان:
الأول: فهم من قوله: (صح) أنه لا يقدم على العقد بولاية الإسلام مع وجود الخاصة.
الثاني: قول الأقفهسي: (إن المصنف شهر اختصاص العامة بالدنيئة) غير صواب.
[تزويج الشريفة بالعامة مع وجود الخاص: ]
كـ: شريفة، قال الشارح: ذات قدر.
وقال الأقفهسي: ذات حسن وجمال.
زوجها أجنبي مع وجود وليها الخاص غير المجبر، دخل بها الزوج وطال مقامها معه بعد الدخول صح النكاح، وإن قرب زمن الاطلاع عليه من زمن العقد دخل أم لا فللأقرب من الأولياء الرد والإجازة.
стр. 1620
تنكيت:
قول البساطي: (إن لم يدخل مع القرب فسخ) خلاف كلام المصنف، وكما يأتي في المدونة.
[تزويج الحاكم: ]
أو الحاكم إن غاب الولي الأقرب، أو لم يكن الرد، وله الإجازة، ونحوه لابن القاسم في المدونة، إن أجازه الولي بالقرب جاز، سواء دخل بها الزوج أم لا، وإن أراد فسخه بحدثان الدخول فذلك له، وأما إن طالت إقامتها معه وولدت الأولاد أمضيته إن كان صوابًا، ولم يفسخ، قاله مالك.
[تحتم الرد: ]
وفي تحتمه -أي: الرد- إن طال زمن العقد قبله، أي: البناء، وهو فهم ابن التبان (١) وعدم تحتمه؛ فيخير في رده وإمضائه، وإن طال، حكاه
стр. 1621
عبد الحق عن بعض شيوخه القرويين تأويلان في فهم ما في المدونة الذي قدمناه.
[النكاح بأبعد مع أقرب: ]
وصح النكاح بأبعد مع أقرب، كـ: عم مع أخ، ولصدق الأقرب على المجبر أخرجه بقوله: إن لم يجبر، وهو مذهب المدونة.
ومفهومه: إن أجبر كأب في بكر لم يصح، ويتحتم الفسخ، وهو كذلك.
[حكمه: ]
ولما أفاد الصحة في ولاية الأبعد مع الأقرب خشي أن يتوهم منها الجواز، وليس كذلك، فقال: ولم يجز.
عياض: وهو مشهور المذهب.
كأحد المعتقين تشبيه مركب، لأنه تقدم له حكمان: الصحة وعدم الجواز، فيصح أن يزوجها أحدهما مع وجود الآخر، وإن لم يجز ذلك فالحكم غير مقصور على المعتقين، بل كل من أشبهما كذلك، وجعلها الأقفهسي مثالًا لتزويج البعيد مع وجود الغريب، وأن أحد المعتقين زوج مع وجود النسب.
[رضاء البكر: ]
ورضاء البكر حيث يفتقر العقد له صمت، فلا يشترط نطقها؛ لما جبلت عليه من الحياء كتفويضها -أي: توكيلها- يكفي فيه سكوتها، كأصل إذنها، وندب إعلامها به، أي: بأن صمتها إذن منها، وظاهر كلام المصنف الاكتفاء بمرة واحدة.
وقال ابن شعبان: ثلاثًا.
ولا يقبل من البكر إذا سكتت حتى عقد نكاحها دعوى جهله، أي: جهل أن الصمت رضي في تأويل الأكثر من الشيوخ، وهو الأصح؛ لشهرته عند كل أحد.
стр. 1622
قال المصنف: ولعل مقابل الأصح مبني على وجوب إعلامها.
وظاهره: سواء علم منها قبله أو لا، خلافًا لعبد الحميد الصائغ، إن علم ذلك منها قبل وإلا فلا.
وذكر في توضيحه نظائر لا يعذر فيها بالجهل، وذكرناها منظومة لبهرام في الكبير فانظرها فيه إن شئت.
[منعها من النطق: ]
وإن منعت عند استئذانها بنطق أو غيره مما يدل عليه أو نفرت من ذلك لم تزوج؛ لانتقاء رضاها، وإلا فلا فائدة في استئذانها بنطق أو غيره مما يدل عليه.
[ضحكها وبكاؤها: ]
لا إن ضحكت، فتزوج، أو بكت، محمد: هو رضى؛ لاحتمال كونه لفقد أبيها؛ إذ لو كان حيًا لم تحتج لذلك.
[إعراب الثيب: ]
والثيب تعرب، أي: تبين وتفصح عما في نفسها من إجابة أو رد بنطقها، ولا يكفي صمتها، وخصص ذكر الإعراب تبركًا بلفظ الحديث: "البكر تستأمر، وإذنها صماتها، والثيب يعرب عنها لسانها" (١).
[البكر الراشدة: ]
ولما شابه الثيب في الحكم النطق أبكارًا لا بد من نطقهن، ذكرهن بقوله: كبكر رشدت، ولو ذات أب، أو عضلت من أب أو غيره، ورفعت
стр. 1623
أمرها للحاكم فزوجها، ذكرها الغرناطي (١).
أو زوجت بعرض ذكر هذا كثير من الأشياخ؛ لأنها بائعة مشترية، وهو لا يكون بالصمت.
أو وجدت برق، وإن قل جزء رقه، أو زوجت بذي عيب، والباء في (بعرض) للعوض، وفي (برق) للتعدية، فـ (عيب): مضاف إليه، والمقدر أيضًا (في رقه)، وفيه حذف المضاف مع بقاء المضاف إليه مجرورًا، وهو في مثله نادر، وقول الشارح: (حذف الجار والمجرور وما يتعلق به، وهو المضاف، وإبقاء المضاف إليه على ما كان عليه) سهو.
أو يتيمة صغيرة محتاجة، ذكرها الغرناطي، قال الشارح: وهذا يوهم أن ما تقدم خاص بذات الأب، وليس كذلك.
أو أفتيت عليها، فزوجت قبل استئذانها، ثم استؤذنت؛ لأن الولي لما تعدى عليها افتقرت للتصريح بنفي العداء.
وقول البساطي: (إنها أعم من أن تكون بكرًا أو غيرها) فيه نظر؛ لأنهم عدوها من الأبكار اللاتي لا بد من نطقهن.
تنبيه:
قول الأقفهسي: (لم يذكر المؤلف المعنسة، وفيها خلاف) انتهى، وقد يقال: بل ذكرها بمفهوم قوله: (وجبر البكر ولو عانسًا إن غير الأب لا
стр. 1624
يجبر، وإذا لم يجبر فلا بد من رضاها نطقًا) فهي ثمانية أبكار، وقد ذكرناها في الكبير نظمًا.
[شروط صحة نكاحها: ]
وصح النكاح -أي: مضى- بشروط، أشار أحدهما بقوله: إن قرب رضاهما من زمن العقد العاري عن إذنها، ولم تتقدم على هذا الرضي منع منها، ثم تجهيز.
وأشار لثانيها بقوله: بالبلد الذي عقد الولي فيها، فلو كانا ببلدين لم يصح العقد، ولو قرب ولا ببلد واحد إذا تأخر على المنصوص المشهور، وظاهر كلامه: الصحة، ولو كبر البلد.
وحد عيسى القرب بأن يكون العقد بالمسجد أو السوق ويسار إليها بالخبر من وقته.
وسحنون: باليومين، والخمسة كثير.
وأشار لثالثها بقوله: ولم يقر الولي به، أي: الافتيات حمال العقد، سواء ادعى الإذن أو سكت، فإن أقر بالافتيات حال العقد لم يصح وفسخ اتفاقًا، ولم يفد رضاها، وإن قرب.
وإن أجاز النكاح ولي مجبر كسيد وأب في تزويج ابن وأخ وجد فوض له المجبر أموره ببينة جاز.
وظاهر كلامه: الاقتصار على هذه الثلاثة، كما في المدونة، كما حملها عليه بعضهم لقرب قرابتهم، وحملها بعضهم على المثال، فألحق سائر الأولياء بالثلاثة إذا أقاموا هذا المقام.
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف: ولو قال الأب لم يخطر لي نكاح ابنتي في التفويض.
على أنه في توضيحه هو وابن راشد قيداه بما إذا قال الأب: إنما
стр. 1625
أجزت النكاح لابني لأني فوضت إليه جميع أموري والنكاح من جملتها، وإلا فلا يصح، ولو أجازه.
وترك هذا القيد هنا.
[مسألة: ]
وهل محل جواز النكاح إذا جازه الأب إن قرب ما بين إجازته وعقد الابن والأخ والجد، وهو لحمديس (١)، أو مطلقًا، وهو لأبي عمران؟ تأويلان على قولها: ومن زوج أخته البكر بغير أمر الأب لم يجز، وإن أجازه الأب، إلا أن يكون الأخ قد فوض له أبوه جميع شأنه، فقام بأمره، فيجوز بإجازة الأب، وكذلك في الجد والأخ يقيمه هذا المقام.
[فسخ تزويج الحاكم: ]
وفسخ تزويج حاكم أو غيره من الأولياء كأخ أو جد أو غيره ابنته -أي: ابنة المجبر- بغير إذنه أو تفويضه في غيبة أبيها القريبة من بلد العقد ببلد مسافته كعشر من الأيام اتفاقًا.
ابن القاسم: وإن أجازه الأب، وولدت الأولاد.
وسوغ حذف التاء من العدد عد ذكر المعدود؛ لخبر: "وأتبعه بست من شوال" (٢)، أو لأن المراد ليال.
стр. 1626
[تزويجه في سفر أبيها البعيد: ]
وزوج الحاكم بكرًا في غيبة أبيها إذا كانت مسافة البلدين بعيدة، قال مالك: كأفريقية.
ابن ناجي عن شيخه: حيث وقعت في المدونة فالمراد بها القيروان، واختلف في ابتدائه:
فقال ابن رشد: يريد من مصر؛ لأن ابن القاسم بها؛ ولذا قال المؤلف: وظهر من مصر، واستبعده ابن عبد السلام؛ لأن المسألة لمالك، وإنما قاله بالمدينة، وعليه الأكثر؛ لأن مالكًا بها.
وظاهره الاكتفاء بمجرد الإقامة، ولا يشترط الاستيطان، وتؤولت عليه المدونة.
وتؤولت أيضًا على أنه لا يزوجها إلا بالاستيطان، وأشار بذلك لقولها: من غاب عن ابنته غيبة انقطاع، كمن خرج إلى المغازي لمثل أفريقية وطنجة والأندلس، وأقام بها، فرفعت أمرها إلى السلطان فلينظر لها، ويزوجها، وأما إن خرج تاجرًا في سفر لغير مقام فلا يزوجها سلطان ولا غيره، وإن أرادته الابنة.
وظاهر قوله: (الحاكم) أن غيره لا يزوج، وهو كذلك عند الأكثر؛ لأنه حكم على غائب.
وظاهره: ولو استمرت عليها النفقة، ولم يخف عليها، وهو كذلك، خلافًا لابن حبيب.
وظاهره: ولو كان كتاب القاضي لا يتعذر وصوله إليه، خلافًا للأبياني.
كغيبة الولي الأقرب، أي: القريب غير المجبر الثلاث من الأيام، وحذف التاء لما تقدم.
وفي سماع أشهب عن مالك: كتب إليه ابن غانم في امرأة طلبت التزويج، ويذكر أن لها عمًا أو أخًا على مسيرة الثلاث والأربع، وأنه في
стр. 1627
شأنه وضيعته، وتسأل أن أزوجها رجلًا كفؤًا، فأجاب: أرى إذا كان أمرها على ما وصفت أن تزوجها.
[فقد الولي: ]
ولما قدم ما إذا علم خبر الولي في المسألتين، ذكر ما إذا فقد، أو كان في حكم المفقود كالأسير، فقال: وإن أسر المجبر أو فقد وانقطع خبره فالأبعد منه من الأولياء يزوجها كموته على المشهور.
وإن كانت نفقته جارية عليها، ولم يخف عليها الضيعة.
المتيطي: وبه القضاء.
وأفهم كلامه أن الأب المجنون أو المحبوس ليس كالغائب البعيد، وإن طال أمره؛ لأن برأه وخروجه مرجوان.
تنبيه:
تلخص من كلام أن غيبة أبي البكر ثلاثة أقسام:
- قريبة، وهي قوله: (وفسخ تزويج حاكم. . إلخ).
- وبعيدة، وهي قوله: (وزوج الحاكم).
- ومنزلة منزلة الموت، وهي هذه.
[من تنتقل عنه الولاية: ]
ثم شبه لإفادة الحكم في تزويج الأبعد مع وجود الأقرب لوجود المانع بوصف من الأوصاف الآتية، فقال: كذي رق اتصف به، ويصدق على من بعضه كذلك، ولو بشائبة، فتنتقل عنه الولاية لأبعد منه.
وذي صغر وعته، والعته ضعف عقل أو جنون، وأنوثة فلا تلي امرأة عقدًا من جهة الزوجة ويليه الأبعد منها.
تنبيه:
أنتج من هذا الكلام أن من شروط الولي:
стр. 1628
- البلوغ.
- والحرية.
- والعقل.
- والذكورة.
وسيشير لباقيها.
[من لا تنتقل عنه الولاية: ]
لا ذي فسق فلا تنتقل عنه الولاية لذلك.
الفاكهاني: المشهور أنه لا يسلبها.
وظاهر كلامهم: سواء كان مستترًا أو منتهكًا.
وقال البساطي: إنما الخلاف في الفاسق المستتر الذي بقي معه من الأنفة، وأما المنتهك الذي لا يبالي بما نسب إليه، ولا بما ينسب على وليته، فإنه مسلوب الولاية.
وإذا لم يسلبها سلب الكمال فقط، ووكلت ممالكة في تزويج أمتها حرًا ذكرًا؛ لأن حقها وإن سقط من توليتها العقد بنفسها لم يسقط من تفويضه لغيرها.
وكذا وصية توكل في تزويج عن إيصائها، وهل تجبر إذا نص لها على الجبر، أو لأبيه.
وكذا معتقة توكل في تزويج مولاتها، قاله ابن بطال، وقبله المتيطي وغيره، ورده ابن عبد السلام، وبحث ابن عرفة في رده كما ذكرناه في الكبير.
ثم بالغ فقال: وإن كان الوكيل في المسائل الثلاث أجنبيًا، وإن حضر أولياؤها.
ثم شبه لإفادة الحكم، فقال: كعبد أُوصيَ على بنات، فإنه يوكل من
стр. 1629
يزوجهن لعدم أهليته؛ ففي المدونة: العبد إذا استخلفه حر على البضع فليوكل غيره على العقد. انتهى.
وولايته هنا نيابة عن غيره، فلا يضره، ومن رقه اللازم السالب لولايته عن ابنته بالنسبة لغيرها.
ومكاتب يوكل أمة له طلب بتزويجها فضلًا من المال؛ لما فيه من المصلحة له، وإن كره سيده ذلك؛ لأنه أحرز نفسه وماله، ولا يجوز على ابتغاء الفضل إذا رده السيد.
[ما يمنع عقد النكاح: ]
ومنع عقد النكاح إحرام بحج أو عمرة من أحد الثلاثة: الزوج والزوجة والولي، فلا يصح للزوج أن يقبل، ولا للزوجة أن تأذن، ولا للولي أن يوجب، وعلى هذا جمهور الصحابة وغيرهم، خلافًا لأبي حنيفة.
[لا ولاية لكافر على مسلمة: ]
ثم شبه في المنع، فقال: ككفر فإنه يمنع عقد النكاح لمسلمة، وإنما قلنا ذلك لأن المشبه به ولايته ثابتة، وإنما منع المباشرة فقط، وهذا لا ولاية له.
[لا ولاية لمسلم على الكافرة: ]
وعكسه لا يكون المسلم وليًا لقريبته الكافرة، إلا لأمة لمسلم ومعتقة كافرة، فهو ولي لها، إذا كانت من غير نساء أهل الجزية، بإسقاط لفظ أهل، ونحوه قول المدونة: ويعقد النصراني نكاح وليته النصرانية لمسلم إن شاء، ولا يعقد وليها المسلم في أهل الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إلا التي ليست من نساء أهل الجزية قد أعتقها مسلم فيجوز.
وقول الأقفهسي: (لأنها معتقة مسلم سقطت عنها الجزية بعتقه لها، واحترز عما لو أعتق كافر أمته وأسلم فإنها لا تسقط عنها الجزية، ولا
стр. 1630
يزوجها وإن أسلم، إلا أن تسلم هي) غير ظاهر؛ لأن المرأة لا جزية عليها حتى تسقط بعتق المسلم لها.
[مسألة: ]
وإذا لم يكن للمسلم على وليته الكافرة ولاية زوج وليها الكافر سواء كانت ابنته أو غيرها لمسلم أو كافر، ونص على جواز إنكاحها لمسلم لئلا يتوهم منعه.
فقول البساطي: (زيادة "لمسلم" مضرة؛ إذ يفهم منه أنه لا يزوجها الكافر، وليس كذلك) غير ظاهر؛ لما قلناه.
[مسألة: ]
وإن عقد مسلم على قريبته الكافرة لكافر ترك، ولا يعرض له.
ابن القاسم: وقد ظلم المسلم نفسه؛ لما أعان على ذلك.
ومفهوم: (لكافر) أنه لو عقد لمسلم لا يترك بل يفسخ، وهو كذلك، خلافًا لأصبغ.
[عقد السفيه: ]
وعقد السفيه ذو الرأي على وليته ابنته أو غيرها بإذن وليه ولا يستقل بذلك عند ابن القاسم في الموازية، لكن ليس فيها عنه ذو الرأي.
زاد الباجي في قوله: إلا الضعيف الرأي.
فزاد المصنف مفهومه.
[مسألة: ]
وصح توكيل زوج الجميع، أي: جميع من به مانع في قبول نكاحه، كـ: عبد وامرأة وكافر، لا ولي المرأة لا يصح توكيله لأحد، إلا لمن يكون كهو في صفاته المستكملة لشروط الولاية؛ لأن شرطها في جانب المرأة حق للَّه تعالى.
стр. 1631
[وجوب إجابة الكفء، لا سيما كفؤها: ]
وعليه -أي: الولي- الإجابة لكفء دعت إليه بالنفقة لتزويجه، وأما لو دعت لكفء والولي لكفء لكان كفؤها أولى؛ لأنه أرجى لدوام العشرة، فيأمره الحاكم بإجابتها في المسألتين، فإن فعل فواضح، وإن امتنع سأله الحاكم عن وجه امتناعه، فإن رآه صوابًا ردها له صاغرة، ولم يجبره على إنكاحها، وإلا عد عاضلًا.
وظاهره: أن غير الأب يعد عاضلًا برد أول خاطب، وهو كذلك.
[عدم انتقال الولاية لمن يلي الممتنع: ]
ثم زوج الحاكم، وظاهر كلامه: أن الولاية لا تنتقل لمن يلي الممتنع.
[الأصل في الأب عدم الإعضال: ]
ولا يعضل أب بكرًا برد خاطب متكرر أو خُطّاب؛ لما جبل عليه من الحنان والشفعة، ولجهلها بمصالح نفسها، فربما علم من حالها أو من حال الخاطب ما لا يوافق، فلا يعد عاضلًا حتى يتحقق ضرر، فيزوج الحاكم.
ومفهوم: (بكرًا) أن الأب يعد عاضلًا في الثيب برد أول خاطب، ومفهوم (يتحقق) أنه لو شك لم يتعرض له، فلو قالت البكر: عضلني لغير عذر. وقال: لعذر. فقوله، وعليها إثبات دعواها.
والعضل هو المنع من التزويج.
[توكيلها الولي: ]
وإن وكلته -أي: وليها- بأن أذنت له أن يزوجها ممن أحب الولي عين من يزوجها منه عند عقد النكاح، وإلا بأن يزوجها منه ولم يبين فلها الإجازة والرد إن زوجها من نفسه عند مالك وابن القاسم؛ لاتهامه في محاباة نفسه، ولها ذلك أيضًا إن زوجها من غيره؛ لاختلاف أغراض النساء
стр. 1632
في أعيان الرجال، وإن استووا في الكفاءة، ويلزمها ذلك عند ابن القاسم؛ لأن إذنه لها رضى بفعله.
وبالغ بقوله: ولو بعد ما بين العقد والتعيين عند مالك، خلافًا لابن حبيب في قوله: إنما يجوز بالقرب.
لا العكس، وهو أن تأذن له في تزويجها من معين، وزوجها منه، فإنه يلزمها اتفاقًا، ولا يحتاج إلى إذن ثان.
تنكيت:
إطلاق العكس عندهم على المخالفة يرد قول الشارح في الكبير: (في إطلاق العكس عندهم على المخالفة نظر لا يخفى) انتهى.
ويحتمل أن يحمل كلامه على العكس المستوي، وهو أن يوكل الرجل امرأة تزوجه فزوجته من نفسها، وعقد ذلك وليها على أحد القولين، واختار اللخمي عدم لزومه.
[توكيل من له تزوجها: ]
ولابن عم ونحوه ممن يجوز كونه زوجًا، كمعتق وحاكم تزويجها من نفسه لنفسه، إن عين لها أنه الزوج، والتعيين إما بالتصريح أو بتزوجتك بكذا وترضى بذلك، وتولي الطرفين إيجابًا وقبولًا.
وإن أقرت بالإذن وأنكرت العقد، فقالت: (لم يقع)؛ لإرادتها الرجوع صدق الوكيل في دعواه وقوعه، إن ادعاه الزوج، ولا يكلف الولي إقامة البينة على ذلك كالبيع؛ فإنه لا يكلف الوكيل فيه على إقامة البينة.
ومفهوم الشرط تصديقها إن لم يدعه الزوج.
[تنازع الأولياء في العقد: ]
وإن تنازع الأولياء المتساوون في الدرجة والفضل كأخوة وعمومة مثلًا في العقد أيهم يقدم فيه مع اتفاقهم على الزوج، أو اختلفوا في الزوج، بأن عين كل غير ما عينه الآخر نظر الحاكم فيمن يلي العقد منهم في
стр. 1633
الأول، وفيمن يزوجها منه هو في الثاني.
[إذنها لوليين: ]
وإن أذنت امرأة لوليين لها في أن يزوجها كل من رجل، فعقدا كلٌّ على رجل، فللأول -أي: فهي له- دون الثاني؛ لأن الثاني تزوج ذات زوج، وهذا إن لم يتلذذ الثاني منها بشيء من مقدمات الوطء، كما ألحق مالك مقدمات الوطء به في الواضحة.
ابن عرفة: وهو المشهور.
وظاهر المدونة: أنها لا تكون للثانى إلا بالوطء، ولم يذكر المؤلف ظاهرها.
وقيدوا المسألة بعدم علم الثاني بالأول؛ ولذا قال: بلا علم، وأما إن علم فهي الأول، وفسخ نكاح الثاني اتفاقًا.
[تعاقب الإذنين: ]
ولما كان مذهب الأكثر أنه لا فرق بين إذنها لولييها معًا أو متعاقبين، قال: ولو تأخر تفويضه -أي: الثاني- عن تفويضها للأول، وأشار بـ (لو) لقول الباجي: إن تعاقبا ثبت الأول، وفسخ الثاني، ولو بني.
[أحقية الثاني: ]
وأشار لشرط آخر في أحقية الثاني بقوله: إن لم تكن في عدة وفاة من الأول، كأن مات عنها قبل دخول الثاني، ثم دخل فيها، فيفسخ النكاح، وترث الأول، ولو تقدم العقد على وفاته على الأظهر عند ابن رشد؛ لقوله: الصواب أنها متزوجة في عدة، بمنزلة امرأة المفقود تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة، ويدخل بها الزوج فينكشف أنها تزوجت قبل وفاته في العدة، ولا فرق بين المسألتين.
واحترز بعدة الوفاة عما لو عقد الثاني بعد طلاق الأول قبل بنائه، فإن نكاحه صحيح؛ لأنه في غير عدة.
стр. 1634
[محل فسخ النكاحين: ]
وفسخ النكاحان إن عقدا بزمان واحد بلا طلاق، وتعقب المصنف قول ابن الحاجب: (فسخه بطلاق مع الاتحاد)، قائلًا: لم أره، ولم يعتمد نقل ابن عبد السلام له.
وقول البساطي: (لم أقف على هذه المسألة) فيه إيهام عدم نقلها، وفيه نظر؛ لقول اللخمي: أو عقد الوكيلان في مجلس واحد فسخا، ولو بنى أحدهما؛ لعلم كل منهما بعلم الآخر.
أو لبينة تشهد على الثاني أنه عقد بعلمه أنه ثان، فيفسخ بغير طلاق، ووقع في نسخة الأقفهسي: (كبينة)، فقال: تشبيه لإفادة الحكم في الفسخ.
[محل فسخ الثاني ببائن: ]
لا إن أقر الثاني بعلمه أنه ثان قبل بنائه، ثم بنى؛ لاحتمال كذبه في دعواه علمه بالأول، فيفسخ بطلاق بائن، كما صححه في المقدمات، ويلزمه الصداق كاملًا.
أو جهل الزمن بحيث لم يعلم السابق من العقدين فيفسخان بطلاق على المشهور.
[جهل الأحق من الزوجين: ]
وإن ماتت هذه المرأة وجهل الأحق بها من الزوجين، بأن ادعى كل منهما أنه الأول، قال المصنف: الأحق من يقضي له بها لو علم به، وهو الأول أو الثاني بعد الدخول، وتبعه على ذلك الشارح والأقفهسي.
وقال البساطي: يعني أن العقدين جهل زمنهما بجهل الأحق من الزوجين لها، وذلك قبل الحكم بالفسخ.
وهذه المسألة قررها على غير هذا الوجه بما إذا تأمله متأمل لا يصح أصلًا.
стр. 1635
وحيث جهل الأحق من الزوجين ففي ثبوت الإرث مقسوم بينهما، نظرًا؛ لكون أحدهما زوجًا بلا خلاف، وجهل تعيينه لا يقدح في الإرث، وسقوطه؛ لاحتمال وقوع العقد في زمن واحد، فلا يتحقق الزوج؛ فلا إرث مع الشك.
ابن عبد السلام: وعليه أكثر المتأخرين. انتهى بمعناه.
قولان، وعلى ثبوت الإرث فالصداق كامل على كل واحد من الزوجين؛ لدعواه أنه الزوج والآخر ظالم له.
وقيل: كل منهما نصف صداقه؛ إذ لو دفع كل منهما صداقًا لأخذ كل واحد من الورثة ضعف حقه، والأول أقرب؛ لأن الموت كالدخول، ولا شك بعده في الصداقين.
وإلا بأن قلنا بعدم ثبوت الإرث على القول الآخر فزائده لازم لكل زوج ما زاد من الصداق على إرثه؛ لاعترافه بموجبه، ومن لم يزد صداقه على إرثه فلا شيء عليه، قاله ابن محرز.
[موت الرجلين وجهل الأحق: ]
وإن مات الرجلان مع جهل الأحق منهما فلا إرث لها منهما، ولا صداق لها عليهما آنفًا، والفرق بين موتها وموتهما أن الزوجية هناك محققة، وكل منهما يدعيها، وهنا لا يمكنها دعوى تحقيقها على كل.
تذنيب:
حكم موت أحدهما كموتمها، ذكره ابن عرفة.
[البينتان تتناقضان: ]
وأعدلية إحدى بينتين متناقضتين، كأن شهدت كل واحدة منهما أنه الأول ملغاة؛ لقيام زيادتها مقام شاهد فقط على المشهور، ولا يقضى به في النكاح على المشهور.
стр. 1636
وإذا ألغيت زيادتهما على المشهور بقي التناقض فتتساقطان، وكذلك لو تساوت البينتان من باب أولى.
تنبيه:
لم يقتصر على عدم ترجيح العدالة، بل لا يقضي للأعدل منهما.
ولو صدقتها المرأة سواء ادعت الأرفع من الزوجين أو لا، وللمسألة نظير يفيتها الدخول، ذكرناها في الكبير.
[حكم نكاح السر: ]
ثم ذكر حكم نكاح السر ضمن بيانه، فقال: وفسخ نكاح موصى بكتمه، ظاهره: مطلقًا.
وقال الشارحان: قبل العقد أو في حينه، وأما لو أمر الشهود بكتمه بعده فليس بنكاح سر على المنصوص، ويؤمرون بإشهاره.
ثم بالغ بقوله: وإن أوصى فيه بكتم شهود فقط، كثروا أو قلوا؛ لأنه باطل.
أو أوصي بكتمه من امرأة دون أخرى، ظاهره امرأته أو غيرها، وهو ظاهر ما حكاه المؤلف عن الواضحة، وفي كلام ابن عرفة: امرأة له.
أو كان الإيصاء على كتمه بمنزل دون غيره، هذا ظاهر كلامه.
وقال الشارح عن الواضحة: تواصوا أن يكتموه في المنزل الذي نكح فيه ويظهروه في غيره.
أو في أيام معينة؛ لأن الكتم من أوصاف الزنا، ويفهم من جمعه الأيام ما دون الجمع ليس سرا.
وقال اللخمي: هو نكاح سر، ولو يومين.
[محل الفسخ: ]
ومحل الفسخ إن لم يدخل وبطل زمانه بعد الدخول عند الأكثر، فإن
стр. 1637
وجدا فلا فسخ؛ لأن الطول مظنة الظهور، وأما إن لم يدخل أو دخل ولم يطل فالمشهور الفسخ، قاله في البيان، ولم يبين المصنف ولا ابن الحاجب مقدار الطول.
[معاقبة المتزوجين سرًا: ]
وعوقبا، أي: الزوجان هما والشهود، فالضمير للزوجين، وعطف المصنف على المتصل من غير فصل، ويجوز نصب الشهود، قال ابن مالك:
والنصب مختار لدى ضعف النسق (١)
ظاهره: ولو مع الجهل.
المغربي: وهو ظاهر الكتاب.
ابن ناجى: والصواب حملها على ما رواه ابن وهب من ثبوت العقوبة مع العمد دون الجهل.
[نكاح النهارية: ]
ثم ذكر نكاح النهارية، فقال: وفسخ قبل الدخول وجوبًا نكاح عقد على أن لا تأتيه أو أن لا يأتيها إلا نهارًا أو ليلًا، أو هي كذلك عند ابن القاسم وأصبغ.
стр. 1638
مالك: لا خير فيه.
وظاهره: الحرمة، ومفهوم كلام المؤلف ثبوته بعد الدخول، وهو كذلك، ويسقط الشرط، ولها صداق المثل.
ابن رشد: وهو الذي يأتي على مذهب المدونة.
والفرق بين هذا ونكاح المتعة -على قول ابن القاسم- دخوله هنا على بقاء نكاحه للموت.
[العقد بخيار: ]
ثم عطف على معمول فسخ، فقال: أو عقد بخيار -أي: عليه- لأحدهما -أي: الزوجين- أو خيار غير ولي أو غيره فسخ قبل الدخول، وثبت بعده، وإليه رجع مالك.
وظاهر كلام المصنف: كان الخيار بالمجلس أو بعده بيسير أو كثير، يوم أو يومين فأكثر؛ ففي التهذيب: يفسخ قبل البناء؛ إذ لو ماتا قبل الخيار لم يتوارثا، وإن بنى بها ثبت النكاح، وكان لها المسمى، وإذا انقضت أيام الخيار ولم يختر من له الخيار فلا نكاح بينهما قولًا واحدًا.
[عقد اشتراط الصداق لكذا: ]
أو عقد على إن لم يأت الزوج بالصداق الذي وقع به العقد لكذا -أي: لأجل كذا- فلا نكاح بينهما، وجاء به قبل الأجل المشترط فسخ قبل الدخول، وثبت بعده بالمسمى.
تنبيه:
قولنا: (قبل الأجل) مثله في التوضيح عن البيان، وأما إن لم يأت به حتى انقضى الأجل فالفسخ قولًا واحدًا.
стр. 1639
وإذا علمت هذا فقول البساطي عن ابن رشد: (إن الخلاف إنما هو إذا أتى به في الوقت الذي ذكره) غير ظاهر (١).
[الفسخ لنوع الصداق: ]
وفسخ أيضًا قبل الدخول ما -أي: نكاح- فسد لصداقه، إما لكونه لا يملك شرعًا كخمر، أو يملك ولكن لا يصح بيعه كآبق، أو يصح ولكن فيه تفريق الصفقة كعبد يساوي ألفين على أن تعطيه ألفًا.
[مناقضة شرط للعقد: ]
أو عقد على شرط يناقض مقصود العقد، ومثل له بقوله: كأن لا يقسم لها في المبيت مع غيرها من نسائه.
تنبيه:
قال ابن ناجي هذا نكاح النهارية ذكره في قسمها، وقل من يعرف إنها في المدونة.
وقولنا: (ومثل له) لدفع أنها مكررة في كلام المؤلف.
أو على شرط أن يؤثر عليها كقسمه لها ليلة ولغيرها ليلتين مثلًا، فإن وقع فسخ قبل الدخول، وثبت بعده.
стр. 1640
[حكم الشرط المناقض: ]
وألغي الشرط.
[حكم الشرط المقتضي للعقد: ]
وإن لم يناقض الشرط مقتضى العقد، بل اقتضاه، ولو لم يذكر، كشرط إنفاقه عليها، فوجوده كعدمه.
[حكم الشرط المحايد: ]
وقد لا يكون له تعلق بالعقد، ولا ينفيه ولا يقتضيه، كأن لا يتسرى عليها، أو لا يتزوج مثلًا، فهو مكروه؛ لما فيه من التحجير، فلا فسخ به مطلقًا قبل ولا بعد، ويستحب الوفاء بالشرط.
[النكاح لأجل: ]
وفسخ مطلقًا قبل الدخول وبعده، ما كان مثل النكاح لأجل، مما يفسد لعقده سوى ما تقدم من القسمين قبله، وهما ما يفسخ إن لم يدخل ويطل، وما يفسخ قبل الدخول؛ لبطلانه اتفاقًا، سواء جهل الأجل، كـ: متعيني بنفسك مدة أو يومًا أو شهرًا، أو كان معينًا كهذا اليوم أو هذا الشهر.
[ما كان كالمتعة: ]
ولما كانت العلة في نكاح المتعة التأجيل عطف عليه ما يشاركه في البطلان والفسخ مطلقًا للتأجيل، فقال كما في المدونة: أو قال لامرأة: إن مضى شهر فأنا أتزوجك، ورضيت هي ووليها، فإنه نكاح باطل، لا يقام عليه.
واختلف في فهمها، فالأكثرون أن المنع لتوقيت الإباحة بزمن دون زمن كالمتعة.
وفهمها ابن رشد على أنه ليس هناك عقد مبرم، بل هو عقد فيه خيار.
[ماهية الفسخ: ]
وهو -أي: الفسخ- طلاق، أي: بطلاق على المشهور، في كل
стр. 1641
نكاح، إن اختلف فيه بين العلماء صحة وفساد، أو لو كان فاسدًا على المذهب.
[زواج المُحْرِم: ]
كمحرم تزوج في إحرامه بحج أو عمرة، تولاه بنفسه أو بوكيله، محرمًا أو حلالًا.
[نكاح الشغار: ]
وكنكاح شغار: بضع ببضع، وتبع المصنف ما في المدونة من أنه من المختلف فيه.
[ما يترتب على النكاح الفاسد: ]
والتحريم في المصاهرة بالنكاح المختلف فيه حاصل بعقده، فتحرم أم المنكوحة به عليه، وعلى آبائه وأبنائه، ولو كان المذهب فساده مراعاة للخلاف.
وبسبب وطئه كالصحيح، وذكر التحريم بالوطء، وإن استغنى عنه بالتحريم بالعقد ليرتب عليه استحقاق الميراث وعدمه، ولذا قال: وفيه الإرث إن مات أحدهما بعد الوطء قبل فسخه أو بعده، وقبل انقضاء العدة، فإن فسخ قبل الوطء فلا ميراث.
[نكاح المريض: ]
ثم استثنى من الإرث فقط ما لو كان بسبب الفسخ، فقال: إلا نكاح المريض، فلا إرث فيه؛ لأنه إنما فسخ لأجل الإرث.
[إنكاح العبد: ]
ثم عطف على (كمحرم) قوله: وإنكاح العبد، بأن تولى العقد على امرأة.
[إنكاح المرأة: ]
وإنكاح المرأة نفسها أو غيرها من النساء، فيفسخ بطلاق؛ للاختلاف في صحته وفساده.
стр. 1642
[النكاح المجمع على فساده: ]
ثم أخرج من قوله: (اختلف)، فقال: لا اتفق على فساده، فلا طلاق، ولا إرث، كـ: خامسة، وأم امرأته، أو عمتها عليها، وحرم وطؤه فقط، لا عقده.
[الفسخ بعد الدخول: ]
وما فسخ من النكاح الفاسد بعده، أي: بعد البناء، فالمسمى لها من الصداق لازم للزوج.
وإلا بأن لم يكن فيه شيء مسمى فصداق المثل لازم له.
[الفسخ قبل الدخول: ]
وسقط المسمى إن كان أو صداق المثل بالفسخ قبله، أي: قبل الدخول.
[نكاح الدرهمين: ]
ثم استثنى من الأنكحة الفاسدة نكاحًا واحدًا فيه المسمى إذا فسخ قبل البناء، وهو ما أشار إليه بقوله: إلا نكاح الدرهمين إن امتنع الزوج من إتمامهما ثلاثة دراهم -كما يأتي- فنصفهما، وكذا ما يساويهما، كما قاله ابن القاسم في المدونة.
واقتصر على الدرهمين هنا تبعًا للمدونة، وإلا فسيذكر في فصل الصداق حكم ما نقص عن ربع دينار أو ثلاثة دراهم الداخل فيه نكاح الدرهمين.
وبهذا يرد قول البساطي: (لا يخفى ما في قوله: "إلا نكاح الدرهمين").
ثم شبه لإفادة الحكمين السابقين، فقال: كطلاقه -أي: النكاح الفاسد المستحق للفسخ- ففيه إن طلق بعد البناء المسمى، إن كان، وإلا فصداق المثل، ولا شيء فيه إن طلق قبله، إلا نكاح الدرهمين.
стр. 1643
[تعويض المدخول بها: ]
وتعاض -أي: تعوض- المرأة المتلذذ بها بغير الوطء شيئًا يراه الناس والإمام في مقابلة تلذذه، كذا لابن القاسم في إرخاء ستوردها، وعددها.
[عقد الصغير لنفسه: ]
ولولي صغير عقد لنفسه بغير إذن وليه فسخ عقده، سواء قدر على الجماع أم لا، وله إمضاؤه كالبيع الصحيح، وإذا فسخ فلا مهر لها عليه، ولو وطئ، بكرًا كانت أو ثيبًا؛ لأنها سلطته على نفسها هي أو وليها، ولا عدة عليها، وإن وطئ؛ لأن وِطْأَه كالعدم.
تتمة:
قال الشارح: ينبغي أن يقيد ذلك بما إذا وقع قبل الموت، وأما إن مات الصبي قبل الرد، وقد كان وطئ فعدة وفاة.
[تزويجه بشروط: ]
وإن زوج الصغير بشروط عقد وليه له عليه لعتق من تيسر ربها عليها، أو طلاق من يتزوجها عليها، أو تزوج هو بنفسه على ذلك، وأجيزت من وليه، وبلغ وكرهت تلك الشروط، فله التطليق إن لم ترض المرأة بإسقاطها، فإن رضيت ولو محجورة لزمه، وله البقاء مع لزوم الشرط؛ فهو مخير مع وجودها عند ابن القاسم، وعند ابن وهب يلزمه مطلقًا، وعند ابن العطار يسقط مطلقًا.
وبهذا التقرير يندفع قول البساطي: (كل زوج له التطليق، فما فائدة هذا)، وكذا قول الشارح: (لو قال: "ثم بلغ" لكان أحسن).
[ما يترتب على تطليقه: ]
وفي لزوم نصف الصداق إن طلق وعدم لزومه قولان لابن القاسم،
стр. 1644
عمل بهما، أي: عمل بكل منهما جماعة من الموثقين (١).
[تنازعهما في الشروط: ]
ولو قال الزوج: وقع العقد على الشروط وأنا صغير، وقالت الزوجة أو وليها: بل وهو كبير، فقال ابن القاسم: القول لها أن العقد وهو كبير، وعلى الزوج البينة، وإلا حلف الولي.
تذنيب:
محل هذا إن لم يدخل، فإن دخل قبل بلوغه سقطت الشروط، قاله المتيطي وغيره، وإن دخل بعده عالمًا بها لزمته عند ابن القاسم، وإن ادعى عدم العلم فقوله بيمينه.
[زواج العبد بلا إذن: ]
وللسيد رد نكاح عبده إن تزوج بغير إذنه، القن أو ذي الشائبة كمكاتب ومدبر ومعتق لأجل أو بعضه؛ لأنه عيب، وله إمضاؤه بالقرب، كما سيأتي، وورثه السيد إن مات كالسيد بطلقة؛ لصحة النكاح، لا فسخًا دون طلاق، خلافًا لأبي الفرج، فقط وهو المشهور، وعليه أكثر الرواة، لا اثنين.
قال ابن بشير: لبقاء التفاته مع الواحدة.
بائنة؛ لإزالتها ضرر السيد، ومحل خيار السيد إن لم يبعه، فإن باعه فلا مقال له.
стр. 1645
إلا أن يرد عليه به، أي: بعيب التزويج، بأن لم يعلمه المشتري قبل الشراء، فللسيد حينئذ رد النكاح كما سبق.
وظاهره: ولو باعه عالمًا بتزويجه، وبه قال بعض الأندلسيين.
وقال بعض الموثقين: لا رد له؛ لدلالته على رضاه.
ومفهوم (به): أنه لو رده بغيره لم يكن للبائع رد نكاحه، وهو كذلك على أحد القولين.
ثم عطف أو يعتقه على (بيعه)؛ لسقوط حقه بالعتق، علم بتزويجه قبله أو لا.
ولو أعتقه المشتري قبل علمه بعيب التزويج، ثم اطلع عليه، هل يرجع على البائع كغيره من العيوب أو لا يرجع لتفويته على البائع فسخ النكاح؟ قولان للمتأخرين.
[حق زوجة العبد: ]
ولها -أي: لزوجة العبد المردود نكاحه- ربع دينار وجوبًا، إن دخل؛ لأنه أقل ما يستحل به البضع، وإن لم يدخل فلا شيء لها على المنصوص، وهو مفهوم الشرط، وسواء كانت حرة أو أمة.
[اتباع العبد بالباقي: ]
واتبع عبد ومكاتب إن عتقا بما بقي للمرأة من صداقها بعد الربع دينار؛ لأن الصداق لا يسقط بعد فسخ السيد؛ إذ هو نكاح صحيح تترتب عليه آثاره.
وتتبعهما بالباقي إن غراها بحالهما، وكذا إن لم يغرا، بأن أخبرها العبد بأنه عبد، والمكاتب بأنه مكاتب، أو دخلا على السكوت.
[محل اتباعها لهما: ]
ومحل اتباعها لهما بذلك إن لم يبطله سيد عن عبده قبل عتقه؛ لأن الدين بغير إذنه عيب، أو إن لم يبطله سلطان بأن يرفع السيد الأمر إليه،
стр. 1646
أو يكون غائبًا؛ لأن السلطان يذب عن مال الغائب.
وظاهر كلامه: أنه لا فرق بين العبد والمكاتب في إسقاط السيد ذلك عنهما، لكن في المكاتب تفصيل وخلاف، ذكرناه في الكبير.
[محل إجازة نكاحه: ]
ولما قدم أن للسيد رد نكاح عبده بغير إذنه قال: وله الإجازة بعد امتناعه إن قرب وقت إجازته من امتناعه، ولم يرد الفسخ، وإنما نص على جواز الإجازة وإن كانت مفهومة من التخيير السابق في قوله: (وللسيد رد نكاح عبده)؛ لأن قيد القرب لا يفهم من المفهوم، ونزلوا منزلة القرب ما في حكمه بأن لا يعلم.
ومفهوم الشرط ليس له الإجازة بعد الطول؛ لأن عدم الرضا مع الطول قرينة على إرادة الفسخ، أما لو أراد الفسخ لتم فسخه، كما نص عليه في المدونة.
ثم عطف على مفهوم: (إن لم يرد الفسخ) أو يشك السيد في قصده عند امتناعه، وهذا كقول ابن المواز: إن شك السيد على أي وجه خرج منه فهو فراق واقع. انتهى.
ابن محرز: ويكون بتاتًا احتياطًا، كمن يتيقن الطهارة وشك في الحدث.
[نكاح السفيه بلا إذن: ]
ولولى سفيه بالغ اطلع على نكاحه بغير إذنه فسخ عقده، إن لم يكن نظرًا، وله إمضاؤه إن كان نظرًا، وأطلق الفسخ ليعم قبل البناء وبعده، وهو كذلك.
وإذا فسخ قبل البناء فلا شيء لها، وبعده فالأكثر على قول مالك لها ربع دينار، وبه أخذ ابن القاسم وغيره.
стр. 1647
تنبيه:
لو لم يطلع الولي عليه حتى خرج من ولايته فلا فسخ له، ويثبت النكاح.
قال في الشامل: وهو الأصح.
ومقابله: ينتقل له ما كان لوليه، من الفسخ والإمضاء.
[مسألة: ]
ثم بالغ على بقاء ما كان للولي من الفسخ والإمضاء بقوله: ولو ماتت زوجة السفيه على المشهور، وتعين على الولي الفسخ بموته، أي: السفيه، فلا ترثه، ولا شيء لها، إن كان الفسخ قبل البناء، ولها بعده ربع دينار.
والفرق على المشهور بين الزوج والزوجة: أنه إذا مات فالإرث والصداق من جهة واحدة.
[تسري المكاتب والعبد المأذون له: ]
ولمكاتب وإن بلا إذن، نص عليه لئلا يتوهم منعه خوف عجزه، ولعبد مأذون له في التجر تسر من ماله دون مال السيد، وإن بلا إذن، والمبالغة راجعة للمسألتين لئلا يتوهم في المكاتب أن لا بد له من الإذن كالتزويج، وفي العبد لأنه في ماله كالوكيل، وقرره الشارح على أن المكاتب والعبد إذا تجرا في مال السيد كان لهما التسري من مالهما.
ويحتمل التسري من مال السيد، ويشهد لذلك قول ابن راشد: للمأذون في شراء أمة وطئها دون إذن ربه فيه؛ لقولها: للمأذون التسري دون إذن ربه فيه.
[نفقة العبد: ]
ونفقة العبد على زوجته بإذن سيده تكون عليه من غير خراج عليه، وفي بعض النسخ (في) موضع (من)، والمعنى واحد، ومن غير كسب له؛ لأنهما لسيده، بل ذلك من هبة أو وصية ونحوهما.
стр. 1648
إلا لعرف جار بالإنفاق منهما أو من أحدهما، وإذا لم يجد ما ينفقه على زوجته من غير كسب وخراج، ولم يكن عرف بالإنفاق منهما فرق بينهما، إلا أن يأذن السيد له من ذلك، أو ترضى بالمقام من غير إنفاق، كالمهر؛ فإنه لا يكون من خراجه ولا من كسبه، إلا أن يكون العرف جاريًا بذلك.
تتمة:
قال اللخمي: المدبر والمعتق لأجل كالعبد، والمكاتب كالحر؛ لأنه بائن عن سيده، والمعتق بعضه في يوم يخصه كالحر، وفي يوم سيده كالعبد.
[ضمان العبد المهر: ]
والمهر لا يضمنه سيد بإذن التزويج؛ لقولها: فإن أذن له فنكح فذلك على العبد.
[جبر المجنون على النكاح: ]
وجبر أب ووصي (١) -وإن سفل على الأصح- وحاكم مجنونًا احتاج
стр. 1649
للنكاح، بأن خيف منه الفساد، كذا قيده اللخمي؛ لأن الحد وإن سقط عنه لا يعان على الزنا.
[جبر الصغير عليه: ]
وجبر كل صغيرًا على النكاح، ظاهره: كانت فيه غبطة كتزويجه بموسرة أو شريفة أو لا.
عياض: وهو مقيد في كتاب الخلع بما فيه غبطة.
ولم يذكره المؤلف، وذكره في الشامل قائلًا: أو لأب صغير لغبطة على المنصوص.
[جبر السفيه عليه: ]
وفي جبر السفيه على النكاح، وشهره الباجي، وعدم جبره وصححه عبد الحق، خلاف.
تنبيه:
هذا من المواضع التي تدل على أن المصنف يطلق المشهور على هذا الصحيح، وكان تلميذه صاحب الشامل لا يرتضيه؛ ولذا قال فيه هنا: ولهم -أي: الأب ومن معه- جبر سفيه على المشهور، وصحح خلافه.
[صداق المجنون والصغير والسفيه: ]
وصداقهم -أي: المجنون والصغير والسفيه- إن أعدموا وقت جبر الأب لهم على الأب على المشهور، ولو لم يشترط عليه، ويؤخذ من مال الأب وإن مات الأب، لأنه قد لزم ذمته، فلا ينتقل عنها بموته، أو أيسروا بعد -أي: بعد إعدامهم- لأنه حكم مضى.
واقتصر على الأب من المجبرين لأنه المختص بهذا الحكم، وهو لازم له.
ولو شرط ضده، أي: شرط أنه ليس عليه، بل على الولد؛ لأن الشرط مع العدم في معنى الإسقاط.
стр. 1650
وإذا لزمه مع اشتراطه على الولد فلأن يلزمه إذا شرط عليه أو أبهم فلم يشترط على واحد منهما أحرى.
وأشار بـ (لو) لقول ابن القاسم أيضًا: إنه على الولد إن شرط عليه.
وفهم جماعة المدونة عليه، وبه جرى العمل عند الشيوخ، ولم ينبه المؤلف على ذلك.
وإلا يكونوا معدمين -بأن كانوا أملياء- فعليهم دون الأب، سواء سكتوا عمن هو عليه، أو صرحوا بأنه عليهم، إلا لشرط بكونه على الأب، فإنه عليه على المعروف.
تنبيه:
هذا الحكم في الأب بالنسبة للصغير منقول، وقال اللخمي: السفيه مثله.
قال: ولم أر في كون المجنون كذلك نصًا.
[تطارح الصداق: ]
والصداق إن تطارحه ولد رشيد وأب، فقال الابن: شرطت الصداق عليك، وقال الأب: بل عليك، فسخ النكاح إن كان قبل الدخول، ولا مهر على واحد منهما، وقاله مالك.
وهل يفسخ مطلقًا كما قال مالك، أو إن حلفا فالفسخ، وإلا يحلفا لزم الناكل، كما قال ابن المواز؟ تردد.
تنبيه:
يدخل تحت لزوم الناكل صورتان:
- نكولهما معًا فالصداق عليهما، ويثبت النكاح.
- ونكول أحدهما، فعليه فقط.