ابن محرز هو الموافق لما في أصل المصنف، فإن فيه: وهل ورثة المشتري كذلك تأويلان.
ولما ذكر أن الموت يمنع الخيار وينتقل للوارث ذكر مانعين أيضًا، وهما: الجنون والإغماء، فقال: وإن جن من له الخيار من بائع أو مشتر قبل اختياره، وعلم أنه لا يفيق من جنونه بعد طول نظر السلطان في الأصلح له، ونُظِر أي: انتظر المغمي عليه ذو الخيار لإفاقته، وإن طال من إغمائه فسخ البيع للضرر للبائع، ولا ينظر له السلطان عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب، واستحسنه المتأخرون، والملك للبائع في زمن الخيار على المشهور لأنه منحل.
وقيل: للمبتاع.
فهو تقرير، لا نقل، وفي المدونة ما يشهد لهما، وما يوهب للعبد في زمن الخيار للبائع.
وقال البساطي: للعبد لا للبائع ولا للمشتري انتهى. ويحتاج لنقل.
إلا أن يستثني المشتري ماله فيتبعه، والغلة الحادثة في أيام الخيار كلبن ونحوه [للبائع] (١)؛ إذ الخراج بالضمان، والضمان من البائع اتفاقًا.
وأرش ما جني أجنبي على المبيع زمن الخيار له، أي: للبائع لا للمشتري، [ولو أمضى] (٢) البيع بخلاف الولد؛ فإنه ليس غلة، فلا يكون للبائع، ومثله الصوف التام؛ لأنهما كانا موجودين حين العقد، [فقابلهما] (٣) جزء من الثمن، والضمان منه، أي: من البائع في زمن الخيار، فالملك له استصحابًا، كان الخيار له أو للمشتري أو لهما أو لغيرهما.
وهذا فيما لا يغاب عليه من عقار وحيوان، وإن تلف عقد البائع أو المشتري وظهر تلفه فواضح، وإلا حلف مشتر قبضه وادعى تلفه.
стр. 2207
وهل يحلف مطلقًا متهمًا، كان أو لا، أو إنما يحلف المتهم؟ قولان.
إلا أن يظهر كذبه، أي: المشتري كدعواه موت دابة، ولم تشاهد ميتة، أو يكون المبيع مما يغاب عليه كحلي فيضمن في المسألتين، إلا ببينة على صدق دعواه فيهما، فيصدق، ولا ضمان حينئذ؛ لأنه ضمان تهمة تقطعها البينة.
وضمن المشتري إذا غاب على المبيع، وادعى تلفه إن خير البائع، أي: كان الخيار له الأكثر من ثمنه، الذي بيع به، أو قيمته عند ابن القاسم؛ لأن من حق البائع الإمضاء إن كان الثمن أكثر، والرد إن كانت القيمة أكثر، إلا أن يحلف المشتري أنه تلف بغير سببه، فالثمن لا غيره.
ثم شبه بالمستثنى، فقال: كخياره، أي: المشتري، إذا غاب على المبيع الذي يغاب عليه، والخيار له، وادعى تلفه؛ لأنه يعد راضيًا عند ابن القاسم، وكغيبة بائع على ما يغاب عليه، وادعى تلفه، والخيار لغيره، ظاهره: مشتر أو أجنبي، وأقره الشارحان، فإنه يضمن الثمن.
ومفهوم كلام المصنف: لو تلف بيده والخيار له لا شيء عليه، ويعد ردًا منه، وهو كذلك.
[جناية البائع: ]
ولما ذكر جناية الأجنبي ذكر جناية العاقدين، وبدأ بالكلام على جناية البائع، فقال: وإن جنى بائع على مبيعه زمن الخيار، والخيار له عمدًا، ولم يتلفه، فرد عند ابن القاسم، وإن جنى خطأ، فله أن يمضي البيع بحكم خيار التروي؛ لأن جناية البائع خطأ لا تكون ردًا للمبيع؛ لأن الخطأ مناف لقصد الفسخ، فإن أراد البائع إمضاء البيع فللمشتري خيار العيب، إن شاء تمسك، ولا شيء له، أو رد وأخذ ثمنه؛ لأن العيب الحاصل زمن الخيار كالقديم، وإن تلف المبيع في الصورتين انفسخ البيع فيهما؛ لأن الضمان من البائع، وإن خير غيره أي: غير البائع، وهو المشتري وتعمد البائع الجناية ولم يتلف المبيع، فللمشتري الرد لتعييب المبيع، أو أخذ أرش الجناية، وإمضاء البيع.
стр. 2208
تنبيه:
عدل عن أن يقول يأخذ قيمة العيب؛ لأنه يأخذ أرش الجناية، سواء عيبته أو لا، أو كان فيهما أرش مسمى، كالموضحة والمنقله، فيأخذه، وإن برئت بغير شين فلا شيء فيها، وبشين فعلى ما يراه القاضي.
وإن تلف بجناية البائع ضمن للمشتري الأكثر من الثمن أو القيمة، فإن كان الثمن أكثر فللمشتري الفسخ، وإن كانت القيمة أكثر فمن حقه أن يجبر، وإن أخطا البائع في جنايته والخيار للمشتري ولم يتلف المبيع، فله أي: المشتري أخذه أي: المبيع ناقصًا، ولا شيء له؛ لأن بيع الخيار منحل، فجنايته على ملكه، أو رده للعيب، وإن تلفت السلعة انفسخ البيع، وهذا آخر الثمانية المتعلقة بجناية البائع.
[جناية المشتري: ]
وإن جنى مشتر على ما اشتراه في زمن الخيار، والخيار له، ولم يتلفها عمدًا، فهو رضًا منه عند ابن القاسم.
وفي بعض النسخ: وأتلفها، والأولى صواب.
وإن جنى خطأ ولم يتلفه فله رده، أي: المبيع، وما نقص، وله التمسك به معيبًا، ولا شيء له؛ لأنه تبين أنه جنى على ملكه، وأن أتلفها بجناية خطأ أو عمدًا ضمن الثمن؛ لأن الخيار له، والجناية منه، قاله ابن القاسم في المدونة.
وإن خيره غيره أي: المشتري، وهو البائع، وجنى المشتري عمدًا أو خطأ، ولم يتلفها، وجمع بين العمد والخطأ لاتحاد حكمهما، فله أي: البائع رد المبيع، وأخذ أرش الجناية، أو الإمضاء وأخذ الثمن، كسلعة وقفت على ثمن، وإن تلف ضمن المشتري للبائع أكثر من الثمن، وله إمضاء البيع، وله القيمة، وله رده.
[خيار التروي: ]
وإن اشترى أحد ثوبين معينين لا بعينه من شخص وأحد وقبضهما
стр. 2209
ليختار أحدهما إن شاء أخذه أورده أو ردهما، وليس له التماسك إلا بأحدهما، وادعى ضياعهما ضمن واحدًا منهما بالثمن على المشهور بالثمن الذي وقع البيع به؛ لأنه مبيع، ولا ضمان عليه في الآخر؛ لأنه فيه أمين، إن لم يسأل في إقباضهما، ولكن تطوع له البائع، وكذا لو سأل في إقباضهما، وهو المشهور، وهو قول ابن القاسم.
وأشار بـ (لو) لخلاف الموازية من أن ضمانهما معًا، إذا سأل في إقباضهما أحدهما بالقيمة، لأنه غير مبيع، والآخر بالأقل من الثمن أو القيمة.
وما ذكره المصنف نحوه لابن الحاجب، وقرره المصنف بنحو ما ذكرنا، وتبعه الشارحان.
أو زعم ضياع واحد منهما فقط، والمسألة بحالها ضمن نصفه بالثمن؛ لأنه لا يعلم هل الضائع المبيع أو غيره، فأخذ بالنصف عملًا بالاحتمالين، فلا ضرر ولا ضرار، وله اختيار كل الباقي؛ دفعًا لضرر الشركة، أو رده عند ابن القاسم، وهو مذهب المدونة.
ثم شبه فقال: كسائل دينارا قرضًا، فيعطى ثلاثة ليختار له منها واحدًا، فزعم تلف اثنين منها، فيكون شريكًا في الثلاثة بالثلث، والثلثين عند مالك، فيأخذ من الباقي ثلثه، ويرد ثلثيه، ويقضي دينارًا كاملًا؛ لأن عليهما من التالفين ثلثهما، وسواء قامت على التلف بينة أم لا.
وإن كان ابتاع الثوبين على أن له فيهما خيار التروي وقبضهما ليختارهما، أو يردهما، فكلاهما مبيع، فإذا ادعى ضياعهما لزماه بالثمن على المشهور؛ إذ ليس أمينًا فيهما، ولا في أحدهما، ولزماه بمضي المدة المشترطة للخيار وهما بيده ساكتًا لانقطاع خياره بمضي مدته، وفي شرائه على اللزوم لأحدهما وقبضه ليختاره منهما ومضت أيام الخيار وهما بيده ولم يختر يلزمه النصف من كل منهما؛ لاشترائه واحدًا دائرًا بين اثنين، فيكون شريكًا بالنصف.
وظاهره: اتحد ثمنهما، أو اختلف، وهو مذهب المدونة.
стр. 2210
ومفهوم كلامه: لو كان الخيار للبائع لم يجز؛ لقوله في النكاح: (ويجوز على عبد تختاره هي لا هو كالبيع).
وفي اشترائه أحدهما على الاختيار لا اللزوم لا يلزمه شيء منهما؛ لانقطاع اختياره بمضي مدة الخيار.
[خيار العيب: ]
ولما انتهى كلامه على خيار التروي أتبعه بخيار العيب، وعبر عنه ابن شاس وابن الحاجب بخيار النقيصة، وحالة المبيع المعتبر نقصها: إما شرط أو عرف، قال: ورد المبيع أي: له رده بعدم مشروط اشترطه المشتري فيه غرض، سواء كان فيه مالية، كاشتراط أن الأمة نهاية في الطبخ، فيجدها على غير ذلك، أو لا مالية فيه، كثيب اشتراها مشترطًا ثيوبتها ليمين أن لا يملك بكرًا أو أن لا يطأ إلا ثيبًا، ويشتريها للوطء، فيجدهما بكرًا، فله ردها، وكذا لو اشتراها على أنها من جنس، فوجدها من آخر أفضل منه.
وإن كان الشرط بمناداة عليها أنها سليمة من كذا، ثم توجد بخلافه، فله الرد، لا إن انتفى الغرض والمالية، فيلغى الشرط، ولا رد كعبد للحراثة، ويشترط أنه غير كاتب، ثم يوجد بخلافه، فلا رد.
تنبيه:
ما قررنا من أن الفاعل راجع للغرض والمالية نحوه للشارح، وقرره البساطي على أن الفاعل الغرض، نظرًا لإفراد ضمير انتفى.
ورد المبيع بما اقتضت العادة السلامة منه عرفًا، مما تكرهه النفوس، كجذام الأب أو الأم وأبنائهما، وسواء كان ما جرت العادة بالسلامة منه كراهة النفوس، كما تقدم، أو كان مؤثرًا في نقص الثمن دون المثمون، كإباق العبد، أو في المثمون دون الثمن كخصائه، أو في التصرف كالعسر.
تنكيت:
قول البساطي: (هو معطوف على ما تقدم) صحيح، وتفسيره، أي:
стр. 2211
ورد بعدم شيء جرت العادة بالسلامة منه في البيع صوابه (وجود) بدل (عدم).
ولما كان تنزيل بعض الجزئيات على القاعدة قد يخفى، ذكر أمثلة ذلك؛ لدفع ذلك الخفاء، فقال: كعور، وهو معروف.
وقطع لعضو، ولو في أصبع.
وخصاء، وإن زاد في الثمن؛ لأنه معنى غير شرعي، كالغناء في الأمة، وهو بالمد والقصر: السماع.
واستحاضة في فارهة أو وخش (١).
ورفع حيضة استبراء؛ إذ أتي من ذلك ما فيه ضرر، وفي المدونة الشهران كثير، وارتفاع حيض الشابة، ولو وخشا.
وبعيب زنا طوعًا أو غصبًا.
وله الرد بعيب عسر بفتحتين، وهو البطش باليسرى دون اليمنى: ذكرًا كان أو أنثى، علياءً أو وخشا.
وشرب لمسكر.
وبخر بفم أو فرج، قاله المتيطي في وخش أو رائعة.
وزعر، وهو: عدم نبات شعر العانة.
سحنون: لأن الشعر يشد الفرج، وعدمه يرخيه.
وزيادة سن لذكر أو انثى، عليّ أو وخش، بمقدم الفم أو غيره.
البساطي: يريد إذا كان على الأسنان، أما في موضع من الحنك لا يضر الأسنان فلا.
стр. 2212
وظفر بالتحريك: جُليدة تغشى العين نابتة من الجانب الذي يلي الأنف على بياض العين إلى سوادها.
ابن القاسم: والشعر في العين.
وبسبب عجر فسره في توضيحه بكبر البطن، وابن عرفة بالعقدة على ظهر الكف أو غيره من الجسد.
وبجر بالتحريك، وفسره ابن عرفة بأنه نفخ كالعجرة، إلا أن البجرة لينة من نفخ ليس بزائد، والسلعة نفخ زائد نات متفاحش أثره.
وفي الشامل: بما ينعقد في ظاهر البطن، ويطلق العجر والبجر على العيوب، كما في حديث أم زرع (٢).
стр. 2213
وله رد رقيق بوجود والدين له أحدهما.
تنبيه:
تبع في قوله والدين ابن الحاجب، وفسره في توضيحه بما قلنا.
أو وجود ولد صغير أو كبير، حر أو عبد، لأن وجوده مما يشغل عن خدمة سيده، وربما آثره بما في يده، وفيه ضرر، لا وجود جد ولو لأم وأخ شقيق أو غيره وعم من الأقارب، فلا يرد بوجود أحد منهم.
وله الرد بسبب جذام أب أو جذام أم أو جدة، وأحرى هما، ولو لم يقل أهل النظر بتعديه للعقب على المشهور؛ لأنه مما تخشى عاقبته في النسل لفساد النطف.
أو جنونه، أي: أحد الأبوين، فيرد له، إن كان بطبع من وسواس أو صرع مذهب للعقل، لا إن كان بمس جن فلا رد به.
وله الرد مع سقوط سنين من مقدم الفم أو مؤخره، نقص الثمن أو لا، وفي الموازية إن نقصه.
стр. 2214
وأفهم التأنيث أن الواحدة ليست عيبًا في الذكر، وهو كذلك، ولو في مقدم الفم.
تنبيه:
عدل عن قول ابن الحاجب: (وسقوط ضرسين، والواحد من العلي) لتعقبه له بوجهين:
أحدهما: تخصيص الأضراس.
ثانيهما: عمومه في العبد والأمة، وهو خاص بالأمة.
وله الرد بوجود شيب بها فقط، أي: الشابة الرائعة، ولو قل الشيب.
ومفهوم (فقط): أنه ليس عيبًا في غيرها، ولو كثر، وهو ظاهر المدونة.
وله الرد باطلاعه على جعودته بأن يكون غير مؤجل، وصهوبته وهو ميلة للحمرة في الرائعة.
وله الرد في رقيق اطلع على كونه ولد زنا: ذكرًا أو أنثى، ولو كان وخشًا، وأشار بـ (لو) للخلاف فيه.
وله الرد باطلاعه على بول في فرش عند النوم في وقت ينكر، بأن فارق حد الصغر، إن ثبت ببينة، إن كان يبول عند البائع، وإلا بأن لم يثبت حلف بائع الأمة إن أنكر بائعها بولها عنده، إن أقرت أي: وصدقت عند غيره، أي: غير المشتري، وبالت.
وكذا الذكر، ويقبل في ذلك خبر الرجال والنساء، ولا يحلف المبتاع بائعه على علمه بمجرد دعواه.
وله الرد باطلاعه على تخنث عبد، سواء اشتهر بذلك أم لا، وباطلاعه على فحولة أمة، أي: تذكير كلامها، إن اشتهرت بها.
واختلف هل المراد بالتخنث هو الفعل، بأن يؤتى الذكر، وتفعل
стр. 2215
الأنثى فعل شرار النساء (١)، وإليه ذهب عبد الحق، وأما الكلام فلا رد به، أو المراد التشبه في الأخلاق والكلام والتمايل، بأن يكسر العبد معاطفه، ويؤنث كلامه كالنساء، لا فعل الفاحشة، وإليه ذهب أبو محمد؟ تأويلان في قولها: "ويرد العبد إن وجد مخنثًا، وكذا الأمة المذكرة".
وخص الاشتهار بالأنثى، ولم يعتبر ما في الواضحة من كونه قيل أفيهما، وإن اختصر بعضهم المدونة عليه، وإطلاقه يعم العلية والوخش.
عياض: ينبغي أن يقيد بالوخش، وأما العلية فالتشبه فيها عيب؛ إذ المراد فيها التأنيث.
وله الرد بإطلاعه على قلف ذكر مسلم أي عدم ختانه عدم وخفاض أنثى.
والقلف: بفتح القاف واللام ويقال بالغين المعجمة بدل القاف.
مولد كل منهما ببلد الإسلام، أو طويل الإقامة بين المسلمين، إذا فات وقت ذلك منهما، وإطلاقه يعم الوخش وغيره.
وقيل عيب في الرفيع.
وله الرد باطلاعه على ختن مجلوبهما، ابن حبيب: ختانه وخفاضها إن كانا مجلوبين عيب.
وله الرد في كبيع بعهدة، أي: عهدة الإسلام، ما اشتراه البائع ببراءة؛ لأنه كعيب كتمه؛ لأنه يقول: لو علمت أنك ابتعته على البراءة لم اشتره منك.
ولعله أدخل بالكاف ما إذا باع ما اشتراه من ميراث، وكذا إذا باع ما وُهب له، ولم يبين، وباع على أنه ما اشتراه.
стр. 2216
وله الرد إن اطلع في الدابة على كرهص، وهو: وقرة تصيب الفرس من إصابة الحجر.
وعثر: بمثلثة، إن ثبت كونه عند البائع، أو قال أهل النظر: لا يحدث بعد بيعها، أو كان بقوائهما أو غيرها أثره، ردت به، وإن أمكن حدوثه بعد البيع حلف بائعها ما علمه عنده، وإن نكل حلف المبتاع ورد.
وحرن، بأن تمتنع من الانقياد، وأدخل بالكاف ما شابه الثلاثة المذكورة، كدبرها؛ لتحريم فرجتها.
المتيطي: وتقويس ذراعيها، وقلة أكلها، ونفور مفرطين.
وعدم حمل معتاد، أي: لا تحمل حمل مثلها.
[ما لا يرد به]
ولا رد له باطلاع على ضبط، وهو: الذي يعمل بيدية معًا، ويسمى أعسر يسر، وهذا إذا لم شقص من عمل اليمنى، وإلا فعيب، والمرأة ضبطاء.
ولا بإطلاعه على ثيوبة، إلا فيمن لا يفتض مثلها؛ لأنها محمولة على عدم الوطئ.
تنبيه:
تبع في إطلاقه هنا ابن الحاجب مع تعقبه له بما في المتيطية وغيرها: من أنه عيب في الرائعة فقط ونحو تعقبه لابن عرفة.
وعدم فحش ضيق قبل، لا رد به، فإن تفاحش ضيقه فله الرد، كذا هنا، والذي في توضيحه من رواية أشهب: الصغيرة القبل ليس بعيب، إلا أن يتفاحش، ولا رد باطلاعه على كونها زلاء، أي: قليلة لحم الإلية، وأطلق كما في المدونة، وقيدت بما إذا لم يتفاحش، فله الرد.
ولا رد له باطلاعه على كيّ بنار لم ينقص ثمنها، ولا حصل منه شين، كذا في المدونة.
стр. 2217
وظاهره: كان برائعة أو غيرها أو أنثى، لعلة أو لا، خالف اللون أو لا، تفاحش أو لا، كان مفرقًا أو لا، انظر الكبير.
ولا رد له باطلاعه على تهمة بسرقة حبس فيها، ثم ظهرت براءته منهما، كما أنها غير جرحة في الحر.
ولا رد له بنقص في ما لا يطلع عليه إلا بتغيير في ذاته على المشهور، كسوس الخشب بعد شقه، ولا قيمة على البائع لعيبه.
وفرق ابن حبيب فلم يثبت الخيار فيما كان من أصل الخلقة، وأثبته بما طرأ كتعفنه من وضعه بمكان ندي.
واختلف: هل هو خلاف للمدونة، وهو حمل ابن يونس، أو وفاق، وهو حمل المازري تأويلان، ولم ينبه المصنف على ذلك.
وبفساد باطن الجوز والتين ونحوهما، ومر قثاء وفقوس ونحوهما، ولا قيمة للمشتري في نقص هذه الأشياء بعد تغيرها.
مالك: لأنه أمر دخلا عليه.
قال المصنف: انظر إذا بنينا على المشهور من نفي الرد؛ فإن اشترط المشتري الرد إن وجده مرًا أو البطيخ إن وجده غير مستوٍ هل يوفي بشرطه أو لا، وإلا ظهر الوفاء به.
ورد البيض بفساد البيع، ويرجع بالثمن، مما يعلم، ويظهر فساده قبل كسره.
وظاهره: ولو بيض نعام.
ابن ناجي: وهو ظاهر المدونة.
وقال بعضهم عن بعض شيوخه: لا يدخل بيض النعام لكثافة قشره، فلا يعرف فساده، وصححه بعض شيوخنا انتهى.
وقسم ابن أبي زيد وعبد الحق عن بعض شيوخه عيوب الدار ثلاثة أقسام: يسير جدًا، لا رد به ولا أرش فيه، ومتوسط فيه الأرش، وكثير ترد
стр. 2218
به، ونحو هذا التقسيم قول المصنف: وعيب قل بدار كشرافة، فلا رد به ولا أرش فيه، وفي رجوع قدره للعادة، كما قال بعضهم، فما قضى العرف بقلته فقليل، وبكثرته فكثير، وهو الأصل، أو ما نقص معظم الثمن فكثير، وما دونه فيسير، قاله أبو محمد، أو ما نقص عن الثلث، قاله أبو بكر بن عبد الرحمن، أو ما نقص عن الربع تردد.
وأشار للقسم الثاني بقوله: ورجع بقيمته، أي: العيب إن لم يكن يسيرًا جدًا، بل متوسطًا، كصدع جدار لم يخف عليها منه السقوط، سواء خيف على الجدار الهدم أو لا.
عياض: وهو ظاهر الكتاب، وتعقب اختصار أبي سعيد يخاف منه سقوط الجدار، والذي فيها في هذا القسم سقوط الرد، زاد محمد في الموازية: ويرجع بقيمته كما هنا.
ومفهومه: لو خيف هدمها منه لم يرجع بقيمته.
ثم استثني فقال: إلا أن يكون الجدار الذي لا يخاف عليها منه الهدم واجهتها، فله الرد به، ولا قيمة، وهذا هو القسم الثالث.
أو بقطع منفعة من منافعها، كـ: تهوير بئرها، وغور مائها، وفساد مطمر مرحاضها، أو تعفن قواعد بئرها، وخلل أساس حيطانها، أو ملح بئرها بمحل الحلاوة، أي: البلاد التي ماء آبارها حلو، قاله عياض.
ومن عيوبها: قرب بئر مرحاضها من حائطها، أو من بيوتها، وجريان ماء غيرها، واستنقاع مائها فيها بغير مصرف، وكون مرحاضها بدهليزها، أو على بابها، أو كونها لا مرحاض لها.
تنبيه:
ما ذكر من أن الدار لا ترد بالعيب اليسير دون غيرها هو المشهور المعمول به، وفرق بينهما بفروق، منها: أنها تراد للقنية غالبًا، والسلع للتجارة، انظر بقيتها في الكبير.
وإن قالت أمة لمشتريها وهي في عهدة الثلاث أو استبراء مواضعة:
стр. 2219
أنا مستولدة لبائعي، لم تحرم بهذا القول على مشتريها، لكنه عيب إن رضي به، ثم باعها بيّن وجوبًا، قاله ابن رشد؛ لأن ما حدث من العيوب في العهدة والاستبراء من البائع، وبه أفتى ابن لبابة وابن مزين وعبد اللَّه ابن يحيى وغيرهم من نظرائهم.
تنبيه ات:
الأول: قيدنا كلامه بعهدة الثلاث والاستبراء ليكون له الرد إن لم يرض، وأما إذا حملنا كلامه على إطلاقه فلا؛ إذ لا رد له إذا دخلت في ضمانه، ونحوه في سماع ابن القاسم، انظره في الكبير.
الثاني: ما ذكره نحو قول ابن الحاجب: (وإن قالت أنا مستولدة لم تحرم، ولكنه عيب يلزم المبتاع أن يبين إذا باع)، وأقره في توضيحه، ومثله للشارحين، وقرره ابن عبد السلام بما إذا اطلع المشتري على أنها كانت ادعت ذلك على بائعها، وهي في ضمانه، فإنه لا يحرم على المشتري استدامة ملكها بمجرد دعواها، ولكنه عيب يجب الرد به، إن أحب، فإن رضي به أو صالح عنه ثم أراد بيعها لزمه البيان كغيره من العيوب.
الثالث: أفهم كلامه أن دعواها الحرية يوجب الرد إن شاء، وهو كذلك من باب أولى، ولكن لا تحرم عليه بذلك.
ولما كان التحرير الفعلي، وهو: أن يفعل بالمبيع شيئًا يظن به المشتري كمالًا، وليس كذلك، وحكمه كالمشترط، بين ذلك بقوله: وتصرية الحيوان شاة أو بقرة أو بعير بأن يترك حلبها ليعظم ضرعها، ويحسن حلابها، ثم تباع كذلك، كالشرط لفظًا.
تنبيه:
لعل عدوله عن الأنعام لقوله الحيوان ليدخل في ذلك تصرية الحمر والآدميات، وهو قول المازري: للمبتاع مقال؛ لأن زيادة لبنها تزيد في ثمنها لتغذية ولدها، قاله الشافعية، ويجب تسليمه.
وقال بعض القرويين من أصحابنا: لا ترد الأمة بذلك.
стр. 2220
ثم شبه في الحكم قوله كتلطيخ ثوب عبد بمداد، إن فعله السيد، أو أمر به ليظن أنه كاتب، وأما إن كان من فعل العبد فلا.
تنبيه:
مثل بمثالين: الأول المبيع فيه معيب، والثاني غير معيب، لكن فعل فيه ذلك ليظن أنه من أعالي جنسه، ورد أي: ما وقعت فيه التصرية، وفي نسخه الشارح فيرده، فجعل ضميره لجميع ما وقع فيه التغرير، والأول أحسن؛ لقوله بصاع، أي: معه من غالب القوت، إن اختلف قوت محله، وهذا مذهب المدونة.
الباجي: وهو المذهب.
وقيل: التمر.
تنبيهان:
الأول: قدر الصاع متعين، فلا يزاد عليه لكثرة الثمن، ولا ينقص منه لقلته، ولا يلتفت لغلاء الصاع، ولا رخصه، ولو ساوى قيمة الشاة، أو زاد.
الثاني: إن لم يكن في القوت غالب.
فقال البساطي: مما شاء من القوت.
وقال بعض مشايخي: من الوسط، وحرم رد اللبن، ولو بتراضيهما: غاب عليه، أو لم يغب؛ لأنه بمجرد ردها تعين الصاع في مقابلة اللبن، ولم يقبضه، فلو رد اللبن لكان بيع الطعام قبل قبضه، لا أن علمها المشترى مصراة، فليس له ردها؛ لدخوله على إسقاط حقه.
تنبيه:
قال في توضيحه: إلا أن يجدها دون معتاد مثلها، ولم ينبه عليه هنا، أو لم تصر، ولكن ظن كثرة اللبن؛ لقرينة عنده، ككثرة لحم ضرعها، فلا يردها إذا وجدها على غير ذلك، إلا بثلاثة شروط:
стр. 2221
أشار لأحدها بقوله: إلا إن قُصد لبنها لا لحمها ولا عملها ولا غيرها.
ولثانيها بقوله: واشتريت في وقت حلابها، أي: إبان الحلاب، نحوه في المدونة، فلو اشتريت في غير وقته وحلبها في وقته فلم يرضها فلا رد له، عرف البائع حلابها أو لا.
وأشار لثالثها بقوله: وكتمه البائع، أي: الإخبار بقلة لبنها مع علمه أن المقصود، فللمشتري الرد مع عدم هذه الشروط.
ثم عطف على ما لا يرد به، فقال: ولا يرد الصاع إن رد مصراة بغير عيب التصرية، إذا رضي بعيب التصرية، ولو صدق عليه أنه رد مصراة؛ إذ لم يردها بعيب التصرية، خلافًا لأشهب، يرد معها الصاع.
وأشار لاستظهار التونسي الأول، فقال: على الأحسن، وإذا تعدد شراء المصراة في عقد واحد وردها تعدد الصاع بتعددها، قاله ابن الكاتب، واقتصر عليه المصنف؛ لكونه اختيار اللخمي وابن يونس، ولذا قال: على المختار والأرجح.
وقيل: يرد لجميعها صاعًا واحدًا.
وفي التوضيح أنه قول الأكثر.
ابن عرفة: حكاه ابن العطار على أنه المذهب.
وعلى هذا، فكان ينبغي أن يحكيه: إما مساويًا لما قبله، أو يقدمه، ولعله إنما تركه لقول ابن زرقون: ليس عليه العمل.
وإن حلب المشتري المصراة فلم يتبين له أمرها فحلبها ثانية ليختبرها فوجدها ناقصة عن لبن التصرية فله ردها اتفاقًا، وإن ثبت قال، فإن حصل الاختبار بالثانية فهو أي: حلبها ثالثة رضًا بها، ولا رد له، ولا حجة عليه في الثانية؛ إذ بها يختبر أمرها، كذا لمالك في المدونة، وعنه في الموازية له ذلك، أي: حلبها ثالثة، ولا يعد رضًا بها.
стр. 2222
وفي كونه أي ما في الموازية خلافًا لما في المدونة فهمًا قولان، وعليه المازري وطائفة، أو وفاقا وعليه الصقلي اللخمي، وهو الأحسن تأويلان.
ولم يذكر المصنف حلفه بعد الثلاثة على عدم الرضا، ونقله الصقلي عن عيسى بن دينار.
ابن رشد: إن حلبها رابعة فهو رضًا باتفاق.
ولما ذكر خيار النقيصة أردفه بمانعه، وهو ضربان: مانع مطلقًا، وهو أربعة، ومانع بتقدير، أشار للأول من الأربعة، بقوله: ومنع منه أي: من القيام بالخيار بيع حاكم، فاعل منع، ومنع منه أيضًا ببيع وارث رقيقًا مفعوله؛ إذ هو مصدر يعمل عمل فعله، ولذا نصب رقيقًا، فقضى الحاكم أو الوارث أنه أي: الرقيق إرث؛ لأنه بيع براءة، وإن لم يشترطه، وبيع الرقيق بالبراءة جائز، جرى به عمل أهل المدينة، وقضى به عثمان وغيره (١).
стр. 2223
ومفهوم (فقط): أن غير الرقيق لا يمنع رده؛ لأن البراءة منه غير مفيدة، والفرق بين الرقيق وغيره قدرته على كتم عيوبه، فإن أحب إقامته عند مشتريه كتمه، وإلا أظهره، فجعلوا للبائع التبرؤ منه؛ ليسلم من تبعته. ومفهوم (بين): أنه لو باع ولم يبين لم يمنع من الرد، وهو كذلك.
وظاهر كلامه: كان العيب يسيرًا أو كثيرًا، وهو كذلك.
وخير مشتر من أحدهما، أي: من الحاكم أو الوارث ظنه أي: المشتري غيرهما، ثم ظهر أنه أحدهما، فله الرد والإمضاء، وينفعه دعوى جهله، خلافًا لابن حبيب.
ومنع من خيار المبتاع تبرؤ غيرهما، أي: الحاكم والوارث فيه أي: الرقيق مما لم يعلم به البائع من عيب، إن وجد به بعد الشراء، إن طالت إقامته، أي: الرقيق عند بائعه، فلو باعه بفور شرائه بيع براءة لم يفده، وللمشتري رده بالعيب على المشهور.
ولما ذكر التبرؤ مما لم يعلمه أفاد حكم ما إذا علمه بقوله: وإذا علمه البائع بيّن المشتري أنه به، فلو قال: أبيعك بالبراءة من عيب كذا، ولم يقل هو به، لم يفده قاله ابن المواز.
وقال ابن يونس: يبرأ منه، قال هو به أم لا.
ووصفه بعد بيانه وصفًا شافيًا كافيًا عن حقيقته وموضعه؛ إذ قد يغتفر في موضع دون غيره، أو أراه لى، وهي أتم من وصفه، وإذا وصفه لم يجمله، بأن يصفه وصفًا غير كاشف، بل محتملًا للقلة والكثرة، كأبق أو سارق، فيوجد قد أبق من مصر للمدينة مثلًا، أو ينقب، فهذا لا يفيد.
كذا قرره الشارحان، وتبين بهذا أنه إذا علم العيب أنه إنما يبرأ منه بثلاثة شروط:
[١] أن يقول به.
[٢] وأن يطلعه عليه برؤية أو ما يقوم مقامها من الوصف.
стр. 2224
[٣] وإن لا يجمله، واللَّه اعلم.
فائدة:
اختلف البساطي وبعض معاصريه فكان البعض يتمسك بظاهر قولهم: إذا أجمل يقبل مطلقًا، ولو ظهر أنه سرق درهمًا.
وقال البساطي: إنه يفيد فيما يسرق، وأما لو ظهر أنه نقب من ذلك بالعظيم الذي لا يخطر بالبال فلا.
ويحتمل أن يريد أن لا يجمله مع غيره، بأن يتبرأ مما هو فيه وغيره.
وأشار للمانع الثاني بقوله: وزواله أي: العيب قبل القيام به على وجه تؤمن عودته عادة، فلا رد به، إلا أن يكون ما زال محتمل العود، كالبول في الفراش، وتزويج الرقيق عيب في زواله بموت الزوجة، وطلاقها وهو المتأول عند فضل على قول المدونة: إذا اشترى أمة وهي في عدة من طلاق فلم يعلم حتى أنقضت عدتها أنه لا رد له بما زال من زوجته بموت أو طلاق، واستظهره التونسي، وإليه أشار بقوله: والأحسن.
أو إنما يزول بالموت فقط دون الطلاق، كما قاله أشهب وابن حبيب، وهو الأظهر عند ابن رشد؛ لأن الموت قاطع للتعلق دون الطلاق، أو لا يزول بزوالها، وهو قول مالك؛ لاعتياده بالزوجة، أقوال.
البساطي: ولا ينبغي أن يعدل عن هذا.
وأشار للمانع الثالث بقوله: شرط يدل على الرضى صريحًا أو ظاهرًا، من قول: كرضيت، أو فعل: كوكوب، واستخدام مما ينقصه الاستعمال، فلا رد له به، وإن كان غلة.
وأما ما لا ينقصه فاستثناه بقوله: إلا ما لا ينقص الفعل، كسكنى الدار، يطلع على عيبها، وبائعها حاضر أو غائب، فإنه يستمر على سكناه، ويخاصم؛ إذ لا ينقصها السكنى، وهي غلة وخراج، والخراج بالضمان، وضمانها منه.
стр. 2225
وأما إن اطلع على العيب وسكت، فأشار له بقوله: وحلف إن سكت بلا عذر في كاليوم ولم يكن سكوته رضي.
تنبيه:
قال ابن رشد: في كون السكوت إذنًا في الشيء وإقرارًا أو لا قولان مشهوران لابن القاسم.
ومفهومه: لو سكت لعذر كخوف، لم يبطل حقه، ولو زاد على اليوم.
ولما قدم أن التصرف اختيارًا يدل على الرضى، أخرج منه مسألتين، وأشار لأحدهما بقوله: لا كمسافر على دابة اضطر لها لركوب أو حمل، واطلع على عيب، فتمادى على ركوبه أو حمله فلا يعد ذلك رضي، قاله ابن القاسم، ورواه عن مالك، ولا شيء عليه في ركوبها بعد علمه، ولا يكري ما عليها ويسوقها، بل يركب، فإن وصلت بحالها ردها، وما نقصها أو حبسها وأخذ قيمة العيب.
وللثانية بقوله: أو تعذر قودها لحاضر راكب عليها، اطلع على العيب، كأن تعذر من جهته أو من جهتها، وأما وطء الأمة ولبس الثوب فرضى اتفاقًا.
فإن غاب بائعه وتعذر الرد عليه بغيبته وعدم وكيله أشهد المشتري شاهدين إن لم يرض بالعيب، ورد عليه إن قربت غيبته، أو على وكيله الحاضر.
تنبيه:
ظاهره: كابن الحاجب وابن شاس شرطية الإشهاد، وأنكره ابن عرفة قائلًا: لا أعرفه، وله القيام في غيبته.
فإن عجز عن الرد لبعد الغيبة أو عدم الوكيل كذا في توضيحه وتبعه شارحه.
стр. 2226
وقال البساطي: فإن عجز عن الإشهاد أعلم القاضي بعجزه، بأن يرفع الأمر إليه، فتلوم له في بعيد الغيبة إن رجي قدومه، كذا قيد، والتلوم ببعدها وبالطمع في قدومه، ومثله في عيوب المدونة، وأطلقه ابن الحاجب في التلوم، ولم يذكر رجاء قدومه.
ومفهوم كلام المؤلف: أنه لا يقضي عليه في الغيبة القريبة، وهو معنى قول المدونة: لم يعجل الإمام على القريب الغيبة.
أبو الحسن: ويكتب له ليقدم، فإن أبي حكم عليه كالحاضر.
وفي نسخة الشارح: أو إن رجي قدومه؛ ولذا قال: الأولى حذف (أو).
وشبه في حكم بعد الغيبة في التلوم من جهل موضع غيبته، بقوله: كأن لم يعلم قدومه (١) وهو قول ابن مالك من أئمة قرطبة، وصوبه أبو الأصبغ بن سهل، ولتصويبه أشار بقوله: على الأصح.
أبو عمران: لا يقضي على بعيد الغيبة.
وفيها أي: المدونة أيضًا نفي التلوم، أراد بنفيه: أنه لم يذكره في باب التجارة لأرض الحرب وباب القسم في القضاء عليه لبعد غيبته.
وفي حمله على الخلاف لما في عيوبها، وعليه غير واحد من الشيوخ، أو على الوفاق، وعليه بعض الموثقين تأويلان.
قال المصنف كالمتيطي: ولا يبعد حمله على الوفاق، بأن يحمل المطلق على المقيد.
ثم قضى عليه بعد التلوم في الوجوه المذكورة، إن أثبت المشتري عهدة أي: أنه اشترى على بيع الإسلام وعهدته من أنه باق على حقه في العيب والاستحقاق، لا عهدة الثلاث والسنة مؤرخة: نعت لعهدة؛ ليعلم من تاريخها قدم العيب وحدوثه، فيثبت الرد أو عدمه.
стр. 2227
وأثبت أيضًا صحة الشراء، وإنما يلزمه إثبات هذين الأمرين إن لم يحلف عليهما، وحلفه أنه لم يتبرأ له من العيب، ولا اطلع عليه بعد البيع ورضيه، ولا استخدم الرقيق بعد اطلاعه على العيب.
وأشار للمانع الرابع بقوله: وفوته حسًا بتلف أو حكمًا ككتابته وتدبير وعتق وصدقة وهبة لغير ثواب قبل اطلاعه على العيب، يمنع خيار المشتري، فلا رد به، وإذا لم يرد فيقوم المبيع سالمًا مثلًا بمائة، ومعيبًا بثمانين، ويأخذ من الثمن النسبة، أي: ما بين القيمتين، وهو الخمس، فيأخذ من الثمن الخمس كيف كان.
وإن رهن المشتري المبيع أو أجره ثم اطلع على عيب وقف أمر العيب في رهنه، أي: المشتري، وإجارته لخلاصه من الرهن والإجارة، فإذا خلصه فله رده بالعيب إن شاء، ولا فرق عند ابن القاسم بين طول المدة وقصرها.
تنبيه:
وقع في نسخة البساطي: ووقفت بالتأنيث، فقال: تبع المدونة؛ لأنه فرضها فيها في الأمة، وتعقب المصنف بأنه لم يجر له ذكر الأمة، ولا الحكم مختص به.
وأقره بعض مشايخي، قائلًا: وفيه أيضًا بعد بالنظر لتذكير ما بعده انتهى.
وقد يجاب: بأن التأنيث نظرًا للسلعة المبيعة، وتذكير رهنه وإجارته وخلاصه للمشتري.
ورد المبيع بعد عوده من الرهن والإجارة إن لم يتغير، بل بقي على حاله.
ومفهوم الشرط: إن تغير لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أفهم، ويحكم بحسب ما يقتضيه المذهب من قلة وتوسط وكثرة وفوات، ونحوه في التوضيح، وسيأتي.
стр. 2228
تنكيت:
تقرير البساطي له بما في المدونة إن دخله عيب مفسد رد معها ما نقضت عنده غير ظاهر.
كعوده (١) أي: المبيع له أي: لبائعه، الذي اشتراه، ثم باعه، ورد عليه بعيب، فله رده على من كان اشتراه منه، ولا يمنعه بيعه من رده، أو عوده لبائعه بملك مستأنف كبيع أو هبة أو إرث، فله رده على بائعه الأول، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، فإن باعه أي: المشتري بعد اطلاعه على العيب لأجنبي أي: لغير بائعه، سقط حقه من القيام بالعيب، فلا رد له عند ابن القاسم، وهو مذهب المدونة مطلقًا، باعه بمثل الثمن الذي اشتراه به أو أقل أو أكثر، وإنما لم يرجع إذا ياع بمثل الثمن لعود ثمنه إليه، وليس له غيره، وأحرى بأكثر وبأقل؛ ليكون النقص من حوالة الأسواق أو غيرها.
أو باعه المشتري له أي: لبائعه بمثل ثمنه، ثم اطلع على العيب بعد عقد المعاوضة مع البائع، أو باعه له بأكثر، فلا رجوع له على البائع، إن دلس البائع عليه في الصورتين: أما الأولى فواضحة، وأما الثانية فكما لو باعه بثمانية مثلًا مدلسًا بعيبه، ثم اشتراه بعشر، فلا رجوع له على المشتري بالدرهمين، وإلا يكن البائع مدلسًا رد المبيع على المشتري، الذي هو البائع الثاني، إن شاء، ثم رد عليه أي: على البائع إن لم يرض المشتري بالتمسك به.
وإن باعه المشتري له أي: البائع بأقل كمل له الثمن، الذي أخذه منه، كما لو باعه بعشرة، ثم اشتراه منه بثمانية، فيدفع له درهمين.
ولما تكلم على مانع الخيار [مطلقًا، تكلم على مانعه بوجه، وتحصيله أن العيب الحادث] (٢) عند المشتري ثلاثة أقسام: متوسط ويسير وكثير، واستوفى ذكرها على هذا الترتيب، فقال: وتغير المبيع المعيب عند
стр. 2229
المشتري بعيب آخر حدث عنده، إن توسط الحادث فله أي: المشتري أخذ أرش العيب القديم، والتمسك بالمعيب، وله رده، ودفع أرش الحادث عنده، ومحل هذا التخيير ما لم يقبله البائع بالحادث بغير أرش، كما يأتي، وكان له الخيار دون البائع؛ لأنه هو المالك.
وأشار لمعرفة أرش العيبين بقوله: وقوما القديم والحادث بتقويم المبيع، أي: مع تقويمه، لا بانفراد كل؛ إذ لا تظهر له قيمة حينئذ، فيقوم سالمًا بعشرة مثلًا، وبالقديم بثمانية، وبالحادث بستة، فإن رده دفع البائع اثنين، وإن تماسك أخذ اثنين، وإن زاد الثمن أو نقص فبنسبة ذلك.
تنكيت:
قول المصنف في توضيحه: (إن تمسك رجع البائع على المشتري) سبق قلم، صوابه: المشتري على البائع.
وهذا إذا كان الثمن كالقيمة، فلو كان أكثر كخمسة عشر لكان عند الإمساك يرجع بثلاثة، وعند الرد يدفع ثلاثة، وإن كان أقل كخمسة رجع إن تمسك بواحد، وإن رده رد ودفع واحدًا ويقوم يوم ضمنه المشتري، لا يوم الحكم، ولا يوم العقد، ولا كما قال ابن المعدل: القديم يوم ضمان المشتري، والحادث يوم الحكم. ومنشأ الخلاف: هل الرد بالعيب ابتداء بيع أو فسخ.
وظاهر كلام المصنف: جريان هذا الحكم، ولو تعدد المبيع، وهو كذلك، انظر الكبير.
وله أي: للمشتري إن زاد المبيع بكصبغ بكسر الصاد ما يصبغ به وخياط وكمد وما أشبهه، مما لم يفصل عنه، إلا بفساد قبل اطلاعه على القديم، أن يرد المبيع، ويشترك مع البائع بما زاد، وله التمسك، ويكون التقويم يوم البيع على الأظهر عند ابن رشد، ليعلم الزائد.
وما نسبه لابن رشد هو كذلك عند الشارحين، وفي جميع ما رأيناه
стр. 2230
من النسخ، وأصلحه أبو عبد اللَّه القروي: يوم البيع على الأرجح، والحكم على الأظهر، كذا حكاه عنه بعض طلبته.
وجبر المعيب به، أي: بالزائد العيب الحادث عند المشتري، فإن ساواه فواضح، وإن نقص رجع بتمام قيمته، وإن زاد كان شريكًا بالزائد، والأمثلة واضحة، وهنا فوائد في الكبير، لا بأس بمراجعتها.
وربما أشعر قوله: (يشترك بما زاده في المعيب): أن الزيادة في غير المعيب ليست كذلك، وليس كما أشعر، انظر الكبير.
[أحكام التدليس: ]
ثم جمع المؤلف ست مسائل يفرق فيها بين المدلس وغيره، وإن تقدم بعضها، وأشار لأحدهما بقوله: وفرق بن مدلس وغيره إن نقص المبيع بسبب ما فعله فيه المشتري، كصبغه صبغًا لا يصبغ به مثله، فإن كان البائع مدلسًا ورده المشتري فلا أرش عليه للنقص، وإن تماسك أخذ أرش القديم، وإن كان غير مدلس فهو عيب حدث عند المشتري.
وأشار للثانية بقوله: كهلاكه أو قطع يده مثلًا عند المشتري من عيب التدليس، كتدليسه بكإباقه، فيهلك فيه، أو بسرقته فتقطع يده، فالضمان من البائع المدلس، وإلا فمن المشتري.
وللثالثة بقوله: وأخذ أي: المبيع منه أي: من البائع أي: شراؤه بأكثر في باعه له، فإن كان مدلسًا فلا كلام له، وغير مدلس رجع المبتاع بما زاد على الثمن.
وللرابعة بقوله وَتَبَرٍ أي: باع مع تبر مما لم يعلم من عيب بالمبيع، الذي يجوز بيعه بالبراءة، فلا يبرأ مما علمه ودلس به، ويبرأ مما لم يعلم، كذا قرره الشارح، وهو غير ظاهر، والذي يظهر: أن البائع إذا قصد التدليس رد عليه بعيب يظهر، ولو لم يعلم به.
ولخامسها بقوله: ورد سمسار بسينين مهملتين جعلا أي: لا يرده السمسار للبائع المدلس لدخوله عليه مع علمه بأن المبيع قد يرجع إليه ويرده
стр. 2231
لغير المدلس، كذا في التوضيح، وتبعه الشارح، ومثله في الذخيرة وابن عرفة وغيرهم.
وقول البساطي: (يرد السمسار الجعل إن كان مدلسًا، وإن كان غير مدلس لم يرد شيئًا) عكس ما قالوه.
وظاهر كلام المصنف: ولو علم السمسار بتدليسه، وهو كذلك عند ابن يونس.
وقال القابسي: إن علم فله أجر مثله.
وظاهره أيضًا: كان الرد بقضاء أو لا، وهو كذلك، وقيد ابن يونس (١) المدونة بما إذا كان بقضاء لا تبرعًا، ولم ينبه عليه هنا.
وللسادسة بقوله: ولزم المدلس أخذ مبيع لمحله، الذي نقله المشتري إليه من موضع قبضه بكلفة ومؤنة، إن رد بعيب دلس به البائع، إذا ثبت تدليسه، أو ادعاه المشتري، ونكل البائع عن اليمين، ثم اطلع عليه المشتري بعد نقله.
وإلا يكن البائع مدلسًا رد المشتري المبيع لمحله، الذي قبضه فيه، إن قرب من المكان المحمول إليه، وإلا بأن كان بعيدا فات ووجب للمشتري الرجوع بقيمة العيب، وفي فهم هذه السادسة من كلامه عسر.
ثم ذكر أمثلة المتوسط الحادث عند المشتري المخير فيه بين التماسك وأخذ أرش القديم أو الرد ودفع الحادث، فقال: كعجف دابة أي: هزالها على المشهور، ومثله في الجواهر.
تنبيه:
ما حكاه الشارح في الكبير والأوسط عن الجواهر من تشهير أنه مفيت سهو سرى له من كونه جعله فيها من القسم الثالث، وهو فيها من المتوسط هنا.
стр. 2232
أو سمنها عند المشتري من المتوسط فيخير بين الرد ودفع أرش الحادث، أو التمسك وأخذ أرش القديم.
وعمى وشلل يطرأ عند المشتري من المتوسط على مذهب المدونة.
المازري: وهو المشهور.
وجعلهما ابن مسلمة من المفت، واستظهره، وهل هو خلاف لما فيها، أو وفاق؟ تأويلان.
وتزويج أمة يزوجها المشتري بعبده أو بِحُرٍّ، ثم يطلع على عيب قديم، فيخير كما سبق على المشهور، وليس للبائع فسخ النكاح، وجبر عيب التزويج بالولد الحادث عند المشتري.
وظاهره: وإن نقص عن قيمة العيب، وهو كذلك.
تنبيه:
فهم ابن المواز كلام ابن القاسم على ما قلنا، وفهمه الأكثر على خلافه، وأنه لا يجبر إلا إذا كانت قيمته تساوي قيمة العيب، وأما إن نقصت فلا بد أن يرد مع الولد ما بقي من ذلك.
قال في التوضيح: وهو الصحيح. ولم يعول عليه هنا.
ثم استثنى من تخيير المشتري، فقال: إلا أن يقبله أي: البائع المبيع بالحادث من غير أرش على المشتري، فالمشتري بالخيار حينئذ إما يتماسك، ولا شيء له في القديم، أو يرد ولا شيء عليه، وأفاد هذا الحكم في هذه وفي التي بعدها بقوله: فكالعدم.
تنكيت:
قول البساطي: (ليس للبائع حينئذ إلا رده، أو التماسك من غير شيء) سبق قلم، صوابه: للمشتري.
ولما ذكر حكم القسم الأول وأمثلته، ذكر الحكم الثاني وأمثلته بقوله: أو يقل العيب الحادث عند المشتري، بحيث لا يؤثر في نقص الثمن،
стр. 2233
فكالعدم إن تمسك، فلا شيء له، ولا عليه إن رد، وحذفه من التي قبلها لدلالة هذا عليه.
ومثل بقوله: كوعك بسكون العين المهملة. البساطى: هو أمراض يعارض بعضها بعضا فيخف ألمها.
ورمد: وهو معروف.
وصداع: قال في القاموس: كضراب: وجع الرأس.
وذهاب ظفر: من عليّ أو وخش.
وأفهم: أن ذهاب الأنملة ليس من القليل، وهو كذلك.
وخفيف حمى: لا ما أضعفت ومنعت التصرف.
ووطء ثيب عند مالك وأصحابه، وروي ابن نافع وابن وهب (١) وأصبغ أنه مفيت، ويأتي وطء البكر.
وقطع مجرور منون معتاد: وصف لقطع، كتفصيل الشقة قميصًا، والجلد خفًا، ويأتي مفهوم (معتاد).
وأشعر اقتصاره بالتمثيل بالقطع بأنه لو لبسه لبسًا منقصًا، ثم اطلع على عيب قديم ورده به لرد معه قيمة لبسه، وهو كذلك.
ثم ذكر القسم الثالث، وهو المفيت، فقال: والحادث عند المشتري المخرج عن المقصود ومن المبيع مفيت لرده على البائع بالقديم، وحيث امتنع رده فالأرش؛ لأن البائع قد أخذ ثمنًا على الكمال.
ومثله بقوله: ككبر صغير عند المشتري، وهرم كبير على المشهور،
стр. 2234
وشهر ابن الحاجب تبعًا لابن شاس أن الهرم من المتوسط.
وافتضاض بكر، قاله ابن راشد في كتابة المذهب، حيث قال: المشهور أنه مفيت.
وتبعه المصنف، وتعقبه الشارح، وتبعه البساطي بأنه من المتوسط، ومثله لابن شاس.
وقال ابن عرفة: المنصوص أنه متوسط.
وظاهر كلام المنصف: أنه لا فرق بين عليّ ووخش، وعن مالك هو من المتوسط، وقيده الباجي بالعلي، وأما الوخش فلا ينقصها، بل يزيدها.
وقطع غير معتاد كجعل الشقة برانس أو قلاعًا للمراكب.
ثم أخرج مما يفيته الحادث عند المشتري، فقال: إلا أن يهلك المبيع المعيب بعد غيبة الحادث عند المشتري بعيب التدليس، كما لو دلس بحرابته، وحارب فقتل.
أو لم يهلك بعيب التدليس بل بسماوي زمنه، أي زمن عيب التدليس، كموته في إباقه الذي دلس به، فيرجع المشتري بجميع الثمن، لا بأرش القديم، ولا شيء للبائع فيما حدث عند المشتري، فإن باعه المشتري قبل اطلاعه على العيب، وهلك بعيبه أي: عيب التدليس عند المشتري الثاني، رجع المشتري الثاني على المدلس، إن لم يمكن رجوعه على بائعه؛ لعدمه أو غيبته بجميع الثمن المأخوذ من الثاني؛ لكشف العيب أنه لا يستحقه لتدليسه.
فإن كان الثمن مساويًا لما خرج من يده فلا إشكال، وإن زاد فللثاني ما زاد؛ لأنه وإن لم يدلس على المشتري فقد دلس على من اشترى منه؛ لأنه يقول: لو أعلمته لأعلمني فلم أشتر منه، أو كان مدلسًا علي فأنت سبب إتلاف الثمن علي.
وإن نقص الثمن الثاني عن الأول فمن يكمله الثاني، لأنه الذي قبض منه الزائد أو لا، فهل يكمله؛ لأنه غير مدلس، قاله أبو محمد وابن يونس؛
стр. 2235
لأن المشتري الثاني ترك مخاصمته، ورضي بمخاصمة غيره، فليس له إلا ما على ذلك الغير؟ قولان.
وفي كلامه إجمال بالنسبة للقول الثاني؛ لأنه قيده في توضيحه بما إذا لم يكن الثمن الأول أقل من قيمة العيب من الثاني، وأما إن كان أقل فإنه يرجع على بائعه بتمام قيمة العيب.
[التنازع أسباب رد المبيع: ]
ولم يحلف بضم أوله وتشديد ثالثه مشتر، اطلع على عيب دلس به عليه، ادعيت رؤيته للعيب عند البيع، وأنكر، إلا أن يحقق عليه ذلك بدعوى الإراءة، أي: أنه أراه له، فحينئذ تتوجه عليه اليمين، فإن حلف رد المبيع، وإلا فليس له رده.
وكذا لا يحلف إن ادعي عليه الرضى به حين اطلع عليه، إلا أن يحقق ذلك عليه بدعوى مخبر أخبر عن المشتري أنه رضي به عند اطلاعه عليه، حكى المصنف المسألتين في توضيحه عن المدونة.
وظاهر كلام المصنف: أنه لا يحتاج ليمين البائع قبله أن مخبرًا أخبره، وفي توضيحه: يحلف البائع أولًا أن مخبرًا أخبره، زاد بعض الشيوخ مخبر صدق.
ومن ابتاع عبدًا فأبق عنده، لا يحلف بمائع أنه لم يأبق عنده لإباقه عند المشتري بالقرب.
وإن أقر البائع ببعض العيب، وكتم بعضه، فاختلف: هل يفرق بين بيان أكثر العيب كأبق خمسة عشر، وكان قد أبق عشرين، فهنا يرجع بالزائد الذي كتمه، وبين بيان أقله، كأبق خمسة أيام في المثال المذكور، فيرجع بالجميع؛ لأنه لما بين الأقل كأنه لم يبين شيئًا، إذ الأقل تبع، أو يرجع بالزائد مطلقا، بيّن الأكثر أو الأقل، هلك فيما بين أو لا، أو يفرق بين هلاكه فيما بينه فيرجع بقيمة العيب؛ لأنه ليس كالمدلس.
وعبر البساطي عن ذلك بقوله: رجع عليه بالزائد.
стр. 2236
أو لا يهلك فيما بينه، بل فيما لم يبينه، فيرجع بجميع الثمن أقوال.
تنبيهات:
الأول: في كلامه في القول الأخير إجمال؛ لأنه لا يعلم منه عين الحكم، واللَّه -تعالى- أعلم.
الثاني: القول الثاني عزاه في توضيحه لأبي بكر بن عبد الرحمن، فعليه فعزو البساطي الأول له وهم، إلا أن يكون له قولان.
الثالث: لم يذكر هنا حكم ما إذا بيّن النصف، وفي توضيحه: قال ابن يونس عن بعض أهل بلده: إذا قال أبق مرة، وقد كان أبق مرتين، فأبق عند المشتري، وهلك بالإباق؛ فإنه يرجع بقدر ما كتمه، بخلاف التدليس بجميع الإباق.
ورد بعض المبيع المتعدد غير المثلي إذا بيع صفقة واحدة بحصته من الثمن يوم البيع، إذا اطلع المشتري على عيب به بعد البيع، فإذا ابتاع عشرة أثواب بعشرة ثم اطلع على العيب بواحد منها، فإذا قومت كلها وتساوت مثلًا، فإنها تقوم ثانيًا دون المعيب، فإن ساوت ثمانية فحصة المبيع خمس الثمن، فيرجع به.
وهذا إذا كان الثمن عينا، فإن كان سلعة فهو قوله: ورجع بالقيمة إن كان الثمن سلعة، كـ: ست كتب بدار، ثم اطلع على عيب بأحدها ورد، فإنه يرجع بنسبته من قيمة الدار، لا بجزء من الدار على الأصح؛ لضرر الشركة، فإذا كانت الدار تساوي ستمائة، وكل كتاب مائة، أخذ مائة على الأصح لا سدس من الدار، خلافًا لأشهب.
وعلى الأصح فالتقويم يوم البيع، وهو ظاهر كلام المتقدمين، كاختيار التونسي.
ثم استثنى من ذلك قوله: إلا أن يكون العيب الأكثر من المبيع، أو يكون المبيع أحد مزدوجين، لا يستثني بأحدهما عن الآخر، كأحد نعلين،
стр. 2237
أو يكون المبيع أمًّا وولدهما؛ لمنع الشرع من تفريقهما، فيجب رد الجميع في المسائل الثلاث.
واختلف فيمن استهلك سفرًا من سفرين: هل يرد السالم وما نقص، وهو الصحيح، أو يغرم الجميع؟ قولان، ولا يجوز التمسك بأقل استحق أكثره بفوات كالمقصود.
ومفهومه: لو استحق أقله، والباقي وجه الصفقة المرجع بحصته من الثمن، وهو كذلك.
قال محمد: وجه الصفقة ما زاد على النصف انتهى.
وفي قوله: استحق أكثره مناقشة سهلة، وإن كان درهمان وسلعة تساوي عشرة باعهما بثوب، واستحقت السلعة، وأخذها مستحقها فسخ البيع؛ لأنها جل المبيع، ورد الدرهمين، وأخذ الثوب إن كان باقيًا، وإن فات الثوب بوجه من وجوه الفوات فله أي: من استحقت السلعة من يده قيمة الثوب بكماله، وعليه رد الدرهمين تفريقًا على فسخ العقد باستحقاق الجل، وعلى مقابله لصاحب الثوب قيمة خمسة أسداسه، ولا يرد الدرهمين؛ لصحة البيع فيما قابلهما.
وجاز رد أحد المشتريين حصة مبيع متحدد أو متعدد في صفقة واحدة طلع فيه على عيب، ولو تمسك شريكه وأبي بائعه؛ بناء على تعدد العقد بتعدد متعلقة، وإلى هذا رجع مالك، وكان يقول: إنما لهما الرد معًا، أو التمسك معًا، والقولان في المدونة.
تنبيه:
لم يذكر المصنف حكم المقال بين الشريكين، ولا حكم ما إذا باع أحدهما نصيبه من الآخر، ثم علما بالعيب، فانظره في الكبير.
وجاز رد مشتر متحد من بائعين مثلًا على أحد البائعين نصيب أحدهما بالعيب دون الآخر.
المازري: وتعد صفقتهما صفقتين، والقول للبائع في تنازعه مع
стр. 2238
المشتري في وجود العيب وقدمه، وعلى المشتري البيان.
وإطلاقه يشمل ما إذا كان خفيًا أو ظاهرًا، طالت إقامته أو لا، لكنه سيصرح بحكم الخفي والظاهر.
فائدة:
في نوازل ابن الحاج (١) عن ابن أبي زمنين: من اشترى شيئًا وأشهد على نفسه أنه قلب ورضي، ثم وجد عيبًا مثله، يخفى عند التقليب حلف ما رآه، ورده، وإن كان ظاهرًا، ومثله عند التقليب لا يخفى لزمه، ولا رد له، وإن لم يشهد أنه قلبه ورضي به رده من الأمرين معًا، قاله عبد الحق انتهى.
أو كان العيب موجودًا باتفاق البائع والمشتري، واختلفا في قدمه وحدوثه، فقال المشتري: قديم. وقال البائع: حاصل. فالقول للبائع.
إلا بشهادة عادة للمشترى: أنه لا يحدث مثله في هذه المدة، فالقول قوله حينئذ، فلو لم تشهد له ولا عليه عادة فالقول للبائع، وأحرى شهادة العادة.
стр. 2239
وأشعر كلامه بأنه لو لم يعلم حدوثه من قدمه بأن اختلفا في تاريخ البيع، لكان الحكم كذلك، وهو كما أشعر، فيصدق البائع على ما في الشامل على الأصح.
تنبيهان:
الأول: هذا مع مجرد دعوى كل منهما، أما لو قام للمبتاع شاهد على قدمه لم يكن الحكم كذلك، بل يخاف معه على البت، ويرجع، وهو قول ابن القاسم وجماعة، وخالفه ابن كنانة.
الثاني: فرض المصنف مسلمة قبول قول البائع في قديم وحادث مشعر بأن العيب المشكوك في قدمه وحدوثه منفرد، وأما لو صاحبه عيب قديم لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أشعر، والحكم فيه: أن القول للمشتري ما حدث عنده مع يمينه، وبه أخذ ابن القاسم.
وحلف من لم يقطع بصدقه من بائع أو مشتر، ورجحت البينة دعواه فقط، وأما من قطعت بصدقة في شهادتها منهما فلا يمين عليه، نص عليه محمد، وقبل في معرفة العيب، وأنه قديم أو حادث للتعذر غير عدول لفقدهم: الباجي والمازري وغيرهما، وإن كانوا مشتركين؛ لأنه خبر، لا شهادة؛ ولذا كفى الواحد على المشهور، وهل تكفي امرأة أو لا؟ قولان.
تنبيهات:
الأول: قال ابن عرفة: الواجب في قبول غير العدل عند الحاجة إليه سلامته من جرحة الكذب، وإلا لم يقبل اتفاقًا.
الثاني: حيث يكتفي بواحد، قال عبد الملك: هو في الحي الحاضر، وأما الميت فلا خلاف بين أصحاب مالك أنه لا يجب إلا بعدلين من أهل المعرفة، واللَّه أعلم.
стр. 2240
الثالث: لو اختلف أهل النظر في عيب، فقال بعض: يوجب الرد. وقال بعض: لا يوجبه. فللمتيطي عن الموازية وابن مزين (١) وغيرهما يسقطان؛ لأنه تكاذب بين الموثقين إن تكافآ في العدالة، وإلا فالحكم للأعدل.
أو يمينه أي: البائع صفته، حيث توجهت عليه فيما ليس فيه حق توفيه، واللَّه لقد بعته، وما هو به، ويزيد في ذي التوفية من مكيل وموزون ومعدود، وأقبضته وما هو به؛ إذ لا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه، بخلاف غيره يدخل بالعقد، بناء في المعيب الظاهر كالعمى والعرج، وعلى نفي العلم في الخفي كالزنى والسرقة.
وأشعر قوله: (بعته) باختصاصه بالمبيع (٢)، وأنها لو ردت على المشتري لحلف على العلم فيهما؛ لأن التدليس يكون من جهة البائع دون المشتري، وهو رواية عيسى عن ابن القاسم، ويحتمل أنه تكلم على يمين البائع، وسكت عن يمين المشتري؛ لأنه كهو، ورواه عيسى عنه أيضًا.
والغلة له أي: للمشتري من عين العقد للفسخ؛ لأن الضمان إليه منه؛ لخبر: "الخراج بالضمان" (٣)، ولم ترد الغلة.
стр. 2241
قال الشارحان: هذا مستغنى عنه، لكنه ذكره ليخرج منه قوله: بخلاف ولد، فإنه يرده إذا رد الأم بعيب، سواء اشتراها حاملًا أو حملت عنده، بخلاف ثمرة أبرت واشترطها مع شرائه الأصل.
وبخلاف صوت تم، إذا اشتراه كذلك على غنم، طلع على عيب بها وردها، فإنه يرده؛ لأنه ليس غلة في المسائل الثلاث عند ابن القاسم، خلافًا للسيوري في أن الولد غلة، ولأشهب في الثمرة والصرف.
ولما قدم أن الغلة للمشتري في الرد في بالعيب، وأخرج منه ما تقدم، شبه في المخرج منه أربع مسائل لا غلة فيها للمشتري، فقال: كشفعة واستحقاق بملك أو وقف أو حرية، وتفليس وفساد، فلا غلة للشفيع على من أخذ منه بالشفعة مما استغله، وكذا إذا استحق شيء له غلة من يد مشتر، فالغلة للمشتري، وكذا إذا فسخ العقد لفساد، فلا يرد المشتري الغلة، وتلخص أن المسائل التي لا ترد فيها الغلة خمس.
تنبيه:
لم ينبه المصنف على ما يشترط في كل منها، وسكت عنه هنا لذكره في بابه، ولنذكره تسهيلًا على الناظر، ففي الرد بالعيب والبيع الفاسد لا يرد على المشهور، إذا أزهت ولن تيبس ولم تجد، وفي الشفعة والاستحقاق ترد، وإن أزهت ما لم تيبس، وإن يبست لم ترد، وفي الفلس ولو يبست، ما لم تجد، وهذا إذا لم تفارق الأصول، فإن فارقت لم ترد للبائع، وقد نظمت الخمسة فقلت:
وللمشتري الغلات إن رد ما اشترى ... بعيب أو البطلان في عيبه ظهر
كذا عند ففلس وأخذ بشفعة ... ورد للاستحقاق قد تمت الصور
وستأتي إن شاء اللَّه تعالى في فصل الاستحقاق مسائل لا يرد غيره المشتري فيها الغلة على تفصيل فيها، فراجعه هناك.
ودخلت سلعة ردت بعيب في ضمان البائع بأحد أمرين:
стр. 2242
أشار لأحدهما بقوله: إن رضي بالقبض لها من المبتاع، ولو لم يقبضها، ولا مضى زمن يمكن قبضها فيه.
ولثانيها بقوله: أو ثبت ردها عند الحاكم، وإن لم يحكم به، ابن رشد: هو ظاهر المدونة.
ونحو هذا التقرير للشارح، وجعل البساطي تعليق دخلت بالقبض، أي: لا تدخل في ضمانه حتى يقبضها، وتعقب ما قاله الشارح، فانظر الكلام معه في الكبير.
[ما اختلف في عدم الرد به: ]
ولم يرد البيع بغلط في المبيع كان يجهله المتبايعان، إن سمي باسمه على المشهور، كأن يبيع أو يشتري حجرًا برخص، ثم يتبين أنه ياقوت مثلًا؛ لأنه يسمى حجرًا.
ومفهوم الشرط: ولو سماه بغير اسمه كهذه، فيوجد ياقوتًا، لكان له الرد.
وظاهره: كان البيع مساومة أو مرابحة، ولابن رشد الاتفاق على القيام به مرابحة دون المساومة على المشهور.
ولا يرد البيع بغبن، ولو خالف العادة بين العقلاء، كأن يشتري السلعة بأكثر مما جرت العادة أن الناس لا يتغابنون بمثله، أو يبيعها بأقل كذلك، وأما ما جرت العادة بالتغابن به فلا رد به اتفاقًا.
وأشار بـ (أو) لقول ابن القصار: لا يقام إلا بما زاد على الثلث، وهي عدم الرد بالغبن مطلقًا، سواء استسلم له وأخبره بجهله، أو استأمنه.
قال في توضيحه: وهو مشهور المذهب.
أو عدم الرد إلا أن يستسلم له المغبون، وفسر الاستسلام بقوله: ويخبره بجهله بما يساويه، فيقول له: يساوي كذا، وليس كذلك، فله الرد
стр. 2243
حينئذ اتفاقًا، وأما العالم بالمبيع وثمنه وأنه لا يساوي ما أخبره به، فلا رد له اتفاقًا، وهو طريق المازري.
أو عدم الرد إلا أن يستأمنه البائع أو المشتري، فيقول البائع مثلًا اشتر مني سلعتي كما تشتري من غيري، فيغره الآخر، فيرد، وإن كان على وجه المكايسة فلا رد، وهو طريق ابن رشد تردد.
تنبيه:
لم يذكر المؤلف طريق عبد الوهاب، وهو ثبوت الخيار لغير العارف اتفاقًا، وفي العارف قولان، وذكره الشارح، ولنا معه فيه بحث، انظره في الكبير.
ورد الرقيق خاصة في عهدة الثلاث.
[تفسير العهدة: ]
الباجي: معنى العهدة: تعلق المبيع بضمان البائع، والبيع فيما هي فيه لازم لا خيار فيه، لكنه إن سلم في مدة العهدة عم لزومه المتبايعين معًا، وإن أصابه نقص ثبت خيار المبتاع، كعيب قديم والرد فيها بكل عيب حادث فيها؛ لعمل أهل المدينة، فهي قليلة الزمان، كثيرة الضمان.
تتميم:
قال ابن رشد: لا فرق فيما يحدث بين الأديان والأخلاق إلا بداره.
إلا أن يبيع ببراءة، أي: تبرأ من شيء فعله قبل البيع، فيبرأ منه (١)،
стр. 2244
وإن أحدث مثله في العهدة، قاله ابن رشد (١).
تنكيت:
انظر تقرير بعض مشايخي لهذا المحل بأنه تبرأ في عهدة الثلاث من العيوب، فلا قيام له؛ لأنه أسقط حقه بها من كل ما يطلع عليه، فكيف يقوم به؛ إذ لا عهدة ثلاث حينئذ.
ودخلت عهدة الثلاث في زمن الاستبراء على المشهور، وتخصيصه
стр. 2245
دخولها في الاستبراء دليل على عدم دخولها في السنة، وشهّره ابن بزيزة؛ لأن الضمان في كل منهما غير الآخر، فصارا كالأجنبيين، واستقر به المصنف.
وظاهره: عدم دخول الاستبراء في السنة.
والنفقة على الرقيق، وكسوته في عهدة الثلاث على البائع؛ لضمانه.
تنبيه:
لعل المراد بكسوته ما يستر به عورته، إذ لو شرط بيعه عريانًا لم يصح شرطه.
وله الأرش في جنايته عليه زمنها، كالموهوب له أي: للرقيق زمنها؛ فإنه للبائع.
تنبيه:
لم يعول هنا على تشهير ابن الحاجب أن الغلة للمشتري؛ لتنظيره فيه في توضيحه.
إلا المستثني ماله، فيكون الموهوب له زمنها للمشتري، وكذا ما تصدق به عليه، فالاستثناء راجع لما بعد الكاف، كما هو أكثر عادته.
البساطي: رجوعه للجميع لا يبعد عن الروايات.
ورد الرقيق في عهدة السنة بجذام وبرص وجنون بطبع أو مس جن، فيرد بأحدها؛ لأن هذه الأمراض لما كانت أسبابها تتقدم، ويظهر منها ما يظهر في فصل دون آخر بحسب عادة اللَّه -تعالى- في اختصاص تأثير ذلك السبب بذلك الفصل، فهي كثيرة الزمان، قليلة الضمان.
تنبيه:
لو زال الجنون فله الرد؛ إذ لا تؤمن عودته، وإن زال الجذام أو البرص فلا رد له، إلا أن يقول أهل المعرفة لا تؤمن عودته، قاله في الشامل.