أو لم يحدث بينهما بعد القرض موجب لذلك، أما إن حدث كصهارة أو نحوها لم يحرم.
تنكيت:
لو قال: (حرم هدية مديان)؛ ليشمل القرض وغيره لكان حسنًا؛ لأنه هو المعروف في المذهب، خلافًا لابن دحوت عن فهمه قول سحنون في قصر الحرمة على دين القرض فقط.
كرب القراض تحرم هديته لعامله، ألحقه المتأخرون بالمديان؛ للتهمة على قصد إدامة العمل، وتحرم هدية عامله، إن لم يشغل المال اتفاقًا، ولو بعد شغل المال على الأرجح، فالمنع عند ابن يونس مطلقًا؛ نظرًا للحال، ومقابله الجواز؛ نظرًا للمال.
وحرمت هدية ذي الجاه، أي: يحرم عليه أخذ الهدية؛ لأنه من أكل المال بالباطل.
وهدية القاضي، وسيأتي في بابه، والظاهر أن الحرمة متعلقة بالآخذ والمعطي في المسائل الأربع:
[١] رب المال.
[٢] وعامله.
[٣] وذي الجاه.
[٤] والقاضي.
وحرم مبايعته، أي: المديان لرب المال إذا كانت مسامحة من المديان، سواء كانت قبل الأجل أو بعده، وهو كذلك.
ومفهومه: عدم الحرمة حيث لا مسامحة، وهو محتمل للجواز والكراهة، وهما قولان.
أو جر الغرض منفعة للمقترض فيحرم.
قال الشارح: كشرط قرض عفن أو سوس بسالم، أو مبلول بيابس،
стр. 2347
أو قديم بجديد، فيمنع على المشهور، وقيد اللخمي المشهور بما إذا لم يقم دليل على إرادة نفع المتسلف فقط، وأما إن قام ذلك فيجوز، ولم يعتبر المؤلف تقييده.
وحرم اشتراط دفع دقيق أو كعك ببلد هما به؛ ليأخذ بدله ببلد آخر على المشهور.
ومفهومه: الجواز مع عدم الشرط.
أو شرط خبز فرن بملة، يحتمل أن الملة لما يخبز به الخبز يحتمل أنه نفس الخبز.
وظاهر كلام المؤلف: أن خبز الملة أحسن من خبز الفرن، وهو خلاف قول بعض مشايخي: لا شك في أحسنية الأول.
أو عين عظم حملها: معطوف على (عفن)؛ فيحرم قرضها بشرط أن يأخذ بدلها بموضع آخر على المشهور لنفع المقرض بدفع غرر الطريق.
وقوله: (عين) يحتمل عين الذهب والفضة، ويحتمل ذات المحمول، فيدخل غيرهما، كـ: أحمال البز.
وقوله كسفتجة تمثيل على الأول، ومشبه به على الثاني، وهي: بسين مهملة مفتوحة، ففاء ساكنة، فمثناة فوقية، فجيم، كـ: مخمصة، واحدة السفاتج: بطاقة يكتب فيها، الآجالات، كـ: الديون، فيكتب المقترض فيها لوكيله ببلد المسلف ليدفع له بدله هناك، إلا أن يعم الخوف، فتنتفي الحرمة، ويبقى الجواز، كما في التوضيح عن اللخمي وعبد الوهاب: أبيحت.
وحكى الشارح عنهما: استحب.
تنبيه:
لعل أحدهما تصحيف.
وكعين: أي ذات قمح ونحوه كرهت إقامتها خوف تلفها بكبعض، فيحرم سلفها ليأخذ بدلها؛ لما فيه من سلف جر نفعًا، إلا أن يقوم دليل
стр. 2348
على أن القصد نفع المقترض فقط، فيجوز في الجميع، أي: جميع المسائل السابقة.
ومفهومه: لو قصد أنفعهما معًا لم يجز وأحرى نفع المقرض.
ثم شبه في المستثنى الجائز، فقال: كفدان مستحصد خفت مؤنته عليه، أي: المقرض في حصده ودرسه؛ ليسارة ذلك في جانب زرعه، يحصده المقترض ويدرسه ويذويه وينتفع به، ويرد مكيلته للمقرض.
وجعل بعض أشياخي هذه المسألة مثالًا لما تمحض فيه النفع للمقترض.
وملك القرض بدفعه للمقترض، ولم يلزم رده لمقرضه، إن أراد الرجوع فيه، إلا بشرط أو عادة، فيتبع الشرط، ويرجع للعادة، وهذا عند الإيقاف على الإطلاق.
وأما إن كان لأجل فيلزم إليه، فإن اختلفا فادعى المقرض حلوله والمقترض تأجيله ففي المدونة القول للمقرض.
رُوي بكسر الراء وفتحها، وهما قولان لابن أبي زيد وابن أخي هشام.
كأخذه، أي: كما لا يلزم ربه ذلك بغير محله؛ لما فيه من زيادة الكلفة عليه، فإن رضي يأخذه جاز، إلا العين، فيلزمه أخذه بغير محله؛ إذ لا كبير مؤنة فيه.
خاتمة:
قال ابن العربي: انفرد مالك دون سائر العلماء بجواز اشتراط الأجل في القرض؛ لخبر الصحيح أن رجلًا كان فيمن قبلكم استسلف من رجل ألف دينار. . الحديث (١).
стр. 2349
ابن عات عن المشاور: من أقرض طعامًا ببلد فخرب البلد وأجلي أهله وأيس من عمارته إلا بعد طول فله أخذ قيمته في موضع السلف، وإن رجي قرب عمارته تربص إليه، وإن كان ممن سلم خير في الإياس بين تربصه أو أخذ رأس ماله.
ابن عرفة: الأظهر إن لم ترج عمارته عن قرب القضاء بالدفع في أقرب موضع عمارة لمحل القرض.
стр. 2350
فصل
في الكلام على المقاصة وما يتعلق بها، وهذا الفصل بيض له المصنف (١)، وألفه العلامة (٢) بهرام، ولنشرحه على السنن المتقدم.
فنقول: تجوز المقاصة، هذا كقول المدونة آخر بيوع الآجال: هي جائزة.
قال ابن عرفة: يجب تفسيره بالجواز الأعم من الوجوب، لا قسيمه، وإلا كان خلاف المشهور، كالإمكان الأعم من الواجب انتهى.
وهذا باعتبار حق اللَّه تعالى، واختلف: هل يعمل بها في حق الآدمي، فيكون القول قول من دعي لها، وهو المشهور، أو قول من دعي لعدمها، وهو رواية زياد عن مالك؟ قولان.
في ديني العين إضافة بيانية، أي: الدين الذي هو عين لا طعام ولا عرض مطلقًا: كانا من بيع أو قرض أو منهما، إن اتحدا قدرًا وصفة، وهي تستلزم اتحاد النوع، حلا معًا أو حل أحدهما دون الآخر اتفاقًا، أم لا: بأن كانا مؤجلين: اتفق أجلهما أو اختلف؛ فإنه يجوز أيضًا مطلقًا عند ابن القاسم؛ لأن الفرض ان الدين عين، فهو في حكم الحال، وقد اتفقا قدرًا وصفة، فإذا عجله أحدهما جاز؛ إذ لا يتهمان على سلف بزيادة، ولا ضع وتعجل، فانتفى قصد المعاوضة، واتضح قصد المباراة.
وإن اختلفا، أي: الدينان صفة مع اتحاد النوع، كمحمدية ويزيدية، أو مع اختلافه، كـ: ذهب وفضة فكذلك، أي: الجواز، إن حلا؛ إذ هي مع اتحاد النوع مبادلة، ومع اختلافه صرف ما في الذمة، وإلا بأن لم يحلا
стр. 2351
أو حل أحدهما دون الآخر فلا، أي: لم تجز المقاصة.
ابن بشير: إذ هي مع اتحاد النوع بدل مستأخر.
المازري: ومع اختلافه صرف مستأخر.
كأن اختلفا زنة من بيع، تشبيه في المنع، وهو مفهوم: (اتحدا قدرًا)، والمنع اتفاقًا، لأنها مبادلة وأخذ العينين أكثر فهو تفاضل.
ومفهوم (زنة من بيع) غير معتبر؛ لأن مفهوم العدد أحرى في المنع.
ومفهوم (من بيع) لو كانا من قرض أو من بيع وقرض جازت المقاصة، وإن اختلف الوزن؛ لأن القضاء بالأفضل صفة وقدرًا جائز.
والطعامان في المقاصة بينهما من قرض كذلك، أي: كالعينين، فيجوز فيهما هنا وبمنع ما جاز ومنع هناك، وسواء هنا تساوى الأجلان أم لا، حل أحدهما أم لا؛ لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه، والتشبيه في المشهور فقط.
تنكيت:
قول صاحب التكملة: (يحتمل أنه في أقوال العين الثلاثة) غير صواب؛ لأن المصنف لا يعتبر غير المشهور حتى يشبه به.
ومنعا، أي: الطعامان مقاصة من بيع، ولو متفقين في الجنس أو الكيل أو الصفة أو الأجل أو رأس الأموال، أو اتفقا في الجميع عند ابن القاسم، وعلل بيع الطعام قبل قبضه أو طعام بطعام أو دين بدين نسيئة.
والمنع عند اختلاف الأجل جار على المشهور من أن المعجل لما في الذمة سلف.
وأشار بـ (لو) لقول أشهب بالجواز في صورة من الصور السابقة، وهي: اتفاقهما في الجميع.
وإن كان أحدهما من قرض والآخر من بيع تجوز، أي: جازت المقاصة بشرطين، أفاد أحدهما بقوله: إن اتفقا نوعًا وصفة وأجلًا.
стр. 2352
وثانيهما بقوله: وحلا؛ لأن الذي أسلم كأنه اقتضى من نفسه طعام القرض الذي عليه، ولا تهمة فيه.
وأشار لما إذا وجد الشرط الأول وفقد الثاني بقوله: لا إن لم يحلا معًا، أو حل أحدهما دين الآخر فممتنعة عند ابن القاسم؛ لاختلاف الأغراض باختلاف الأجل، فيصح تقدير بيع الطعام قبل قبضه.
وتجوز في العرضين مطلقًا، أي: سواء تساويا أجلًا أم لا تساوي بينهما أم تباين لبعد قصد المكايسة مع القرض، إن اتحدا جنسًا وصفة، كثوبين هرويين أو مرويين، كأن اختلفا جنسًا، كـ: كساء وثوب، واتفقا أجلًا؛ لبعد قصد المكايسة مع اتفاق الأجل كما يبعد مع تساوي العرضين صفة.
وإن اختلفا أجلًا منعت إن لم يحلا معًا، فإن حلا معًا جازت، أو إن لم يحل أحدهما، أي: وحل الآخر فالجواز، وهو مذهب المدونة؛ لانتفاء قصد المكايسة بحلول أحدهما، وفي الموازية المنع؛ لاختلاف الأجل.
ابن محرز: وهو الأصح عندي.
وإن اتحدا أي: العرفان جنسًا، كثوبين من قطن مثلًا، والصفة متفقة أو مختلفة جازت، أي: المقاصة بينهما، إن اتفق الأجل؛ لبعد التهمة مع استواء الأجل.
وإلا بأن اختلف الأجل فلا جواز مطلقًا، سواء كانا من بيع أو قرض، أو أحدهما من بيع والآخر من قرض.
خاتمة:
ضابط ذلك أن ما حل أو كان أقرب حلولًا فهو مقبوض عما لم يحل أو عما هو أبعد حلولًا، فإن أدى اقتضاؤه عنه إلى ضع وتعجل، أو حط الضمان وأزيدك امتنع، وإن لم يؤد إلى واحد منهما جاز، فإن كانا من بيع، وكان الحال أو الأقرب حلولًا أكثر أو أجود امتنع؛ لأنه حط الضمان
стр. 2353
وأزيدك، وإن كان أدنى وأقل امتنع؛ لأنه ضع وتعجل، وهذا إذا كانا من بيع، وإن كانا من قرض والحال أو الأقرب أدنى أو أقل امتنع؛ لأنه ضع وتعجل، وإن كان أجود؛ إذ لا ضمان في القرض، وإن كان أكثر عددا امتنع؛ لأنه زيادة في القرض، وهو مكروه في المجلس، قاله في النكت.
* * *
باب تكلم فيه على الرهن
وهو لغة: اللزوم والحبس، قال اللَّه تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾، أي: محبوسة.
وشرعًا، قال المصنف: الرهن بذل أي إعطاء من له البيع من مكلف ومميز، لا مجنون وصبي غير مميز وعبد محجور.
وفهم من قوله: (بذل) أنه لا بد فيه من الإقباض، فلو قبضه المرتهن دون إقباض لم يكن رهنًا.
وأفهم أيضًا: أنه لا يفتقر للإيجاب والقبول، وهو كذلك، خلافًا للشافعي، ويجوز حضرًا وسفرًا، وهو كذلك، خلافًا لمجاهد في قصر صحته على السفر.
وظاهر كلامه: جوازه، وهو كذلك، خلافًا للظاهرية.
ما أي: شيئًا يباع، لا كخمر وخنزير ونحوهما، فإن رهن ذلك لا يجوز من مسلم ولا ذمي؛ إذ فائدته بيعه للوفاء منه عند تعذره.
ولما خرج بقوله: (ما يباع): ما فيه غرر، مع أنه يصح رهنه أدخله بقوله: أو غررًا، بالنصب عطفًا على (ما)؛ إذ هي في محل نصب؛ لأن (بذل) مصدر، فاعله من له البيع، ومفعوله ما يباع؛ فيجوز رهن الآبق والشارد، إذا لم يقارن شرطه عقدة الرهن اتفاقًا؛ ولذا لو اشترط رهن هذا
стр. 2354
الغرر في العقد فإنه لا يفسده على المشهور.
وأشار بـ (لو) للشاذ بمنعه.
المازري: وهما جاريان على أن الفاسد إذا قارن الصحيح هل يصيره ممنوعًا أم لا.
وهذه إحدى النظائر التي يجوز فيها الغرر.
الثانية: الهبة.
الثالثة: والخلع.
الرابعة: الصلح.
وثيقة: حال أو تمييز أو صفة، والأخيران على أن (ما) موصولة، بحق: الباء سببية وخرج به ما بذل لا للتوثيق، كـ: البيع والهبة والصدقة والعارية والإجارة.
ولفظة (بدل) تقتضي حقيقتها دفع الشيء للمرتهن، فلا يرد كون الحد غير مانع؛ لدخول الحميل ودخول اليمين، إذا حلف رب الدين المدين على الوفاء.
ثم ذكر أمثلة من له البيع بقوله: كولي أب أو وصي، يجوز لكل رهن متاع محجوره فيما عليه مما يبتاعه له من ثمن كسوة أو طعام، كما يتسلف له حتى يبيع متاعه، ومكاتب له أن يرهن ويرتهن، لإحرازه نفسه وماله.
وكعبد مأذون له في التجارة، وأشار لأمثلة ما يرتهن بقوله: وآبق وكتابة للسيد رهنها في دين عليه، واستوفى المرتهن حقه منها إن أداها، أو يستوفي من رقبته إن عجز عنها، أو عن بعضها، ولم يكن للسيد ما يوفي منه.
ولو أدخل الكاف على (آبق) ليدخل الشارد ونحوه لكان أحسن.
وقول صاحب التكملة: (انظر لِمَ عدل عن قول ابن الحاجب:
стр. 2355
"ويجوز رهن المكاتب")، أجابه بعض شيوخنا من طلبته (١)، بأنه لما كان كلامه في بيان من يرهن وما يرهن، ومن جملته المكاتب والكتابة، والمكاتب لا يباع، والكتابة تباع، استغنى عن المكاتب بما يشبهه في الحكم، وهو الآبق والكتابة، لم يتقدم عليها ما يغنى عنها، حسن ذكرها دونه لهذا، ولأنه ذكر المكاتب في أمثلة من له الرهن، فلو ذكره ثانيًا في أمثلة ما يرهن لتوهم من لا تأمل له أنه تكرار.
وللسيد رهن خدمة مدبر جميعها أو بعضها في دين عليه، ويستوفي المرتهن حقه منه إن أمكن؛ لأنه لا يباع، فإن لم يمكن لفلس السيد أو موته قبل الاستيفاء استوفى من ماله، وإن لم يكن له مال غير المدبر ورق جزء فمنه، أي: يستوفى من ذلك الجزء، وكذا إن رق جميعه، لا رهن رقبته على أن تباع الآن لم يجز، فإن وقع ذلك فاختلف: وهل ينتقل الرهن لخدمته ويباع للمرتهن وقتا بعد وقت حسب ما يجوز له من بيعها، أو لا ينتقل؛ لأنه إنما رهن رقبته؟ قولان بغير ترجيح، كظهور حبس دار رهنت على أنها مملوكة، فثبت أنها محبسة على من رهنها، فقيل: لا يعود حقه إلى المنفعة؛ لأنه إنما رهنه الرقبة.
وقيل: إن الرهن يتعلق بمنفعهتا وكرائها؛ لأن المنفعة كجزء منها، يجوز رهنه وبيعه؛ فلا يبطل هذا الجزء ببطلان ما أخذ منه، وحكى المصنف القولين في توضيحه، وهو ظاهر إن ثبت تحبيسها على الرهن، وأما على غيره فلا؛ إذ لا حق له فيها.
ويجوز رهن ما لم يبد صلاحه من تمر أو زرع على المشهور، ولا يصح بيعه الآن، فإذا مات الراهن أو فلس ولا مال له انتظر بدو صلاحه؛ ليباع حينئذ، ثم إن كان له مال فمنه؛ لأن الدين في ذمته، وإن كان عليه دين لغير هذا المرتهن، وماله لا يفي بديونه حاص مرتهنه، أي: مرتهن ما لم يبد صلاحه غرماء الراهن في ذلك المال بجميع دينه بقدر ديونهم في
стр. 2356
الموت والفلس، فإذا صلحت ثمرة ما لم يبد صلاحه للبيع بيعت، فإن وفّى ثمنها بجميع دين المرتهن رد جميع ما أخذه، فتحاصه أرباب الديون، وإلا بأن لم يف ثمنها بدينه قدر أو لا محاصًا للغرماء بما بقي من دينه، فلو كانوا ثلاثة، لكل واحد منهم مائة، ورهن عند أحدهم تمرًا لم يبد صلاحه، ثم فلس، أو مات، ووجد ماله مائة وخمسون تحاص الثلاثة فيها، لكلِّ خمسون، فإذا حل بيع الثمر اختص به المرتهن، فإن بيع بمائة، رد الخمسين، لأنه تبين أنه لا حق له فيها، وإن بيع بخمسين اختص بها، ويقال له: قد تبين أنك إنما تستحق المحاصة بخمسين، فليس لك إلا ثلاثون؛ إذ هي ثلاثة أخماس مالك ونسبة التركة وهي مائة وخمسون للمدين، وهو مائتان وخمسون: ثلاثة أخماسه فترد على صاحبيك عشرين بقية الخمسين، لكل منهما عشرة، فيصير بيد كل منهما ستون، وبيدك ثمانون، ولا يعلم من كلامه حكم رهن ما لم يخلق.
ابن ناجي: ظاهر المدونة المنع.
وقال ابن الحارث: اتفق ابن القاسم وأشهب على جواز رهن ثمرة لم تظهر.
ثم أخرج من أمثلته من يرهن ومن لا يرهن، ممثلًا للأول بقوله: لا كأحد الوصيين، فلا يرهن شيئًا من متاع يتيمة في دين على اليتيم، إلا بإذن صاحبه، ونحوه في المدونة، ما لم يكن كل واحد منهما مطلق التصرف.
وللثاني بقوله: وجلد ميتة ما لم يدبغ اتفاقًا، وإن دبغ على المشهور؛ إذ لا يباع لنجاسة ذاته.
وخرج بقوله: (ميتة) جواز رهن جلد سبع ذكي، وهو كذلك.
وكجنين: عطف على (أحد)، فلا يصح رهته؛ لكثرة الغرر فيه.
ولو أدخل الكاف على (جلد) لكونه أول مثل ما لا يرهن لكان أحسن.
وخمر لا يصح رهنها عند مسلم، إن كان لمسلم، وكذا إن كانت
стр. 2357
لذمي ورهنها، ولا حق له فيها، ولا هو أحق بها من الغرماء، إلا أن تتخلل، فهو أحق بها من الغرماء.
ويحتمل أنه لا يجوز للمسلم أن يرهن خمرًا ونحوه، وإن لذمي، وعليه فيراق، ولا يلزم المسلم الإتيان برهن آخر، وذكر المصنف الاحتمالين في توضيحه.
وإن تخمر عصير رهنه مسلم أهراقه المرتهن بحاكم، ففي المدونة: من ارتهن عصيرًا فصار خمرًا، فليرفعه إلى الإمام ليهراق بأمره، كالوصي يجد في التركة خمرًا انتهى.
والرفع للحاكم، أي: إذا كان يحكم ببقائها أو بتخليلها، وإلا فليس عليه ذلك.
وقلنا: رهنه مسلم، لأن الراهن لو كان ذميًا لردت إليه، قاله اللخمي وابن يونس وغيرهما.
وصح مشاع، أي: رهنه، وحيز المشاع بجميعه، أي: جميع المرهون منه المشاع، إن بقي فيه للراهن شيء، وسواء كان عرضًا أو حيوانًا أو عقارًا.
قال في التوضيح: على المشهور، والقول بأنه يكتفي في العقار بجواز البعض في الموازية.
ابن عبد السلام: والقولان منسوبان للمدونة، وليس فيها عندي بيان لهما، والظاهر: أنه لا فرق بين العقار وغيره انتهى.
ومفهوم الشرط: الاكتفاء بجواز الجزء فقط، إن كان الباقي لغير الراهن، وينزل المرتهن منزلته، وهو كذلك.
ولا يستأذن مريد رهن المشاع شريكه؛ لأنه يتصرف مع المرتهن، وهو المشهور وقول ابن القاسم، وله أي: للشريك غير الراهن أن يقسم المشترك القابل للقسمة، وله أن يبيع منابه، ويسلم للمشتري ما باعه، ولا يمنعه رهن الشريك من ذلك، إذا لم يتعلق الرهن بحصته، كذا في توضيحه.
стр. 2358
وقال الشارح: يسلمها فيما شاء. ونسبه للمدونة، وكلاهما صحيح.
وله أي: الراهن الجزء المشاع استئجار جزء غيره، لأن رهنه لجزئه لا يمنع من استئجار جزء الغير، ولكن لا يتولى قبض ربعه، بل ويقبضه المرتهن له.
اللخمي: أو يقاسمه الرقاب أو المنافع، وإنما لم يقبض أجرته لئلا تجول يده في الرهن فيبطل.
ولو رهن أحد الشريكين حصته عند أجنبي، واتفق هذا الشريك الراهن مع المرتهن، وأمنا شريكًا، أي جعلا الشريك الذي لم يرهن أوّلًا أمينًا لهما، ووضعا الحصة تحت يده، فرهن هذا الشريك الأمين حصته للمرتهن، وأمنا أي: الأمين والمرتهن الراهن الأول، أي: جعلاه أمينًا لهما بطل حوزهما معًا للحصتين معًا؛ لأن يد كل من الراهنين في المرهون.
وفهم من كلامه: أنهما لو جعلا نصيب الثاني تحت يد أجنبي أو يد المرتهن بطلت حصة الثاني فقط، لحوزه لنصيب الراهن الأول، فيبقى ذلك بيده، وهو مشاع، فيبطل ما أرهنته، حكاه في توضيحه عن محمد، والشارح عن أبي محمد.
والمستأجر: اسم مفعول، يصح رهنه من هو في إجارته وغيره، وكذا الحائط المساقي: اسم مفعول، وهما عطف على قوله: (مشاع)، وسوغ عطف المعرفة على النكرة بعد ما بينهما، وقول الشارح عطف على (صح مشاع) فيه تجوز.
قال ابن الحاجب: ويصح رهن المساقي والمشاع والمستأجر وغيره.
وحوزهما الأول السابق على الإجارة والمساقاه كاف، أي: مغن عن حوز ثان للرهن على الأصح عند ابن الحاجب، وهو مذهب ابن القاسم في المجموعة.
والمثلي طعام أو أدام أو ما يكال أو يوزن يصح رهنه، ولو كان عينًا: ذهبًا أو فضة أو فلوسًا حال كونه بيده، فقوله: (بيده) حال من المثلي إن طبع عليه.
стр. 2359
ومفهومه: عدم الصحة إن لم يطبع عليه، أو يوضع تحت يد أمين، حماية للذريعة أن يكون الراهن والمرتهن قصدًا أن يقبض عليه على وجه السلف، وسميا ذلك القبض رهنًا.
واشتراط السلف في المداينة والمبايعة ممنوع كهبة المديان.
ومفهوم المثلي: أن المفهوم يجوز وضعه تحت يد المرتهن وغيره، وهو كذلك.
تنبيه ان:
الأول: المبالغة بـ (لو) تقتضي كون الخلاف فيما بعدها فقط، وليس كذلك، بل في المثلي مطلقًا.
الثاني: ظاهره: المنع عند عدم الطبع على الدنانير والدراهم، وتبع في ذلك ابن الحاجب، مع قوله في توضيحه: (إن الطبع على النقد مستحب) انتهى.
وفضلته أي: الرهن، وهي الزيادة على قدر الدين المرهون فيه أولًا يصح رهنها في دين آخر للمرتهن الأول ولغيره، إن علم الأول بذلك، ورضي به.
وظاهر كلامه: كان الرهن بيد الأول أو بيد أمين.
وقد قال في توضيحه:
" تنبيه:
إنما يشترط رضى الأول إذا كان الرهن على يده، وأما إن كان على يد أمين فالاعتبار في ذلك إنما هو بعلمه دون علم المرتهن، وعزاه للبيان".
والفضلة لا يضمنها المرتهن الأول، إن كان بيده، وهو مما يغاب عليه، وإنما يضمن قدر دينه فقط؛ لأنه أمين في الزائد على المشهور، وأحرى ما لا يغاب عليه، كترك الحصة المستحقة، يتركها مستحقها أمانة، فتتلف تحت يد المرتهن، لا ضمان عليه فيها؛ لأنه أمين.
стр. 2360
ومثله في عدم الضمان معطى دينار بفتح الطاء يستوفي نصف في حق له، ويرد نصفه الآخر لصاحبه، فيدعي تلفه، لم يضمن النصف الثاني؛ لأمانته فيه، زاد في المدونة: ولا يمين عليه، إلا أن يتهم، فيحلف.
وظاهره: سواء ضاع قبل صرفه أو بعده، وهو كذلك.
وربما أشعر قوله: (يستوفي نصفه) بأنه لو قال له: اصرفه وخذ نصفه، فتلف قبل الصرف، لكان من ربه، وهو كذلك؛ لأمانته في جميعه، وأما تلفه بعد الصرف فمنهما، نبه على ذلك أبو الحسن الصغير.
فإن حل أجل الدين الثاني أول قسم الرهن إن أمكن قسمه، مثله لابن الحاجب والجلاب.
وظاهرهما: ولو كان القسم ينقص حظ صاحبه (١).
ومفهوم قوله (أوّلًا) أنهما لو حلا معًا أو الأول فقط لكان الأمر كذلك، وهو كذلك من باب أولى (٢).
стр. 2361
وإلا يمكن قسمه بيع هذا الرهن، وقضيا أي: المرتهن الأول والثاني؛ لأن الثاني إنما له ما فضل عن الأول، وبعد حصول المال للراهن لا معنى لتأخير ديونه، كذا قيل، وفيه بحث.
وأشعر قوله: (قضيا) بأن فيه فضلًا عن الأول، وهو كذلك، أما إذا لم يكن فيه فضل، فلا يباع حتى يحل أجل الأول، قاله ابن القاسم.
وظاهره: أنه يباع ولا يوقف، ولو أتى للأول برهن كالأول، وهو كذلك.
وظاهره أيضًا: سواء بيع بعين أو عرض، وفي توضيحه: إن هذا إذا بيع بعين أو بما يقضى مثله وحق الأول مثله.
ولما لم يكن من شرط المرهون كونه ملكًا للراهن، بل يصح أن يرهن ما هو استعاره، قال: والمستعار له أي: للرهن يصح رهنه، وإذا أدى الراهن ما عليه رجع الرهن لصاحبه، وإن لم يؤد بيع لعسر الغريم أو غيبته، ورجع صاحبه وهو المعير على المستعير بقيمته، أي: المستعار بقيمته أي المستعار إذ لا بيع في الدين في رواية يحيى ابن عمر عن المدونة وكذا في اختصار أبي محمد لها أو رجع صاحبه بما أدى من ثمنه في نقل أبي سعيد في تهذيبه.
يحيى: وهو أصوب من الأول.
وجمع المصنف بين الروايتين بقوله نقلت عليهما، وهل هذا اختلاف، وهو رأي الأكثر، أو تخيير، وهو رأي سحنون؟
ولما لم يترجح عند المصنف أحدهما ذكرهما معًا، وإنما قال: (بما أدى من ثمنه)، ولم يقل: (ثمنه)، لأنه على رواية أبي سعيد الرجوع على المستعير بما أدى من ثمنه يصير الفاضل من ثمن الرهن عن وفاء المدين
стр. 2362
باق على ملك الغير، لأنه إنما أسلفه ما فيه وفاء دينه، وعلى رواية يحيى -وهي الرجوع بالقيمة- يكون الفاضل عن وفاء الدين ملكًا للمستعير؛ لأنه إنما أسلفه نفس السلعة، وهي حينئذ إنما بيعت عن ملك الراهن.
ولفظ (أدى): يحتمل أن يقرأ بصيغة الفاعل، أو المفعول.
وضمن المستعير الرهن المعار، إن خالف، بأن رهن في غير ما استعاره له؛ ففي المدونة: من استعار سلعة ليرهنها في دراهم مسماة، فرهنها في طعام، فقد خالف، وأراه ضامنًا.
وفرضها أبو محمد والرهن عبد.
وهل ضمان المستعير مطلقًا من غير تفصيل لتعديه، وهو ظاهر المدونة، وعليه حملها ابن أبي زيد أو محل ضمانه إذا أقر المستعير لغيره بالتعدي، وخالف المرتهن، فقال: لم يتعد، ولم يحلف المعير على التعدي، بل نكل؛ إذ لو حلف لكان رهنًا فيما أقر به من الدراهم، وهو تأويل ابن يونس؟ تأويلان في فهم كلامها السابق.
وبطل الرهن بشرط مناف لمقتضى العقد، كأن يشترط راهنه أن لا يقبض من عنده لمنافاته صحته، وقد قال اللَّه تعالى: (فرهن مقبوضة)، وكذا لو شرط أن لا يباع.
وهذه إحدى المسائل السبع عشرة التي لا تتم إلا بالحيازة، والحبس، والصدقة، والهبة، والعمرى، والعطية، والمنحة، والنحلة، الهدية، والإسكان، والعارية، والإرفاق، والعدة، والإخدام، والصلة، والإحبا، كذا في التحرير لابن بشير، ونظمتها فقلت:
هبة وعمرى والعطية نحلة ... وعرية أو منحة إسكان
وهدية عارية حبس كذا ... إخدام إرفاق كذاك رهان
عدة صلات والتصدق والحبا ... الحوز شرط في الجميع تصان
وزاد ابن بكير في شرحه للتحرير عشر مسائل أخر: القرض، واختلف
стр. 2363
في الإقطاع، وفي الحمل، هل يحتاج ذلك، فيبطل بموت الحامل، أو كالحمالة، والمشهور افتقار الكفالة وفي المال المخالع، وفي الموازية ما يدل على افتقاره، وفي الزيادة بعد عقد لا يصح كالصلح على دم العمد وعن شيء مجهول، والأشهر أن حكمه كالهبة، وفي الزيادة في ثمن السلعة، والمشهور افتقار المعادن للحوز، والوصية بزيادة على الثلث، والزيادة في الصداق، وأضفتها للنظم السابق، فقلت:
ويضاف عشر زادها بن بكير في ... شرح له خذها لديك حمان
قرض وإقطاع وحمل كافل ... مال لخلع حفظهن أمان
وزيادة من بعد صلح فاسد ... هو قبله قد جاءك البتيان
وعطية لمعادن ووصية ... والخلف في التسع الأخيرة دان
وبطل باشتراطه في بيع فاسد ظن الراهن فيه اللزوم، فرهن لذلك، فله الرجوع.
ومن جنى جناية خطأ تحملها العاقلة، وظن أن الدية لازمة له، فأعطى بها رهنًا، ثم تبين لزومها للعاقلة، حلف هذا المخطيء الراهن أنه ظن لزوم الدية له، ورجع في رهنه.
وفهم منه: أنه لو رهن مع علمه لزومها للعاقلة لم يرجع، وهو كذلك.
ثم عطف على بيع فاسد، فقال: أو رهن رهنًا في قرض جديد مع دين قديم لربه على أن يكون الرهن فيهما بطل الرهن في الدين القديم؛ لأنه سلف جر نفعًا، وهو التوثق في الدين القديم، وصار الرهن باطلًا فيه.
وصح في القرض الجديد، فإذا فلس هذا المديان أو مات اختص الرهن بالجديد على الأصح.
وظاهر كلامه كابن الحاجب: سواء كان الدين الأول برهن أو لا، وهو مذهب المدونة، كان في الرهن الأول وفاء أم لا، وهو كذلك، كان الأول حالًا أو لا.
стр. 2364
حادثة:
قال ابن ناجي: قلت لشيخنا: يقوم من تعليل هذه المسألة إذا أقرضه قرضًا ولم يشهد عليه، ثم أقرضه قرضا على أن يكتب له وثيقة بهما أنه لا يجوز؛ لاحتمال أنه لو لم يسلفه لجحده، فلم يرتضه منى.
قال: وقد وقعت بتونس، وأفتى شيخنا بالجواز، وما أفتى به عندي ضعيف انتهى.
وبطل الرهن بموت راهنه قبل حوزه أو فلسه قبل حوزه، أي: تركه اختيارًا، ولم يجد فيه اتفاقًا، بل ولو جدّ فيه على المشهور، وهو ظاهر قول المدونة، وهو أسوة الغرماء، مقابله لا يبطل كالمشهور في الهبة.
وفرق بين المشهورين بأن الرهن لما لم يخرج عن ملك ربه لم يكف الجد في طلبه، بخلاف الموهوب خرج عن ملك واهبه.
وظاهر قوله: (أو فلسه): أنه لو تراخى ثم جد فيه بعد قيام الغرماء وحازه قبل فلسه لم يبطل، وسيذكر الخلاف في كون الحوز كافيًا، أو لا بد من التحويز.
وبطل الرهن بإذنه أي: المرتهن للراهن، في وطء لأمته المرهونة، وفي التوضيح: ولو كانت مخلاة، تذهب وتجيء في حوائج المرتهن، فوطئها الراهن بغير إذنه بطل الرهن على المشهور، وجعلوا كونها مخلاة كالإذن في الوطء.
أو بإذنه في إسكان لدار أو حانوت مرهونة، أو في إجارة للدار المرهونة، أو دابة، أو عبد أن يسكن باتفاق، بل ولو لم يسكن على المشهور، وهو قول ابن القاسم.
وظاهره: البطلان بمجرد الإذن، وهو كذلك، كما في نص حريم بئرها.
المازري: قدر أن مجرد الإذن كالصريح بإسقاط المرتهن.
стр. 2365
وكما أن عقد الرهن يلزم بالقول فكذلك يسقط، ولما كان الإذن في الإجارة مبطلًا وفي تركها على الراهن، قال: وتولاه أي: الإيجار والمرتهن بإذنه، أي: الراهن؛ إذ ليس له ذلك دون إذنه، قاله ابن القاسم.
ثم عطف على وطء، فقال: أو في بيع، أي: بطل بإذنه فيه، وسلّم الرهن لذلك، لدلالته على إسقاط حقه.
قال: في توضيحه وهو مذهب المدونة.
قال: في الشامل وهو الأصح.
على أنه قال في شرحه الكبير: ظاهره: أن مجرد الإذن مع التسليم كاف في الإبطال، وإن لم يحصل بيع، إلا أني لم أره إلا بعد البيع انتهى.
وإلا بأن أذن له في البيع ولم يسلمه، بل أنفاه تحت يده، وقال: إنما أذنت له في البيع لإحياء الراهن، بأن يكون الثمن رهنًا، أو يأتي برهن ثقة، لا ليأخذ الراهن الثمن، حلف المرتهن أنه لم يأذن له في بيعه إلا على هذا الوجه، وبقي الثمن رهنا للأجل، إن لم يأت الرهن كالأول.
قال في المدونة: يشبه الرهن الذي بيع، وتكون قيمته كقيمة الرهن الأول.
المصنف: قولها: (قيمته كالأول) يدل على أنه إنما يريد مثل الأول، وإن كان زائدًا على الدين (١)؛ لأنه قد رضي الأخذ بذلك، وعليه قد عقد عقده، ولهذه الزيادة فائدة: إذ قد تنخفض الأسواق في الأجل.
وقيل: معناه أن يكون الأول حيوانًا أو ما لا يغاب عليه مما لا ضمان على المرتهن فيه، فيأتيه بخلافه، فيلزمه.
وهو ظاهرها من جهة المعنى أنه لا بد من المعنيين؛ لأن قولها: (يشبه الرهن الذي بيع) أي: في كونه لا يغاب عليه، وقولها: (وقيمته كقيمته) ظاهر في اشتراط القيمة انتهى.
стр. 2366
كفوته أي الرهن بجناية عليه من أجنبي، وأخذت قيمته، فإن القيمة تكون رهنًا، إلا أن يأتي برهن كالأول، ونحوه في المدونة.
وفهم من قوله: (فوته) أنه لو لم يفت بأن كانت الجناية على بعضه، لم يلزمه الإتيان بمثله، وهو كذلك.
ابن القاسم: أرش العبد الرهن رهن.
ابن رشد: اتفاقًا؛ لأنه عوض بعضه.
ومفهوم قوله: (وأخذت قيمته): أنه لو لم تؤخذ له قيمة فلا شيء للمرتهن، وهو كذلك، انظر الكبير.
وبطل الرهن بعارية وقعت من المرتهن للراهن، أطلقت ولم تقيد بأجل؛ لأنه أسقط حقه، وهو المشهور ومذهب المدونة، وإن لم يطلق بل أعاره على الرد مقيدًا بأجل كجمعة أو شهر مثلًا أو بغير أجل كإذا فرغت من حاجتك فرده، أو اختيارًا، كإعادته لراهنه بوديعة أو إجارة بأن يكون الرهن عند المرتهن قبل ذلك بإجارة ثم أجره بعد الرهن لمؤجره قبل ذلك، فإن له أي للمرتهن أخذه ليحوزه للرهينة عند ابن القاسم، إذا لم يخرجه عن ملكه تأييدًا.
اللخمي: وإنما يرجع في الإجارة إذا انقضت مدتها فإن قام قبل ذلك، وقال: جهلت أن ذلك نقص لرهني، وأشبه ما قال، حلف ورده ما لم يقم الغرماء.
ثم استثنى مما له أخذه، فقال: إلا بفوته أي يفيته مالكه على المرتهن بكعتق أو حبس أو تدبير أو قيام الغرماء على الراهن، فليس له أخذه حينئذ عند ابن القاسم وأشهب.
قال صاحب التكملة: وانظر ما أراد بشبه العتق انتهى.
وإن عاد لراهنه غصبًا فله، أي: للمرتهن أخذه مطبقًا، أي: سواء حصل فيه مفيت عتق أو غيره أو لا، قام الغرماء أو لا، ويبقى رهنًا على ما كان.
стр. 2367
وهذا قسيم قوله: (اختيارًا)، والفاء جواب الشرط، كما قررناه، وقول صاحب التكملة: (لا محل لها) غير بيّن.
وإن وطئ الراهن الأمة المرهونة غصبًا، وأتت بولد فولده حر، متصل فسبه به، وعجل الواطىء الملئ الدين للمرتهن لتعديه، وهذا إذا كانت قيمتها قدره فأكثر، أو عجل قيمتها فقط، إن كانت أقل، وهي في بعض النسخ: (قيمته)، أي: المرهون، وهو هنا الأمة.
و(أو) في كلامه تفصيلية، لا تنويعية.
وإلا يكن الراهن مليئًا بل معسرًا بقي الرهن والأمة للوضع وحلول الأجل، وبيعت حينئذ لوفاء الدين، فإن وفى، وإلا أتبع بما بقي.
وإنما أخرت لاحتمال أن يفيد ما لا فيؤدي منه الدين، وتكون أم ولد، وهذه إحدى المسائل الست التي تباع فيها أم الولد:
[٢] وأمة الشريكين يطأها أحدهما معسرًا.
[٣] أو أمة المفلس إذا وقفت للبيع فوطئها وحملت.
[٤] والجانية يطؤها بعد علمه بالجناية.
[٥] وإذا وطىء بعض الورثة، ومورثه مدين، والواطىء عديم عالم بالدين.
[٦] وأمة القراض يطؤها العامل.
ونُظمت، فقيل:
تباع أم الولد ... في ستة فاجتهد
أحبلها راهنها ... أو الشريك فاعدد
أو أحد الوراث أو ... مفارض فقيد
أو مفلس وإن جنت ... سلم له تسدد
وزيد أمة المكاتب، فأضفتها فقلت:
стр. 2368
وأمة سيدها ... مكاتب فاعتمد
قال في التوضيح: ويمكن أن يجعل لها فائدة من وجه آخر، فيقال: توجد أمة حامل بحر، وأضفتها، فقلت:
وهذه الست لها ... فائدة يا سيدي
قن بحر حامل ... فاظفر به لتقتدي
وصح الرهن بتوكيل المرتهن مكاتب الراهن في حوزه له؛ لأنه أحرز نفسه وماله، ولا سبيل لسيد على ما في يده، فلم تجل يده فيه.
والباء: للسببية، أو الاستعانة.
بعض شيوخي: ولا يصح كونها زائدة؛ لأن الكلام ليس في صحة التوكيل وعدمه.
وكذا أخوه أي: الراهن يوكله المرتهن في الحوز على الأصح عند ابن القاسم في المجموعة، وله في المجموعة: لا ينبغي، وضعف.
لا محجوره ورقيقه، أي: الرهن فلا يصح الحوز بتوكيل كل منهما عن المرتهن؛ لأن للراهن النظر فيما بيد الأول، وانتزاع مال الثاني، ويدخل في رقيقه مستولدته.
الباجي: اتفاقًا.
وخرج بـ (محجوره): ولده الكبير، وهو كذلك، ويدخل في محجوره زوجته، لنص ابن القاسم على منع حيازتها.
ولو اختلفا فقال المرتهن: يجعل الرهن عندي، وقال الراهن: بل عند أمين، أو عكسه، كان القول لطالب تحويزه لأمين، قاله ابن القاسم في العتبية.
وظاهره: ولو جرت العادة بتسليمه للمرتهن، وهو كذلك، خلافًا للخمي في القضاء له به، كما لو اشترطه.
стр. 2369
ولو اتفقا على جعله عند أمين، واختلفا في تعيينه، أي: الأمين، بأن عين الراهن أمينًا والمرتهن غيره، نظر الحاكم فيمن يجعله تحت يده منهما، وإن أسلمه الأمين للمرتهن أو للراهن دون إذنهما، أي: إذن الراهن، فإن سلمه للمرتهن أو إذن المرتهن إن أسلمه للراهن، وهذا مراده؛ إذ ليس هناك اثنان غيرهما كما توهمه عبارته.
قال صاحب التكملة: بقرب منه: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، أي: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى، وهذا كلام جملي، فصله بقوله: إن أسلمه الأمين للمرتهن، وضاع منه، ضمن قيمته للراهن.
ثم إن كان الرهن كفاف الدين سقط دين المرتهن؛ لهلاكه بيده، وإن كان فيه فضل ضمن الفضل، ومثله في المدونة.
وإن أسلمه الأمين للراهن وضاع ضمنها، أي: القيمة للمرتهن أو ضمن له الثمن.
كذا قال هنا، وفي توضيحه كالمدونة: ضمن الأقل من القيمة أو الدين.
ابن يونس وغيره: لأن قيمته إن كانت أقل فهو الذي أتلفه عليه، وإن كان الدين أقل لم تكن له المطالبة بغيره.
تنبيه:
ترك المصنف ما زاده في المدونة، وهو كونه مما يغاب عليه؛ لقول أبي الحسن: إنما ضمن هنا بالعداء، وما يضمن بالعداء لا يفصل فيه بين ما يغاب عليه أو لا.
واندرج في الرهن صوف تم على ظهور الغنم المرهونة يوم العقد عند ابن القاسم كالبيع، ولا يندرج غير التام اتفاقًا.
واندرج جنين من حيوان صامت أو ناطق؛ لأنه كجزء منه، وأحرى ما تلده بعده، ونحوه في المدونة.
стр. 2370
تتمة:
قال ابن المواز: لو شرط أن ما تلد ليس برهن لم يجز، لمناقضته مقتضى العقد.
قال بعضهم: ولا يندرج البيض؛ لتكرار الولادة.
واندرج فرخ نخل، يحتمل كونه بالمهملة أو المعجمة، ففي الجلاب: (وفرخ النحل والشجر رهن مع أصولها)، والظاهر أنه تكلم على المسألتين.
لا غلة، فلا تندرج، كأجرة دار ودابة وعين وعبد ولبن وجبن وسمن.
ولا يندرج في رهن الشجرة ثمره، وإن وجدت حين الرهن، وأشار بالمبالغة لرد قول ابن القاسم في المبسوط يندرج.
وظاهره: ولو أبرت، وهو كذلك على المشهور، وفرق بين الصوف والثمرة بفروق منها:
أن الثمرة تكونت بعمل الراهن ونفقته فكانت له، والصوف لا سبب له فيه.
وفرق بين الجنين والثمرة الموبرة بأن السنة حكمت بأن غلة الرهن للراهن، والجنين ليس بغلة، بل كعضو، فدخل كالبيع.
ولا يندرج مال عبد، فما يستفيده بهبته وشبهها أحرى.
تنكيت:
هذا كله فيما تقدم عند الإطلاق، فإن شرط اندراجه أو عدمه عمل به اتفاقًا.
ولما لم يكن من شرط الرهن أن يسبقه دين، بل يجوز أن يكون قبله ومعه، قال: وارتهن، أي: وجاز أن يدفع لشخص رهنًا على أنه إن أقرض الراهن أو غيره كان هذا رهنًا بقبضه الأول في مبلغ القرض قبل انعقاد القرض، خلافًا للشافعي، ولا يحتاج لتجديد قبض بعد القرض، أو دفع له
стр. 2371
رهنًا على أنه إن باع كان رهنًا في الثمن، ونحوه في المدونة.
قال في النكت: ويكون رهنًا بما داينه من قليل أو كثير، ما لم تجاوز قيمته، بخلاف بائعه أو دائنه، وأنا عميل به؛ ففي المدونة: يلزمه إذا ثبت سلفه.
أو رهن رهنًا على أن يعمل له بنفسه عملًا، أو لمن يكريه؛ ليكون العمل في الذمة، لا بخصوصية، فيصح ذلك؛ لما سيأتي؛ لأنه سيقول: (لا في معين أو منفعته)، ويحتمل أن يحمل على المعين أيضًا، أي: أن المكري يأخذ الرهن بالأجرة المدفوعة للمعين على تقدير موت الأجير أو عمله، ويصح الارتهان، وإن كان العمل في جعل بعد العمل أو مطلقًا؛ إذ شرط المرهون به أن يكون دينا في الذمة لازمًا، أو صائرًا إلى اللزوم يمكن استيفاؤه من الرهن، ولا شك أن الجعل إما لازم، أو آيل إليه.
لا في معين أي: لا يصح الرهن فيه، كشراء ثوب بعينه، يأخذ به رهنًا، أو في منفعته، أي: المعين، كـ: اكترائه دابة بعينها، فلا يصح الرهن في ذلك؛ لأن الذمة لا تقبل المعين، ولأن المقصود من الرهن التوثيق للاستيفاء، ومحال استبقاء المعين أو منفعته من الرهن أو من ثمنه، ولا ينقض ذلك بالمعار يؤخذ به رهن، مع أنه معين؛ لأن الرهن فيه إنما هو لضمان القيمة بتقدير هلاكه، لا لاستبقاء الذات المعارة.
ولا يصح الرهن في نجم كتابة من أجنبي، بأن يعطي الأجنبي رهنا بما على المكاتب من النجوم.
ومفهومه: صحة الرهن في نجومها من المكاتب، وهو كذلك، ونحو هذا التفصيل في المدونة، وأطلق ابن الحاجب كابن شاس، وتعقبهما ابن عرفة، قائلًا: عموم قول ابن الحاجب: (لا رهن في نجوم الكتابة) تبعًا لابن شاس خلاف نصها: لا يصح الرهن بالكتابة من غير المكاتب ويصح منه.
وجاز للمرتهن شرط منفعته أي: الرهن لنفسه مدة معينة بشرطين:
الأول: إن عينت تلك المدة للخروج عن الجهالة.
стр. 2372
والثاني: كون الرهن ببيع، أي: في عقده، لا في قرض؛ لأنه في البيع تكون المنفعة المشترطة جزءًا من الثمن، والثمن يجوز كونه منفعة مع شيء آخر، ويمنع ذلك في القرض؛ لأنه سلف جر نفعًا، ولو أبي جهالة الراهن بعد ذلك لم يجز في بيع ولا قرض؛ لأنه بغير عوض هدية مديان، وبه بيع مديان مسامحة.
وفي ضمانه أي: كل الرهن المشترط منفعته إذا تلف، وهو مما يغاب عليه، وهو رأي بعض المتأخرين؛ لأنه رهن، وصوبه ابن رشد، وعدم ضمان شيء منه كسائر المستأجرات، وهو رأي بعض آخر من المتأخرين، وعدم ضمان بعضه دون بعض، وهو رأي التونسي؛ لقوله: ينظر للقدر الذي ذهب منه بالإجارة، فإن كان الربع كان ربعه مستأجرًا، لا ضمان فيه، وثلاثة أرباعه مرتهنة، تضمن ضمان الرهان، تردد لهؤلاء.
ومن اشترى سلعة بثمن مؤجل على أن يرهن بثمنها رهنًا، أجبر عليه، أي: على دفعه بعينه للمرتهن، إن شرط ببيع وعين, كهذا الثوب؛ إذ: "المؤمنؤن عند شروطهم" (١)، ونحوه لابن الحاجب، وتعقبه ابن عرفة بأنه خلاف نصوص المذهب؛ لعموم جبره في المعين وغيره، وذكرنا كلامه في الكبير، فانظره.
стр. 2373
وإلا يكن الرهن معينًا بل مطلقًا فرهن ثقة باعتبار ذلك الدين، يجبر الراهن على الإتيان به.
ابن عبد السلام: وهو المذهب.
تنبيه:
ما ذكره المصنف خلاف قول ابن الحاجب: (ويجبر البائع وشبهه في الفسخ في غير المعين)، أي: ولا يجبر على الإتيان بثقة، وأيضًا لم يقتصر ابن الحاجب على البيع كالمصنف، بل قال: وشبهه وفسر المصنف الشبه في توضيحه بوارث وموهوب له؛ ولذا اقتصر على البائع، أي: ومن يتنزل منزلته من وارث وموهوب.
ومفهومه: أنه لا يجبر عليه في السلف، وفسره ابن عرفة بالسلف، وعليه فالسلف كالبيع، فيأتي فيه التفصيل، ويحتمل أن يريده المصنف على عدم اعتبار مفهوم ببيع.
والحوز للرهن بعد مانعه كفلس وموت أو مرض موت، لا يفيد في اختصاص المرتهن به، ولو شهد الأمين الذي وضع الرهن بيده أنه حازه للمرتهن قبل ذلك على الأصح.
ابن ناجي عن ابن الماجشون: لا يقبل إلا بالبينة.
ومقابله المشار إليه بـ (لو).
قال سحنون: تقبل شهادته في الدين والرهن.
وهل تكفي بينة على الحوز، أي: القبض قبله، أي: المانع، وإن لم يحضر والحيازة ولا عاينوها؛ لأنه صار مقبوضًا.
ابن عات: وبه عمل.
أو التحويز هو الذي يكفي، وهو معاينة تسليم الرهن للمرتهن، ولا يكفي الحوز؟ قولان (١) ذكرهما ابن يونس وغيره.
стр. 2374
ابن ناجي: وعلى الثاني يكفي شاهد واحد، إذا كان بيده اتفاقًا، وإذا كان بيد غيره كفى باختلاف.
وفيها: أي المدونة دليلهما، فدليل الأول: قول هبتها: إن قبض الهبة الموهوب بغير إذن الواهب جاز قبضه، إذ يقضي على الواهب بذلك إذا منعه.
ابن عرفة: ظاهر تعليله بالقضاء عليه بذلك يوجب كون الراهن كذلك.
ودليل الثاني: ما قال ابن عرفة: ظاهر عموم قول هبتها ولا يقضي بالحيازة إلا بمعاينة البينة لحوزه في حبس أو رهن أو هبة أن مجرد الإشهاد والإقرار بالحوز لغو، وكان يجري في المذاكرات أن التحويز في حوز الرهن شرط لا يكفي الحوز دونه، لبقاء ملك الراهن، بخلاف الهبة.
تتمة:
صفة القبض قال المازري: ينقل التصرف فيه عن راهنه لمرتهنه ما ينقل بنقله تحت يده، وما لا كالربع بصرف التصرف به عن راهنه لمرتهنه، ولو كان بيتًا بقربه متاع راهنه، فإن ولي التصرف فيه بطل الحوز، وإن خص به المرتهن، فقيل: حوز. وفيه نظر.
ومضى بيعه، أي: الرهن إذا باعه الراهن قبل قبضه، فيعد للمرتهن إن فرط مرتهنه في قبضه، وإلا بأن لم يفرط فيه، بل جد في طلبه فبادر الراهن وباعه، فتأويلان في مضي بيعه وعدم مضيه، في فهم قول المدونة: وإن بعت من رجل سلعة على أن يرهنك عبده ميمونًا فباعه قبل قبضك إياه مضى البيع، وليس لك عليه رهن غيره، لأن تركك إياه حتى باعه كتسليمك لذلك، وبيعه غير منتقض.
ففهم ابن أبي زيد وابن القصار قولها: (أن تركك إياه. . إلى آخره) على أنه لو لم يفرط ولم يتراخ لم يمض البيع، ولا يبطل الرهن، وللمرتهن رد البيع إن أراد، فإن فات بيد مشتريه كان ثمنه رهنًا مكانه.
стр. 2375
وفهمه ابن رشد وغيره على ظاهره من مضي البيع مطلقًا، مرط أو لا، وهو قول ابن الماجشون.
وإذا علمت تأويل ابن رشد وغيره ظهر لك رد قول الشارح: (لو قال قولان لكان أحسن)؛ لأني لم أر من تأولها على الإمضاء مع التفريط؛ إذ لا يلزم من عدم رؤيته عدم وجوده.
تنبيه:
ظاهر كلام المصنف هنا: أنه لا فرق بين كون الراهن مشترطًا في العقد أو مقطوعًا به، وفي توضيحه عن بعض شيوخ عياض تقييد انظره في الكبير.
وإذا باع الراهن بعده أي بعد قبض المرتهن له بغير إذن المرتهن، فله أي: المرتهن رده، أي: البيع، إن بيع الرهن بأقل من دينه، كان دينه عينًا أو دينه عرضًا؛ لما في بيعه حينئذ من الضرر على المرتهن، وأما لو بيع بقدر دينه فأكثر لمضى، وتعجل المرتهن حقه، شاء الراهن أو أبي، وليس للمرتهن حينئذ رد المبيع.
أو إن بيع بمثل دينه وكان دينه عرضًا، وهو من بيع؛ إذ لا يلزم قبول العرض قبل أجله، ولو بيع بقدر دينه.
وقولنا: (من بيع) ليخرج القرض، فإن الأجل فيه من حقهما، وفي بعض النسخ (عرض) بالرفع، واستحسن الشارح الأولى.
وإن أجاز المرتهن البيع فيما هو مخير في إمضائه ورده، كبيعه بأقل أو بمثل دينه العرض، تعجل ثمنه، فإن وفى فواضح، وإلا ابتعه مما يفي، وهذا طريق ابن رشد، واقتصر عليه المصنف؛ لأنه مذهب المدونة.
وبقي الرقيق رهنا إن دبره سيده بعد الرهن عند ابن القاسم.
ابن وهب: التدبير كالعتق، فيعجل الدين.
стр. 2376
واختاره سحنون، وقرره الشارح على أن الرهن المدبر يبقى على حاله انتهى.
وفيه إبهام؛ لأنه يحتمل كونه يبقى على حاله رهنًا، ويحتمل مدبرًا على حاله.
ومضى عتق الراهن الموسر في رقيقه المرهون، ومضت كتابته في عبده المرهون، وعجل السيد الدين لربه في المسألتين، ولا يلزم المرتهن قبول رهن آخر.
وظاهر كلامه كالمدونة: أعتق أو كاتب قبل الحوز، ونقله عنه في توضيحه، وفي المدونة: الجواز، وعجل الدين؛ لأنهم عدوا فعله رضى بتعجيله؛ إذ الرجوع في الدين لا يجوز، ورد العبد العتق لا يجوز، فلم يبق إلا تعجيل الدين.
تكميل:
ظاهر قوله: (مضى): ولو كان المعتق صغيرًا وأعتق، وهو كذلك، انظر الكبير.
والراهن المعسر إذا أعتق رقبته المرهون أو كاتبه يبقى رهنه على حاله للأجل؛ لأن عتقه لغو، فإن أيسر السيد قبل الأجل أخذ منه الدين، ونفذ عتقه، وكذا كتابته، وإلا بيع من كل بقدر وفاء الدين إن وجد من يشتري بعضًا ويعتق ما فيه، فإذا تعذر بيع بعضه بأن لا يوجد من يشتريه كذلك كله؛ لأنه عتق مدين، وحينئذ يبقى رهنًا لأجل الدين، وإذا حل بيع منه بقدره، والباقي ملك للراهن، يفعل به ما شاء؛ لأن الحكم بما أوجب بيعه في هذه الحالة صير الباقي بعد قضاء الدين ملكًا للسيد على المشهور.
ومنع العبد من وطء أمته المرهون هو معها، أي: رهنهما السيد، وإذا منع وطؤه لها في هذه الحالة فأحرى إن رهنت فقط، فإن رهن هو فقط لم يمنع ما لم يشترط ماله معه.
ويجوز جر (المرهون) صفة لـ (أمته)، جرت على غير من هي له،
стр. 2377
ولذا أبرز ضمير الفاعل عند البصريين، سواء حصل لبس أم لا (١)، ويجوز رفعه صفة للعبد، وعليه فلا يحتاج لإبراز الضمير.
وحد مرتهن وطىء الأمة المرهونة عنده؛ إذ لا شبهة له فيها بالنسبة للملك، ولو ادعى الجهل؛ لأنه زان، وإن أتت بولد كان رهنًا معها، وجاز بيعه؛ إذ لا نسب له.
تتمة:
وعليه ما نقصها وطؤه: بكرًا كانت أو ثيبًا، إن أكرهها، وكذا إن طاوعته، وهي بكر.
الصقلي: وهو الصواب.
ولأشهب: لا شيء عليه إن طاوعته، ولو بكرًا.
إلا أن يطأها بإذن من الراهن المالك فلا حد؛ مراعاة لقول عطاء يجوز التحليل ابتداء، وتقوم على المرتهن لتتم له شبهة الملك بلا ولد؛ لانعقاده على الحرية بإذن المالك: موسرًا كان أو معسرًا، وتقوم عليه بلا ولد: حملت أم لا.
فائدة:
اتفقوا على منع إنكاح الراهن الأمة الرهن، فإن نزل فقال ابن القاسم: لا يجوز إلا بإذن المرتهن، وبمنع الزوج من الوطء ما دامت رهنًا، ولها صداق المثل إن فضل المسمى، وإن بنى بها فعلم المرتهن بطل رهنه، وللأمين بيعه، أي: الرهن الذي وضع تحت يده إلى حلول أجل الدين بغير إذن ربه وبغير إذن الحاكم، إذا باعه بإذن من الراهن في عقده، أي: عقد الرهن؛ لأنه محض توكيل سالم عن توهم كون الراهن مكرهًا فيه، سواء كان الدين من بيع أو قرض، كذا سوى ابن رشد بينهما، وذكر المتيطي خلافًا في القرض.
ومفهوم (بإذن): منعه بغيره؛ لتصرفه في ملك الغير بغير إذنه؛ فهو فضولي.
ومفهوم (في عقده): جوازه بإذنه بعده من باب أولى.
стр. 2380
ومحل جوازه في مسألتي المنطوق والمفهوم إن لم يقل راهنه إن لم آت بالدين في أجل كذا فبعه، فإن قال ذلك فليس له بيعه إلا بأمر الحاكم؛ لأنه الكاشف عن مجيبه وعدمه، ولا يثبت ذلك إلا عنده، كالمرتهن: تشبيه في جواز بيع الرهن بغير إذن الحاكم إذا أذن الراهن في بيعه بعده أي: بعد العقد، ولو قبل أجل الدين اتفاقًا، فإن لم يأذن لم يجز له بيعه، وهو فيه فضولي.
ومفهوم الظرف: منعه بالإذن في نفس العقد؛ إذ الإذن حينئذ منفعة، زادها الراهن، فهي هدية مديان.
وإلا بأن باع الأمين بغير إذن الحاكم فيما إذا قال: إن لم آت، أو المرتهن إذا أذن له في نفس العقد مضى البيع فيهما.
ظاهره: ولو فات المبيع؛ لأنه بيع بإذن ربه، وهو مذهب المدونة، ولمالك في الموازية: يرد ما لم يفت، وبه قرر الشارح كلام المؤلف، وهذا مخالف لما في المدونة، وكأنه تبع ابن الحاجب، حيث صدر به، وحكى الإمضاء بقيل، التي هي صيغة التمريض.
ولا يعزل الأمين المأذون له في بيعه بعزل الراهن إلا بإذن المرتهن في عزله.
قال في اللباب: وهو ظاهر المذهب.
وليس له أي: الأمين إيصاء به لغيره؛ إذ الحق للمتراهنين، ولم يرضيا إلا بأمانته، وباع الحاكم الرهن لوفاء الدين، إن امتنع الراهن من أدائه أو الداء وغاب، وذلك بعد أن ثبت عنده الدين والرهن.
وصريح كلامه: أن الحاكم هو البائع دون سجن ولا حميل، وهو كذلك عند ابن رشد وغيره، وحمل الشارح كلام المصنف على أن الحاكم يجبر الراهن على البيع، فإن امتنع باع الحاكم عليه، مخالف لما هنا ولما في توضيحه عن البيان وغيره، انظر الكبير.
стр. 2381
تنبيه:
ظاهر كلامه: سواء كان المبيع عرضًا أو عقارًا، وهو كذلك؛ إذ لم يفرق اللخمي بينهما.
تتميم:
إذا باع الحاكم في غيبة الراهن واحتاج لسمسار فهل أجرته على المرتهن، وهي رواية عيسى وأصبغ عن ابن القاسم، أو على الراهن، وهو قولهما؟ قولان.
وإذا احتاج الرهن لنفقة رجع مرتهنه على مالكه بنفقته في ذمته لا في عين الرهن: عقارًا كان أو حيوانًا، إن أذن له الراهن بالإنفاق، بأن قال له: انفق عليه، بل ولو لم يأذن له على المشهور؛ لأن غلته له، ومن له الغلة عليه النفقة.
مالك في المدونة: وإن أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه أو بغير أمره رجع بما أنفق الراهن انتهى.
حاضرًا كان أو غائبًا، مليئًا أو معدمًا، وظاهر كلام المصنف: ولو زادت النفقة على قيمته، وهو كذلك في المدونة وغيرها.
وظاهره: ولو كان ما أنفق مؤنة تجهيز، وهو كذلك، ونحوه في المدونة.
تنبيه:
وهذا بخلاف النفقة على الضالة في أنها عينها، وتباع فيها، فإن قصر ثمنها عن الإنفاق لم يتبع صاحبها بالزائد.
وليس الرهن رهنًا به، أي: بالإنفاق، إلا أن يصرح الراهن بأنه رهن بها، أي: بالنفقة بأن يقول الراهن رهن فيما تنفقه عليه، فحينئذ يكون رهنًا فيها، لا في ذمة الراهن.
وهل نفقته في الرهن وإن لم يصرح بذلك، بل قال: انفق ونفقتك
стр. 2382
في الرهن، وهو رأي ابن يونس وجماعة، أو لا يكون رهنا بها إلا أن يصرح، كالتي قبلها، وهو رأي ابن شلبون وابن رشد؟ تأويلان في فهم قولها عقب ما تقدم.
قال ابن القاسم: ولا يكون ما أنفق في الرهن إذا انفق بأمر ربه إلا أن يقول انفقوا على أن نفقتك في الرهن، فإذا قال ذلك فله حبسه بنفقته، وبما رهنه فيه أن يقوم الغرماء على الراهن، فلا يكون المرتهن أحق منه بفضلة دينه لأجل نفقته، أذن لهم في ذلك أم لا، إلا أن يقول: انفق والرهن بما أنفقت رهن انتهى.
تحصيل:
تلخص من كلام المصنف وكلامها أن أحوال الإنفاق ثلاثة: الأولى: في كلامها أن يقول انفق فقط والنفقة في الذمة فقط.
الثانية: من كلامه وهي، الثالثة فيها: أنفق والرهن مما أنفقت رهن.
الثالثة: من كلامه، وهي الثانية فيها: أنفق على أن نفقتك في الرهن.
ثم فرع على ما تقدم بفاء السببية قوله: ففي افتقار الرهن للفظ مصرح به، وهو تأويل ابن شبلون وابن رشد، وعدم افتقاره للتصريح بذلك، وهو تأويل ابن يونس: تأويلان.
ابن عرفة: الصيغة ما دل على خاصة، وهو اختصاص من حيز له به عن من سواه.
وفي لزوم كون الدلالة مطابقة أو يكفي دلالة الالتزام قولان لابن القاسم وأشهب.
فإذا أنفق مرتهن على إصلاح كشجر وزرع رهن يسيره مثلًا، وخيف عليه التلف لتمورها، وأبي الراهن من إصلاحها، بدئ بالنفقة منه على غيرها من الدين، فيستوفي من رقاب الشجر والزرع، وما فضل كان في دينه، فإن بقي بعد ذلك شيء فلربه، وإن قصر الرهن عنها لم يتبع الراهن بتمامه.
стр. 2383
وذكر الشجر لشموله النخل، وأدخل الزرع بالكاف.
وتؤولت على عدم جبر الراهن عليه، أي: الإنفاق، مطلقًا سواء كان: الرهن مشترطًا في أصل العقد أو متطوعًا به بعده، وقدم هذا التأويل لقوته، وإن رده بعضهم.
وتأولها ابن رشد أيضًا على التقييد بالتطوع، أي: على أن الرهن لم يكن في أصل البيع ولا السلف، وإنما تطوع به الراهن بعد العقد، وأما لو كان مشترطًا في العقد لجبر على الإنفاق.
فائدة:
قال ابن عبد السلام: لم يعدوا نفقة المرتهن سلفًا جر نفعًا، ولعل ذلك لشدة ما يلحقه من الضرر بهلاك الرهن، إذا ترك النفقة عليه.
ثم شرع في الكلام على ضمان الرهان، فقال: وضمنه مرتهنه بشروط ثلاثة شرطين ثبوتيين، وهما:
- إن كان الرهن بيده، أي: المرتهن.
- والثاني: إن كان مما يغاب عليه، أي: يمكن إخفاؤه، كحلي وثياب.
والشرط الثالث: عدمي، أشار له بقوله: ولم تشهد للمرتهن بينة بكحرقه أو سرقة.
ويأتي مفهوم هذه الشروط، وحيث قلنا بالضمان مع وجود واحد منها فهو ثابت، ولو شرط المرتهن البراءة منه من الضمان؛ لأنه للتهمة عند ابن القاسم، وعند أشهب ضمان أصالة فيبرأ، وللمسألة سبع نظائر ذكرناها في الكبير.
أو علم احتراق محله، أي: المرتهن وادعى حرقه مع متاعه، ولا بينة له بذلك، فالضمان لاحتمال كذبه، إلا يبقاء بعضه محرقًا، فلا ضمان، وعلى هذا فالضمان منتف بشرطين:
стр. 2384
- علم احتراق محله.
- والإتيان ببعضه محرقًا.
رواه ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم، زاد محمد:
- وأن يعلم النار بغير سببه.
واختلف: هل هو تفسير للمذهب أو خلاف؟ وأُفتيَ بعدمه، أي: بعدم الضمان في العلم باحتراق محل المرتهن، والمفتي في مسألة الاحتراق هو الباجي، حيث قال: وعندي أنه إن كان مما جرت العادة برفعه في الحوانيت، أي: يكون متعديًا بنقله عنها فأرى أن يصدق في احتراقه فيما علم من احتراق حانوته، وبه أفتيت في طرطوشة (١) عند احتراق أسواقها وكثرت الخصومات.
وفي ظني أن بعض الطلبة أظهر لي رواية عن ابن أيمن بمثل ذلك، وعلى هذا الإفتاء تعقب الشارح على المصنف بأنه دخل في نقله عن الباجي
стр. 2385
بعدم ذكره، إن كان مما جرت العادة إلى آخره.
ثم قال: نعم، كلامه هنا يوافق ما قاله المازري لما فتح الروم المهدية (١) سنة ثمانين وأربعمائة، ونهبوا الأموال، وكثرت الخصومات مع المرتهنين والصناع، وفي البلد مشايخ متوافرون علما، أفتى جميعهم بتكليف المرتهن والصانع البينة أن ما عنده أخذه الروم، وأفتيت بعدم الضمان، وكان القاضي يعتمد فتواي، ثم توقف لكثرة من خالفني، حتى شهد عنده عدلان أن شيخ الجماعة السيوري أفتى بما أفتيت به، ثم قدم كتاب المنتقى، فذكر