وقال أشهب: هو إكراه، ولا يحنث.
وشهره ابن بزيزة، ولم يعتبر المؤلف تشهيره.
[الإكراه في غير الطلاق: ]
وكذا العتق والنكاح والإقرار واليمين ونحوه كالبيع والشراء وسائر أفعاله في نفسه يجري فيها الإكراه.
[ما لا يكفي فيه الإكراه بالضرب: ]
ولما قدم أن الإكراه في الطلاق وما بعده يكون بتخويف القتل فما دونه، ذكر مسائل لا يكفي فيها ما دون القتل وفصلها: وأما الكفر باللَّه بأن يكره على التلفظ به، وسبه ﵊، وقذف المسلم، فإنما يجوز الإقدام على واحد من الثلاثة بالخوف المؤدي للقتل، لا ما دونه.
كالمرأة لا تجد ما يسد رمقها من طعام أو ماء إلا لمن يزني بها (١) فيجوز لها حينئذ إدخالها حال المكره قاله سحنون.
[العزيمة هنا أفضل: ]
وصبره على القتل، وصبرها على الموت أجمل من الإقدام على الكفر أو السب أو القذف أو الزنا بها.
[ما لا يعتد فيه بالإكراه: ]
لا قتل المسلم وقطعه وأن يزني، فلا يجوز الإقدام على شيء من ذلك، وهو فعل متعلق بحق آدمي، إذ ليس له أن يصون دمه بدم غيره؛
стр. 1822
فهو مخرج من قوله: (أو في فعل)، وانظر مفهوم قوله: (المسلم) (١).
[الإكراه على يمين الطاعة: ]
وفي لزوم يمين طاعة أكره عليها كإيقاع الصبح مثلًا أول وقتها، أو أن يجد ولي الأمر من يشرب خمرًا فيحلفه أن لا يشربها أو لا يسرق أو لا يزني ونحوه، وبه قال مطرف وابن حبيب.
وعدم لزومها كغيرها مما يكره عليه، وبه قال أصبغ وابن الماجشون، قولان.
ومفهومه: لو أكره على يمين معصية أو على ما ليس بطاعة ولا معصية، لم يلزمه، وهو كذلك.
قال ابن رشد: اتفاقًا.
كإجازته بعد زوال الإكراه ما كان أكره عليه.
كالطلاق مثلًا طائعًا، فلا يلزمه ذلك لإلزامه نفسه ما لم يلزمه، ولأن حكم الإكراه باق نظرًا إلى أن الواقع فاسد لا يصح بعد وهو أحد قولي سحنون.
وقوله الآخر: اللزوم، وإليه رجع، ومفهوم طائعًا: لو أجازه مكرهًا لم يلزمه من باب أولى.
وأشار بقوله والأحسن المضي لاستحسان بعض المشايخ القول الثاني.
стр. 1831
[محل الطلاق: ]
ثم أشار إلى ركن من أركانه بقوله: ومحله -أي: الذي يقع فيه- ما ملك للزوج قبله، وهو العصمة القائمة بالمرأة شرعًا، فلا طلاق لغير مالك لها، كقوله لأجنبية: أنت طالق، ويلزم في الملك للزوج.
وإن كان تعليقًا، كقوله لأجنبية: هي طالق، قال لها ذلك عند خطبتها، أو قال: هي طالق إن دخلت -أي: الدار- ونوى بعد نكاحها في المسألتين.
وتطلق عقيبه، أي: التزويج في الأولى، وعقيب الدخول في الثانية من غير حكم.
ورجوع (نوى) للمسألتين هو الظاهر، وقال بعض من تكلم على هذا المحال: إنه للثانية فقط، وأما الأولى فكأنه جعل وقوع التعليق عند الخطبة بساطًا، يدل على التعليق مع فقد النية، وإلا فمن نوى بعد نكاحها فلا فرق بين أن يقول عند خطبتها أو دون خطبتها. انتهى بمعناه، و (عقيب): بالياء المثناة التحتية لغة قليلة غلب استعمالها.
وما اقتصر عليه المؤلف من وقوع الطلاق المعلق على النكاح هو أحد قولي مالك، وعليه جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والقول الثاني: بعد الوقوع، عليه جماعة من الصحابة والتابعين أيضًا، ويحتمل في الثانية.
[مسألة: ]
وعليه النصف من الصداق، لوقوع الطلاق المعلق على التزويج في الأولى، وعقب دخول الدار قبل الدخول بها في الثانية.
إلا في الطلاق قبل الدخول بعد ثلاث، فإذا تزوجها بعدها لم يلزمه نصف؛ لفساد العقد؛ لأنه يثبت بعد الثلاث.
قال المصنف: إذا علقه بلفظ يقتضي التكرار، كـ: كلما تزوجت فلانة فهي طالق، فلا نصف لها بعد الثلاث على الأصوب عند التونسي
стр. 1832
وعبد الحميد وغيرهما، وظاهر كلام ابن المواز: لزوم النصف. انتهى.
[مسألة: ]
ولو دخل بهذه المعلق عليها فالمسمى فقط يلزمه، إن كان، وإلا فصداق المثل.
ثم شبه هذه بقوله: كوافى زوجته بعد حنثه فيها، والحال أنه لم يعلم بالحنث، ويلزمه صداق واحد.
ومفهومه: لو علم لتكرر؛ لحرمة الوطء، ولما كان لا فرق في اللزوم بين كون التعليق على واحدة أو أكثر، قال: كأن أبقى كثيرًا من النساء بعد المعلق عليها، وسواء كان المعلق عليه أقل أو أكثر.
ومثل ذلك بقوله: بذكر جنس، كـ: كل من أتزوجها من الترك فهي طالق.
أو بلد، كـ: كل من أتزوجها من إسكندرية مثلًا، أو زمان يبلغه عمره ظاهرًا، بأن تشبه حياته لمثله غالبًا، ويختلف ذلك باختلاف الحالف شبابًا وكهولة وشيخوخة.
واحترز بقوله: (يبلغه عمره ظاهرًا) عما لو قال: كل من أتزوجها إلى مائتي سنة فهي طالق، فلا يلزمه، للحرج والمشقة.
لا فيمن تحته، فلا يطلق عليه بهذا التعليق؛ لأن دوام التزويج ليس كابتدائه، وقد يفرق بين هذه ومسألة من حلف لا أركب هذه الدابة، وهو راكب لضعف الالتزام في النكاح؛ لأن أكثر الناس قالوا: لا يلزمه.
إلا إذا طلقها بعد التعليق، ثم تزوجها، فإنها تدخل في التعليق، وتطلق عليه.
وله نكاحها، اختلف الشارحان في تقرير هذا:
فقال بهرام: أي: التي تحته، أو أبانها، له أن يتزوجها إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق.
стр. 1833
وقال البساطي: إذا قال: كل حرة أتزوجها فهي طالق، فله أن يتزوج الأجنبية التي علق طلاقها على نكاحها؛ لأن كل حرة بمنزلة كل امرأة، وكل امرأة لا ينعقد، فكل حرة لا ينعقد. انتهى، وفيه بحث.
وله نكاح الإماء في قوله: كل حرة أتزوجها فهي طالق؛ للزوم اليمين في الحرائر عند ابن القاسم وابن حبيب؛ لأنه أبقى الإماء، فهو بيمينه كعادم الطول على المشهور.
ولزم التعليق في نكاح المصرية المعلق تزويجها، سواء كانت بمصر أو لا، ولزم فيها أيضًا فيمن أبوها فقط مصري كذلك، وإن كانت أمها شامية؛ لأن الأم تبع للأب، قاله الباجي.
ومفهومه لو تزوج من أمها فقط مصرية لا شيء عليه.
[مسألة: ]
ولزم التعليق على نكاح المصرية في الطارئة من غير مصر لمصر، إن تخلقت بخلقهن وطباعهن؛ إذ ليس لمصر دخل في الذات، وإنما دخلها في الأخلاق، فمن تخلق بخلق أهلها كمن ولد بها، فمن لم يتخلق بخلقهن فله نكاحها، وإن طالت إقامتها بها.
[مسألة: ]
والحالف لا يتزوج في مصر يلزم أن لا يتزوج في عملها إن نوى ذلك، سواء تزوج مصرية أو غيرها، ولا يلزم في غير عملها.
[مسألة: ]
وإلا بأن نواها خاصة أو لم ينو شيئًا فلمحل لزوم الجمعة ثلاثة أميال في الصورتين عند ابن القاسم، ولابن الماجشون وابن كنانة يلزمه في الصورة الثالثة لحد ما تقصر فيه الصلاة، وهو ثمانية وأربعون ميلا.
أصبغ: وهو القياس.
стр. 1834
تنبيه:
قول الشارح: (كلام المؤلف يوهم دخول الصورة الثالثة في ذلك، وليس كذلك) غير ظاهر، بل داخلة كما قررناه، ونحوه في الشامل.
[مسألة: ]
وله -أي: الحالف أن لا يتزوج بمصر- المواعدة بها؛ ليتزوج بغيرها؛ لأن المراعى انعقاد النكاح، وهو إنما ينعقد بغيرها.
[مسألة: ]
لا إن عم النساء، لكل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه؛ للحرج والمشقة.
ولم يعتبروا بقاء السراري؛ لأن الزوجات أضبط، أو لأن كل أحد لا يقدر عليه، أو لا تطيب نفسه به.
[مسألة: ]
أو أبقى قليلًا بالنسبة لما علق عليه، ككل امرأة إلا فلانة أو بنات فلان، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق إلا تفويضًا، فلا شيء عليه؛ لقلة نكاح التفويض.
ولو عكس، فقال: كل امرأة أتزوجها تفويضًا فهي طالق لزمه.
[مسألة: ]
أو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق إلا من قرية صغيرة وسماها، ونحوه في المدونة، وزاد: وقبيلة صغيرة.
وقيل: يلزمه.
[مسألة: ]
أو قال: كل امرأة أتزوجها حتى أنظرها، أو قبل أن أنظرها، فهي طالق، فعمي لم يلزمه، وله أن يتزوج من لم ينظرها، وكذلك حتى ينظرها فلان، فمات.
стр. 1835
وظاهره: ولو لم يخش العنت، وهو كذلك، انقلب أمر يمينه بعد الخصوص للعموم، كمن خص الأبكار، بأن قال: كل بكر أتزوجها فهي طالق بعد خصوص كل ثيب أتزوجها طالق، أو العكس بأن قال: كل بكر أتزوجها فهي طالق، ثم قال: كل ثيب أتزوجها فطالق، فلا شيء عليه فيهما؛ لحصول التعميم، حكاه جماعة، واختاره اللخمي.
وقرره الشارح على أنه يلزمه في الأول من القبيلين دون الثاني عند ابن القاسم وجماعة.
ابن بشير وابن راشد: وهو الجاري على المشهور.
وصححه في شامله.
[مسألة: ]
أو خشي الحالف في المعلق المؤجل العنت -أي: الزنا- وتعذر التسري، فلا يلزمه شيء، كـ: كل امرأة أتزوجها إلى عشرين سنة فطالق.
ابن القاسم: عشرون سنة فأكثر.
[مسألة: ]
أو قال: آخر امرأة أتزوجها طالق، فتزوج، فلا شيء عليه عند ابن القاسم؛ لأنه كمن حرم جميع النساء.
قال سحنون: يوقف عن التي تزوجها حتى يتزوج بعدها، فتحل الأولى، وتوقف عن الثانية كذلك، وعن الثالثة كذلك، وهو معنى قوله: وصوب، أي: وصوب اللخمي قول سحنون وقوفه عن الوطء في الأولى حتى ينكح ثانية، فتحل له الأولى، ثم كذلك يوقف عن الثانية حتى ينكح ثالثة، وكذلك الرابعة، وهلم جرًا.
وهو -أي: المعلق- في المرأة الموقوفة كالمولي، يضرب له أجل، الإيلاء من يوم ترفعه، واختاره، أي: اختار اللخمي القول المصوب.
إلا في المرأة الأولى، فلا يوقف عنها؛ لأنه لما قال: آخر امرأة
стр. 1836
علمنا أنه جهل لنكاحها أولًا، لم يرده باليمين.
[مسألة: ]
ولو قال: إن لم أتزوج من المدينة فهي -أي: التي أتزوجها من غيرها- طالق، فتزوج من غيرها، نجز طلاقها على المشهور؛ لأن معناه التزام طلاق من ليست من المدينة تعليقًا، فكأنه قال: كل امرأة أتزوجها من غير المدينة طالق، إذ المقصود عرفًا الرغبة في نساء المدينة، والتزام طلاق غيرهن.
وسواء تزوج قبلها من المدينة أو بعدها، وهذا ظاهر قول المدونة: إن قال: إن لم يتزوج من الفسطاط فكل امرأة أتزوجها طالق، لزمه الطلاق فيما يتزوج من غيرها.
وتؤولت أي: فهمها اللخمي على أنه إنما يلزمه الطلاق إذا تزوج من غيرها قبلها، فلو تزوج منها قبل، ثم تزوج من غيرها فلا شيء عليه، قاله ابن محرز أيضًا.
وقال سحنون: لا يحنث فيما يتزوج من الفسطاط، ويوقف عنها حتى يتزوج من المدينة.
[مسألة: ]
واعتبر في ولايته -أي: ولاية ما يوقعه الزوج شرعًا- لطلاق مثلًا أو ظهار عليه، أي: على المحل، وهو العصمة حمال النفوذ، أي: وقت الشيء المحلوف عليه.
فلو فعلت الزوجة المحلوف عليه بالطلاق أن لا تدخل دار زيد الدخول المحلوف عليها حمال بينونتها من زوجها بعد الحلف لم يلزم طلاقه إذا نكحها بعد؛ لأنها أجنبية حين الفعل، فمحل الحلف معدوم.
ولو نكحها بعد ففعلت حنث إن بقي من العصمة المعلق فيها شيء، بأن كان طلقها واحدة أو اثنتين.
стр. 1837
سواء تزوجها غيره أو لا؛ لأن النكاح الثاني عندنا لا يهدم الطلاق السابق، وأما إن لم يبق من العصمة المعلق فيها شيء، بأن كان أبانها بالثلاث عادت إليه بعد زوج، ودخلت، فلا شيء عليه؛ لزوال العصمة المعلق فيها.
[مسألة: ]
كالظهار: تشبيه لها بما قبلها، فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت عليَّ كظهر أمي، فإن دخلت حال بينونتها لم يلزم، أو بعد عودها للعصمة وبقي من العصمة المعلق فيها شيء لزم، وإلا فلا.
[مسألة: ]
لا محلوف لها أو عليها بطلاق غيرهما، فإنهما يحالفان المحلوف بطلاقها في أنهما لا يختصان بالعصمة المحلوف فيها، بل يقع الطلاق، وإن كان في عصمة أخرى عند ابن المواز وابن حبيب؛ ولذا قال: ففيها -يعني: العصمة- وغيرها.
فإذا قال: كل امرأة أتزوجها عليك فهي طالق، لم تختص بالملك الذي علق فيه، لأن مقصودة تطييب خاطرها، وذلك لا يحصل إلا بالدوام، ونحوه في إيلاء المدونة.
وقد ذكرنا نصها في الكبير، فانظره، وما ذكره المؤلف خلاف ما شهره ابن الحاجب (١).
[مسألة: ]
فلو طلقها -أي: المحلوف لها- ثم تزوج أجنبية، ثم تزوجها، أي: المطلقة المحلوف لها، طلقت الأجنبية، ولا حجه لى معتبرة في دعواه أنه لم يتزوج عليها، بل تزوجها على غيرها.
قال في المدونة: ولا أنويه.
ثم بالغ على ذلك بقوله: وإن ادعى نية؛ لأن قصده أن لا يجمع بينهما، أي: والجمع حاصل.
[مسألة: ]
وهل عدم قبول نيته لأن اليمين على نية المحلوف لها، فالمعتبر نيتها، وهو تأويل أبي الحسن الصغير، أو معناه ما قال بعضهم وابن رشد: إنه قامت عليه بذلك بينة، وإنما لو جاء مستفتيًا لقبل؟ تأويلان.
قال بعضهم: في كلا المدونة نظر؛ لكونه يقول: نويت أن لا أتزوج، ونحن نقول له: قصدك أن لا تجمع بينهما، وهو مخالف لقصده.
[مسألة: ]
وفي ما إذا قال: كل امرأة أتزوجها على فلانة ما عاشت فلانة طالق، لزمه ذلك مدة حياتها، سواء كانت تحته حين تزوج عليها أم لا، نحوه في المدونة، وزاد: ما لم يخش العنت، ولم يذكره المؤلف.
إلا لنية كونها تحته، فيلزمه الطلاق، إلا أن يكون نوى بقوله: (ما عاشت) ما دامت تحته، فإذا طلقها وتزوج بعد طلاقها فله نيته.
стр. 1840
[مسألة: ]
ولما كان المعتبر حال المطلق يوم نفوذه، لا يوم عقده، قال: ولو علق عبد الثلاث لزوجته على الدخول لدار فلان، فعتق العبد، ودخلت بعد عتقه، لزمت يمينه بالثلاث، لأنه حر حال النفوذ، فلو دخلت قبل عتقه لزمه اثنتان، ولم تحل له إلا بعد زوج، ولو عتق بعد ذلك.
[مسألة: ]
ولو علق العبد اثنتين على الدخول، فعتق ودخلت، لزمه اثنتان، وبقيت له واحدة، ولو علق واحدة بقيت له اثنتان، كما لو طلق واحدة وهو عبد، ثم عتق، بقيت له واحدة، لأنه طلق نصف طلاقه، فكان كحر طلق واحدة ونصفًا.
تنكيت:
لو قال المصنف: لو علق ذو رق ليشمل ذي السائبة، كما قال محمد، لكان أحسن.
[مسألة: ]
ولو علق حر طلاق زوجته المملوكة لأبيه على موته -أي: موت أبيه الذي يرثه؛ إذ لو ارتد لم يرثه لم ينفذ تعليقه؛ لانتقال تركة أبيه له بموته، ومن جملتها أمة أبيه، فيفسخ نكاحه، ولو كان على التركة دين؛ لانتقالها للورثة.
[صيغة الطلاق: ]
ثم شرع في الركن الرابع، وهو الصيغة بقوله: ولفظه الذي تنحل به العصمة دون غيره من الألفاظ المنقسمة:
لصمريح، وهو: ما دل على معنى لا يحتمل غيره، ولا ينصرف عنه بنية صرفه.
وكناية، وهو: ما يحتمل وينصرف لغيره.
стр. 1841
[أولًا: الطلاق الصريح: ]
ومثل للأول بقوله: طلقت، وأنا طالق منك، أو أنت طالق مني، أو مطلقة، أو الطلاق لي لازم، وأجاب القرافي عما أورده على قول الفقهاء: الصريح ما كان فيه الطاء واللام والقاف في عدم اللزوم في منطلقة، إلا بالسنة، بأنه كان الأصل عدم اللزوم في (أنت طالق)؛ لأنه خبر، والخبر لا يلزم به طلاق، وإنما يلزم بالإنشاء، لكن العرف نقل (أنت طالق) للإنشاء، ولم ينقل منطلقة؛ ولذا قال المصنف: لا منطلقة، فلا يلزم بها طلاق، إلا بالبينة، فيلزم ما نواه.
[محل لزوم طلقة واحدة: ]
وتلزم واحدة في كل من الألفاظ السابقة لصراحتها، ولما كانت صالحة للاثنتين والثلاث، قال: إلا لنية أكثر من الواحدة، فيلزم ما نواه، وظاهره: من غير يمين.
قال في الشامل: وهو الأصح.
وشهر ابن بشير لزوم اليمين، ولم يعتبر المؤلف تشهيره، وإلا لقال خلاف على عادته.
كاعتدي تلزم واحدة، إلا لبينة أكثر، ولو كررها نسقًا مرة أو اثنتين لزمه بعدد ما كرر، إلا أن ينوي واحدة.
وصدق في نفيه في قوله: اعتدي، إن دل البساط على العدّ، بشد الدال، بأن يكون معه شيء يعدّه لها، فيقول: اعتدي، ويقع في بعض النسخ على العداء بالمد، وجعل الشارحان مثاله قوله: أو كانت موثقة بقيد أو كتان، وقالت: أطلقني. فقال: أنت طالق، وادعى أنه أراد من الوثاق، ولا خلاف أنه يدين في ذلك إن سألته.
وأما إن كان لم تسأله فتأويلان في تصديقه وعدمه، وظاهره: ولو كان
стр. 1842
جاء مستفتيًا، ولا تنفع البينة في ذلك، إلا أن يكون جوابًا (١).
стр. 1843
[محل لزوم الثلاث: ]
ويلزم الثلاث في بتة من البت، وهو القطع، دخل بها أو لا، وهو مذهب المدونة والرسالة، وهو خلاف ما شهره ابن الحاجب، فإنه قال: وجاء وينوي في غير المدخول بها، وهو المشهور.
ويلزم الثلاث في حبلك على غاربك أي: كتفك؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا أن تنتهي الدابة بالرعي ألقو حبلها على كتفها، فشبه به طلاق المرأة، ونحوه في التخيير والتمليك هي ثلاث، ولا ينوي؛ لأن هذا لا يقوله أحد، وقد أبقى من الطلاق شيئًا.
أو لها: أنت طالق واحدة بائنة فثلاث، بنى أو لم يبن، وهو مذهب الرسالة كالمدونة، وعلى هذا قرره الشارح، وقرر البساطي على لزوم الثلاث في المدخول بها لخلوه عن العوض، وهو قول ابن القاسم في العتبية.
стр. 1844
أو نواها -أي: الواحدة البائنة- بخليت سبيلك، أو ادخلي الدار مثلًا، قال في التخيير والتمليك من المدونة: وإن قال لها بعد البناء: أنت طالق واحدة بائنة فهي ثلاث.
أو قال لها: الحقي بأهلك، أو استتري، أو تخفي، أو ادخلي، أو اخرجي، يريد بذلك كله واحدة بائنة فهي ثلاث، وأعاد الشارحان والأقفهسي ضمير نواها للثلاث، وليس بظاهر مع وجود هذا النص، ولتكرره مع ما يأتي قريبًا، وثلاثًا إلا أن ينوي أقل مطلقًا في خليت سبيلك، واللَّه أعلم.
تنبيه:
ترك المصنف التقييد ببعد البناء كما في المدونة، ولعله لوضوحه، واقتصر على قوله: (ادخلي) دون ما معه في المدونة؛ لأنه أخفها، فغيره أحروي.
ويلزم الثلاث إلا أن ينوي أقل منها لواحدة أو اثنتين إن لم يدخل بها في قوله: أنت علي كالميتة والدم ولحم الخنزير، وإن لم ينو به الطلاق، ومثله: وهبتك نفسك، أو طلاقك، أو لأبيك.
أو قال لأهلها: وهبتها لكم، ورددتك لأهلك، أو أنت حرام، قال علي أو لم يقل، ومثله: أنا منك حرام.
أو ما انقلب إليه من أهلي حرام، وكذا لو أسقط أهل، أو قال: أنت خلية مني، أو أنا خلي منك، أو بائنة، قال مني أو لم يقل.
أو: أنا منك، لزمه الثلاث في ذلك كله، مدخولًا بها أو لا، لكنه ينوي في غير المدخول بها، وحلف في غير المدخول بها عند إرادة النكاح لمن أوقع عليها واحدة من هذه الألفاظ أنه لم يرد إلا واحدة أو اثنتين، ودين في نفيه -أي: الطلاق- إن دل بساط عليه من تقدم كلام غير الطلاق، يكون هذا جوابًا له، وإلا لزمه، ولا نية له.
ويلزم ثلاث في قوله: لا عصمة لي عليك، أو اشتر لها منه وباعها،
стр. 1845
فثلاث لملكها بالشراء جميع ما كان يملكه، وقاله سحنون في امرأة اشترت عصمتها، إلا لعداء فواحدة، إلا أن يريد الثلاث.
قال الشارح: والاستثناء راجع لقوله: (لا عصمة لي عليك) فقط. انتهى.
قال القرطبي والأبياني: إلا أن يكون معها لفداء فواحدة، حتى يزيد الثلاث، ونحوه للبساطي، لكنه يستظهر رجوعه للشراء.
ويلزم ثلاث، إلا أن ينوي أقل مطلقًا، دخل أو لا، في قوله: خليت سبيلك، وهذا غير ما تقدم؛ إذ لم يتوارد على محل واحد كما نبهنا عليه فيما تقدم.
وتلزم واحدة في قوله: فارقتك، إلا أن ينوي أكثر، وظاهره: بنى أو لا.
اللخمي: لأن الطلاق والفراق واحد، ومن فارق فقد طلق، ومن طلق فقد فارق.
ولمالك وابن القاسم وغيرهما: واحدة في التي لم يبن بها، وإن قال: لم أرد طلاقًا فهي أشد، وهي البتة.
[الكنايات الخفية: ]
ولما تكلم على الكنايات الظاهرة، ألحق بها الخفية، فقال: ونوى فيه -أي: في الطلاق- هل أراده أو لا، إذا قال: أردته نوي في عدده واحدة، أو أكثر، فإن لم يرد شيئًا فهي البتات في قوله لها: اذهبي وانصرفي، أو لم أتزوجك، أو قال له رجل: ألك امرأة؟ قال: لا.
أو قال لها: أنت حرة، أو: معتقة، أو: الحقي بأهلك، أو: ليست لي بامرأة، إلا أن يعلق في هذا الأخير، بأن يقول: إن كلمت زيدًا مثلًا فليست لي بامرأة، فلا ينوي، ويقع واحدة، إلا أن ينوي أكثر.
وإن قال لها: لا نكاح بيني وبينك، أو: لا ملك لي عليك، أو: لا
стр. 1846
سبيل لي عليك، فلا شيء عليه في المسائل الثلاث، إن كان عتابًا، وإن لم يكن عتابًا ولم ينو شيئًا فهو طلاق، كما في المدونة.
ومثله قوله لعبده في العتق، وإليه أشار بقوله: وإلا فبتات، ولم تقع هذه المسائل الثلاث عند البساطي.
وهل تحرم بوجهي من وجهك حرام، وهو قول ابن القاسم، أو لا شيء عليه، وهو قول ابن عبد الحكم ذهابًا في ذلك لما اعتاده بعض الناس في قوله: عيني في عينك حرام، ووجهي من وجهك حرام، يرون البغض والمباعدة؟ قولان.
وهل تحرم بقوله: وجهي على وجهك حرام، نحوه لابن راشد وابن عبد السلام وهو نص غير اللخمي، أو لا تحرم، وهو نص اللخمي؟ قولان.
وفي أكثر النسخ أو على وجهك، هل تحرم بقوله: وجهي على وجهك، بغير زيادة لفظة حرام.
أو هل تحرم بقوله: ما أعيش فيه حرام، وهو قول عبد الحق: أعرف فيها قولًا بلزوم الطلاق.
أو لا شيء عليه، وهو قول محمد: ليست من العيش، إلا أن ينوي بها، فيلزمه، قولان في كل فرع من الفروع الثلاثة، وحذفه من الأولين لدلالة هذا الثالث.
ثم شبه في هذا الشق الثاني، وهو لا شيء عليه، فقال: كقوله لها: يا حرام، وهو لابن عبد الحكم أبو عمران، ولا نص لغيره، ولم يعتبر المصنف تقييد ابن يونس لذلك بكونه ببلد لا يريدون به الطلاق، كأنت سحت.
أو: الحلال حرام، أو لم يقل: علي، لا شيء فيه عند ابن العربي، أو: حرام علي، ولم يقل: أنت.
стр. 1847
أو قال: جميع ما أملك حرام، ولم يرد إدخالها، لا شيء عليه، وبه أفتى أبو بكر بن عبد الرحمن، قولان في كل فرع من الفروع الثلاثة التي قبل التشبيه لا الرابعة.
وإن قال لها: أنت سائبة مني، أو: عتيقة، أو: ليس بيني وبينك حلال ولا حرام، أي: ليس بيني وبينك شيء، وادعى أنه لم يرد الطلاق بلفظ منها حلف على نفيه، ولا شيء عليه، ونحوه في المدونة، وكتاب محمد.
فإن نكل عن الحلف وقع عليه، ونوي في عدده، وعوقب على ذلك عقوبة موجعة؛ لتلبيسه على نفسه وعلى المسلمين (١).
ولا ينوي في العدد أو واحدة أو اثنتين إن أنكر قصد الطلاق بعد
стр. 1848
قوله لها: أنت بائن أو برية أو خلية أو بتة، جوابًا لقولها: أود لو فرج اللَّه لي من صحبتك؛ لقرينة دلالة الحال على إرادة ما بيده من العصمة (١).
стр. 1849
وإن قصده -أي: الطلاق- بكاسقني الماء أو ادخلي أو اخرجي أو كلي أو اشربي أو تقنعي أو خزاك اللَّه، أو قصده بكل كلام ليس من لفظ الطلاق لزم ما أراده من واحدة فأكثر على المشهور.
ومفهومه: إن لم يقصده فلا شيء عليه، وهو كذلك في المدونة، ومقابله لأشهب: عدم اللزوم لهذه الألفاظ، إلا أن يعلق عليها الطلاق بنيته فينوي، كقوله: إن قلت لك اسقني الماء فأنت طالق.
لا إن قصد التلفظ بالطلاق فلفظ بهذا، أي: اسقني الماء، وغير غلطًا، فلا يلزمه شيء، لأنه لم يوقع الطلاق بالنية، وإنما أراد إيقاعه بلفظ فوقع في الخارج غير ذلك اللفظ، فلم يقع طلاق بنية، ولا تلفظ بما أراد به الطلاق.
أو أراد أن ينجز الثلاث، فقال: أنت طالق وسكت عن ذكر الثلاث، فيلزمه واحدة فقط، إلا أن يريد بلفظه: أنت طالق الثلاث، فيلزمه الثلاث.
وسفه قائل: يا أمي، ويا أختي، ويا عمتي، ويا خالتي، ولا يلزمه طلاق إذا قال ذلك لزوجته.
وأشار المؤلف بذلك لقول مالك: هو من كلام أهل السفه، وفيه دليل على حرمته أو كراهته.
[الطلاق بالإشارة: ]
ولزم الطلاق بالإشارة المفهمة، ظاهره: من كل قادر على الكلام أو عاجز عنه كالأخرس، وهو كذلك.
[الطلاق كتابة: ]
ولزم الطلاق مرسله بمجرد إرساله به لزوجته مع رسول، فيقع حين قوله ذلك، ونحوه في المدونة.
ولزم أيضًا بالكتابة حال كون الكاتب عازمًا عليه، سواء كتب لها أو
стр. 1850
لغيرها، ويقع ناجزأ؛ لوجود النية، والكتابة كالنطق، وسواء خرج الكتاب من يده أم لا.
فائدة:
أقاموا من هذه من قال لشاهد: اكتب لهذه طلقة، فقال له: لا تفحل، أو قال: اكتب لها ثلاثًا، فقال له: اجعلها واحدة، لزم بما عزم عليه، ولا أثر لقول الشاهد.
أو كتب لا عازمًا، بل لينظر ويشاور، لزمه الطلاق إن وصل الكتاب لها.
ومفهومه: عدم اللزوم، إن لم يصل لها، وهو كذلك، وتحته صورتان:
الأولى: أن لا يخرجه، لكن في المدونة وغيرها: يحلف ما أراد إنفاذ الطلاق، ويدين.
والثانية: أن يخرجه ويرده قبل وصوله لها، فلا يلزمه، وهو المشهور ومذهب المدونة، وسواء كتب: أنت طالق، أو إذا جاكِ كتابي فأنت طالق، ومثار الخلاف في هذه: هل وصوله كالنطق، أو إخراجه، واللَّه أعلم.
[الطلاق بالكلام النفسي: ]
وفي لزومه بكلامه النفسي، بأن يطلق بقلبه كما يطلق بلسانه، وليس المراد مجرد القصد الذي هو المراد في العبارات؛ لأن لفظ النية مشترك فيهما، وعدم لزومه بالكلام النفسي خلاف.
والقولان لمالك في العتبية والموازية، وقال القرافي: من عزم على طلاق امرأته ثم بدا له لم يلزمه إجماعًا، وكذا من اعتقد أنها مطلقة ثم تبين له أنها غير مطلقة لم يلزمه إجماعًا، والخلاف إنما هو إذا أنشأه بقلبه بكلامه النفساني، وهو يسمى نية. انتهى.
стр. 1851
تنبيه:
لا أثر للوسواس لقوله في نفسه: أطلقها وأستريح منها ونحوه.
[تكرير لفظ الطلاق: ]
وإن كرر الطلاق بعطف بواو، أعاد المبتدأ أو لا، كـ: أنت طالق، وأنت طالق، وأنت طالق، أو: طالق، وطالق، وطالق.
أو فاء كذلك، كـ: أنت طالق، فطالق، فطالق.
أو ثم كذلك، كـ: أنت طالق، ثم طالق، . . إلخ، فثلاث في المسائل الثلاث، إن دخل بها، ولا ينوي في إرادة الواحدة.
قال مالك: وفي كون النسق بالواو كهو بالفاء أو ثم في اقتضائها المغايرة أو لا يلزمه بها إلا واحدة كغير العطف إشكال.
قال ابن القاسم: ورأيته يريد بها ثلاثًا، ولا ينوي.
ومفهوم الشرط: إن لم يدخل فواحدة، وإن كرره بما فيه معنى الواو وهو المعية كمع طلقتين -أي: أنت طالق مع طلقتين فثلاث- مطلقا، دخل أو لا؛ لاقتضاء المعية ذلك.
وكذا كل لفظ يقتضي المعية، كـ: طلقة مصحوبة بطلقتين، أو معروفة بهما، أو تحتهما، أو فوقهما، أو يمينهما، أو يسارهما، ولو قال: مع طلقة إلى آخر ما تقدم لزمه اثنتان.
[التكرار بلا عطف: ]
ولو كرره بلا عطف، كـ: طالق طالق طالق، لزمه ثلاث في المدخول بها، كغيرها إن نسقه بغير فصل، خلافًا للقاضي إسماعيل في قوله: تلزمه واحدة في غير المدخول بها؛ لأن الواحدة تبينها، فلا يجد ما بعدها محلًا يقع فيه، إلا لنية تأكيد فيهما، أي: في المدخول بها وغيرها، فيقبل في اللفظين المؤكد بهما أو أحدهما.
وهذا في غير معلق بمتعدد، كأن لا يكون معلقًا أصلًا، أو معلقًا
стр. 1852
بمتحد، كـ: أنت طالق إن كلمت زيدًا، أنت طالق إن كلمته، وأما إن علقه بمتعدد تعدد كـ: طالق إن كلمت، إن دخلت، إن خرجت.
[ما اختلف في لزومه واحدة أو اثنتين: ]
ولو طلق زوجته، فقيل له: ما فعلت؟ فقال للسائل: هي طالق، فإن لم ينو إخباره بذلك، بل قال ذلك بغير نية، ففي لزوم طلقة فقط، وهو قول اللخمي، أو اثنتين قولان للمتأخرين، وإن نوى إخباره فيقبل، ويحلف، وهل الآن أو عند نية إرجاعها؟ قولان لابن محرز وعياض.
[حكم التجزئة: تكميل الكسر: ]
ولما كان حكم التجزئة التكميل، قال: وفي نصف طلقة، أو: نصف طلقتين، أو: نصفي طلقة، أو: نصف وثلث طلقة، بذكر طلقة في المعطوف، وحذف من المعطوف عليه: طلقة؛ لرجوع الجزأين معًا واحدة.
وكذا لو ذكر أجزاء يقصر مجموعها عن الطلقة، أو يساويها، واستشكل لزوم واحدة في المسألة الثانية، بأنه مخالف لقولهم: التثنية والجمع كتكرار الواحد.
أو كان الضرب لا يزيد على المضروب، مثل واحدة في واحدة؛ لأن الخارج واحدة.
أو علقه بمتحد، كقوله: متى ما فعلت، وأسند الفعل إليه أو إليها، وكرر ذلك مرة فأكثر لزمه واحدة، إن نوى التأكيد، وإلا تعدد، وفي بعض النسخ هنا: (أو متى) فقط دون (ما)، كما قدمه في باب الأيمان، أو طالق أبدًا طلقة في المسائل السبع، وحذفه من الستة الأول لدلالة هذا عليه.
[ما فيه لزوم اثنتين: ]
ويلزم اثنتان في ربع طلقة ونصف طلقة؛ لأن كلا منهما أخذ مميزة
стр. 1853
فاستقل به، وهو الأصل في النكرة إذا أعيدت نكرة، فالثانية غير الأولى (١)؛
стр. 1854
كقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾.
ولابن الحاجب هنا إشكال، فإنه قال: قالوا: في نصف وربع طلقة في نصف طلقة وربع طلقة وربع طلقة طلقتان، انظر جوابه في الشرح الكبير.
[لزوم الخارج من ضرب عددين صحيحين: ]
ويلزم اثنتان في قوله واحدة في اثنتين، قاله سحنون؛ لأن الخارج من ضرب الواحد فيما عداه ما عداه.
[مسألة: ]
ويلزم اثنتان أيضًا في قوله: الطلاق كله إلا نصفه، بالضمير، قاله سحنون؛ لأن الخارج واحدة ونصف.
تنبيه:
لعل المصنف أتي بالضمير موضع الظاهر؛ لأنه لو أتى به لزمته الثلاث، لقول سحنون: لو قال: أنت طالق الطلاق كله إلا نصف الطلاق، أو ثلاثًا إلا نصف الطلاق، لزمته الثلاث، لأن الطلاق المبهم واحدة، فكأنه قال: إلا نصف طلقة، فاستثناؤه منها غير مفيد لتكميل كسر الباقي (١).
стр. 1855
[مسألة: ]
ويلزم اثنتان في قوله لامرأته: أنت طالق إن تزوجتك، ثم قال: كل من أتزوجها من هذه القرية مشيرًا لقريتها فهي طالق، ثم تزوجها.
[عود على ما يلزم ثلاثًا: ]
ويلزم ثلاث في قوله: أنت طالق الطلاق، إلا نصف طلقة، كأنه قال: أنت طالق طلقتان ونصف، ونحوه للشارح.
وقال البساطي: أنت طالق إلا نصف طلقة؛ لأن الطلاق يفسر بواحدة وباثنتين وبثلاث، فإن فسر بثلاث كان معناه: أنت طالق اثنتين ونصفًا، والطلاق يحتاط فيه.
أو قال: أنت طالق اثنتين في اثنتين فالثلاث؛ لأن ضرب اثنتين في اثنتين أربعة، تبين منها بثلاث، وكذا بقية هذا المعنى، وظاهره كان يعرف الحساب أو لا.
قال ابن عرفة: هذا إن كان عالمًا بالحساب، أو قصده ولم يعلمه، وإلا فهو ما نوى إن كان مستفتيًا، أو علم من قرائن الأحوال عدم قصده معنى الضرب، كقول من علم جهله بالبادية: أنت طالق طلقتين في طلقتين، وقال: أردت طلقتين فقط. انتهى.
وهذا على ما عندهم، وأما عند عوام المصريين، فينبغي لزوم الثلاث؛ لأنهم إنما يقصدون الجمع، واللَّه أعلم.
أو قال لمن تحيض: أنت طالق كلما حضت، لزمه ثلاثة الآن عند ابن القاسم؛ لأنه محتمل غالبا، ولأنه قصد تكثير الطلاق.
وقال سحنون: يلزمه اثنتان إذا قاله.
وهو ظاهر؛ لأن المعجل فرع الواقع بالتعليق، فإذا حاضت وقعت واحدة، ثم إذا حاضت وقعت أخرى، وإذا طهرت من هذه فلا تقع الثالثة.
أو قال: كلما طلقتك فأنت طالق، ثم طلقها واحدة، لزمه ثلاث،
стр. 1856
وإليه رجع سحنون، واختاره ولده، وكان يقول: يلزمه اثنتان؛ بناءً على أن فاعل السبب هو فاعل المسبب، أو لأنه لما طلقها واحدة طلقت أخرى بالتعليق، فإن قلنا: إنه فاعل الثانية طلقت ثالثة، وإلا فاثنتان فقط.
وألحق سحنون بكلما متى ما، وإذا ما، ودرج عليه المصنف، فقال: أو متى ما طلقتك فأنت طالق، ثم طلقها واحدة.
أو قال: إذا ما طلقتك فأنت طالق، وطلقها واحدة، أو قال لها: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، وطلقها واحدة، لزمه ثلاث.
وحذف وطلقها واحدة من المسائل الثلاث لدلالة هذا.
تنبيه:
قال ابن عرفة: ظاهره: أن متى ما وإذا ما مثل كلما دون إرادة كونهما مثلهما خلاف نصها، ونص ابن حبيب في تكرير الطلاق، وفي لفظ ابن شاس أن مهما ومتى ما مثل إذ في عدم التكرار. انتهى.
أو قال لها: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثًا، فإذا طلقها لزمه ثلاث؛ لأن قبلها لغو؛ لاتصالها بالحل إلى زمن التعليق، وفي زمن التعليق قد مضى قبله، والماضي لا يرتفع.
وأيضًا ثبوته يؤدي لرفعه، كذا لمالك، ووقع له ما يدل على خلاف ذلك، انظره في الكبير، وقد قال ابن عرفة: وهذه المسألة معروفة بالسريجية. انتهى.
وقال البساطي: إن قلت: فعلى هذا لا يلزمه شيء، كما قال ابن سريج وغيره من الشافعية.
قلت: هذا هو أصل هذا اللفظ، ولكنه لما قصد التعليق، وأوقع المعلق عليه، ألزموه المعلق. انتهى.
[عود على لزوم واحدة عند تعدد الزوجات: ]
وتلزم طلقة واحدة في امرأة من نسوة أربع قال لهن: بينكن طلقة،
стр. 1857
كأنه قال: طلقت كل واحدة منكن ربع طلقة، فيكتمل عليها، وكذا لو كانت امرأتين أو ثلاثًا؛ لحصول نصف طلقة لكل في الأولى، وثلثها في الثانية، وكذا طلقتان أو ثلاث أو أربع، لزم لكل طلقة واحدة، ما لم يزد العدد على الطلقة الرابعة، فإن قال: خمس إلى ثمان طلقن اثنتين اثنتين، وإن قال: تسع إلى ما فوق طلقن ثلاثًا ثلاثًا، قاله ابن القاسم في المدونة.
سحنون: وإن شرك بأن أتى بلفظ الشركة، فقال: شركت بينكن في ثلاث طلقات، طلقن ثلاثًا ثلاثًا، والفرق بين بينكن وهذه أنه في الأولى ألزم نفسه ما توجبه القسمة، ولم يلزم نفسه قبل القسمة شيئًا، وفي الثانية ألزم نفسه ما نطق به من الشركة، وهو موجب لكل واحدة منهن، جزاء من كل طلقة.
وقال ابن يونس: لو قال قائل: إن الفرعين سواء، لم أعبه.
وإن قال لإحدى زوجاته: أنت طالق ثلاثًا، ثم قال لثانية: أنت شريكة مطلقة ثلاثًا، وقال لثالثة: وأنت شريكتهما، طلقت الثالثة اثنتين؛ لأنه لما أشركها مع الأولى اقتضت الشركة أن لها واحدة ونصفًا، طلقت كل واحدة من الطرفين الأولى والثالثة ثلاثًا:
أما الأولى فللتصريح لها بذلك، وأما الثالثة؛ فلشركتها مع الأولى بطلقة ونصف، فيكمل النصف، ومع الثانية بطلقة، ونحوه للمصنف والشارح وابن عرفة، ووجهه البساطي بغير هذا.
تنبيه:
اقتصر المصنف في فرض المسألة على الثلاث لأنه لو زاد عليها البتة، فقال لإحدى نسائه الثلاث: أنت طالق ثلاثًا البتة، ثم للأخرى أنت شريكتهما طلقن البتة، ولم ينفعه قوله: (ثلاثًا)؛ لأنها لغو مع البتة، قدمت أو أخرت، والبتة لا تتبعض، قاله أصبغ في نوازله.
[حكم مجزئ الطلاق: ]
وأدب المجزئ للطلاق بتشريك أو غيره، ابن القاسم: من طلق بعض
стр. 1858
طلقة لزمته، ويوجع ضربًا. انتهى.
قالو: لتلبيسه على حكام المسلمين.
ابن عبد السلام: ويحتمل لمخالفته السنة، لأن اللَّه تعالى بين عدده وزمانه، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
[تطليق جزء من المرأة: ]
ثم شبه في اللزوم والأدب قوله: كمطلق جزء من زوجته، وإن كيد، ابن حارث: يدها أو رجلها ككلها اتفاقًا.
ولما كان لا فرق في اللزوم في الجزأين، كونه ذاتيًا أو لا، قال: ولزم الطلاق بـ: شعرك طالق، أو كلامك طالق، قاله أصبغ، لأنهما من محاسنها.
وقال سحنون: لا شيء عليه فيهما، كقوله لعبده. شعرك حرام، لم يعتق.
ابن عبد السلام: وقول أصبغ أظهر.
وإليه أشار المؤلف بقوله: على الأحسن، اللخمي: ولا تطلق بسعال وبصاق؛ لأنهما مما يكره، ولا يتلذذ به، بخلاف الريق، والبصاق ما زايل الفم، والريق ما لم يزايله، وهو مما يتلذ به، ودمع، وعدم الطلاق بالدمع قاله الباجي.
[الاستثناء في الطلاق: ]
وصح استثناؤه بإلا وأخواتها إن اتصل بالمستثنى منه، لا إن انفصل، إلا لعذر، كـ: سعال أو عطاس ونحوه.
ولم يستغرق، كـ: طالق ثلاثًا إلا اثنتين، وأما إن استغرق بأن كان المستثنى كالمستثنى منه فأكثر لم يصح إجماعًا.
ولما ذكر أن من شرطه عدم الاستغراق خشي أن يتوهم أن المستغرق لغو، واللغو لا يستثنى منه، كما قيل خارج المذهب، دفع ذلك بقوله: ففي
стр. 1859
إيقاع ثلاث إلا ثلاثًا إلا واحدة اثنتان، لاستثناء الواحدة من الثلاث اللازمة المستثنى منها، لا من المستثناة، وبحث فيه ابن الحاجب، انظره في الكبير (١).
أو قال: طالق ثلاثًا إلا اثنتين إلا واحدة؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات (٢)، وعكسه فثلاث إثبات، وإلا اثنتين نفي، أخرج منه اثنتين، فصار اللازم واحدة، ثم أثبت أخرى بقوله: إلا واحدة.
أو قال: طالق البتة إلا اثنتين إلا واحدة اثنتان؛ لأن حكم البتة في التبعيض كالثلاث على الأصح، وهو قول أشهب وسحنون.
стр. 1860
ولسحنون: لا يصح الاستثناء منها، فيلزمه الثلاث؛ بناءً على أنها لا تتبعض، واللَّه أعلم.
تنبيه:
لا يعارض هذا ما تقدم عن أصبغ من أنها لا تتبعض؛ لوقوعها هناك مؤكدة للثلاث، بخلاف هنا.
وحذف (إلا) وما بعدها من التي قبلها لدلالة ما هنا عليه.
[الاستثناء بعد عطف: ]
وإذا عطف المستثنى منه على شيء يمكن الاستثناء منه أيضًا إذا جمع، فقال: أنت طالق واحدة واثنتين إلا اثنتين إن كان الاستثناء من الجميع فواحدة تلزمه؛ لأنه أخرج اثنتين من الثلاث؛ بناءً على جواز استثناء الأكثر، وهو الصحيح، خلافًا لعبد الوهاب.
وإلا بأن كان الإخراج من المعطوف فقط أو من المعطوف عليه خاصة فثلاث، لكونه مستغرقًا، وكل من المعطوف والمعطوف عليه مسألة مستقلة.
تتمة:
سكت عن ذكر المساوي، كـ: طالق اثنتين إلا واحدة، وهو صحيح عند الأكثر، وغير صحيح عند عبد الوهاب؛ لاشتراطه كون الباقي أكثر، وعليه يختلف في المسائل المذكورة؛ لأن الواحدة ليست أقل، وهو داخل في قول المصنف: ولم يستغرق.
[إلغاء ما فوق الثلاث: ]
وفي إلغاء ما زاد على الثلاث فلا يستثنى منه، واعتباره فيستثنى منه قولان لسحنون، ورجع عن الأول للثاني.
فإذا قال: أنت طالق خمسًا إلا اثنتين، فعلى الأول يلغى الزائد، وهو الاثنان؛ لأن الشرع لم يجعل له إلا ثلاثًا، فكأنه قال: ثلاثًا إلا اثنتين، فيلزمه واحدة.