وإليه رجع سحنون، واختاره ولده، وكان يقول: يلزمه اثنتان؛ بناءً على أن فاعل السبب هو فاعل المسبب، أو لأنه لما طلقها واحدة طلقت أخرى بالتعليق، فإن قلنا: إنه فاعل الثانية طلقت ثالثة، وإلا فاثنتان فقط.
وألحق سحنون بكلما متى ما، وإذا ما، ودرج عليه المصنف، فقال: أو متى ما طلقتك فأنت طالق، ثم طلقها واحدة.
أو قال: إذا ما طلقتك فأنت طالق، وطلقها واحدة، أو قال لها: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، وطلقها واحدة، لزمه ثلاث.
وحذف وطلقها واحدة من المسائل الثلاث لدلالة هذا.
تنبيه:
قال ابن عرفة: ظاهره: أن متى ما وإذا ما مثل كلما دون إرادة كونهما مثلهما خلاف نصها، ونص ابن حبيب في تكرير الطلاق، وفي لفظ ابن شاس أن مهما ومتى ما مثل إذ في عدم التكرار. انتهى.
أو قال لها: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثًا، فإذا طلقها لزمه ثلاث؛ لأن قبلها لغو؛ لاتصالها بالحل إلى زمن التعليق، وفي زمن التعليق قد مضى قبله، والماضي لا يرتفع.
وأيضًا ثبوته يؤدي لرفعه، كذا لمالك، ووقع له ما يدل على خلاف ذلك، انظره في الكبير، وقد قال ابن عرفة: وهذه المسألة معروفة بالسريجية. انتهى.
وقال البساطي: إن قلت: فعلى هذا لا يلزمه شيء، كما قال ابن سريج وغيره من الشافعية.
قلت: هذا هو أصل هذا اللفظ، ولكنه لما قصد التعليق، وأوقع المعلق عليه، ألزموه المعلق. انتهى.
[عود على لزوم واحدة عند تعدد الزوجات: ]
وتلزم طلقة واحدة في امرأة من نسوة أربع قال لهن: بينكن طلقة،
стр. 1857
كأنه قال: طلقت كل واحدة منكن ربع طلقة، فيكتمل عليها، وكذا لو كانت امرأتين أو ثلاثًا؛ لحصول نصف طلقة لكل في الأولى، وثلثها في الثانية، وكذا طلقتان أو ثلاث أو أربع، لزم لكل طلقة واحدة، ما لم يزد العدد على الطلقة الرابعة، فإن قال: خمس إلى ثمان طلقن اثنتين اثنتين، وإن قال: تسع إلى ما فوق طلقن ثلاثًا ثلاثًا، قاله ابن القاسم في المدونة.
سحنون: وإن شرك بأن أتى بلفظ الشركة، فقال: شركت بينكن في ثلاث طلقات، طلقن ثلاثًا ثلاثًا، والفرق بين بينكن وهذه أنه في الأولى ألزم نفسه ما توجبه القسمة، ولم يلزم نفسه قبل القسمة شيئًا، وفي الثانية ألزم نفسه ما نطق به من الشركة، وهو موجب لكل واحدة منهن، جزاء من كل طلقة.
وقال ابن يونس: لو قال قائل: إن الفرعين سواء، لم أعبه.
وإن قال لإحدى زوجاته: أنت طالق ثلاثًا، ثم قال لثانية: أنت شريكة مطلقة ثلاثًا، وقال لثالثة: وأنت شريكتهما، طلقت الثالثة اثنتين؛ لأنه لما أشركها مع الأولى اقتضت الشركة أن لها واحدة ونصفًا، طلقت كل واحدة من الطرفين الأولى والثالثة ثلاثًا:
أما الأولى فللتصريح لها بذلك، وأما الثالثة؛ فلشركتها مع الأولى بطلقة ونصف، فيكمل النصف، ومع الثانية بطلقة، ونحوه للمصنف والشارح وابن عرفة، ووجهه البساطي بغير هذا.
تنبيه:
اقتصر المصنف في فرض المسألة على الثلاث لأنه لو زاد عليها البتة، فقال لإحدى نسائه الثلاث: أنت طالق ثلاثًا البتة، ثم للأخرى أنت شريكتهما طلقن البتة، ولم ينفعه قوله: (ثلاثًا)؛ لأنها لغو مع البتة، قدمت أو أخرت، والبتة لا تتبعض، قاله أصبغ في نوازله.
[حكم مجزئ الطلاق: ]
وأدب المجزئ للطلاق بتشريك أو غيره، ابن القاسم: من طلق بعض
стр. 1858
طلقة لزمته، ويوجع ضربًا. انتهى.
قالو: لتلبيسه على حكام المسلمين.
ابن عبد السلام: ويحتمل لمخالفته السنة، لأن اللَّه تعالى بين عدده وزمانه، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
[تطليق جزء من المرأة: ]
ثم شبه في اللزوم والأدب قوله: كمطلق جزء من زوجته، وإن كيد، ابن حارث: يدها أو رجلها ككلها اتفاقًا.
ولما كان لا فرق في اللزوم في الجزأين، كونه ذاتيًا أو لا، قال: ولزم الطلاق بـ: شعرك طالق، أو كلامك طالق، قاله أصبغ، لأنهما من محاسنها.
وقال سحنون: لا شيء عليه فيهما، كقوله لعبده. شعرك حرام، لم يعتق.
ابن عبد السلام: وقول أصبغ أظهر.
وإليه أشار المؤلف بقوله: على الأحسن، اللخمي: ولا تطلق بسعال وبصاق؛ لأنهما مما يكره، ولا يتلذذ به، بخلاف الريق، والبصاق ما زايل الفم، والريق ما لم يزايله، وهو مما يتلذ به، ودمع، وعدم الطلاق بالدمع قاله الباجي.
[الاستثناء في الطلاق: ]
وصح استثناؤه بإلا وأخواتها إن اتصل بالمستثنى منه، لا إن انفصل، إلا لعذر، كـ: سعال أو عطاس ونحوه.
ولم يستغرق، كـ: طالق ثلاثًا إلا اثنتين، وأما إن استغرق بأن كان المستثنى كالمستثنى منه فأكثر لم يصح إجماعًا.
ولما ذكر أن من شرطه عدم الاستغراق خشي أن يتوهم أن المستغرق لغو، واللغو لا يستثنى منه، كما قيل خارج المذهب، دفع ذلك بقوله: ففي
стр. 1859
إيقاع ثلاث إلا ثلاثًا إلا واحدة اثنتان، لاستثناء الواحدة من الثلاث اللازمة المستثنى منها، لا من المستثناة، وبحث فيه ابن الحاجب، انظره في الكبير (١).
أو قال: طالق ثلاثًا إلا اثنتين إلا واحدة؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات (٢)، وعكسه فثلاث إثبات، وإلا اثنتين نفي، أخرج منه اثنتين، فصار اللازم واحدة، ثم أثبت أخرى بقوله: إلا واحدة.
أو قال: طالق البتة إلا اثنتين إلا واحدة اثنتان؛ لأن حكم البتة في التبعيض كالثلاث على الأصح، وهو قول أشهب وسحنون.
стр. 1860
ولسحنون: لا يصح الاستثناء منها، فيلزمه الثلاث؛ بناءً على أنها لا تتبعض، واللَّه أعلم.
تنبيه:
لا يعارض هذا ما تقدم عن أصبغ من أنها لا تتبعض؛ لوقوعها هناك مؤكدة للثلاث، بخلاف هنا.
وحذف (إلا) وما بعدها من التي قبلها لدلالة ما هنا عليه.
[الاستثناء بعد عطف: ]
وإذا عطف المستثنى منه على شيء يمكن الاستثناء منه أيضًا إذا جمع، فقال: أنت طالق واحدة واثنتين إلا اثنتين إن كان الاستثناء من الجميع فواحدة تلزمه؛ لأنه أخرج اثنتين من الثلاث؛ بناءً على جواز استثناء الأكثر، وهو الصحيح، خلافًا لعبد الوهاب.
وإلا بأن كان الإخراج من المعطوف فقط أو من المعطوف عليه خاصة فثلاث، لكونه مستغرقًا، وكل من المعطوف والمعطوف عليه مسألة مستقلة.
تتمة:
سكت عن ذكر المساوي، كـ: طالق اثنتين إلا واحدة، وهو صحيح عند الأكثر، وغير صحيح عند عبد الوهاب؛ لاشتراطه كون الباقي أكثر، وعليه يختلف في المسائل المذكورة؛ لأن الواحدة ليست أقل، وهو داخل في قول المصنف: ولم يستغرق.
[إلغاء ما فوق الثلاث: ]
وفي إلغاء ما زاد على الثلاث فلا يستثنى منه، واعتباره فيستثنى منه قولان لسحنون، ورجع عن الأول للثاني.
فإذا قال: أنت طالق خمسًا إلا اثنتين، فعلى الأول يلغى الزائد، وهو الاثنان؛ لأن الشرع لم يجعل له إلا ثلاثًا، فكأنه قال: ثلاثًا إلا اثنتين، فيلزمه واحدة.
стр. 1861
وعلى الثاني لا يلغى؛ لأن المتكلم قصده، فتلزمه الثلاث.
[الطلاق المعلق: ]
واختلف في حكم الطلاق المعلق؛ ففي المقدمات مكروه.
اللخمي: ممنوع.
مطرف وعبد الملك: جرحة لا يحلف به سلطان ولا غيره، ويؤدب فاعله.
[أقسامه: ]
ولما كان إيقاعه معلقًا أقساما، شرع في الكلام عليها، وأشار لأولها وهو تعليقه بالزمان بقوله:
[أولًا: تعليقه بالماضي: ]
ونجز إن علق بماض، أي: بفعل مقدر وقوعه في الزمان الماضي ممتنع ذلك المقدر عقلًا، مثل: إن جمعت بين الضدين أمس فأنت طالق، أو بماض ممتنع عادة كـ: إن طرت في الهوى أمس فأنت طالق.
أو بماض ممتنع شرعًا، كقوله لآخر: امرأتي طالق لو كنت حاضرًا الشرك مع أخي لفقأت عينك؛ لأنه حلف على شيء لا يبر فيه، كذا في الرواية، فلو كان يعلم أنه يقدر على ذلك فينبغي أنه لا يحنث، وكذا إن قصد المبالغة لفقء العين، كذا لابن بشير.
ثم مثل للقدر المشترك عقلًا وعادة بقوله: أو جائز كـ: لو جئت أمس قضيتك حقك، فهو حانث عند ابن القاسم للشك؛ إذ هو غيب لا يدري أكان فاعلا أم لا، فلا يقدم على فرج مشكوك فيه.
ابن الماجشون: لا يحنث.
[ثانيًا: تعليقه بالمستقبل: ]
أو علقه على مستقبل محقق وقوعه، ويشبه بلوغهما له عادة، كبعد سنة أنت طالق، أو أنت طالق يوم موتي نجز وقت التعليق، ولا ينتظر؛ لأنه يشبه المتعة.
стр. 1862
أو علقه على أمر مستقبل لكنه ممتنع عادة، كـ: أنت طالق إن لم أمس السماء نجز الآن.
أو علقه على واضح نقيضه مؤخرًا عنه، كقوله: إن لم يكن هذا الحجر حجرًا فأنت طالق نجز، ومثله لابن الحاجب.
أو علقه بأمر مقدم عليه لهزله، كـ: طالق أمس؛ لأن ما يقع الآن يستحيل وقوعه أمس، فالتعليل له ولما قبله.
أو علقه بما لا صبر عنه كـ: إن قمت أو نمت أو أكلت أو شربت نجز، وسواء أسنده لنفسه أو لها أو لغيرهما، وهو كذلك عند ابن يونس وعياض عن الأكثر، وتأولوه على المدونة، وكأنه علقه على محقق بالحصول.
أو علقه على أمر غالب محتمل وقوعه، كـ: إن حضت، أو علقه على أمر محتمل واجب، كـ: إن صليت أنت أو أنا فأنت طالق؛ لأن الصلاة لا بد منها، وكذا إن صلى زيد.
أو علقه على مغيب بما لا يعلم حالًا، كـ: إن كان في بطنك غلام، أو إن لم يكن نجز عند ابن القاسم.
أو إن كان في هذه اللوزة قلبان فأنت طالق، وإن لم يكن فيها فأنت طالق نجز.
أو إن كان فلان من أهل الجنة فأنت طالق، أو إن لم يكن من أهلها فأنت طالق.
قال ابن عرفة: تعليقه على الجزم بمغيب وجودًا وعدمًا لا يعلم حين الجزم عادة يوجب الحكم بتنجيزه، وإن وجد ما علق عليه لم ترد إليه.
تتمة:
قال ابن القاسم: من قال لامرأته: أنت طالق إن لم يكن عمر بن الخطاب أو أبو بكر من أهل الجنة لا شيء عليه، وكذا عمر بن عبد العزيز.
стр. 1863
ابن رشد: وسائر العشرة كأبي بكر في ذلك، وكذلك من ثبت بطريق صحيح عنه ﵊ أنه من أهل الجنة، كعبد اللَّه بن سلام.
ووقف مالك في تحنيث من حلف بذلك في عمر بن عبد العزيز، وقال: هو رجل صالح إمام هدى.
ولم يزد على ذلك؛ لعدم ورود نص فيه، ووجه قول ابن القاسم ظاهر قوله ﷺ : "أنتم شهداء اللَّه في أرضه، فمن أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة. . " الحديث (١)، وحصل إجماع الأمة على حسن الثناء عليه، والإجماع معصوم.
أو إن كنت حاملًا فأنت طالق، أو لم تكوني فأنت طالق نجز طلاقها، وحملت على البراءة منه، أي: من الحمل إذا علق في طهر لم يمس فيه.
أو مس فيه ولم ينزل، فلا يطلق إذا ثبت، بأن قال: إن كنت حاملًا، وتطلق إذا نفى، فقال: إن لم تكوني حاملًا، وهذا الحكم اختاره اللخمي مع العزل.
ومفهوم كلام المؤلف: تنجيزه إن أنزل ولم يعزل، وهو قول مالك في المدونة، وسواء قال: إن كنت حاملًا، أو إن لم تكوني، أوقعه الحاكم أو لا، وهو الأصح.
أو علقه على ما لم يمكن اطلاعنا أيها البشر عليه، كـ: إن شاء اللَّه أو الملائكة أو الجن، أو واحد منهم، وتعليقه على ذلك كإطلاقه فينجز.
ابن رشد: اتفاقًا.
стр. 1864
أو علقه على أمر معلق بمشيئة اللَّه تعالى نجز كإن صرف المشيئة للَّه على أمر معلق عليه كأنت طالق إن دخلت الدار إن شاء اللَّه سواء أعاد الاستثناء على الطلاق أو الدخول للدار.
وقال ابن الماجشون وأشهب: ينفعه. واختاره جماعة.
بخلاف ما إذا علقه على فعل جعله سببًا، كـ: أنت طالق إن دخلت الدار، وإن لم تدخلي.
ثم قيد ذلك الفعل وهو الدخول بقوله: إلا أن يبدو لي أن لا أجعله سببًا في المستقبل، فكأنه حل ما عقد، وهذا في الفعل المعلق عليه فقط، لا في المعلق، كـ: طالق إن شاء اللَّه، إلا أن يبدو لي، أو أرى غيره، على المعروف.
والنذر والعتق كذلك، علقه على أمر لا يمكن دعوى تحقيقه، ولا يدري أحق هو أم باطل، كـ: إن لم تمطر السماء غدًا أو إلى رأس الشهر الفلاني فأنت طالق نجز على المشهور، وعلله في المدونة بأنه من الغيب، فهو دائر بين الشك والهزل، وكل منهما موجب للحنث على المذهب.
تنبيه:
قول البساطي: (نعم لو أمطرت قبل حكم الحاكم بالطلاق لم يحكم عليه بشيء) خلاف المشهور.
وأما إن لم يقيد بزمن ولا بلد فلا حنث، وإليه أشار بقوله: إلا أن يعم الزمن؛ لأنه لا بد أن تمطر في زمن ما.
أو إلا أن يحلف لعادة يعرفها أو علامة فتنتظر، فإن وقع ما حلف عليه لم يحنث، وإلا حنث.
وهل ينتظر في البر إذا حلف لعادة، كـ: أنت طالق إن أمطرت،
стр. 1865
وعليه الأكثر من شيوخ المدونة، أو ينجز كالحنث، وعليه الأقل؟ تأويلان (١).
أو علقه بمحرم كـ: إن لم أزن أو أشرب الخمر أو أقتل زيدًا نجز، إلا أن يتحقق، أي: يوجد فعل المحرم المعلق عليه قبل التنجيز، فلا حنث، وكذا في المدونة وغيرها.
واعلم أن الحكم بتنجيزه مع قولهم: (إلا أن يتحقق) كالمتناقض، إلا أن يوقف الحكم على التنجيز.
أو علقه بما لا يعلم حالًا ولا مآلًا.
تنبيه:
قال الشارح: هو تكرار مع قوله: (أو ما لا يمكن اطلاعنا عليه)، وأعاده ليرتب عليه ما بعده.
وقال البساطي: بينهما فرق، وهو أن ما لا يمكن اطلاعنا عليه ليس له خارج يمكن تعلق علمنا به، كـ: إن شاء اللَّه، وما لا يعلم حالًا ولا مآلًا له خارج يمكن أن يعلق من غير خبر، كـ: زيد من أهل الجنة مثلًا.
стр. 1866
ودين إن أمكن حمالًا أو ادعاه، كحلفه على رؤية الهلال والسماء مطبقة ليلة ثلاثين.
تنكيت:
قول الشارحين والأقفهسي: (ليلة تسع وعشرين) سبق قلم، صوابه ما قلناه؛ إذ لا يكون الشهر ثمانية وعشرين يومًا.
ثم فرع على ما تقدم، فقال: فلو حلف اثنان كل منهما على النقيض مما حلف عليه الآخر، كـ: إن قال أحدهما في طائر رأياه: إن كان هذا الطائر غرابًا فامرأته طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فامرأته طالق، أو قال أحدهما: إن لم يكن غرابًا فامرأته طالق، وقال الآخر: إن كان غرابًا فامرأته طالق، فإن لم يدع واحد منهما يقينًا طلقت زوجة كل منهما، فإن ادعى كل اليقيق فلا شيء عليهما، وإن ادعاه أحدهما دون الآخر لم تطلق زوجة مدعيه، وتطلق زوجة الآخر.
تنبيهان:
أحدهما: في قوله: (يقينًا) تسامح، ومعناه: يعتقد؛ لأن اليقين لا يتغير.
ثانيهما: فرض المسألة في اثنين يقتضي أن المخالف لو كان واحدًا له امرأتان، وحلف بطلاق كل على الإثبات والنفي لطلقتا معًا؛ إذ لا يمكنه دعوى التحقيق في الجانبين.
[ما لا ينجز فيه الطلاق: ]
ولما فرغ مما ينجز الطلاق فيه ذكر مسائل لا ينجز فيها، فقال: ولا يحنث إن علقه على محال كتعليقه بمستقبل ممتنع، كـ: إن لمست السماء فأنت طالق.
أو لا يحنث: أنت طالق إن شاء هذا الحجر عند ابن القاسم، وقال سحنون: يحنث.
стр. 1867
ويعد نادمًا، وصحح عبد الوهاب الطلاق في مسألة الحجر، وشهره المازري.
تتمة:
عورضت هذه المسألة بلزوم طلاق الهزل، كـ: أنت طالق إن لم يكن هذا الحجر حجرًا، وأجاب الغبريني بأنه فرق بين اللفظ الدال بذاته على الهزل وبين لفظ صريح يدعي فيه الهزل.
أو علقه على ما لم تعلم مشيئة المعلق بمشيئته، كـ: طالق إن شاء زيد، فمات ولم تعلم مشيئته، فلا حنث عليه، سواء وصل لذلك، أو لا، قضى شيء ولم يعلم ما قضي به، أو لم يقض.
أو علقه بمستقبل لا يشبه البلوغ إليه، ابن رشد: اتفاقًا، كمائتي يمينة مثلًا.
أو: طلقتك وأنما صبي أو مجنون أو في منامي أو قبل أن أؤكد فلا شيء عليه.
أو علقه على أمر تحصل به الفرقة بينهما، كـ: طالق إذا مت أو متي، أو إن مت أو متي فأنت طالق، إلا أن يريد نفيه، أي: نفي الموت، بأن يعلم ببساط يعلم به أنه حلف أن لا يموت عنادًا، فيحنث مكانه؛ بناء على اختصاص استعمال (إن) في النفي كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾.
أو علقه على ولادتها جارية، أو غلامًا، كقوله: إن ولدت جارية فأنت طالق، فإنه لا ينجر عليه الطلاق، بل ينتظر وقوع ما علق عليه، أو عدم وقوعه.
تنكيت:
نظر الشارح في كلام المؤلف بشيئين:
أحدهما: أن ظاهره عدم الوقوع، ولو وقع ما علق عليه، وليس
стр. 1868
كذلك، وجوابه: أنه لما تكلم على ما ينجز، سواء وقع فيه أو لم يقع، ولا ينجز، وهو هنا يقع غير منجز، بلا نزاع.
ثانيهما: أن المؤلف قدم أنه ينجز في قوله: (إن كان في بطنك غلام فأنت طالق، أو إن لم يكن فأنت طالق)، وهنا لم ينجز.
وجوابه: أن قوله: إن وضعت جارية بمنزلة إن دخلت الدار فأنت طالق، فلا تطلق إلا بدخولها، كما لا تطلق إلا إن وضعت جارية، واللَّه أعلم.
أو علقه على حملها، وليست ظاهرة الحمل، كقوله: إن حملت فأنت طالق، لم يحنث لتعليقه على مستقبل، له سبب وهو الوطء، إلا أن يطأها مرة بعد يمينه، بل وإن قبل يمينه، ولم يحصل استبراء؛ لحصول الشك في العظمة؛ لأنها قد تحمل.
وقال ابن الماجشون: له وطئها في كل طهر مرة، ما لم يظهر حملها، كقوله: لأمته أنت حرة إن حملت.
وفرق ابن يونس المشهور بمنع النكاح لأجل، وجواز العتق له، وأشعر قوله: (إذا حملت) بأنه لا يحنث، إلا بحمل مستأنف، لا بحملها الظاهر، وهو كذلك في نقل ابن يونس وابن أبي زيد واللخمي عن سحنون (١).
стр. 1869
ثم شبه لإفادة الحكم قوله كـ: إن حملت ووضعت فأنت طالق، فإنه لا شيء عليه.
стр. 1870
إلا أن يطأها مرة، وإن قبل يمينه فيحنث حينئذ، ولا ينتظر حملها ولا وضعها.
أو علقه على فعل محتمل غير غالب وجوده، يمكن علمه، لم يلزم إلا به، وهو معنى قوله: وانتظر إن أثبت، كيوم قدوم زيد، وتبين الوقوع أوله إن قدم في نصفه، أو ثلثه مثلًا.
أو علقه على مشيئة زيد، كـ: أنت طالق إلا أن يشاء زيد، لم ينجز ويوقف على مشيئته على المشهور، فإن شاء وقع، وإلا فلا.
وهذا مثل قوله: أنت طالق إن شاء زيد اتفاقًا، وإنما اختلف في المثال الأول، واتفق في الثاني؛ لأن الأول على مقابل المشهور، واقتضى وقوع الطلاق إلا إن شاء دفعه بعد وقوعه، وهو بعد وقوعه لا يرتفع، وفي الثاني وقوعه مشروط بمشيئته، فلا يقع إلا بعد وجودها.
بخلاف قوله: أنت طالق إلا أن يبدو لي عدم طلاقك، فينجز عليه.
ثم شبه في الأمرين قوله: كالنذر والعتق، فإنه يوقف فيهم على مشيئته، بخلاف قوله: إلا أن يبدو لي، فيلزمه فيهما.
ثم ذكر قسيم قوله: (إن أثبت) بقوله: وإن نفى بأن أتى بصيغة الحنث، ولم يؤجل أجلًا معينًا، بل أطلق، كـ: إن لم يقدم زيد، فإن نفي طالق منع منها، فلا يطأها؛ لأن يمينه على حنث حتى يقدم، فإن أجل بأجل معين كـ: إن لم يقدم بعد شهر لم يمنع، لأنه من ضرب أجلًا فهو على بر إليه.
ثم استثنى من قوله منع منها مما يمينه فيه على حنثه، فقال: إلا إن لم أحبلها فهي طالق، وإن لم أطأها فهي طالق؛ لأن بره في إحبالها في الأول فيطأها أبدًا حتى تحبل، وفي وطئها في الثاني، قاله في المقدمات.
وهل يكون موليًا وهو لمالك، أو لا إيلاء عليه، وهو لابن القاسم، وهو الصواب؟ قولان.
وإذا فرعنا على عدم الوطء هل يمنع من وطئها مطلقًا، وهو
стр. 1871
المشهور، أو يمنع إلا في كـ: إن لم أحج في هذا العام فأنت طالق، وليس حلفه ذلك وقت سفر للحج؛ لأن الحج لما كان له زمن معين أشبه الحلف المؤجل بمعين، وهو لا يمنع فيه، وهو لغير ابن القاسم في غير المدونة أيضًا؟ تأويلان.
وفي كون قول الغير تقييدًا أو خلفًا حسب اختلاف شراحها في ذلك رأيان.
ولما ذكر أن يمينه إذا كانت على حنث يؤجل إليه، ويمنع من وطئها ولا ينجز، خشي النقض عليه بما هو على حنث وينجز فيه الطلاق، قال: إلا في قوله: إن لم أطلقك مطلقًا، أي: بغير ذكر أجل، فأنت طالق، نجز طلاقها؛ إذ لا براءة له إلا به، فلا فائدة في الإيقاف.
أو قال: إن لم أطلقك إلى أجل كبعد شهر مثلًا فأنت طالق، ينجز على المشهور.
وقيل: حتى ترفع للسلطان.
أو قال: إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق رأس الشهر البتة، نجز؛ إذ لا بد من إحدى البتتين رأس الشهر على كل تقدير، إما بإيقاعه هو أو بمقتضى التعليق، فهو كمن قال: أنت طالق رأس الشهر البتة، أو الآن، أي: قال: إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق الآن البتة، فالبتة واقعة رأس الشهر، فينجز.
وبحث ابن عبد السلام، فقال: له أن ينتظر رأس الشهر البتة، فإذا جاء فله أن يختار الحنث، وهو فأنت طالق الآن، وقد مضى زمنه، فلا شيء عليه.
واختار المصنف الوقوع، وإن مضى زمنه، فقال: ويقع ولو مضى زمنه، كطالق اليوم إن كلمت فلانًا غدًا، وهذه مشبهة بها ما قبلها.
وإن قال: إن لم أطلقك واحدة بعد شهر فأنت طالق الآن البتة، فإن عجلها -أي: الواحدة- قبل الشهر أجزأت، ولا يقع عليه شيء بعد الشهر؛
стр. 1872
لوقوع المعلق عليه، وكونه بعد الشهر لا يضر؛ لما علم أن المنجز قد يكون قبل أجله، كطالق بعد شهر.
وإلا بأن أبي أن يطلق الآن الواحدة وقف، وقيل له: إما عجلتها الآن -أي: الواحدة- وإلا بانت منك بالثلاث (١).
[التعليق على فعل غيره: ]
ثم ذكر ما إذا علقه على فعل غيره بقوله: وإن حلف على فعل غيره، ففي تعليقه على البر كـ: أنت طالق إن دخل زيد الدار، كنفسه.
فلا فرق بين إن دخلت أو دخل زيد في جميع الوجوه، وهل كذلك يكون كفعل نفسه في تعليقه على الحنث، كـ: إن لم يدخل زيد الدار فيمنع من وطئها، ويدخل عليه، إلا بلا جملة، وهو قول ابن القاسم.
أو لا يكون كفعل نفسه، فلا يضرب له أجل الإيلاء، ولكن يتلوم له قدر ما يرى أنه أراد بيمينه، ثم يقع حنثه، وهو قول ابن القاسم أيضًا، قولان.
وظاهر كلام المؤلف: حنثه دون حكم، وهو كذلك عند ابن القاسم.
وظاهره: سواء حلف على حاضر أو غائب، وهو كذلك، ولابن القاسم ثالث: إن حلف على حاضر كـ: إن لم يهب لي دينارًا، أو إن لم يقض حقي، فالأول، وإن حلف على غائب، كـ: أنت طالق، إن لم يقدم زيد، أو إن لم يحج فالثاني.
وظاهره كان الغير أجنبيًا أو الزوجة، وهو كذلك، قال في الشامل: إن أسند الفعل إليها فأحنثته قصدًا فقولان.
стр. 1873
وان أقر بفعل، كقوله: تزوجت عليك، شم حلف بالطلاق مما فعلت، وكنت كاذبا في إقراري، صدق بيمين؛ لأن كلامه أولًا أوجب التهمة، ولا يحنث.
بخلاف إقراره أنه تزوج بعد يمينه بالطلاق، أنه لا يتزوج، ثم قال: كنت كاذبًا، فينجز بالقضاء؛ لإقراره بانعقاد اليمين، ثم الحنث.
ولا تمكنه زوجته من نفسها إن سمعت إقراره بعد اليمين، وعلمت أنه كاذب.
وبانت منه عملًا بالظاهر، وحل له هو المقام عليها فيما بينه وبين اللَّه، كمطلقة ثلاثًا ولا بينة لها.
قال مالك: ولا تتزين له، ولا تمكنه إلا كرهًا.
تنكيت:
تبع المؤلف قوله: (كرهًا) ما في التهذيب، وهو متعقب بأن الذي في الأم: إلا وهي كارهة، ولا تطاوعه؛ لأنها لا ينفعها كرهها، وإنما ينفعها كونها مكرهة.
وزاد في الأم: ولا يرى لها شعرًا، ولا وجهًا، أي: بقصد اللذة، كالأجنبي، وإلا فوجهها ليس بعورة.
ولتفتد منه بما قدرت عليه، محمد: ولو بشعر رأسها، وفي جواز قتلها له إن أمكنها ذلك عند محاورتها فسره الشارح بمراجعة الكلام بينهما في الوطء. انتهى.
وهو تفسير لغوي، ولعل المؤلف استعاره هنا للمدافعة عند إرادة الوطء.
محمد: قياسًا على العادي والمحارب.
ومنعه وهو قول سحنون: لا تقتله، ولا تقتل نفسها، أكثر ما عليها الامتناع، وصوبه ابن محرز، قولان بغير ترجيح عند المؤلف.
стр. 1874
وأمر بالفراق بغير جبر.
ابن بشير وابن شاس: اتفاقًا.
في قوله لها: إن كنت تحبيني فأنت طالق، أو في قوله: إن كنت تبغضيني بضم المثناة الفوقية فأنت طالق.
وهل عدم الجبر مطلقًا، سواء أجابته بما يقتضي الحنث أو لا، وهو رواية الواضحة، أو لا يجبر، إلا أن تجيب بما يقتضي الحنث، فينجز، أي: فينجز جبرًا، وأما إن أجابته بما لا يقتضيه فلا جبر، وهو لعياض عن بعض الأشياخ؟ تأويلان.
والمدونة فيها ما يدل لهما، انظر لفظها في الكبير.
[الشك في الطلاق: ]
وينجز عليه الطلاق بالأيمان المشكوك فيها، ويحتمل عطفه على الفراق في قوله: (إن كنت تحبيني)، أي: أمر بالطلاق في الأيمان المشكوك فيها؛ ففي المدونة: لو حلف وشك فيما حلف به، هل طلاق أو عتق أو مشي أو صدقة فليطلق نساءه، ويعتق رقيقه، وليتصدق بثلث ماله، ويمشي لمكة، يؤمر بذلك كله من غير قضاء، وما ذكره فيها قال ابن راشد: هو المشهور.
ولا يؤمر بالفراق إن شك هل طلق أم لا من غير أن يستند لأصل.
وفهم منه عدم الجبر من باب أولى، وهو كذلك هنا اتفاقًا، إلا أن يستند وهو سالم الخاطر، أي: غير موشوش، كرؤية شخص داخلًا داره مثلًا شك في كونه زيدًا المحلوف عليه، أي: ألا يدخل، أو هو غيره وغاب عنه بحيث تعذر تحقيقه، فإنه يؤمر بالطلاق اتفاقًا.
وهل يجبر عليه، وهو المشهور عند أبي عمران وجماعة، واقتصر عليه ابن الحاجب، أو لا يجبر، وهو المشهور عند أبي محمد، والمعروف عند اللخمي، وبه قال ابن القاسم وابن الماجشون، واقتصر عليه في الجلاب، تأويلان، وهما قائمان من المدونة.
стр. 1875
واحترز بسالم الخاطر عن الموسوس، فلا شيء عليه، كما في المدونة، وبرؤيته داخلًا عما شك هل دخل أم لا، لأنه من الشك الذي لا يؤمر فيه بطلاق، وكان ينبغي للمؤلف أن يقول بعد قوله: (تأويلان): وخلاف على عادته (١).
ثم إن المؤلف ذكر مسائل في الشك بالطلاق، فقال: وإن أوقع الطلاق على إحدى زوجتيه بعينها هند أو زينب، وشك أهند هي الموقع عليها أم غيرها، وهي زينب، طلقتا معًا من غير استئناف طلاق، وهو قول مالك، وكذا إن كن أكثر.
وقيل: يوقف ليتذكر.
اللخمي: والصبر أحسن.
تتمة:
لو ارتجع ونوى المطلقة لحلتا معًا إن لم تنتقض العدة، وإلا فبعقد جديد، وإن كان طلاقه ثلاثًا فبعد زوج.
أو قال لزوجتيه: إحداكما طالق، ولم ينو معينًا طلقتا معًا، وكذا إن كن أكثر على المشهور؛ لصدق ذلك على كل واحدة، لا بعينها، فكل واحدة مشكوك فيها.
وقيل: يختار كالعتق.
وفهم من قولنا: (ولم ينو معينة) أنه لو نوى معينة لصدق.
ابن بشير: اتفاقًا.
قال في المدونة: في القضاء والفتيا.
стр. 1878
وقولنا: (لزوجتيه) لأنه لو قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق، وقال: أردت الأجنبية، لم يقبل منه، وطلقت زوجته، قاله ابن شاس.
[الإضراب في الطلاق: ]
أو قال: أنت طالق، ثم قال لأخرى: بل أنت، طلقتا معًا.
اللخمي: لأنه أوجب الطلاق للثانية، وإضرابه عن الأولى لا يرفع عنها ما وقع عليها.
وإن قال: أنت طالق، أو أنت خير في طلاق أيتهما شاء، اللخمي ولو قال: أو أنت بنية أحدثها بعد تمام قوله: أنت طالق، طلقت الأولى.
ولو قال: أنت لا أنت طلقت الأولى خاصة؛ لأنه نفى الطلاق عن الثانية.
إلا أن يريد بقوله: (إلا) النفي عن الأولى، ثم التفت للثانية، فقال: أنت، أي: الذي تكون طالقًا فيطلقان معًا، وهو مراد المؤلف بقوله: إلا أن يريد الإضراب بلا.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: يحتمل بلا وبأو.
وإذا كان النقل كذلك فقول البساطي: (أحسب أن المسألة ليست كذلك، وحملها على مسألة من مسائل الشك ذكرها اللخمي، وهي: لو قال: أنت طالق، وللثانية: لا أنت، وللثالثة: بل أنت، وللرابعة: أو أنت، لخُيّر بين الأول والرابعة، ولم يطلق الثانية، وطلقت الثالثة) غير ظاهر من وجهين:
أحدهما: مخالفة نقل اللخمي.
وثانيهما: أنه صير المسألتين اللتين في كلام المؤلف واحدة، وجلب أخرى ليست من كلامه، واللَّه أعلم.
وإن شك أطلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا لم تحل له، إلا بعد زوج؛ لاحتمال كونه ثلاثًا.
стр. 1879
وظاهره: أنه يقضى عليه بذلك، وهو كذلك عند أكثر المتأخرين.
وقيل: بل على سبيل الكراهة، فيؤمر بالفراق من غير قضاء فيما زاد على الواحدة.
وصدق بغير يمين إن ذكر في العدة أنه طلق واحدة أو اثنتين ليراجع، وليس ذكره فيها شرط في تصديقه، بل للمراجعة، لنص المدونة على تصديقه بعدها، ويكون خاطبًا من خطابها.
وظاهر كلام المؤلف: تصديقه فيها فقط، وعليه قرره الشارحان.
ثم إن تزوجها بعد زوج وطلقها واحدة واحدة أو اثنتين اثنتين فكذلك لا تحل له، إلا بعد زوج؛ لاحتمال كون الأول اثنتين، وكذلك بعد زوج ثالث؛ لاحتمال كون الأول واحدة، ثم كذلك يدور.
قال في المدونة: ولو بعد مائة زوج.
وقال عياض: بعد ألف زوج.
إلا أن يبت طلاقها، فينقطع الدور.
وقال أشهب: ينقطع بعد ثلاثة أزواج، وترجع إليه إن تزوجها على كل الطلاق.
يحيى بن عمر: تدبرته فوجدته خطأ.
وقال الفضل أيضًا: هو خطأ واضح، واللَّه أعلم.
تنبيهات:
الأول: لا خصوصية لفرض المؤلف المسألة فيما ذكر كابن الحاجب، فقد ذكر ابن عرفة أن صور الشك في العدد أربعة:
- الصورة المذكورة.
- والشك في واحدة أو اثنتين.
- والشك في واحدة أو ثلاث.
стр. 1880
- والشك في اثنتين أو ثلاث.
الثاني: قال في التوضيح: لا يحصل الدوران مع الاختلاف، وإن كان ظاهر كلام جماعة حصوله، وبيان ذلك أنه إذا طلقها طلقتين في الثاني، وفي الثالث طلقة، وفي الرابع طلقة، فإن فرض المشكوك فيه ثلاثًا، فالأخيرة أول عصمة مستأنفة، وإن فرض اثنتين، فتكون ثانية، وكذلك إن فرض واحدة.
الثالث: قال المصنف: ويمكن أن يزول الشك، بأن يقول: إن لم يكن طلاقي ثلاثًا فقد أوقعت عليها تكملة الثلاث؛ لأنه بين أحد أمرين، إن كان طلقها ثلاثًا فلا شك، وإن طلقها دونها فهي في عصمته، فتقع بقية الثلاث إلى أن تنقضي العدة، أو تكون غير مدخول بها.
[استعمال الطلاق في اليمين: ]
وإن حلف صانع طعام على غير لا بد أن تدخل الدار مثلًا، فحلف الآخر بالطلاق لا دخلت، حنث الأول لحلفه على ما لا يملك، بخلاف الثاني.
واختلف شيوخنا في هذه، فقال بعضهم: يحنث الأول، ولو دخل الثاني تمسكًا بالتعليل.
وقال غيره: إنما يحنث إذا لم يدخل.
[تعليق الطلاق على شرطين: ]
وإن علق طلاقها على شرطين بأن قال: إن كلمت زيدًا إن دخلت الدار لم تطلق إلا بهما معًا، لا بأحدهما.
ولا يعارض عدم حنثه هنا بأن المذهب التحنيث بالبعض بأن المراد بالتحنيث بالبعض كون الفعل صادقًا على الكل والبعض، كـ: إن أكلت هذا الرغيف، والأكل صادق بكله وبعضه، والشرطان كل منهما غير الآخر وغير صادق عليه.
стр. 1881
[تلفيق الشهادة: ]
ولما تكلم على مسائل التعليق أخذ في الكلام على ما يلفق من الشهادة في الطلاق وما لا يلفق، فقال: وان شهد عليه شاهد بحرام فإن قال لها: أنت علي حرام، وشهد عليه آخر ببته لفقت شهادتهما اتفاقًا؛ لاتفاقهما على البينونة، وإن اختلفا في اللفظ المحصل لها.
أو شهد عليه واحد بتعليقه طلاقها على دخول دار معينة، قال ذلك في رمضان، وشهد آخر أنه قال ذلك في ذي الحجة، لفقت شهادتهما إن شهداهما، أو غيرهما، أنه دخلها بعد ذي الحجة، كما في المدونة.
أو علق الطلاق بدخولها للدار وشهدا بدخولها فيهما، فشهد الأول أنه دخلها في رمضان، والآخر أنه دخلها في ذي الحجة، لفقت شهادتها، واللَّه أعلم.
تنكيت:
جعل البساطي هذا احتمالًا في التي قبلها يوجب تكرارها، فتأمله.
أو حلف بطلاقها لا كلم زيدًا، فشهد عليه واحد بكلامه له في السوق، وآخر بكلامه في المسجد لفقت.
أو شهد عليه واحد بأنه طلقها يومًا بمصر في رمضان، وشهد عليه آخر أنه طلقها يومًا بمكة في ذي الحجة، لفقت، أي: ضمت إحدى الشهادتين للأخرى في المسائل الخمس، وحذفه من الأربعة الأول لدلالة هذا عليه، والضم في هذه الأخيرة إن أمكن كون الزوج بمصر بمكة، كما مثلنا، ومثله في المدونة، وإن لم يمكن كما لو شهد أحدهما عليه بذلك يوم الخميس بمصر، والآخر يوم الخميس الآخر في بمكة، لم تلفق، قاله ابن يونس.
ثم شبه في التعليق، فقال: كشاهد بواحدة وآخر بأزيد منها كاثنتين أو ثلاث لفقت فيما اتفقا عليه وهو الواحدة، وحلف على الزائد، أي: لإسقاطه.
стр. 1882
وإلا بأن نكل سجن حتى يحلف لقدرته على اليمين، فيتهم بنكوله، وإليه رجع مالك، وكان يقول: إن طال سجنه ترك، كما في الجلاب، وكلاهما في المدونة.
لا بفعلين: كشهادة واحد أن لا يدخل الدار، ويشهد بدخولها، والآخر أن لا يركب الدابة، ويشهد بركوبها.
أو بفعل وقول، كواحد شهد بتعليقه بالدخول لدار زيد، وآخر شهد بالدخول لها، فلا يلفق في المسألتين، وفي الصورة الثانية لف ونشر غير مرتب.
وإن شهدا عليه بطلاق واحدة معينة من نسائه، ونسياها، لم تقبل شهادتهما على المشهور لعدم ضبطها، وحلف على المشهور مما طلق واحدة منهن.
اللخمي: لا يمين.
وهذا حكم إنكاره، وأما لو صدقهما، وادعى النسيان أيضًا لطلقن كلهن، وإن عينها صدق، كما تقدم في إحداكما طالق.
وإن شهد ثلاثة كل بيمين بطلقة حنث فيها ليس معه صاحبه أمر أن يحلف؛ لتكذيب كل واحد، فإن حلف لم يلزمه شيء.
وإن نكل فالثلاث لازمة له، قاله ربيعة في آخر كتاب الأيمان بالطلاق، وانظر الكلام على ما يتعلق بهذه وما ذكرناه من الفروع في الكبير.
* * *
فصل ذكر فيه حكم النيابة في الطلاق
وهي تخيير وتوكيل وتمليك ورسالة، فقال: إن فوضه -أي: الطلاق- فوضه الزوج لها -أي: للزوجة- توكيلًا -أي: على جهة التوكيل- بأن
стр. 1883
جعل إنشاءه بيد غيره مع بقاء منع الزوجة منه، فله -أي: الزوج- العزل له قبله اتفاقًا.
إلا لتعلق حق زائد عن التوكيل، كـ: إن تزوجت عليك فأمر التي أتزوجها بيدك توكيلًا عني، فلا عزل له، كذا قيد ابن بشير بتعلق الحق، وتبعه المصنف، ولم يذكره ابن الحاجب.
ولما كان التفويض جنسًا يشمل التوكيل والتخيير والتمليك، قال: لا تخييرًا، وهو جعل الزوج إنشاء الطلاق ثلاثًا حكمًا أو نصًا عليها حقًا لغيره، ومن صيغته: اختاريني أو اختاري نفسك.
أو تمليكًا، وهو جعل إنشائه حقًا لغيره راجعًا في الثلاث يخص بما دونها بنية أحدهما، ومن صيغته: أمرك بيدك أو طلاقك، فليس له العزل، سواء جعله بيدها في المجلس، أو ما قرب منه؛ لأنهما إنما يفعلهما عن أنفسهما، وإذا لم يكن له العزل فيهما، فليس لها أن تطيل.
وحيل بينهما حتى تجيب، ووقفت، ولا تمهل، ثم بالغ بقوله: وإن قال: أمرك بيدك إلى سنة ووقفت متى علم ذلك، وفي أولها أو أثنائها فتقضي بإيقاع الطلاق، ورد ما بيدها.
وإلا بأن وقفت ولم تفعل أسقطه الحاكم، ولم يمهلها، وإن رضي الزوج لحق اللَّه تعالى؛ إذ فيه التمادي على عصمة مشكوك فيها.
وقول البساطي: (يسقطه إن رضي الزوج) غير ظاهر.
ولما كان جوابها يكون بقول وبفعل، والقول صريح ومحتمل، قال: وعمل بجوابها الصريح في الطلاق، يريد بالصريح هنا ما كانت دلالته على المعنى نصًا، كالألفاظ الصريحة في باب الطلاق.
كطلاقه تشبيه له بالصريح في جوابها وفي عدده، وعمل بجوابها في رده وبقائها في العصمة، كما كانت، كلا أقبل ما ملكتني، أو لا أدخل فيه ونحوه.
ومثل لجواب الفعل بقولها: كتمكينها من نفسها طائعة لا مكرهة،
стр. 1884
وعطف على تمكينها قوله: ومضى يوم تخييرها، ولم تختر، ونحوه في المدونة.
ويسقط خيارها أيضًا مع ردها للعصمة بعد بينونتها بخلع أو بتات؛ لاستلزامه رضاها، ولذلك لا يعتبر رد الرجعية.
وهل نقل قماشها ونحوه من الأفعال كانتقالها عنه، وتخمير وجهها منه طلاق بمجرده، أي: يجري مجرى جوابها به، وهو لمالك، وعليه اقتصر ابن شاس، أو لا يكون طلاقًا، إلا أن تريده، وهو لمالك أيضًا؟ تردد في النقل عن مالك.
وقبل منها تفسير قولها المحتمل، وهو قبلت فقط، أو قبلت أمري -أي: شأني- أو قبلت ما ملكتني بأحد أمور ثلاثة:
- برد لتمليكه واستدامتها على العصمة.
- أو طلاق.
- أو بقاء في العصمة؛ لتنظر ما هو الأحسن بها: إما البقاء، وإما الفراق.
وناكر الزوج مخيرة لم تدخل إن زاد ما أوقعته على واحدة، بأن يقول: إنما قصدت بالتخيير واحدة.
وفهم منه: أنه ليس له مناكرة المدخول بها، وناكر مملكة مطلقًا مدخولًا بها أو لا، إن زاد ما أوقعته على الواحدة.
وفي بعض النسخ: (إن زادتا)، فيعود للمخيرة والمملكة.
[شروط المناكرة: ]
ثم أفاد أن للمناكرة خمسة شروط، لا بد من اجتماعها، أشار لأحدهما بقوله: إن نواها -أي: الواحدة- عند التفويض، فلو لم ينوها عنده أو بعده أو لم ينو شيئا لزمه ما أوقعته، وكذا إن نوى أكثر.
ولثانيها بقوله: وبادر لمناكرتها فورًا عند سماع الزائد، فلو لم يبادر
стр. 1885
وأراد المناكرة وادعى الجهل في ذلك سقط حقه، وهو إحدى المسائل التي يسقط فيها حق الساكت، كما لو سكت حتى وطئها وادعت الجهل فإن حقها يسقط.
الثانية: من طلقت فراجعها زوجها، وسكتت حتى وطئها، ثم ادعت انقضاء عدتها.
الثالثة: من زوجت وهي حاضرة، فتسكت حتى دخل بها الزوج، ثم تنكر النكاح.
الرابعة: الأمة تعتق تحت العبد، فلا تختار حتى يطأها، وهي ساكتة.
الخامسة: الرجل يباع عليه ماله، ويقضيه المشتري وهو حاضر ساكت، ثم يدعي عدم الرضا بالبيع.
السادسة: سكوت الشفيع حتى أحدث المشتري في المبيع غرسًا أو بناءً، وطال الزمان، ثم أراد القيام.
السابعة: الحيازة إذا سكت المحوز عنه مدة تكون الحيازة فيها عاملة، ثم قام، فإن حقه يبطل.
ولثالثها بقوله: وحلف إن لم ينو زائدًا على الواحدة، فإن لم يحلف وقع ما زادته، ولا ترد عليها اليمين.
ابن رشد: اتفاقًا.
إذ لا يعلم صدق قوله من كذبه فيما ادعاه من النية، وقد جعل المملك لها ما كان بيده مع انتفاء نية الواحدة، ووقت هذا الحلف التعجيل وقت المناكرة، إن كان دخل بها؛ ليحكم الآن بأن طلاق التمليك رجعي.
وإلا يكن دخل بها فعند إرادة الارتجاع، أي: الزواج، فيحلف حينئذ، وأما إن لم يرده فلا يمين؛ إذ لعله لا يرتجعها.
стр. 1886
وأشار لرابعها بقوله: ولم يكررها أمرها بيدها، فإن كرره فلا مناكرة له فيما زادته، إلا أن ينوي التأكيد فما نواه، فإن لم ينوه بل نوى التأسيس أو لم ينو شيئًا فلا مناكرة.
تنكيت:
قولنا: فما نواه أحسن من قول الشارح فواحده، لأنه قد يقول: نويت التأسيس في الأولتين والتأكيد بالثالثة، أو التأكيد بالثانية والتأسيس بالثالثة، كنسقها هي إذا ملكها قبل البناء، فطلقت نفسها واحدة فواحدة فواحدة نسقًا لزمته الثلاث، ما لم تنو هي التأكيد، كطلاقه لها قبل البناء نسقًا، ونحوه في المدونة.
ولخامسها بقوله: ولم يشترط هذا التمليك في العقد، فله المناكرة، فإن اشترط فلا مناكرة له، دخل بها أو لم يدخل على المشهور، لكن إن دخل فله الرجعة، وإلا فلا، خلافًا لسحنون وغيره في أنه لا رجعة له في المدخول لها.
ابن عتاب: لرجوعه للخلع؛ لأنها أسقطت من صداقها للشرط، فإن تطوع في أصل العقد فله المناكره، قاله غير واحد.
وفي حمله -أي: التمليك عند العقد- على الشرط إن أطلق، ولم ينص على طوع ولا شرط، وهو قول أبي الوليد وابن فتحون، أو على الطوع وهو قول ابن العطار قولان، ليس له المناكرة على الأول لا الثاني، وإن قضت بأكثر من واحدة، وقال: لم أرد بالتمليك الطلاق قبل منه إرادة الواحدة بعد قوله: لم أرد طلاقًا، إذا رجع، وقال: أردت طلقة؛ لاحتمال سهوه، رواه ابن القاسم عن مالك، بعد أن يحلف، ولم يذكر المؤلف اليمين.
وقال أصبغ: لا يقبل منه؛ لأنه ندم.
واختاره غير واحد من الأشياخ؛ ولذا قال مرجحًا لقول غير ابن القاسم: والأصح خلافه، أي: خلاف قول ابن القاسم.
стр. 1887
[حكم المخيرة المدخول بها: ]
ولما قدم أن حكم المخيرة غير المدخول بها كالمملكة، ذكر حكمها مدخولًا بها، فقال: ولا نكرة له إن دخل بمخيرة أوقعت ثلاثًا في تخيير مطلق على المشهور، وهو مذهب المدونة بخلاف المقيد، كما يأتي.
وإن قالت مخيرة أو مملكة جوابًا: طلقت نفسي، سئلت بالمجلس وبعده بقليل؛ لأن جوابها محتمل، فإن أرادت الثلاث بذلك لزمت في التخيير، ولا مناكرة له، وناكر في التمليك بشروطه السابقة.
وإن قالت حين سئلت عما أرادت، فقالت: واحدة، بطلت تلك الواحدة في التخيير، بل بطل التخيير من أصله على المشهور، فلو أسقط التاء من (بطلت) ليعود للتخيير لكان أحسن. وقيل: لها القضاء ثانيًا بالثلاث.
وهل يحمل قولها: طلقت نفسي على الثلاث، لأنه الفاصل وهو قول أصبغ في الواضحة، ومذهب ابن القاسم في المدونة في التي تقول: طلقت نفسي، ولا نية لها أو على الواحدة لصدقه عليها، والأصل عدم الزائد، وهو قول ابن القاسم عند عدم النية قولان.
وفي بعض النسخ (تأويلان) موضع قوله (قولان)، والظاهر: سؤالها ثانيًا إن قالت في الجواب: طلقت نفسي أيضًا، إن لم يزد قولها ثانيًا على الأول، كذا قرره البساطي، وهو ظاهر.
وقال الشارح: لعل الواقع في الأصل طلقت زوجي؛ لأن المصنف وغيره إنما نصوا على أنه مثل طلقت نفسي، فتسأل عما أردت، وإلا فهو سهو.
[حكم التخيير: ]
وفي جواز التخيير، وهو نقل الباجي وعبد الحق عن أبي عمران، قائلًا: ما علمت من كرهه، إنما يكره للمرأة إيقاع الثلاث، وعدم جوازه قولان.
ومقابل الجواز في كلامه يحتمل المنع، وهو ظاهر من حيث المقابلة
стр. 1888
للجواز المطلق، وهو مقتضى قول اللخمي: يمنع لمنع الزوج من إيقاع الثلاث، وتوكيله عليه، فإن فعل انتزعه الحاكم من يدها، ما لم توقع الثلاث، ويحتمل الكراهة، وهو نقل الباجي -أيضًا- عن أبي بكر القاضي، ومن وافقه.
وتلخص من هذا أن في هذه المسألة ثلاثة أقوال، قال البساطي: والقول بالكراهة متوسط.
[ما يحلف فيه الزوج: ]
وحلف الزوج ولزمه طلقة واحدة، وله الرجعة في قوله: اختاري في واحدة، فقالت: اخترت نفسي، فقال: ما أردت إلا واحدة من الطلاق، وقاله مالك في المدونة.
أو في قوله: اختاري أن تطلقي نفسك طلقة واحدة، أو تقيمي، فقالت: اخترت نفسي، وهي أيضًا في الأمهات؛ ففيها: إن قال لها: اختاري أن تطلقي نفسك تطليقة واحدة، أو في أن تقيمي، فقالت: اخترت نفسي، أتكون ثلاثًا؟
قال: نزلت بالمدينة، فقال مالك: آللَّه ما أردت بقولك ذلك إلا واحدة؟ ! فقال: واللَّه ما أردت إلا واحدة. قال: هي واحدة.
قلت: ما المسألة التي تسأل عنها مالك، قال: هي رجل قال لامرأته اختاري في واحدة، فأجابه بما أخبرتك.
عياض: ظاهر قول ابن القاسم أنهما سواء، وعليه تأولها الشيخ وغيره، وتأولها آخرون أنهما مفترقتان، وأن اليمين في الأولى دون الثانية.
لا اختاري طلقة فاختارت أكثر، فلا يحلف؛ لانصباب الاختيار على التطليقة (١).
стр. 1889
[محل بطلان ما جعله لها: ]
وبطل ما جعله الزوج لها إن قضت بواحدة في قوله: اختاري تطليقتين، ولا يلزمه شيء، ويبقى الزوج على ما كان قبل القول لها، أو في قوله: اختاري في تطليقتين بزيادة (في)، لم يلزمه شيء، إن قضت بواحدة، وبطل ما جعله بيدها.
وإن قال لها: اختاري من تطليقتين، فلا تقضي إلا بواحدة، وبطل على المشهور ما جعله بيدها في التخيير المطلق العادي عن التقييد بواحدة أو اثنتين، كـ: اختاري أو خيرتك ونحوه، إن قضت بدون الثلاث.
وقال أشهب: لا يبطل اختيارها، ولها أن تقضي بالثلاث، واستحسنه اللخمي؛ إذ لم تترك ما جعل لها إلا على حصول الواحدة، كـ: طلقي [نفسك] ثلاثًا، فيبطل ما قضت بدونها، إذ ليس لها مخالفته، وهو مذهب المدونة.
стр. 1890
[مسألة: ]
وإذا خيرها وقفت إن اختارت نفسها بدخوله على ضرتها، فأما إن تختاره أو فراقه، ولا التفات لشرطها.
قال ابن ناجي: وهو المشهور.
قال في الشامل: على الأصح.
[التخيير والتمليك المطلق: ]
ورجع مالك -رحمه اللَّه تعالى- إلى بقائهما -أي: التخيير والتمليك- بيدها في المطلق العادي عن التقييد بالزمان والمكان، ما لم توقف، أو توطأ.
سواء قالت في المجلس: قبلت، أو لا، وذلك لها ما دامت في المجلس، وإن تفرقا فلا شيء لها، وحد ذلك إذا قعد معها قدر ما يرى الناس أنها تختار في مثله، ولم يقم فرارًا، ولا خيار لها بعد ذلك.
وله في باب آخر: إذا طال المجلس وذهب عامة النهار، وعلم أنهما خرجا عن ذلك إلى غيره، فلا خيار لها.
ثم شبه في قول مالك المرجوع إليه، فقال: كمتى شئت -أي: قال لها: أمرك بيدك متى شئت- فهو بيدها ما لم توقف أو توطأ.
ابن راشد: لا يختلف أنه بيدها حتى توقف، وإنما اختلف هل يقطعه الوطء أو لا.
وأخذ ابن القاسم بالسقوط لما بيدها بعد التفرق، وهو قول مالك الأول.
تنبيه:
لم يعلم من كلامه هل الراجح الأول لتصديره به، أو الثاني لموافقة ابن القاسم عليه، أو تساويهما.
وفي جعل إن شئت أو إذا شئت كمتى شئت فيتفق على أنه بيدها
стр. 1891
بشرطه ما لم توقف وهو أحد طريقي المتأخرين، أو هما كالمطلق فيأتي فيه قولًا مالك بالسقوط المرجوع عنه، وقوله المرجوع إليه وهو البقاء بيدها لشرطه، وهو طريق ثان للمتأخرين، تردد حكاه ابن بشير.
وقال أصبغ: إن قال: إن شئت كان الأمر بيدها في المجلس، ويقطعه الوطء، وإن قالت: إذا شئت كان الأمر بيدها حتى توقف، ولا يقطعه الوطء.
ثم شبه في التردد لا في مطلق الحكم قوله: كما إذا كانت غائبة عن المجلس وبلغها تخييرها ذلك، فهل يتفق على بقائه بيدها، وإن طال حتى يتبين رضاها بإسقاط حقها، وهو طريق ابن رشد، قال: والطول في ذلك أكثر من شهرين، أو كالحاضرة فيها، القولان اللذان في المملكة تمليكا مطلقًا، وهو طريق اللخمي؛ لقوله: والقول ببقائه أحسن.
الباجي: الصواب أن يدخله القولان.
[تعين المعين: ]
وإن عين أمرًا كخيرتك أو ملكتك في هذا اليوم أو الجمعة أو الشهر أو العام أو أتى بما يدل على التكرار تعين، ولا تتعداه، وهذا ما لم ترد أو يسقطه الحاكم، فهو كالمقيد بما تقدم في قوله: ووقفت، وإن قال: إلى سنة إلخ.
[إجابتها التخيير بمتنافيين: ]
وإن خيرها فأجابت بأمرين متنافيين كأن قالت: اخترت نفسي وزوجي، أو بالعكس (١)، فإن قدمت ما كان مؤخرًا، كـ: اخترت زوجي ونفسي فالحكم للمتقدم منهما في المسألتين، وهو الطلاق في الأولى، وعدمه في الثانية، قاله ابن يونس.
стр. 1892
[تنجيز التخيير والتمليك: ]
وهما -أي: التخيير والتمليك- في التنجيز وغيره ل تعليقهما بمنجز وغيره، كـ: إن مضت سنة فأمرك بيدك، فأمرها بيدها الآن، وإن قال: إن في خلت الدار فأمرك بيدك انتظر الدخول، كالطلاق في التخيير والتأخير، فينجز فيه هنا ما ينجز في الطلاق، وما لا فلا، وفاقًا وخلافًا.
[تعليقهما: ]
ولو علقهما -أي: التخيير والتمليك- بمغيبه، كـ: إن غبت شهرًا فقد خيرتك أو ملكتك، فقدم قبل انقضاء الشهر، ولم تعلم بقدومه فتزوجت بعد اختيار نفسها وثبوت غيبته، وحلفها على ذلك، وأنه لم يقدم سرًا ولا جهرًا، فكالوليين تفوت على الأول بدخول الثاني، ولم تعلم على المشهور.
وإن علمت بقدومه وتزوجت لم تفت، ولو علقهما بحضوره من سفره مثلًا، كـ: إن حضرت فأمرك بيدك فحضر، ولم تعلم بحضوره، فهي على خيارها.
تنبيه:
كذا قرره الشارح، وقول البساطي: (ليس له كبير معنى، ولا لقوله: فهي على خيارها، يعني: والذي يظهر في معنى ذلك، أنه جعلهما بيدها إلى أن يحضر، ثم حضر ولم تعلم بحضوره، فإنها تبقى على خيارها تنزيلًا لعلمها بالحضور منزلة الحضور) غير ظاهر، وقد بينا عدم ظهوره في الكبير.
[التخيير لصغيرة: ]
واعتبر التخيير لصغيرة تعقل ما توقعه قبل بلوغها، واختلف في قول الإمام: إذا بلغت في حالها، هل هو إن ميزت، وهو سماع عيسى، إذا عرفت ما ملكت فيه، وإن لم تبلغ مبلغًا يوطأ مثلها فيه، فاعتبر حال التمييز فقط، أو متى تبلغ أن توطأ، وهو قول ابن القاسم: يريد بلغت حد الوطء؟ قولان.
ومفهوم (ميزت) أنها إن لم تميز لا يعتبر ما توقعه، ويستأنى حتى
стр. 1893
تعقل، ثم تختار، وقاله ابن القاسم.
[تفويضه لغيرها: ]
وله -أي: للزوج على المشهور- التفويض لغيرها، بأن يجعل له ما كان يجعله لها.
وهل -أي: لهذا المفوض- له عزل وكيله الأجنبي، إن أراد، وهو لمالك، أو لا، وهو قول ابن الماجشون؟ قولان حكاهما الباجي، واعتمده المصنف.
تنبيهان:
الأول: ظاهر كلامه: جواز التفويض، ولو لصبي، وهو كذلك.
الثاني: ظاهر كلامه جوازه للذمي، وهو كذلك.
[محل نظر الأجنبي في شأن المرأة: ]
وله -أي: للأجنبي المفوض له- النظر في أمر الزوجة، وصار كهي في إبقاء العصمة أو زوالها، إن حضر، أو كمان غائبًا غيبة قريبة، كاليومين، يحتمل والثلاثة كما في سماع عيسى، وهو الظاهر، ويحتمل اليوم وشبهه، كما لابن القاسم في الواضحة.
لا إن كانت غيبته أكثر من كاليومين فلها النظر في أمر نفسها؛ إذ في انتظاره مع بعد غيبته ضرر عليها وجعل ذلك بيد أجنبي آخر وإبطاله لا موجب له.
إلا أن تمكن الزوج من نفسها، فيسقط نظر الأجنبي، كما لو كان التفويض لها ومكنته.
قال في الشامل: ولو كان التمكين بغير علم الأجنبي على الأصح.
أو إلا أن يغيب حاضر فوض إليه، فيسقط حقه من ذلك، وظاهره: قربت غيبته أو بعدت، وهو كذلك.
ابن عبد السلام: ينبغي التفريق بين القريبة والبعيدة.
стр. 1894
ولذلك قيدوه بما إذا لم يشهد ببقائه على ما جعل له فإن أشهد ففي بقائه بيده عملًا بالظاهر، وهو قول مالك: لا يقربها؛ لأنه جعل أمرها لغيرها فيلزمه ما التزم.
أو ينتقل للزوجة، قاله في الجواهر، قولان إلا أنه قيدها فيها بالبعيدة، وأما القريبة فيكتب إليه بإسقاط ما بيده، أو إمضاء ما جعل إليه، ولم يذكره المؤلف.
وإن ملك رجلين أمر امرأته فليس لأحدهما القضاء دون الآخر، إلا أن يكونا رسولين فلأحدهما القضاء دون الآخر، كالوكيلين في البيع والشراء، واللَّه أعلم.
خاتمة:
لو قال: ملكتكما أمرها أو أمرها بيديكما فوكيلان، وينزلان منزلة الواحد، فلا يقع طلاقه إلا باجتماعهما معًا، وإن قال: أعلماها أنني طلقها فرسولان، والطلاق واقع، وإن لم يعلماها اتفاقًا.
وإن قال: طلقاها، احتمل الرسالة والتمليك، فعند ابن القاسم أن المحتمل على الرسالة حتى يريد التمليك، وعند أصبغ على التمليك حتى يريد الرسالة.
* * *
فصل ذكر فيه الرجعة، وحكمها، وما يتعلق بها
فقال: يرتجع من ينكح -أي: من فيه أهلية النكاح- لا صبي ومجنون، ولما خرج بـ (من ينكح) المحرم والمريض والعبد أدخلهم بقوله: وإن بكـ: إحرام وعدم إذن سيد؛ لأن إذنه له في النكاح إذن في توابعه، وسواء كان المحرم الزوج أو الزوجة أو هما.
стр. 1895
تتمة:
يضاف للثلاثة المذكورة السفيه والمفلس، فإن هؤلاء الخمسة تجوز رجعتهم، ولا يجوز نكاحهم.
طالقًا واحدة أو اثنتين بغير العبد غير بائن: صفة لمطلقة، وخرج به من طلقت قبل البناء أو بخلع، أو اثنتين للعبد، أو ثلاثًا للحر، فلا يسمى عود كل للعصمة رجعة اصطلاحًا.
[محل الرجعة: ]
في عدة نكاح صحيح، فلا رجعة لمعتدة نكاحه الفاسد الذي لا يقر بالدخول، حل وطوه، خرج به نكاح صحيح لا يحل وطؤه، كما لو راجع ثم طلق قبل الدخول، فلا رجعة إلا بنكاح جديد، كذا قرره الشارح رحمه اللَّه تعالى.
وقال البساطي: احترز به عما لا يحل وطئها، كـ: حائض ونفساء، أو في نهار رمضان ونحوه؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا بالنسبة للارتجاع، وأما بالنسبة للعدة منه فاحتياطًا.
وقال ابن الماجشون: يحل وطؤه، فتصح الرجعة.
[ما تحصل به: ]
وتحصل الرجعة بقول صريح أو ظاهر مع مصاحبة نية، كـ: رجعت وارتجعت مثلًا، وأمسكتها، ونحوه مما يدل على خلاف ما كان منه، أو نية مجردة عن اللفظ على الأظهر عند ابن رشد؛ لأن اللفظ إنما هو عبارة عما في النفس (١).
وإذا نوى رجعتها في نفسه صحت فيما بينه وبين اللَّه تعالى، وأشار بقوله وصحح خلافه لقول ابن لشير: إنه المذهب.