ابن يونس الجواز بأرض السقي دون المطر؛ إذ ليست بمأمونة، واللَّه أعلم.
تتميم:
ذكر أبو الحسن للجواز ثلاثة شروط:
[١] بلوغه حد الانتفاع به.
[٢] وكون الخلفة مأمونة.
[٣] وأن لا يشترط تركه إلى أن يصير حبًا.
ولما أسلف حكم تأبير الكل، أتبعه بحكم ما إذا أبر النصف، فقال: وإن أبر النصف ولم يؤبر النصف الآخر فلكل حكمه: النصف المؤبر للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، وغير المؤبر للمشتري.
وظاهر كلامه كان النصف المؤبر بخلاف على حدة وغير المؤبر كذلك، أو كل نخلة فيها المؤبر وغيره، وهو ظاهر قول مالك: ما أبر للبائع، وما لم يؤبر للمبتاع.
لكن قال المصنف وغيره: هذا إذا لم يتميز المأبور من غيره.
الباجي: إن كانت النخل في حين تأبيرها، وكان في سائر الثمار قد ظهر بعض الثمرة وبعضها لم يظهر، فروى ابن حبيب أن ذلك للبائع؛ لأن ظهور بعضه ككله، أصله إلا زهاء (١).
وذكر ابن رشد فيها أربعة أقوال، وذكر ابن العطار أن الذي به القضاء
стр. 2277
منع البيع إلا برضا البائع، وتسليمه الجميع للمبتاع، أو رضي المبتاع بتسليمه للبائع، وعلى هذا درج في الشامل.
ولكليهما البائع والمشتري إذا كانت الثمرة لواحد، والأصل لآخر، أو الأصل لواحد والثمن بينهما: السقي ما لم يضر بالآخر، أي: ما لم يضر المشتري بأصل البائع، أو البائع بثمرة المشتري، واللَّه أعلم.
تنبيهان:
الأول: هذا الذي ذكرناه مثله في توضيحه عن شيخه وابن راشد وغيرهما.
وقال ابن عبد السلام: لكل واحد من صاحبي المأبور والمنعقد، ومعناه للوقت الذي جرت العادة بجذ الثمرة فيه، وانظر لو تقابل الضرران، فإني لم أر لأصحابنا فيه نصًا.
الثاني: لو تنازعا فيمن عليه السقي منهما، فللمالك على البائع حتى يسلم الأصل لمشتريه.
وقال المخزومي في بائع النخل دون الثمر أن السقي على مشتري الأصل.
وتناولت الدار إذا وقع العقد على لفظها الثابت فيها، كباب ورف.
ابن عات: ورحى مبنية بفوقانيتها؛ إذ لا يتم الانتفاع إلا بها. ابن العطار: وإنما يتناول السفلي فقط، إذ هي الثابتة.
ومفهوم الثابت: أن كل ما ينقل من دلو وبكرة وباب وصخر وتراب كان معدًا لإصلاحها أو ما انهدم منها فلبائعهما لا لمبتاعها، إلا بشرط، قاله ابن فتوح (١) وغيره.
стр. 2278
ومفهوم (مبنية) مخرج لرحى تنقل فلا يتناولها لفظ الدار.
وتناول لفظها ما بها من سلم سمر لثباته، وفي تناولها لسلم غيره أي: غير مسمر يرتقي به لغرفها، وهو قول ابن العطار وابن زرب، وعدم تناوله لعدم ثباته إلا أن يشترطه المبتاع، وهو قول ابن عات قولان حكاهما المتيطي.
وتناول العبد ثياب مهنته بفتح الميم، أي: خدمته، وحكي كسرها، وأنكره الأصمعي (١)، وكذا ثياب الأمة.
وظاهره: كانت ثياب مهنته عليه أو لا، وهو كذلك في سماع أشهب، فقول الشارح: التي عليه غير ظاهر، إلا أن يشترطها المبتاع، وقول البساطي تتناول التي عليه وثياب مهنته، خلاف قول ابن شاس: تتناول ثيابه التي عليه، إذا كانت لبسه لمهنته، وأما ثياب الزينة فللبائع.
стр. 2279
واختلف إذا اشترط البائع ثياب مهنته: هل يوفى بشرط عدمها للمشتري، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، وهو الأظهر عند ابن رشد؛ لقوله: هو القياس وبه مضت الفتوى، أو لا يوفى له بشرطه، بل يبطل الشرط، ويصح العقد عند مالك.
ابن مغيث: وبه مضت الفتوى عند الشيوخ.
ولما شارك قول مالك هذا في بطلان الشرط وصحة العقد ست مسائل شبهها مشيرًا لأحدها بقوله: كمشترط زكاة ما لم يطب، كزرع باعه أخضر مع أرضه على البائع.
ولثانيها: وأن لا عهدة على البائع فيما يباع بها.
ولثالثها بقوله: أو لا مواضعة على البائع للاستبراء.
ولرابعها بقوله: أو لا جائحة فيما هي فيه.
ولخامسها بقوله: وإن لم يأت المشتري بالثمن لكذا، كـ: شهر مثلًا، فلا بيع.
ولسادسها بقوله: أو ما لا غرض فيه ولا مالية، كـ: ـاشتراط كون العبد أميًا، فيوجد كاتبًا، وصحح القول الثاني، وهو قوله أولًا والنظائر كلها مشبهة به تردد للمتأخرين فيما هو المذهب من القولين.
تنبيه:
وعلى الشق الأول لا يلزم منه جواز بيعه عريانًا.
وصح بيع ثمر بالمثلثة كبلح ورمان وعنب ونحوه كزرع قمح وشعير وفول ونحوه ومقثأة وكبقل خس وهندباء وكراث بدا أي: ابتدأ أو ظهر صلاحه، ويأتي مفهومه، إن لم يستتر، فإن استتر بأكمامه كقلب لوز وجوز وفستق في قشره، وقمح في سنبلة، وبزر كتان في جوزه لم يجز بيعه جزافًا؛ لعدم رويته، وقبله أي: يصح بيعه قبل بدو صلاحه في ثلاثة مواضع:
стр. 2280
أحدها: بيعه مع أصله، كبلح صغير مع نخلة؛ لأنه حينئذ تبع.
وأشار للثاني بقوله: أو ألحق به، أي: بأصله بأن اشترى الأصل مؤبرًا على أنه للبائع، ثم اشتراه مشتري الأصل.
البساطي: فإن باع المشتري الأصل لم يجز شراء الثمرة انتهى.
وأشار للثالث بقوله: أو بيع مفردًا على قطعه في الحال أو قريبًا منه، ولا يؤخره زمانًا يزيد فيه، ولصحة هذا الموضع ثلاثة شروط ذكرها المازري في السلم، أشار المصنف لأحدها بقوله: إن نفع، فإن لم ينتفع به لم يصح؛ لنهيه ﷺ عن إضاعة المال (١).
ولثانيها بقوله: واضطر له، بأن دعت الحاجة إليه، وإلا كان من الفساد.
ولثالثها بقوله: ولم يتمالأ عليه، بأن يفعله أكثر أهل المحلة، لا بيعه منفردًا على التبقية، فلا يصح، المازري: إجماعًا. وهو مفهوم جوازه على القطع؛ لخبر الصحيح: "نهي عن بيع النخل حتى تزهى، وعن السنبل حتى يبيض، وتأمن العاهة، نهى البائع والمشتري" (٢).
стр. 2281
قال المصنف وغيره: فإن وقع فسخ، وضمنه بائعه، ما دام برؤوس نخله، فإن جذه المبتاع رطبا رد قيمته، وتمرًا رده، أو مثله.
ولا يصح البيع على الإطلاق، بأن لا يتعرضا لقطع ولا إبقاء، حملًا له على الإبقاء، وهو المشهور عن مالك، وتأول عليه ابن أبي زيد قول المدونة: "ومن اشترى تمرًا فجذه قبل إزهائه فالبيع جائز"؛ إذا لم يشترط كونه إلى إزهائه.
وظاهرها عند عياض وجماعة: الصحة، واختصرت عليها، ولما كان التأويل الأول هو المشهور اقتصر عليه البساطي، وكلامها كالنص في الصحة مع الإطلاق انتهى.
تنبيه:
قول بعض مشايخي: "عبر بقوله: (صح) دون (جاز)؛ إذ لو عبر به لأشكل عليه المعطوف بـ (لا) وهو وقوله: (لا على التبقية والإطلاق) " وهم؛ لأنه قد يقال: لو عبر بالجواز لكان المعطوف ممنوعًا، والأصل في الممنوع الفساد، نعم ما قاله أصلح، واللَّه أعلم.
وبدوه أي: الصلاح في بعض حائط، ولو في شجرة واحدة.
قال الشارح: وهو المذهب، ويدخل في (البعض) ما لو طاب حبات من عنقود في دالية، كما ذكره عيسى عن ابن القاسم، وشجرة التين كذلك.
كاف ذلك البعض في جنسه، يحتمل من ذلك الحائط، إذ يكون طيبه متلاحقًا، لا في مجاوره، ولا في حوائط البلد، ويحتمل كفايته فيه وفي مجاوراته، وبه صدر ابن الحاجب، وقيد (جنسه) مخرج لغيره، فلا يباع بلح ببدو صلاح مشمش.
ثم ذكر شروط البعض الكافي بقوله: إن لم تبكر تلك الشجرة، أي: تبادر وتستبق غيرها بالإزهاء لعارض، كـ: مرض، قال في الصحاح: الباكورة أول الفاكهة، والبكور في النخل مثل البكرة التي تدرك أول النخل، وجمعه بكر.
стр. 2282
تنكيت:
إذا علمت أن تقرير البساطي له بالنون حيث قال: إن لم تنكر؛ لأنه إذا كان في غير وقته أنكر، غير ظاهر.
ولا يباع بطن ثان مما يطرح بطنين فأكثر بأول بطونه، بل كل بطن وحده.
وظاهره: وإن كان الأول لا ينقطع حتى يبدو طيب الثاني، وهو ظاهر سماع ابن القاسم.
ثم فسر بدو الصلاح بقوله: وهو الزهو في النخل بأن تحمر أو تصفر، وظهور الحلاوة في غيره من الثمار، كـ: المشمش والعنب، كذا فسره الشارح، وفسره البساطي بظهور الحلاوة في النخل وغيره.
تنبيه:
تعقب ابن عبد السلام قول ابن الحاجب: (وظهور الحلاوة) ولا أحفظه عن أحد من المتقدمين، ورده ابن عرفة بقول المتيطي: بدو صلاح العنب دوران الحلاوة فيه مع اسوداد لسوده.
والتهيؤ للنضج، بحيث إذا قطع لا يفسد، بل يميل للإصلاح، كالموز؛ لأنه لا يطيب حتى يدفن في التبن، وكالزيتون إذا نحا ناحية الاسوداد، وكذا العنب الأسود.
وفي ذي النور بانفتاحه، وظهوره من أكمامه، كالياسمين والورد.
وفي البقول بإطعامها، بأن ينتفع بها في الحال، وفي الجزر واللفت والفجل والبصل إذا استقل ورقه وتم، وانتفع به، ولم يكن في قلعه فساد، وفي قصب السكر إذا طاب، وليس في قلعه فساد.
البساطي: ويعرف بقلب ورقه، وفي البر والفول والحمص إذا يبس، والقضب والقرط إذا بلغ إن يرعى دون فساده، وفي القثاء والفقوس أن ينعقد، ويوجد له طعم، وكذا القرع والباذنجان.
стр. 2283
الباجي: لأنه لا يحبس أوله على آخره انتهى.
واختلف: هل هو في البطيخ، أي: بدو صلاحه، ويدخل فيه الجزر؛ لأنه نوع منه، الاصفرار؛ لأنه المقصود منه، وذهب إليه ابن حبيب، أو التهيؤ للتبطخ، بأن يقرب اصفراره، وإليه ذهب أصبغ؟ قولان.
وقال أشهب: بأن يؤكل فقوسًا.
ولم يذكر صلاح البطيخ الأخضر، ولعله تلون حبه بالحمرة وغيرها.
وللمشتري بطون ما يخلف، ولا يتميز منه بطن من آخر، كياسمين ومقثأة، كخيار وقثاء، ولو لم يشترط ذلك.
ولا يجوز شراؤه مؤجلًا بكشهر مثلًا؛ لاختلاف حملها: قلة وكثرة، فيحمله البائع والمشتري، وأما ما يتميز كالفصيل، فتقدم أن خلقته إنما تدخل بالشرط.
تنبيه:
كان الأحسن ذكر هذه عند قوله: (وصح بيع ثمر) ونحوه، أو عند الكلام على ما يشمله العقد.
ووجب ضرب الأجل فيما يخلف، إن استمر كالموز؛ لأنه كلما قطع منه شيء خلفه غيره.
تنبيه:
قول البساطي: (إن الموز لا يخلف، بل إذا قطع أو أخذ راح، وإنما هناك أشياء صغار، إذا قطع ذلك المنتهى شب واحد منها) واضح.
ومضي بيع حب كقمح أفرك، وبيع قبل يبسه، الذي هو زمن جواز بيعه؛ لخبر ابن عمر: "حتى يبيض" (١)، ولا يفسخ بيعه.
стр. 2284
أبو محمد: ومضيه بقبضه.
ولابن القاسم: بيبسه.
وظاهر قوله: (مضى): المنع ابتداء، وفي المدونة: أكرهه، فإن وقع فات، وهو محتمل للمنع والكراهة.
[بيع العرية: ]
ثم تكلم على نوع آخر من البيوع وهو العرية، وهي: ثمرة نخل يبس، وتدخر، يهبها مالكها ثم يشتريها من الموهوب له، فقال: ورخص على وجه الإباحة لمعر، وهو: واهب الثمرة، وقائم مقامه، كـ: وارث، وإن قام مقامه باشتراء بقية الثمرة المعراة فقط، دون أصولها، وأحرى اشتراؤها مع أصولها.
اشتراء ثمرة: نائب فاعل (رخص)، وقول البساطي: (فاعل رخص) فيه تجوز، وهذا الشراء من المعرى بالفتح، أو ممن يتنزل منزلته.
ثم وصف الثمرة بقوله: تيبس إذ! تركت وتدخر، كللوز وعنب وتين، وأشار بذلك لعدم قصرها على النخل والعنب، وهو الرواية المشهورة.
وقيل بقصرها عليهما.
لا كموز؛ لفقد يبسه.
قال الشارح: ولعل مراده بشبه الموز ما لم ييبس، كالبسر، ولا يزبب كعنب مصر وبسرها.
تنبيه:
في قوله: (رخص) إشارة إلى أن المنع هو الأصل، وهو كذلك؛ إذ هي كما قال عياض: مستثناة من أصول ممنوعة أربعة محرمة:
[١] المزابنة.
[٢] والطعام بالطعام لأجل.
стр. 2285
[١] وغير معلوم التماثل.
[٤] والرجوع في الهبة.
ولما كان لشراء العرية بخرصها شروط أفاد أحدها بقوله: إن لفظ بالعرية، فلا يجوز بلفظ الهبة والمنحة والعطية على المشهور.
وأشار لثانيها بقوله: وبدا صلاحها اتفاقًا، للنهي عن بيعها قبله، ونص عليه، وإن لم يكن خاصًا بها؛ لئلا يتوهم عدم اشتراطه للرخصة.
ولثالثها بقوله: وكان بخرصها بالكسر أي: كيلها، وأما بالفتح فهو اسم للفعل.
ولرابعها بقوله: ونوعها، فلا يباع صيحاني إلا بمثله، ولا برني إلا ببرني.
ولخامسها بقوله: يوفى عند الجذاذ لا نقدًا.
عياض: اتفاقًا.
ولسادسها بقوله: في الذمة، لا في حائط معين.
ولسابعها بقوله: وكان المعرى -بالفتح- خمسة أوسق (١)، على المشهور، فأقل أربعة أوسق ودونها، ومقابل المشهور: منع الخمسة؛ لشك
стр. 2286
الراوي حيث قال: "رخص رسول اللَّه ﷺ في شراء العرية كانت خمسة أو أقل" (١)، واستظهر، لأنه المحقق.
المازري: والمذهب المنع بأزيد، لكونه بيعًا فاسدًا.
وثامنها فهم من قوله: (لمعر وقائم مقامه)؛ فلا تجوز بخرصها لأجنبي.
وتاسعها من مفهوم قوله: (ثمرة تيبس لا كموز).
ولا يجوز أخذ زائد عليه، أي: على المرخص فيه، كأن يشتري المرخص فيه بحكم الرخصة وشرطها، ويشتري الزائد معه فقط بعين على الأصح؛ لاختلاف أحكام الرخصة مع غيرها.
تنكيت:
حكى ابن يونس عن بعض شيوخه أنه الصواب، فظن بعض شيوخنا أن التصويب له، فتعقب المصنف قائلًا: كان ينبغي أن يقول: على الأرجح كعادته انتهى.
وفهم من قوله بيعه أنه لو اشترى مجموع الثمرة بعين جاز ونحوه في المدونة.
ولما قدم أن من شروط جواز شراء العرية بخرصها كونها خمسة أوسق فأقل استثنى من ذلك، فقال: إلا لمن أعرى عرايًا عدة لواحد في حوائط متعددة، فمن كل منها خمسة فأقل، فإنه يجوز للمعري بالكسر شراء المعرى من كل الحوائط عند ابن الكاتب، إن كان الإعراء وقع بألفاظ، كل حائط بلفظ؛ لأنها عرية بعد عرية، لا إن كان جميعها بلفظ واحد وعقد واحد؛
стр. 2287
فلا يجوز حينئذ منها إلا خمسة أوسق فأقل على الأرجح من الخلاف عند ابن يونس.
تنبيه:
تعقب الشارح ومن تبعه إتيان المصنف بصيغة الاسم بأنهم لم يروا ترجيحه لذلك، وقد ذكرنا الجواب عنه في الكبير.
ثم ذكر أن جواز العرية بالشروط السابقة معلل بإحدي علتين على البدل، فقال:
[١] لدفع الضرر، بدخوله وخروجه على المعري بالكسر، مما لا يريد اطلاع أحد عليه.
[٢] أو للمعروف، وهو الرفق بالمعرى بالفتح؛ لكفاية حراسته ومؤنتة عنه.
وعلل مالك وابن القاسم بهما، وعلى العلة الأولى فلا يشتري بعضها لبقاء الضرر لدخوله بما بقي له، وأما على الثانية -وهو الذي ذكره المصنف بقوله: - فيشتري بعضها نصفًا أو ثلثًا أو غيره، إن كان خمسة أوسق فأقل، وإن كانت أكثر اشترى خمسة فأقل؛ إذ لا يمنع أن يقوم المعري بالكسر عن المعرى بالفتح ببعض ما يلزمه، ككل الحائط، إذا أعرى جميعه وهو خمسة أوسق فأقل، فيجوز له شراء جميعه على الثاني لا الأول؛ إذ لا ضرر على رب الحائط مع كون جميع الثمرة لغيره؛ لأنه لا يكثر دخول الحائط بأهله.
وقول البساطي في هذه: (إذا قلنا بحصول المعروف، فلا يجوز) خلاف قول ابن الحاجب لما ذكر العلتين.
فقيل: لدفع الضرر.
وقيل: لقصد المعروف.
وعلى الأول لا يشتري بعضها أولًا جميعها إن كانت كل الحائط.
وجاز للمعري بالكسر بيعه الأصل للمعري بالفتح، على أن المصدر
стр. 2288
مضاف لمفعوله، فيصير مالكًا للرقاب والثمر، أو لغيره على أنه مضاف للفاعل (٢)، كان ذلك قبل شراء العرية أو بعده، وذكر جواز بيع الأصل؛ لئلا يتوهم أن بعض تعلقات العرية لازمة له، فلا يجوز بيعه الأصل، وجاز لك سمراء ثمرة أصل كبلح وعنب ولوز مملوك ذلك الأصل لغيرك في حائطك بدا صلاحه بخرصه، إن قصدت المعروف فقط، لا إن قصدت بالشراء دفع الضرر، فيمنع؛ لأنه بيع ثمر برطب؛ لأنه لم يعره شيئًا فيشتريه بخرصه، ونحوه في المدونة.
قال البساطي: قياسًا على بيع العرية، والرخصة يجوز القياس عليها عند كثير، ولا سيما إذا عللت.
وبطلت عرية إن مات معريها أو فلس قبل الحوز لمعراها اتفاقًا؛ لأنها عطية كسائر العطايا.
واختلف في حوزها: هل هو حوز الأصول فقط، أو لا يكفي، ولا بد معه من أن يطلع ثمرها، بضم المثناة التحتية، أي: يوضع فيه الطلع، وهو التأبير، أو فتحها؟ تأويلان في فهم قولها في العوية: "وإن مات المعري قبل أن يطلع في النخل شيء، وقبل أن يحوز المعرى عريته، أو مات وفي النخل ثمر، لم يطلب، فذلك باطل، وللورثة رده، ويكون ميراثًا لهم".
وفي هباتها عن ابن القاسم: "إن وهبه ما تلد أمته أو ثمرة نخله
стр. 2289
عشرين سنة جاز، إذا حازه الأصل والأمة، أو حاز ذلك له أجنبي" انتهى.
وانظر الكلام في البساطي في تعقبه على المصنف التأويل الأول في الكبير.
وزكاتها أي: العرية إن كانت خمسة أوسق فأكثر وسقيها حتى تنتهي على المعري بالكسر، وكلامه مشعر بأن الموهوب الثمن فقط، وهو كذلك، وإن لم يكن فيها خمسة أوسق كملت من ثمر الحائط، وزكاها المعري بالكسر.
وإنما قال: وكملت؛ لأن الزكاة لا تجب في أقل من خمسة أوسق، والعرية قد تكون أقل، وهذا بخلاف الواهب، لا زكاة عليه ولا سقي، وإنما هو على الموهوب له، والفرق: أن العرية لما جاز بخرصها دفعًا للضرر عن المالك، جعلوا الزكاة والسقي عليه، ولا كذلك الواهب.
قال المصنف: وانظر لو أعسر المعري أي: بالكسر، هل تؤخذ من المعري بالفتح، ولها نظائر.
وتوضع جائحة الثمار المبيعة على رؤوس الشجر، وهي كما قال ابن عرفة: ما أتلف من معجوز عن دفعه عادة قدرًا من ثمر أو نبات بعد بيعه.
ولما كان لا فرق فيما توضع جائحته بين أن ييبس ويدخر كالبلح والعنب والجوز واللوز، وما لا ييبس كالموز والخوخ والأترج مما يطرح بطنًا، كما ذكر، أو بطونًا، ولا يحبس أوله على آخره، بل يؤخذ شيئًا فشيئًا، ذكر ما يعم ذلك، وهو قوله: الثمار كالورد والياسمين والمقاثئ.
وتوضيح الجائحة إن لم تبع الثمرة على الجذ، وإن بيعت على الجذ أي: على أن لا تؤخر، فأصابتها الجائحة قبل الجذ، وإن كانت من عريته بأن اشتراها من معيرها، أو من تنزل منزلته، ثم أجيحت؛ لأنها مبيعة، فله حكم المبيع، ولا تخرجها الرخصة عن ذلك على المشهور.
لا ثمرة مأخوذة في مهر، فليس للزوجة قيام بجائحتها على الأصح؛ لأن النكاح مبني على المكارمة، وليس بيعا حقيقة، خلافًا لابن الماجشون.
стр. 2290
وشروط وضعها ثلاثة، أشار لأحدها بقوله: إن بلغت ثلث المكيلة فأكثر اتفاقًا، لا ثلث القيمة على الأصح، فلو كان المجاح الربع من جميع الثمرة، وقيمة الثلث فأكثر، لم يوضع شيء، ولو ساوى ثلثها فأكثر أقل من ثلث القيمة، ونفعت، ولو كان في الحائط أصناف أجيح من صنف من نوع اشتمل على أصناف، كصيحاني وبرني وعجوة أصيب الصيحاني أو بعضه، فكان المصاب منه ثلث مكيلة جميع الحائط وضعت، وإن كان دون الثلث لم توضع، وهو مذهب المدونة.
وأشار للثاني بقوله: وبقيت على رؤوس الشجر، لينتهي طيبها، ففيها الجائحة اتفاقًا، وخرج بذلك ما طاب وبقيت فيه رطوبة، كالعنب بعد بدو صلاحه، فلا جائحة فيه عند ابن القاسم.
وأشار لثالثها بقوله: وأفردت عن أصلها بالعقد عليها، أو أفردت ثم ألحق أصلها في الشراء، ففيها الجائحة، لأنها مقصودة بالشراء، لا عكسه، وهو: شراء أصلها، ثم شراؤها بعده أو معه، فلا جائحة في الصورتين، على خلاف في الأولى، وباتفاق في الثانية.
وإذا أصابت الجائحة شيئًا مما يطعم بطونًا، نظر ما أصيب من البطون إلى ما بقي سليمًا، فإن كان المصاب الثلث فأكثر وضع ما يقابله من الثمن، والنظر بقيمة كل منهما إنما هو في زمنه، فيقوم المجاح يوم الجائحة، ويستأنى بالثاني كما يأتي، لا يوم البيع، أي: لا يقوم المصاب وغيره يوم البيع بقدر قيمة كل بطن في زمنه، بل يوم يزول الجائحة، وتأوله سحنون وابن أبي زمنين على قول المدونة: "من اشترى مقتاة بمائة فأجيح منها بطن، ثم جنى بطنين فانقطعت، وإن كان المجاح مما لم يجح قدر ثلث النبات قوم في زمانه، فإن قيل: قيمته ثلاثون لغلاء أوله، والبطن الثاني عشرون، والثالث عشرة لرخص آخره رجع بنصف الثمن.
ولا يستعجل فيقوم البطن الثاني والثالث مما لم يصب وقت تقويم المصاب على ما جرى من عرف عادتها، بل يستأنى حتى يجني جميع بطونها فيقوم على يقين، لا على حدس وتخمين، وعليه تؤولت المدونة
стр. 2291
أيضًا، واختاره عبد الحق، وإليه أشار بقوله: على الأصح.
تنبيه:
لا يقال: "قوله: (في زمنه) مغن عن قوله: (لا يستعجل) "؛ لأنّا نقول: قد يقوم الآن على أن قيمته في زمنه، كما قيل في يوم البيع، فدفعه بذلك، نعم لو قدمه عنده لكان أحسن.
وفي اعتبار الجائحة الحاصلة في الثمرة المزهية التابعة للدار في الإجارة؛ لكون ثمرتها ثلث الأجرة فدون، نظرًا لأنها ثمرة مبتاعة كغيرها، وعدم اعتبارها نظرًا لبقيتها، والجائحة إنما هى في ثمرة مقصودة في البيع: تأويلان، وهما قولان.
فائدة:
قال ابن رشد: الثلث عند مالك في حيز اليسير، إلا في ثلاثة مواضع:
[١] الجائحة.
[٢] ومعاقلة الرجل المرأة.
[٣] وما تحمله العاقلة. انتهى.
وزاد غيره: قطع قدر ثلث ذنب الأضحية، واستحقاق ثلث دار، ويسير في وصية، وتصرف ذات زوج لم تقصد ضرر، وإلا فقولان.
واستثناء ما بيع من ثمرة وصبرة وحلية قدر ثلث المحلى تباع بجنسها، وكذا عند أشهب في طعام استحق ثلثه، أو نقص في الشراء، أو أرطال استثنيت من شاة ودالية في دار مكتراة وتوقف به مرة، وقطع ثلث أذن الأضحية، وذكرتها منظومة في الكبير.
واختلف في تفسير الجائحة: هل هي ما لا يستطاع دفعه، لو علم به كسماوي، أي: أمر منسوب للَّه، كالبرد: بفتح الراء وسكونها، والحر.
ابن شعبان: لو أسقطها ولم يتلفها فجائحة، وكذا لو كسر أصولها،
стр. 2292
والثلج والمطر، وما في معنى ذلك، من الأمور المنسوبة للأرض، كـ: غرق، وعفن، ودود، وغبار، وجيش، وسلطان، وعليه الأكثر، أو لا يشترط كونها مما لا يستطاع دفعه، بل أو وسارق وهو لابن القاسم؟ خلاف.
واقتصر على تشهير الأول: صاحب الشامل؛ لأن عليه الأكثر.
تنبيه:
قيد الشيخ والقابسي كون السارق جائحة مما إذا لم يعرف، وأما إن عرف فيتبعه المبتاع بقيمة ما سرق، وإن كان معدمًا، ولا يكون جائحة، وتركه المصنف مع ذكره له في توضيحه.
وتعييبها أي: الثمرة بما ينقص قيمتها، كغبار أو ريح يسقطها قبل انتهاء طيبها كذلك هو جائحة، ينظر لما نقصها: هل الثلث أم لا.
قال في البيان: وهو المشهور، وتوضع الجائحة الحاصلة من العطش وإن قالت، بأن كان ما نقص لا خطب له، وهو ظاهر المذهب.
ابن رشد: لأن السقي على البائع، فأشبه ما فيه حق توفية.
تنكيت:
ما وقع في نسخ الشارح من أن سقيها على المبتاع سبق قسم، أو تحريف من الناسخ، والصواب ما قدمناه، كما في التوضيح، وعد بعضهم الجوائح ثلاثة عشر ونظمها، فذكرنا ذلك في الكبير.
ثم شبه بما يوضع للجائحة، وإن قل فقال: كالبقول من خس وكسبرة وهندباء وسلق.
ابن عبد البر: ما لم يكن تلفها لا بال له، وإطلاق المؤلف يخالفه.
وكذا حكم الزعفران والريحان والقرط والقضب ألحقوا ذلك بالبقول.
وكذا حكم ورق التوت الذي يباع لأجل دود الحرير.
стр. 2293
فائدة:
لو مات الدود فهو جائحة في الورق، كما اكتري حمامًا أو فندقًا فخلي البلد، ولم يجد من يسكنه، وألحق الصقلي بذلك من اشترى ثمرة فخلي البلد؛ لأنه ابتاعها ليبيعها علفًا لقافلة تأتيه، فعدلت عنه.
وكذا بوضع قليلها وكثيرها في مغيب الأصل، كالجزر بفتح الجيم، وهو الاسفنارية، وهي لغة فارسية، وكاللفت والبصل ونحوه، ولزم المشتري باقيها، أي: ما بقي بعد الجائحة، وإن قل اتفاقًا، بخلاف استحقاق الجل في البيع، فلا يلزم المشتري باقيه، بل يحرم التمسك به.
البساطي: وفرق بفروق منظور فيها، ويظهر أن العقد وقع في الاستحقاق على غير مملوك البائع بخلاف الجائحة.
وإن اشترى أجناسًا من حائط أو حوائط مما فيه الجائحة كالنخل والعنب ونحوها في صفقة فأجيح بعضها جنسًا أو بعضه من حائط فأكثر أو من كل بعضه وضعت، بشرطين:
أحدهما: إن بلغت قيمتها أي المصاب ثلث قيمة الجميع، أي: جميع الأجناس، كأن يكون قيمة الجميع تسعين، وقيمة ما أجيح ثلاثون فأكثر.
وأشار للثاني بقوله: وأجيح منه، أي: من ذلك الجنس ثلث مكيلته فأكثر، فإن فقد أحد الشرطين فلا جائحة، فالنظر الأول بين القيمتين، والثاني بين المكيلتين.
وظاهر قوله: (أجناسًا): أنه لا فرق بين كونها في حائط أو حوائط، وهو كذلك، وقاله ابن رشد.
وظاهره أيضًا: كان بعضه أفضل وأطيب أو لا، وهو كذلك، عند ابن القاسم.
وإن تناهت الثمرة طيبًا وصارت ثمرًا أو زبيبًا، ثم بيعت بعد إمكان جذها، فلا جائحة؛ لفوات محل الرخصة، كالقصب الحلو، لا جائحة فيه على المشهور؛ لأنه إنما يباع بعد طيبه وظهور حلاوته.
стр. 2294
ولا جائحة في يابس الحب، كقمح وقطنية وشبههما، وخيّر العامل في المساقاة، إذا أصاب الثمرة جائحة بين سقي الجميع ما أجيح وما لم يجح بالجزء المساقي عليه، أو تركه، بأن يحل العقد عن نفسه، إن أجيح الثلث فأكثر، ولا شيء له، ولا عليه؛ إذ خيرته تنفي ضرره.
ومفهوم الشرط: إن أجيح دون الثلث لزمه السقي لجميعه، وهو كذلك، رواه المعافري (١) من كبار أصحاب مالك.
وظاهره كالمدونة: أنه لا فرق بين كون المجاح في ناحية أو شائعًا، وأبقاها عبد الحق على ظاهرها، وقيدها ابن يونس بالشائعة، وأما إن كانت في ناحية فلا سقي عليه لتلك الناحية، ويسقي السالم وحده، ما لم يكن يسيرًا كالثلث فدونه.
ومستثنى كيل معلوم كستة أرادب مثلًا من الثمرة المباعة على أصولها بخمسة عشر دينارًا مثلًا، ثم تجاح تلك الثمرة بما، أي: بالقدر الذي يوضع في الجائحة، وهو الثلث فأكثر، يضع البائع عن مشترط بقدره من الثمن والكيل، فإذا كان المجاح الثلث أخذ البائع من المشتري في المثال المذكور عشرة دنانير ثلثي الثمن وأربعة أرادب ثلثي الكيل؛ بناء على أن المستثني مشتر، وهو قول ابن القاسم، ورواية أصبغ هي الحق والصواب.
ابن المواز: وبها أقول.
وروي ابن وهب عن مالك أن البائع يأخذ جميع الكيل المستثنى؛ بناء على أنه مبقى؛ إذ ما استثناه أبقاه على ملكه لم يبعه. وصوبت هذه الرواية.
واحترز بقوله: (مما يوضع) عما لو أجيح دون الثلث، فلا يوضع حينئذ من المستثنى بقدره عن المشتري، ويأخذ البائع جميع ما استثنى.
وأفهم قوله: (مستثنى كيل): أنه لو استثنى جزءا شائعًا كربع أو نصف مثلًا لوضعت الجائحة عن المشتري من باب أولى، وتركه لوضوحه، وللاتفاق عليه.
стр. 2295
خاتمة:
لو اختلف البائع والمشتري في الجائحة، فقال (١) أبو الحسن الصغير عن بعض الشيوخ: الاتفاق على أن القول قول البائع، وعلى المبتاع إثباتها؛ لأن البائع مدع عليه، واللَّه أعلم.
* * *
فصل
ذكر فيه اختلاف المتبايعين في جنس الثمن أو نوعها وقدره وغير ذلك، فقال:
[الاختلاف في جنس الثمن: ]
إن اختلف المتبايعان في جنس الثمن، كثمر وبر أو ذهب وطعام أو دراهم وشاة حلفا وفسخ اتفاقًا؛ إذ ليس قول أحدهما بأولى من قول الآخر.
أو كان اختلافهما في نوعه، كذهب ودراهم، أو قمح وشعير، ويحتمل أو سمراء ومحمولة، حلفا وفسخ.
وقوله: (المتبايعان) يحتمل أنه من باب التغليب؛ إذ أحدهما بائع والآخر مشتر، ويحتمل أنه حقيقة فيهما؛ إذ كل بائع، ويشمل ما إذا كان البيع نقدًا أو نسيئةً، سلمًا أو غيره، وهو كذلك.
وإذا فسخ البيع وفاتت السلعة بكبيع أو هبة رد المشتري مع الفوات قيمتها، وأخذ ثمنها، وإن كان أكثر منها رجع بالزائد عن القيمة، وأقل كمل، ونقاصًا في غير الزائد، وأما إن كانت قائمة رد كل منهما لصاحبه ما أخذ.
وعلم من قوله: (قيمتها): أنها لو كانت مثلية لرد مثلها، والمعتبر في
стр. 2296
القيمة يوم البيع، وإن اختلفا في قدره، أي: الثمن كـ: بعتها بعشرين، فيقول المشتري: بل بعشرة، حلفا وفسخ، وهو المشهور ما لم تفت بيد المشتري، فيصدق حينئذ إن ادعي ما يشبه من الثمن كمثمونه، أي: اختلفا في قدر مثمون الثمن، كـ: بعتك هذه الشاة بدينار، فيقول المشتري: بل هي وهذا الثوب.
وجوز الشارح عود الضمير على المبيع، أي: اختلفا فيما وقع مبيعًا في عقد البيع انتهى.
[الاختلاف في الأجل: ]
أو كان اختلافهما في قدر أجل، كـ: بعتكها بعشرة لشهر، ويقول المشتري: بل لشهرين.
أو رهن يحتمل مثل أن يقول البائع: لأجل كذا على رهن، ويقول المشتري: بل بغير رهن، وهذا ظاهر كلامه في توضيحه، ويحتمل في قدر رهن، كقول البائع: على رهن هذين الثوبين، ويقول المشتري: بل أحدها فقط.
أو حميل، كقوله: بعتكها على حميل بالثمن، ويقول المشتري بل بغيره.
قال المصنف: لأن الثمن يزيد بعدم الرهن والحميل، ويقل بوجودهما، وهو الظاهر، وإن كان وقع في الرهن ما يدل على أن الرهن لا حصة له من الثمن انتهى.
حلفا، أي: البائع والمشتري، وفسخ البيع في كل من المسائل الخمس السابقة، وفي كل منها خلاف.
نكتة:
إنما لم يذكر هذه المسائل مع مسألتي الاختلاف في جنس الثمن ونوعه، ويجعل جواب الجميع (حلفا وفسخ)، لعموم ذلك في الأولين مع بقاء المبيع وفواته، بخلاف هذه؛ فإنه مع بقائه فقط.
стр. 2297
[ما يقع به الفسخ: ]
ولما كان الفسخ بعد التحالف على المشهور لا يقع إلا بالحكم، قال إن حكم به، خلافًا لسحنون في وقوعه بمجرد التحالف كاللعان.
واختلف: هل هو خلاف المشهور أو وفاق؟ وبالثاني قال عبد الحميد بالاحتياج إلى الحكم؛ بناء على أن اليمين كانت لنفي الريبة بينهما في دعواهما، والآخر على أن يمينهما كانت لفسخ البيع بينهما، وعلى أنه خلاف فثمرته نفوذ البيع إن رضي أحدهما بقول الآخر، وإذا قلنا بالفسخ بالحكم على مذهب المدونة أو بالتحالف على قول سحنون بعد الفسخ ظاهرًا وباطنًا على الأصح، وأُثّم الظالم منهما.
سند: ونفوذه ظاهرًا وباطنًا هو ظاهر المذهب.
وأشعر كلامه بأنهما لو اختلفا في وقوع البيع لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أشعر، وحكمه أن القول لمنكره مع يمينه إجماعًا.
[شرطا تصديق المشتري: ]
ولما كان حكم تناكلهما في الفسخ كتخالفهما قال: كتناكلهما، ونحوه في المدونة، وصدق مشتر بشرطين:
أشار لأولهما بقوله: ادعى الأشبه بحال المبيع مكانًا أو زمانًا، فيرجع قوله على قول البائع، وحلف مع دعواه الأشبه.
وأشار لثانيها بقوله: إن فات المبيع بيده اتفاقًا؛ لأنه في العرف كشاهد على بطلان دعوى صاحبه؛ ولذا حلف معه، ما لو قدم شاهد معه واحد، فإن لم يفت المبيع لم يترجح الأشبه؛ لقيام المبيع على المشهور، وإن لم يشبه فالقول للبائع إن أشبه، والفوات بالتلف والتغيير وحوالة الأسواق، ولو في مكيل وموزون على الأصح، وهو مذهب المدونة.
ولأشهب وعبد الملك: إن حوالة الأسواق غير مفيتة.
стр. 2298
تنبيه:
ما تقدم إذا فات المبيع كله، فإن فات بعضه ففي الشامل تبعًا لما في التوضيح: صدق فيما فات، وحلفا فيما بقي، وللفوات بما تقدم نظائر في الذخيرة عن مسائل العبدي أربع لا يفيتها حوالة الأسواق:
[١] هبة الثواب.
[٢] واختلاف المتبايعين.
[٣] والسلعة التي هي ثمن المعيب.
[٤] والكذب في المرابحة والبيع الفاسد في الأصول والمكيل والموزون انتهى.
وهي في العدد أكثر مما قال، وينبغي أن يزاد المعدود، وما ذكره من اختلاف المتبايعين هو قول أشهب وعبد الملك، لا على مذهب المدونة الذي مشى عليه المصنف، ونظمتها في الكبير.
ومفهوم مشتر مفهوم موافقة؛ لأن البائع كذلك، ولا حاجة لدعوى التصحيف، وأن الأصل من ادعى، كما قال الشارح، ولا للاعتذار، لأن (١) كلا من المتعاوضين مشتر.
ومنه أي: من الفوات تجاهل الثمن، بأن يقول كل من البائع والمشتري: لا أعلم ما وقع به البيع، وإن كان التجاهل من وارث لبائع أو مشتر بأن يقول وارث كل لا أدري ما وقع به الشائع، فيحلف كل، ويرد المبيع.
قال ابن يونس: حمل الثمن منهما كالفوات، وكذا جهل المتبايعين الثمن.
стр. 2299
[من يبدأ بالحلف: ]
وبدأ البائع بالحلف لتنازعها في المقدم منهما، وهو المشهور؛ إذ الأصل استصحاب ملكه، والمشتري يدعي إخراجه بغير ما رضي به.
وظاهره: أن ورثته يتنزلون منزلته، وظاهر قوله: (بدأ) الوجوب، وهو كذلك على أحد قولين ذكرهما ابن بشير وابن شاس وابن الحاجب، واستقر به في توضيحه.
ومن توجه عليه الحلف منهما حلف على نفي دعوى خصمه مع تحقيق دعواه، فلو قال: بعشرة، وقال المشتري: بثمانية، حلف البائع ما بعتها بثمانية؛ لنفي دعوى خصمه، وإنما بعتها بعشرة لتحقيق دعواه؛ لجواز أن يكون باعها بأقل من عشرة، ويحلف المشتري ما اشتريتها بعشرة، وإنما اشتريتها بثمانية.
[الاختلاف في انتهاء الأجل: ]
وإن اتفقا على التأجيل كشهر مثلًا واختلفا في انتهاء الأجل، فقال البائع: كان أوله هلال رمضان بحيث يكون انتهاء الأجل (١) قد (٢) حصل، ويقول المشتري: بل كان في نصفه مثلًا، والانتهاء لم يحصل، فالقول لمنكر التقضي؛ إذ الأصل بقاؤه، وهذا حيث لا بينة، فإن شهد شاهدان بالأجل لكن قال أحدهما: كان لستة أشهر، وحل، وقال الآخر: كان لسنة، ولم يحل، لوجب الحلف مع شاهد الستة لزيادته في شهادته.
وهاتان من مسائل الأجل، وبقي ثالثة وهي ما إذا اختلفا في تأجيله وتعجيله، والحكم فيه بالعرف مع يمينه، فإن لم يكن عرف تحالفا وتفاسخا ما لم يفت.
ابن بشير: هذا هو الأصل.
стр. 2300
[الاختلاف في قبض الثمن أو تسليم السلعة: ]
وإن اتفقا على تسليم السملعة واختلفا في قبض الثمن، فقال المشتري: أقبضته، وأنكر البائع، أو أختلفا في تسليم السلعة، فقال البائع: أسلمتها، وأنكر المبتاع، فالأصل بقاؤهما: الثمن على المشتري، والسلعة عند البائع، حتى يثبت ما ادعاه كل منهما، إلا لعرف في قبض الثمن أو الثمون، فيعمل به، كلحم أَو بقل أو فاكهة أو حنطة، بان به المشتري أي: انفصل به عن البائع، وادعى أنه دفع الثمن، وأنكر البائع، فالقول للمشتري، إن لم يكثر، بل ولو كثر عند ابن القاسم، نقله عنه ابن أبي زمنين.
وقال يحيى بن عمر: هذا في القليل، وأما الكثير مما له بال فالأصل بقاء ثمنه حتى يثبت خلافه.
وظاهره: سواء كان ذلك في بيع أو صرف، وهو كذلك، ونحوه في المدونة.
وإلا بين به المشتري، فلا يقبل قوله أنه دفع الثمن، إن ادعى دفعه بعد الأخذ لما ابتاعه اتفاقًا، وإلا بأن ادعى دفعه قبل الأخذ للمبيع فهل يقبل الدفع مطلقًا، وهو رواية ابن القاسم في الموازية، أو يقبل فيما هو الشأن فيه أن يقبض ثمنه قبل مثمونه، وهو قول ابن القاسم في الموازية، أو لا يقبل مطلقًا، وهو ظاهر قول مالك في العتبية؟ أقوال.
وحكى بعض الشيوخ في المسألة قولين، سواء قال: أقبضته قبل أخذ البقل أو اللحم أو بعده.
وإشهاد المشتري بالثمن في ذمته مقتض لقبض مثمونه عرفًا، فلو قال بعد لم أقبض المثمن، وهو: المبيع، لم يقبل منه عند ابن القاسم، وهو المشهور، والقول للبائع.
وحلف بائعه إن بادر المشتري، بأن قام بحدثان البيع والإشهاد، وطلب المثمن، لا إن بعد، كإشهاد البائع على نفسه بقبضه للثمن، ثم قام بطلبه، وقال: أشهدت بقبضه، ولم أقبضه ثقة مني لم يصدق.
стр. 2301
ابن يونس: ويحلف المبتاع له إن بادر عند الأكثر.
[الاختلاف في البت والخيار: ]
وإن اختلفا في البت والخيار فالقول قول مدعيه، أي: البت دون مدعي الخيار على المشهور.
وقيل: قول مدعي الخيار.
ابن يونس: وبه كان يفتي من حقق النظر من أشياخي.
كمدعي الصحة القول قوله دون مدعي الفساد على المشهور، كقوله: وقع البيع ضحى يوم الجمعة، ويقول الآخر: عند الأذان الثاني، إن لم يغلب الفساد، فإن غلب الفساد على ذلك العقد، كدعوى أحدهما فساد الصرف أو المفاوضة، وادعى الآخر الصحة، فالقول قول مدعي الفساد؛ ترجيحًا للغالب، وهذا التقييد قيد به عبد الحميد المدونة، فاعتبره المؤلف، وعليه فلا يكون خلافًا للأول.
وهل يقبل قول مدعي الصحة مطلقًا، أدت دعواه لزيادة في الثمن أو لا، أو قول مدعي الصحة إلا أن يختلف بها، أي: الصحة الثمن، كقول المشتري: وقع العقد على الأم وولدها، ويقول الآخر على الأم فقط، فكقدره أي: حكمه كالحكم في قدره، فيحلفان ويفسخ البيع.
ابن بشير: وهو ظاهر ما في المدونة انتهى.
وبهذا قيد ابن أبي زمنين وغيره، وتنبه لما تقدم من أن الفسخ لا يقع بمجرد الحلف، بل لا بد من الحكم؟ تردد.
وما ذكره المؤلف هو أحد طريقين حكاهما ابن بشير، والطريق الثاني أنه يعطى حكم اختلافهما في الصحة والفساد، وفي كلام الشارح ما يوهم أن التردد في الطريقين فينتبه له.
[الاختلاف في قدر الثمن: ]
وإذا اختلف المسلم إليه مع المسلم في قدر الثمن، وكان اختلافهما
стр. 2302
مع فوات العين، أي: الذهب والفضة، واختلف هل الفوات بالزمن الطويل، وهو المشهور، أو بطولٍ ما، أو بالغيبة عليها، أو السلعة أي: فوات السلعة، كالمشتري إذا اختلف مع البائع في قدر الثمن، فيحلفان ويفسخ العقد.
وكما كان القول قول المشتري هناك مع فوات العين ودعوى الأشبه، يكون القول هنا قول المسلم إليه معهما، لكن الفوات هنا يختلف باختلاف العين بالزمن الطويل، وفوات العرض بحوالة سوق فأعلى؛ ولذا قال: فيقبل قوله إن ادعى مشبها، كما في المشتري.
وإن ادعيا ما لا يشبه، أي: مع دعوى الآخر كذلك، لم ينفسخ العقد، وإذا لم ينفسخ فسلم وسط من سلومات الناس في مثل تلك السلعة وزمانها ومكانها، قاله ابن القاسم، وهو المشهور.
وظاهر كلام المصنف: سواء كان اختلافهما بقرب تبائعهما أو لا، وهو كذلك عند ابن حبيب، خلافًا لقول ابن المواز، يتحالفان ويتفاسخان، وحمله ابن أبي زيد على الوفاق.
تنبيهان:
الأول: لما كان التشبيه يقتضي أن المسلم هو المشتري، والمسلم إليه هو البائع، بين أن الأمر هو العكس، فذكر أن المسلم هنا كالمشتري، والمسلم كالبائع، لأنه ذكر أن المسلم إليه يترجح، قوله: (بالقبض)، ونحوه للمصنف في توضيحه.
الثاني: ما وقع في بعض النسخ بعد قوله (كالمشتري): (والعين) الظاهر: أنه تحريف من الناسخ، وصوابه: (بالعين)، ونحوه قول ابن الحاجب: (كالمشتري في النقد) فتأمله.
[الاختلاف في موضع القبض: ]
وإن اختلفا في موضعه الذي يقبض فيه، فقال أحدهما: بموضع كذا، وقال الآخر بغيره، فإن وافق أحدهما موضع العقد صدق مدعي موضع
стр. 2303
عقده مع يمينه على المشهور؛ لأنهما لو سكتا عن ذكره في العقد لكان الحكم كذلك.
تنبيه:
تعقب المصنف ابن الحاجب حيث لم يقيد ذلك بفوات رأس المال، كما قال المازري، وهذا إذا كان اختلافهما بعد فوات رأس المال، وإلا تحالفا وتفاسخا، ثم تبعه هنا، وذكر القيد صاحب الشامل قائلا: هو المشهور.
وإلا يدعي أحدهما موضع عقده بل ادعاه غيره، فالبائع مصدق إن أشبه، سواء ادعى الآخر مشبهًا أو لا، وأما إن ادعى المشتري ما يشبه دون البائع، فالقول قوله، وإن لم يشبه واحد منهما تحالفا وتفاسخا، وقاله في المدونة، كفسخ ما وقع العقد على أنه يقبض بمصر، ولم يسميا موضعًا منها لاتساعها؛ لأن مصر ما بين البحر وأسوان (١)، ويختلف الحمل بذلك اختلافًا كثيرًا، لا يصح معه العقد.
قال في الشامل: إلا أن يكون لهم عرف كالكراء، أي: إذا اكترى من
стр. 2304
مكة إلى مصر، ولم يسم موضعا، فالكراء صحيح.
وجاز عقد السلم على أن يكون قبض المسلم فيه من موضع معروف بالفسطاط، وهو: مصر القديمة، التي بها جامع عمرو بن العاص؛ لعدم اتساعها.
وإن تشاحا في موضع القبض من الفسطاط قضي بسوقها، أي: سوق تلك السلعة، وإلا يكن لها سوق ففي أي مكان من الفسطاط، دفع المسلم إليه فيه لزم أخذه فيه.
* * *
فصل
ذكر فيه السلم وشروطه وما يتعلق به، ولم يعرفه المصنف، وعرفة ابن عرفة، فانظره في الكبير.
[شروط السلم: ]
وابتدأ بذكر شروطه، فقال: شرط السلم، يحتمل أنه شرط واحد اشتمل على سبعة أجزاء، أو أراد به الحبس، فكل شرط بانفراده، والمعنى واحد؛ إذ الإخلال بحزمه كهو:
أحدها: قبض رأس المال كله حين العقد حسًا أو حكمًا، وهو تأخيره بعد وقوعه على الحلول ثلاثًا، لخفة الأمر؛ إذ ما قارب الشيء يعطى حكمه، وهذا معنى قول الباجي: يجب أن يقبض في المجلس أو ما قارب منه انتهى.
وبهذا يندفع إشكال قوله: (أو تأخيره)، بأنه معطوف على (قبض)؛ لصيرورة المعنى، وشرطه تأخيره ثلاثًا.
وإنما اشترط عدم تأخيره، لئلا يصير دينًا بدين في العين، ومعينًا يتأخر قبضه في غيرها، وجواز تأخيره ثلاثًا مطلقًا إن لم يكن شرط، بل ولو
стр. 2305
بشرط على ظاهر المدونة، وهو المشهور.
وأشار بـ (لو) لقول ابن سحنون وغيره من البغداديين بفساده.
واستظهر مع الشرط؛ لظهور قصد الدين بالدين، لا مع عدمه؛ لبعد قصده.
تنبيه:
أكد بقوله: (كله) لفساد جميعه بتأخير بعضه عن ابن القاسم مراعاة للإتباع في أنفسها.
وفي فساده أي: عقد السلم بالزيادة على ثلاثة أيام بغير شرط والثمن من النقدين، إن لم تكثر تلك الزيادة جدًا وعدم فساده، بل جوازه والقولان لمالك تردد.
ومفهوم الشرط: الفساد بالكثرة جدًا اتفاقًا، وانظر ما حد الكثير جدًا من الكثير لا جدًا.
تنكيت:
تعقب الشارحان ومن تبعهما التردد بأنه على غير اصطلاحه، وإنما التردد إذا وجد برأس المال زيف، واتفقا على تأخيره مدة لا يؤخر لمثلها أو لا، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن: تفسد العقدة كلها، وقال أبو عمران: لا يفسد منها إلا مقدار ما تأخر، ويصح ما عداه.
وقال بعض الأشياخ: تصح كلها.
تنبيه:
لا يرد على المصنف شمول إطلاق التردد في تأخيره غير العين، لأنه يذكره قريبا.
وجاز عقده بخيار لهما أو لغيرهما لما يؤخر رأس المال إليه، وهو ثلاثة أيام، إن لم ينقد في زمن الخيار بشرط، ولا تطوع، لأنه لو نقد وتم السلم لكان فخ دين في دين؛ لإعطاء المسلم إليه سلعة موصوفة لأجل عما
стр. 2306
ترتب في ذمته، وهو حقيقة فسخ الدين.
وجاز عقده بمنفعة معين، كدار أو عبد أو دابة معينين مدة معينة؛ إذ قبض رقبته قبض لجميع منفعته، وخرج منفعة المضمون؛ لأنه دين بدين، وفرق لابن القاسم بين إجازته أخذ منفعة المعين في السلم ومنعه أخذ منافع معين عن دين، بأنه في محل المنع فسخ دين في دين، وهنا ابتدأ دين بدين، والسلم كله كذلك.
وجاز بجزاف غير عين، كـ: هذه الصبرة من الطعام في شاة مثلًا موصوفة.
ابن عرفة: فيها مع غيرها صحة كون رأس المال منفعة معين أو جزافًا في غير المسكوك انتهى.
تنكيت:
تعقب بعض مشايخي قول البساطي: الا يجوز أن يكون دراهم ودنانير ولا غيرهما، مما لا يجوز بيعه جزافًا) قائلًا: ظاهر كلامه: جواز كون رأس مال السلم جزافًا من العين غير المسكوك، والذي في ابن الحاجب والتوضيح وبهرام خلافه انتهى. وحيث جاز جزافا فبشروطه السابقة.
ثم تكلم على تأخير رأس المال غير العين، فقال: وجاز تأخير حيوان إذا كان رأس المال السلم، لأنه متعين، فليس دينًا، وهذا إذا كان بلا شرط.
ومفهومه: منع تأخيره مع الشرط، وهو كذلك في المدونة؛ إذ هو مع الشرط يشبه الدين بالدين، وسواء كان التأخير قليلًا أم كثيرًا.
وهل الطعام والعرض كذلك، أي: كالحيوان في جواز تأخيره بلا شرط إن كيل الطعام وأحضر العرض مجلس العقد؛ لأنه لم يبق فيه حق توفية، وانتقل ضمانها للمسلم إليه، فلا معنى للمنع، وهذا هو التأويل الأول.
ومفهومه: المنع إن لم يكل الطعام، ولم يحضر العرض، وهو كذلك؛ إذ لا يجوز.
стр. 2307
أو كالعين وإن كيل وأحضر؛ لأنه دين بدين تأويلان، وظاهره: المنع في التأويل الثاني لتشبيهه بالعين.
ورد زائف أي: وجاز السلف مع ظهور زائف برأس المال، وعجل بدله كتعجيل أصله، ويجوز تأخيره اليومين والثلاثة، كما في المدونة، وإلا بأن لم يعجل بدل الزائف فسد ما يقابله فقط إعطاء للبائع حكم نفسه، لا الجميع على الأحسن.
والقول بفساد الجميع لأبي بكر بن عبد الرحمن، وبفساد ما يقابل لأبي عمران ومختصر ابن شعبان، وصوبه ابن محرز، وبما قررناه يندفع تعقب كلامه بأن بناءه للمفعول يقتضي وجوب الرد.
وأفهم قوله: (زائف) أنه لو كان رصاصًا أو نحاسًا لم يجز أخذها، ولا التعامل بها، وفسد العقد، وبه فسر سحنون المدونة.
أبو عمران: هو ظاهرها.
وجاز للمسلم التصديق للمسلم إليه في وكيل المسلم فيه، كطعام من بيع، الكاف: للتشبيه لا للتمثيل (١)، فيجوز التصديق، وتقدم أنه لا يجوز
التصديق في رأس مال السلم؛ لأنه قد يجد نقصًا، فيغتفره لأجل الأجل، فيمنع لما قابل الأجل من النقص، ثم لك أو عليك يا مسلم إذا أكلته بعد التصديق، فوجدته زائدًا أو ناقصًا على المتعارف بين الناس الزيد والنقص المعروف، لف ونشر مرتب، وإلا يكن الزيد والنقص متعارفًا بل كان متفاحشًا فلا رجوع لك، يا مسلم بما وجدت من نقص، إلا بتصديق من المسلم إليه على النقص أو بينة لم تفارق طعامه من حين قبضه إلى وجدانه ناقصًا.
قال بعضهم: ولا يترك له قدر النقص المتعارف.
وإن لم يكن تصديق ولا بينة حلف المسلم إليه، وصفة يمينه تحليفه إن كان قد اكتاله هو أو قام على كيله حلف، لقد أوفى ما سمى له، أو إن لم يكن اكتاله ولا قام على كيله حلف لقد باعه على ما كتب به إليه، وكيله له فيه لمن كان قد بعمث به إليه، وقيد ابن يونس كون اليمين على هذه
стр. 2311
الصفة الثانية بما إذا بين للمسلم أنه قد بعث به إليه على هذا الكيل، وتبع المصنف تقييده، فقال: إن أعلم مشتريه، وهو: المسلم بذلك، وإلا بأن لم يعلمك به يا مسلم، حلفت أنك وجدته على ما ذكرت من النقص، ورجعت على المسلم إليه مما وجب لك؛ لأنك تقول: إنما رضيت بأمانتك أنت، ولم أظن عدم وقوفك على كيله.
وإن أسلمت عرضًا كثوب مثلًا مما يعاب عليه في طعام أو غيره فهلك بيدك يا مسلم قهو منه، أي: ضمانه من المسلم إليه؛ لانتقال ملكه له بالعقد الصحيح إن أهمل، أي: تركه عندك على السكت، أو أودع عندك، أو ترك عندك على الانتفاع به وضمانه منك يا مسلم، إن هلك بدعواك، ولم تقم بينة بهلاكه عندك، والحال أنه وضع للتوثق بإشهاد أو رهن أو كفيل.
وأشعر قوله: (وضع) بأنه ليس لك حبسه للثمن، ونحوه قول اللخمي، وليس له جنسه لما كان الثمن لأجل، بخلاف البيع على النقد.
ونقض السلم كذا في المدونة، وزاد التونسي بعد حلفه، وتبعه المؤلف، فقال: وحلف المسلم على هلاكه؛ لأنه يتهم على تغييبه، وإلا بأن لم يحلف خير الآخر في نقض السلم أو بقائه وأخذ قيمته.
وإن أسلمت حيوانًا صامتًا أو ناطقًا كبقر أو عبد، أو أسلمت عقارًا كدار أو عرض في طعام أو غيره، فهلك الحيوان وأهدم البناء، واختص بفعل المسلم أو تفريطه في ذلك، وفي انفلات الحيوان أو أباق العبد، أو بفعل أجنبي، فالسلم ثابت، ويتبع الجاني، أي: يتبعه المضمون له من المتبايعين؛ ولذا بني (يتبع) للمفعول، وإن أتلفه المسلم إليه فالسلم ثابت، وكأنه قبضه.
وأشعر قوله: (يتبع الجاني) بأنه معلوم، وهو كذلك، وأما إن جهل، فحكى أبو الحسن الصغير قولين: مشهورهما فسخ المسلم.
والشرط الثاني من شروط السلم: أن لا يكونا أي: رأس المال والمسلم فيه طعامين؛ لما في ذلك من ربا الفضل والنساء في الجنس
стр. 2312
الواحد، ومن ربا النساء في الجنسين، كحنطة في مثلها، أو شعير أو سلت، ولا نقدين: كذهب وفضة، وعكسه، أو كل في مثله.
ويشمل قوله: (طعامين) سلم نخل مثمر في طعام، وهو كذلك عند ابن القاسم، وجوزه سحنون.
تنبيه:
عَدُّ هذا وما بعده من الشروط جار على اصطلاح الفقهاء في التعبير عن المانع بالشرط، وإلا فالتحقيق أنها موانع، إذ وجودها مناف، فهو مانع.
والشرط الثالث: أن لا يسلم شيئًا في أكثر منه جنسًا، كثوب في ثوبين مثله، أو معنى، كسلمه في أجود من جنسه، كالعكس، وهو سلمه في أقل منه، كثوبين في ثوب مثله أو أردأ منه.
ومفهوم كلام المصنف: جواز سلم الشيء في مثله، وهو كذلك في المدونة، ما لم يقصد المسلم نفع نفسه، زاد الشيوخ: ولا نفعهما معًا، أما لو تمحض النفع للمسلم إليه لجاز.
ثم استثنى من قوله: (شيئًا في أكثر)، فقال: إلا أن تختلف المنفعة بالجودة والرداءة، بحيث يصير الجنس كالجنسين، فيجوز حينئذ سلم الشيء في أكثر منه من جنسه كَفَارِهِ الحمر قوة وسرعة ونجابة في الحمر الأعرابية الضعيفة السير المخالفة لملك.
وظاهره: عدم اعتبار الحمل والسير فيها، وحكاه ابن حبيب عن ابن القاسم، وحملها فضل على خلافه، واستظهره المصنف، وأنكره أبو عمران، ولم يذكر المصنف التأويلين على عادته.
ويسلم الواحد من سابق الخيل في أكثر منه من حواشيها، لا برذون هملاج منها، أي: سريع المشي؛ إذ لا تصيره سرعة مشيه مغايرًا لأبناء جنسه، حتى يجوز سلم الوأحد منه في غيره، مما ليس له تلك السرعة، إلا أن يكون هذا الهملاج كبرذون عريض، لا جري فيه ولا سبق، بل يراد لما يراد له البغال من الحمل والسير، فلا بأس أن لسلم الهملاج منها في اثنين من غيره فأكثر.
стр. 2313
تنبيه:
سكت هنا عن البغال، وفي توضيحه أنها مع الحمر جنس، وهو المشهور ومذهب المدونة؛ لمنعه قسمتها بالقرعة، وأجاب الصقلي بأنه احتياط في البابين.
وجاز سلم جمل كثير الحمل في عدة، مما ليس كذلك؛ لتباين المنفعة بكثرة الحمل.
ابن عبد السلام: المعتبر الحمل خاصة، وليس السبق عندهم فيها بمعتبر.
قال المصنف: وينبغي اعتبار كل من الحمل والسبق والسير، وهو الذي قاله اللخمي، ولعل هذا هو الذي أشار له بقوله: وصحح وبسبقه، أي: صحح اعتبار خلاف المنفعة بالسبق أيضًا، وجعل الشارح التصحيح راجعًا لكثرة الحمل، ولم أقف على من صححه، بل حكي صاحب التكملة (١) الاتفاق عليه.
وتختلف المنفعة بقوة البقرة على العمل من حرث ودرس ونحوه،
стр. 2314
قاله اللخمي وغيره، ولو كانت البقرة أنثى على المشهور.
وأشار بـ (لو) لرواية ابن حبيب: المعتبر في الأنثى إنما هو اللبن، والتاء في البقرة للواحدة؛ لوقوعها على الذكر والأنثى.
تنبيهان:
الأول: قال صاحب التكملة: إن (قوة) معطوف على التوهم (١)،
стр. 2315
وكأنه قال: إلا أن يختلف المنفعة بكفراهة الحمر، ولا يجوز عطفه على [ما] سبقه؛ لإيهامه الخلاف في قوة البقرة مطلقًا، وليس كذلك.
الثاني: تعقب قول الشارح: (وذهب ابن حبيب) بأنه يوهم أنه قوله، وإنما رواه، كما قدمناه.
ويعتبر الاختلاف بسبب كثرة لبن الشاة من المعز فتسلم غزيرة اللبن من المعز في اثنين فأكثر مما ليس كذلك.
المازري: اتفاقًا.
وربما أشعر كلامه بمنع شاة لبون بلبن؛ ففي الكافي (١): "لا يجوز أيهما عجله وأخر صاحبه، وهو الأشهر في المذهب، والقياس عندي جوازه" انتهى.
وظاهرها أي: المدونة عند ابن يونس عموم الضأن؛ لدخوله في الشاة، ففيها: لا يسلم ضأن الغنم في معزاها، ولا العكس، إلا شاة غزيرة اللبن موصوفة بالكرم، فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم.