الصفة الثانية بما إذا بين للمسلم أنه قد بعث به إليه على هذا الكيل، وتبع المصنف تقييده، فقال: إن أعلم مشتريه، وهو: المسلم بذلك، وإلا بأن لم يعلمك به يا مسلم، حلفت أنك وجدته على ما ذكرت من النقص، ورجعت على المسلم إليه مما وجب لك؛ لأنك تقول: إنما رضيت بأمانتك أنت، ولم أظن عدم وقوفك على كيله.
وإن أسلمت عرضًا كثوب مثلًا مما يعاب عليه في طعام أو غيره فهلك بيدك يا مسلم قهو منه، أي: ضمانه من المسلم إليه؛ لانتقال ملكه له بالعقد الصحيح إن أهمل، أي: تركه عندك على السكت، أو أودع عندك، أو ترك عندك على الانتفاع به وضمانه منك يا مسلم، إن هلك بدعواك، ولم تقم بينة بهلاكه عندك، والحال أنه وضع للتوثق بإشهاد أو رهن أو كفيل.
وأشعر قوله: (وضع) بأنه ليس لك حبسه للثمن، ونحوه قول اللخمي، وليس له جنسه لما كان الثمن لأجل، بخلاف البيع على النقد.
ونقض السلم كذا في المدونة، وزاد التونسي بعد حلفه، وتبعه المؤلف، فقال: وحلف المسلم على هلاكه؛ لأنه يتهم على تغييبه، وإلا بأن لم يحلف خير الآخر في نقض السلم أو بقائه وأخذ قيمته.
وإن أسلمت حيوانًا صامتًا أو ناطقًا كبقر أو عبد، أو أسلمت عقارًا كدار أو عرض في طعام أو غيره، فهلك الحيوان وأهدم البناء، واختص بفعل المسلم أو تفريطه في ذلك، وفي انفلات الحيوان أو أباق العبد، أو بفعل أجنبي، فالسلم ثابت، ويتبع الجاني، أي: يتبعه المضمون له من المتبايعين؛ ولذا بني (يتبع) للمفعول، وإن أتلفه المسلم إليه فالسلم ثابت، وكأنه قبضه.
وأشعر قوله: (يتبع الجاني) بأنه معلوم، وهو كذلك، وأما إن جهل، فحكى أبو الحسن الصغير قولين: مشهورهما فسخ المسلم.
والشرط الثاني من شروط السلم: أن لا يكونا أي: رأس المال والمسلم فيه طعامين؛ لما في ذلك من ربا الفضل والنساء في الجنس
стр. 2312
الواحد، ومن ربا النساء في الجنسين، كحنطة في مثلها، أو شعير أو سلت، ولا نقدين: كذهب وفضة، وعكسه، أو كل في مثله.
ويشمل قوله: (طعامين) سلم نخل مثمر في طعام، وهو كذلك عند ابن القاسم، وجوزه سحنون.
تنبيه:
عَدُّ هذا وما بعده من الشروط جار على اصطلاح الفقهاء في التعبير عن المانع بالشرط، وإلا فالتحقيق أنها موانع، إذ وجودها مناف، فهو مانع.
والشرط الثالث: أن لا يسلم شيئًا في أكثر منه جنسًا، كثوب في ثوبين مثله، أو معنى، كسلمه في أجود من جنسه، كالعكس، وهو سلمه في أقل منه، كثوبين في ثوب مثله أو أردأ منه.
ومفهوم كلام المصنف: جواز سلم الشيء في مثله، وهو كذلك في المدونة، ما لم يقصد المسلم نفع نفسه، زاد الشيوخ: ولا نفعهما معًا، أما لو تمحض النفع للمسلم إليه لجاز.
ثم استثنى من قوله: (شيئًا في أكثر)، فقال: إلا أن تختلف المنفعة بالجودة والرداءة، بحيث يصير الجنس كالجنسين، فيجوز حينئذ سلم الشيء في أكثر منه من جنسه كَفَارِهِ الحمر قوة وسرعة ونجابة في الحمر الأعرابية الضعيفة السير المخالفة لملك.
وظاهره: عدم اعتبار الحمل والسير فيها، وحكاه ابن حبيب عن ابن القاسم، وحملها فضل على خلافه، واستظهره المصنف، وأنكره أبو عمران، ولم يذكر المصنف التأويلين على عادته.
ويسلم الواحد من سابق الخيل في أكثر منه من حواشيها، لا برذون هملاج منها، أي: سريع المشي؛ إذ لا تصيره سرعة مشيه مغايرًا لأبناء جنسه، حتى يجوز سلم الوأحد منه في غيره، مما ليس له تلك السرعة، إلا أن يكون هذا الهملاج كبرذون عريض، لا جري فيه ولا سبق، بل يراد لما يراد له البغال من الحمل والسير، فلا بأس أن لسلم الهملاج منها في اثنين من غيره فأكثر.
стр. 2313
تنبيه:
سكت هنا عن البغال، وفي توضيحه أنها مع الحمر جنس، وهو المشهور ومذهب المدونة؛ لمنعه قسمتها بالقرعة، وأجاب الصقلي بأنه احتياط في البابين.
وجاز سلم جمل كثير الحمل في عدة، مما ليس كذلك؛ لتباين المنفعة بكثرة الحمل.
ابن عبد السلام: المعتبر الحمل خاصة، وليس السبق عندهم فيها بمعتبر.
قال المصنف: وينبغي اعتبار كل من الحمل والسبق والسير، وهو الذي قاله اللخمي، ولعل هذا هو الذي أشار له بقوله: وصحح وبسبقه، أي: صحح اعتبار خلاف المنفعة بالسبق أيضًا، وجعل الشارح التصحيح راجعًا لكثرة الحمل، ولم أقف على من صححه، بل حكي صاحب التكملة (١) الاتفاق عليه.
وتختلف المنفعة بقوة البقرة على العمل من حرث ودرس ونحوه،
стр. 2314
قاله اللخمي وغيره، ولو كانت البقرة أنثى على المشهور.
وأشار بـ (لو) لرواية ابن حبيب: المعتبر في الأنثى إنما هو اللبن، والتاء في البقرة للواحدة؛ لوقوعها على الذكر والأنثى.
تنبيهان:
الأول: قال صاحب التكملة: إن (قوة) معطوف على التوهم (١)،
стр. 2315
وكأنه قال: إلا أن يختلف المنفعة بكفراهة الحمر، ولا يجوز عطفه على [ما] سبقه؛ لإيهامه الخلاف في قوة البقرة مطلقًا، وليس كذلك.
الثاني: تعقب قول الشارح: (وذهب ابن حبيب) بأنه يوهم أنه قوله، وإنما رواه، كما قدمناه.
ويعتبر الاختلاف بسبب كثرة لبن الشاة من المعز فتسلم غزيرة اللبن من المعز في اثنين فأكثر مما ليس كذلك.
المازري: اتفاقًا.
وربما أشعر كلامه بمنع شاة لبون بلبن؛ ففي الكافي (١): "لا يجوز أيهما عجله وأخر صاحبه، وهو الأشهر في المذهب، والقياس عندي جوازه" انتهى.
وظاهرها أي: المدونة عند ابن يونس عموم الضأن؛ لدخوله في الشاة، ففيها: لا يسلم ضأن الغنم في معزاها، ولا العكس، إلا شاة غزيرة اللبن موصوفة بالكرم، فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم.
стр. 2316
فأطلق وجعلها كالجنس الواحد، واعتبر غزارته في الشاة منهما، وهو مقتضى كلام ابن شاس، وصحح عند ابن الحاجب خلافه، فلا يعتبر في الضأن غزارة اللبن، وعليه تختلف أفراد الغنم بالذكورة والأنوثة.
قال بعض الفقهاء: وهو ظاهر المدونة.
وكصغيرين يجوز سلمهما في كبير من جنسهما؛ لاختلاف المنفعة، وعكسه كبير في صغيرين.
الصفاقسي: اتفاقًا؛ للسلامة من سلف جر نفعًا ومن ضمان بجعل.
أو صغير في كبير، وعكسه: كبير في صغير، فيجوزان إن لم يؤد إلى المزابنة، بأن يطول الزمان طولًا يصير فيه الصغير كبيرًا؛ إذ لو لم يعبتر هذا لأدى إلى ضمان بجعل في الأول، فكأنه قال: اضمن لي هذا لأجل كذا، فإن مات ففي ذمتك، وإن سلم عاد إليّ، وكانت منفعته لك، فهو ضمان بجعل، وهو باطل، أو لجهالة في الثاني.
تنبيه:
ما ذكره المصنف من الجواز هو ظاهر قول المدونة: وتسلف كبار الخيل في صغارها، وكذلك الإبل والبقر.
قال في توضيحه: وعليه حملها ابن أبي زيد وابن لبابة وغيرهما، واختاره الباجي وابن الحاجب، وهو الأصح.
وتؤولت على خلافه، أي: فهمها ابن أبي زيد على خلاف الجواز، وما ذكرناه عن ابن زيد في التأويل الأول والثاني لعله حملها على الوجهين، وفي كلام صاحب التكملة هنا شيء أنظره في الكبير.
ثم شبه في المنع على التأويل، فقال: كالآدمي والغنم، فلا يجوز سلم صغيرهما في كبيرهما، ولا عكسه؛ لتقارب منفعتهما، وبما قررناه يندفع قول صاحب التكملة: (ظاهر التشبيه: أن الحكم فيهما الجواز).
стр. 2317
وتؤولت على المنع، وليس كذلك، ولم يذكر حد الكبير، وقد ذكرناه في الكبير فانظره.
ثم عطف على (فاره)، فقال: وكجذع طويل غليظ في جذع أو جذوع صغار غيره، أي: فيجوز، ونحوه في المدونة، وكسيف قاطع يجوز سلمه في سيفين دونه، قال الشارع: على الأصح انتهى. وسواء كانا دونه في القطع أو الجودة؛ لاختلاف المنفعة.
ولما ذكر حكم الجنس الواحد مع اختلاف منافعه أخذ في حكم الأجناس إذا تقاربت منافعها أو تباعدت، فقال: وكالجنسين بحق سلم أحدهما في الآخر، ولو تقاربت المنفعة فيهما، كرقيق ثياب القطن في رقيق ثياب الكتان، وهي المعبر عنها في المدونة بالقرقبية، وعن القطن بالهروية والمروية؛ لتباين الأغراض، وإذا اعتبرنا اختلاف الأغراض مع اتحاد الجنس فمع اختلافه أولى، ولو تقاربت المنفعة، وهو مذهب المدونة.
قال في الشامل: وهو الأصح.
لا سلم جمل مثلًا في جملين مثله بالجر صفة لجملين، عجل أحدهما، والعجل زيادة، فهو سلف جر نفعا.
ولو أدخل الكاف على (جمل) ليدخل غيره من الحيوان لكان أشمل؛ ولذا قال ابن الحاجب: (ونحو جمل).
وتقرير صاحب التكملة بقوله: (لما كان هذا الفرع كالخارج عما أصله من منع سلم الشيء في أكثر منه تعرض لبيانه، فيجوز سلم جمل في جملين مماثلين له في صفته) وهم.
تنبيهان:
الأول: تقييد الجملين بالمثلية مفهم لاختلاف الحكم عند عدمها، وهو كذلك، لكن على تفصيل فيه، وهو: أن المنقود إن كان أجود من المعجل ومثل المؤجل أو أدنى لم يجز، وإن كان أجود منهما جاز.
الثاني: فهم من قوله: (جملين) أنه لو كان عوض أحدهما دراهم أو
стр. 2318
دنانير لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أفهم، ونحوه في المدونة.
وكطير علم، يجوز سلمه في غير معلم؛ لاختلافهما بسبب التعليم.
ومفهومه: أن غير المعلم كطير الأكل لا يسلم صغيره في كبيره، ولا عكسه من جنسه، وهو كذلك اتفاقًا، ونحوه للمصنف، والذي في ابن عبد السلام: أنه أخرج بطير الأكل طير البيض، ولم يذكر التعليم، وإليه أشار بقوله: لا بالبيض، فلا يختلف به، ولا الذكورة والأنوثة اتفاقًا في غير الآدمي، وأما ما لا يقتنى كالحجل واليمام فكاللحم، لا يباع بعضه ببعض إلا تحريًا يدًا بيد.
ثم بالغ على عدم الاختلاف بالذكورة والأنوثة بقوله: ولو آدميا على الصحيح والأشهر، وأكثر المتأخرين على اختلافه بهما؛ لاختلاف خدمة النوعين، فخدمة الذكور خارج البيت والأسفار، وخدمة الإناث تتعلق بالبيت كالعجن ونحوه.
ولا يختلف الجواري بسبب غزل وطبخ؛ لأنه صفة سهلة التناول، إن لم يبلغ النهاية، بأن تفوق كل منها نظائرها فيهما، ولا يختلف الرقيق بمعرفة حساب أو كتابة، فلا يسلم حاسب في أكثر منه، ولا كاتب كذلك عند مالك وابن القاسم: ذكرًا أو أنثى، لأنه علم لا صناعة، حكاه ابن محرز.
والشيء في مثله فرض، ونحوه في المدونة، وأشار للشرط بقوله: وأن يؤجل المسلم فيه بمعلوم، صفة للمصدر المسبوك من أن والفعل، كقوله قبله: (وأن لا يكونا طعامين).
ثم بين أقل الأجل المعلوم بقوله: زائد على نصف شهر، شهر ابن الفاكهاني أقله خمسة عشر يومًا على المشهور، لأنه مظنة اختلاف الأسواق غالبًا، وحده مالك بما تختلف فيه الأسواق، وإنما عدل عنه ابن القاسم لنصف شهر لخفائه على بعض الناس.
ومقتضى كونه شرطًا فساده بما نقص عن ذلك، وليس كذلك؛ لأنه لو
стр. 2319
أسلم لثلاثة عشر يومًا أو اثني عشر يومًا أو أحد عشر يومًا لكان خلاف الأولى (١) فقط.
تنكيت:
قوله زائد على نصف شهر متعقب من وجهين:
أحدهما: أنه ليس من يقول باشتراط الزيادة على نصف شهر.
ثانيهما: عدم فساده بالنقص السابق.
وقد يجاب عن الثاني بأن ما قارب الشيء له حكمه.
ولما كان التقييد بالأيام غير شرط، بل يقيد بها، وبفعل يعلم من غيرها، فالأول: كالنيروز، وهو أول يوم في السنة القبطية.
اللخمي: إذا كانا عالمين بحساب العجم، وإلا فلا.
ومثل للثاني بقوله: والحصاد والدراس، بفتح أولهما وكسره، وقدوم الحاج، وزمان خروج العطاء؛ لأنه وقت معروف عادة، وسواء حصل الفعل في ذلك الوقت أم لا.
ولما كان زمن هذه الأفعال يتفاوت قال: واعتبر ميقات معظمه، ثم استثنى من التأجيل المذكور، فقال: إلا أن يشترط أن يقبض السلم فيه ببلد غير بلد العقد، فلا يشترط نصف الشهر فأكثر، وإنما يشترط كون مسافة
стр. 2320
ذلك كيومين، يحتمل التحديد بهما، فيكون نحو ما في كتاب محمد، وبه قرره الشارح، ويحتمل والثلاثة، وهو الذي في سلم المدونة الثالث.
المازري: واليوم الواحد. وعليه درج ابن الحاجب ويحتمله كلام المصنف أيضًا على بعد.
المازري: والتحقيق عندي رد جميعها للوفاق، باعتبار عرف زمان كل، أو مفهوم عدد، وهو غير معتبر على أحد قولي الأصوليين، أو خرج على سؤال؛ أو لا مفهوم له.
ثم ذكر شروطه مسافة كاليومين على ما قيد به ابن أبي زمنين بقوله: إن خرج حينئذ، أي: حين العقد بنفسه، أو وكيله فرارًا من جهالة زمن القبض، وأن يكون سفره ذلك ببر أو ببحر بغير يح، فإن سافر بريح لم يجز؛ لجواز قطع المسافة كاليومين فأكثر في ساعة، فيكون سلمًا حالًا، وحينئذ فلا بد من ضرب الأجل.
تتمة:
إذا وكل لم يجز له عزل هذا الوكيل إلا إلى بدل؛ لتعلق الحق يثالث.
والأشهر في أجل السلم بالأهلة، إن وقع العقد في أولها اتفاقًا، وإن وقع في أثناء شهر من ثلاثة حسب الثاني والثالث بالهلال، وتمم الشهر المنكسر عن الرابع ثلاثين يومًا.
والأشهر: معطوف على ميقات.
وإن أجله إلى غاية، كقوله: إلى ربيع مثلًا، حل بأوله، يحتمل أول جزء منه، كما قال ابن الحاجب، فيحمل باستهلاله، ويحتمل ما قال الباجي: أول ليلة مته، وهو أوسع من الأول.
وفسد العقد بأن قال: أقبضتك فيه، أي: في ربيع مثلًا عند ابن لبابة؛ لأنه أجل مجهول، لتردده بين أوله ووسطه وآخره، واختاره المازري؛ ولذا قال: على المقول.
стр. 2321
وقال ابن زرب وغيره: ولا يفسد، ويحكم له بالشهر كله. ومثله في وثائق ابن مغيث.
لا إن قال: أقبضتك في اليوم الفلاني؛ فإنه لا يفسد، ويحمل على طلوع فجره؛ لخفة الأمر فيه.
فرع:
إذا قال لصدر شهر كذا، فقال ابن القطان: ثلثاه أو نصفه.
ابن مالك: أقل من ذلك. واختاره ابن سهل وحده بالثلث لرواية ابن حبيب عن مالك وابن القاسم: من حلف ليقضين غريمه لأجل سماه فلما حل قضاه من حقه صدرًا، مثل: الثلث فما فوقه.
وأشار للشرط الرابع بقوله: وأن يضبط بعادته في ذلك البلد من كيل، كـ: قمح وفول، أو وزن، كـ: لحم وسمن، وكـ: الرطب والبسر في بعض البلاد، وفي بعضها بالكيل، فما كانت العادة فيه الكيل فلا يفتقر إلى الوزن، وكذلك العكس، أو عدد كـ: الرمان والسفرجل ببعض البلاد، وببعضها بالوزن.
وقيس -يحتمل الرمان، ويحتمل المعدود- بخيط، إن أسلم فيه عددًا؛ لاختلاف آحاده بالصغر والكبر، ويجعل تحت يد أمين، أو أحدهما ليوفي على ذلك القياس، فإن أراد أن يوفي أقل، فالمسلم بالخيار في التمسك.
والبيض: عطفا على الرمان، يباع عددًا، وأخره عن قوله: (وقيس بخيط)؛ لئلا يتوهم عوده لهما؛ ليسارة التفاوت فيها، ويضبط بحِمْل: بكسر الحاء وسكون الميم.
وجُرزة: بضم الجيم، وهي: الحزمة من القت.
قال المصنف: قيل: وذلك بأن يقاس بحبل، ويقول: أسلمك فيما يسع هذا، ويجعلانه عند أمين في كـ: قصيل وبقل وقصب، ولا يضبط القصيل ونحوه بفدان، لخفة زرع بعض الأرض، وجوزه أشهب.
стр. 2322
أو يضبط بتحر، أي: باجتهاد فيما يباع تحريًا من لحم وخبز، وهو معطوف على (بحمل) أو (بعادة)، ولا يصح عطفه على (بفدان).
وهل يحصل التحري بقدر كذا، ابن أبي زمنين: كأن يقول: أسلمك في قدر عشرة أرطال لحم من لحم ضأن أو من خبز ونحوه، أو يأتي به، ويقول كنحوه في كل يوم، ويشهد على مثاله؟
قال ابن زرب: تأويلان في فهم قولها في السلم الأول: وإن اشترط في اللحم تحريًا معروفًا جاز، إذا كان لذلك قدر، وقد عرفوه؛ لأن اللحم يجوز بيع بعضه ببعض تحريا.
تنبيه:
قيده ابن أبي زمنين بالقليل، كما ذكره عنه في توضيحه، وتركه هنا.
وفسد إن ضبط بمجهول من كيل أو وزن أو عدد، كملء هذا الوعاء حنطة، أو وزن هذا الحجر زيتًا، أو ذرع ثوب بهذا العصا (١) عشرًا بدينار.
стр. 2323
وإن نسبه، أي: ذلك المجهول لمعين، كملء هذا الوعاء، وهو إردب، أو وهذا الحجر عشرة أرطال، أو وهذا العصا ذراعان، ألغي المجهول، وصار المعتبر هذا المعين، وهو عقد صحيح.
وجاز أن يضبط المسلم فيه المذروع بذراع رجل معين، أي: ذراع يده.
ومفهوم (معين): المنع لو لم يعين الرجل، وهو كذلك، وسمع أصبغ ابن القاسم: يحمل على ذراع وسط.
أصبغ: وهو استحسان، والقياس فسخه.
وظاهر كلام المصنف: الجواز، ولو نصب القاضي ذراعًا للناس، وهو كذلك.
وقيل: إن نصب وجب الحكم به، ولم يجز اشتراط معين غيره.
كَوَبْيَةٍ وحفنة أي: معها، فإنه جائز، وان اختلفت الحفنة ليسارتها، حكى المصنف عن سلمها الثاني: من أسلم في ثياب موصوفة بذراع رجل بعينه إلى أجل جاز، إذ أراه الذراع، وليأخذا قياس الذراع عندهما، كما أجاز شراء وبية وحفنة بدرهم، إن أراه الحفنة؛ لأنها تختلف.
وفي جواز الوبيات والحفنات أي: معها، وهو قول أبي عمران، وظاهر الموازية، ومنعه، وهو نقل عياض عن الأكثر وسحنون قولان.
وأشار للشرط الخامس بقوله: وإن تبين صفاته التي تختلف بها القيمة اختلافًا يتغابن الناس بمثله في السلم عادة، أي: من جهة العادة؛ لأن بعض الصفات يختلف به نوع دون آخر، فما لم يوجد فيه هذا الضابط لا يجوز السلم فيه.
ومفهومه: أن ما لا تختلف به القيمة من الصفات لا يجب بيانه، كذا مشى عليه هنا، مع تعقبه تعبير ابن الحاجب بذلك، قائلًا: عبارة غيره أقرب؛ لأنهم يقولون يبين في السلم جميع الأوصاف التي تختلف بها الأغراض، واختلاف الأغراض لا يلزم منه اختلاف القيمة؛ لاحتمال أن
стр. 2324
يكون ما يتعلق بالغرض صفة يسيرة عند التجارة، أو تخلفها صفة أخرى انتهى.
وفيه بحث انظره في الكبير، وربما أَشعر قوله: (تبين صفاته) باشتراط علمهما بها ولغيرهما، وهو كذلك، وإلا فمتى اختصا بها أدى للنزاع بينهما.
[الصفات الواجب بيانها: ]
ثم شرع في بيان الصفات الواجب بيانها، وتقع بها اختلاف القيمة والأغراض، فقال: كالنوع يحتمل حقيقة، كـ: الإنسان والفرس، ويحتمل الصنف، كـ: رومي وحبشي، ويبين مع ذلك الجودة والرداءة والمتوسط بينهما، نص عليه المتيطي، وزعم بعضهم أنه بتشديد المثناة التحتمة.
ويزيد اللون في الحيوان، أطلق ليشمل الرقيق، كـ: شديد السواد أو أحمر مثلًا، ودهمة الفرس أو حمرته مثلًا، ومثله لابن الحاجب، وتبعه مع تعقبه له بقول سند: لا يعتبر عندنا اللون في غير الرقيق.
قال: ولم يذكر المازري غيره.
ويزاد في الثوب على ما تقدم اللون كـ: بياض أو سواد أو غيره.
والعسل: عطف على الحيوان، فيبين فيه النوع: مصريًا أو غيره، والجودة والرداءة وبينهما، وخاثرًا أو رقيقًا، وصافيًا أو غيره، واللون، ومرعاه: شيحًا أو غيره؛ لاختلافه بذلك، ويزيد بذلك.
ويزيد في التمر والحوت بعد الأوصاف الأربعة السابقة، فالنوع في التمر: صيحاني وبرني وغيره، والجودة والرداءة وبينهما، والنوع في الحوت: كبياض وبلطي وغيره، وجيد ورديء وبينهما.
قال صاحب التكملة: ولم أر اشتراط اللون في الحوت.
وقال غيره: لم أقف على اشتراط المرعى في العسل.
ويرشح ما قال المصنف بقول ابن عرفة: حاصل أقوالهم وصف كل نوع تختلف أصنافه بما يعين الصنف المسلم فيه دون غيره.
стр. 2325
ويزيد فيهما الناحية المأخوذة منها، ففي التمر مدنيًا أو غيره، وفي الحوت من المكان الفلاني والقدر.
قال بعضهم: يزيد في التمر كبيرًا أو صغيرًا أو وسطًا، وفي الحوت طوله وعرضه أو وزنه، ففي المدونة: من أسلم في تمر ولم يذكر صيحانيًا من برني، ولا جنسًا من التمر، أو ذكر الجنس ولم يذكر جودة ولا رادءة فالسلم فاسد، حتى يذكر الجنس والصفة.
وفيها: السلم في الحوت الطري جائز، إذا سمى جنسًا منه، وشرط ضربًا معلومًا صفته وناحيته، إذا اسلم فيه قدرًا أو وزنًا.
قال صاحب التكملة: قول الشارح: (وفي التمر والحوت معطوفان على قوله: "يبين في الحيوان") فيه نظر؛ لأنه لم يقل: في الحيوان يبين، وإنما هو الذي قدره، وليس بلازم، والأولى عطفه على "الحيوان"، بل لو قاله لكان فيه أيضًا نظر؛ وذلك لأنه حينئذ يكون معطوفًا على "في الحيوان" لا على "يبين".
وقوله: "والناحية والقدر" معطوفان على "كالنوع" فيه نظر، وهو في غاية البعد، بل على "مرعاه"، أي: ويزيد فيها الناحية والقدر، والأحسن أن يقال: وفي التمر معطوف على في الحيوان، وكان يجوز إسقاط "في" والعطف على الحيوان؛ لأن العطف على الاسم الظاهر يجوز فيه إعادة الجار، بخلاف الضمير.
وفي البر معطوف على الحيوان، وجدته: عطف على (مرعاه)، أي: يجب ذكر الأربعة في البر ويزيد جدته أو قدمه، إن اختلف الثمن بهما، واللَّه اعلم.
تتمة:
قال ابن فتوح: يستحب ذكر كونه قديم عام أو عامين. بعض الموثقين: لا بد من ذكر دفع أي عام؛ إذ منه ما يجعل في المطمر والإهواء والغرف وملئه وضامره.
стр. 2326
إن اختلف الثمن بهما؛ إذ الضامر يقصد للزراعة لا للأكل، وعكسه الممتلئ، فإن لم يختلف بهما الثمن لم يجب ذكرهما، ويذكر كونه سمراء، وهو قمح الشام أو محمولة أي: بيضاء، وهو قمح مصر، ببلد منونا، هما به، أي: بالبلد تنبتان فيه، أو يحملان إليه.
وجعل صاحب التكملة (ببلد هما) ضمير تثنية لـ (سمراء) و (محمولة)، وضمير (به) للشرط، وهو اختلاف الثمن بهما.
ورأى ابن حبيب إن كانا يحملان إليه لا يفسد بترك بيانه، ورأى الباجي أن مقتضى الرواية خلاف قوله، وإليه أشار بالمبالغة بقوله: ولو بالحمل، أما بلد ليس فيه إلا أحدهما فلا يحتاج إلى بيان؛ ولذا قال: بخلاف مصر فالمحمولة، إذ ليس فيها غيرها، ويقضى بها، وصرح به وإن فهم من قوله ببلدها به لعدم لزوم اعتباره.
ويزيد نفي الغلث بنون ففاء فمثلثه: ما يخلط بالطعام من تراب وغيره ليكثر بذلك، فإن لم يذكره عمل عليه؛ لأنه الغالب.
وفي بعض النسخ بنون فقاف وغلث، وفي بعضها وغلث.
ابن عبد الغفور: ولو قال: (قمحًا طيبًا ولم يزد جيدًا) صح.
ابن لبابة: لا بد من جيد، وإلا فسد على مذهبهما.
وإذا أسلم في الحيوان الناطق أو غيره من ذكر الأوصاف السابقة، وزاد سنه، فيقول في الرقيق يفاع أو مراهق أو بالغ مثلًا، ويقول في غيره: جذع أو ثني أو غيره، أو يقول: سنه سنتان أو ثلاث مثلا.
ويزيد فيه الذكورة والسمن وضديهما: الأنوثة والهزال.
قال صاحب التكملة: انظر من شرط السمن في الحيوان.
وقد شرطوه في اللحم كما يأتي، ويزيد في اللحم على ما تقدم، وكون المأخوذ منه خصيًا أو فحلًا، وراعيًا أو معلوفًا، قاله المازري.
وخصيًا: منصوب عطفًا على صفاته.
стр. 2327
لا من كجنب فلا يشترط ذكره.
وظاهره: ولو اختلفت الأغراض بذلك، خلافًا لعبد الوهاب.
قيل لابن القاسم: أيحتاج لذكر كونه من جنب أو يد.
قال: لا، إنما يقوله أهل العراق، وهو باطل.
قيل له: فلو قضاه مع ذلك بطونا فلم يقبلها.
قال: أفيكون لحم بلا بطن؟ !
قيل: فما قدره؟
قال: (قد جعل اللَّه لكل شيء قدرًا) البطن من الشاة.
قال اللخمي: بيع البطون وحدها عادة مصر.
ويذكر في الرقيق ما تقدم، ويزيد القد، فيقول: طويلًا أو قصيرًا، وربعة أو طوله أربعة أشبار مثلًا، ويزيد أيضًا البكارة والثيوبة، وعلياء أو وخشاء.
ويزيد اللون وذِكْر الجنس في الرقيق مغن عنه، فجنس النوية السواد، والروم البياض، والحبش السمرة، لكن يحتاج على هذا البعض عرضيات اللون، كالذهبي والأحمر وشدة البياض.
وربما يندفع بهذا قول الشارح: (تقدم اللون في الحيوان وهو مغق عن هذا)، ويقع في بعض النسخ سقوطه، فيندفع ما قاله.
قال المازري: ويزيد كالدعج، وهو شدة سواد العين مع وسعها، ودخل بالكاف الشهولة والكحلة والزرقة.
وتكلثم الوجه بالمثلثة، أي: اجتماع لحمه بلا جهومة، أي: كلح، وهو تكسر في عبوس.
تتميم:
قال ابن فتوح: ويصف الأنف بالقناء أو الشمم أو الفطس، ولون
стр. 2328
الشعر، وحال سبوطته أو جعودته، وسائر الصفات المذكورة في بابها.
تنبيه:
قال صاحب التكملة: لم يذكر المصنف البكارة والثيوبة إلا عن المازري، فإن كانا مختصين به (١) فكان ينبغي ذكرهما بعد.
قال: وفي الثوب يزيد على ما تقدم، والرقة والصفاقة وضديهما: الغلظ والخفة والطول والعرضى.
ظاهره: ولا يحتاج مع ذلك لذكر الوزن، ونحوه في المدونة.
ويزيد في الزيت الجنس المعتصر منه زيتونًا أو سمسمًا أو غيره، ويزيد كونه شاميًا أو مغربيًا أو نحوه، ويزيد بما يعصر به من معصرة، أو ماء؛ لاختلاف الثمن بذلك.
تنبيه:
إذا اجتمع زيت بلدان ببلد فليذكر ما يسلم فيه.
وحمل السلم في اشتراط الجيد والرديء على الغالب منه، إن وجد، وإلا يكون غالبًا فالوسط من الجيد أو الرديء، ولا يقضى بالوسط أولًا، وفي النكاح يقضى به أولًا، وقد يفرق بالمشاحة في البيع دون النكاح (٢).
стр. 2329
وأشار لسادس الشروط بقوله: وكونه أي: المسلم فيه دينًا، متعلقًا بذمة البائع اتفاقًا؛ لئلا يكون بيع معين يتأخر قبضه، فإن لم يكن في ملك البائع فغرر ظاهر، وإن كان في ملكه فبقاؤه على ذلك الوصف مشكوك فيه.
فائدة:
تعريف ابن عبد السلام الذمة بأنها أمر تقريري يفرضه الذهن لا ذات ولا صفة، رده ابن عرفه بلزوم كون معنى قولنا إن قام زيد ونحوه ذمة، والصواب تعريفها بأنها ملك شمول كلي حاصل أو مقدر فيخرج عنه ما أمكن حصوله من نكاح أو ولاية أو وجوب حق في قصاص أو غيره، مما ليس معمولًا؛ إذ لا يسمى ذلك في العرف ذمة.
وأشار للشرط السابع بقوله: ووجوده عند حلوله؛ إذ لو فقد عنده لكان الثمن تارة ثمنًا وتارة سلفًا، ولا يشترط وجوده في جميع الأجل؛ ولذلك بالغ بقوله: وإن انقطع قبله؛ لأن ما ينقطع لا يشترط أخذه إلا في إبانه، وإن اشترط أخذه في غير إبانه لم يجز؛ لأنه شرط ما لا يقدر عليه، خلافًا لأبي حنيفة في اشتراط عدم انقطاعه (١).
стр. 2330
تنبيه:
بالغ هنا بـ (إن) دون (لو) لما أسلف في صدر الكتاب أنه يشير بـ (لو) إلى خلاف مذهبي، وبهذا يرد على صاحب التكملة حيث قال: المبالغة بلو أحسن.
ولما كان الشرط تحقق وجوده عند حلوله قال: لا نسل حيوان عين وقل؛ للعلة السابقة، أو لكونه من بيع الأجنة، للنهي عنه، وقيد بالعلة تبعًا لابن الحاجب وابن شاس، لعدم تعذر ذلك مع الكثرة.
أو حائط عين وصغر، فلا يجوز السلم في ثمره ولا طعامه ولا حبه، وحذف (عين وقل) من هذه لدلالة ما قبله عليه.
ومفهومه: الجواز مع كبره، أو ثمر بلد بعينه، كـ: مصر وخيبر ووادي القرى.
ثم ذكر شروط جواز السلم في ثمر الحائط الصغير بقوله: وشرط إن سُمي سلمًا لا بيعًا إزهاؤه، للنهي عن البيع قبله، وهذا أول الشروط.
وأخرج البيع، لأن الجواز معه لا يشترط فيه جميع هذه الشروط، بل بعضها، لأنه عزيمة، والسلم رخصة، فاحتيط فيه لخروجه عن الأصل باشتراط ما لا يشترط في الأصل.
وأشار لثاني الشروط بقوله: وسعة الحائط للاستيفاء منه، دفعًا للضرر.
ولثالثها بقوله: وكيفية قبضه لهما متواليًا، أو كل يوم كذا، لا ما شاء؛ دفعًا للجهالة.
стр. 2331
ولرابعها بقوله: وأن يسلم لمالكه؛ لأنه لو كان لغيره لتعذر التسليم؛ إذ قد لا يبيعه مالكه.
ولخامسها بقوله: وشروعه في الأخذ لشراء العقد، أو مما قرب منه؛ ولذا قال: وإن نصف شهر، كما في المدونة.
وقيل: عشرون يومًا.
وقيل: يمتنع التأخير.
وكان الأحسن على قاعدته الإشارة بـ (لو).
ولسادسها بقوله: وأخذه بسرًا أورطبًا، ولا يؤخره ليتتمر لبعد ما بين البسر أو الرطب وبين التتمير، فيدخله الحظر.
تنبيه:
جعل المصنف في توضيحه لكيفية أخذه ثلاثة شروط:
أحدها: كونه مؤجلًا.
ثانيها: كل يوم كذا.
ثالثها: القدر من كيل أو وزن أو عدد، فصارت على ما فيه ثمانية شروط.
فإن شرط المشتري تتمر الرطب، أي: تتمر ما اشتراه رطبًا مضى البيع بقبضه تمرًا قبل الاطلاع على فساده اتفاقًا، وكذا عند ابن القاسم إذا اطلع عليه، ثم غفل عنه، حتى تيبس.
وهل المزهي كذلك أي: اشتراط تتمره كالرطب، وعليه الأكثر من المشايخ، كـ: الصقلي وابن أبي زيد وغيرهما، أو كالبيع الفاسد، يفسخ مطلقًا، ولا يمضي، أى: مما يمضي به الفاسد، وهو رأي ابن شلبون؟ تأويلان في فهم قولها: إن أسلم بعد زهوه، وشرط أخذ ذلك تمرًا لم يجز، لبعد ذلك، وقلة أمن الجوائح فيه.
стр. 2332
فإن انقطع تمر ذلك الحائط بعد قبض بعضه لزمه ما أخذ بحصته من الثمن، ورجع بحصة ما بقي اتفاقًا.
واختلف: هل يرجع على حسب القيمة في أوقاته؛ لدخوله على أن يأخذ شيئًا فشيئًا كالأكرية، وعليه الأكثر، كـ: ابن محرز وجماعة، أو على حسب المكيلة كالجائحة في شراء جميعه لابن سحنون عن ابن مزين عن عيسى بن دينار تأويلان (١).
وهذا ما لم يكن اشترط عليه أخذه في يومين، فإن اشترطه رجع بحسب المكيلة اتفاقًا، وليس في كلامه ما يشعر بهذا.
تنكيت:
في قوله: (رجع بحصته) إجمال؛ لأنه يحتمل كونه معجلا أو لا، ونص في المدونة على تعجيله، فإن تأخر لم يجز؛ لأنه فسخ دين في دين.
وهل القرية الصغيرة كذلك، أي: كالسلم في ثمن حائط بعينه من كل وجه، فيشترط هنا كل ما هناك من الشروط، أو هي كذلك، أو لا تخالفه إلا في وجوب تعجيل النقد فيها، أي: في القرية، وعدم وجوبه في الحائط.
وفرق أبو محمد بأن هذا مضمون بخلاف الحائط؛ لأنه القرية تشتمل على حوائط وجهات يتميز بعضها عن بعض، لا يدري المسلم من أيها يأخذ؛ ولذا كان مضمونًا في الذمة، والحائط ليس كذلك، فلم يضمن.
أو تخالفه فيه، أي: في وجوب النقد في القرية دونه، وفي جواز
стр. 2333
السلم لمن لا ملك له، أي: في القرية، بخلاف الحائط لا يسلم إلا لمالكه، فيخالفه في وجهين؟ تأويلات ثلاث.
وإن انقطع، أي: ما مسلم فيه من قرية مأمونة صغيرة كانت أو كبيرة ما له إبان: بكسر الهمزة وتشديد الموحدة، أي: وقت معين يأتي فيه، أو من قرية معينة قبل قبض شيء منه، خُيِّر المشتري في الفسخ عن نفسه، وفي الإبقاء للعام القابل، إذا ألحق له.
وظاهره: سواء كان تأخير الحق بسببه أو بسبب البائع، فإن كان الثاني فكما قال، وإن كان الأول فقال ابن عبد السلام: ينبغي عدم تخييره؛ لظلمه البائع بالتخيير، فتأخيره بعد ذلك بزيادة ظلم.
ويشمل كلامه ما إذا لم يقم حتى دخل الإبان في العام القابل، وهو كذلك.
وإن قبض البعض وتأخر البعض لفقده وجب التأخير، إن دعي إليه أحدهما، إلا أن يرضيا بالمحاسبة، فلهما ذلك في صورتين:
إحداهما: ما له إبان ثم ينقطع، كما في المدونة.
والأخرى: أن يسلم في ثمر قرية مأمونة فيجب التأخير، إذا طلبه أحدهما، إلا أن يرضيا بالمحاسبة، ورجع إليه مالك فيهما، وصوب لتعلق السلم بالذمة، فلا يبطل ببطلان الأجل كالدين.
وقولنا: (مأمونة) لأن المصنف أسلف ما في مسألة المعينة، وإذا رضيا بالمحاسبة جاز عند ابن القاسم، ولو كان رأس المال مقومًا، كالثياب والحيوان؛ لجواز الإقالة على غير رأس المال (١).
стр. 2334
وأشار بـ (لو) لقول سحنون: لا يجوز إلا إذا كان شيئًا ليأمنا من خطأ التقويم، انظر علته في الكبير، وهذا آخر الكلام على شروط السلم وجمعها بعضهم نظمًا، انظرها في الكبير.
ثم شرع فيما إذا كملت الشروط، فقال: ويجوز السلم فيما طبخ من لحم وغيره، وفي اللؤلؤ للعذرة، على حصر صفته بذكر جنسه وعدده ووزن كل وصنعتها، والعنبر وفي الجوهر، هذا من عطف عام على خاص، والزجاج والجص والزرنيخ، وصنوف الفصوص، وفي أحمال الحطب وزنًا أو حزمًا، كملء هذا الحبل في طول كذا، ويوضع الحبل عند أمين، ويوصف نوعه من ضبط أو غيره.
وفي الأدم بفتح الهمزة والدال، جمع: أديم، مثل أنق وأنيق، وقد يجمع على أدمية، مثل رغيف وأرغفة، عن أبي نصر، وهو يحتمل أمرين:
- عطفه على الحطب، فيكون الحمل معتبرًا فيه.
- أو أحمال، فيكون أسلم مثلًا في عدة كعشرة أو عشرين مثلًا، أو غير ذلك.
ويجوز في صوف بالوزن لا بالجزر عددًا؛ لاختلافهما بالصغر والكبر، أي: إلا أن يشتري ذلك عند إبان جزازه، ولا تأخير لذلك، ويرى الغنم، فلا بأس بذلك في نصول السيوف والسكاكين.
وجاز السلم في تور، بالمثناة الفوقية: إناء يشبه الطشت بفتح الطاء وكسرها بمثناة فوقية في آخره، وبدونها، صنع بعضه ليكمل، بخلاف نسج بعضه ليكمل، فإنه ممتنع.
وفرق الإمام بينهما بإمكان إعادة التور إن جاء على غير ما اشترط فيه، بأن يكسره ويعيده.
стр. 2335
وجاز الشراء من دائم العمل كالخباز والقصاب على أن يأخذ منه كل يوم كذا على المشهور، وهو بيع فلا يشترط فيه تعجيل رأس المال، ولا تأجيل الثمن، فيجوز كونهما حالين أو مؤجلين، ويشترط فيه الشروع في الأخذ ووجوده عنده للنهي عن بيع ما ليس عنده.
ولو لم يدم عمله، بأن كان يعمل مرة ومرة، واشترى منه على هذه الحالة، فهو سلم لا بيع، فيشترط فيه شروط السلم، ويشترط فيه أن يبقى المسلم فيه لأجل السلم فأبعد، وتقديم رأس المال، فإن تعذر شيء من المسلم فيه تعلق بالذمة، كاستصناع سيف أو سرج، شبه بما قبله في كونه سلمًا، فيشترط فيه شروطه:
[١] من وصف العمل.
[٢] وضرب الأجل.
[٣] وتقديم رأس المال.
وأشار لثالثها بقوله: وفسد بتعيين المعمول منه، كطشت من هذا النحاس، أو سيف من هذا الحديد، ولما كان تعيين العامل كتعيين المعمول منه اكتفى عنه به.
قال في المدونة: لو شرط عمله من نحاس أو حديد بعينه أو جواهر معينة أو عمل رجل بعينه لم يجز.
وإن اشترى المعمول منه واستأجره على عمله جاز على المشهور من جواز البيع والإجارة، إن شرع المسلم إليه في العمل، وسواء عين المسلم عامله أم لا، خلافًا لسحنون في منعه البيع والإجارة، إذا كان محل الإجارة في نفس المبيع.
وفارقت هذه المسألة التي قبلها بأن التي قبلها لم يدخل فيها المبيع في ملك المشتري أولًا، وهذه دخل في ملكه، ثم أجره على عمله.
стр. 2336
تنبيه:
قال في توضيحه: والجواز مقيد بما إذا كان خروجه معلومًا، وأما إن اختلف كبيعه ثوبًا على أن على البائع صبغه أو نسجه أو بيعه خشبة على أن يعملها تابوتًا فممنوع، ولم يذكر هذا القيد هنا.
ثم أخرج من الجائز، وهو قوله: (فيما طبخ)، فقال: لا فيما لا يمكن وصفه، كـ: تراب المعدن؛ لأن صفته لا تعرف، والأرض والدار، مثله لابن الحاجب، وتبعه مع تعقبه له بقوله في التمثيل عما نظر؛ لأنه يمكن وصفهما، وإنما امتنع السلم فيهما؛ لأن وصفهما مما تختلف الأغراض به، فيستلزم تعيينهما، فيؤدي إلى السلم في معين.
ويمنع السلم في الجزاف، فهو معطوف على ما لا يمكن وصفه، وإنما منع فيه لأن من شرط جوازه رؤيته، وهو معها معين، فيصير معينًا بتأخر قبضه.
ويمنع في ما لا يوجد جملة لعدم القدرة على تحصيله أو نادر ككبار اللؤلؤ.
ويمنع في حديد وإن لم تخرج منه السيوف في سيوف أو بالعكس، فلا تسلم السيوف في حديد خرج منها سيوف أم لا.
وعزا المذهب لابن القاسم في هذه الصورة أبو الحسن، وقال عن سحنون: لا بأس، يسلم حديد لا يخرج منه سيوف في سيوف لأجل. وكذا في تهذيب الطالب عن عبد الحق هو وفاق للكتاب.
قال صاحب التكملة: وعلى هذا فكان ينبغي للمؤلف أن يقول تأويلان انتهى.
تنكيت:
إنما لم يقل ذلك لقوله في توضيحه عن ابن بشير: إن ما تأوله عبد الحق غير صحيح، ووجه المنع عند ابن القاسم: أن السوف مع الحديد كشيء واحد، والقاعدة: أن لا يسلم شيء في جنسه، ولا فيما يقرب منه،
стр. 2337
لكن لما كان الحديد لا يخرج منه سيوف كأنه من غير جنس السيوف، وكان القياس سلمها فيه وهو فيها، لكن منعوه حماية؛ لئلا يتذرع بما تباين لما تقارب.
ويمنع سلم شعر كتان غليظ في رقيقه، إن لم يغزلا؛ لأنه يؤدي لابتداء دين بدين؛ لأن كلًا منهما لا يقبض ما له، إلا بعد تهيئته.
ومفهوم الشرط: جوازه إن غزلًا.
قال في التهذيب: لو أجزت السيوف في الحديد، لأجزت حديد السيوف في الحديد، الذي لا تخرج منه السيوف، ولأجزت الكتان الغليظ في الرقيق.
ابن ناجي: لأن غليظ الكتان قد يعالج فيجعل منه ما يجعل من رقيقه، ويعني به الشعر لا الغزل.
تنبيه:
هذا تقرير ها المحل، لا ما قرره به الشارح، وتبعه صاحب التكملة وبعض مشايخي من أن معناه يمتنع سلم الغليظ من غزل الكتان فيما رق منه إذا وقع العقد قبل غزلهما؛ لأن كلًا من المتبايعين لا يدفع لصاحبه ذلك إلا بعد أن يهيئه، وهو يؤدي لابتداء الدين بالدين.
ولا يجوز السلم في ثوب نسج بعضه ليكمل للمسلم، وتقدم الفرق بينه وبين تور ليكمل، فإنه جائز.
ولما ذكر ما يختلف به الجنس من منفعة وخلقة وصنعة متعلقة بالآدمي شرع في الصفة المتعلقة بالجماد، وهو ثلاثة:
[١] مصنوع في غيره.
[٢] وعكسه.
[٣] ومصنوع في مثله.
وأشار للأول بقوله: ويمنع السلم في مصنوع قدم في أصله غير
стр. 2338
المصنوع، وذلك المصنوع لا يعود غير مصنوع مع كونه هين الصنعة، ومثَّلَه بقوله: كالغزل يسلم في كتان، وكأن صنعته لم تخرجه عن أصله على المشهور عند المازري، والأشهر عند ابن الحاجب، ويأتي مفهوم (لا يعود)، بخلاف النسج؛ لأن صنعته غير هينة، فيجوز سلم ثوب من كتان في غزل كتان، أو في كتان، أو شقة صوف في غزل صوف، أو في صوف؛ لتباين الأغراض والمنافع، إلا ثياب الخز، فلا يجوز سلمها في الخز؛ لأنها تنفش وتصير خزًا، وإن قدم أصله، بأن أسلم غير المصنوع ككتان أو نحاس في مصنوع كثوب أو قدر، عكس التي قبلها اعتبر الأجل.
فإن أمكن أن يجعل فيه غير المصنوع مثله منع للمزابنة؛ إذ حاصلة الإجارة بالفضل إن كان، وإلا فعمله مجان، وإن لم يمكن أن يصنع جاز؛ لانتفاء المانع.
ودليل اعتبار الأجل ما في سلمها الثالث: لا خير في شعير نقدًا في قصيل لأجل، إلا لأجل لا يصير الشعير فيه قصيلًا.
تنبيه:
عدل عن أن يقول: (وإن قدم الأجل لمصنوع اعتبر الأجل) (١)، وتبع ابن الحاجب في قوله: (وإن قدم أصله)، لقوله في توضيحه: إنه أشمل؛ إذ هو يشمل سلم غزل في ثوب، بخلاف ما لو قال: (المصنوع)، على أنه قال في توضيحه: فيه إطلاق؛ إذ مقتضاه إلى الأصل إذا قدم اعتبر به الأجل، سواء هانت الصنعة أم لا، ولا يصح، لأن ما هانت فيه الصنعة يمنع، سواء قدم أصله عليه، أو العكس: طال الأجل، أم لا؛ لأنه استغنى بما تقدم انتهى. ويجاب عنه بما أجاب به.
ثم تكلم على مفهوم قوله: (لا يعود) بقوله: وإن عاد المصنوع، أي: أمكن عوده، اعتبر الأجل فيهما، أي: في إسلام المصنوع في أصله، وإسلام أصله فيه، فإن وسع الأجل جعل المصنوع من أصله، أو جعل
стр. 2339
أصله منه لم يجز السلم، وإلا جاز، كإسلام آلة من نحاس أو رصاص وعكسه.
تنبيهان:
الأول: قال ابن هارون: هذا حسن إذا قدم الأصل، وأما عكسه فمذهب المدونة المنع، وأجازه يحيى بن عمرو البرقي انتهى. واستظهره ابن عبد السلام، وتبعها المصنف قائلًا: وأما إذا قدم المصنوع في غيره فلا معنى لاشتراط الأجل فيه؛ إذ يبعد أن يفسد المصنوع، ويزيد عليه من عنده، ثم يدفعه للمسلم، إلا أن يحمل على صورة نادرة بأن يكون المصنوع قليل الثمن لقدمه، أو لغير ذلك، فإذا زالت صنعته ظهرت له صورة، وفيه بعد انتهى.
الثاني: أخر المصنف هذا المفهوم عن منطوقه اختصارًا، وأما ما لا يجيب عنه بأنه أخره لمشاركة ما قبله في اعتبار الأجل فغير ظاهر.
والمصنوعان من جنس واحد يسلم أحدهما في الآخر، يعودان أي: يمكن عودهما لأصلهما، ينظر للمنفعة، فإن تقاربت كإبريق نحاسي في مثله منع، وإن تباعدت بأن يقصد من أحدهما غير ما يقصد من الآخر، كإبريق في طست، أو مسامير في سيف: جاز.
وفيها: لا خير في سيف في سيفين دونه، لتقارب المنفعة، إلا أن يبعد ما بينهما في الجودة والقطع.
تنكيت:
تبع ابن الحاجب في قوله: (يعودان)، مع تعقبه له بأن العود يوهم أنهما لو كانا لا يعودان كرقيق ثياب في مثلها إن اتحد الجنس لا ينظر للمنفعة، وليس كذلك؛ إذ لا فرق بينهما.
ثم شرع في بيان المسلم فيه، فقال: وجاز للمسلم قبل زمانه أي: أجل المسلم فيه قبول مساوئ صفته، فإن أتاه حينئذ وأبي من أخذه لم يلزمه؛ لأن الأجل في السلم من حقهما معًا.
стр. 2340
وظاهره: ولو قرب الأجل، وهو كذلك، وتحرز بقوله: فقط عن الأجود منه أو الأدنى؛ فإنه لا يجوز؛ لما في الأول من حط الضمان وأزيدك، وفي الثانى من ضع وتعجل، كقبل محله أي: يجوز قبوله قبل موضعه في العرض مطلقًا، حل أجله أم لا، وجاز قبل موضعه في الطعام إن حل الأجل.
وظاهره: كان للعرض حمل كالثياب أم لا كالجواهر، وهو كذلك على المشهور.
وظاهره: أيضًا كان الطالب لذلك المسلم أو المسلم إليه.
ومفهومه: لو كان عينًا لجاز قبوله.
ومحل الجواز إن لم يدفع بائعه كراء لحمله من موضع القبض لموضع القضاء، فإن دفع لم يجز، قاله في المدونة، وزاد: لأن البلدين بمنزلة الآجال.
قال صاحب التكملة: وهذا المنع عام في الطعام وغيره، وتزيد علة الطعام بيعه قبل قبضه والنسيئة؛ لأنه أخذه عن الطعام الذي يجب له ليستوفيه من نفسه في بلد الشرط والتفاضل بين الطعامين، ويزاد في الطعام وغيره سلف جر نفعًا، إذا كان المأخوذ من جنس رأس المال وسلف.
ولزم قبول المسلم فيه بعدهما، أي: بعد حلول الأجل، وبعد الوصول لموضع القضاء.
ففي البعدية في الثاني تأويل، أشار له صاحب التكملة بقوله: في البعدية تسامح.
كقاض يلزمه القبول، إن غاب المسلم عن موضع القبض، ولا وكيل له، ودفعه المسلم إليه للقاضى؛ لأنه في معنى وكيله.
تنبيه:
ما ذكره هنا مثله في المدونة في باب المفقود.
стр. 2341
قال المصنف: وظاهر عيوبها خلافه.
وجاز للمسلم قبول أجود مما أسلم فيه، وهو حسن قضاء، وعبر بالجواز لأنه لا يلزمه قبوله؛ لأن الجودة كالهبة، ولا يلزم قبولها.
تنبيه:
قول ابن الحاجب تبعًا لابن شاس: يلزم قبوله لحصول الغرض وزيادة.
قال في التوضيح: المذهب خلافه؛ لما في صرفها من قراضته دراهم يزيدية فقضاك محمدية، وأقضاك دنانير عتقًا من هاشمية أو سمراء من محمولة أو من شعير لم تجبر على أخذها حل الأجل أو لم يحل، والمحمدية والعتق والسمراء أفضل.
وجاز قبول أردأ؛ لأنه حسن اقتضاء، لا أقل مقدارًا، فلا يجوز كعشرة مثلًا عن أحد عشر، أو اردبًا عن أقل منه أو أجود، إلا أن يأخذ ذلك الأقل عن مثله، ويبرأ مما زاد؛ لأنه على وجه المعروف، لا المكايسه.
ولا يجوز دقيق عن قمح وعكسه قمح عن دقيق (١).
стр. 2342
قال في الشامل: على الأصح.
وتعقب صاحب التكملة قول الشارح معطوف على قوله: (لا أقل)، قائلا: فيه تسامح؛ لأن (لا) الأولى عاطفة، والثانية مؤكدة، والعاطف الواو، هذا مذهب النحاة.
وجاز إذا المسلم فيه بغير جنسه بثلاثة شروط، أشار لأحدها بقوله: إن جاز بيعه قبل قبضه.
ولثانيها بقوله: وبيعه بالمسلم فيه مناجزة، أي: يدًا بيد.
قال صاحب التكملة: كان الواجب أن يقول: وبيعه بالمقضي؛ لأن ضمير بيعه في كلامه إنما يعود على المسلم فيه؛ لأن العائد عليه في قوله إن جاز بيعه قبل قبضه.
ولثالثها بقوله وأن يُسْلَمَ فيه رأس المال.
ثم بين ما احترز عنه بكل واحد من الثلاثة لفًا ونشرًا مرتبًا، فقال في محترز الأول: لا طعام، فلا يؤخذ عنه غيره: من نقد، أو عرض، أو طعام غيره، كـ: فول، أو عدس مثلًا، عن قمح، للنهي عن بيع الطعام قبل قبضه.
وفي محترز الثاني: ولا لحم بحيوان، فلا يجوز أن يؤخذ عن اللحم حيوان من جنسه ولا عكسه؛ لأنه لا يجوز بيعه مناجزة؛ للنهي عن بيع اللحم بالحيوان.
تنبيه:
تقدم حمل مالك للنهي على الجنس الواحد للمزابنة، وعليه فلو أخذ عن اللحم فرسًا مثلًا لجاز.
وفي محترز الثالث: وذهب ورأس المال ورق وعكسه، فلا يجوز أن يؤخذ ورق ورأس المال ذهب ولا عكسه؛ لما فيه من الصرف المستأخر، إلا أن يزيد أحدهما عن الآخر زيادة بينة، تبعد التهمة عن الصرف.
стр. 2343
ويخرج بهذا المحترز أمر ثان، وهو: منع الطعام، إذا كان رأس المال طعامًا للربا والنساء، إلا أن يتساوى الطعامان فيجوز ويعد إقالة.
ويخرج بها أيضًا أمر ثالث، وهو أنه لا يؤخذ عرض عن صنفه؛ حذرًا من سلم الشيء في أكثر منه أو أقل، إلا أن يكون المأخوذ مثل رأس المال؛ للأمن مما سبق.
تنبيه:
قال صاحب التكملة: وبغير جنسه عطفًا على أجود على التوهم، وكأنه قيل: وجاز أجود بأجود وبغير جنسه.
وجاز بعد أجله الزيادة على رأس المال ليزيده المسلم إليه طولًا على الطول الأول، نحوه في المدونة، وزاد: من صنفه أو من غير صنفه جاز إن عجلت ذلك.
ثم شبه في الحكم، فقال: كقبله، أي: زاده دراهمه قبل الأجل ليزيده طولًا، إن عجل دراهمه المزيدة، ونحوه في المدونة، انظر نصها في هذه وفي التي قبلها في الكبير.
وجاز لمن دفع غزل لشخص ينسجه له ثوبًا طوله كذا وعرضه كذا، ثم قبل أجله عجل له دراهم مع غزل آخر ينسجه له، ويزيده في طول الشقة وعرضها، ونحوه في المدونة عقب ما تقدم.
لا إن زاده دراهم قبل الأجل ليعطيه إذا حل الأجل، أعرض أو أصفق مما أسلم فيه لم يجز، نص عليه الباجي؛ لأنه نقله لصفقة أخرى، فهو فسخ دين في دين.
ولا يلزم المسلم إليه دفعه، أي: المسلم فيه إذا طلب منه بغير محله، أي: لا يقضى عليه به، ولو خف حمله على المشهور؛ إذ من حقه أن يقول: لا يلزمني إلا بمحل المسلم.
ظاهره: ولو اتحد سعر الموضعين، أو كان غير محله أرخص، وهو كذلك.
стр. 2344
وأشار بـ (لو) لخلاف أشهب.
وفهم من قوله: (يلزم) الجواز عنده، إذا اتفقا على ذلك، ونحوه للمصنف.
* * *
فصل
ذكر فيه القرض وما يتعلق به، وأتبعه للسلم لمشاركة بينهما في وجه ما، ولم يعرفه كابن الحاجب، وانظر تعريفه لابن عرفة في الكبير (١).
قال: وحكمه من حيث ذاته الندب وقد يعرض له ما يوجبه أو كراهته أو حرمته وإباحته لعسر وهو بفتح القاف وكسرها.
فائدة:
درهم القرض بثماني عشرة [حـ]ـسنة، وفي الصدقة بعشرة، كذا رآه رسول اللَّه ﷺ ليلة الإسراء مكتوبًا على باب الجنة، وسأل جبريل: "ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ " فقال: لأن السائل يسأل وعنده، والمقترض لا يقترض إلا من حاجة (٢).
يجوز قرض مما أي كل شيء يسلم فيه فقط من عرض وحيوان ونحوهما، لا غيره، كـ: دار، وأرض، وبستان، وتراب صائغ، ومعدن،
стр. 2345
وجوهر نفيس، وجزاف، إلا القليل، وشبه ذلك.
تنبيه:
تعبيره بالجواز كابن الحاجب وصاحب الإرشاد وغيرهم يقتضي استواء طرفيه، وتقدم قول ابن عرفة: تعسر إباحته.
ولما دخل في كلامه جواز قرض الجواري؛ لجواز السلم فيهن مع نص مالك على منعه، وتخصيص ابن عبد الحكم المنع بغير ذي المحرم، أخرجه بقوله: إلا جارية تحل للمستقرض، فلا يجوز السلف فيها؛ لأنه لما كان له رد عينها أدى لعارية الفروج، فلو لم تحل له جاز قرضها له.
وردت إن دفع قرضها على الوجه الممنوع، إلا أن تفوت [عنده] بمفوت البيع الفاسد، بكـ: وطء، أو غيره، من: حوالة سوق، أو غيبة عليها، وإن يحل سوقها خوف أن يكون وطأها، فالقيمة على المنصوص، ولا ترد.
وأما لو كان الفائت مثليًا لوجب رد مثله، كفاسده، وهو رأي الأكثر.
وفهم من قوله: (فالقيمة): أنه لا يلزمه قيمة ولده منها، وهو كذلك، بخلاف الغارة؛ لشبهة الخلاف هنا، وكأنه وطئ مملوكته والغارة حصل حملها في ملك الغير، قاله في الذخيرة، وللمسألة نظائر انظرها في الكبير.
وحرم هديته، أي: المعترض لرب المال؛ لأنه مدين، فيؤول للسلف بزيادة، إن لم يتقدم بينهما مثلها قبل القرض، فإن تقدم مثلها لم يحرم حينئذ.
تنبيه:
يحتمل أن يريد بالمثلية ما في المدونة مع غيرها من تعودت ذلك منه، وعلمت أن هديته ليست لديتك، ويحتمل كونها قدر ما كان يجري بينهما قبل القرض، وهو تقييد اللخمي.
стр. 2346
أو لم يحدث بينهما بعد القرض موجب لذلك، أما إن حدث كصهارة أو نحوها لم يحرم.
تنكيت:
لو قال: (حرم هدية مديان)؛ ليشمل القرض وغيره لكان حسنًا؛ لأنه هو المعروف في المذهب، خلافًا لابن دحوت عن فهمه قول سحنون في قصر الحرمة على دين القرض فقط.
كرب القراض تحرم هديته لعامله، ألحقه المتأخرون بالمديان؛ للتهمة على قصد إدامة العمل، وتحرم هدية عامله، إن لم يشغل المال اتفاقًا، ولو بعد شغل المال على الأرجح، فالمنع عند ابن يونس مطلقًا؛ نظرًا للحال، ومقابله الجواز؛ نظرًا للمال.
وحرمت هدية ذي الجاه، أي: يحرم عليه أخذ الهدية؛ لأنه من أكل المال بالباطل.
وهدية القاضي، وسيأتي في بابه، والظاهر أن الحرمة متعلقة بالآخذ والمعطي في المسائل الأربع:
[١] رب المال.
[٢] وعامله.
[٣] وذي الجاه.
[٤] والقاضي.
وحرم مبايعته، أي: المديان لرب المال إذا كانت مسامحة من المديان، سواء كانت قبل الأجل أو بعده، وهو كذلك.
ومفهومه: عدم الحرمة حيث لا مسامحة، وهو محتمل للجواز والكراهة، وهما قولان.
أو جر الغرض منفعة للمقترض فيحرم.
قال الشارح: كشرط قرض عفن أو سوس بسالم، أو مبلول بيابس،
стр. 2347
أو قديم بجديد، فيمنع على المشهور، وقيد اللخمي المشهور بما إذا لم يقم دليل على إرادة نفع المتسلف فقط، وأما إن قام ذلك فيجوز، ولم يعتبر المؤلف تقييده.
وحرم اشتراط دفع دقيق أو كعك ببلد هما به؛ ليأخذ بدله ببلد آخر على المشهور.
ومفهومه: الجواز مع عدم الشرط.
أو شرط خبز فرن بملة، يحتمل أن الملة لما يخبز به الخبز يحتمل أنه نفس الخبز.
وظاهر كلام المؤلف: أن خبز الملة أحسن من خبز الفرن، وهو خلاف قول بعض مشايخي: لا شك في أحسنية الأول.
أو عين عظم حملها: معطوف على (عفن)؛ فيحرم قرضها بشرط أن يأخذ بدلها بموضع آخر على المشهور لنفع المقرض بدفع غرر الطريق.
وقوله: (عين) يحتمل عين الذهب والفضة، ويحتمل ذات المحمول، فيدخل غيرهما، كـ: أحمال البز.
وقوله كسفتجة تمثيل على الأول، ومشبه به على الثاني، وهي: بسين مهملة مفتوحة، ففاء ساكنة، فمثناة فوقية، فجيم، كـ: مخمصة، واحدة السفاتج: بطاقة يكتب فيها، الآجالات، كـ: الديون، فيكتب المقترض فيها لوكيله ببلد المسلف ليدفع له بدله هناك، إلا أن يعم الخوف، فتنتفي الحرمة، ويبقى الجواز، كما في التوضيح عن اللخمي وعبد الوهاب: أبيحت.
وحكى الشارح عنهما: استحب.
تنبيه:
لعل أحدهما تصحيف.
وكعين: أي ذات قمح ونحوه كرهت إقامتها خوف تلفها بكبعض، فيحرم سلفها ليأخذ بدلها؛ لما فيه من سلف جر نفعًا، إلا أن يقوم دليل
стр. 2348
على أن القصد نفع المقترض فقط، فيجوز في الجميع، أي: جميع المسائل السابقة.
ومفهومه: لو قصد أنفعهما معًا لم يجز وأحرى نفع المقرض.
ثم شبه في المستثنى الجائز، فقال: كفدان مستحصد خفت مؤنته عليه، أي: المقرض في حصده ودرسه؛ ليسارة ذلك في جانب زرعه، يحصده المقترض ويدرسه ويذويه وينتفع به، ويرد مكيلته للمقرض.
وجعل بعض أشياخي هذه المسألة مثالًا لما تمحض فيه النفع للمقترض.
وملك القرض بدفعه للمقترض، ولم يلزم رده لمقرضه، إن أراد الرجوع فيه، إلا بشرط أو عادة، فيتبع الشرط، ويرجع للعادة، وهذا عند الإيقاف على الإطلاق.
وأما إن كان لأجل فيلزم إليه، فإن اختلفا فادعى المقرض حلوله والمقترض تأجيله ففي المدونة القول للمقرض.
رُوي بكسر الراء وفتحها، وهما قولان لابن أبي زيد وابن أخي هشام.
كأخذه، أي: كما لا يلزم ربه ذلك بغير محله؛ لما فيه من زيادة الكلفة عليه، فإن رضي يأخذه جاز، إلا العين، فيلزمه أخذه بغير محله؛ إذ لا كبير مؤنة فيه.
خاتمة:
قال ابن العربي: انفرد مالك دون سائر العلماء بجواز اشتراط الأجل في القرض؛ لخبر الصحيح أن رجلًا كان فيمن قبلكم استسلف من رجل ألف دينار. . الحديث (١).
стр. 2349
ابن عات عن المشاور: من أقرض طعامًا ببلد فخرب البلد وأجلي أهله وأيس من عمارته إلا بعد طول فله أخذ قيمته في موضع السلف، وإن رجي قرب عمارته تربص إليه، وإن كان ممن سلم خير في الإياس بين تربصه أو أخذ رأس ماله.
ابن عرفة: الأظهر إن لم ترج عمارته عن قرب القضاء بالدفع في أقرب موضع عمارة لمحل القرض.
стр. 2350
فصل
في الكلام على المقاصة وما يتعلق بها، وهذا الفصل بيض له المصنف (١)، وألفه العلامة (٢) بهرام، ولنشرحه على السنن المتقدم.
فنقول: تجوز المقاصة، هذا كقول المدونة آخر بيوع الآجال: هي جائزة.
قال ابن عرفة: يجب تفسيره بالجواز الأعم من الوجوب، لا قسيمه، وإلا كان خلاف المشهور، كالإمكان الأعم من الواجب انتهى.
وهذا باعتبار حق اللَّه تعالى، واختلف: هل يعمل بها في حق الآدمي، فيكون القول قول من دعي لها، وهو المشهور، أو قول من دعي لعدمها، وهو رواية زياد عن مالك؟ قولان.
في ديني العين إضافة بيانية، أي: الدين الذي هو عين لا طعام ولا عرض مطلقًا: كانا من بيع أو قرض أو منهما، إن اتحدا قدرًا وصفة، وهي تستلزم اتحاد النوع، حلا معًا أو حل أحدهما دون الآخر اتفاقًا، أم لا: بأن كانا مؤجلين: اتفق أجلهما أو اختلف؛ فإنه يجوز أيضًا مطلقًا عند ابن القاسم؛ لأن الفرض ان الدين عين، فهو في حكم الحال، وقد اتفقا قدرًا وصفة، فإذا عجله أحدهما جاز؛ إذ لا يتهمان على سلف بزيادة، ولا ضع وتعجل، فانتفى قصد المعاوضة، واتضح قصد المباراة.
وإن اختلفا، أي: الدينان صفة مع اتحاد النوع، كمحمدية ويزيدية، أو مع اختلافه، كـ: ذهب وفضة فكذلك، أي: الجواز، إن حلا؛ إذ هي مع اتحاد النوع مبادلة، ومع اختلافه صرف ما في الذمة، وإلا بأن لم يحلا