تنبيه:
ظاهر كلامه: سواء كان المبيع عرضًا أو عقارًا، وهو كذلك؛ إذ لم يفرق اللخمي بينهما.
تتميم:
إذا باع الحاكم في غيبة الراهن واحتاج لسمسار فهل أجرته على المرتهن، وهي رواية عيسى وأصبغ عن ابن القاسم، أو على الراهن، وهو قولهما؟ قولان.
وإذا احتاج الرهن لنفقة رجع مرتهنه على مالكه بنفقته في ذمته لا في عين الرهن: عقارًا كان أو حيوانًا، إن أذن له الراهن بالإنفاق، بأن قال له: انفق عليه، بل ولو لم يأذن له على المشهور؛ لأن غلته له، ومن له الغلة عليه النفقة.
مالك في المدونة: وإن أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه أو بغير أمره رجع بما أنفق الراهن انتهى.
حاضرًا كان أو غائبًا، مليئًا أو معدمًا، وظاهر كلام المصنف: ولو زادت النفقة على قيمته، وهو كذلك في المدونة وغيرها.
وظاهره: ولو كان ما أنفق مؤنة تجهيز، وهو كذلك، ونحوه في المدونة.
تنبيه:
وهذا بخلاف النفقة على الضالة في أنها عينها، وتباع فيها، فإن قصر ثمنها عن الإنفاق لم يتبع صاحبها بالزائد.
وليس الرهن رهنًا به، أي: بالإنفاق، إلا أن يصرح الراهن بأنه رهن بها، أي: بالنفقة بأن يقول الراهن رهن فيما تنفقه عليه، فحينئذ يكون رهنًا فيها، لا في ذمة الراهن.
وهل نفقته في الرهن وإن لم يصرح بذلك، بل قال: انفق ونفقتك
стр. 2382
في الرهن، وهو رأي ابن يونس وجماعة، أو لا يكون رهنا بها إلا أن يصرح، كالتي قبلها، وهو رأي ابن شلبون وابن رشد؟ تأويلان في فهم قولها عقب ما تقدم.
قال ابن القاسم: ولا يكون ما أنفق في الرهن إذا انفق بأمر ربه إلا أن يقول انفقوا على أن نفقتك في الرهن، فإذا قال ذلك فله حبسه بنفقته، وبما رهنه فيه أن يقوم الغرماء على الراهن، فلا يكون المرتهن أحق منه بفضلة دينه لأجل نفقته، أذن لهم في ذلك أم لا، إلا أن يقول: انفق والرهن بما أنفقت رهن انتهى.
تحصيل:
تلخص من كلام المصنف وكلامها أن أحوال الإنفاق ثلاثة: الأولى: في كلامها أن يقول انفق فقط والنفقة في الذمة فقط.
الثانية: من كلامه وهي، الثالثة فيها: أنفق والرهن مما أنفقت رهن.
الثالثة: من كلامه، وهي الثانية فيها: أنفق على أن نفقتك في الرهن.
ثم فرع على ما تقدم بفاء السببية قوله: ففي افتقار الرهن للفظ مصرح به، وهو تأويل ابن شبلون وابن رشد، وعدم افتقاره للتصريح بذلك، وهو تأويل ابن يونس: تأويلان.
ابن عرفة: الصيغة ما دل على خاصة، وهو اختصاص من حيز له به عن من سواه.
وفي لزوم كون الدلالة مطابقة أو يكفي دلالة الالتزام قولان لابن القاسم وأشهب.
فإذا أنفق مرتهن على إصلاح كشجر وزرع رهن يسيره مثلًا، وخيف عليه التلف لتمورها، وأبي الراهن من إصلاحها، بدئ بالنفقة منه على غيرها من الدين، فيستوفي من رقاب الشجر والزرع، وما فضل كان في دينه، فإن بقي بعد ذلك شيء فلربه، وإن قصر الرهن عنها لم يتبع الراهن بتمامه.
стр. 2383
وذكر الشجر لشموله النخل، وأدخل الزرع بالكاف.
وتؤولت على عدم جبر الراهن عليه، أي: الإنفاق، مطلقًا سواء كان: الرهن مشترطًا في أصل العقد أو متطوعًا به بعده، وقدم هذا التأويل لقوته، وإن رده بعضهم.
وتأولها ابن رشد أيضًا على التقييد بالتطوع، أي: على أن الرهن لم يكن في أصل البيع ولا السلف، وإنما تطوع به الراهن بعد العقد، وأما لو كان مشترطًا في العقد لجبر على الإنفاق.
فائدة:
قال ابن عبد السلام: لم يعدوا نفقة المرتهن سلفًا جر نفعًا، ولعل ذلك لشدة ما يلحقه من الضرر بهلاك الرهن، إذا ترك النفقة عليه.
ثم شرع في الكلام على ضمان الرهان، فقال: وضمنه مرتهنه بشروط ثلاثة شرطين ثبوتيين، وهما:
- إن كان الرهن بيده، أي: المرتهن.
- والثاني: إن كان مما يغاب عليه، أي: يمكن إخفاؤه، كحلي وثياب.
والشرط الثالث: عدمي، أشار له بقوله: ولم تشهد للمرتهن بينة بكحرقه أو سرقة.
ويأتي مفهوم هذه الشروط، وحيث قلنا بالضمان مع وجود واحد منها فهو ثابت، ولو شرط المرتهن البراءة منه من الضمان؛ لأنه للتهمة عند ابن القاسم، وعند أشهب ضمان أصالة فيبرأ، وللمسألة سبع نظائر ذكرناها في الكبير.
أو علم احتراق محله، أي: المرتهن وادعى حرقه مع متاعه، ولا بينة له بذلك، فالضمان لاحتمال كذبه، إلا يبقاء بعضه محرقًا، فلا ضمان، وعلى هذا فالضمان منتف بشرطين:
стр. 2384
- علم احتراق محله.
- والإتيان ببعضه محرقًا.
رواه ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم، زاد محمد:
- وأن يعلم النار بغير سببه.
واختلف: هل هو تفسير للمذهب أو خلاف؟ وأُفتيَ بعدمه، أي: بعدم الضمان في العلم باحتراق محل المرتهن، والمفتي في مسألة الاحتراق هو الباجي، حيث قال: وعندي أنه إن كان مما جرت العادة برفعه في الحوانيت، أي: يكون متعديًا بنقله عنها فأرى أن يصدق في احتراقه فيما علم من احتراق حانوته، وبه أفتيت في طرطوشة (١) عند احتراق أسواقها وكثرت الخصومات.
وفي ظني أن بعض الطلبة أظهر لي رواية عن ابن أيمن بمثل ذلك، وعلى هذا الإفتاء تعقب الشارح على المصنف بأنه دخل في نقله عن الباجي
стр. 2385
بعدم ذكره، إن كان مما جرت العادة إلى آخره.
ثم قال: نعم، كلامه هنا يوافق ما قاله المازري لما فتح الروم المهدية (١) سنة ثمانين وأربعمائة، ونهبوا الأموال، وكثرت الخصومات مع المرتهنين والصناع، وفي البلد مشايخ متوافرون علما، أفتى جميعهم بتكليف المرتهن والصانع البينة أن ما عنده أخذه الروم، وأفتيت بعدم الضمان، وكان القاضي يعتمد فتواي، ثم توقف لكثرة من خالفني، حتى شهد عنده عدلان أن شيخ الجماعة السيوري أفتى بما أفتيت به، ثم قدم كتاب المنتقى، فذكر
стр. 2386
فيه في الاحتراق مثل ما أفتيت به، وذكر كلام الباجي السابق انتهى.
والذي ذكره الباجي معترض بما قاله الشارح.
وإلا بأن اختل شرط منها كأن لا يكون بيده بل بيد أمين، أو كان بيده لكنه لا يغاب عليه، أو كان بيده ويغاب عليه، لكن شهدت البينة بكحرقة، أو علم احتراق محله، وبقي بعضه محرقًا، فلا ضمان عليه.
وتعقب بعض مشايخي قول الشارح بأن (إلا) الاستثنائية بأنها ليست كذلك، وإنما هي إنِ الشرطية في حيزها (لا)، بدليل مجيء الفاء في الجواب انتهى.
وأعاد المصنف هذه المسائل مع دخولها في مفهوم الشرط ليرتب على ذلك قوله ولو اشترط الراهن ثبوته أي الضمان لم يضمنه وهو مذهب المدونة والموازية.
ثم استثنى من عدم ضمان المرتهن ما لا يغاب عليه إذا ادعى تلفه كالحيوان على اختلاف أنوعه، فقال: إلا أن يكذبه عدول في دعواه موت دابة معه بسفر، أو دعواه ذلك بحضر، ولم يعلم بها أحد.
ومفهوم (عدول) قول المازري: لو كذبه غير عدول لم ينتقل الحكم عن تصديقه؛ لتكذيبه بتكذيب قوم ليسوا بعدول، أما لو صدقوه لتأكد الظن بصدقه: عدولًا كانوا أو غيرهم، ويكفي في تصديق الحضور أنهم رأوا دابة ميتة، وإن لم يعلموا أنها الرهن، كذا في المجموعة، ومثله للباجي، زاد: ويحلف إنها هي.
قال: وهو الصحيح، إذا كانت الشهادة على صفة تغلب على الظن أنها ليست غير التي بيد المرتهن، أو يكون الأمر مشكلًا يستصحب الحكم بعد ضمان ما لا يغاب عليه.
وحلف المرتهن فيما يغاب عليه أنه تلف بلا دلسة دلسها فيه، وأنه لا يعلم موضعه، كذا في العتبية، وحمل بعضهم المدونة عليه، ووجه يمينه مع ضمانه تهمته على الرغبة في تعييبه.
стр. 2387
والفرق بين ضمان ما يغاب عليه دون غيره: العمل الذي لا اختلاف فيه، نقله مالك في الموطأ؛ ولأن الرهن لم يؤخذ لمنفعة ربه فقط، فيكون ضمانه من ربه كالوديعة، ولا المنفعة الأخذ فقط كالقرض، فيكون فيه فقط، بل أخذ شبها منهما فتوسط، وجعل ضمان ما لا يغاب عليه من الراهن لعدم تهمة المرتهن، وما يغاب عليه من المرتهن إلى أن يسلمه لربه.
وإن قبض الدين الذي فيه الرهن أو وهب، أي: وهبه للراهن، والموضع للمبالغة كما قررنا لا للشرط، ونص عليه لئلا يتوهم أنه صار كالوديعة بمجرد قبض الدين، وليس كذلك، لأنه لم يقبض في الأصل على الأمانة بخلافها، إلا أن يحضره المرتهن لربه، أو إلا أن يدعوه لأخذه فيقول له: أتركه عندك، فيتركه ويتلف فيسقط ضمانه عن المرتهن؛ لأنه صار في أمانته.
وإن جنى الرهن الممكن جنايته كالرقيق على أحد أو استهلك مالًا، واعترف راهنه وحده بالجناية، ولم تثبت ببينة لم يصدق راهنه، إن أعدم؛ إذ اعترافه موجب لخروج حق المرتهن للمجني عليه.
وظاهره: ولو أعدم قبل الأجل، وهو كذلك في المدونة.
وإلا يكن الراهن معدمًا بل كان مليئا صدق، وبقي الرهن رهنًا على حاله إن فداه الراهن، بأن دفع أرش جنايته لوصول المجني عليه لحقه.
وإلا بأن لم يفده سيده المليء أسلم الرهن وجوبًا بالمجني عليه بعد مضي الأجل، ودفع الدين لربه، وإنما بقي عنده للأجل لأن وثيقته متقدمة على الجناية، فإذا حل الأجل أجبر على دفع الدين، وعلى إسلامه، كذا في المدونة.
وشمل قوله: (وإلا) ما لو سكت، أو أبي من فدائه، والذي في المدونة هو الثاني.
تنبيه:
ظاهرها كالمصنف، ولو أراد فداءه بعد إبائه عند الأجل، وجعله ابن
стр. 2388
عرفة محل نظر، فقال: انظر لو أبي أولًا، وهو مليء، ثم أراده حين الأجل، ونازعه المجني عليه، والأظهر أن ليس له ذلك؛ لأنه لو مات كان من المجنى عليه.
وإن ثبتت جنايته، أي: الرهن ببينة، أو اعترفا، أي: المتراهنان، فقد تعلق به حينئذ ثلاثة حقوق:
- للسيد.
- وحق للمرتهن.
- وحق للمجني عليه.
فيخير السيد أولًا في فدائه وأسلمه، لأنه المالك، فإن فداه بقي رهنًا على حاله، ولوضوحه تركه، وإن لم يفده ربه وأسلمه خير المرتهن أيضًا؛ لتقدم حقه على حق المجني عليه، فإن أسلمه مرتهنه أيضًا فللمجني عليه أخذه بماله، بكسر اللام ملكًا له.
قال مالك في المدونة: قل ماله أو كثر. زاد: وبقى دين المرتهن بحاله.
ابن يونس: وليس له أن يؤدي الجناية من مال العبد، ويبقى رهنًا إلا أن يشاء سيده.
زاد صاحب النكت كان ماله مشترطًا إدخاله في الرهن أو لا؛ لأن المال إذا قبضه ذو الجناية قد يستحق، فيتعلق على السيد غرم مثله، إذ رضاه بدفعه إليهم كدفعه من ماله، فأما إن أراد الراهن ذلك وأبي المرتهن فإن كان لم يشترط المرتهن إدخال المال في الرهن فلا كلام له، وإن اشترط إدخاله في الرهن، فإن ادعى المرتهن إلى أنه يفديه كان ذلك له، وإن أسلم العبد كان ذلك للراهن، كذا في التوضيح، وتبعه الشارح.
وفي التكملة: قوله: (وأسلمه) معطوف على (ثبتت)، وقوله: (فإن أسلمه) جواب الشرط.
стр. 2389
ومفهومه: لو لم يسلمه وفداه لا يكون للمجني عليه، وبقى رهنًا.
وقول الشارح: (وإن أسلمه أشار به إلى ثبوت الخيار) فيه نظر؛ إذ يحتمل أن يقال: إذا ثبتت أو اعترافًا يجب عليه إسلامه أو يجب عليه فداؤه، وكذا قوله: (فإن أسلمه)؛ فلا دليل فيهما على ثبوت الخيار، فانظره انتهى.
وإن فداه المرتهن بغير إذنه، أي: الراهن ففداؤه ثابت في رقبته فقط دون ماله، مبدأ على الدين، وهو المشهور ومذهب المدونة واختيار ابن القاسم وابن عبد الحكم؛ لأنه إنما فداه ليرده على ما كان عليه أولًا، وهو إنما كان مرهونًا بدون ماله.
وأما لو رهن بماله لعاد معه اتفاقًا، وكان الفداء فيهما؛ ولذا قال: إن لم يرهن بماله، وهو لمالك، واختاره ابن المواز وأكثر الأصحاب، أن فداءه في رقبته وماله معًا، وضعفه في التوضيح بوجهين، ولذا لم ينبه على اختياره، ولم يبع هذا الجاني إلا في الأجل قاله في المدونة؛ لأنه إنما يرجع على ما كان مرهونًا عليه.
وقال سحنون: يباع قبل الأجل وبعده.
اللخمي: وهو أحسن.
ولم ينبه على استحسانه لقوله في توضيحه: إنه مدفوع بما وجه به المشهور من رجوعه على ما كان عليه.
وإن فداه المرتهن من الجاني بأذنه، أي: الراهن فليس الرهن رهنًا به، أي: بالفداء، بل هو سلف في ذمة الراهن، ولو زاد على قيمته، قاله محمد، ولمالك وابن القاسم يكون رهنًا بالفداء.
وإذا قضي بعض الدين سواء قضاه الراهن أو نائبه، وبقي بعضه، أو سقط بعضه من الراهن بإبراء أو هبة أو صدقة أو طلاق قبل البناء، فجميع الرهن رهن فيما بقي من الدين بعد القضاء أو السقوط.
ابن عرفة: كل جزء من الرهن رهن بكل جزء من الدين الذي رهن
стр. 2390
فيه، بمعنى الكلية فيهما، لا بمعنى التوزيع إن اتحد مالك الدين، وإن تعدد ولا شركة بينهم فيه فعلى معنى التوزيع انتهى.
وظاهر كلام المصنف: سواء اتحد الدين كدار، أو تعدد كثياب، وهو كذلك.
تنكيت:
وظاهره أيضًا: سواء اتحد الراهن أو تعدد، اتحد المرتهن أو تعدد، وليس كذلك فيهما، ففي توضيحه عن المدونة: إذا أقرضاه جميعًا واشترطا أن يرهنهما رهنا فلا بأس به. قيل: فإن قضى أحدهما دينه فهل له أخذ حصته من الراهن.
قال مالك في رجلين رهنا دارًا لهما في دين فقضى أحدهما حصته من الدين فله أخذ حصته من الدار فكذلك مسألتك انتهى.
ففي المسألة الأولى اتحد الراهن وتعدد المرتهن والثانية عكسها.
ثم شبه في الحكم وعكس الصورة، فقال: كاستحقاق بعضه، أي: فيبقى الباقي رهنًا بالجميع، يختص به المرتهن.
تكميل:
إن كان الرهن مما ينقسم قسم، وبقيت حصة الراهن رهنًا، وإن كان مما لا ينقسم بيع جميعه، كغيره من المشتركات التي لا تنقسم، إذا طلب أحد الشريكين البيع جبر له الآخر.
تنبيه:
ظاهر تشبيه المصنف أن البعض يبقى، ولو بيع بما يوفي الدين جنسًا وصفة، وهو كذلك عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب في تعجيله للمرتهن.
والقول عنده دعوى حائز لشيء أنه رهن وربه أنه وديعة لمدعي نفي الرهينة.
стр. 2391
تنبيه:
ظاهره: صدقت العادة المرتهن أو لا، وهو كذلك، وقيده اللخمي بما إذا لم تصدقه العادة، كخاتم عند خباز أو بقال، واستظهره المصنف، ولم يذكره هنا.
وهو أي: الرهن كالشاهد في قدر الدين عند اختلاف المتراهنين، فإذا قال الراهن: في مائة. وقال المرتهن: في مائتين مثلًا، والرهن قائم صدق من شهد له بيمينه وعدل، كالمدونة وابن الحاجب عن أن يقول شاهد؛ لأنه لا ينزل منزلته من كل وجه؛ لأنه في أشهر القولين شاهد على نفسه، لا على الذمة؛ إذ لو كان شاهدًا عليها لكان القول قول المرتهن أبدًا, وإن كانت قيمة الرهن: مما أقر به الراهن.
ابن ناجي: قال بعض أصحابنا: لم يقل شاهد؛ لأن الشاهد ينطق بلسانه، وهو مفقود في الرهن، فلا حجة فيه لأحد القولين، وأجبته بأنه يأتي في المدونة شاهد على نفسه.
تنبيه:
إنما كان شاهدًا للعرف، ولها نظائر انظرها في الكبير.
لا العكس، فلا يكون الدين كالشاهد في قدر الرهن على المشهور، وإنما لم يكن الدين كالشاهد؛ لأن المرتهن غارم، والغارم مصدق، قاله مالك وجمهور أصحابه.
وحيث كان كالشاهد فمنتهى شهادته إلى قدر قيمته إن لم يكن بيد أمين، بل ولو كان بيد أمين، قاله محمد، وصوبه ابن أبي زيد، ولذا قال: على الأصح.
ثم شهادته معمول بها على كل حال، ما لم يفت في ضمان الراهن، بأن كان مما لا يغاب عليه، أو كان مما يغاب عليه وقامت بينة على هلاكه.
ومفهوم (لم يفت إلى آخره): أنه لو فات في ضمان المرتهن لضمنه، وتنزلت قيمته منزلته.
стр. 2392
وحلف مرتهنه وحده، أي: مرتهن الرهن الشاهد، وهو الذي لم يفت، أو فات في ضمان المرتهن لموافقته قوله في المائتين في القرض السابق، وأخذه المرتهن في دينه؛ لثبوته له حينئذ بشاهده ويمينه، إن لم يفتكه الراهن بما حلف عليه المرتهن، فإن أفتكه بذلك فهو أحق به، وعليه قيمته.
ومفهوم (حلف): أنه لو نكل لم يأخذه، وهو كذلك، ثم يحلف الراهن ويأخذه، ولم يلزمه إلا ما أقر به، وهو المائة في المثال السابق؛ إذ نكول المرتهن وحلف الراهن على أنه ليس إلا على مائة حجة واضحة في صدق الراهن.
ولما ذكر ما إذا وافق المرتهنين ما إذا خالف قوله، فقال: فإن زاد قول المرتهن على قيمة الرهن، بأن ادعى دينارين كما في المثال السابق، والرهن يساوي دينارًا، حلف الراهن وحده، وأخذ رهنه ودفع ما أقر به للمرتهن، وهو المائة، وإن نكل حلف المرتهن، وأخذ ما ادعاه.
وإن نقص قول الراهن عن القيمة، ونقضت القيمة عن قول المرتهن، بأن كانت قيمته مائة وخمسين، والقرض السابق بحاله، أي: المرتهن يدعى مائتين، والراهن يدعى مائة، فقيمة الراهن مخالفة لدعوى كل منهما، حلفا.
عياض: اتفاقًا؛ لعدم ثبوت دعوى كل منهما.
وأخذه، أي: المرتهن بما فيه، وكذا إن نكلا، إن لم يفتكه الراهن بقيمته عند مالك وابن نافع وابن المواز، وإذا قلنا: يحلفان، ففي الموطأ يبدأ المرتهن؛ لأن الرهن كالشاهد له على قيمته، فإن حلف حلف الآخر، وإن نكل لزمه ما ادعاه المرتهن، وكذا لو حلف الراهن، ونكل المرتهن، لم يلزم الراهن، إلا ما حلف عليه.
تنكيت:
في قوله: (حلف) إجمال؛ لأنه يحتمل أن يحلف على طبق دعواه، وهو قول مالك في الموطأ، وبه قرره الشارح، ويحتمل أنه غير بين حاله
стр. 2393
على دعواه، أو على قيمة الرهن فقط، وهو قول ابن المواز.
فإن اختلفا في قيمة رهن تالف عند المرتهن، تواصفاه، ثم إن اتفقا على صفة قوم، أي: قومه أهل الخبرة، وقضي بقولهم.
ابن ناجي: ولا يدعى للتقويم؛ إذ لا قائل بالتعدد، وإنما اختلف هل يكفي واحد أو اثنان، بناء على أنه خبر أو شهادة.
ووقع في نسخة الشارح في الكبير: (في قيمة بألف)، فقال: هو على سبيل المثال، وإلا فلا، فلا فرق بين الألف والمائة وغيرهما، وهو غير ظاهر؛ لأنه لا يفهم منه كونه تالفًا.
فإن اختلفا في صفته بأن قال: الراهن صفته كذا.
وقال المرتهن: لآيل كذا.
فالقول للمرتهن مع يمينه.
وظاهره: ولو ادعى شيئًا يسيرًا؛ لأنه غارم.
وقال أشهب: إلا أن يتبين كذبه للقلة ما ذكر جدًا.
فإن تجاهلا قال في التوضيح: بأن قال كل منهما: لا أعلم قيمته الآن ولا صفته، فالرهن بما فيه، ولا شيء لأحدهما قبل الآخر، وعلى هذا حمل أصبغ خبر الرهن، بما فيه.
اللخمي: لأن كلا منهما لا يدري: هل يفضل له عند صاحبه شيء أم لا.
قال الشارح في الأوسط والصغير: فإن تجاهل الراهن والمرتهن تلك القيمة.
стр. 2394
ومفهوم تجاهلا: لو جهل أحدهما ووصفه الآخر لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أفهم، انظر الكبير.
واعتبرت قيمته يوم الحكم عند ابن القاسم إن بقي؛ لأن الشاهد إنما تعتبر شهادته يوم الحكم بها.
واختلف هل تعتبر قيمته يوم التلف؛ لأن عينه كانت أولًا شاهدة، أو إنما تعتبر القيمة على الرهن يوم الضياع، ورواه عيسى في الموازية، أو تعتبر يوم القبض، ورواه عيسى عن ابن القاسم في المدونة؛ لأن القيمة يوم القبض، كالشاهد يضع خطة ويموت، فيرجع لخطـ[ـتـ]ـه، ويقضى بشهادته يوم وضعها، أو تعتبر يوم الرهن.
الباجي: وهو الأقرب؛ لأن الناس إنما يرهنون ما يساوي ديونهم غالبًا.
وهذا الاختلاف إن تلف أقوال، والثلاثة لابن القاسم، وإن اختلفا في مقبوض بيد صاحب دينين على مدين، وأحدهما برهن والآخر بغير رهن، فقال الراهن: المقبوض عن دين الرهن، وقال المرتهن: بل عن غيره فقط، ولا بينة لواحد منهما، وزع المقبوض على قدر الدينين من بعد حلفهما كل على دعواه بالمحاصة، كما صرح به في الجلاب، وهو الذي يشير إليه قوله هنا (وزع).
وأما قول المدونة: يكون نصفه للرهن ونصفه لغيره؛ فلأنه فرض مسألة الرهن في دينين قدرهما مائتان.
ومسألة الحمالة الآتية في دينين قدر كل منهما ألف، فإن نكل أحدهما وحلف الآخر فالقول قول الحالف، ونحوه في المدونة, وللخمي تفصيل بين حلولهما وعدم حلولهما وقرب أجل غير الحالين وبعده، لم يعول المصنف عليه، فتركناه هنا، انظره في الكبير.
стр. 2395
ثم شبه هذه المسألة بمسألة الحمالة، فقال: كالحمالة، كمن له ألف تحميل، وألف بغيره، وأقبضه ألفًا، واختلف في المقبوض: هل هو عن دين الحميل أم لا، وفلس المديان.
ابن رشد: والكلام فيهما واحد، ومذهب المدونة أنهما يتحالفان، ويقسم المقبوض بينهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر فالقول للآخر.
وحكي في المدونة عن غير ابن القاسم أن القول للمقتضي مع يمينه؛ لأنه مؤتمن مدعى عليه، واللَّه تعالى أعلم.
* * *
стр. 2396
جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر
للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء السادس
دار ابن حزم
стр. 2397
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
стр. 2398
باب
ذكر فيه أحكام المفلس، وهو المدين، منعًا وجوازًا وإنظارًا وحبسًا، وغير ذلك.
وعرف المصنف الفلس بقوله: للغريم، وهو: رب الدين واحدًا كان أو متعددًا؛ لأن اللام للجنس منع من -أي: مدين- أحاط الدين الحال بماله من تبرعه، أي: زاد عليه؛ إذ المساوي لا يحيط بمساويه.
ومفهومه: أن ما ساواه أو نقص عنه لا يمنع، وهو كذلك.
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله: (للغريم) أنه ليس للمديان أن يفلس نفسه، وسيأتي.
قال في توضيحه: وأخذ من قول ابن الحاجب وإذا التمس الغرماء، وفيه خلاف للشافعية.
الثاني: أفهم قوله: (الدين) أن من أحاطت التبعات بماله لا يفلس،
стр. 2399
وهو كذلك، قالـ[ـه] أحمد بن نصر الداوودي، انظر كلامه في الكبير، واللَّه أعلم (١).
الثالث: قول صاحب التكملة: ظاهره: أن للغريم الحجر بلا حاكم.
وقال المازري: اتفق مالك والشافعي على أنه للحاكم فقط.
يرد بقول ابن عرفة حد التفليس: المانع قبول إقراره قيام غرمائه عليه، أو قيامهم فيستتر عنهم.
محمد: ويمنعونه من التصرف في ماله انتهى.
стр. 2400
فظاهره: أن لهم ذلك دون حاكم.
الرابع: أفهم قوله: (أحاط) أنه علمت إحاطته، وأما لو ادعى الملاء، لم يمنع إلا بعد كشف السلطان عن غرمائه، فإن وجد وفاء لم يفلس، وإلا فلس.
اللخمي: وهو المشهور.
وللغريم منعه من سفره إن حل دينه بغيبته، نحوه في المدونة، وقيدت بما إذا لم يوكل في قضائه فإن وكل لم يمنع، وذكر ابن الحاجب القيد، فقال: فيوكل من يوفيه، وتركه المصنف.
تتميم:
وإذا وكل فهل له عزل الوكيل؟
ابن عبد السلام: فيه تردد، واختار بعض المحققين له عزله إلى بدل، لا مطلقا.
تنبيه:
هذا الحكم -وهو منع المديان من السفر- عام فيه، لا بقيد كونه مفلسا؛ ولذا أطلقه في السلم الثالث من المدونة، وقد يقال: ليس في كلام المصنف ما يقتضي عدم عمومه في غيره؛ لأن كلامه إنما هو في الفلس خاصة.
ومفهوم الشرط: عدم منعه إن لم يحل بغيبته، وهو كذلك.
وظاهره: أنه لا يلزمه كفيل، ولا إشهاد، وهو كذلك، نص عليه ابن شاس.
وله منعه من إعطاء غيره من الغرماء قبل أجله؛ لأنه سلف، فيصير تبرعا.
بعض القرويين: ويتفق على رده.
стр. 2401
أو إعطاء كل مما بيده لبعض غرمائه اتفاقًا؛ لأن له فيه حقًا، وسيأتي مفهومه.
كإقراره أي: من أحاط الدين بماله قبل الحجر، لا يقيل لمتهم عليه، كابنه وأخيه وزوجته على المختار عند اللخمي من خلاف حكاه هو وغيره.
ثم قال بعد حكايته: وأن لا يجوز أحسن، وكذا على الأصح، الذي أفتى به قاضي الجماعة بقفصة (١)، حين نزلت به، وشهره المتيطي.
ومفهومه: جوازه لمن لا يتهم عليه، وهو كذلك اتفقا، حكاه ابن عرفة.
لا بعضه أي لا يمنع من إعطاء بعض المال الذي بيده لبعض غرمائه.
وأشار بعضهم للخلاف فيه، وما في الكافي من اتفاق مالك وأصحابه على المنع لعله طريقة.
وظاهر كلام المصنف: ولو تشاوروا في تفليسه، وهو كذلك، وسمع عيسى ابن القاسم: ما لم يتشاوروا فيه.
стр. 2402
ولا يمنع من أحاط الدين بماله من رهنه لبعض غرمائه.
وظاهره كالمدونة، ولو تبين فلسه، وهو كذلك، ففيها: قضاؤه بعض غرمائه أو رهنه جائز، ما لم يفلس، وقد كان مالك يقول إذا تبين فلسه فليس له ذلك، ويدخل الغرماء معه، وليس بشيء.
ابن القاسم: وعلى إجازته جماعة الناس.
وجوز صاحب التكملة في (بعضه) و (رهنه) النصب والجر عطفا على كل.
وفي جواز كتابته لرقيقه بناء على أنها كالبيع ومنعها على أنها كالعتق قولان، ذكرهما في توضيحه غير معزوين.
وله أي: من أحاط الدين بماله التزوج والنفقة على الزوجة، وليس له ذلك بعد الفلس، ففيها: ليس للمفلس أن يتزوج فيما بعده.
وظاهره: تزوج بمن تشبه حاله أو لا، أصدقها مثل صداقها أو أكثر، وهو كذلك على ظاهر المدونة والعتبية ونص اللخمي وصاحب الكافي.
ولابن رشد: هذا إن تزوج بمن تشبه حاله، وأصدقها مثل صداقها، ولو كان أكثر لكان لغرمائه أن يرجعوا عليه به.
وفي جواز تزوجه أربعا بناء على أن الزائد على الواحدة من الأمور الحاجية، ومنعه مما زاد بناء على الاكتفاء، والزائد في معنى التبرع، تردد.
وفي جواز كراء تطوعه بالحج ومنعه تردد، أصله قول صاحب المقدمات على ما حكاه الشارح عنه: هل له تزوج أربع أم واحدة، وليس له أن يفعل ما لم تجر به العادة من الكراء في الحج التطوع وما أشبهه، وقد تردد الأشياخ في ذلك انتهى.
وانظر نقل بعض من تكلم على هذا المحل لكلام ابن رشد في الكبير.
وفلس المديان الذي أحاط الدين بماله إن حضر اتفاقًا أو غاب وبيعت عروضه، وقضي دينه، وليس كالميت يستأنى أمره إن كان معروفا بالدين.
стр. 2403
وظاهر كلامه: وجوب تفليسه، وهو واضح إن التمسه الغرماء، وقدره بعض مشايخي على الجواز تبعا لشيخه صاحب التكملة.
وقيد المصنف تفليس الغائب بقوله: إن لم يعلم ملاؤه قبل غيبته، فإن علم لم يفلس على المشهور، وهو قول ابن القاسم استصحابًا للحال؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، خلافًا لأشهب.
تنبيهان:
الأول: ظاهر كلامه: بعدت غيبته أو توسطت أو قربت، وليس كذلك، بل هذا في بعيد الغيبة، وأما غيره فيكتب إليه كما قال ابن القاسم، ولذا قال صاحب التكملة: قول ابن الحاجب فالبعيد الغيبة لا يعلم ملأوه يفلس أحسن منه انتهى.
وفي التوضيح عن العتبية والواضحة: حد القريب الأيام اليسيرة.
قال في البيان: ولا خلاف في ذلك، وخلاف ابن القاسم وأشهب إنما هو عددي فيما كان على مسيرة العشرة أيام، وأما ما كان على مسيرة الشهر، فلا خلاف في وجوب تفليسه، وإن علم ملاؤه انتهى.
الثاني: غيبة ماله كغيبته.
اللخمي: من بعدت غيبته، وشك في قدره أو وجوده فلس، وإن علم وجوده وفيه وفاء فابن القاسم: لا يفلس.
[شروط التفليس: ]
ولما ذكر أنه يفلس حضر أو غاب ذكر شروطه وهي ثلاثة لأولها بقوله: بطلبه، أي: بسبب طلب الغريم دينه، وإن أتى غيره، أو سكت إذا تعذر.
ابن المواز: إلا أن يقدم الغرماء من طلب ذلك المال الموجود، أو من أموالهم.
وفهم من هذا الشرط أنه لا يفلس نفسه.
стр. 2404
وأشار للشرط الثاني بقوله: دينا حل أصالة أو انتهاء، وهو منصوب بالمصدر.
وأشار للثالث بقوله: زاد مال الطالب الحال على ماله، أي: مال المطلوب اتفاقًا، أو بقي من مال المطلوب ما أي: قدر لا يفي بالمؤجل، فيفلس على المعروف من المذهب، وأحرى إن ساوى دينه ما بقى بالحال، ولم يبق للمؤجل شيء، وهو أحد قولين حكاهما ابن يونس.
ومفهومه إن بقي ما يفي به لم يفلس، وهو كذلك.
تنبيه:
ظاهر كلام المصنف: تفليسه، ولو أتى بحميل، وهو كذلك.
وقال اللخمي: إن أتى بحميل إن بقى ما عليه لأجله.
[أحكام الحجر: ]
ثم شرع في بيان أحكام الحجر بقوله: فمنع بسبب الحاكم تفليسه من تصرف مالي كبيعه وشرائه إذ أجل ذلك حجر عليه.
قال ابن عرفة: المذهب كله على وقف تصرفه على نظر الحاكم، ردًا وإمضاءً، هذا نقل اللخمي والمازري وابن رشد وغيرهم من حفاظ المذهب انتهى.
وفي التوضيح الذي اقتصر عليه اللخمي والمازري وابن شاس أن بيعه وشراءه لا يمضي.
وفي الجلاب: بيعه وشراؤه جائز، ما لم يجاب انتهى.
إذا علمت هذا فتقرير الشارح لمنع تصرفه بالهبة والصدقة والعتق غير ظاهر، وإن تبعه على ذلك صاحب التكملة، وبعض تلامذته من مشايخي (١).
وهل الحكم رد إيقاف اتفاقًا أو على المشهور، قولان ذكرهما ابن ناجي.
стр. 2405
قال: ولا خلاف إن رد الولي فعل محجوره رد إبطال، وكذا رد السلطان فعل السفيه المهمل، وأما المرأة فهي واسطة بينهما، ففي الكتاب رد إيقاف.
وقال أشهب: إبطال انتهى.
ثم أفاد بمفهوم مالي أن تصرفه في غير المال جائز، فقال لا إن التزم إعطاء شيء في ذمته، إن ملكه، فليس له منعه من ذلك، إلا أن يملكه، ودينهم باق.
ومثل لما ليس بمالي بقوله: كخعله؛ لما فيه من تحصيل مالي لغرمائه، وطلاقه لما فيه من سقوط النفقة عنه، وقصاصه ممن جني عليه، أو على وليه؛ إذ ليس فيه مالا بالأصالة، وعفوه عن قصاصه مجانًا؛ لأن الواجب فيما فيه القصاص القصاص أو العفو عند ابن القاسم.
وعتق أم ولده التي أولدها قبل تفليسه؛ إذ ليس له فيها غير الاستمتاع وقليل الخدمة، وأما بعده فيرد؛ لأنها تباع إذا وضعت دون ولدها.
وإذا أعتقها تبعها مالها إن قل عند ابن القاسم، وإن كثر فللسيد، خلافًا لمحمد: يتبعها وإن كثر.
وحل به أي: بالفلس وبالموت ما أجل على كل واحد لخراب ذمة الأول بالفلس اتفاقًا، والثاني بالموت خلافًا للسيوري، وأحرى على قوله الفلس، واستثنوا من مسألة الموت من قتل مدينه، فإن دينه المؤجل لا يحل لحمله على استكمال ما أجل.
ثم بالغ بقوله: ولو كان الدين المؤجل على المفلس أو الميت دين كراء، كدار أو دابة، فإنه يحل إذا استوفى المنفعة، وأما إن لم يستوف ومات قبل الأجل لم يحل بموته، ويلزم الوارث بحسب ما لزم موروثه، ذكره ابن فرحون في ألغازه.
وأما في الفلس فصاحب الدار أحق من الغرماء إن لم يسكن شيئًا، وكان أكرى سنة باثني عشر دينارا، ودفع ستة، وسكن ستة أشهر، وفلس.
стр. 2406
سمع عيسى تخيير رب الدار في إسلامه بقية السكنى، ويحاص بالستة دنانير الباقية، وأخذه بقية السكنى، ورد منابها مما قبضه، ويحاص بما رده، قاله ابن زرقون، وانظر في الكبير ما في الموازية.
ولعله أشار بـ (لو) لقول المازري: عندي أن المسألة كالمنصوص فيها على قولين (١).
أو ولو قدم الغائب مليئًا، فوجد الحاكم قد فلسه جل ما عليه من مؤجل؛ لأنه حكم مضى.
وقيل: لا يحل؛ لكشف الغيب عن خلاف ما قضى به، واختاره بعض المحققين، وأشار له بلو المقدرة.
وإن نكل المفلس عن يمين وجبت عليه في حق به شاهد واحد أو امرأتان حلف كل من الغرماء المتعددين كهو، أي: كالمفلس.
ولو حلف فيحلف بأن ما شهد به شاهده حق لحلوله محله لا على منابه فقط ونبه على المتعدد لذلك وإلا فالمستجد كذلك وإذا حلف بعض المتعدد أخذ حصته أي قدر ما في الحصاص لا جميع حقه ولو نحل غيره عند ابن القاسم.
قال المصنف: على الأصح.
وابن رشد: هو الصحيح.
стр. 2409
ولابن عبد الحكم يأخذ جميع حقه قاله في مسألة الورثة يقوم للميت شاهد، وعليه دين (١)، ولا فرق بين البابين.
تكميل:
من نكل من الغرماء بطل حقه، وفي صحة رجوعه بعد نكوله قبل الحكم بمقتضاه قولان لابن الماجشون ومطرف.
وأفهم قوله: (نكل المفلس) أنه المطلوب باليمين أولا، وهو كذلك.
وقوله: (المفلس) أنه لو نكل قبل تفليسه لم يحلف الغرماء عليه، وهو كذلك، قاله مطرف وابن الماجشون أيضًا.
وأفهم أنه في الحي، وهو كذلك؛ لأن الميت يتنزل وارثه منزلته، وليس للغرماء جبر الوارث على اليمين، فإن أبي حلف الغرماء، ومن نكل من الورثة سقط حقه، ولا يجزئ عنه يمين غيره.
وعموم حلف يشمل الصبي، وهو كذلك على أحد الأقوال.
وقيل: يحلف وليه.
وقيل: يؤخر لرشده، ويشمل المحجور، وهو كذلك على المشهور.
وقيل: لانفكاك الحجر، وبه أفتي.
ومن حجر عليه قبل إقراره لمن يقر له بالمجلس الذي حجر عليه فيه، وقربه إن ثبت دينه المفلس فيه بإقراره لمن لا يتهم عليه اتفاقًا، لا إن ثبت دينه ببينة، فلا يقبل إقراره عند مالك، وعليه حملت المدونة؛ لإدخاله نقصًا على من ثبت دينه ببينة بمجرد قوله، واختار بعض الأشياخ قبوله، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب.
وأفهم قوله: (بالمجلس) قبوله قبله، وقوله: (قربه) عدم قبوله فيما بعد، وهو كذلك فيهما.
стр. 2410
وهو أي ما لم يقبل إقراره فيه يكون في ذمته، لا فيما في يده، ونحوه في المدونة؛ لأنه بمجرد إقراره حجر عليه فيه.
ولما بين حكم الإقرار بما في الذمة شرع في الإقرار بمعين، فقال: وقبل تعيينه القراض والوديعة، إذا قال: هذا قراض أو وديعة، سواء عين بهما أم لا، إن قامت بينة بأصله، أي: القراض أو الإيداع، عينت البينة ربهما أم لا، وهو قول ابن القاسم.
ومفهوم (تعيينه) أنه لو قال لفلان: في مالي قراض كذا، أو: وديعة كذا، لم يقبل، وهو كذلك، نص عليه في الجواهر.
ونبه بقوله: (إن قامت بينة) على خلاف قول أصبغ: يقبل قوله بلا بينة لمن لا يتهم عليه، وبقوله: (بأصله) على خلاف قول مالك: لا بد من شهادة البينة بالتعيين.
والمختار عند اللخمي من الحلاف قبول قول المانع المفلس لمصنوع عنده هذا لزيد بلا بينة؛ لقوله في قول ابن القاسم يقبل أحسن؛ لأن الصناع منتصبون لمثل هذا، وليس العادة الإشهاد عند الدفع، ولا يعلم ذلك إلا من قولهم.
وحجر أيضًا على المفلس الذي أخذ الغرماء ما بيده، إن تجدد له مال بعد الحجر الأول، سواء كان على أصل مال كالربح عن مال تركه بيده بعض من فلسه، أو من معاملة جديدة، أو عن غير أصل كميراث أو هبة أو صدقة أو وصية أو أرش جناية؛ لأن الحجر الأول كان عن مال مخصوص، وأما المتجدد فيتصرف فيه إلى أن يحجر عليه فيه.
ومفهومه: أن من ثبت عدمه وأطلق ولم يتجدد مال له لا يفتقر لتحديد عدم، ولو طال زمانه.
ابن ناجي: وبه العمل.
وانفك حجر المفلس إذا قسموا ماله وبقيت بقية، وحلف أنه لم يكتم شيئًا، أو وافقه الغرماء على ذلك، ولو بلا حكم يفكه، قاله اللخمي.
стр. 2411
وأشار بـ (لو) لقول القاضيين ابن القصار وتلميذه عبد الوهاب: لا ينفك حجر عن محجور عليه إلا بحكم حاكم؛ لاحتياج ذلك للاجتهاد، الذي لا يضبطه إلا الحاكم، كذا قرره المصنف في قول ابن الحاجب، وفي انفكاك الحجر عنه من غيرهم قولان، وقرره ابن عبد السلام بأنه اختلف هل ينفك عنه الحجر بطرو والملاء، أو لا بد من حكم حاكم كالحجر عليه ابتداء انتهى.
وهو غير ما قرره المصنف.
ولو مكنهم الغريم أي المديان مما بيده من عرض وغيره، فباعوا بغير دفع لحاكم، واقتسموا بحسب ديونهم، وبقيت لهم بقية، ثم داين غيرهم، وأراد الأولون الدخول فيما استدانوه، فلا دخول للأولين فيه، إلا أن يفضل شيء بعد وفاء الآخرين، فللأولين الدخول فيه بالمحاصة، وكذا في الجلاب.
وأفهم قوله: (باعوا واقتسموا) أنهم لو قاموا فلم يجدوا شيئًا تركوه لم يكن تفليسًا، فإذا داين آخرين دخل الأولون.
تذنيب:
قال في الشامل مختصرًا لما في التوضيح: لو أبي بعض تفليسه والدخول مع الغرماء، ففي دخوله مع الآخرين قولان، ولو كان حين الفلس غائبا، ثم قدم حاصص الأولين اتفاقًا دون الآخرين على المنصوص، ولو أبقى أمد الأولين نصيبه بيد المفلس ففي ضربه مع الآخرين بقدره أو بأصل فيه خلاف.
ثم شبه في الحكم قوله: كتفليس الحاكم من دفع له، وقسم ماله، ثم داين غيرهم، فلا دخول للأولين إلا فيما فضل عن الآخرين، كالتي قبلها، إلا كإرث وصلة وأرش جناية عليه، أو على وليه، فللأولين الدخول فيه إذا فلس؛ لتجدده من غير مال الآخرين، فيتحاصصون كلهم، ومنع التصرف في المال حكم من الأحكام الحجر.
стр. 2412
وأشار لثاني أحكامه بقوله: وبيع ماله إن خالف جنس دينه أو صفته، ويباع بحضرته.
ظاهره: وجوبا، وهو الذي مال إليه في توضيحه، وفي الذخيرة أنه من باب الكمال، والبيع في حضرته أبلغ في قطع حجته، ويباع ماله بالخيار ثلاثا في جميع السلع؛ للاستزادة في الثمن، لا للاختيار، كما في بيع الخيار، وكذلك اختلفت مدته هناك.
تنبيه:
قال المصنف: ولا يختص هذا ببيع المفلس، بل كلما يبيع الحاكم على غيره هذا سبيله انتهى.
ولا يرد عليه هنا؛ لأنه إنما تكلم الآن في الفلس.
ابن عرفة: العادة إن بيع القاضي على خيار وإن لم يشترط إلا أن يحمل المشتري فله القيام بالتنجير، ردًا وإمضاء.
وترك (التاء) من ثلاث لأن المراد الليالي مع أيامها، ولو كان ماله كتبا، فيجوز بيعها على المشهور، ولمالك كراهة بيع كتب المفلس، وحرمته، واقتصر على الجواز لأن بعض الأشياخ شهره.
أو ثوبي جمعته يبيعها الحاكم على المفلس إن كثرت قيمتها، ولا يباع من ثياب جسده ما لا بد له منه، ونحوه في المدونة؛ لأن الغرماء عاملوه على ذلك.
تنبيه:
إطلاقه كالمدونة يشمل دين الغصب، وأفتى ابن رشد في دين الغصب أن لا يترك له شيء انتهى.
وظاهرهما: أنه لا يترك له لجمعته أكثر من ثوبين، وانظر ما المراد بهما.
ويباع على المفلس ما كان للقنية، كداره وخادمه ودابته وسرجه
стр. 2413
وسلاحه وخاتمه ومصحفه، وفي بيع آلة الصانع كمرزبة الكماد، ومطرقة الحداد، ومقص الخياط، وعدم بيعه، تردد لعبد الحميد الصائغ شيخ المازري.
ابن ناجي: وبلغني أن شيخنا أبا مهدي اختار قول المازري: أرى أنه لا تباع إذا كانت قيمتها يسيرة، ولا غناء له عنها، فتباع مرازب الكمادين، فإنها بتونس تساوي الدنانير الكثيرة، كالثلاثين دينارًا كبيرة الضرب أميرية، فهم يعاملون عليها كالدار.
وأوجر رقيقه الذي لا يباع كمدبره ومعتقه لأجل وولد أم ولده من غيره، مما له فيه خدمة فقط، وأما القن فيباع، بخلاف مستولدته فلا تؤجر؛ إذ ليس فيها غير الاستمتاع، وهو لا يباع.
وقيل: خدمتها لغو.
ولا يلزم للمفلس بتكسب، وهو المذهب، لا يلزم على فعل تسلف يوفي به دينه؛ لأنه استدانة أخرى.
تنبيه:
قال المصنف: لو قام أحد بوفاء دين الطالب ليرجع به على المفلس لكان له ذلك؛ لأنه منفعة له لا للمفلس، إلا أن يقصد القائم ضرر المفلس فلا. انتهى.
وقال بعض مشايخي: ظاهر كلامه أن له الامتناع.
ولا يجبر على استشفاع، أي: أخذ بالشفعة لفضل له فيه، ولا على عفو عن قصاص وجب له للدية، أي: لأجل أن يأخذها ليوفيها من دينه.
وفهم منه منعه من عفو عن دم لا قصاص فيه، وإنما فيه الدية، أو العفو، كقتل خطأ، وجائفة، ومأمومة عمدًا، أو خطأ، وهو كذلك، نص عليه ابن شاس.
ولا على انتزاع مال رقيقه الذي تقدم أنه يؤاجر عليه، إذا لم يعاملوه
стр. 2414
إلا على ملك نفسه، لا غيره، ولو كان له هو ذلك في صحته، أو ما كان وهبه لولده فلا يعتصره منه.
تكميل:
سمع ابن القاسم عن مالك من حبس حبسا وشرط إن شاء المحبس عليه البيع باع فلغرمائه بيعه عليه.
وعجل بيع الحيوان، فلا يستأنى به الأيام اليسيرة، ولا يطال له من الأجل بما يطال للعرض، كذا قرره الشارح.
وقال صاحب التكملة: لا يباع بالخيار ثلاثا؛ لسرعة تغييره، وافتقاره لمؤنة، ولا يريد أنه يباع في يومه، وأما ما يخشى فواته من رطب فاكهة، وطري لحم، فلا يستأنى به الأيام اليسيرة، وأما يسير العروض كسوط ودلو وحبل فيباع من حينه.
واستؤني بعقاره كالشهرين، فهم الشارح دخول ما قارب الشهرين معهما، فتعقب بأن ما زاد عليهما ليس له حكمهما، وقد يجاب بما ذكره البساطي في غير هذا المحل بأن هذه الكاف تسمى المستقصية.
وقسم ماله بنسبة الديون، أي: بأن ينسب كل دين لمجموعها، فلو كان لشخص مائة، ولآخر خمسون، ولآخر مائة وخمسون، ومال المفلس مائة وعشرون فنسبة ما للأول لمجموع الديون ثلث، فيأخذ أربعين، ونسبة مال الثاني سدس، فيأخذ عشرين، ونسبة مال الثاني النصف، فيأخذ ستين، كذا قرره صاحب التكملة، قائلًا: هذا ظاهر قوله: (بنسبة الديون).
وقال الشارح: طريقه أن يعلم نسبة مال المفلس لمجموع الديون، ويعطي كلا بتلك النسبة، وهو صحيح، لكن لو أراده لقال: وقسم نسبته للديون انتهى.
وهو ظاهر بلا بينة حصرهم، إذ لا يكلف الحاكم الغرماء أن لا غريم غيرهم، بخلاف الورثة، فإنه يكلفهم ذلك اتفاقًا؛ إذ عددهم معلوم للجيران،
стр. 2415
وإلا صدق، وأهل البلد وغيرهم، بخلاف أرباب الديون، بل ربما يقصدون إخفاء ديونهم.
واستؤني به، أي: بالقسم بين غرماء الدين إن عرف المدين بالدين، وهذا في الموت فقط دون الفلس، رواه ابن وهب، وروى غيره يستأنى كالموت.
اللخمي: وهو أحسن.
إن لم يكن معروفا بالدين قسم ماله بغير استئناء به، والفرق بين الموت والفلس: أن ذمة المفلس باقية، فإن طرأ غريم تعلق حقه بذمته، والميت لا ذمة له.
تتميم:
قال أصبغ: إذا أفلس المديان أو مات نودي عليه بباب المسجد في مجتمع الناس أن فلانًا قد فلس أو مات، فمن له عليه دين أو قراض أو وديعة أو بضاعة فليرفع ذلك للقاضي.
وإذا كان على المفلس ديون متخالفة من نقد وعرض وطعام قوم مخالف النقد يوم الحصاص، وهو يوم قسم المال للغرماء بنقد من نوع ما بيع به مال المفلس، واشتري له أي: لمن دينه مخالف للنقد منه، أي: من النقد بما يخصه من جنس دينه، فإذا كان النقد عشرة، وكل من العرض والطعام يساوي عشرة، ومال المفلس عشرة، أخذ كل واحد الثلث، وهذا هو المشهور.
وإن لم يشتر لصاحب العرض والطعام من نوع دينهما، حتى رخص أو غلا مضى القسم، إن رخص أو غلا، ولا تراجع بين الغرماء وبين من لم يشتر له ذلك، كذا نص عليه الباجي وابن رشد.
وزاد ابن رشد: إلا أن يصير له أكثر من حقه، فيرد الفضل للغرماء، ويدخل معهم.
وهل يشترى في شرط جيد أدناه، أي: الجيد، أو وسطه قولان:
стр. 2416
الأول: لابن عبد الحكم.
والثاني: هو العدل لهما، إذ أخذا على ظلم للمسلم إليه، والأدنى ظلم للمسلم، وإنما يشتري لكل من نوع دينه عند مشاحة غرماء المفلس.
وأما إن رضي بأخذ ما نابه جاز الثمن إلا لمانع شرعي، كما لو كان ماله ذهبا، وأراد أخذ فضة، أو العكس، للصرف المؤخر، وهذا الفصل كالاقتضاء فيما سبق.
ووجه المنع أنهم جعلوا القاضي كالنائب عن المفلس، فلم يكن دخوله رافعا للتهمة.
وحاصت الزوجة مع غرماء زوجها المفلس بما أنفقت على نفسها، سواء تقدم إنفاقها على دين الغرماء أو تأخر على المشهور؛ لأنها معاوضة.
وحاصت أيضًا بصداقها في الفلس، كالموت على المشهور فيهما.
وظاهره: المحاصة بجميعه، ولو فلس قبل الدخول؛ لأنه دين في ذمته حل بفلسه، ثم إن طلقها قبل الدخول:
فقيل: ترد ما زاد على النصف، إن صار لها في المحاصة أكثر منه.
وقيل: لا تحاص إلا بالنصف، فيكون لها نصف ما صار لها بالمحاصة، وترد نصفه، وهو قول ابن القاسم خلافًا لابن دينار.
لا بنفقة الولد، فلا تحاص بها في موت ولا فلس؛ لأنها مواساة، وإن ظهر دين على مفلس أو على ميت بعد قسم الغرماء من غير علمه بمن ظهر رجع عليهم بالحصة التي تخصه، لو كان حاضرًا حين القسم.
وفهم من قوله: (ظهر) لو كان حاضرًا ساكتا حين القسم لم يرجع، وهو كذلك.
ومن قوله: (بالحصة) أنه لا يأخذ مليئًا عن معدم، ولا حاضرًا عن غائب، وهو كذلك.
أو استحق مبيع من سلع المفلس أو الميت، وإن كان بيع قبل فلسه
стр. 2417
أو موته رجع المستحق بالحصة، فلو كان عليه عشرون لاثنين، لكل واحد عشرة، وله سلعتان بيعت كل بعشرة، فاقتسماها كل عشرة، ثم استحقت إحدى السلعتين رجع المستحق من يده على كل منهما بثلاثة وثلث.
ثم شبه لإفادة الحكم، فقال: كوارث طرأ على وارث مثله، أو موصى له طرأ على موصى له مثله، فيرجع الطارئ على كل منهما بما يخصه، ولا يأخذ مليئًا عن معدم، ولا حاضرًا عن غائب.
وإن اشتهر ميت بدين أو علم وارثه به، وقسم المال بين الحاضر من الغرماء، وأقبض كلا حصته، ثم طرأ غريم رجع عليه، أي: رجع الطارئ على الوارث بما يخصه؛ لتعديه مع علمه واستعجاله مع شهرة الدين.
قال صاحب التكملة: (رجع): مبني للمفعول انتهى.
ومفهوم الشرط: إن لم يشتهر أو لم يعلم الوارث وأقبض لم يرجع عليه بقية الغرماء، بل على من قبض مما يخصه من المحاصة في المال.
وأخذ مليء من الورثة عن معدم منهم، ما لم يجاوز ما قبضه الوارث المليء دين الطارئ، فإن جاوزه لم يأخذ منه أكثر مما قبضه؛ لأنه يقول: ليس لك علي رجوع إلا بما قبضت، ورجع ط ببقية دينه على بقية الورثة، إن كانوا أملياء، أو على المليء منهم، وإن أعدموا كلهم لم يرجع حينئذ.
وهذا بخلاف الغرماء، فإنما يأخذ كلا بما ينوبه فقط، والفرق تساويهم مع الطارئ، بخلاف الوارث لا يستحق ميراثا إلا بعد قضاء الدين، وإن كان دين الطارئ أقل أخذه فقط، ثم إذا أغرم للطارئ مع الشهرة أو العلم رجع على الغريم الذي قبض أولا، كذا لمالك في باب المديان من المدونة.
وفيها أيضًا بعده عن ابن القاسم البداءة بالغريم، أي: يبدأ الطارئ برجوعه على الغريم القابض، فإن وجده معدما رجع على الوارث بما يخصه من ذلك، ثم يرجع الوارث على الغريم الأول.
واختلف: هل قول ابن القاسم خلاف لقول مالك، وهو فهم اللخمي وغيره للمدونة، أو على التخيير، فهو وفاق، بمعنى: أن القادم مخير: إن
стр. 2418
شاء أخذ الوارث المقبض أولا، إلا أن يجده عديما فالغريم، وإن شاء أخذ الغريم أولا، وهو فهم ابن يونس؟ تأويلان.
والوصي مع شهرة الدين أو علمه به كالوارث تحصيل علم من كلام المصنف: أن الطارئ ثلاثة أقسام:
- غريم على مثله، وهو قوله: (وإن ظهر دين) إلى قوله (بالحصة).
- الثاني: وارث على مثله، أو موصي على مثله، وهو قوله: (كوارث) إلى قوله (مثله).
- الثالث: غريم على وارث، وهو وما بعده إلى هنا.
وإن تلف نصيب غائب عزل، أي: عزله له القاضي أو مقامه، فمنه أي: من الغائب اتفاقًا، لأن القاضي أو مقامه كوكيله، كعين ذهب أو فضة وقف لغرمائه وتلفت، فإنها من الغريم لا من المفلس والميت؛ لتقصير الغريم في قسم العين لتهيئتها للقسم، لا عرض وقف للغرماء فتلف، فليس منهم، بل من المفلس أو الميت في قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
وهل عدم ضمان الغريم للعرض مطلقا: سواء كان مثل دينه أو لا، وعليه فهمه اللخمي والمازري والباجي، أو عدم الضمان، إلا أن يكون العرض بكدينه، أي: الغريم؛ لأن المحاصة فيه كالعين، ولا يحتاج لبيعه فيضمنه لغريم، وإن كان مخالفًا لدين الغريم، كأن يكون دينه عرضًا غير جنس عرض المفلس أو الميت أو عينًا فلا يضمنه حينئذ، وهو فهم بعض القرويين وصاحب المقدمات تأويلان (١).
стр. 2419
وروى أشهب أن ضمان التالف من المفلس حق يصل للغرماء، عينا كان أو عرضا، وهو قول ابن عبد الحكم، واختاره اللخمي وابن عبد السلام.
وترك له أي: للمفلس من ماله قوته نفسه، وترك له أيضًا النفقة الواجبة عليه لغيره، كزوجته وولده ووالديه وأمهات أولاده ومدبريه؛ لظن يسرته.
وهذا كقول المازري: التحقيق أن يترك له إلى وقت يؤدي الاجتهاد أنه يحصل له في مثله ما تأتى له منه المعيشة انتهى. وفي التوضيح: نحو الشهر هو المشهور.
وقال في الشامل: لظن يسرته هو المشهور، وليس خلافا.
وبما قررناه يتضح لك أن قول صاحب التكملة: (الظاهر أن عطف النفقة على قوته من عطف الخاص على العام) غير ظاهر، وإن أقره بعض تلامذته من شيوخنا.
وترك له ولمن تلزمه نفقته كسوتهم دستا معتادا.
قال في القاموس: الدست: بالسين المهملة، مفتوح الدال، هو: الدشت. أي: بالمعجمة.
تكميل:
إذا خلقت كسوة ولده الصغار ترك لهم كسوة على المشهور، والزوجة أحرى، ونحوه في التوضيح.
ولو ورث المفلس أباه بيع كله، إن استغرقه الدين، وإلا فيقدره إن وجد من يشتريه شقصا، وعتق باقيه، وإلا فكله، ويملك الباقي.
ولو ادخل الكاف أباه ليشمل كل من يعتق عليه لكان أحسن؛ لتعلق حق الغرماء بملكه.
لا إن وهب له من يعتق عليه، فلا يباع إن علم واهبه أنه يعتق عليه؛ لأنه إنما وهبه حينئذ للعتق لا للغرماء، والمتصدق به عليه كالموهوب.
стр. 2420
ومفهوم الشرط: إن لم يعلم الواهب أنه يعتق عليه بيع، وبه جزم ابن يونس والمازري وغيرهما، وجعله ابن رشد محل نظر.
وأشار للحكم الثالث من أحكام الفلس بقوله: وحبس المفلس، وغاية حبسه لثبوت عسره، وإذا ثبت وجب انتظاره إن جهل حاله؛ حملا له على الملاء، وسواء كان دينه عن معاوضة أو لا، ومحل حبسه إن لم يسأل الصبر له، أي: لثبوت عسره بحميل، حتى يكشف أمره، فإن سأل مكن على الأصح.
عياض: والصواب أن يكون الحميل بوجهه.
وسبقه إلى ذلك أبو عمران والتونسي وغيرهما.
فغرم هذا الحميل إن لم يأت به، ولو أثبت عدمه، كذا قال المصنف هنا تبعا لما في المقدمات.
وقال في باب الضمان: لا يغرم أن أثبت عدمه، وهما طريقان، ذكرهما في توضيحه، وكذا ابن عرفة.
وذكر صاحب الشامل الطريقين قولين، وتلخص من اقتصار المصنف في البابين رجحان كل من الطريقين.
ثم عطف على من جهل حاله، فقال: أو ظهر ملاؤه جنس إن تفالس، وإن ترك بغير حبس فهل بحميل بالمال أو بالوجه.
قال في الشامل: ورجح.
ثم قال: وهل على ظاهرهما، أو الأول للمد، والثاني لغيره، خلاف.
وإن وعد المفلس بقضاء لما عليه، وسأل تأخيره يوم أعطى حميلا، ولم يأت به، سُجِنَ.
ثم شبه بما تقدم في الحبس فقط، فقال: كمعلوم الملاء، إذا لم يعط ما عليه لددًا سجن.
وقال سحنون: يضرب بالدرة المرة بعد المرة.