قال الشارحان: هذا مستغنى عنه، لكنه ذكره ليخرج منه قوله: بخلاف ولد، فإنه يرده إذا رد الأم بعيب، سواء اشتراها حاملًا أو حملت عنده، بخلاف ثمرة أبرت واشترطها مع شرائه الأصل.
وبخلاف صوت تم، إذا اشتراه كذلك على غنم، طلع على عيب بها وردها، فإنه يرده؛ لأنه ليس غلة في المسائل الثلاث عند ابن القاسم، خلافًا للسيوري في أن الولد غلة، ولأشهب في الثمرة والصرف.
ولما قدم أن الغلة للمشتري في الرد في بالعيب، وأخرج منه ما تقدم، شبه في المخرج منه أربع مسائل لا غلة فيها للمشتري، فقال: كشفعة واستحقاق بملك أو وقف أو حرية، وتفليس وفساد، فلا غلة للشفيع على من أخذ منه بالشفعة مما استغله، وكذا إذا استحق شيء له غلة من يد مشتر، فالغلة للمشتري، وكذا إذا فسخ العقد لفساد، فلا يرد المشتري الغلة، وتلخص أن المسائل التي لا ترد فيها الغلة خمس.
تنبيه:
لم ينبه المصنف على ما يشترط في كل منها، وسكت عنه هنا لذكره في بابه، ولنذكره تسهيلًا على الناظر، ففي الرد بالعيب والبيع الفاسد لا يرد على المشهور، إذا أزهت ولن تيبس ولم تجد، وفي الشفعة والاستحقاق ترد، وإن أزهت ما لم تيبس، وإن يبست لم ترد، وفي الفلس ولو يبست، ما لم تجد، وهذا إذا لم تفارق الأصول، فإن فارقت لم ترد للبائع، وقد نظمت الخمسة فقلت:
وللمشتري الغلات إن رد ما اشترى ... بعيب أو البطلان في عيبه ظهر
كذا عند ففلس وأخذ بشفعة ... ورد للاستحقاق قد تمت الصور
وستأتي إن شاء اللَّه تعالى في فصل الاستحقاق مسائل لا يرد غيره المشتري فيها الغلة على تفصيل فيها، فراجعه هناك.
ودخلت سلعة ردت بعيب في ضمان البائع بأحد أمرين:
стр. 2242
أشار لأحدهما بقوله: إن رضي بالقبض لها من المبتاع، ولو لم يقبضها، ولا مضى زمن يمكن قبضها فيه.
ولثانيها بقوله: أو ثبت ردها عند الحاكم، وإن لم يحكم به، ابن رشد: هو ظاهر المدونة.
ونحو هذا التقرير للشارح، وجعل البساطي تعليق دخلت بالقبض، أي: لا تدخل في ضمانه حتى يقبضها، وتعقب ما قاله الشارح، فانظر الكلام معه في الكبير.
[ما اختلف في عدم الرد به: ]
ولم يرد البيع بغلط في المبيع كان يجهله المتبايعان، إن سمي باسمه على المشهور، كأن يبيع أو يشتري حجرًا برخص، ثم يتبين أنه ياقوت مثلًا؛ لأنه يسمى حجرًا.
ومفهوم الشرط: ولو سماه بغير اسمه كهذه، فيوجد ياقوتًا، لكان له الرد.
وظاهره: كان البيع مساومة أو مرابحة، ولابن رشد الاتفاق على القيام به مرابحة دون المساومة على المشهور.
ولا يرد البيع بغبن، ولو خالف العادة بين العقلاء، كأن يشتري السلعة بأكثر مما جرت العادة أن الناس لا يتغابنون بمثله، أو يبيعها بأقل كذلك، وأما ما جرت العادة بالتغابن به فلا رد به اتفاقًا.
وأشار بـ (أو) لقول ابن القصار: لا يقام إلا بما زاد على الثلث، وهي عدم الرد بالغبن مطلقًا، سواء استسلم له وأخبره بجهله، أو استأمنه.
قال في توضيحه: وهو مشهور المذهب.
أو عدم الرد إلا أن يستسلم له المغبون، وفسر الاستسلام بقوله: ويخبره بجهله بما يساويه، فيقول له: يساوي كذا، وليس كذلك، فله الرد
стр. 2243
حينئذ اتفاقًا، وأما العالم بالمبيع وثمنه وأنه لا يساوي ما أخبره به، فلا رد له اتفاقًا، وهو طريق المازري.
أو عدم الرد إلا أن يستأمنه البائع أو المشتري، فيقول البائع مثلًا اشتر مني سلعتي كما تشتري من غيري، فيغره الآخر، فيرد، وإن كان على وجه المكايسة فلا رد، وهو طريق ابن رشد تردد.
تنبيه:
لم يذكر المؤلف طريق عبد الوهاب، وهو ثبوت الخيار لغير العارف اتفاقًا، وفي العارف قولان، وذكره الشارح، ولنا معه فيه بحث، انظره في الكبير.
ورد الرقيق خاصة في عهدة الثلاث.
[تفسير العهدة: ]
الباجي: معنى العهدة: تعلق المبيع بضمان البائع، والبيع فيما هي فيه لازم لا خيار فيه، لكنه إن سلم في مدة العهدة عم لزومه المتبايعين معًا، وإن أصابه نقص ثبت خيار المبتاع، كعيب قديم والرد فيها بكل عيب حادث فيها؛ لعمل أهل المدينة، فهي قليلة الزمان، كثيرة الضمان.
تتميم:
قال ابن رشد: لا فرق فيما يحدث بين الأديان والأخلاق إلا بداره.
إلا أن يبيع ببراءة، أي: تبرأ من شيء فعله قبل البيع، فيبرأ منه (١)،
стр. 2244
وإن أحدث مثله في العهدة، قاله ابن رشد (١).
تنكيت:
انظر تقرير بعض مشايخي لهذا المحل بأنه تبرأ في عهدة الثلاث من العيوب، فلا قيام له؛ لأنه أسقط حقه بها من كل ما يطلع عليه، فكيف يقوم به؛ إذ لا عهدة ثلاث حينئذ.
ودخلت عهدة الثلاث في زمن الاستبراء على المشهور، وتخصيصه
стр. 2245
دخولها في الاستبراء دليل على عدم دخولها في السنة، وشهّره ابن بزيزة؛ لأن الضمان في كل منهما غير الآخر، فصارا كالأجنبيين، واستقر به المصنف.
وظاهره: عدم دخول الاستبراء في السنة.
والنفقة على الرقيق، وكسوته في عهدة الثلاث على البائع؛ لضمانه.
تنبيه:
لعل المراد بكسوته ما يستر به عورته، إذ لو شرط بيعه عريانًا لم يصح شرطه.
وله الأرش في جنايته عليه زمنها، كالموهوب له أي: للرقيق زمنها؛ فإنه للبائع.
تنبيه:
لم يعول هنا على تشهير ابن الحاجب أن الغلة للمشتري؛ لتنظيره فيه في توضيحه.
إلا المستثني ماله، فيكون الموهوب له زمنها للمشتري، وكذا ما تصدق به عليه، فالاستثناء راجع لما بعد الكاف، كما هو أكثر عادته.
البساطي: رجوعه للجميع لا يبعد عن الروايات.
ورد الرقيق في عهدة السنة بجذام وبرص وجنون بطبع أو مس جن، فيرد بأحدها؛ لأن هذه الأمراض لما كانت أسبابها تتقدم، ويظهر منها ما يظهر في فصل دون آخر بحسب عادة اللَّه -تعالى- في اختصاص تأثير ذلك السبب بذلك الفصل، فهي كثيرة الزمان، قليلة الضمان.
تنبيه:
لو زال الجنون فله الرد؛ إذ لا تؤمن عودته، وإن زال الجذام أو البرص فلا رد له، إلا أن يقول أهل المعرفة لا تؤمن عودته، قاله في الشامل.
стр. 2246
لا إن كان الحيوان حاصلا بكضربة، لإمكان الزوال بالمعالجة دون الأولين، ويعمل بالعهدتين إن شرطا في المبيع، أو اعتيدا بين الناس عند المصريين (١)، وروى المدنيون العمل بهما مطلقًا، ويحمل الإمام الناس على العمل بهما، وإن لم يعرفوهما، وعلى رواية المصريين يستحب الحمل عليهما.
وللمشتري إسقاطهما إن وقع العقد عليهما بشرط أو عادة؛ لأنه حق له، وليس ذلك للبائع بعد العقد، وأما قبله فله ذلك، واللَّه أعلم.
تنبيه:
لو أسقط حقه في أثناء عهدة الثلاث، ثم اطلع على عيب [حادث قبل الإسقاط، قال ابن عبد السلام: حكم من أطلع على عيب] (٢) قديم له الرد به، ولا يكون بإسقاط حقه في باقي العهدة مسقطا لما مضى منها.
والعيب المحتمل حدوثه بعدهما، أي: بعد انقضاء زمن العهدتين منه، أي: من المشتري.
ابن الحاجب: على الأصح.
واقتصر عليه هنا، مع تعقبه له في توضيحه، واستثنى بعض أهل المذهب مسائل لا عهدة فيها.
المتيطي: وهي إحدى وعشرون مسألة على المشهور.
ومثله في التوضيح، وعدها البساطي عشرين؛ لإدخاله السفيه في كالمفلس، ودرج هنا على ذلك، فقال: لا في رقيق منكح به؛ لأن طريقه المكارمة، أو مخالع به؛ لأن طريقه المناجزة، لأنه لما جاز وقوعه مجانًا، جاز بعوض فيه غرر.
أو مصالح به في دم عمد؛ لاقتضائه المناجزة، أو مسلم فيه، بأن
стр. 2247
تعلق بالذمة، أو به أي كان رأس السلم؛ لأنه لما أرخص فيه طلب التخفيف فيما يدفع فيه أو يؤخذ عنه.
أو قرض؛ لأنه معروف، أو غائب بيع على صفة، لعدم المشاحة فيه، بخلاف البيع على الرؤية.
أو مقاطع به مكاتب، بأن دفعه عما لزمه في نجومها؛ لتشوف (١) الشارع للحرية؛ لأن العهدة ربما أدت لعجزه فيرق.
أو مبيع على كمفلس، دخل بالكاف المبيع على السفيه؛ لأن بيع الحاكم بيع براءة، فهما اثنتان، وإن زدت المقال فيه فيما يأتي فهما اثنتان وعشرون.
أو مشتر للعتق بشرط تشوف الشارع للحرية.
تنكيت:
قول البساطي: (لأن يعتق بوصية) سبق قلم؛ لتكرره حينئذ مع قوله فيما يأتي: (أو بشرائه للعتق).
أو مأخوذ من دين؛ لأنه يغتفر في خلاص الحق ما لا يغتفر في غيره.
[أو رد بعيب؛ لأنه حل بيع لا بيع ثان، ومثله المقال منه، قاله الغرناطي] (٢).
أو ورث، أي: بيع في الميراث، قاله الغرناطي، ويحتمل إذا أخذه بعض الورثة من نصيبه، أو وهب لثواب، قاله الغرناطي؛ لاحتمال المعاوضة، وفيه عدم المشاحة.
أو اشتراها زوجها لما بينهما من المودة، أو موصى ببيعه من زيد، أو ممن أحب الرقيق أو موصى بشرائه للعتق، وتقدم التنبيه عليها.
стр. 2248
أو مكاتب به، بأن كاتب رقيقه على رقيق، أو المبيع بيعا فاسدًا؛ لأنه إن رده على بائعه فلا عهدة، وكذا إذا فات وأخذ قيمته.
المتيطي: وفي جلها تنازع بين مالك وأصحابه.
ونظمتها، فقلت:
دق بعيب ردا وبإقاله ... أو مشتري للعتق أو صح الدم
أو أخذه للدين أو صدق ... أو بيع موصوفًا كفرض فاعلم
كعلي المفلس بيع ثم مقاطع ... عن ذي الكتابة أو بخلع حتم
أو رق إرث أو شراء فاسد ... أو بيعه ممن أحب كمسلم
فيه به أو من شراءها زوجها ... أو بيعه موصي لزيد فأسلم
وكذاك مأخوذ لأجل كتابة ... وأختم بموهوب بغير تعاشم
فجميعها لا بيع فيه بعهدة ... خذها لتظفر يا نبيه بمغنم
وسقطتا، أي: عهدة الثلاث وعهدة السنة بكعتق تأخر وكتابة وتدبير حدث عند المشتري فيهما، أي: في زمنهما، فلا قيام له بعد ذلك، فيما اطلع عليه من عيب حادث قبل انقضاء مدتهما، وهو أحد أقوال ابن القاسم، واقتصر عليه هنا مع قوله هو وسحنون وأصبغ بالرجوع بقيمة العيب مع تعود البيع.
اللخمي: وهو أحسن.
ولما ذكر ما ينقل الضمان في الفاسد والخيار أردفه بما ينقله في غيرهما مما هو فيه حق توفية وغيره، وبدأ بالأول، فقال: وضمن بائع مبيعًا مكيلًا وغاية ضمانه له لقبضه مبتاعه بكيل فيما يكال، كموزون ومعدود فيما يوزن ويعد، وهذا عندهم يسمى بيع ما فيه حق توفية.
تنبيه:
قال ابن عرفة: وفيها جزاف حق ما فيه توفية كغيره.
والأجرة للكيل أو الوزن أو العدد الذي تحصل به التوفية للمشتري
стр. 2249
عليه، أي على البائع؛ لأن التوفية واجبة عليه، ولا تحصل إلا بذلك، وأجرة الثمن إن كان لًا أو موزونًا أو معدودًا على المشتري على المشهور؛ لأنه بائع له.
ثم أخرج مما أردفه مما هو بائع صورة لا معنى، فلا تلزمه الأجرة بقوله: بخلاف الإقالة والتولية والشركة، فالأجرة على المقال والمولي والمشترك على الأرجح من القولين عند القرويين؛ لأنه غير بائع حقيقة.
ولما كان القرض مساو لهذه الثلاثة في أن الأجرة على المقترض، وهي مقاصة عليه بجامع المعروف، قال: فكالقرض، فالفاء سببية، وهي مقام لام العلة، وكأنه قال: لأنها كالقرض.
ولو أراد التشبيه في مطلق المخالفة لأسقطها، والعهدة في الإقالة بعد وقوعها على البائع، واستمر ضمان ما فيه حق توفية بمعياره على البائع، حتى يقبضه المشتري منه أو من أجيره.
تنبيه:
يدخل في قبضه له ما إذا ناوله البائع للمشتري مملوءًا ليفرغه، فسقط منه قبل تفريغه، فإنه من المشتري اتفاقًا، حكاه ابن عرفة عن ابن رشد، وناقشه في الاتفاق.
وأشار المصنف بـ (لو) في قوله: ولو تولاه المشتري، أي: تولى كيله أو وزنه أو عدده، فإن ضمانه من البائع، لخلاف سحنون، حيث قال: إنه من المشتري.
تنبيه:
لا فرق بين أن يكون المكيال للبائع أو المشتري، إلا أن يكون المكيال هو الذي يتصرف به المبتاع لمنزله، ليس له إناء غيره، فضمان ما فيه منه، إذا امتلأ، كان له أو للبائع، أو استعاره منه، وأجير المشتري كهو، رواه يحيى عن ابن القاسم.
ولما بيّن صفة قبض المثلي ذكر قبض غيره، فقال: وقبض العقار
стр. 2250
كدور وأرضين وأشجار بالتخلية، بأن يخلي البائع بينه وبين المشتري، ويمكنه من التصرف فيه بتسليمه المفاتيح.
تنبيه:
عدل عن الإخلاء للتخلية؛ لينبه على أن إخلاءها من أمتعة البائع ليس شرطًا في قبضها، كما قال في توضيحه.
وقبض غيره، أي: غير العقار من ثياب وأنعام ودواب بالعرف، كاختيار الثوب وتسليم رسن الدابة، وضمن بالبناء للمفعول ما ليس فيه حق توفية بالعقد الصحيح.
[ضمان الصحيح والفاسد من البيع: ]
واستثنوا من ذلك خمس مسائل، أشار لها بقوله: إلا المحبوسة للثمن، قال بائعها: لا أسلمها حتى أقبض ثمنها، فضمانها كالرهن، يفرق فيه بين ما يغاب عليه فيضمنه البائع، ولا يضمن غيره عند ابن القاسم، وهو المشهور، وخالفه مالك وجميع أصحابه، ولو لم يحبسها، بل تركها المشتري اختيارًا لكان كالوديعة.
أو إلا المحبوسة للإشهاد (١) وامتنع بائعها من تسليمها حتى يشهد على المشتري فكالرهن راجع للمسألتين.
стр. 2251
تنكيت:
حكى المصنف الثانية عن المتأخرين، وتبعه الشارح، فذكرُ البساطي الخلاف بين مالك وأصحابه وابن القاسم فيها سبق قلم، وإنما خلافهم في الأولى، كما قدمناه.
وإلا الغائب المبيع على الصفة أو الرؤية فالقبض، ينتقل ضمانه لمشتريه.
وإلا الأمة المواضعة للاستبراء تحت يد أمينة فبخروجها (١) من (٢) الحيضة، أي: يستمر ضمانها من البائع، حتى تظهر براءتها.
وإلا الثمار المبيعة على أصولها، فضمانه من البائع وغايته للجائحة، أي: للأمن منها، وجوز البساطي كون اللام للتعليل، ويحتمل إن ضمانها من البائع لأن الجائحة منه ويلزم أنه إذا أمنت الجائحة انتقل الضمان والاحتمالان يجريان في لام للثمن وللإشهاد.
وبرئ المشتري بالجبر على دفع الثمن للتنازع، أي: عنده، حيث قال كل منهما: لا أقبضك حتى أقبض.
ولما ذكر ضمان الصحيح والفاسد تكلم على ما يتعلق به من تلف واستحقاق، فقال: والتلف وقت ضمان البائع، أي: الزمان الذي يكون الضمان فيه من بائعه، فيشمل ما فيه حق توفية، وضمان المحبوسة للثمن وما بعدها بسماوي، وهو: الأمر من اللَّه، لا صنع لآدمي فيه يفسخ البيع؛ إذ لو لم يفسخ لم يكن لضمان البائع إياه معنى.
وأورد البساطي بل له معنى، وهو الإتيان بمثله على تقدير بقائه، وأجاب بأنه لا يلزم البائع ذلك؛ لوقوع البيع على معين لا يتعلق بالذمة، وقد تلف. انتهى.
стр. 2252
ومفهوم (وقت ضمان البائع): لو كان بسماوي وقت ضمان المشتري لم يفسخ، وكان التلف من المشتري.
ومفهوم (سماوي): لو كان المتلف البائع أو أجنبي لم يفسخ، ويأتي بمثله، أو كان المشتري يعد قابضا، واللَّه أعلم.
تنبيه:
قيد ابن الحاجب هذا ببيع البت، وأطلق المصنف؛ لأن تلف المبيع على خيار بسماوي وقت ضمان البائع حكمه كالبت.
وخير المشتري، أي: ثبت له الخيار إن غيب البائع المبيع، إن أخفاه وادعي تلفه، وتخييره في الفسخ؛ لأنه لم يتمكن من المبيع، والفرض أن ضمانه من بائعه، أو في التماسك وطلب البائع بمثله، أو قيمته بعد يمين البائع أنه هلك، أو عيب المبيع، بأن فعل فيه ما نقصه، فيخير المشتري بين التمسك وأخذ الأرش أو الفسخ (١).
تنبيه:
وقع لابن الحاجب: تعييبه يوجب الخيار، فقرره ابن عبد السلام بغين معجمة، وابن راشد بمهملة.
قال المصنف: وهما صحيحان؛ فلذا جمع بينهما.
أو استحق منه جزء شائع، كثلث أو ربع مثلًا، وإن قل لضرر الشركة.
стр. 2253
واحترز بالشائع عن المعين، فلا يتمسك به؛ لأنه يؤدي للجهل بالثمن.
وتلف بعضه، أي: المبيع المعين، وقلنا المعين لأنه قدر الشائع، أو استحقاقه، أي: البعض المعين كما في ضمان البائع أولًا، كعيب به، فينظر في الباقي بعد التلف أو الاستحقاق، فإن كان أكثر من النصف لزم الباقي بنسبته من الثمن، وإن كان النصف فللمشتري التمسك به بنسبته من الثمن.
وأقل منه حرم التمسك بالأقل؛ لأن البيع قد انحل بتلف جله، أو استحقاقه، فتسمك المشتري بباقيه كإنشاء عقد بثمن مجهول.
ابن حبيب: يجوز التمسك بالأقل؛ لأنها جهالة طرأت بعد تمام العقد، كعيب اطلع عليه.
تنكيت:
في كلامه إجمال من وجهين:
أحدهما: من حيث عدم العلم بما يلزم التمسك به مما يخير فيه.
والثاني: تكراره مع قوله قبل: ولا يجوز التمسك بأقل استحق أكثره.
وهكذا حكم المقوم، ولذا قال: إلا المثلي، فلا يحرم فيه التمسك بالأقل، مما بقي بعد التلف والاستحقاق، وأما إن كان التالف أو المستحق منه النصف فأقل، فإنه لا يلزمه الباقي بحصته من الثمن، ولا مخالفة له في هذا الوجه للمقوم.
ولما قسم ابن رشد العيب الموجود في الطعام وما في معناه من مكيل وموزون في العروض خمسة أقسام، استوفاها المصنف باختصار وأشار لأحدها بقوله: ولا كلام لواحد عيبًا في قليل بمثلي لا ينفك عنه، كقاع ليثبت الطعام أو الذرة، فلا يحط عنه شيء من الثمن اتفاقًا.
ولثانيها وثالثها بقوله: وإن انفك العيب عنه إلا أن به تغيرًا قليلًا لا خطب له كابتلال بعضه بمطر أو ندى، أو كان قليلًا له خطب كالربع فدونه، فللبائع التزام الربع المعيب بحصته من الثمن، وإلزام المشتري
стр. 2254
السالم بما ينويه من الثمن اتفاقًا، إذ لا اختلاف في أن استحقاق ربع الطعام أو خمسه لا يوجب للمبتاع رد الباقي، وإن أراد المشتري أنه يلتزم السالم، ويرد المعيب بحصته من الثمن لم يكن له ذلك على ما في المدونة، وله ذلك على رواية يحيى عن ابن القاسم.
وفي بعض النسخ فللبائع إلزام الربع بحصته، وهو على حذف مضاف، تقديره: إلزام ذي الربع المعيب بحصته من السالم.
وأشار للرابع والخامس بقوله: لا أكثر من الربع كالثلث فما فوقه، فليس للبائع أن يلزم المشتري السالم بحصته، ويلتزم المعيب لنفسه، لكن إذا كان دون الجل كالنصف والثلث فليس له إلزامه بحصته من الثمن على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وله ذلك على مذهب أشهب واختيار سحنون، وإن كان الجل فليس له ذلك باتفاق.
وليس للمشتري التزامه، أي: السالم بحصته ورد المعيب للبائع مطلقًا في الأقسام الأربعة الأخيرة، وأما الأول فأخرجه بقوله: ولا كلام لواجد في قليل بالجيم.
تنبيه:
في نسخة البساطي الواحد بالحاء المهملة؛ لأن ذلك لا كلام لواحد منهما، ومعناهما واحد؛ لأنه إذا لم يكن لواجده وهو المشتري كلام فالبائع كذلك.
ووقع في بعض النسخ أيضًا (إلزامه) موضع (التزامه)، أي: إلزام البائع بالمعيب، ويأخذ السالم بحصته، ومعناهما واحد.
وإذا كان المبيع مقوما متعددًا كعشر شياه بمائة، كل واحدة بعشرة، ثم استحق منها شاة: كل واحدة بعشرة مثلًا، رجع للقيمة، ونسبت للثمن، فما خرج فللمشتري؛ لأنه قد يكون أحدها أجود أو أردأ؛ ولذا لا يرجع للتسمية، بل يقوم: فإن قيل: قيمتها عشرون، فنسبتها للثمن خمس، فيرجع المشتري بخمس الثمن وهكذا، وصح البيع، ولو سكتا عند العقد عن بيان
стр. 2255
الرجوع للقيمة أو للتسمية، لا إن شرطا الرجوع لها، أي: للتسمية فلا يصح البيع اتفاقًا، وأما إن شرطًا الرجوع للقيمة فالصحة أحرى.
تنبيه:
تلخص إن المسألة على ثلاثة أوجه: اشتراط الرجوع للقيمة، أو للتسمية، أو السكوت، وقد علم حكمها.
أو إتلاف المشتري المبيع أو بعضه، وهو في ضمان البائع قبض له، فيلزمه ثمنه اتفاقًا، وهذا قسيم قوله بسماوي.
وإتلاف البائع والأجنبي لبعض مبيع قبل قبضه يوجب الغرم مع تخيير المشتري في قبوله أو حله عن نفسه، وكذلك إتلافه كله موجب لغرمه، ولا خيار للمشتري، ونحوه لابن الحاجب.
قال المصنف: ولم يبين ما يغرم، وصرح في الجواهر بغرم القيمة في حق البائع والمشتري (١).
стр. 2256
تنكيت:
بما قررناه يندفع قول الشارح في الكبير: (وكذلك إتلافه: تكرار لا شك فيه) يريد مع قوله: (والبائع والأجنبي يوجب)، وحاول بعض مشايخي الجواب عن التكرار بأن في الكلام حدفًا، وهو تعييب البائع والأجنبي يوجب الغرم انتهى. وهو قريب مما قررناه.
وإن أهلك بائع صبرة من طعام قبل معرفة كيلها بإتلاف أو بيع تعديًا بعد أن باعها على الكيل، كل إردب بكذا، فالمثل يلزمه تحريًا ليوفيه للمشتري كما اشترى، ولا خيار لك في الرد أو التمسك على المشهور؛ لأن مثل المكيل يقوم مقامه.
وفهم من قوله: (أهلك): أن هلاكها لو كان قبل القبض بأمر سماوي لكانت من البائع، وانتقض المبيع، وهو كذلك في المدونة.
وفهم من قوله: (بائع): أن المشتري لو أهلكها يعد بذلك قابضًا قاله المازري.
أو أهلكها أجنبي فالقيمة عينًا لازمة له إن جهلت المكيلة ولا يلزمه المثل إذ الجزاف مقوم ولا خصوصية للطعام بل وكل جزاف بيع على الكيل كذلك.
ومفهوم الشرط غرمها إن عرفت مكيلتها وقبضت على ما اشتريت، ثم اشترى البائع بتلك القيمة ما يوفي به حق المشتري، فإن ساوى فواضح، وإن فضل شيء من القيمة لرخص حصل فللبائع؛ إذ لا ظلم على المشتري إذا أخذ مثل ما اشترى، وإن نقص عن ذلك فكالاستحقاق إن كان النقص
стр. 2257
كثيرًا، فللمشتري الفسخ أو التمسك بما يخص ذلك من الثمن، وإن كان يسيرًا سقط عنه حصته.
وفهم منه من قوله: (ثم اشترى البائع) تخصيصه بذلك، ابن أبي زمنين: وهو الذي يدل عليه لفظ الكتاب.
وقيل: إنما يتولاه الأجنبي المتعدي.
وجاز البيع في كل مبيع قبل القبض، إلا مطلق طعام المعاوضة أي: ربويه، كالبر والشعير ونحوهما، وغيره كالتفاح، فلا يعدوه لغيره، ولا يقتصر على بعضه.
وخرج بالمعاوضة: القرض، والهبة، والصدقة، فيجوز بيعه قبل قبضه.
ثم بالغ على ما فيه معاوضة بقوله: ولو كرزق قاض؛ لأن عمله بمنزلة العوض، وللتنبيه على مخالفة القول بالجواز.
ودخل بالكاف غير القاضي ممن هو قائم بمصالح المسلمين، كأئمة الصلاة، والمؤذنين، وأصحاب السوق، والقسام، والكتاب، والأعوان، والجند، مما جعل لهم ذلك في بيت المال، وكذا ما تأخذه المرأة في النكاح، أو تدفعه عن خلع، وما أخذ عن جناية، كذا أطلقها في توضيحه، وتقييد البساطي لها بالعمد إن أراد أن الخطأ من باب أولى فواضح، وإلا فغير ظاهر.
وأخذ بكيل لا جزافًا؛ فإنه يجوز بيعه قبل قبضه على الأصح؛ إذ ليس فيه حق توفية.
فائدة:
اختلف: هل منع بيع الطعام قبل قبضه تعبدًا أو معقول المعنى؟ قولان.
أو كلبن شاة أو شياه بأعيانها بيع جزاف، كما في الشامل على الأصح، وهو معطوف على محل المبالغة، ففيه ما في المعطوف من
стр. 2258
الخلاف، والمشهور: المنع من بيعه قبل قبضه، فأشبه الطعام المكيل.
تنبيه:
لو أدخل الكاف على (شاة) ليشمل البقرة والناقة لكان أحسن.
ولم يقبض من نفسه لنفسه، إلا كوصي ليتيميه، أي: لا يقبض من نفسه لنفسه، إلا من يتولى طرفي العقد، كالأب في ولديه، والوصي ليتيميه، ونحوه لابن الحاجب، على أنه قال في توضيحه: لم أر استثناء من يتولى طرفي العقد لأصحابنا.
ولعلهما -واللَّه أعلم- استندا لما في رهانها: "لا بأس أن يشتري الأب أو الوصي لبعض من يليان عليه من بعض"، وإن كان ذلك معاوضًا؛ لما في قسمها: "لا يقسم الوصي بين الأصاغر، وليرفع ذلك إلى السلطان (١) ".
стр. 2259
[ما يحترز في قيد البيع]
وجاز بالعقد جزاف، أي: وجاز بيع الطعام الجزاف قبل قبضه، وهو الأصح عند ابن الحاجب، وكصدقة وهبة يجوز بيع كل منهما قبل قبضه، وهذه والتي قبلها مفهومتان مما تقدم، لكنه غير مفهوم شرط، وهو لا يعتبره لزومًا.
стр. 2260
وجاز للسيد بيع ما على مكاتب منه، أي: من المكاتب قبل الأجل بعرض أو عين، ولا يجوز ذلك من الأجنبي حتى يقبضه.
البساطي: عندي أن ضمير (منه) يرجع للطعام، ويعني به أن الطعام الذي على المكاتب يجوز بيعه قبل قبضه لأجل المعروف، ولهذا قال: وهل محل الجواز إن عجل العتق بأن يبيعه جمع ما عليه، وقاله سحنون: أو يجوز، وإن لم يعجل عتقه، كما قاله غيره؛ لأن الكتابة ليست دينًا ثابتًا؟ تأويلان للشيوخ.
وهذه كالمستثناة من قوله: (ولم يقبض من نفسه).
وجاز لمن اشترى طعامًا إقراضه قبل قبضه، أو وفاؤه عن قرض عليه قبل قبضه.
وجاز لمن اقترض طعامًا من شخص أن يبيعه لآخر قبل قبضه، وهذا معنى قوله: بيعه لمقترض.
البساطي: (لمقترض) ليس من صلة (بيعه)، بل من صلة (جاز)، فهو معمول لـ (جاز) لا لـ (بيعه).
وجاز لمن اشترى طعامًا إقالة من الجميع قبل قبضه، بأن يرده لربه على الثمن وصفة العقد، بناء على أنها حل بيع لا بيع.
ومفهوم (من الجميع): المنع من الإقالة على البعض، وهو كذلك.
ابن عرفة: الإقالة من بعضه بعد الغيبة على ثمنه [مثليًا] (١) لا يجوز فيها مع غيرها؛ لأنه بيع وسلف.
وإن تغير سوق شيّك المدفوع ثمنًا عن الطعام المقال فيه بغلاء أو رخص كبقاء عينه بغير تغير كدابة تساوي مائة في طعام، وصارت عند الإقالة تساوي ثمانين أو مائة وعشرين، لا إن تغير بدنه، فلا تجوز الإقالة، سواء كان تغيرها بزيادة: كسمن دابة، وكبر صغير، وذهاب بياض عين، أو
стр. 2261
نقصان: كعورها، وهزالها، والمنع هنا لعدم صحة الإقالة؛ لأن التغير يفيتها، لا لكونه طعامًا، بخلاف تغير الأمة بسمن أو هزال، فلا يفيت الإقالة فيها، وتفريقه في المدونة بأن الدواب تشترى لشحومها، والرقيق ليس كذلك، يشمل العبد والأمة، وعليه ولو قال: (بخلاف الرقيق) لكان أشمل.
ابن عرفة: ظاهرها أن العبد كالجارية، والأظهر أن ما يراد فيه الخدمة كالدابة انتهى.
وربما أشعر اقتصار المصنف على الأمة بما أشار إليه ابن عرفة.
ثم عطف على الممنوع وهو (بدنه)، فقال: ومثل مثليك الذي دفعته ثمنًا، ثم تقايلتما، فلا تجوز الإقالة، إلا على عينه، لا على مثله؛ لاختلاف الأغراض باختلاف المثليات، وهذا هو المشهور، إلا العين ذهبًا أو فضة، فلا يتعين رد عينها، وله دفع مثلها، وإن كانت بيده.
ابن يونس: لأنه لما قبضها صارت في ذمته، فإذا أعطي غيرها لم يظلم.
وظاهره: ولو شرط ردها، وهو كذلك، ولمالك رد عينها إن شرطًا عملًا بالشرط لخبر: "المؤمنون عند شروطهم" (١).
[بيع الإقالة: ]
والإقالة بيع من البيوع، فيشترط فيها أركانه وموانعه، إلا في ثلاث مسائل:
стр. 2262
[١] الطعام قبل قبضه.
[٢] والشفعة كمن باع شقصًا له فيه شفيع، ثم أقاله منه، فالشفعة للشفيع، وتبطل الإقالة.
[٣] والمرابحة، كمن اشترى سلعة بعشرة، وباعها بخمسة عشر، ثم أقال منها، ولم يبعها مرابحة إلا على عشرة.
[التولية: ]
وجاز وجه الرخصة تولية.
ابن عرفة: وهي تصيير مشتر ما اشتراه لغير بائعه بثمنه، وهي في الطعام غير جزاف قبل كيله رخصه، وشرطها كون الثمن عينًا.
[الشركة: ]
وجازت شركة، وهي: هنا جعل مشتر قدر الغير بائعه باختياره مما اشتراه لنفسه بمنابه من الثمن، وهي في الطعام المكيل والموزون قبل الكيل أو الوزن رخصة اتفاقًا.
ومحل جوازهما إن لم يكن على أن ينقد المولي أو المشترك بالفتح عنك حصتك من الثمن، فإن كان على ذلك لم يجز، لأنه بيع وسلف منه لك.
واستوى عقداهما، أي: المولي والمولى والمشرك والمشرك بالفتح والكسر فيهما، أي: التولية والشركة، والمراد استواؤهما في المقدار؛ إذ لا يمكن رد عين المال الذي دفعه المولي أو المشرك بالكسر، ويدخل في استواء العقدين الأجل، وهو كذلك، ويدخل فيه الرهن والكفيل، وهو كذلك.
وظاهره: كان بيعًا أو سلمًا وهو كذلك.
وإلا بأن لم يستو العقدان في جميع الشروط، فبيع كغيره من سائر البيوع، إن قبض المشتري ما اشتراه فصحيح، وإن لم يقبض ففاسد، ونبه
стр. 2263
عليه لئلا يتوهم أنه إن انتفت الشركة والتولية المرخص فيهما بطل العقد، وليس كذلك، وإنما تبطل الرخصة، وكذا قرره الشارح.
وقال غيره: معنى (فبيع كغيره): أنه ينظر، فإن توفرت فيه شروط البيع وانتفت موانعه فبيع صحيح، وإن اختل شرط من شروطه وحصل فيه مانع من موانعه فباطل.
وضمن المشتري المبيع المعين إذا أشرك فيه قبل قبضه، وضمن المشتري طعامًا كِلْته بعد أن ابتعته، وصدقك على كيله، وإن أشركه، أي: أشرك المشتري شخصًا سأله في الشركة لما اشتراه، فقال: أشركتك، حمل على ما قيد به من نصف أو غيره، وإن أطلق ولم يقيد بنصف ولا غيره حمل على النصف؛ لأنه الجزء الذي لا ترجيح فيه لأحد الجانبين.
وللشراح هنا شيء انظره في الكبير.
وإن سأل ثالث شركتهما، أي: الشريكين اللذين صار لكل منهما النصف عند الإطلاق، وأشركاه معهما، فله الثلث؛ لأن الظاهر من الشركة التساوي، وللشراح هنا تقرير انظره في الكبير.
وإن وليت شخصًا ما اشتريت، ولم تذكره بما اشتريت، ولم تذكر الثمن، جاز لك إن لم تلزمه البيع، وله الخيار إذا رآه، وعلم ثمنه، وسواء كان الثمن عينًا أو عرضًا أو طعامًا أو حيوانًا، وعليه مثل صفة العرض بعينه أو الحيوان.
ومفهوم الشرط: إن دخل على الإلزام لم يجز، وهو كذلك؛ للمخاطرة، ونحوه في سلمها الثالث.
وإن رضي المولى بالفتح بأنه أي المبيع عبد، ولم يعلم ثمنه، ثم علم بالثمن فكره، فذلك له؛ لأنه من ناحية المعروف يلزم المولي بالكسر، ولا يلزم المولى بالفتح، إلا أن يرضى، وقرره الشارح بأن المولي بالكسر أخبر المولى بأن الثمن عبد فرضي، ثم علم أن الثمن غيره فكره فذلك له، والأول هو الذي في المدونة، وإلا ضيق في أبواب ما منع التأخير صرف،
стр. 2264
إذ لا يغتفر فيه الانتقال من حانوت لآخر.
ثم إقالة طعام؛ لأنه اغتفر فيه الذهاب لبيته أو قرية؛ ليأتي بالثمن، ثم تولية وشركة فيه، أي: في الطعام؛ لأنه اختلف: هل يجوز تأخيرهما بالشرط اليومين والثلاثة أم لا؟ واتفق على منع ذلك في الإقالة والتولية والشركة في رتبة واحدة؛ ولذا عطف بالواو، ثم إقالة عروض وفسخ الدين في الدين؛ لأن أصلهما وهو بيع العروض لم يضيق الشرع فيه ما ضيق في أصل التولية في الطعام والشركة فيه الذي هو بيع الطعام قبل قبضه، وهما في رتبة واحدة.
ثم بيع الدين بالدين المستقر في الذمة، فهو أوسع من اللذين قبله؛ لتحريم هذا بالنسبة، وفسخ الدين بالكتاب، وألحق به الإقالة في العروض.
ثم ابتداؤه، أي: الدين بالدين؛ لتجويزهم في هذا اليومين والثلاثة، بشرط وغيره، ولا كذلك بيعه، واللَّه اعلم.
خاتمة:
أضاف المصنف للتولية الشركة هنا، وأفرد التولية في توضيحه، ولم يذكر رتبة الشركة فيه، وما عداهما فعلى هذا الترتيب، وذكر قبله عن اللخمي أن التولية وبيع الدين أوسع من الإقالة، لكنه لم يبين هل هي إقالة الطعام أو العروض.
* * *
فصل
ذكر فيه بيع المرابحة وحكمه وما يتعلق به من ركن وشرط وغيره، ولم يعرفه، وعرفه ابن عرفة، فقال: بيع مرتب ثمنه على ثمن بيع يعقبه غير لازم مساواته له.
خرج بالأول: بيع المساومة والمزايدة والاستئمان.
стр. 2265
وبالثاني: التولية والإقالة والشفعة والرد بالعيب على كونه بيعًا.
وبين المصنف حكمه بقوله: وجاز البيع حال كونه مرابحة، وهو: المذهب، ومال المازري لمنعه إن افتقر إدارك جملة أجزاء الربح؛ لفكرة حسابية، والأحب خلافه من بقية البياعات.
قال في التوضيح: ويحتاج لصدق متين، وإلا أكل الحرام فيه بسرعة؛ لكثرة شروطه، ونزوع النفس فيه للكذب، ولو كان الثمن مقومًا عند ابن القاسم.
وفي نسخة الأصل: ولو على مقوم، أي: يجوز البيع مرابحة ولو وقع العقد على مقوم، كأن يشتري ثوبًا بحيوان ناطق أو صامت أو عرض، فيجوز بيعه مرابحة بحيوان مثله أو عرض؛ إذا وصفه، لا على قيمة، ويزيده للربح.
وأشار بـ (لو) لمنع أشهب ذلك، وهل الجواز عند ابن القاسم مطلقًا: كان الحيوان عند المشتري أو لا، وإليه ذهب اللخمي ومن وافقه، أو محل الجواز عند ابن القاسم إن كان الحيوان عند المشتري؛ لعدم رجوعه للسلم الحال، وإليه ذهب القابسي؟ تأويلان لمن ذكرنا.
وحسب على المشتري ربح ماله عين قائمة تؤثر زيادة في المبيع، كصبغ وطرز وقصر وخياطة، ونحوه في المدونة، وزاد المتيطي ما في الواضحة: وكمد وفتل والتطرية.
وإذا حسبت هذه فثمنها أولًا، وإن تولى ذلك بنفسه حسب ربحه فقط قال بعض مشايخي: الكمد دق القصار الثوب للتحسين، والفتل في الحرير والغزل، والتطرية جعل الثوب في الطراوة ليلين وتذهب خشونته.
وأصل ما زاد في الثمن دون ربحه مما ليست له عين قائمة كحمولة.
اللخمي: إذا كان في البلد المنقول إليه أغلى، وأما لو كان سعر البلدين واحدًا لم يحسب، ولو كان هو المنقول إليه أرخص، وأسقط الكراء لم يبع حتى يبين.
стр. 2266
وحسب كراشد وطي اعتيد أجرتهما، تشبيه فيما يحسب أصله لا ربحه.
وحسب أصل كراء بيت لسلعة، وأما إن أكراه لنفسه والسلعة تبع لم تحسب أجرته ولا ربحها، إلا أن يبين له ذلك، ويرضى كما في الجلاب.
وإلا يكن له عين قائمة ولا أثر زيادة في المبيع لم يحسب أصله ولا ربحه، ومثّله بقوله: كسمسار لم يعتد سمسرته لتلك السلعة.
ومفهومه: لو اعتيد لحسب أجره وربحه.
ابن الحاجب: وما أخذه السمسار فكالثمن على الأصح.
تنبيه:
قال المصنف المراد بالسمسار الجلاس كما يفعله سماسرة إسكندرية، لا متولي البيع، فإن أجرة هذا على البائع، وهي من الثمن لا شك فيه.
وقوله: (كالثمن) يحسب هو وربحه، قاله عبد الوهاب، واختاره ابن محرز.
ابن المواز: يحسب أصله لا ربحه انتهى.
ودرج هنا عن قول عبد الوهاب، وقرره الشارح بقول ابن المواز، وتبعه البساطي.
[شروط المرابحة: ]
ثم ذكر شروط المرابحة، فقال: إن بين الجميع، أي: جميع ما لزم السلعة، ويشمل وجهين:
الأول: ما يحسب وما لا يحسب مفصلًا ومجملًا، ويشترط الربح على الجميع.
الثاني: أن يبين ما يحسب ويربح له وما لا يربح له، وما لا يحسب أصله، ويضرب الربح على ما يربح له خاصة.
стр. 2267
ثم أشار لوجه ثالث في الجواز بقوله: أو فسر المؤونة، فقال: هي بمائة أصلها كذا كثمانين، وحملها كذا بعشرة، وصبغها بخمسة، وقصارتها ثلاثة، وشدها واحد، وطيها واحد، ولم يبين ما له الربح من غيره، ولا ما يحسب ويفض الربح على ما يحسب، وإسقاط ما لا يحسب في الثمن.
أو قالة أبيع على المرابحة وبيّن ما يربح، كربح العشرة أحد عشر ولم يفصلا حين البيع مما له الربح من غيره فجائز؛ لأنه بين بعد ذلك.
قال المصنف: ربح يقرأ منونًا ومضافًا، وترفع العشرة على أنها مبتدأ خبره أحد عشر، والعشرة مفسرة لربح.
وإذا قال: أبيعها بربح العشرة أحد عشر زيد عشر الأصل، فإذا كان الثمن مائة وعشرين، فالزيادة اثنا عشر، ولو قال: بربح العشرة اثني عشر لزيد خمس الأصل، وعلى هذا القياس.
البساطي: يتأتى حمل أحد عشر على ظاهره، بأن ينون الربح، ويجعل ما بعده صفة له، أي: ربح يصير العشرة اثني عشر انتهى.
والوضيعة كذلك، فإذا قال: بوضيعة العشرة أحد عشر، فالنقصان جزء من أحد عشر، ولا يمكن حمله على ظاهره؛ لاستحالة وضع أحد عشر من عشرة.
ثم أشار لوجه رابع ممنوع، أخرجه من الجائز، وهو مفهوم الشرط السابق بقوله: أو بيّن الجميع بقوله لا أبهم كقامت بكذا، أو ثمنها كذا، ولم يفصل، وباع مرابحة العشرة أحد عشر؛ لأنه لا يدري ما يحسب له الثمن، وما يضرب له الربح، وما لا يضرب؛ لأنه جهل بالثمن منهما أو من المشتري.
وأشار لوجه خامس ممنوع أيضًا بقوله: أو قامت بطيها وشدها بكذا ولم يفصل.
وإن قلنا بفساده، فاختلف: هل هو أي الإجمال كذب؛ لزيادة في الثمن ما لا يحسب فيه، وحمله الربح على ما لم يجب حمله، وهو قول
стр. 2268
سحنون وابن عبدوس، وفسر به بعضهم قول المدونة، وإن ضرب الربح على الحمولة، ولم يبين ذلك، وقد فات المبيع بتغير سوق، أو بدن، حسب ذلك في الثمن، ولم يحسب له ربح، وإن لم يفت رد المبيع، إلا أن يتراضيا على ما يجوز، فقولها: إلا أن يتراضيا على ما يجوز جعله كاستئناف بيع، وإليه مال أبو عمران وعبد الحق وابن لبابة.
أو غش؛ لأنه لم يكذب فيما ذكر، ولكنه أبهم، وهو تأويل أبي عمران، وإليه نحا التونسي والباجي وابن محرز؟ تأويلان.
وعلى الأول إن حط عنه ذلك القدر لزم المبتاع، وعلى الثاني لا يلزمه، وإن حط عنه القدر لبيان خبث مكسبه.
تنبيه:
هذه الأوجه الخمسة التي قررنا بها كلامه جمعها عياض في تنبيهاته، واختصرها المؤلف، لكن بتقديم وتأخير، فرتبناها على ما هنا.
ووجب على البائع تبيين ما يكره في المبيع، لو اطلع عليه المشتري من تعييب أو جناية، أو كان به ورضيه، أو أخذ من دين له مؤجل، أو على معسر أو ملد، كما يجب بيان ما نقده وعقده مطلقًا، سواء نقد فضة عن ذهب عقد عليه، أو عكسه، أو على أحدهما، ونقد عرضًا أو طعامًا أو عكسه، فإن عقد بذهب ونقد فضة وباع بذهب وجب عليه البيان، وعن مالك جوازه، وإن باع بفضة كما تقدم فهل يجب بيان ما عليه عقد، وهو المشهور، أو لا وهو لمالك؟ قولان.
وكذا الحكم إذا عقد بفضة ونقد ذهبًا، وإن عقد بفضة أو ذهب ودفع مقومًا أو مثليًا لزمه بيانه، إن باع على ما نقد، وإن باع على ما عقد فكذلك، وإن باع بطعام وقد اشترى بأحدهما وجب بيانه على ظاهر المدونة، وتؤولت على خلافه، وهذه الصور كلها داخله تحت قوله: مطلقًا.
ووجب عليه بيان الأجل الذي اشترى إليه، لأن له حصة من الثمن، ويختلف الثمن بقربه وبعده، فإن لم يبين ففي المدونة البيع مردود، وهل
стр. 2269
معناها إذا اختار المشتري الرداء، وهو منسوخ، ولو رضي المشتري بالنقد، واستبعد لأنه حق آدمي؟ تأويلان.
وإن بيع على النقد ولم ينقد إلا بعد زمان وجب بيانه، وجب بيان طول زمانه، أي: المبيع كذا قرره البساطي، وقرره الشارح على بيان طول زمن المبيع عنده؛ لأن الناس أرغب في الطبري من العتيق، ونحوه في المدونة، وعليه قرر المصنف كلام ابن الحاجب، وكلامه يحتملهما.
وظاهره: على التقرير الثاني بإرث عنده أو تغير سوقها أو لا.
وللخمي: إن تغير سوقها أو تغيرت في نفسها أو بإرث بين، وإلا فلا.
ووجب بيان تجاوز الزائف الذي سومح فيه.
ووجب بيان هبة وهبت له من الثمن إن اعتيدت بين الناس، فإن لم تعتد لكثرتها لم يجب بيانها، كما لو حط عنه جميع الثمن، وإذا كانت السلعة البلدية أجود وباع غير بلدية بالبلد وجب عليه بيان أنها ليست بلدية، إذا كانت تلتبس بها، وكذا لو كانت غير البلدية أجود وجب بيان البلدية، أو إذا ابتاعها من تركة بين أنها من التركة، لأن العادة الزيادة فيها، وأيضًا فيها كراهة ثيابها لبعض الناس، كالأعراب.
وتشمل عبارته مسألة المدونة، وهي ما إذا ابتاعها ووهبها لآخر، ثم ورثها منه فلا يبيعها حتى يبين.
ووجب بيان ولادتها عنده: أمة كانت أو غيرها، دان باع ولدها معها؛ لأن ولادتها عنده عيب.
وظاهره: ولو ابتاعها حاملًا لقرب وضعها، وهو كذلك.
قال في الشامل: على الأصح، وكذا لو زوجها ولم تلد وجب البيان، ولو طلقها الزوج.
وبالغ بقوله: (وإن باع ولدها معها)؛ لأن بيعه معها لا يقتضي ولادتها عنده.
стр. 2270
ووجب بيان جذ ثمرة أبرت، إن كانت مأبورة وقت الشراء، فأخذ ثمرتها، وأراد بيع الأصل مرابحة.
ووجب بيان صوف تم حين الشراء، أو جزه وأراد بيع الغنم مرابحة؛ لأن لكل من الثمرة والصوف حصته من الثمن.
ومفهومه: لو اشترى الثمرة غير مأبورة والصوف غير تام لم يجب البيان، وهو كذلك في الأول، وتعقب الثاني وغيرها الوجوب لأنه لم يثبت إلا بعد مدة يتغير فيها.
ووجب بيان إقالة مشتريه على مثل ثمنه لنفرة النفوس مما وقعت فيه الإقالة، إلا أن يكون بزيادة أو نقص، فلا يجب البيان؛ لأنه بيع ثان، فله البيع عليه مرابحة.
ووجب بيان الركوب للدابة واللبس للثوب، إذا كان مما بينقص، ولذا قيد أبو الحسن الركوب بكونه في السفر.
ومفهوم (إقالة): أن شراءه لها بمثل الثمن أو أقل أو أكثر لا يجب معه البيان، وهو كذلك على أحد القولين، والآخر أنه كالإقالة، ولو اشترى سلعًا متعددة في صفقة واحدة ثم وزع الثمن عليها.
ووجب عليه بيان التوظيف إن لم يكن المبيع متفقًا كثياب وغيرها، ولو كان متفقًا في الصفة، كثوبين جنسا وصفة؛ لأنه قد يخطئ في توظيفه، وقد لا يخطئ، ولكن قد يزيد في بعضها لرغبته؛ ولهذا التعليل خرج المثلي، فلا يجب فيه البيان إذا باع بعضه مرابحة.
وأشار بـ (لو) للخلاف في المتفق، ولو من سلم.
أو إلا إن كان المبيع من سلم، فلا يجب البيان، ومن نقد يجب، وهو قول ابن القاسم في المدونة، لكنه قيده فيها بما إذا لم يتجاوز عنه في الصفة، أي: أخذ أدنى مما في الذمة، وقيده اللخمي أيضًا بما إذا لم يكن أحد الثوبين أجود مما في الذمة، فإن كان أحدهما أجود وظف الزائد عليه وعلى ثوب المرابحة؛ لأن الزائد كهبة لأجل البيع، فيجب توظيفها.
стр. 2271
وذكر القيدين في توضيحه، ولم ينبه عليهما هنا.
لا غلة ربع اغتلها ثم أراد بيعه مرابحة، فلا يجب البيان، كتكميل شرائه سلعة ابتاع بعضها أولًا، ثم اشترى باقيها من شريكه، فلا يجب البيان إذا باع مرابحة، وهو واضح إذا اشترى البقية مثل الأول أو أرخص.
ونظير تكميل شرائه: ما لو اشترى أجنبي بقيتها، ثم باعها مرابحة.
لا إن ورث بعضه، واشترى باقيه، فيجب البيان، واختلف: هل وجوب البيان إن تقدم الإرث على الشراء، وهو تأويل القابسي؛ لأنه يزيد في الثمن؛ لتصير جملتها له، بخلاف ما لو اشترى ثم ورث، أو وجوب البيان مطلقًا: تقدم الإرث أو تأخر، وهو تأويل أبي بكر ابن عبد الرحمن؟ تأويلان في قولها: "وإن ورث نصف سلعة ثم ابتاع نصفها فلا يبيع حتى يبين"؛ لأنه إذا لم يبين دخل في ذلك ما ابتاع وما ورث، وإذا بين فإنما يقع البيع على ما ابتاع.
ابن يونس: فإن باع ولم يبين حتى فاتت فالمبيع نصفه مشترى، فيمضي بنصف من الثمن، ونصف الربح، وإن كانت قائمة فللمشتري رد الجميع أو التمسك ببيعه.
تنبيه:
علم مما تقدم أن المبيع مرابحة إنما هو النصف؛ لأن الموروث لا يباع مرابحة؛ لأنه لا ثمن له.
وإن غلط البائع على نفسه، فباع بنقص عما اشترى، وصدق فيما ادعاه، أو لم يصدق، وأثبت ذلك ببينة، أو يأتي من رقم الثوب بما يدل على الضابط، فيحلف البائع ويصدق، رد المبيع وأخذ ثمنه، أو دفع ما تبين أنه ثمن وربحه، وهذا مع قيام المبيع، وإن فات بنماء أو نقص.
ولم يجعل في المدونة تغير السوق مفيتًا؛ لأنه عطف على نفسه خُيّر مشتريه أيضًا بين دفع الثمن الصحيح وربحه وقيمته يوم بيعه لا يوم قبضه، كما في الموطأ، وعلى ما فيه درج ابن الحاجب، ما لم تنقص قيمته عن
стр. 2272
الغلط وربحه، فجعل النقص مفيتًا لردها.
وإن كذب البائع في دعواه بزيادة كإخبار بشرائه بخمسين وكان اشتراه بأربعين لزم المشتري المبيع، إن حطه أي: الزائد، وحط ربحه على المشهور، وهو قول مالك.
وظاهره: عرف كذبه منه أو من غيره، وهو كذلك. وظاهره: تعمد الكذب أو أخطا، وهو كذلك، قاله ابن حبيب.
ومفهوم الشرط: إن لم يحط الزائد لم يلزم المشتري، وهو كذلك اتفاقًا، ويثبت له الخيار بين التماسك والرد، واللَّه أعلم.
تنبيه:
ما تقدم في صريح الكذب وألحق به سحنون تقديره، وهو ما له أثر في زيادة الثمن، مثل شرائه بثمن مؤجل، ويبيع نقدًا، أو ثوبين صفقة فيبيع أحدهما بما ينوبه، وهو خلاف مذهب ابن القاسم، بخلاف الغش فلا يلزمه.
ابن عرفة: وهو أن يوهم وجود مفقود مقصود في البيع، أو يكتم فقد موجود مقصود، وفقده منه لا تنقص قيمته بهما.
وإن فاتت بنماء أو نقص أو حوالة سوق، هذا ملخص ما في توضيحه، وحكى ابن الحاجب في حوالة الأسواق قولين: ففي الغش يلزم المشتري أقل الثمن الذي بيعت به والقيمة أيهما أقل لزمه، فإن كان الثمن عشرين مثلًا والقيمة ثلاثون لزمه العشرون، وإن كانت القيمة خمسة عشر لزمته.
اللخمي: ولا يصرف على القيمة ربح.
وفي الكذب خير المشتري بين دفع الثمن الصحيح وربحه، أو قيمتها ما لم تزد قيمتها على ثمن الكذب وربحه؛ لأنه قد رضي بالكذب وربحه، فلا يزاد عليه.
стр. 2273
المازري: وهو المشهور (١).
تنبيهان:
الأول: قول الشارح: (وفي الكذب خيّر البائع بين أن يأخذ الثمن الصحيح ويربحه أو قيمة السلعة ما لم تزد عن الكذب وربحه) غير جلي.
الثاني: قال ابن عرفة: وهل القيمة يوم القبض أو يوم العقد، روايتا ابن القاسم وعلي.
ولمالك في كتاب محمد: يتعين الثمن الصحيح وربحه. ورجع عنه.
ومدلس بيع المرابحة كغيرها عند مالك، فيفترق المدلس من غيره في الأمور الستة المتقدمة في الخيار، وقد ختمنا هذا الفصل بمسائل ذكرها ابن رشد في الكبير.
* * *
стр. 2274
فصل
ذكر فيه ما يدخل في عقد البيع، وإن لم يصح به، وما لا يدخل، فقال: تناول البناء والشجر المبيعان الأرض التي بها فقط، إلا أن يبيتا أكثر من ذلك، وإن لم يصرحا بدخول الأرض في العقد، وهذا مقتضى العرف لا اللغة.
وتناولتهما الأرض، وإن لم يصرحا بهما، تبعًا لها عرفًا، لا الزرع؛ للظاهر، فلا تتناوله الأرض، لأن أباره ظهوره على المشهور من طريق المتيطي، وهي إحدى طرق حكاها ابن عرفة.
ولا تتناول البذر الذي لم ينبت على إحدى الروايتين، كذا قرره الشارح، وتبعه البساطي، وهو غير ظاهر، لأنّا إن قلنا البذر أبار، كما حكاه أبو عمران ونقله ابن شاس وغيره، فكان الاقتصار عليه كافيًا عن ذكر الزرع، وإن قلنا الآبار ظهور الزرع كما شهره المتيطي، تناولت الأرض البذر؛ ولذا تعقبه بعض من تكلم على هذا المحل قائلًا: الصواب تقديم البذر على لا، والفرق بين تناولهما الشجر والبناء دون الزرع أنهما كجزء منها بخلافه.
ولا يتناول مدفونًا وجد فيها علم بعد البيع أنه للبائع، فلا حق للمشتري فيه.
وفهم من قول (مدفونًا): أن النابت خلقه كحجارة أو معدن تتناوله، وهو كذلك، صرح به صاحب الشامل وغيره.
كَلَوْ جُهِلَ مالكُ المدفونِ، فلا يكون للمشتري، بل هو لقطة، وهذا طريق المتيطي، فإن قالوا: لو كان بالدار المبيعة صخر أو رخام أو عمد أو شبه ذلك، لم يعلم به المتبايعان، ثم علما، فمعلوم مذهب ابن القاسم أنه للبائع إذا ادعاه، وأشبه أنه له بميراث أو غيره، وإلا فلقطة.
وقال سحنون وابن حبيب وابن دينار: هو للمبتاع. وهو ظاهر قول ابن القاسم في العتبية انتهى.
стр. 2275
وحملُ الشارح ومن وافقه كلام المؤلف على خلاف هذا بعيد، انظره في الكبير.
ولا يتناول الشجر الثمر المؤبر كله، إلا أن يشترطه المشتري، أو أكثره أي: لا يتناول أكثر المؤبر، إلا بشرط، فيندرج، وحذف (بشرط) من الأول لدلالة الثاني عليه.
وظاهره: اشتراط جميعه، أما لو اشترط بعض ما أبر لم يجز على المشهور؛ لأنه قصد بيع الثمار قبل بدو صلاحها، بخلاف اشتراط بعض ما أزهى، وهذه إحدى المسائل التي يتبع فيها الأقل الأكثر، وقد ذكرناها في الكبير.
ثم شبه بما لا يكون للمشتري إلا بالشرط لا بالإبار كالمنعقد من ثمر غير النخل.
الباجي: إبار التين وما لا يجوز له أن تبرز جميع الثمرة عن موضعها، وتتميز عن أصلها، وأما تأبير النخل فهو أن ينشق الطلع عن الثمرة، وفي الإكمال تعليق طلع الذكر في الأنثى لئلا يسقط ثمرها، وهو اللقاح.
ومال العبد: بالجر عطفًا على المنعقد، فلا يندرج في العقد، إلا إن يشترطه المبتاع، واللَّه أعلم.
تنبيه:
أشعر قوله ماله بجميعه، وهو كذلك؛ إذ لو شرط بعضه لم يجز عند ابن القاسم، وأجازه أشهب، ذكره التجاني في حواشيه، وزاد اشتراط بعض الثمرة وبعض الزرع إذا اشترى الأرض وبعض حلية السيف المحلى، وعزاه لمختصر الواضحة لفضل بن مسلمة.
وخلفة الفصيل بالجر لا يندرج في العقد عليه، وليس له غير الجرة الأولى إلا بشرط، ولو أخلف بطونًا، قاله ابن بشير، لكن إذا كان يعلم حصولها، وإلا فقولان: المشهور المنع.
وإطلاق المصنف يعم ما إذا كانت الخلفة بأرض سقي أو مطر، وقيد
стр. 2276
ابن يونس الجواز بأرض السقي دون المطر؛ إذ ليست بمأمونة، واللَّه أعلم.
تتميم:
ذكر أبو الحسن للجواز ثلاثة شروط:
[١] بلوغه حد الانتفاع به.
[٢] وكون الخلفة مأمونة.
[٣] وأن لا يشترط تركه إلى أن يصير حبًا.
ولما أسلف حكم تأبير الكل، أتبعه بحكم ما إذا أبر النصف، فقال: وإن أبر النصف ولم يؤبر النصف الآخر فلكل حكمه: النصف المؤبر للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، وغير المؤبر للمشتري.
وظاهر كلامه كان النصف المؤبر بخلاف على حدة وغير المؤبر كذلك، أو كل نخلة فيها المؤبر وغيره، وهو ظاهر قول مالك: ما أبر للبائع، وما لم يؤبر للمبتاع.
لكن قال المصنف وغيره: هذا إذا لم يتميز المأبور من غيره.
الباجي: إن كانت النخل في حين تأبيرها، وكان في سائر الثمار قد ظهر بعض الثمرة وبعضها لم يظهر، فروى ابن حبيب أن ذلك للبائع؛ لأن ظهور بعضه ككله، أصله إلا زهاء (١).
وذكر ابن رشد فيها أربعة أقوال، وذكر ابن العطار أن الذي به القضاء
стр. 2277
منع البيع إلا برضا البائع، وتسليمه الجميع للمبتاع، أو رضي المبتاع بتسليمه للبائع، وعلى هذا درج في الشامل.
ولكليهما البائع والمشتري إذا كانت الثمرة لواحد، والأصل لآخر، أو الأصل لواحد والثمن بينهما: السقي ما لم يضر بالآخر، أي: ما لم يضر المشتري بأصل البائع، أو البائع بثمرة المشتري، واللَّه أعلم.
تنبيهان:
الأول: هذا الذي ذكرناه مثله في توضيحه عن شيخه وابن راشد وغيرهما.
وقال ابن عبد السلام: لكل واحد من صاحبي المأبور والمنعقد، ومعناه للوقت الذي جرت العادة بجذ الثمرة فيه، وانظر لو تقابل الضرران، فإني لم أر لأصحابنا فيه نصًا.
الثاني: لو تنازعا فيمن عليه السقي منهما، فللمالك على البائع حتى يسلم الأصل لمشتريه.
وقال المخزومي في بائع النخل دون الثمر أن السقي على مشتري الأصل.
وتناولت الدار إذا وقع العقد على لفظها الثابت فيها، كباب ورف.
ابن عات: ورحى مبنية بفوقانيتها؛ إذ لا يتم الانتفاع إلا بها. ابن العطار: وإنما يتناول السفلي فقط، إذ هي الثابتة.
ومفهوم الثابت: أن كل ما ينقل من دلو وبكرة وباب وصخر وتراب كان معدًا لإصلاحها أو ما انهدم منها فلبائعهما لا لمبتاعها، إلا بشرط، قاله ابن فتوح (١) وغيره.
стр. 2278
ومفهوم (مبنية) مخرج لرحى تنقل فلا يتناولها لفظ الدار.
وتناول لفظها ما بها من سلم سمر لثباته، وفي تناولها لسلم غيره أي: غير مسمر يرتقي به لغرفها، وهو قول ابن العطار وابن زرب، وعدم تناوله لعدم ثباته إلا أن يشترطه المبتاع، وهو قول ابن عات قولان حكاهما المتيطي.
وتناول العبد ثياب مهنته بفتح الميم، أي: خدمته، وحكي كسرها، وأنكره الأصمعي (١)، وكذا ثياب الأمة.
وظاهره: كانت ثياب مهنته عليه أو لا، وهو كذلك في سماع أشهب، فقول الشارح: التي عليه غير ظاهر، إلا أن يشترطها المبتاع، وقول البساطي تتناول التي عليه وثياب مهنته، خلاف قول ابن شاس: تتناول ثيابه التي عليه، إذا كانت لبسه لمهنته، وأما ثياب الزينة فللبائع.
стр. 2279
واختلف إذا اشترط البائع ثياب مهنته: هل يوفى بشرط عدمها للمشتري، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، وهو الأظهر عند ابن رشد؛ لقوله: هو القياس وبه مضت الفتوى، أو لا يوفى له بشرطه، بل يبطل الشرط، ويصح العقد عند مالك.
ابن مغيث: وبه مضت الفتوى عند الشيوخ.
ولما شارك قول مالك هذا في بطلان الشرط وصحة العقد ست مسائل شبهها مشيرًا لأحدها بقوله: كمشترط زكاة ما لم يطب، كزرع باعه أخضر مع أرضه على البائع.
ولثانيها: وأن لا عهدة على البائع فيما يباع بها.
ولثالثها بقوله: أو لا مواضعة على البائع للاستبراء.
ولرابعها بقوله: أو لا جائحة فيما هي فيه.
ولخامسها بقوله: وإن لم يأت المشتري بالثمن لكذا، كـ: شهر مثلًا، فلا بيع.
ولسادسها بقوله: أو ما لا غرض فيه ولا مالية، كـ: ـاشتراط كون العبد أميًا، فيوجد كاتبًا، وصحح القول الثاني، وهو قوله أولًا والنظائر كلها مشبهة به تردد للمتأخرين فيما هو المذهب من القولين.
تنبيه:
وعلى الشق الأول لا يلزم منه جواز بيعه عريانًا.
وصح بيع ثمر بالمثلثة كبلح ورمان وعنب ونحوه كزرع قمح وشعير وفول ونحوه ومقثأة وكبقل خس وهندباء وكراث بدا أي: ابتدأ أو ظهر صلاحه، ويأتي مفهومه، إن لم يستتر، فإن استتر بأكمامه كقلب لوز وجوز وفستق في قشره، وقمح في سنبلة، وبزر كتان في جوزه لم يجز بيعه جزافًا؛ لعدم رويته، وقبله أي: يصح بيعه قبل بدو صلاحه في ثلاثة مواضع:
стр. 2280
أحدها: بيعه مع أصله، كبلح صغير مع نخلة؛ لأنه حينئذ تبع.
وأشار للثاني بقوله: أو ألحق به، أي: بأصله بأن اشترى الأصل مؤبرًا على أنه للبائع، ثم اشتراه مشتري الأصل.
البساطي: فإن باع المشتري الأصل لم يجز شراء الثمرة انتهى.
وأشار للثالث بقوله: أو بيع مفردًا على قطعه في الحال أو قريبًا منه، ولا يؤخره زمانًا يزيد فيه، ولصحة هذا الموضع ثلاثة شروط ذكرها المازري في السلم، أشار المصنف لأحدها بقوله: إن نفع، فإن لم ينتفع به لم يصح؛ لنهيه ﷺ عن إضاعة المال (١).
ولثانيها بقوله: واضطر له، بأن دعت الحاجة إليه، وإلا كان من الفساد.
ولثالثها بقوله: ولم يتمالأ عليه، بأن يفعله أكثر أهل المحلة، لا بيعه منفردًا على التبقية، فلا يصح، المازري: إجماعًا. وهو مفهوم جوازه على القطع؛ لخبر الصحيح: "نهي عن بيع النخل حتى تزهى، وعن السنبل حتى يبيض، وتأمن العاهة، نهى البائع والمشتري" (٢).