أن يعوض المحجور عليه مما له نظير ما فوته عليه.
وإن أعتق الولي غير الأب عبد المحجور مضى عتقه عليه، إن كان بعوض من مال الولي أو غيره، لا من مال العبد، فلو أعتق بغير عوض رد؛ لأنه إتلاف لمال المحجور عليه، وفي شفعة المدونة: الجواز؛ ولذا شوحح المصنف في تعبيره بـ (مضى).
ثم شبه في الحكم، فقال: كأبيه يمضي عتقه دون غيره من الأولياء بغير عوض، إن أيسر الأب، ويغرم قيمته، فإن كان معسرًا لم يجز، ونحوه قول المدونة: وإن أعتق عبد ابنه جاز إن كان للأب مال، وإلا لم يجز، ففي تشبيهه بما يمضي مشاحة.
وما قررناه به هو ظاهر ما في توضيحه، فقول الشارح ومن تبعه: (كأبيه أو غيره من الأولياء) غير ظاهر، وكذا تقريره لقوله: (ومضي عتقه) أي: الولي بعوض، احترازًا عما لو كان بغير عوض، فإنه يرد، إلا أن يكون موسرًا فيجوز ويغرم قيمته من ماله؛ إذ لو أراده المصنف لأسقط (كأبيه)، واكتفى بما قبله؛ لعمومه فيه وفي غيره.
ثم ذكر مسائل لا يحكم فيها غير القضاة، فقال: إنما يحكم في الرشد وضده وهو: السفه وفي الوصية والحبس المعقب وأمر الغائب والنسب والولاء وحد لحر، وأما الرقيق فلسيده حده، إن لم يتزوج بغير ملكه، وقصاص ومال يتيم: القضاة، فاعل (يحكم).
فالثمانية الأولى نص عليها أبو الأصبغ بن سهل، والأخيران زادهما أبو محمد صالح (١).
стр. 2452
وإنما يباع عقاره أي: اليتيم لأحد وجوه عشرة ذكرها ابن رشد، واقتصر عليها المصنف، وعطفها بـ (أو) للاكتفاء بكل واحد منها:
أولها بيعه لحاجة تلحقه، وهي تشمل عدم نفقته، ودينا لا يحد قضاءه من غير ثمنه.
وعد ابن عرفة الثاني وجها ثانيا، فهي عنده أحد عشر.
[٢] أو غبطة، بأن يزاد في ثمن ماله قدر وبال، وفسره الغرناطي بالزائد على ثلث القيمة.
[٣] أو لكونه موظفا، لكون أرضه محتكرة.
[٤] أو لكونه حصة، ويستبدل غيرها كاملا؛ للسلامة من ضرر الشركة.
[٥] أو قلت غلته فيستبدل خلافه مما غلته أكثر، كذا هنا، وفي توضيحه: أن لا يعود عليه منه شيء، ومثله في وثائق الغرناطى، ونحوه قول ابن عرفة، أو لأنه لا يعود بنفع.
[٦] أو لكونه بين ذميين، ويشتري له بين مسلمين.
[٧] أو لكونه بين جيران [سوء].
[٨] أو لإرادة شريكه بيعا فيما لا ينقسم، ولا مال له يشتري به حصة الشريك.
[٩] أو لخشية انتقال العمارة من قرية، فيصير غير منتفع به غالبا.
[١٠] أو الخراب ولا مال له يعمر به، أو له والبيع أولى من العمارة.
وظاهر هذا أنه وجه غير العشرة، وعده الشراح مع الذي قبله وجها واحدا، وزاد في الطرد وجها آخر، وهو أن يتقي عليه من السلطان أو غيره، وزاد ابن أبي زمنين وابن زياد كون الدار أو الحصة مثقلة بمغرم، لا تفي أجرتها بها.
стр. 2453
وقد يقال: إن المصنف استغنى عن هذا الوجه بالموظفة.
وزاد ابن عرفة عن ابن الطلاع (١) أن يخشى عليها النزول، ولعل المصنف استغنى عنه بما قلّت غلته وبما يخشى انتقال العمارة عنه، وقد نظمها الشيخ الإمام المحقق المدقق وسلطان الفصحاء البدر الدماميني (٢) مطولا ومختصرا، ولنقتصر على المختصر؛ لأن الكلام على المختصر وهو:
إذا بيع ربع لليتيم فبيعه ... لا شيئًا يحصيها الذكي بفهمه
قضاء وإنفاق ودعوى مشارك ... إلى البيع فيما لا سبيل لقسمه
وتعويض كل أو عقار محرر ... وخوف نزول فيه أو خوف هدمه
وبذل كثير المال في ثمن له ... وخفة نفع فيه أو ثقل غرمه
стр. 2454
وترك جواز الكفر أو خوف عطله ... فحافظ على نقل الصواب وحكمه
[٤] ولما فرغ من ذكر الجنون والصبا والسفه ذكر سببًا رابعا، وقول الشارح ثالثًا سبق قلم: وحجر على الرقيق في مال نفسه، والحجر من سيده للرق، وسواء كان ماله قليلا أو كثيرا، بمعاوضة أو غيرها، وسواء كان مضيقا لماله أو حافظا لحق السيد فيه؛ إذ له انتزاعه، والتعليل يوجب أصالته في كل رق، إلا ما ارتفع منه بإذن له في التجارة نصا، كالمأذون له في التجر أو لزوما.
اللخمي: والمدبر والمعتق لأجل وأم الولد كالقن.
فقوله: (الرقيق) أي: في الجملة إن لم يكن الإذن في نوع خاص، بل مطلقًا باتفاق.
ولو كان في نوع خاص كأن لا يبيع إلا في البز، فباع في غيره، فكوكيل مفوض في جميع الأشياء على المشهور؛ لأنه أقعده للناس، ولا يدرون لأي أنواع التجارة أقعده.
تنبيه:
يفهم من قوله: (نوع) أنه لو أقعده في صنعة كالقصارة ونحوها لا يكون ذلك إذنا في التجارة ولا في المداينة.
قال المصنف: وكذا لو قال له: أدِّ إليّ الغلة، فليس إذنا في التجارة.
تتمة:
شبه بالوكيل مع أنه لم يأت اعتمادًا على ما يأتي، أو لإفادة الحكم فيهما.
وله أن يضع من الدين شيئًا لمن عامله، وله أن يؤخر فيه عن أجله، وله أن يضيف بطعام يدعو له الناس، ولو عقيقة لولده، ونحوه في المدونة.
وهذا إن استأنف بذلك للتجارة، والقيد راجع للثلاثة، وفهم منه المنع لغير الاستيلاف، وقيد اللخمي الوضيعة بما إذا لم تكثر، والتأخير بما إذا لم
стр. 2455
يبعد الأجل، وبه قيد ابن ناجي المدونة، ولم يذكره المؤلف هنا.
وله أن يأخذ قراضا يعمل فيه، وله أن يدفعه من ماله لمن يعمل فيه.
تنبيه:
عدل عن قول ابن الحاجب: (وفي إمضاء أخذ القراض وإعطائه قولان) لقوله في توضيحه: إن الإمضاء لا يدل على الجواز.
وللمأذون أن يتصرف فيه كهبة ووصية وعطية، مثله لابن الحاجب.
قال صاحب التكملة: وهو غير محتاج له؛ لأنه من جملة مال العبد، فينسحب عليه حجر التصرف فيه، وكأنه يشير إلى أنه مكرر مع قولهما: (كغيرهما) أن للسيد الحجر على مال رقيقه، وفيه نظر؛ لأنهما إنما نصًا على ذلك لأنه لما كان أصل المال ليس للسيد، فربما يتوهم أنه لا حجر له فيه، فدفعا هذا الوهم بنصهما على أن له الحجر، ولو لم يكن أصله ماله، واللَّه أعلم، ويقبل الهبة بغير إذن سيده.
وأقيم منها أي: من المدونة عدم منعه منها أي: من قبولها إقامة عياض من قولها: وما وهب للعبد المأذون، وقد اغترفه دين فغرماؤه أحق به من سيده، ولا يكون للغرماء من عمل يده شيء، ولا من خراجه وأرش جرحه وقيمته إن قتل، وما فضل بيده من خراجه، وإنما ذلك لهم في مال وهب للعبد، أو تصدق به عليه، أو وصى له به فقبله العبد، ولغير من أذن له في التجارة القبول للهبة بلا إذن من سيده، وإذا قبلها لم يتصرف فيها إلا على نحو ما يفعل في أمواله، لأنها صارت منها.
ولسيده الحجر عليه فيها بحث تقدم أن السفيه إذا شرط واهبه عدم الحجر عليه في الموهوب عمل به، فينبغي أن يكون هنا كذلك.
والحجر عليه أي: على المأذون عند قيام الغرماء عليه كآخر إذا قام
стр. 2456
عليه غرماؤه، فيتولى ذلك القاضي لا الغرماء ولا السيد، إلا عند السلطان، وقبل للسيد الحجر عليه بغير حاكم لملكه له، وفهم أبو الحسن المدونة عليه.
قال المصنف: ومقتضى تصدير ابن الحاجب بالأول، وعطفه الثاني عليه بقيل: أنه المشهور.
وقول اللخمي هذا إن لم يظن اتجره قال ابن عبد السلام لا ينبغي العدول عنه.
وأشار صاحب التكملة لاحتمال كونه خلافًا أو تقييد أو الأول ظاهر كلام ابن شاس.
وأخذ بالبناء للمفعول دين المأخوذ مما بيده من المال، فإن بقي شيء فالسيد مخير في تركه بيده وانتزاعه، وإن كان ما بيده مستولدته فتباع في دينه إن استغرقها، وإلا فبقدره، إذ ليس فيها طرف حرية، وإلا كانت أشرف من سيدها.
وشمل كلامه من بيده من أقاربه ممن يعتق على الحر، وهو كذلك، ولكن بيعهم بإذن سيده كأم ولده ونحوه في آخر عتق المدونة الأول.
وأشعر قوله: (مستولدته) بأنها ولدت قبل ذلك، وهو كذلك، واعلم أنه لابد وأن تكون غير حامل؛ إذ لو كانت حاملًا لم يبعها حتى تضع؛ لأن ما في بطنها لسيده، انظر الكلام على ما يتعلق بفروع هذه المسألة في الكبير.
كعطيته صدقة ونحوها، فإن دينه يوفي منها، وهل تعلق الدين بما في يده من العطية إن منح ذلك للدين وهو للقابسي، قال: وإن لم يوهب لذلك فهو كخراجه، يكون السيد أحق به.
أو يتعلق الدين به مطلقا، سواء منح للدين أم لا، وهو لابن أبي زيد؟ تأويلان، وهذا فيما وهب له بعد قيامهم.
قال في الشامل: واختص سيده بما وهب له قبل قيامهم على الأصح،
стр. 2457
إن ثبت ببينة، والدين قدر ماله، وإلا فلا (١).
لا من غلته؛ لأنها من أموال سيده، ولا من رقبته؛ إذ لا يباع في دينه.
وظاهره: سواء استهلكه تعديًا أو لا، كان وغدا أو لا، وهو كذلك على خلاف في كل منهما.
وإن لم يكن للمأذون غريم مطالب له بدين فكغيره ممن لم يؤذن له في التجارة فلسيده انتزاع ماله أو تركه بيده، بناء على أن من ملك أن يملك يعد مالكا، وإن كان غريم فله انتزاع ما فضل، ويقبل إقراره بدين فيما بيده قبل قيام الغرماء لمن لا يتهم عليه، ذكره ابن فرحون (٢).
стр. 2458
وليس له إسقاط ما لزم من دين بخلاف غير المأذون.
ولا يمكن رقيق ذمي من تجر في كخمر وخنزير وربا ونحوها مما لا يحل ملكه، إن اتجر لسيده المسلم، أو باع الذمي، فإن باع لمسلم كسرت على المسلم.
ومفهوم كلامه تمكينه من التجر في غير ذلك، وفي المدونة: لا يجوز لمسلم أن يستجر عبده النصراني، فلا يأمره ببيع شيء؛ لقوله تعالى: (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه)، لكن قال ابن عرفة: مراد بعبده هنا مكاتبه.
وقيل: مأذون له وفلس.
وقيل: مأذون يتجر في مال نفسه.
وقيل: في قوته ومعاوضته.
وقيل: فيما تركه له سيده بوسعه انتهى.
وإلا بأن تجر لنفسه وعامل أهل الذمة فقولان:
- تمكينه في التجر؛ بناء على عدم خطابهم.
- وعدمه بناء على خطابهم.
وأما غير المأذون فروى أشهب: لا يشتري منه شيء، وإن قل كخف، ولا يقبل قوله: إن أهله أذنوا له.
[٥] ومن أسباب الحجر: المرض، وهو: سبب خامس، وعد الشارح له رابعًا سبق قلم، يتجر على مريض مرضًا مخوفا حكم الطب أي: أهله بكثرة الموت به أي: بسببه، لكونه ناشئًا عنه، شهيرًا لا يتعجب من صدوره عنه، وإن لم يكن غالبا عنه عند الأكثر، خلافًا لقول المازري: لابد من كونه غالبا عنه.
стр. 2459
تنبيه:
وهذا فيما زاد على ثلثه لحق الورثة، وسيأتي أن هذا في غير مؤنته وما معها.
ومثل للمخوف بقوله:
- كسل: بكسر السين المهملة، وهو: مرض ينتحل معه البدن، فكأن الروح تنسل معه قليلا قليلا.
- وقولنج: بضم القاف وفتحها، وبفتح لامه وتكسر: مرض معدي مؤلم يعسر معه خروج التفل والريح.
- وحمى قوية، وعبر عنها ابن الحاجب بالحادة.
قال صاحب التكملة: الحادة ما جاوزت العادة في الحرارة وإزعاج البدن مع المداومة.
وحامل بستة، ودخلت في الشهر السابع، وبه فسر عياض المذهب، ويحتمل أنها دخلت في الشهر السادس، ونقله المتيطي.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر قول ابن الحاجب: والحامل تبلغ ستة أشهر انتهى، وكلام المصنف يحتملها.
تكميل:
يعلم دخول الحامل في الستة بقولها، ولا يسأل النساء.
[٦] ويحجر على محبوس لقتل ثبت عليه ببينة عادلة، أو اعتراف، لا من حبس ليستبرأ أمره، أو لقطع في سرقة أو غيرها ليد أو رجل، إن خيف عليه الموت منه.
وظاهره: العطف على ما قبله، فيكون محبوسا للقطع، ويحتمل تعلقه بمحذوف أي: قرب لقطع، كما في المدونة؛ لأن الخوف فيمن قرب أكثر.
ومفهومه: إن لم يخف عليه الموت لم يحجر عليه، وكرر اللام مع القطع إشعارًا بأن قيد القطع مختص به.
стр. 2460
[٧] ويحجر على حاضر صف القتال، وأما إن كان في النظارة أو متوجها للقتال قبل وصول الصف فلا.
الباجي: ولم أر في صف الرد نصا، وأرى أن لا يثبت له هذا الحكم إلا بكونه في صف المقاتلة.
[من لا يحجر عليهم: ]
لا خفيف مرض، كجرب ورمد وحمى يوم وربغ وبرص وجذام وفالج، فلا يحجر على صاحبها؛ لأن الغالب السلامة منها، والموت منها نادر.
ولا يحجر على ملجج ببحر ملح ونيل وفرات ودجلة، كذا في توضيحه، ولو حصل الهول على المشهور، ومقابله: الحجر عليه.
وأشار إليه بـ (لو) وهما لمالك، وأشار بقوله: (ولو حصل الهول) إلى أن المعتبر حصوله حقيقة لا وقته.
وقال صاحب التكملة: المراد بالبحر الملح والنيل والملجح الذي صار في اللجة.
والحجر على المريض في غير مؤنته من تبرعه كعتق وهبة وصدقة وشبهها، لا في مؤنته وكسوته وتداويه؛ إذ بذلك قوام بدنه.
ويحجر عليه في غير معاوضة مالية، لا كبيع وشراء وقراض ومساقاه ونحوها مما فيه تنمية لماله.
وخرج بالمالية: النكاح والخلع، فلا يخالع المريضة، فإن حابى في معاوضاته فمحاباته في ثلثه إن مات من مرضه، وهي وارث، فإن كانت له بطلت، إلا أن يجيزها بقية الورثة، وإذا تبرع المحجور عليه بشيء وقف تبرعه بعتق أو غيره، إلا لمال مأمون للمحجور، وهو العقار، كدار وأرض ونخل، فلا يوقف تبرعه فيه، بل ينفد ما حمله ثلثه عاجلًا على المشهور.
وإذا وقف تبرعه في غير المأمون فإن مات فمن الثلث، إن وسعه، أو
стр. 2461
ما وسعه منه، وإلا بأن عاش مضى تبرعه.
[عود على من يحجر عليه: ]
[٨] ثم ذكر سببًا آخر من أسباب الحجر بقوله: وعلى الزوجة لزوجها؛ لما له من الحق في التجمل بمالها؛ إذ لو تصرفت بغير إذن لضر ذلك به.
ونبه على خلاف أبي حنيفة والشافعي في أنه لا حجر له عليها.
وأشار للخلاف في الزوج غير الحر بقوله: ولو عبدا على ظاهر المذهب؛ لما له من الحق كالحر، خلافًا لابن وهب.
وشمل الزوج السفيه، فلوليه الحجر على زوجته في تبرع زاد على ثلثها فلا حجر له عليها في الثلث، ولو تبرعت به ضررا، وهو كذلك عند ابن القاسم وأصبغ.
وخرج بقوله في تبرع المعاوضة المالية، كما تقدم.
وعموم قوله: (زوجها) يشمل الحر يتزوج الأمة، وليس حكمه كذلك؛ إذ لا حجر عليها له، لأن مالها لسيدها، وإنما لم ينبه المصنف على ذلك لشهرته.
وتمنع من التصرف فيما زاد على ثلثها وإن بكفالة، نحوه في المدونة، وسواء تكلف بمال أو وجه لضرر الزوج بخروجها للطلب، أو حبسها ويمنع منها.
وظاهره: ضمنت معسرًا أو موسرًا.
ابن عرفة: في المدونة كفالتها كعطيتها.
وأفهمت عبارته: أنها لو تكفلت عن زوجها لزمها، وهو كذلك.
ابن عرفة: ولو قالت: أكرهني لم تصدق.
وفي منع إقراضها كهبتها، وهو قول ابن الشقاق، أو جوازه، وهو قول ابن دحون؛ لأنه تقتضيه، قولان.
стр. 2462
واصطلاح المصنف أن يعبر عن مثل هذين القولين بالتردد.
تنكيت:
قول صاحب التكملة: (إطلاقه في القرض مع حكاية ابن عرفة مقيدًا له عن من ذكر مما زاد على الثلث) غير ظاهر؛ لأن كلامه في هذه المسائل إنما هو في ما زاد على الثلث.
وهو أي تبرعها جائز حتى يرد الزوج، أو يجيز، وهو قول ابن القاسم، وعند مطرف مردود حتى يجيزه.
قال ابن رشد: وثمرة الخلاف إذا اختلف الزوجان: هل هو الثلث أو أكثر، فمن جعل تبرعها على الإجازة، قال: القول قولها. ومن جعله على الرد، قال: القول للزوج.
فمضى تبرعها بالزائد على الثلث إن لم يعلم زوجها به حتى تأيمت بأن طلقها، أو مات أحدهما، وليس له مقال في الأول، ولا لورثته في الثاني، ولا فرق بين موتها أو موت الزوج عند ابن القاسم؛ ولذا قال: (أو مات أحدهما).
وقال ابن حبيب: إن لم يعلم الزوج حتى ماتت فمردود؛ لأن له الميراث.
كعتق العبد رقيقه المحجور عليه فيه، ولم يعلم سيده بعتقه حتى أعتقه، وهو بيده، فإن عتقه يمضي، ولا مقال لسيده.
ابن رشد: لا أعلم فيه نص خلاف.
وعلى هذا التقرير فالمصدر مضاف لفاعله، وعتق العبد مثال؛ إذ لا خصوصية له، بل كل تبرعاته غير المأذون له فيها كذلك.
وجوز الشارح كونه مثالا لعتق الزوجة عبدها، ولم يعلم زوجها بذلك حتى طلقها مضى، ولا مقال له، وعليه فالمصدر مضاف لمفعوله.
стр. 2463
تنبيه:
في الاحتمال الأول زيادة فائدة بخلاف الثاني؛ لأنه معلوم مما قبله.
وكذا إذا تبرع المديان قبل وفاء الدين بغير إذن غريمه، ولم يعلم غريمه بذلك إلا بعد وفاء دينه، فتبرعه نافذ إن بقي ما تبرع به بيده، ونحوه في المقدمات.
تنكيت:
إذا علمت ما ذكرناه عن المقدمات فتقرير الشارح لهذه المسألة بأن (العبد إذا وفى دينه، ولم يعلم سيده بذلك إلا بعد العتق فلا كلام له) غير ظاهر، وإن تبعه صاحب التكملة، وكذا بعض مشايخي، قائلًا: وإنما نبّه على ذلك دفعا لما قد يتوهم أن للسيد الرد ليأخذه، ويسقط الدين عن ذمة عبده.
وله أي: الزوج رد الجميع وإمضاؤه، إن تبرعت بزائد على ثلثها عند ابن القاسم في المدونة.
ابن نافع: سواء كانت الزيادة كثيرة أو يسيرة.
ولابن القاسم في المدونة أيضًا إذا زاد على الثلث كالدينار، وما خف مضى، وإن كثرت رد الجميع.
وليس لها بعد الثلث الذي تبرعت به تبرع بشيء من الثلثين الباقيين، إلا أن يبعد ما بين التبرعين، فلها التبرع من الثلثين الباقيين، وكأنه للبعد صار مالا لم يقع فيه تبرع، قاله ابن المواز.
تتمة:
حد ابن حبيب البعد بستة أشهر، وقيل: العام. ابن سهل بالسنة فأكثر.
والفرق بين المشهورين: أن للزوج رد الجميع، وبين المريض والموصي في أنه لا رد لهما إلا فيما زاد على الثلث: أن الأصل إبطال الجميع في المسائل الثلاث، لأنه وقع على وجه ممنوع، فأبطل في حق
стр. 2464
الزوجة؛ لأنه يمكنها استدراك غرضهما بإنشاء الثلث ثانيا، بخلاف المريض والموصي، فإنّا لو أبطلنا الجميع لم يمكن استدراك الغرض بموت الموصي والمريض، واللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه الصلح وأحكامه، وما يتعلق به، وعقبه لما قبله لمناسبة بينهما.
وهو لغة: قطع المنازعة، مأخوذ من صلح الشيء، بفتح اللام وضمها إذا كمل.
قال ابن عرفة: هو من حيث ذاته مندوب إليه، وقد يعرض وجوبه عند تعين مصلحته، وحرمته وكراهته لاستلزام مفسدة واجبة الدرء، أو راجحته وقسموه لإقراره وإنكار.
فقول عياض: (حكم السكوت حكم الإقرار)، تكون القسمة حقيقة بين الشيء ونقيضه، أو المساوئ لنقيضه.
ولما كان الصلح قسمين على غير المدعي فيه وعلى بعضه، والأول قسمان، أشار للأول من الأول بقوله: الصلح على غير المدعى به بيع، فيشترط فيه شروطه، كدعواه عرضًا أو حيوانًا أو طعامًا فيصالحه بدنانير أو دراهم أو بهما أو بعرض أو طعام مخالف للمصالح عنه، وهذا معاوضة اتفاقًا؛ إذ هو كبيع عرض بنقد أو بعضو مخالف، فلو اختل شرط البيع:
- كمن صالح عن دراهم بخمر، وهو مما لا يحل الحرام.
- وكمن صالح عن سلعة بثوب بشرط أن لا يلبسه، أو لا يبيعه، وهو مما يحرم الحلال.
стр. 2465
- وكمن صالح عن شيء مجهول أو لأجل مجهول فغير جائز في الصور الثلاث.
وأشار للثاني من الأول بقوله: أو إجارة فيشترط له مالها، كصلحه على دنانير نقدًا بسكنى دار، فيجوز، فلو كان على دنانير مؤجلة امتنع، كصلحه عن مائة بخمسين، فالمتروك هبة لازمة للواجب، لأنها مقبوضة، ويشترط فيها قبول الموهوب له في حيازة الواهب، وفي قبوله بعد موته قولان.
وجاز الصلح عن دين بما يباع به ذلك الدين؛ إذ هما كالعوضين، ويمتنع ما يمتنع بيعه، فيعتبر ضع وتعجل في العرض والنقد، كدعواه ثلاثة دنانير أو أثواب إلى سنة فأقر، ثم صالح بدينارين، أو ثوبين نقدا.
ويعتبر أيضًا حط الضمان وأزيدك في العرض فقط، كدعواه خمسة أثواب لشهر صولح بستة نقدا، وكذا بخمسة دنانير نقدا، لأنه فسخ دين في دين.
ويعتبر أيضًا الصرف المؤخر، كدعواه دينارين فصولح بفضة لأجل، وبيع الطعام قبل أجله، كدعواه بطعام من بيع، فصولح بغيره، والكل ممتنع.
وجاز الصلح عن ذهب الدينار حال بورق، كخمسة دراهم حالة معجلة، وعكسه كصلحه عن عشرة دراهم حالة بدينار معجل.
وأشار لاشتراط تعجيل المصالح عنه بقوله إن حلا؛ لأنه صرف ما في الذمة، وشرطه الحلول.
وأشار لشرط المصالح به من ذهب أو فضة بقوله: وعجل؛ إذ لو أجل لأدى لصرف مستأخر، وهو ممنوع.
ولما كان لا فرق في الجواز بين انفراد كل نقد بجهة أو اجتماعهما معًأ في كلا الجهتين، أشار للثاني بقوله: كمائة دينار ودرهم واحد صلحا
стр. 2466
عن مائتهما أي: عن مائة دينار ومائة درهم، فيشترط الحلول والتعحيل، ونحوه في المدونة (١).
ومن لك عليه مائة درهم ومائة دينار خالصة فصالحته من ذلك على
стр. 2467
مائة دينار ودرهم؛ لأنك أخذت الدنانير قضاء عن دنانيرك، وأخذت درهما من دراهمك، وهضمت باقيها بخلاف التبادل بها نقدا.
تنبيه:
ذكر هذه الصورة وإن دخلت في التي قبلها لخفاء فهمها منها، وذكرها مع الاستغناء عنها أيضًا بقوله: (وعلى بعض هبة)، للتنصيص على كل نوع بانفراده.
وجاز الصلح على الافتداء بمال من يمين توجهت عليه، ونحوه قول أيمان المدونة ونذرها: ومن لزمته يمين فافتدى منها بالمال جاز.
وظاهر كلام المؤلف كالمدونة: جوازه، ولو علم براءته.
ابن ناجي: وهو المعروف.
تنكيت:
تقييد الشارح ومن تبعه من مشايخي وصاحب التكملة كلام المصنف بقول ابن هشام: (إن علم المدعي عليه براءته، وطلب منه اليمين، فليحلف، ولا يصالح على شيء من ماله، فإن صالح أثم من أربعة أوجه:
- إذلال نفسه.
- وإطعامه ما لا يحل له.
- وإمناعه ماله.
- وتجربته على غيره).
رده الغبريني نقلا ومعنى، انظره في الكبير.
أو السكوت بأن يدعي شخص على آخر بشيء فيسكت، أو الإنكار، فيجوز الصلح على كل منهما.
وظاهر كلام المصنف: أن السكوت غير الإقرار والإنكار، وهو كذلك، لكن باعتبار الصورة، وأما الحكم فهو كالإقرار، أو يعتبر في
стр. 2468
السكوت ما يعتبر في الإنكار من الشروط، وهي ثلاثة عند مالك، وأشار لها بقوله: إن جاوز على دعوى كل من المدعي والمدعى عليه، وهذان شرطان.
والثالث جوازه على ظاهر الحكم، واعتبر ابن القاسم الأولين فقط، وأصبغ واحدا، وهو أن لا تتفق دعواهما على فساد.
تنبيه:
وقوع الشرط في كلام المؤلف بعد السكوت والإنكار في ليل على رجوعه لكل منهما، ولنذكر أمثلة ذلك كما في توضيحه، فلو ادعى شخص على آخر دراهم وطعام من بيع، فاعترف بالطعام وأنكر الدراهم، فصالحه على طعام مؤجل أكثر من طعامه، واعترف له بالدراهم، وصالحه على دنانير مؤجلة أو دراهم أكثر من دراهمه فسخ اتفاقًا؛ لما فيه من السلف بزيادة، والصرف المؤخر.
ولو ادعى عليه عشرة دنانير فأنكره، فصالحه بدراهم لأجل منع على دعوى المدعي؛ إذ لا يحل أخذ دراهم لأجل في دنانير، وجائز على دعوى المدعي عليه؛ إذ إنما صالح عن يمين وجبت عليه، فيمنع عند مالك وابن القاسم؛ إذ من شرطه جوازه على دعواهما معا، وهذا ممتنع على دعوى المدعي.
وإجازة أصبغ إذا لم تتفق دعواهما على فساد، وكذا لو أدعي عليه عشرة أرادب من قرض، فقال المدعى عليه: بل لك خمسة من سلم، وصالحه على دراهم معجلة، فجائز على دعوى المدعي؛ لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه، ولا يجوز على دعوى المدعى عليه؛ لأن طعام السلم لا يجوز بيعه قبل قبضه، فيمنعه مالك وابن القاسم، ويجيزه أصبغ.
ولو ادعى عليه مائة درهم، فأنكر، فصالحه على خمسين لأجل، أو على تأخير جميعها، فجائز على دعوى كل منهما؛ إذ يقول المدعي: حططت وأخرت فأنا محسن، والمدعى عليه: افتديت من يمين وجبت علي.
стр. 2469
وظاهر الحكم فيه: سلف جر نفعا، فالسلف التأخير، والمنفعة سقوط اليمين المنقلبة على المدعي بتقدير نكول المدعي عليه أو حلفه، فيسقط جميع المال، فهو ممنوع عند مالك، لاشتراطه الجواز في ظاهر الحكم، وجائز عند ابن القاسم؛ لأنه لم يعتبر هذا الشرط، ولا إشكال في جوازه على قول أصبغ.
ولا يحل للظالم في الباطن ما وقع الصلح به على الإنكار فيما بين الظالم وبين اللَّه تعالى.
ولما قدم أن الصلح إما بيع أو إجارة أو هبة، وكان كل من الثلاثة لازما، ليس للمصالح نقضه، أفاد مسائل للمصالح النقض فيها، وأشار لأحداها بقوله: فلو أقر المنكر بما ادعى عليه به بعده، أي: بعد الإنكار أو الصلح على بعض ما أنكره، أو على خلافه، فله نقضه؛ لأن المقر له كالمغلوب على الصلح، ولا خلاف في هذه.
وأشار للثانية بقوله: أو شهدت للمدعي على المنكر بينة بما ادعاه لم يعلمها حين الصلح، فله نقضه على المشهور.
وأشار للثالثة بقوله: أو أشهد بأنه إنما صالح لغيبة بينة، وأعلن هذه الشهادة، أي: أظهرها، وذكر أنه يقوم بها، إذا حضرت، فله نقضه إذا حضرت وشهدت له بما قال اتفاقا.
وأشار للرابعة بقوله: أو وجد المصالح على الإنكار وثيقته التي صالح لعقده ما بعده، أي: بعد الصلح، فله نقضه اتفاقًا، وله إمضاؤه، كما صرح به سحنون.
وهذا جواب الشرط الأخير، كما قال الشارح.
وأشار للخامسة مشبها لها بما قبلها بأن له النقض لا في الاتفاق بقوله: كمن لم يعلن إشهاده بالقيام ببينة إذا وجدها، بل أشهد بذلك سرا، واستظهر ابن عبد السلام عدم القيام به.
стр. 2470
وأشار للسادسة بقوله: أو يقر أي: المدعى عليه سرا، ويجحد علانية.
قال المصنف: فصالح على إن أخر سنة، وأشهد أنه صالح لغيبة بينة، وإذا قدمت قام بها، فله ذلك، إذا علم أنه كان يطلبه ويجحده، وبه أفتى بعض أشياخ شيخي، وهو لسحنون، والآخر لمطرف، وهذه المسألة تسمى بإيداع الشهادة انتهى.
وأشار لهاتين المسألتين بقوله: فقط على الأحسن، ولم يذكر في توضيحه من استحسن الأولى منهما، بل الذي استظهره ابن عبد السلام فيها عدم نقضه.
وأشار بالاستحسان في الثانية لفتوى بعض أشياخ شيخه، وفي بعض النسخ إسقاط فيهما، فيعود للثانية فقط، وانظر الكلام على ما يتعلق بإيداع الشهادة في الكبير.
وأشار للسابعة بقوله: لا إن علم المصالح ببينته على المنكر، ولم يشهد قبل صلحه أنه يقوم بها، ثم قام بعد الصلح، فليس له نقضه؛ لأنه حين الصلح كالتارك لها، وهو المشهور.
وأشار للثانية بقوله: أو ادعى ضياع الصك أي: الوثيقة الشاهدة له بحقه، فقيل أي: قال لى المدعي عليه: حقه ثابت فائت به أي: بالصك وامحه وخذ حقك، فصالح ثم وجده بعد الصلح، فلا نقض له، قاله ابن القاسم في العتبية، وفرق ابن يونس بين هذه وبين الذريعة بأنه هنا صالح على إسقاط وثيقته مع علمه بثبوت حقه فقد رضي بإسقاطه واستعجال ما صالح عليه، والأولى خصمه منكر، وقد أشهد أنه إنما صالح لضياع وثيقته، فهو كإشهاده أنه إنما صالح لبعد غيبة بينته.
وجاز لبعض الورثة الصلح عن إرث زوجة على حصتها من تركة زوجها المشتملة على عرض وورق وذهب، وكل ذلك حاضر بذهب، بشرط كونه من التركة، وبشرط كونها قدر مورثها منه أي: من الذهب فأقل أو أكثر من مورثها من الذهب، إن قلت الدراهم التي تخصها من التركة،
стр. 2471
والشرط عائد على المسألتين ونحوه في المدونة.
ثم ذكر مفهوم قوله من التركة، فقال: لا إن صالحها بدنانير من غيرها، فلا يجوز مطلقا، سواء قلت الدراهم أو كثرت؛ لدخول التفاضل بين العينين، والتأخير بينهما، لأن حكم العرض الذي مع العين حكم النقد في الغائب، والتناجز في هذه الصورة مطلوب، ويدخله أيضًا بيع وصرف إن كان حظها من الدراهم صرف دينار فأكثر.
إلا إن كان الصلح من غير التركة بعرض فيجوز بشروط، أشار لأحدها بقوله: إن عرف جميعها أي: التركة، إذ لو لم يعرفها لكانت معاوضة على مجهول.
وأشار لثاني الشروط بقوله: وحضر الموروث من جميع أصنافها؛ لئلا يكون من باب النقد في الغائب بشرط.
وأشار لشرط ثالث إن كان فيها دين بقوله: وأقر المدين ما عليه من دين التركة، وحضر؛ إذ الحضور شرط في صحة كل دين، إذ لو غاب لاحتمل إنكاره إذا حضر.
وظاهره: أنه لابد من حضوره، ولو ثبت إقراره في غيبته، وهو كذلك؛ إذ لعل له مدفعا فيما ثبت، فلابد من إقراره ليعلم أن ثم دين يشترى، وحضوره يحقق أن لا مدفع له في الدين، وللاطلاع على حاله، فقد لا يرتضي معاملته.
وما ذكره في هذه المسألة والتي قبلها كقولها فأما على عروض من ماله نقدًا فذلك جائز بعد معرفتهما بجميع التركة وحضور أصنافها وحضور من عليه الدين وإقراره، وإن لم يقفا على معرفة ذلك كله لم يجز.
تنكيت:
ظاهر كلام المصنف: أن إقرار المدين كاف في الجواز، سواء كان ممن تأخذه الأحكام أولا، وليس كذلك، بل إن كانت تأخذه جاز اتفاقًا، ومقابله إن كانت لا تأخذه، ويختلف إن كان منكرا، وعليه بينة، وهو
стр. 2472
بموضع تأخذه الأحكام على قولين بالجواز والمنع؛ لأنه شراء ما فيه خصومة، ونحو هذا للشارح، ولعل المصنف سكت عنه لشهرة التفصيل في المسألة.
وجاز صلح وارث لوارث عن دراهم وعرض تركا عن مورثهما، كما لو مات عن زوجة وولد فصالحها الولد عن حصتها منهما بذهب من غير التركة، إن كان حظها من الدراهم أقل من صرف دينار، ولم يكن في التركة دين جاز الصلح، وإن كان حظها أكثر من صرف دينار لم يجز.
وهذا الصلح كبيع وصرف، يغتفر إن اجتمعا معًا في دينار، سواء كان ذلك مجموع ما عقد عليه الصلح أو بعضه، كعقده على ما غالبه مبيع، وأقله اجتمع فيه البيع والصرف.
والتركة إن كان فيها مع ما تقدم دين فكبيعه، أي: الدين، فيجوز حيث يجوز، ويمنع حيث يمنع، ونحوه في المدونة.
وجاز الصلح عن العمد بما قل من المال وكثر، ففيها: وكل ما وقع به الصلح عن دم عمدًا وجراحة عمد مع المجروح أو مع أوليائه بعد موته فذلك لازم، كان أكثر من الدية أو أضعافا أو أقل؛ إذ لا دية للعمد، إلا ما اصطلحوا عليه.
ثم أخرج من الجائز، فقال: لا بما فيه كرر، فلا يجوز الصلح به، كرطل لحم من شاة صالح صاحبها به ذا دين عليه، وأطلق هنا، وقيدها في المدونة بالحية، ففيها: وإن أدعيت على رجل دينا فصالحك على عشرة أرطال من لحم شاة وهي حية لم يجز (١).
стр. 2473
تنبيهات:
الأول: فهم من تمثيله بمنع الغرر في الرطل منعه في أكثر من باب أولى؛ ولذا عدل عما في المدونة.
الثاني: فهم منه أنه لو صالح بجميعها لجاز، حية كانت أو مذبوحة، وهو كذلك؛ إذ هو كالبيع.
الثالث: يجوز في (غرر) الرفع والجر.
ولذي دين منعه أي: المدين الجارح منه، أي: من الصلح عن العمد يسقط القصاص عن نفسه، وهذا إذا أحاط الدين بماله، كما في المدونة، لا مطلقا، كما هو ظاهر كلامه.
وظاهره: سواء دفع المال لولي المجني عليه أو لا، وهو كذلك، حكاه عياض عن بعض القرويين.
قال: وهو ظاهر المدونة، وتأولها أبو بكر بن عبد الرحمن على أن ذلك إنما هو إذا لم يدفع المال؛ إذ لهم حينئذ تفليسه والحجر عليه، وإن دفعه مضى، ولا رد لهم، ولم ينبه المصنف على هذا التأويل.
فرق:
ضرورات الجسد مقدمة على الغرماء، كـ: القوت والكسوة؛ لأنه معذور، فقدم بدنه على مال الغير، كالضرر بالمجاعة، وهنا قدمت الغرماء على الجسد؛ لأنه ظالم بالجناية، فلا يضر الغرماء بظلمه.
стр. 2474
وإن رد مقوم صولح به عن دم عمد كعبد وثوب مثلًا بعيب اطلع أخذه به عليه رجع على دافعه بقيمته سليما، إذ ليس لدم العمد قيمة يرجع بها، كنكاح وقع صداقه عبدًا مثلًا، فوجدت به المرأة عيبًا.
وخلع وقع على كغرس، فاطلع فيه على عيب رجعت الزوجة في النكاح، والزوج في الخلع بقيمته صحيحًا سليما، لأنها قيمة معلومة.
ولم يرجع هنا لصداق المثل وخلع المثل، لأن طريق النكاح المكارمة، فقد تتزوج بصداق المثل وأضعافه وعشره.
وكذا الخلع يقع بقدر صداق المثل وأضعافه وبعشره وبغير شيء، وزيد على هذه الثلاث أربع يرجع فيها قيمة المردود سليما، وهو:
- العبد المصالح في دم عمد على الإنكار.
- والمقاطع به المكاتب.
- والعبد المعتق عنه في ملك الغير المعتق.
- وعوض العمري.
تكميل:
قال بعض من تكلم على هذا المحل: وهذه المسائل الثلاث -أي: التي ذكرها المصنف- من النظائر السبع التي يرجع فيها لأرش العوض في الرد بالعيب والاستحقاق والشفعة.
قال: وقد كنا جمعناها في بيت، وهو:
صلحان عتقان وبضعان معا ... عمري لإرش عوض به أرجعا
فالبيت يشتمل على إحدى وعشرين مسألة من ضرب ثلاثة في سبع انتهى.
ونظم الشارح السبع في باب الخلع، ونظمها صاحب التمكلة هنا، فقال:
стр. 2475
قيمة ما استحق خذ في العبد به ... صولح عن نكر دم العمد انتبه
ومعتق عن غير أو قوطع به ... مكاتب أو عوض العمري ايت به
وإن قتل جماعة واحدًا أو متعددًا جاز صلحهم لأولياء الواحد والمتعدد.
وجاز للأولياء العفو عن جميعهم، أو عن بعضهم، وقتل الجميع، وصلح البعض، والعفو عن الباقي.
أو قطعوا يد واحد فأكثر عمدًا جماز للمقطوع صلح كل من الواحد فأكثر.
وجاز لهم العفو عنه وقصاصه، وصلح بعض وعفو بعض وقصاص غيره.
تنبيه:
يدخل في مسألة القتل من قتل رجلين عمدًا، فصالح أولياء أحدهما على الدية، وطلب أولياء الآخر القود، وهو كذلك، لكن إن استفاد من له القود بطل الصلح، ورجع إلى ورثته؛ لأنه إنما صالح على النجاة، كذا في العتبية من رواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم.
ووقع في نسخة الشارح: (قتلوا) بالبناء للمفعول موضع (قطعوا).
قال صاحب التكملة: وهو سبق قلم.
ثم حكى عنه أن المعنى: أن الجماعة إذا قتلوا غيرهم أو واحدًا أو متعددا، أو قتلهم غيرهم واحدًا أو متعددا، فإن لهم أن يصالحوا أولياء المقتولين على شيء يدفعوه لهم، فللأولياء أو غيرهم أن يعفوا عن الكل أو البعض، ويصالحوا البعض، ويعفوا عن البعض، ويقتلوا البعض، وقاله فيها انتهى.
قال: فيه أمور:
الأول: أن الذي فيها إنما هو إذا قطع جماعة يد رجل عمدًا، فله
стр. 2476
صلح أحدهم، والعفو عمن شاء، والقصاص ممن شاء، وكذلك الأولياء في النفس بعد قولها: وإذا قطع جماعة يد رجل، وليس فيها إذا قتلوا، بالبناء للمفعول.
الثاني: أنه لم يذكر إلا حكم مسألتها، أعني: إذا قتلوا غيرهم، لا إذا قتلهم غيرهم.
الثالث: قوله: (لهم أن يصالحوا أولياء المقتولين) يوهم أن الخيار لهم، وليس كذلك، بل الخيار لأولياء المقتولين فقط.
الرابع: قوله: (يدفعوا) صوابه: يدفعونه، بثبوت النون، وإنما كان لهم قتل الجميع؛ لأن المذهب قتل الجماعة بالواحد انتهى. وانظر المناقشة معه في بعض ما ذكره في الكبير.
وإن صالح مقطوع عمدًا على مال بدل قطعه، ثم نزي قطعه فمات فللولي إمضاء صلحه، وأخذ الدية، وله رده.
فائدة:
قال عياض: نزي بضم النون وكسر الزاي مخففة، معناه: سال دمه، ولم يقدر على قطعه.
لا له أي: ليس للقاطع إذا مات المقطوع، ونكل الولي عن القسامة رده أي: الصلح، ويقول: قد آل القطع إلى النفس فردوا مالي، واقتلوني، ونحوه في المدونة، أي: لأن النفوس لا تباح، إلا بالأمر الشرعي، ولا يكفي فيها رضاه.
وإذا رد الأولياء الصلح فلهم القتل بقسامة، فيحلفون لمن ذلك الجرح مات؛ لأن الصلح إنما وقع من الجاني على العفو عن القطع، وقد كشف الغيب أنه نفس، فالمستحق عليه غير ما صالح عنه، فوجب الرجوع للمستحق، كأخذهم الدية أي: الأولياء في جناية الخطأ، كموضحة صالح عليها بمال، ثم حصل الموت، فلهم أن يقسموا، أو يستحقوا الدية على العاقلة، ويرجع الجاني بما دفع من ماله، ويكون في العقل كواحد منهم،
стр. 2477
ولهم أن لا يقسموا، فليس لهم حينئذ إلا المال المصالح به.
وإن وجب -أي: ثبت- لمريض على رجل مثلًا جرح عمد بالإضافة -وفي بعض النسخ عمدا بالنصب- فصالح المريض عن جرحه في مرضه بأرش أو كيره، أي: بأقل من أرشه أو بأقل من دينه، إن كان فيه شيء معين، ثم مات من مرضه الذي صالح فيه جاز صلحه ابتداء، ولزم بعد وقوعه؛ إذ للمريض العفو عن دم العمد، وإن لم يترك مالا، ونحوه في المدونة.
وهل جواز صلحه مطلقا، سواء صالح على الجرح بخصوصه، أو عليه وعلى ما يؤول إليه، وهو ظاهر المدونة عند بعض شيوخها، أو إنما يجوز ذلك إذا صالح عليه، أي: على الجرح فقط، لا على ما يؤول إليه، وعليه فهمها بعض شيوخها، وهو ظاهر كلام ابن القاسم تأويلان.
قال في الشامل: وإن صالح عليه وعلى ما يؤول إليه لم يجز على الأصح.
وإن صالح أحد وليين عن جناية عمد بعين أو عرض فللآخر الدخول معه فيما صالح به، وسقط القتل عن الجاني، ونحوه قول المدونة: ومن قتل رجلًا له وليان، فصالحه أحدهما على عين أو عرض، فللولي الآخر الدخول معه في ذلك، ولا سبيل إلى القتل.
وظاهره: سواء صالح عن نصيبه أو عن جميع الدية، كان الصلح بمثل الدية أو أقل أو أكثر.
ثم شبه في إسقاط القصاص فقال كدعواك بأولي الدم صلحه، أي: القاتل أو الجارح عمدًا، فأنكر الصلح، فلا قصاص عليه.
التونسي والمازري: لإقرارك بسقوطه، ولا شيء لك عليه غير اليمين؛ لأنك مدع، فلا تقبل دعواك أنه رضي بمال.
التونسي: فإن نكل حلفت، وأخذت ما أدعيت في الصلح، ونحوه في المدونة.
стр. 2478
تنبيه:
هذه المسألة فرع أصل اختلف فيه ابن القاسم وأشهب، هل كل مقر على صفة يتبعض إقراره، وهو قول ابن القاسم، أو لا، وهو لأشهب.
ومنه قول السيد: أعتقه على مال، وقول العبد: مجانا، فلابن القاسم: يحلف العبد.
ومنه إذا ادعي الزوج أنه خالعها بمال وأنكرت.
تكميل:
لها لو ادعى القاتل أو الجارح على الولي العفو على مال أو على غير مال، لم يلزم الولي غير اليمين عند ابن القاسم، وعند أشهب لا يلزمه، كدعوى الزوجة الطلاق.
وفرق ابن القاسم بين هذا والطلاق بأنها لو مكنت لتكررت دعواها على الزوج فتضره.
وإن صالح مقر بخطأ -أي: بقتل خطأ، فالباء متعلقة بمقر- بماله: متعلق بصالح، لزمه الصلح، ولا رجوع له عنه.
وهل يلزمه الصلح مطلقا، سواء دفع ما صالح به أو بعضه؛ لقول مالك في الإقرار بالقتل: إنه على المقر في ماله، وعليه اقتصر المصنف في الجراح.
أو إنما يلزمه ما دفع مما هو منجم عليه دون ما لم يدفع؛ لقول مالك أيضًا في الإقرار بالقتل: إنه على العاقلة بقسامة، العوفي وهو مشهور مذهبها؟ تأويلان في فهم قولها: ولو أقر رجل بقتل رجل، ولم تقم بينة، فصالح الأولياء على مال قبل أن تلزم الدية العاقلة بقسامة، فظن أن ذلك يلزمه، فالصلح جائز.
وقد اختلف عن مالك في الإقرار بالقتل خطأ، فقيل: على المقر في ماله.
стр. 2479
وقيل: على العاقلة بقسامة في رواية ابن القاسم وأشهب انتهى.
تنبيه ان:
الأول: لم ينبه المصنف على التأويل.
الثاني: في الجراح الثاني إنما ألزموه ما دفع، وإن كان أكثر مما يلزمه مع العاقلة؛ لتفريطه حيث صالح قبل علمه بما عليه، ولشبهة الخلاف فيه، وإلا فالقياس عدم إلزامه ما زاد على حصته مع العاقلة.
لا إن ثبت قتل الخطأ على المصالح ببينة، وجهل القاتل المصالح لزومه أي: مال الدية، فصالح لجهله، وحلف أنه إنما صالح ظنا منه لزوم الدية له، ورد للمصالح المال المدفوع صلحا، إن طلب به، أي: بالصلح مطلقا، أي: فيرجع في عينه إن كان باقيا، وفي مثله أو قيمته إن فات؛ لأنه كالمغلوب على الصلح، فناسب الرجوع في جميع شيئه.
أو طلبه إن كان هو الطالب للصلح، ووجد ما دفعه بأيدي الأولياء، رجع فيه، وما فات فلا شيء له فيه قبلهم، كمن أثاب على صدقته ظانا لزوم الثواب له.
وإن صالح أحد ولدين مثلًا وارثين شخصًا خليطًا لأبيهما، ادعى عليه هذا الوارث مالا لأبيه، وإن كان صلحه له عن إنكار من المدعى عليه، فلصاحبه -وهو: الولد الآخر- الدخول معه فيما صالح على نصيبه من ذهب أو فضة أو عرض، وله أن لا يدخل معه، ويتبع بجميع حقه.
تنبيه:
لا فرق بين كون الوارثين ولدين أو غيرهما، ولا بين كونهما اثنين أو أكثر، ولكنه تبع المدونة في فرضها في ولدين.
ويقع في بعض النسخ (وليين)؛ ولذا قال: فلصاحبه، وفهم منه أنه مخير، وهو واضح.
стр. 2480
كحق لهما من إرث أو غيره في كتاب واحد، أو كحق لهما مطلق بغير كتاب، زاد في المدونة: إلا أنه من شيء كان بينهما، فباعه صفقة مال أو بعرض يكال أو يوزن من غير الطعام والإدام، أو من شيء أقرضاه من عين أو عرض أو طعام أو غيره مما يكال أو يوزن، أو ورثا هذا الذكر الحق، فإن ما اقتضى منه أحدهما يدخل فيه الآخر، وكذا إن كانوا جماعة، فإنه يدخل فيه بقية اشراكه انتهى.
تنبيه:
قال الشارح في الكبير: ولابد من تقييد قوله: (مطلق) بما زاده في المدونة، لأنه إذا لم يكن من شيء بينهما، وليس في كتاب واحد، فلا دخول لأحدهما على الآخر فيما اقتضي؛ لأن دين كل واحد منهما مستقل، لم يجامع الآخر بوجه.
ثم استثنى مما لغير المصالح الدخول مع المصالح فيما صالح به، فقال: إلا إن كان الذي صالح عليه الفابض الطعام، أي: والإدام، كما في المدونة، ففيه أي: في جواز دخوله معه تردد، والقولان نقلهما ابن يونس.
إلا أن يكون المدين ببلد غير بلد أرباب الدين، ويشخص أي: يسافر إليه بعضهم لاقتضاء نصيبه، ويعذر إليه أي: إلى البعض الآخر في الخروج معه للاقتضاء، أو الوكالة للشاخص، فيمتنع من ذلك فلا دخول للممتنع فيما اقتضاه شريكه، لأن امتناعه من السفر معه أو التوكل دليل ظاهر على عدم دخوله معه، كما لو سأل الشاخص الحاكم في أن يشخص شريكه معه أو يوكل، وأمره الحاكم بذلك، فلم يفعل؛ لمنعه من الدخول معه فيما اقتضاه.
وفهم من قوله: (يشخص) لو كان المدين حاضرا، واقتضى منه شيئًا لدخل معه.
стр. 2481
ومن قوله: (ويعذر إليه): أنه لو خرج ولم يعذر لدخل معه في المسألتين، وهو كذلك، ونحوه في المدونة (١).
стр. 2482
ثم بالغ على عدم دخول من لم يشخص مع الشاخص المعذر بقوله: وإن لم يكن بيد الغريم الغائب شيء من المال غير القدر المقتضى بفتح الضاد، أي: المأخوذ، أو إلا أن يكون الحق المشترك بين الولدين أو غيرهما بكتابين، بأن كتب كل منهما نصيبه بكتاب مفرد، ثم اقتضى أحدهما حقه أو بعضه، فليس للآخر الدخول معه فيما اقتضي، لأن كتبهما الحق
стр. 2483
الواحد في كتابين كالمقاسمة، وهو ليس أصله مشتركا لهما.
وفي بعض النسخ بينهما كسلعتين لكل واحدة باعهما من واحد ولا شركة بينهما فيهما.
وكتب ثمنها في كتاب واحد قولان:
أحدهما لسحنون، حكاه عنه صاحب التكملة في شرحه للمسألة التي قبل هذه، فقال: ظاهر الكتاب وصريح قول سحنون أن الاشتراك بالكتابة في المفترق يوجب الاشتراك في الاقتضاء.
والثاني: لابن أبي زيد: لا يوجب، ولكل ما قبضه.
ورده ابن يونس بأن الكتابين يفرقان ما أصله الاشتراك، فينبغي أن يجمع الكتاب الواحد ما أصله الافتراق.
تنكيت:
لم يحفظ بعض مشايخي قول سحنون، فقال: كان ينبغي للمؤلف أن لا يعادل كلام أبي محمد ببحث ابن يونس، وإن كان ظاهر المدونة، فالأولى أن يقول بعد قول أبي محمد: ورجح خلافه، وهو ظاهرها.
ولا رجوع لأحد الشريكين على الآخر فيما قبضه من الغريم، إن اختار تسليم ذلك وابتاع ما على الغريم، وإن هلك ما بيد الغريم؛ لأن اختيار اتباعه كالمقاسمة، ولا رجوع له بعدها، ونحوه في المدونة.
وإن صالح شريك في مائة مثلًا، حيث لم يشخص لشريكه أو لم يعذر إليه في الشخوص أو التوكيل، على عشرة من خمسينه، التي هي من شيء أصله بينهما بكتاب واحد أو بغير كتاب، فللآخر إسلامها، أي: العشرة التي صالح عليها، وأخذ خمسينه من الغريم.
وله أخذ خمسة منها من شريكه وبرجع على المدين بخمسة وأربعين، ويأخذ الآخر الذي أخذت منه الخمسة خمسة من المدين عوضًا عن التي
стр. 2484
أخذها شريكه منه؛ لتتم له العشرة التي صالح عليها، ونحوه لابن القاسم في صلح المدونة.
وإن صالح ذو حق بموخر من جنسه أو من غيره عن مستهلك كعرض أو طعام أو حيوان لم يجز صلحه؛ لأنه فسخ دين في دين؛ إذ باستهلاكه لزمت قيمته لمستهلكه، فأخذها مؤخرة فسخ دين في دين.
إلا أن يكون الصلح وقع بدراهم كقيمته، أي: المستهلك فأقل، فيجوز؛ إذ حاصله أنه أنظره بالقيمة، وهو حسن اقتضاء، أو وقع الصلح على ذهب كذلك، أي: قدر قيمته فأقل، فيجوز، والعلة ما سبق.
وأشار لشرط الجواز في المسألتين بقوله: وهو أي: المستهلك مما يباع به، أي: بما بذل فيه من الدراهم أو الذهب، ونحوه في المدونة، إلا أنه قال فيها: وكان المستهلك مما يباع بالدنانير في البلد.
وأسقط المؤلف (في البلد)، وكأنه رآه طرديا، وتحرز بقوله: (مما يباع به) عما لو كان المستهلك ذهبا، فأعطى قيمته فضة مؤخرة فأقل، أو عكسه، لم يجز للصرف المستأخر، وقس على ذلك.
تنبيه:
جعل بعض مشايخي ضمير (هو) للدراهم أو للذهب، وضمير (به) للمستهلك، ومعناه مع ما قررناه واحد.
كعبد آبق يحتمل أنه مثال لما تقدم منعًا وجوازًا، وفهم من قوله: (مستهلك) أنه لو كان باقيًا لم يشترط في جوازه ما تقدم، وهو كذلك، ونحوه في المدونة، انظر نصها في الكبير.
ويحتمل أنه تشبيه، و (آبق) فعل، وأراد به قول التهذيب: وإن غصبك عبد أو أبق لم يجز أن يصالحك على عرض مؤجل، وأما على دنانير مؤجلة فإن كانت كالقيمة فأقل جاز، وليس هذا من بيع الآبق.
قال الشارح في الكبير: ولعل هذا مراد الشيخ.
стр. 2485
وإن صالح جان مجني عليه على جنايته بشقص من دار أو بستان مثلًا مما فيه الشفعة عن موضحتي عمد وخطأ، وأراد شريك الجاني الأخذ بالشفعة، وقيمة الشقص عشرون مثلًا، فالشفعه بنصف قيمة الشقص، وهي عشرة، وبدية الموضحة لخطأ عند ابن القاسم في المدونة؛ لأن من قاعدته فيما أخذ من مقابلة معلوم ومجهول أن يوزع عليهما شطرين: نصفه للمعلوم، ونصفه للمجهول، وهذا مذهبه فيها في موضحتي عمد وخطأ.
واختلف شيوخها في فهمها هل الحكم كذلك، أي: قسم المعلوم والمجهول نصفين، إن اختلف الجرح، كموضحة ويد مثلًا، وعليه جماعة، وهو قول ابن عبد الحكم، وإنما يكون نصفين إذا استويا كموضحتين، كما تقدم، وأما إن اختلفا، كنفس ويد، فيقسم على قدر ديتهما، فيأخذ الشفيع الشقص بخمسمائة وبثلثي قيمته، إن كان القطع هو الخطأ، والقتل العمد؟ تأويلان وعلى التأويل الثاني أكثر القرويين.
* * *
باب ذكر فيه الحوالة، وما يتعلق بها
عياض وغيره: هي مأخوذة من التحول من شيء لآخر لتحول الطالب من طلبه لغريمه لغريم غريمه، وفي ندبها وهو المشهور وإباحتها قولان، حكاهما الفاكهاني.
ولم يعرفها المصنف، وعرفها ابن عرفة بأنها طرح الدين عن ذمة بمثله في أخرى.
ولا ترد المقاصة؛ إذ ليس طرحا بمثله في أخرى، لامتناع تعلق الدين بذمة من هو له.
وتعقب قول ابن الحاجب: (نقل الدين من ذمة إلى ذمة تبرأ بها الأولى) فانظره وما يتعلق به في الكبير.
стр. 2486
شرط الحوالة رضى المحيل والمحال فقط، لا رضى المحال عليه على المشهور.
ابن عرفة: المعروف لغو رضاه انتهى.
وما ذكره المصنف مثله لابن الحاجب كابن شاس، ولم يعدهما اللخمي وابن رشد من شروطها، واستحسنه ابن عرفة، قائلًا: والأظهر أنهما جزآن كلما وجدا وجدت.
تنبيه:
وعلى المشهور يشترط السلامة من العداوة قاله مالك.
ومن شرطها ثبوت دين للمحيل على المحال عليه إذ حقيقتها أن تكون على دين وكذا قرره الشارح.
وقال البساطي: ثبوت دين يشمل صورتين:
إحداهما: السابقة.
والثانية: ثبوت دين للمحال على المحيل لاستلزام ذلك حقيقة بيع الدين بالدين.
قال: وإذا كان الأمر كذلك فلم خص ابن الحاجب وغيره هذا بقولهم: (وأن يكون للمحيل دين على المحال عليه).
وأجاب بأن عادتهم جرت أن يقولوا: إذا لم تكن الحوالة على أصل دين انقلبت حمالة، ولا يتأتى ذلك إلا على ما ذكروه.
ووصف الدين بقوله: لازم، أي: أو آيل إلى اللزوم، كما يأتي في الكتابة.
وخرج به دين على رقيق بغير إذن سيده لعدم لزومه، فإن أعلمه -أي: أعلم المحيل المحال- بعدمه -أي: الدين- وقال له: لا دين لي على المحال عليه، وشرط المحيل على المحال البراءة مما عليه، ورضي بذلك صح عقد الحوالة.
стр. 2487
ولا رجوع له على المحيل عند ابن القاسم؛ لأن المحال ترك حقه مجانا، وروى ابن وهب في المدونة: لا يرجع إلا في الموت والفلس.
واختلف هل قول ابن القاسم بصحة الحوالة وعدم الرجوع مطلقا، ولو فلس الغريم أو مات، فهو خلاف لرواية ابن وهب، وهو تأويل سحنون وابن رشد.
أو يصح، ولا رجوع عنده إلا أن يفلس المحال عليه أو يموت، فهو وفاق، وهو تأويل أبي محمد، تأويلان.
وجمع أبو عمران بين كلاميهما أيضًا بأن في جواب ابن القاسم اشتراط البراءة، وليس ذلك في جواب ابن وهب، فهما متفقان.
وفهم من قوله: (شرط البراءة): أن له الرجوع إن لم يشترطها، وهو قول ابن القاسم، وأحرى إن اشترط رب الدين الرجوع على من شاء منهما، فيوفى له بذلك عند ابن القاسم.
تنبيهان:
الأول: تلخص من كلامه منطوقا ومفهوما ثلاث مسائل:
- فإنه تارة يشترط المحيل البراءة.
- وتارة لا يشترط أحدهما شيئا.
- وتارة يشترط الرجوع على أيهما شاء.
الثاني: قال بعض مشايخي: كيف صحة الحوالة حيث أعلمه (١) بأن
لا دين له، واشترط البراءة منه، مع قولهم: لابد فيها من ثبوت دين لازم، وهل هذا إلا تناقض.
وأجاب بعدم التناقض، ولم يكن شرطا، ومحل الصحة المذكورة حيث الإعلام بالعدم، وحيث الشرط، فلا تناقض، لاختلاف الغرض.
ومن شروطها صيغتهما، ابن عرفة: وهي ما دل على ترك المحال دينه في ذمة المحيل بمثله في ذمة المحال عليه.
واختلف الشارحان: هل لا يشترط التصريح بلفظها، وهو قول ابن رشد: لا تكون إلا بالتصريح بلفظها، أو ما ينوب منابه، كـ: خذ منه حقك، وأنا بريء من دينك وشبهه، وعليه درج الشارح.
أو يشترط، وعليه البساطي، فقال: لابد أن يقع العقد بلفظها، ووقع في كلام ابن القاسم ما يدل عليه، حيث قال: إنما الحوالة أن يقول: أحلتك بحقك على فلان، وأبرأ منه، بعد أن قال فيمن أمر رجلًا أن يأخذ من رجل كذا وأمر الآخر بالدفع: ليس بحوالة.
وقال في موضع آخر: لو قال: خذ من هذا حقك، وأنا بريء من دينك، ليس بحوالة انتهى (١). وهو ظاهر المصنف.