فيه، أي: الدينار، كأن يشتري عشرة أثواب وعشرة دراهم بأحد عشر دينارًا، أو صرف الدينار عشرون درهمًا.
فائدة:
قال القرافي: لا يجتمع مع البيع عقود يجمعها قولك: (جص مشنق)، فالجيم للجعالة، والصاد للصرف، والميم للمساقاة، والشين للشركة، والنون للنكاح، والقاف للقراض، ونظمها بعضهم، فقال:
عقود متعناها مع البيع ستة ... ويجمعها في اللفظ جص مشنق
فجعل وصرف والمساقاة شركة ... نكاح قراض منع هذا محقق
وزاد أبو الحسن الصغير سابعًا، وهو: القرض، ونظمها بعضهم، فقال:
مع البيع استعن قرضًا وصرفًا ... نكاحًا شركة ثم الإجارة
كذا سلفًا مساقًا فخذها ... بلا مهر تزف مع البكاره
انتهى.
وفيه تكرار السلف مع القرض وإسقاط القراض، وإن أراد بالسلف السلم فهو داخل في البيع أيضًا، ولو قدم السلف على القرض، وجعل موضع القرض قراضًا لكان أحسن، وعده الإجارة ممنوعة مع البيع صحيح (١)، ونظمتها مع إفادة المنع في جمع كل اثنين منها، فقلت:
نكاح شركة صرف وفرض ... مساقاة قراض ثم جعل
الجمع اثنين منها الحظر فيه ... كذاك إجارة والحفظ سهل
وحرم سلعة كثوب يباع بدينار إلا بدرهمين إن تأجل الجميع: السلعة
стр. 2102
والدرهمان من البائع، والدينار من المشتري؛ لأنه صرف مستأخر في الدرهمين، وما قابلهما من الدينار ودين بدين في السلعة، وما قابلها من الدينار إن كانت غير معينة وبيع معين يتأخر قبضه إن كانت معينة.
أو السلعة إن تأجلت دون التقدير حرم على المشهور، ولو كان التأخير يسيرًا، وفي الموازية الجواز إن كان يسيرًا.
أو إن تأجل أحد النقدين وعجلت السلعة والنقد الآخر حرم أيضًا على المشهور؛ لأن تقديم أحد النقدين يدل على الاعتناء به في الصرف، وأنه المقصود عند المتبايعين، فلم تحصل المناجزة في الصرف، بخلاف تأجيلهما، أي: النقدين، وبتعجيل السلعة؛ فإنه جائز للتبعية، لأن السلعة لما تقدمت وتأخر النقدان على أنهما غير مقصودين فلم يكن صرفًا مستأخرًا، أو تعجيل الجميع، فيجوز اتفاقا؛ لانتفاء مانع الصحة.
ثم شبه في الأخيرتين لإفادة الحكم في الجواز، فقال: كدراهم مستثناة من دنانير من كل دينار درهم، كبيعه ستة عشر ثوبًا مثلًا بستة عشر دينارًا إلا ستة عشر درهما، كل ثوب بدينار إلا درهم، وقد كانا تراضيا على أن صرف كل دينار ستة عشر درهمًا، لرجوع أمرهما إلى أنه باعه ستة عشر ثوبًا بخمسة عشر دينار، لسقوط الدينار السادس عشر في مقابلة الدراهم المسثناة بالمقاصة، ولم يفضل من الدراهم بعد المقاصة شيء، وسواء كان البيع نقدًا أو إلى أجل، لقوله في توضيحه: هذا الذي حققه ابن رشد، وبه يبعد حمل الشارح كلامه هنا على النقد دون المؤجل.
وظاهر كلام الشارح في الأوسط والصغير: أن هذا مثال لتعجيل الجميع.
وفي فضل الدرهمين بعد المقاصة الجواز كذلك قاله ابن رشد، وجوز البساطي أيضًا أن يريد أن الدرهمين كالدرهم في أصل المسألة، فسواء قال: سلعة بدينار إلا درهمًا، أو إلا درهمين، وهو بعيد؛ لأن المصنف لم يذكر مسألة الدرهم، فكيف يشبه بها.
стр. 2103
وفي فضل أكثر من الدرهمين كثلاثة لا يجوز مؤجلًا، ويجوز نقدًا، كالبيع والصرف.
تنبيه:
ربما أشعر تمثيله للجواز بالدرهمين وللمنع بأكثر جواز استثناء الجزء مطلقًا، نقدًا أو مؤجلًا، كالبيع بدينار إلا سدسًا أو خمسًا ونحوه، وهو كذلك على المشهور؛ بناء على أن جزء الدينار في القضاء يقضي عليه به ذهب فيقاصه، ومقابل المشهور: لا يجوز في هذا إلا ما جاز في مسألة الدراهم؛ بناء على أنه لا يقضي عليه عند المشاحة إلا بالوزن (١).
وصائغ يعطي الزنة لمصوغ عنده ذهبًا وفضة.
ويعطي الأجرة عن صياغته، ويدفع المصوغ الذي عنده، فلا يجوز له ذلك اتفاقًا.
تنبيه:
يجوز أن يقرأ صائغ بالمثناة التحتية والغين المعجمة، أو بالنون والعين المهملة.
كزيتون يدفعه ويدفع أجرف لمعصرة، ويأخذ منه زيتًا قدر ما يخرج من زيتونه فلا يجوز على المشهور؛ لاختلاف الخارج قدرًا وصفة، بخلاف تبر يعطيه المسافر ويعطي أجرته دار الضرب، أي: أهلها؛ ليأخذ زنته مضروبًا، فإنه جائز.
ابن القاسم: أراد خفيفًا للمضطر وذي الحاجة.
وفي الواضحة: لا يجوز إذا أصاب دنانير عند السكاك مضروبة فيأخذ بوزنها ذهبًا، ويعطيه أجرته، وفي الدراهم مثل ذلك، لا يجوز ذلك لمسافر ولا مضطر ولا غيره، قاله لي من لقيت من أصحاب مالك المدنيين والمصريين.
стр. 2104
ابن رشد وهو الصواب.
كذا أطلق ابن رشد التصويب هنا، وعنه أنه لا يجوز إلى على الخوف على النفس المبيح لأكل الميتة، فقول المصنف والأظهر خلافه، أي: خلاف الجواز مع القيد أو عدمه، انظر الكلام على ذلك في الكبير.
ثم عطف على تبر مسألة مستثناة مما يطلب فيه تحقق المماثلة، فقال: وبخلاف درهم من فضة بنصف منها، وفلوس أي: يدفع الدرهم ليأخذ بنصفه فضة، وبباقيه فلوسًا، أو غيره وذكِّر ضميره ليعود على الجميع، كسلعة أو طعام مثلًا، فإنه جائز للضرورة بشروط، ذكرها أبو الحسن وغيره، منهما: كون المردود من الفضة قدر نصف الدرهم فدونه، وإليهما أشار بقوله فيما تقدم.
وأشار لثالثها بقوله في بيع، أي: ومعناه كالإجارة لا القرض؛ إذ لا ضرورة تدعو إليه.
ولرابعها بقوله: وسكًا أي المأخوذ والمردود.
ولخامسها بقوله: واتحدت سكتهما.
ولسادسها بقوله وعرف الوزن فيهما.
ولسابعهما بقوله وانتقد الجميع، أي: الدرهم ومقابله في الانتفاء قيده في الجواز، كدينار إلا درهمين، أي: كمسألة دينار إلا درهمين؛ فإنه إن انتقد الجميع جاز، وإلا بأن لم ينقد فلا، أي: فالمنع إن تأجل الجميع أو السلعة أو أحد النقدين، فالتشبيه فيما يجوز من الصور وما يمنع.
وزاد في توضيحه شرطًا ثامنًا، زاده أبو الحسن، وأن يكون ذلك في بلد لأخر أريب فيه ولا أرباع.
[رد الزيادة بعد الصرف: ]
وردت زيادة زادها أحدهما بعده، أي: الصرف، يردها مع الأصل إذا
стр. 2105
رده لعيبه، لأنها فعلت لإصلاح العقد، ولا يردها هي لعيبها، ونحوه في المدونة.
وهل هذا التفصيل مطلقًا وهو ظاهر المدونة، أو لا ترد إلا أن يوجبها، أي: الزيادة فيردها.
القابسي (١) وغيره: لقوله فيها لقيته، فقال: أنقصتني من صرف الناس فزدني. فيفهم منه إذا زاده فقد ألحقه بصرف الناس، فقد أوجب الزيادة.
أو لا يردها إلا إن عينت، فهو معطوف على (مطلقًا)، لا على المستثني، وإلا لقال: (أو لم يتعين)، وهو قول صاحب النكت عن بعضه شيوخه، وإليه ذهب اللخمي تأويلات.
стр. 2106
وذكر هذا التأويل الثالث مع قوله في توضيحه أن اللخمي رده؛ لأن في المدونة ما يمنعه.
ولما قدم المصنف الحكم على الافتراق، أتبعه بما يطرأ على العقد من نقص أو استحقاق، فقال: وإن رضي المصطرف بالحضرة لعقد الصرف بنقض وزن صح الصرف؛ لأن له أن يبيع به ابتدأ، وسيذكر حكم نقص العدد.
وجعل بعضهم موضع (وزن) في المتن (قدر)، ليشمل الوزن والعدد، وليس بجيد؛ لما فيه من التكرار، وأيضًا المشهور فيهما متعاكس؛ إذ المشهور: منع الرضى في نقص العدد، كما يأتي (١).
أو رضي المصطرف بكرصاص بالحضرة أو نحاس أو شبهه، مما هو نقص في الصفة بالحضرة صح الصرف، كنقص الوزن على المظهر.
تنبيه:
لم يقتصر على ذكر الحضرة في إحدى المسألتين، لئلا يتوهم اختصاصه بها، وأدخل ما شابه الرصاص في نقص الصفة تبعًا لابن الحاجب، على أنه قال في توضيحه: فيه تجوز علاقته المشابهة، فإنه شابه الزائف في وجوده حسًا، أو لم يرض المطلع على النقص في المسألتين، ورضي الدافع بإتمامه بالحضرة صح.
تنبيه:
كان ينبغي أن يقول: (بالحضرة)؛ لإبهام رجوع الإطلاق الذي بعده له أيضًا.
أو رضي بمغشوش، قال المصنف: كالمعاير بمصر، وتسميه المغاربة
стр. 2107
نحاسًا، وفي المدونة ستوقا، مطلقًا بالحضرة أو بعده المفارقة صح الصرف اتفاقًا.
والفرق بين هذه وبين ما لعدم حصول قبض العوض هنا، وإنما وقع النقص في الصفة وكان له الرضى كسائر العيوب، بخلاف نقص المقدار؛ فإن العوض بكماله لم يقبض فيه.
وحذف صح من المسائل الثلاث لدلالة هذا عليه.
تنكيت:
قيل: لو عبر بجاز لكان أولى؛ لإشعار (صح) بعدم جواز الإقدام.
وهو غير ظاهر، بل التعبير بالصحة كما فعل ابن الحاجب أولى؛ لأن العقد لما صار مترددًا بين الحل والإبرام حسن التعبير بالصحة.
وأجبر الممتنع من المتصارفين عليه، أي: على الإتمام، المفهوم من (إتمامه)، حيث لم يرض بنقص وزن، ولا بكرصاص، إن، لم يعين دنانير ولا دراهم، كبعني عشرة دنانير بمائة درهم.
ومفهوم الشرط: عدم الجبر إن عينت، كبعني هذا الدينار بهذه العشرة دراهم، وهو كذلك على أحد قولين، ذكرهما في توضيحه بغير ترجيح، والتقييد بالتعيين مفهومه معتبر في كلما تقدم.
وإن طال ما بين العقد وقياسه نقض الصرف في جميع ما تقدم، إن قام به واحد، وهذا مقابل قوله قبل: (بالحضرة)، ويشمل نقص الوزن وشبهه كالرصاص الصرف والمغشوش غير المعين.
ومفهوم الشرط: عدم النقض، إن لم يقم به، وهو كذلك.
وظاهره: سواء كان النقص يسيرًا أو كثيرًا، وهو كذلك على إحدى الروايتين، وعليها الأكثر.
كنقص العدد تشبيه في النقص، وسواء كان كثيرًا أو يسيرًا، أو لو رضي به؛ لأن الناقص لم يقبض حسًا، ولا معنى.
стр. 2108
تنبيه:
لا يقال: إذا رضي به صح، سواء كان بالحضرة أو بعد الطول، كما هنا، فلا فائدة بالتقييد بالحضرة فيما تقدم. لأنّا نقول: التقييد قسيمه، له الرضي بالإتمام، إذا قام به، وليس له النقص هنا قسيمه النقض، وليس له الرضى بالإتمام، انظر الكبير.
وهل معين ما غش لهذا الدينار بهذه العشرة دراهم كذلك، ينقض مطلقًا، ولو رضي به واجده، وهو طريق ابن الكاتب، وعليه جل المتأخرين؛ إذ لا فرق بين المعين وغيره، أو يجوز فيه البدل، وهو طريق أبي بكر بن عبد الرحمن والمازري، حيث قال: المذهب كله على إجازته؛ لأنهما لم يفترقا، وذمة أحدهما مشغولة، تردد لأصحاب الطريقين، واستحسن الثاني.
وحيث نقص الصرف لوجود نقص أو غش في الدنانير صغير وكبير، فأصغر دينار ينقض، ولا يتعداه لأكبر منه، إلا أن يتعداه موجب النقض، ولو بدرهم فأكبر منه، وهكذا.
أو إنما كان كذلك لأن الدنانير المضروبة لا تقطع؛ لأنه من الفساد، وأما قطع الدنانير المقطوعة فليس من ذلك، وإنما هو مكروه، لا الجميع على المشهور.
وهل هذا الحكم وهو النقض في الدينار ولو لم يسم لكل دينار كذا؟ أي: سمى أو لم يسم، كهذه العشرة دنانير بمائة درهم لكل دينار عشرة دراهم، أو هذه العشرة بهذه المائة.
المازري وغيره: وهو المشهور.
أو هذا الحكم، وهو: النقض في الدينار، إنما هو حيث التسمية، وأما عند عدمها فينتقض الجميع، وإليه ذهب القاضي إسماعيل وجماعة،
стр. 2109
وهو قول الباجي (١): إن الخلاف مرتفع مع التسمية، ولا ينتقض إلا صرف دينار واحد، وإنما الخلاف إذا لم يسم، تردد المتأخرين في التعلق.
وهل ينفسخ في الصرف لوجود نقص أو غش في السكك المختلفة بالعلو والدناءة أعلاها، أو ينفسخ الجميع؟ قولان لأصبغ وسحنون.
وربما أشعر قوله: (السكك) بمخالفة الحكم في المصنوع، انظر الكبير.
وشرط للبدل حيث حكم به:
- جنسية للمبدل منه.
- وتعجيل.
أما الأول فإنه لو لم يكن من جنسه كذهب أو غرض عن فضة ظهر بعضها زائفًا لأدى للتفاضل؛ لأنه قد خرج من يده ذهب أخذ عنه ذهبًا، أو فضة أو عرضًا.
стр. 2110
وأما الثاني فلأن عدم اعتباره يؤدي لربا النساء، وللشارح في الكبير شيء، نبهنا عليه في الكبير.
وإن استحق من المصروف معين سك، سواء كان الصرف في مسكوكين أو مسكوك أو مصوغ، واستحق بعد مفارقة لمجلس العقد، أو طول، ولم يفترقا، نقض الصرف عند ابن القاسم؛ لأنه يجبر للبدل في الدراهم بالحضرة مطلقًا، كانت معينة أم لا.
تنبيه:
كذا في توضيحه، مع أنه قال في توضيحه: إنه خلاف ما شهره ابن الحاجب.
أو مصوغ استحق مطلقًا بالحضرة، أو بعد المفارقة، أو طول، سواء كان معينًا أم لا، نقض الصرف؛ لأن المصوغ قد يقيد بعينه، وحذف (نقض) من الأول لدلالة هذا عليه.
وإلا بأن لم يحصل مع استحقاق المسكوك افتراق ولا طول صح الصرف.
وصرح بمفهوم الشرط ليرتب عليه قوله: وهل محل الصحة إن تراضيا على البدل بالحضرة، أو ولو لم يتراضيا، عليه به تردد، أصله فهم ما في المدونة، انظره في الكبير.
وللمستحق للمصوغ أو المسكوك المصروف في المسألتين السابقتين إجازته، أي: العقد وإلزامه المصطرف، وأخذ ثمنه، أو رده وأخذ عينه، إن لم يخبر المصطرف، وهو: المشتري لهذا المستحق، بأن من صارفه متعد، قاله ابن القصار، وهو المشهور؛ بناء على أن هذا الخيار جر إليه الحكم، فليس كالشرطي، ولأشهب أنه كالشرطي، وأما إن أخبر بتعديه فليس للمستحق إجازته؛ لأنه كصرف الخيار الشرطي، والمشهور منعه.
تنبيه:
لعله إنما لم يقيد المسألة هنا باشتراط حضور المصوغ، كما في
стр. 2111
التهذيب؛ استغناء عنه بما قدمه من اشتراط المناجزة.
وجاز محلي، أي: بيعه، إن لم يكن ثوبًا، بل مصحفًا، أو سيفًا، بل وإن كان ثوبًا نسج أو طرز بذهب، يخرج منه شيء مما حلي به، إن سبك.
وقوله: بأحد النقدين متعلق بمحلي، فيباع ما حلي بذهب وبفضة وعكسه، يدل عليه ما يأتي.
ومفهومه إن لم يخرج منه شيء كالزرية (١) جاز، وهو كذلك على أحد القولين، بناء على استهلاله أو قيام صورته.
[شروط بيع المحلى: ]
ولبيع المحلى شروط، أشار لأحدها بقوله إن أبيحت تحليته، كسيف وحلي النساء، فالمحرم كالدواة مثلًا لا يجوز.
ولثانيهما بقوله: وسمرت على المحلى بمسامير، يؤدي نزعها لفساده، كمصحف سمرت عليه، أو سيف على جفره أو حمائله، فأما مثلًا قلادة خرزت بذهب أو فضة فلا تباع بأحدهما.
ولثالثهما بقوله: وعجل المبيع، فلو أجل امتنع بالنقد، وجاز بغيره مطلقًا، كانت الحلية تبعًا أو لا.
وجاز بيع محلى بصنفه المحلى به ذهبًا أو فضة بالشروط السابقة، وزيادة إن كانت الحلية الثلث فدون على المشهور؛ لأنه التبع.
وقيل: النصف.
وعلى المشهور هل يعتبر الثلث بالقيمة فيدخل فيه الصياغة.
ابن يونس: وهو ظاهر الموطأ والموازية.
أو بالوزن.
стр. 2112
الباجي: وهو ظاهر المذهب؛ قياسًا على السرقة والزكاة؛ إذ لم تعتبر فيهما الصياغة خلاف.
فإذا كانت الحلية وزنها عشرون، وبصياغتها تساوي ثلاثين، وقيمة الأصل وحده أربعون، لم يجز على مذهب الموطأ، ويجوز على قول الباجي؛ لتحقق التبعية.
[المحلى بأحد النقدين: ]
ثم أتبع ما حلي بأحد النقدين وبيع بغير صنفه أو بصنفه ما حلي بهما، فقال: وإن حلي بهما أي: الذهب والفضة معًا لم يجز بيعه بأحدهما، كانا متساويين أو لا، إلا إن تبعًا الجوهر، وهو الشيء المحلى، فالنظر حينئذ الجوهر لا لهما، وليس من بيع النقد بالنقد، وأما إذا لم يتبعاه لم يجز بأحدهما كان تبعًا للآخر أو لا؛ لأنه إذا امتنع بيع سلعة وذهب بذهب مثلًا، فأحري بيعها مع ذهب وفضة بذهب.
[بيع المسكوك: ]
ولما كان بيع النقد بنقد غير صنفه يسمى صرفًا، وبه مسكوكين عددًا مبادلة، وبه مسكوكين وزنًا مراطلة، وقدم الأول، أتبعه بالثاني، وهو: علم على بيع النقد المسكوك عددا بأوزن منه يسيرًا، فقال: وجازت مبادلته القليل المعدود أي: التعامل به عددًا؛ لأن المتعامل به وزنًا تمنع مبادلته، إلا بالوزن، فتعود مراطلة.
ثم فسر القليل بقوله دون سبعة: ستة دنانير، أو دراهم، فدونها على المعروف، وعدل عن كستة الذي هو أخصر؛ لدخول السبعة فيه بأوزن منها بسدس سدس، وفي الموازية: ثلاثة، وأصلح.
سحنون: المدونة عليه.
ولم يعتمدوا إصلاحها هنا، وكرر لفظ سدس لئلا يتوهم أنه سدس فقط في الستة، ولا تجوز الزيادة في كل واحد أكثر من سدس.
وفهم من قوله: (بأوزن منها) أنه لا يجوز أزيد منها عددًا، فلا يجوز
стр. 2113
ستة بسبعة، وظهر من هنا أن من شرط المبادلة العدد، وعدم الوزن.
وزاد في توضيحه: وأن تكون بلفظها، ولم يذكره هنا، ولا ما زاده ابن الحاجب من كون الزيادة للمعروف، مع أنه أقره في توضيحه؛ لأن الزائد حينئذ لا ينتفع به، فهو مخصص؛ لخبر: "لا تشفوا بعضها على بعض" (١).
والدينار والدرهم الأجود جوهر حال كونه أنقص وزنًا ممتنع أبدًا له بدينار رديء الجوهر كامل الوزن اتفاقًا، لدوران النضل من الجانبين، أو أجود سكة وأنقص وزنًا ممتنع بالأردأ سكة الأزيد وزنًا كذلك، وإلا بأن لم يكن الأجود أنقص بل مساويًا جاز، لتخص الفضل من جانب.
ثم ذكر الثالث، وهو المراطلة بقوله: وجازت مراطلة عين: ذهب أو فضة بمثله، وهل بصنجة في كفة واحدة، كما في سماع ابن القاسم.
ابن رشد: وهي أصح من كون الدرهمين في كفتين؛ لتيقن المماثلة بالصنجة، والتحرز من عدمها، بعني: يكون في الميزان.
وعزا المازري هذا الترجيح لبعض شيوخه، وصُوِّبَ.
أو كفتين عين هذا في كفة وعين الآخر في الأخري، وهو منصوص المتقدمين؟ قولان.
وجاوزها في غير المسكوكين اتفاقًا، وفي المسكوكين على الصحيح.
стр. 2114
والصنجة: بفتح الصاد فقط معرب، قاله الجوهري. ابن السكيت: لا يقال صنجة. انتهى.
القاموس: صنجة الميزان، مفتوحة، وبالسين أفصح من الصاد.
والكفة: بكسر الكاف، ويجوز فتحها.
ولو لم يوزنا على الأرجح عند ابن يونس؛ لأنه إنما يأخذ مثل عينه، ومنعها ابن القاسم، إلا بعد معرفة وزنه، لئلا يؤدي إلى بيع المسكوك جزافًا.
وظاهر قوله: (عين) خروج الفلوس.
ابن عرفة: المراطلة بيع ذهب بذهب وزنًا أو فضة كذلك، لتخرج الفلوس، وتدخل بزيادة، أو فلس بمثله عددًا لا وزنًا.
[و] (١) في آخر سلمها الثالث: لا يصلح فلس بفلسين نقدًا ولا مؤجلًا.
والفلوس في العدد كالدنانير والدراهم في الوزن، وقول ابن الحاجب وابن بشير (٢) بيع العين بمثله وزنًا يرد بقصوره على العين دون أصلها.
وإن كان أحدهما كله أجود من جميع مقابله (٣) في الكفة الأخرى، كدنانير مغربية في مصرية، جاز اتفاقًا، لتمحض الفضل من جانب المغربية، أو كان بعضه أي بعض أحدهما أجود من بعض الآخر، وبعضه مساو للآخر في رداءته جاز عند ابن القاسم؛ لتمحض (٤) الفضل من جهة كدرهمين مغربيين، ومقابلهما (٥) درهم مغربي ودرهم مصري، ومنعه سحنون، لا إن
стр. 2115
كان أحدهما بعضه أدنى من البعض الآخر، وبعضه أجود كدراهم مغربية وسكندرية في مصرية، والمغربية أعلي، والسكندرية أدني، والمصرية متوسطة، لم يجز؛ لدوران الفضل، لأن رب المصرية يغتفر جودتها بالنسبة لرادءة السكندرية، [و] (١) نظر الجودة المغربية، ورب المغربية يغتفر جودة بعضها لجودة المصرية بالنسبة للسكندرية.
وظاهر كلام المصنف: سواء كان الرديء مع الجيد كثيرًا أو قليلًا، وهو الذي عليه ابن رشد.
والأكثر على تأويل السكة في المراطلة كالجودة يشمل دنانير بسكة واحدة بدنانير بسكتين ومسكوك بتبرين أو بتبر ومسكوك.
والأكثر أيضًا على تأويل الصياغة في المراطلة كالجودة فيدور الفضل بها، واستظهره المصنف، ومقابل الأكثر تأويل الأقل: عدم اعتبارها، وإنما لم يعتبر فيهما الوزن، واختاره ابن يونس؛ لأن الشرع إنما اعتبر المساواة في القدر.
كذا ذكر هنا وفي توضيحه عن ابن عبد السلام، وأقره أن الأكثر على عدم اعتبارها.
ومغشوش تجوز مراطلته بمثله في الغش، ابن الحاجب: على الأصح.
[ابن عبد السلام: لأنه مع تساوي الغش معلوم، وإلا فلا، ذكره عنه في التوضيح] (٢)، وأقره، ولم يقيد به هنا، ولعله اغتنى عنه بالمثلية.
وجازت مراطلة المغشوش بخالص من صنفه؛ لأن الغش فيه كالعدم.
قال المصنف: وهو الذي يؤخذ من كلام ابن (٣) القاسم في المدونة وكلام غيره.
стр. 2116
وأشار لقول ابن رشد: الصحيح عدم الجواز، بقوله: والأظهر خلافه، ومحل الجواز لمن يكسره أو لا يغش به في أسواق المسلمين، ولكن يقطعه ويبيعه مقطوعا.
وكره بيعه بغير قطع لمن لا يؤمن غشه به، ولا يحرم؛ لأنّا لسنا على يقين من غشه؛ فلذلك أعطي حكمًا متوسطًا.
وفسخ إن بيع ممن يعلم أنه يغش به كالصيارفة، ورد لربه، إلا أن يفوت بذهاب عينه، أو تعذر المشتري.
وما قررناه به نحوه لابن رشد، فقول الشارح: (ظاهر كلامه هنا: أن الحكم الفسخ مع عدم الأمن وأقره) غير ظاهر.
وإذا فات فهل يملكه، أي: الثمن؛ لفوات الرد، ويستحب له التصدق به، أو يتصدق بالجميع وجوبًا، أو بالزائد على ثمنه، لو بيع على من لا يغش به؟ أقوال بغير ترجيح.
ثم تكلم على الاقتضاء، وهو كما قال ابن عرفة: قبض ما في ذمة غير القابض.
فيخرج قبض المعين والمقاصة، وينتقض بقبض الكتابة؛ لإطلاقها على قبض أحد الشريكين في الكتابة اقتضاء، وقبض منافع معين؛ لإطلاقهم منافع من دين، وليسا في ذمة، فيقال: قبض ما وجب منفعة أو غير معين في غير ذمة قابضه.
وجاز قضاء قرض بمساو لما في الذمة؛ لدخولهما عليه، وأفضل صفة إذ هي (١) زيادة لا يمكن فصلها، وقد رد ﷺ في سلعة (٢) بكراء جملًا
стр. 2117
رباعيًا، وقال: "خيار الناس أحسنهم قضاء" (١).
وعقب هذا لما تقدم لشبهه به في أنه إذا رد (٢) الفضل من الجانبين منع، وإن حل الأجل أو كان مالًا (٣) بغير تأجيل.
[و] (٤) جاز القضاء بأقل مما في الذمة صفة وقدر، أو هما؛ لأنه حسن اقتضاء.
ومفهومه: لو لم يحل لم يجز، وهو كذلك؛ لدخول منع وتعجل.
لا أزيد عددًا أو وزنًا، فلا يجوز؛ لأنه سلف بزيادة، إلا أن يكون الزائد يسيرًا جدًا، كرجحان ميزان (٥) على ميزان، فيجوز عند ابن القاسم، ولم يقيد أشهب اليسارة بجدار (٦) أو دار فضل من الجانبين، هذا معطوف على ما قبل الاستثناء، فهو ممتنع كعشرة يزيدية عن تسعة محمدية؛ فإنه ترك فضل العدد في اليزيدية لفضل جودة المحمدية.
وثمن المبيع المترتب في الذمة من العين ذهب أو فضة كذلك يعتبر في قضائه ما في قضاء الغرض، وخص ذلك بالعين تبعًا لابن بشير وابن شاس وابن الحاجب، ولم يعتبر قول ابن عبد السلام: (لا خصوصية للعين، بل حكم ثمن المبيع من الطعام حكم العين)؛ لرده بأن قضاء الأفضل قبل الأجل ممتنع في البيع، إذا كان الثمن عرضًا أو طعامًا؛ لما فيه من حظ
стр. 2118
الضمان وأزيدك، بخلاف القرض؛ فإنه جائز.
وجاز القضاء بأكثر مقدارًا كأن يأخذ عن عشرة خمسة عشر؛ إذ لا يدخله سلف جر نفعًا، ودار الفضل في القرض من الجانبين بسكة وصياغة وجودة اتفاقًا في الأولين، وعلى اختلاف في اقتضاء المسكوك عن المصوغ، فلا يقضي عشرة تبرًا أو قراضة أجود عن مثلهما (١) مسكوكة، ولا عكسه، ولا مصوغ من مثله طيب غير مصوغ، وعكسه.
واختلف في ذلك في المراطلة على ما تقدم، وفرق ابن رشد بأن المراطلة لم تجب لأحدهما قبل الآخر فيها شيء، فيتهم في ترك الفضل لأجله ما أخذ، وهنا وجب له مسكوك أو مصوغ أخذ فيه تبرًا أجود، فيتهم أنه ترك الفضل في المسكوك والمصوغ لفضل الجودة.
[تغير التعامل بالعملة: ]
من بطلت فلوس أي: قطع التعامل بها مع بقائها فالمثل على من ترتبت في ذمته قبل قطع التعامل على المشهور؛ لأنها من المثليات، ففي رهون المدونة: من باع بفلوس ففسدت، فليس له إلا مثلها، ولو كانت حين العقد مائة درهم، ثم صارت ألفًا به، أو عدمت جملة فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم معًا؛ لأنهما لا يجتمعان إلا وقت الأخير منهما، فأشبه وقت الإتلاف، فإن استحقت أولًا تم عدمت، فالتقويم من يوم العدم، وإن عدمت ثم استحقت فالتقويم يوم استحقت، كأقصى الأجلين في العدة.
تنبيه:
لعل المصنف كابن الحاجب وغيرهما إنما فرضوها في الفلوس دون النقدين؛ للخلاف في كونها نقدًا أو عرضًا (٢)، وإلا فالنقدان كذلك؛ ففي
стр. 2119
الإرشاد: [و] (١) من ثبت في ذمته نقد معين فيبطل (٢) التعامل به لزمه مثله، فإن عدم فقيمته.
ونحوه في التلقين، وقد اختلف كلام الإمام في الفلوس في مسائل، انظرها في الكبير.
[عقوبة الغاش: ]
وتصدق وجوبًا (٣) بما غش أدبًا للغاش؛ لئلا يعود، وأدبه بالسجن، أو الضرب، أو إخراجه من السوق إن اعتاده، قاله ابن الماجشون (٤).
وقال ابن القاسم: لا يشترط في إخراجه اعتياده؛ لخبر: "من غشنا فليس منا" (٥)، أي: على مثل هدينا وسنتنا، إن لم يكثر المغشوش، بل ولو كثر عند مالك.
وأشار بـ (لو) لقول ابن القاسم أنه لا يتصدق بالكثير، بل يترك
стр. 2120
لصاحبه، ويؤدب، نص عليه اللخمي آخر الصرف، إلا أن يكون اشترى كذلك، أي: مغشوشًا، فلا يتصدق به، ولكن لا يُمَكّن من بيعه إلا لعالم بغشه، يشتريه كذلك؛ ليبيعه مغشوشًا، فيتصدق به.
وأما إن اشتراه لا ليبيعه فلا يتصدق به، وإن لم يعلم بغشه إلا بعد الشراء، فهو يخير النظرين: إن شاء رده، أو تمسك به، وإن رده فلا كلام، وإن تمسك به رجع بما بين الصحة والداء، وإن وجد مثله فله رده، وأخذ جميع ثمنه.
ابن ناجي: وهو المشهور.
[وجوه الغش: ]
ووجوه الغش كثيرة ذكر المؤلف بعضها، وأدخل بالكاف ما لم يذكره، فقال:
[١] كبل الخمر بالنشاء؛ ليظهر أعنا صفيقة، ولا خصوصية للخمر.
[٢] وسبك ذهب جيد برديء، أي: معه ليوهم جوده جميعه، وكذا الفضة أيضًا.
قال في الجواهر: ويكسر إن خيف التعامل به.
[٣] ونفخ اللحم بعد سلخه؛ ليظهر أنه سمين، والحوت ليظهر طيبه، وخلط اللبن بالماء، وقد طرح عمر ﵁ لبنًا خلط بماء، وهذا في القليل.
وأما في الكثير، فقال أبو الحسن الصغير: لا قائل بأنه يهراق.
وعلى هذا فقول الشارح: (لا فرق بين القليل والكثير) غير ظاهر، واللَّه أعلم.
стр. 2121
فصل
ذكر فيه ربا الفضل والنساء في الطعام، وذكر فيه بيان ما هو جنس، أو أجناس، وعلة الربا فيه، وصدر بها (١) فقال: علة طعام الربا مقصور، وقد يمد: الزيادة لغة وشرعًا.
قال في الذخيرة: مسائله وإن انتشرت وتشعبت فبناؤها على قاعدتين:
[١] وجوب المناجزة.
[٢] ووجوب المماثلة مع اتحاد الجنس.
والبحث في الفروع إنما هو في تحقيق هاتين القاعدتين: هل وجدتا أم لا؟
اقتيات، أي: قيام بالبينة، بيحث تفسد عند عدمه، وادخار لا يفسد المقتات بتأخيره إليه، ولا حد له على ظاهر المذهب، وإنما يرجع فيه للعرف.
وحكي التادلي أنه سمع في بعض المجالس حده بستة أشهر فأكثر انتهى.
فالعلة (٢): مجموع هذين الأمرين عند أكثر بعض المتأخرين (٣)، وهو المعول عليه في المذهب (٤)، وتأول ابن رشد المدونة عليه.
وهل يشترط كون إدخاره لغلبة العيش، وهو قول ابن القصار وعبد الوهاب، وتأول أبو جعفر القرطبي المدونة عليه، أو لا يشترط كما تقدم عن الأكثر؟ تأويلان.
стр. 2122
[علة ربا النساء: ]
وهذه علة ربا الفضل، وأما ربا النساء فالمعتبر في علِّيته مجرد الطعم على غير وجه التداوي، كان مدخرًا مقتاتًا أو لا، كرطب الفواكه والبقول.
وظاهر كلام المصنف: سواء تعامل بذلك: مسلمان، أو مسلم وكافر، بدار الإسلام أو الحرب، خلافًا لأبي حنيفة وعبد الملك في إجازته للمسلم مع الحربي بدار الحرب.
قال أبو حنيفة: يحل ماله، وأما ما يقصد به التداوي مما له طعم كالكابلي والهندي فليس بربوي.
[جواز التفاضل فيما اختلف جنسه: ]
ولما كان اختلاف الجنس يبيح التفاضل بينهما، واتحاده بمنعه، احتاج لبيان ما اختلف واتحد، فقال: كحب، وهو: القمح، وشعير، وهو معروف، وسلت: حب بين القمح والشعير لا قشر له، وهي: الثلاثة جنس واحد، يحرم بيع بعضها ببعض متفاضلًا؛ لأن المعول عليه اتحاد منفعتها، أو تقاربها في القوتية، وتعدد الاسم لا يمنع اتحاد حكمها.
وقال السيوري (١) وتلميذه عبد الحميد الصائغ (٢): القمح والشعير جنسان.
стр. 2123
ابن عبد السلام: وهو الصحيح.
ولم يعتبر المصنف ما قال ابن عبد السلام أنه الصحيح؛ ولذا لم ينبه عليه، واللَّه اعلم.
وعلس: هو وما بعده عطف على حب، وهو: حب مستطيل، عليه زغب، حبتان منه في قشره، قريب من خلقه البر، وهو: طعام أهل صنعاء.
وأرز وهو معروف، ودخن: قريب من حب البرسيم، وذرة بذال معجمة، وهي معروفة، وهي أي الأربعة (١) الأخيرة أجناس، يباح التفاضل بينها (٢) مناجزة.
وقطنية: بضم القاف وكسرها، وتسهيل الياء، واحدة القطاني، وهي كل ما له غلاف، كـ: الفول، والحمص: بفتح الميم وكسرها، واللوبيا، والبسيلة، والجلبان قريب منها.
وقيل: البسيلة هي الماش.
ومنها أي القطانى: كَرْسِنَّة قريبة من البسيلة، وفى لونها حمرة، والباجي: هي البسيلة.
وهي أي القطاني: أجناس، يجوز التفاضل بينها مناجزة على المشهور، وسميت بذلك لأنها تقطن، أي: تقيم.
وتمر برني وصيحاني وعجوة جديدًا أو قديمًا (٣)، عَلِيَ أو دني، كله جنس واحد اتفاقًا.
وزبيب: أحمره وأسوده، كبيره وصغيره، كله جنس واحد اتفاقًا.
ولحم طير: بري وبحري، وهو كله جنس واحد اتفاقًا، فلحم
стр. 2124
الحمام والدجاج كلحم الغراب والرخم؛ لتقارب منفعتها (١).
ابن عبد السلام: القياس اختلاف لحومها انتهى. والمشهور: لا ينتقل عن اتحاد جلسه.
ولو اختلفت مرقته، [وهو كذلك في المدونة.
اللخمي: والقياس اختلافه، لتباين الأغراض حينئذ] (٢). كدواب الماء: من تمساح، وسلحفاة، وحوت، وغير ذلك: حيها وميتها، جنس واحد اتفاقًا.
وذوات الأربع: إبل، وبقر، وغنم، وإن وحشيًا: كغزال وحمار وحش جنس واحد.
والجراد: جنس وحده (٣) لا من الطير، بدليل قوله: وفي ربويته سند (٤): وهو ظاهر المذهب.
стр. 2125
واختاره اللخمي، وعدم ربويته، وهو: قول أشهب وسحنون (١).
المازري: وهو المعروف من المذهب.
خلاف، وقد علمته.
وفي اتحاد جنسية المطبوخ من جنسين، كـ: لحم حمام، ولحم بقر وحش، في مرقة واحدة؛ إذ يصيرهما الطبخ جنسًا واحدًا، يحرم التفاضل فيه، قاله في الجواهر.
стр. 2126
وعدم اتحاده وبقاؤهما على أصلهما، واختاره ابن يونس، قولان بغير ترجيح، على أن ابن شاس قال: المذهب الأول.
لكن تعقبه بعض المتأخرين، ورأى أن الزيرباج مخالف للطباهجة، وأن ما يعمل من لحم الطير مخالف لما يعمل من لحم الغنم (١).
وكأن المصنف قوي عنده هذا التعقب، فلم يقتصر على ما قاله في الجواهر.
والظاهر: أنه لا فرق بين طبخها في مرقة واحدة أو كل واحدة في مرقة، واقتصر البساطي على أنهما طبخا معًا في مرقة واحدة.
والزيرباج: لحم وأرز وكزبرة.
والطباهجة: لحم وبيض، ولا يتمارى في مخالفتها.
والمرق المطبوخ مع اللحم كاللحم في الربوية في الجنس، وهو محتمل لما إذا بيع مرق فقط بمثله، فتعتبر المماثلة، ويحرم التفاضل، ولما إذا بيع لحم مع مرقته بلحم كذلك تعتبر المماثلة في المجموعتين، ولا ينظر لما في أحدهما من كثرة اللحم وقلة المرق وعكسه في الآخر.
وظاهره: اتفقت الأمراق أو اختلفت، كـ: قليه بعسل، والآخر بخل أو لبن، وهو كذلك.
وظاهره أيضًا: كان ما يطبخ مع المرقة له عين قائمة، كـ: لِفْت وباذنجان أو لا، وهو كذلك لابن أبي زيد (٢)، جعله تبعًا لحكم اللخمي.
стр. 2127
قال: وكذلك الهريسة بالهريسة، وخالفه غيره.
والعظم المبيع مع اللحم نيئًا أو مطبوخًا، وزنًا أو تحريًا، يعد اللحم كالعظم على المشهور، واحتج له ببيع التمر بالتمر من غير اعتبار نواه، خلافًا لابن شعبان، واستظهره سند، مفرقًا بينه وبين التمر بفساده بنزع النوي.
والجلد المبيع مع اللحم كهو كشاة مذبوحة تحريًا على المشهور عن أن البيض ربوي، لو بيع بعضه ببعض تحريًا، ومنه بيض النعام يستثنى قشر بيض النعام للبائع؛ لأنه سلعة، وربوي بربوي، وهو فاسد.
وقيل: يجوز.
وذكر القولين في توضيحه بغير ترجيح، وتقرير البساطي هنا متعقب، انظره في الكبير.
وذو زيت يؤكل ربوي، وفي بعض النسخ: ذي، بالجر عطفًا على حب، أو على الجراد، كفجل أي: بزره، ودخل بالكاف: السلجم والجلجان والقرطم ونحوه، كما في سماع ابن زيد بن القاسم.
[أصناف الزيوت: ]
والزيوت أصناف أي: أجناس كأصولها، يباع صنف منها بصفة متفاضلًا مناجزة، كالعسول المختلفة: من نخل وقصب ورطب وغير ذلك، فإنها أصناف، يجوز التفاضل بينها مناجزة، لا الخلول والأنبذة، فليس كل
стр. 2128
فرد من أفرادها صنف؛ لتقارب منفعة أفراد كل، فالخلول كلها جنس واحد، وكذلك الأنبذة جنسان.
تنبيه:
قول ابن الحاجب تبعًا لابن شاس: والمشهور إن نبيذا التمر والزبيب صنفان.
قال المصنف: وَهْمٌ، بل مذهب المدونة، وهو المشهور على ما قال المازري: إنها صنف واحد.
والأخباز بالجر: عطف على الأنبذة، والألف واللام للعموم، أي: كلها صنف واحد على المشهور عند ابن رشد، إن لم يكن بعضها قطنية، بل ولو كان بعضها قطنية، كفول وحمص ونحوهما.
وأشار بـ (لو) لخلاف ابن القاسم: خبز القطافي حنف، وخبز غيرها صنف آخر، إلا الكعك إذا كان بإبزار، أي: توابل؛ فإنه يصير صنفًا منفردًا، يباع بالخبز متفاضلًا.
اللخمي: ومثل إبزار الدهن فالزلابية مع الخبز صنفان.
ومفهوم (بإبزار): أنه مع غيرها كالخبز، وهو كذلك، ويجوز التفاضل بين السويق والخبز.
وبيض هو وما بعده بالجر، عطف على (حب)، وليس في حيز (لا)؛ فهو ربوي على مشهور الروايتين، وهو صنف واحد من نعام أو غيره.
المازري: فيتحرى المساواة، ولو اقتضى التحري مساواة بيضة ببيضتين.
وسكر وعسل ربويان، وكل منهما صنف منفرد، ونص على ربوية الأول في المدونة، وتقدم أن العسول أجناس.
ومطلق لبن حليب ومخيض مضروب فيه زبد أو لا، من إبل أو بقر أو غنم، ربوي على المعروف من المذهب؛ لأنه مقتات، وجعل دوامه كادخار.
стр. 2129
وحلبة بضم الحاء، وهي معروفة، وهل هي طعام إن اخضرّت؟ وهو قول أصبغ: الخضر إطعام، واليابسة دواء. أو هي طعام مطلقًا، وهو ظاهر قول ابن القاسم: الحلبة طعام. تردد: كذا ظهر لي في تقرير هذا المحل، وقرره الشارح في الكبير على أنها ربوية.
وهل ربويتها بقيد كونها خضرًا أو مطلقًا، وهو بعيد، وقرره البساطي على خلاف هذين، فانظره.
ومُصْلِحُهُ عطف على (حب)، أي: يدخل الربا في مصلح الطعام، ومثلّه بقوله كملح وبصل وثوم بمثلثة، والأخيران جنسان، قاله الشارح، ولا أعلم في الأول خلافًا.
وتابل: بفتح الموحدة، وأوله تاء مثناة فوقية، ومثله بقوله: كلفلفل بضم الفائين، وكش برة بضم الكاف وبزاي أو بسين بدلها، وضم الباء. الجوهري: وقد تفتح، وأظنه معربًا.
وكراويا وتسمى قرنباذ: بفتح القاف والراء، فنون ساكنة، فياء مفتوحة، وآخره ذال معجمة، وآنيسون وهو معروف، وشمار قال في القاموس: [و] كسحاب الرازيانج مصرية.
وكمونين أبيض وأسود، ويسمى الثانى الحبة السوداء (١) والشونيز أيضًا بفتح الشين.
وهي أي: المذكورات أجناس، وكذا القرفة والسنبل.
وقيل: فيهما غير ذلك.
[ما ليس ربويًا: ]
стр. 2130
ولما ذكر ما فيه علة الربا أخرج منه ما ليست فيه، فقال: لا كخردل بدال مهملة، كما في التنزيل، وجاء إعجامها، فلا يدخله ربا الفضل، وهذا خلاف ظاهر قول ابن الحاجب: إنه ربوي اتفاقًا.
تنبيه:
لو أدخل الكاف على (خردل) ليدخل بزر البصل والجزر والبطيخ والقرع والكراث والحرف وهو حب الرشاد، لكان أحسن.
وزعفران اتفاقًا، بل حكي فيه الإجماع، وخضر كخس بالفتح، وبقل وهندباء بالقصر والمد، ويقال: هندب وهندبان بفتح الدال، وهو: البقل ودواء: كصبر، وشاهترج، ومعناه بالعجمية: سلطان العشب، وتين ليس بربوي.
وظاهره: ولو يبس، وهو كذلك، واستظهر المصنف ربويته، ولم يذكر هنا ما استظهر.
وموز ليس بربوي على المشهور، وفاكهة: كخوخ وإجاص، وتفاح، وكمثري، وعنب، وقثاء، وخيار، ولو أدخرت: أي الفاكهة بقطر دون غيره، كالتفاح ونحوه بدمشق، ونحوها كالبطيخ الأصفر بخراسان لبذور الادخار، وليس للعيش.
وظاهر كلامه: أن الموز ليس من الفاكهة؛ لعطفه عليها، أو هو منها، وهو من عطف العام على الخاص.
[و] كبندق: بضم أوله وثالثه، وبإبدال بائه، فليس بربوي على المشهور، ودخل بالكاف: الجوز واللوز ونحوهما؛ لأن ادخارهما ليس للاقتيات.
سند: ويختلف في حب البلوط على الخلاف فيما يدخر نادرًا.
وبلح إن صغر بأن انعقد واخضر؛ لأنه حينئذ علف، والطلع أحرى.
ولتمر النخل سبع درجات:
стр. 2131
[١] طلع (١).
[٢] فاغريض (٢).
[٣] فبلح (٣).
[٤] فزهو (٤).
[٥] فبسر (٥).
[٦] فرطب (٦).
[٧] فتمر (٧).
فإن كبر البلح فربوي على المشهور؛ لقربه من البسر، وإلا غريض الطلع بعد أن ينشق عنه حبه.
وماء ليس بربوي على المعروف، بل وليس بطعام؛ ولذا يجوز فيه
стр. 2132
النساء، ويباع بطعام لأجل، خلافًا لابن نافع في منع النساء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾.
والطحن لقمح مثلًا لا ينقله عن الحنطة، بحيث يصير جنسًا غيرها، خلافًا للمغيرة، والعجن لا ينقل عن الدقيق، والصلق لا ينقل عن الأصل.
[ما ينقل الطعام وما لا ينقله من كونه غير ربوي إلى كونه ربويًا: ]
إلا الترمس فينقله لطول أمده، وتكلف مؤنته.
والتنبيذ لتمر أو زبيب فإنه لا ينقل، وكل مع أصله جنس لا يباع متفاضلًا، بخلاف خله أي: خل ما ينبذ، فإنه ينقل على المشهور، فيجوز بيع خل تمر مثلها بتمر متفاضلًا، لاختلاف الجنسية لطول الزمان.
وطبخ لحم بإبزار، فإنه ينقل عن نيئه، فيجوز التفاضل بينهما.
وفهم منه: أن صلقه بالماء فقط أو به وبالملح غير ناقل، ونحوه للخمي والمازري.
وطبخ وما بعده بالجر: عطف على الضمير المضاف إليه خل.
وشيه وتجفيفه بالنار أو الشمس بها أي: بالإبزار ناقل له، وبدونها غير ناقل.
والخبز بفتح الخاء المعجمة ناقل عن العجين.
[الجنس الواحد ينقل فيكون ربويًا: ]
ولما كان الجنس الواحد قد يعرض له ما ينقله، شرع في ذلك، فقال: وقلي قمح ناقل على المشهور، وإذا كان القلي بمجرده ناقلًا، فالسويق أولى؛ ولذا قال: وسويق وسمن أي: السمن ناقل عن اللبن، فيباع به متماثلًا ومتفاضلًا، كالخبز بالنشاء متفاضلًا.
وجاز تمر ولو قدم بتمر جديد؛ فالجديدان والقديمان لا إشكال في جوازهما.
وأشار بلو لمخالفة عبد الملك لمالك في ذلك.
стр. 2133
وجاز لبن حليب من إبل أو بقر أو غنم، ورطب ومشوي وقديد وعفن وزبد وسمن وجبن بسكون الباء وهي الفصحي، وبضمها وبالنون مع تخفيفها وشدها، وأقط بفتح الهمزة وكسر القاف، وربما تسكن في الشعر، وتنقل حركة القاف لما قبلها بمثلها أي: كل واحد منها بمثله، وقد يقال: المثلية متعذرة؛ فإن الحليب بمثله قد يطلب منهما، فتظهر المزابنة، فيمنع كما قاله أبو الفرج.
ثم شبه لإفادة الحكم، فقال: كزيتون ولحم، أي: يجوز كل منهما بمثله، وهو كذلك باتفاق، حكاه ابن شاس في الأول، وابن بشير في الثاني، وقيد اللخمي اللحمين بكونهما مذبوحين، أو بوقت، أو متقارب، ولم يذكره المصنف.
لا يبع رطبهما بيابسهما، فلا يجوز على المشهور، ولو تحرى النقص؛ لما فيه من المزابنة.
ووهّم بعضهم المصنف ومن تبعه في عزو القولين للمدونة في توضيحه.
ولا يجوز مبلول بمثله قدرًا وصنفًا عند ابن القاسم، وهو المشهور؛ لعدم تحقيق المماثلة في المبلول ومن الحب ما يقبل من الماء ما لا يقبله غيره، ومقابل المشهور في الجلاب: الجواز؛ لتساوي البلل.
ولا يجوز بيع لبن فيه زبد بزبد، ظاهره: سواء أريد أحد اللبنين لإخراج زبده أو لأكله، وهو كذلك، وقيد بعضهم المنع ما إذا أريد إخراج زبده، وأما للأكل فلا، ولم يعتبر المصنف هذا التقييد، إلا أن يخرج زبده، فيجوز بيعه بالزبد، قاله في المدونة.
واعتبر الدقيق أي: قدره تحريًا في بيع خبزه بمثله للناقل، وهو قول مالك في الموطأ، والسلم الأول من المدونة، وإذا جاز التحري فقال ابن القاسم يتحرى ما فيها من الدقيق لا نفس الخبز.
وظاهره: كان الخبزان من صنف واحد أو لا، ومثله لابن الحاجب،
стр. 2134
وقيده الباجي إذا كان الخبزان من صنف واحد.
قال الشارح: وهو مراده هنا. ودرج عليه في شامله.
كعجين بِيع بحنطة، أو دقيق بِيع بعجين، فيتحرى الدقيق من الجانبين في الأول، وأما في العجين [فـ]ـفي الثاني.
وجاز قمح بدقيق على المشهور، لأن الطحن غير ناقل.
وظاهر كلامه: أنه لا فرق بين القليل والكثير، وهو كذلك.
وهل الجواز إن وزنا؟ لا إن كيلا، وهو قول ابن القصار، أو مطلقًا، وهو لغيره؟ تردد.
قال بعضهم: من أطلق أراد الوزن.
واعتبرت المماثلة في ربوي طلبها الشارع فيه بمعيار الشرع؛ لئلا يؤدي الخروج عنه للربا، فلا يجوز بيع قمح بقمح وزنًا، ولا نقدًا بنقد كيلًا، وليس المراد عين الكيل أو السنجة الكائنين في زمنه ﷺ ، بل كما قال يوسف بن عمر: كيل ووزن وضعهما السلطان.
تنبيه:
ما وقع في المدونة من إطلاق الكيل في الدراهم المراد به الوزن.
وإلا بأن لم يكن للشرع فيه معيار بكيل ولا وزن فبالعادة العامة، كاللحم والجبن؛ فإنهما بالوزن في كل بلد، أو الخاصة كالجوز والرمان والأرز والسمن والزيت والعسل، فإنه يختلف باختلاف البلدان، فيعمل في كل محل بعادته.
تتميم:
قال ابن شاس: لو جرت العادة في شيء بوجهين قدر بأحدهما أيهما كان.
ابن عرفة: هذا إن تساويا، وإلا اعتبر الأكثر.
стр. 2135
فإن عسر الوزن بأن تعذر لأجل سفر أو بادية جاز التحري، ومحل الجواز إن لم يقدر على تحريه، أي: لم تمتنع القدرة عليه؛ لكثرته، بل أمكن مع كثرته، لا جدا، فإن امتنعت القدرة لكثرته جدًا لم يجز، وهذا هو القول الأول، الذي صدر به ابن الحاجب، حيث قال: فإن عسر الوزن فثالثهما يتحرى في اليسير.
وزاد المصنف فيه تقييد ابن رشد له بأن لا يكثر جدًا، حتى لا يستطاع تحريه، وهذا التقرير نحى إليه الشارح، لكن قال: لعل قوله: (إن لم يقدر) مصحّف، أصله: إن لم يتعذر، أو سقط منه (لا)، أي: قبل قوله: (إن لم). وبما قررناه يندفع هذا.
وقول البساطي: (جاز التحري إن انتفت القدرة على تحريه لكثرته، أي: يجوز إذا كان قليلًا) هو القول الثالث من كلام ابن الحاجب، وهو بعيد من كلام المصنف، وأقره بعض مشايخي، قائلًا: فيه قلق، إيضاحه: أن يقال: القليل لا يصدق عليه أن لا يقدر على تحريه لكثرته، وإذا لم يصدق هذا صدق نقيضه، وهو ما قاله المصنف. انتهى.
وخص التحري بعسر الوزن، لأ، العد والكيل لا يتعذران، فلا يجوز التحري.
الباجي: ولو بغير المكيال المعهود.
وفسد منهي عنه لعينه أو وصفه على المذهب؛ لأن النهي يدل على الفساد شرعًا لا لغة على الأصح، إلا لدليل شرعي يدل على صحة ذلك المنهي عنه فلا فساد (١)، ويكون حينئذ مخصصًا لهذه القاعدة، ولابن عرفة هنا كلام انظره في الكبير.
ولما كان ذكر الجزئي بعد الكلي أجلى في بيانه جرى المصنف على
стр. 2138
ذلك ممثلًا له بقوله: كحيوان بلحم جنسه، فلا يباع؛ لخبر مالك المرسل، عن زيد بن أسلم، عن سعيد ابن المسيب، أن رسول اللَّه ﷺ : "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" (١). قال أبو الزناد (٢): كل من أدركت ينهى عن ذلك.
стр. 2139
وخصه مالك بالجنس الواحد؛ لأن اللحم بالحيوان معلوم بمجهول، وهو معنى المزابنة.
ومفهومه: الجواز بما تطول حياته، كالشارف الذي لا يراد إلا للذبح، وهو أحد قولي مالك.
وهذا إذا كان اللحم نيئًا؛ ولذا قال: إن لم يطبخ، فإن طبخ جاز بالحيوان؛ لأن الطبخ ينقله عن جنسه، فأحرى بالحيوان.
وخرج بلحم جنسه جوازه بغيره، فيباع بفرس لحم غنم أو لحم طير أو كحيوان بما أي بشيء لا تطول حياته، كطير الماء، لا يجوز بيعه بحيوان من جنسه، وهو أحد قولي مالك، وأخذ به ابن القاسم.
أو لحم بحيوان لا منفعة فيه إلا اللحم، كخصي معز أو لحم بحيوان قلّتْ منفعته، كخصي ضأن؛ إذ منفعته وهو الصوف يسيرة.
وفهم منه كما قال في توضيحه: أن المنفعة لو كثرت كصوف ولبن وقصد منها الولادة أنها ليست كاللحم، فلا يجوزان، أي: ما لا تطول حياته وما لا منفعة فيه.
إلا اللحم أو قلَّت بطعام لأجل؛ لأنه طعام بطعام، نسيئة في الجنسين، وهو قول ابن القاسم: كخصي ضأن، مثال لما قلَّت منفعته، كما قدمناه.
стр. 2140
وكبيع الغرر، عياض: وهو بيان ما ظاهره محمود وباطنه مكروه؛ ولذا سميت الدنيا الغرور، وقد يكون من الغرارة، وهي: الوديعة.
وذكر المصنف أمثلة ذلك، فقال: كبيعها بقيمتها، بأن يقول: بعتكها بما تساوي عند أهل المعرفة؛ للجهل بثمنها، أو بيعها على حكمه، أي: العاقد من بايع أو مشتر أو حكم غيرٍ أجنبي.
المازري: وهو فاسد؛ للجهل بما يحكم به من ثمن.
ويحتمل كون ضمير حكمه للبائع وغير مشتر أو أجنبي للجهل بالثمن، قاله اللخمي.
أو رضاه، أي: العاقد. ابن القاسم: إذا قال: هي لك بما شئت إن أعطاه ما يسخطه وهو القيمة لزمه.
محمد: ذلك مع الفوات. أي: وأما مع قيام السلعة فلا، وترد، وهو فاسد، أو رضي واحد من الثلاثة فهي لك بما شئت، أو أنا أو زيد.
أو توليتك سلعة اشتراها شخص لم يذكرها البائع ولا غيره لمن ولاه، أو ذكرها ولم يذكر ثمنها بإلزام للجهل في الثمن والمثمون، أما لو ولاه لذلك على الخيار لجاز.
وكملامسة الثوب أو منابذته بذال معجمة، خرَّج مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ : "نهى عن الملامسة والمنابذة" (١)، وعن أبي سعيد الخدري: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيعتين ولبستين" (٢).
أما الملامسة: فأن يلمس واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل، والمنابذة: أن ينبذ كل منهما ثوبه إلى الآخر بالليل أو بالنهار، ولا يقبله إلا بذلك، ويكون ذلك بيعهما، فيلزم من غير نظر ولا تراض.