شرط الحوالة رضى المحيل والمحال فقط، لا رضى المحال عليه على المشهور.
ابن عرفة: المعروف لغو رضاه انتهى.
وما ذكره المصنف مثله لابن الحاجب كابن شاس، ولم يعدهما اللخمي وابن رشد من شروطها، واستحسنه ابن عرفة، قائلًا: والأظهر أنهما جزآن كلما وجدا وجدت.
تنبيه:
وعلى المشهور يشترط السلامة من العداوة قاله مالك.
ومن شرطها ثبوت دين للمحيل على المحال عليه إذ حقيقتها أن تكون على دين وكذا قرره الشارح.
وقال البساطي: ثبوت دين يشمل صورتين:
إحداهما: السابقة.
والثانية: ثبوت دين للمحال على المحيل لاستلزام ذلك حقيقة بيع الدين بالدين.
قال: وإذا كان الأمر كذلك فلم خص ابن الحاجب وغيره هذا بقولهم: (وأن يكون للمحيل دين على المحال عليه).
وأجاب بأن عادتهم جرت أن يقولوا: إذا لم تكن الحوالة على أصل دين انقلبت حمالة، ولا يتأتى ذلك إلا على ما ذكروه.
ووصف الدين بقوله: لازم، أي: أو آيل إلى اللزوم، كما يأتي في الكتابة.
وخرج به دين على رقيق بغير إذن سيده لعدم لزومه، فإن أعلمه -أي: أعلم المحيل المحال- بعدمه -أي: الدين- وقال له: لا دين لي على المحال عليه، وشرط المحيل على المحال البراءة مما عليه، ورضي بذلك صح عقد الحوالة.
стр. 2487
ولا رجوع له على المحيل عند ابن القاسم؛ لأن المحال ترك حقه مجانا، وروى ابن وهب في المدونة: لا يرجع إلا في الموت والفلس.
واختلف هل قول ابن القاسم بصحة الحوالة وعدم الرجوع مطلقا، ولو فلس الغريم أو مات، فهو خلاف لرواية ابن وهب، وهو تأويل سحنون وابن رشد.
أو يصح، ولا رجوع عنده إلا أن يفلس المحال عليه أو يموت، فهو وفاق، وهو تأويل أبي محمد، تأويلان.
وجمع أبو عمران بين كلاميهما أيضًا بأن في جواب ابن القاسم اشتراط البراءة، وليس ذلك في جواب ابن وهب، فهما متفقان.
وفهم من قوله: (شرط البراءة): أن له الرجوع إن لم يشترطها، وهو قول ابن القاسم، وأحرى إن اشترط رب الدين الرجوع على من شاء منهما، فيوفى له بذلك عند ابن القاسم.
تنبيهان:
الأول: تلخص من كلامه منطوقا ومفهوما ثلاث مسائل:
- فإنه تارة يشترط المحيل البراءة.
- وتارة لا يشترط أحدهما شيئا.
- وتارة يشترط الرجوع على أيهما شاء.
الثاني: قال بعض مشايخي: كيف صحة الحوالة حيث أعلمه (١) بأن
لا دين له، واشترط البراءة منه، مع قولهم: لابد فيها من ثبوت دين لازم، وهل هذا إلا تناقض.
وأجاب بعدم التناقض، ولم يكن شرطا، ومحل الصحة المذكورة حيث الإعلام بالعدم، وحيث الشرط، فلا تناقض، لاختلاف الغرض.
ومن شروطها صيغتهما، ابن عرفة: وهي ما دل على ترك المحال دينه في ذمة المحيل بمثله في ذمة المحال عليه.
واختلف الشارحان: هل لا يشترط التصريح بلفظها، وهو قول ابن رشد: لا تكون إلا بالتصريح بلفظها، أو ما ينوب منابه، كـ: خذ منه حقك، وأنا بريء من دينك وشبهه، وعليه درج الشارح.
أو يشترط، وعليه البساطي، فقال: لابد أن يقع العقد بلفظها، ووقع في كلام ابن القاسم ما يدل عليه، حيث قال: إنما الحوالة أن يقول: أحلتك بحقك على فلان، وأبرأ منه، بعد أن قال فيمن أمر رجلًا أن يأخذ من رجل كذا وأمر الآخر بالدفع: ليس بحوالة.
وقال في موضع آخر: لو قال: خذ من هذا حقك، وأنا بريء من دينك، ليس بحوالة انتهى (١). وهو ظاهر المصنف.
ومن شروطها حلول الدين المحال به، إن لم تكن كتابة، كمن له مائة حالة على زيد من بيع مثلًا، فيحيل بهما عمرا.
بل وإن كان المحال به كتابة حلت للسيد على مكاتبه، فيحيله المكاتب بها على غيره.
وقوله: (حلول المحالة به)، أي: سواء كان حالًا أو قد حل؛ لأنه إذا حل كان بيعه جائزا.
وحاصله: بيع الدين بالدين، وإن لم يحل لم يجز؛ لما يتوقع عند الحلول من الغرر.
ويدخل في كلامه ما لو أحال المكاتب سيده بكتابته الحالة على مكاتبه، ونص على جوازه في الجواهر.
وهل يشترط بت عتق الأعلى، وهو لابن القاسم، أو لا، وهو لبعض المتأخرين قولان.
لا الدين المحال عليه، فلا يشترط حلوله، وإذا كان كتابة بأن يحيل السيد بدين حال على نجوم كتابة لم تحل؛ لأن الكتابة الأولى يشترط حلولها دون الثانية.
الباجي: لأنها إذا لم تحل كمن أخذ من دينه قبل حلوله من جنسه ما هو أقل أو أكثر أو أدنى أو أجود، لتعذر تماثل الذمم، فيدخله ضع
стр. 2492
وتعجل، أو حط الضمان وأزيدك، ومثل هذا عند حلول الأجل جائز (١).
تنبيهان:
الأول: ذكر المبالغ به بين متعلقي الشرط وغيره لوجهين:
أحدهما: أن المبالغ به كأنه من تمام الشرط، فحقه أن يلي ما هو منه.
ثانيهما: لو أخره لربما توهم منه اختصاصه بالأخير، وليس كذلك.
الثاني: عدل المصنف عما مشى عليه ابن شاس وابن الحاجب من أن ابن القاسم اشترط حلول ما على المحال عليه، إن كان من نجوم الكتابة؛
стр. 2493
للانتقاد عليهما بأنه خلاف المعروف عن ابن القاسم، انظر ابن عرفة.
ومن شروطها: تساوى الدينين المحال به والمحال عليه قدرا، فيحيل من عليه دينار بدينار، ومن عليه دراهم بنظيرها، ولا يجوز التحول بالأقل على الأكثر، كذي الدينار على أقل منه؛ إذ هو ربا على تقدير حلولها، ومنفعة في التحول، فيخرج عن المعروف.
ويشترط في الدينين تساويهما صفة أيضًا، فيتحول من دينار يزيدي على مثله، لا محمدي، وعكسه؛ لأن الأجود صفة كالأكثر مقدارا.
قال الشارح: يريد: وأن لا يكونا متجانسين، كـ: ذهب، وفضة.
البساطي: ويستغنى عن ذلك باتحاد الصفة، ورد بأنه لا يلزم من التساوي فيهما التساوي في الجنس؛ لجواز التحول من دراهم محمدية لدنانير محمدية، وفيه بحث.
ولما أفهم بما تقدم أنه لا يتحول بالأدنى على الأعلى، وشمل مفهوم كلامه عكسه أيضًا، وفيه خلاف، أفاده بقوله: وفي جواز تحوله على الأدنى، كما لو كان للمحال على المحيل أجود مما للمحيل على المحال عليه أو أكثر؛ لأنه معروف، وهو قول اللخمي والمازري، وتبعهما ابن شاس وابن الحاجب، ومنعه وهو قول ابن رشد وعياض تردد لهؤلاء المتأخرين، واللَّه أعلم.
فائدة:
قال في التوضيح: حيث حكم بالمنع في هذا الفصل فإنما ذلك إذا لم يكن وقع التقابض في الحال، وأما لو قبضه لجاز.
ومن شروطها: أن لا يكون -أي: المحال به وعليه- طعاما من بيع، أي: سلم، كما في المدونة؛ لئلا يدخله بيع الطعام قبل قبضه، وسواء اتفقا أم لا، استوت رؤوس الأموال أم لا.
ومفهوم: (من بيع) جوازهما من قرض، أو منه ومن بيع، وهو كذلك عند ابن القاسم بشرط حلول الطعامين معا.
стр. 2494
تنبيه:
حكى الشارح عن المقدمات أن لا يكونا من مسلم أو أحدهما، ولم يحل الدين المحال به، وتبعه البساطي في قوله: (أحدهما)، فقال: الرواية أو أحدهما من بيع، وفي دلالة كلام المصنف على هذا نظر انتهى.
لا كشفه، أي: المحال عن ذمة المحال عليه، أغني أم فقير، فلا يشترط، حكاه المازري عن مالك؛ لأنها معروف، فاغتفر فيها الغرر، بخلاف شراء الدين لا يجوز حتى يكون من عليه الدين حاضرا، مقرًا، وهو خلاف ما حكاه المتيطي.
ويتحول حق المحال من ذمة المحيل على ذمة المحال عليه، فتصير الثانية مشغولة به، ولا رجوع له على المحيل، وإن أفلس المحال عليه أو غاب، كما في المدونة وغيرها.
تنبيه:
قيد المغيرة المدونة بما إذا لم يشترط المحال الرجوع على المحيل عند فلس المحال عليه، فيكون له شرطه، وسكت عنه هنا مع أنه ذكره في توضيحه وأقره.
قال البساطي: وينبغي أن لا يعدل عنه.
ونظر ابن عرفة في القيد بأنه شرط مناقض لعقد الحوالة، ولعل المذهب في الشرط المناقض أنه يفسده، وفي بعضها يسقط الشرط، ويصحح العقد كالبيع على أن لا جائحة، فتأمله انتهى. ولعل سكوت المصنف هنا لذلك.
أو جحد المحال عليه الحق بعد تمام الحوالة، فلا رجوع له على المحيل لحصول البراءة.
ثم استثني من الفلس، فقال: إلا أن يعلم المحيل بإفلاسه، أي: المحال عليه فقط دون المحال، فيرجع لتدليسه عليه.
стр. 2495
ومفهوم فقط: أنه لو علم أيضًا لكانت حوالة أيضًا لازمة وخص علمه بالإفلاس دون الجحود لأن المسألة في المدونة وابن الحاجب كذلك، ففي المدونة: لو غرك من عدم يعلمه غريمه أو فلس فلك طلب المحيل، ولو لم يغرك كانت حوالة لازمة.
وحلف المحيل على نفيه العلم بإفلاس المحال عليه، إذا ادعى المحال عليه علمه بذلك حين الحوالة، إن ظن به -أي: المحيل- العلم بذلك، وأما لو قامت على علم المحيل بينة أو أقر به لرجع عليه المحتال.
فلو أحال بائع من له عنده دين على مشتر بالثمن، ثم رد ذلك المبيع على بائعة المحيل بعيب قبل دفع الثمن للمحتال، أو استحق المبيع من مشتريه، ولم تنفسخ تلك الحوالة، بل يلزم المشتري دفع الثمن للمحتال، ويرجع بنظيره على بائعه عند ابن القاسم.
وقال أشهب: تنفسخ الحوالة، ولا يلزمه دفع الثمن للمحتال، وإن كان دفعه استرده، وإن فات عنده مضى، ورجع المشتري بالثمن على البائع؛ بناء على أن الحوالة طريقها الإرفاق والمعروف، فينقض لانتقاض ما يثبت عليه.
وبهذا صدر ابن الحاجب، وشهره ابن راشد، واختاره ابن المواز وأكثر المتأخرين.
محمد: وبه قال أصحاب مالك كلهم.
ولذا قال المؤلف بعد ما تقدم: واختير خلاف، أي: خلاف قول ابن القاسم.
تنكيت:
في كلام المؤلف نظر من وجهين:
- أحدهما: مخالفته لاصطلاحه؛ فإن اللخمي لم يختر قول أشهب، بل تصديره في (تبصرته) بقول ابن القاسم مشعر بترجيحه، اللهم إلا إن لم يوجد الترجيح له في غيرها، أو في موضع منها غير هذا الباب.
стр. 2496
- وثانيهما: أنه تبع ابن الحاجب في إطلاقه الخلاف مع قوله في توضيحه: إنه مقيد بما إذا كان البائع باع ما ظن أنه يملكه، وأما لو باع ما يعلم أنه لا يملكه، كبيعه سلعة، ثم باعها من ثان، وأحال على الثاني بدين، فلا يختلفان أن الحوالة باطلة، ويرجع المحتال على غريمه.
والقول للمحيل في أنه أحال على أصل مال، إن ادعى عليه المحتال بعد موت المحال عليه نفي الدين للمحال عليه حتى يثبت أنها على غير مال، كذا حكاه اللخمي عن محمد.
وإذا وقع لفظ الحوالة بين اثنين وتنازعا بأن قال: أحلتك على فلان بكذا، ثم قال المحيل: إنما أردت بذلك التوكيل أو التسليف، لا الحوالة، وقال المحتال: بل قبضته من الدين الذي لي عليك، لا يقبل قول المحيل في دعواه أنه قبضه له وكالة عنه أو سلفا منه، على أن يرد له بدله تغليبا للفظ الحوالة على الأصح عند ابن الحاجب.
وظاهره: ولو قام دليل على كونها وكالة، ككونه ممن يتصرف للمحيل، أو كون عادة المحيل التوكيل على التقاضي، وهذا ممن يتوكل في مثل ذلك، أو كون المحيل لا يشبه أن يملك مثل ذلك.
* * *
باب
ذكر فيه الضمان، ومن يصح منه، وما يبطله، وانفراد الضامن، وتعدده، وتقسيمه لذمة، ووجه، وطلب، وما يتعلق بذلك، وعقبه للحوالة لما بينهما من المناسبة، التي هي حمالة الدين.
وعرفة كابن الحاجب بقول القاضي في تلقينه: الضمان شغل ذمة أخرى بالحق، فـ (شغل ذمة) كالجنس، يشمل الضمان وغيره، و (أخرى) كالفصل، مخرج للبيع ونحوه، كـ: الحوالة لبراءة الذمة بها، فليس فيها شغل ذمة أخرى.
стр. 2497
وارتكب هذا التعريف مع أنه متعقب للجواب عن كل ما تعقب به.
وعرفه ابن عرفة بأنه التزام دين لا يسقطه، أو طلب من هو عليه لمن هو له، انظر الكلام على ذلك كله في الكبير.
وأركانه أربعة أو خمسة؛ لأنه نسبة تستدعى ضمانا ومضمونا عنه، ومضمونا له وبه، وصيغة إن عدت الصيغة ركنا؛ قياسا على البيع وغيره، فتكون ركنا خامسا.
وأما من يرى أنها دليل على الماهية التي الأركان أجزاؤها، والدليل غير المدلول؛ فهي غير ركن.
وأشار إلى الركن الأول بقوله: وصح الضمان من أهل التبرع، لا من صبي وسفيه ومجنون؛ إذ لو صح من واحد منهم لبطلت فائدة الحجر عليهم؛ لأنهم ربما غرموا بسببه، كمكاتب وعبد مأذون له في التجارة إن أذن لهما سيدها في الضمان إذنا خاصا؛ لأن إذنه للعبد في التجارة ليس إذنا في الضمان، وما ذكره في المكاتب هو المشهور.
وقيل: لا يصح ضمانه، وإن أذن له؛ لأنه دابة لرقه.
وقوله: (كمكاتب) محتمل أنه تشبيه في الحكم ويحتمل التمثيل فيدخل في ذلك المدبر وأم الولد ونحوهما.
تنكيت:
أطلق في المأذون، وقيده في المدونة بما إذا لم يكن عليه دين، فيفترق، وقد يجاب عن هذا بما تقدم في الحجر أنه يحجر عليه كالحر.
تنبيه:
الرقيق غير المأذون يصح ضمانه بإذن سيده، وإنما نص على الإذن في المأذون لئلا يتوهم أن الإذن له في التجارة كاف في الضمان.
وصح الضمان من زوجة ومريض بثلث، أي: في قدر ثلث كل منهما فقط، ولا يصح فيما زاد؛ لحق الزوج والوارث في الثانية.
стр. 2498
تنكيت:
مفهومه: عدم صحة ما زاد على ثلث الزوجة، ولو يسيرًا، وفي المدونة: للزوج رده، إلا في خف كالدينار.
وقد يجاب بأنه أطلق هذا اعتمادًا على تقييدهم ذلك في باب الحجر، وأيضًا قدم في الحجر أنه ماض، إلا أن يرده الزوج، فظاهر كلامه: سواء كان المحتمل عنه غنيًا أو فقيرًا، وهو كذلك على المشهور، وانظر تعقب الشارح في شرحه الكبير، والرد عليه في الكبير.
تنبيه:
قال في التوضيح: لا إشكال أن دفع الزوجة الحمالة فيما زاد على ثلثها إنما هو لحق الزوج، فإذا ضمنته هو جاز، وإن استغرق مالها، وإن ادعت أنه أكرهها على أن تحملت له أو عنه لم يقبل عنها إلا ببينة عند ابن القاسم، ووافقه أشهب في حمالتها به، وألحق بالبينة ما إذا كان المحتمل له عالما بأن زوجها أكرهها، فإن أنكر المتحمل له العلم فعليه اليمين، إن ظن به علم ذلك، كالجار والقريب في النسب، وإنما قال: (صح) ولم يقل: (جاز) مع أن الجواز يستلزم الصحة؛ لأنه أخص منها، وهي لا تستلزمه؛ لأن بعض المسائل صحيحة وليست بجائزة، فأراد إدخالها في كلامه، قاله بعض شيوخنا.
واتبع ذو الرق القن وذو الشائبة كمدبر وأم ولد به، أي: بما ضمن إن عتق.
ظاهره: علم السيد به وسكت، أو لم يعلم، أو علم ورد فقط، أي: لم يجز، أو علم وأسقطه، وهذه أربع صور، وهو كذلك في جميعها، إلا الأخيرة، فإذا أسقطه عنه السيد قبل عتقه سقط، كما في توضيحه، تبعا للمدونة.
وليس للسيد جبره أي: الرقيق عليه أي: الضمان على المشهور ومذهب المدونة.
стр. 2499
تذييل:
لو جبره السيد عليه لم يلزمه، قاله في المدونة.
وصح الضمان عن الميت المفلس عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، وأما عن المليء فيصح اتفاقًا؛ لأنه معروف من الضامن حيث ضمن المعدوم حسا، أي: لأنه لم يعدم حكما.
قال البساطي: إذ يلزمه براءة الذمة وغيرها انتهى.
المازري: من ضمن دين ميت لزمه ما طرأ عليه من دين غريب لم يعلم به.
وصح ضمان الضامن فيما ضمنه؛ ففي المدونة من أخذ من الكفيل كفيلا لزمه ما لزم الكفيل انتهى.
وظاهره: كان كفيلا بالمال أو بالوجه، أو الأول بالمال، والثاني بالوجه، أو عكسه، وهو كذلك، انظر الكبير.
وصح ضمان المؤجل حالًا، كذا أطلق هذا في المدونة، وتبعها ابن الحاجب، وقيدها ابن يونس، وتبعه المصنف بقوله: إن كان الحق مما يعجل كالنقد والعرض من قرض، لأن الأجل في ذلك من حق من عليه الدين، فإذا أسقط حقه صح تعجيل المؤجل، وأما إن كان النقد أو العرض وشبهه من بيع لم يصح التعجيل؛ لأنه من باب حط الضمان وأزيدك توثقا.
وقد يجاب عن إطلاق المدونة وابن الحاجب بأنهما إنما تركا ذلك اعتمادًا على شهرة ذلك بمحله.
وكذا يصح عكسه، وهو أن يضمن الدين الحال مؤجلًا بشرطين، أشار لأحدهما بقوله: إن أيسر كريمه بالحال في جميع الأجل اتفاقًا؛ لأنه ملك قبض دينه مكانه، فتأخيره به كابتداء سلف بضامن.
وأشار للشرط الثاني بقوله: أو لم يؤسر في الأجل، بل كان معسرًا في جميعه؛ إذ تأخير المعسر واجب، فليس صاحب الحق مسلفا حقيقة ولا حكما.
стр. 2500
ومفهوم كلامه: لو شرط التأجيل بالحال على الغريم، والغريم معسر حينئذ لكنه يؤمر قبل تمام الأجل لم يصح عند ابن القاسم، وهو المذهب؛ بناء على أن اليسار المترقب كالمحقق؛ لأنه لما أخذه بما حل كان كأنه أسلفه إلى ذلك الأجل، وانتفع بالضامن زمن عسره، وأجازه أشهب؛ لأن الأصل استصحاب عسره، ويسره قد لا يكون.
تلخيص:
ظهر من كلامه ثلاث صور: اثنتان من المنطوق، وهما جائزتان اتفاقًا، والثالثة من المفهوم، وهي ممنوعة عند أشهب.
توضيح:
سأل البساطي: ما الفرق بين أن يكون موسرًا حال العقد فيجوز، وبين أن يكون موسرًا في أثناء الأجل فيمنع؟
وأجاب بظهور المعروف في الموسر؛ لقدرته على أن يستوفي الآن، وظهور قصده الانتفاع في المعسر أولا؛ لانتفاعه بالضامن زمن العسر.
وإذا كان الدين مائة مثلًا، والغريم موسر ببعضه ومعسر ببعضه صح الضمان مؤجلًا بالموسر فقط، أو المعسر به فقط، لا مانع من ذلك.
وقول البساطي: (وعلى هذا، فالصواب: أن يكون بالواو؛ لصدقه على ما إذا كان موسرًا بالكل) غير ظاهر، لمن تأمل؛ لقول المصنف: لا بالجميع، لا يصح ضمانه بالموسر به والمعسر به جميعا، على أن يؤجل؛ لأنه سلف جر نفعا؛ إذ هو مسلف للموسر به، لتأخيره إياه على حميل، ومنتفع به الحميل.
وصح الضمان بدين أي: بسببه، وجوز البساطي كونه حالا، فيتعلق بمحذوف وجوبا، أي: وصح الضمان متلبسا بدين، فلا يصح ضمان معين، كبيع سلعة معينة على أنها إن هلكت قبل القبض كان عليه مثلها، أو على أنها إن استحقت فعليه مثلها، فإن وقع فقال ابن القاسم: ينفسخ البيع، ولا تلزم الحمالة.
стр. 2501
وقال غيره: تلزم، وعليه الأقل من القيمة يوم الاستحقاق والثمن، إلا أن يكون الغريم حاضرًا مليئا.
ثم وصف الدين بقوله: لازم، فلا يصح ضمان شخص عبدًا بسلعة اشتراها بغير إذن سيده، وكذا مولى عليه، أو بدين آيل إليه، أي: إلى اللزوم، وسواء كان معلومًا أو مجهولًا.
لا كتابة، فلا يصح ضمانها؛ لأنها غير لازمة، إذ لو عجز صار رقيقا، وإنما يلزم الضامن ما يلزم أصله.
تنبيه:
أطلق هنا مع أنه قيده في توضيحه كما في المدونة بأن يبقي على كتابته، وأما لو شرط عتقه لصحت الحمالة، وكان له الرجوع على المكاتب.
بل كجعل يصح ضمانه؛ لأنه آيل إلى اللزوم، وظاهره: قبل العمل أو بعده، وهو كذلك، وقول ابن الحاجب تابعا لابن شاس: (لا يجوز ضمان الجعل، ولا بعد العمل) نظر فيه المصنف بوجهين، انظرهما في الكبير.
تنكيت:
قول الشارح ومن تبعه: (لو قدم (كجعل) على (لا كتابة) وحذف حرف الإضراب لكان أخصر وأحسن) غير ظاهر، بل الأحسن ما فعله المصنف؛ لعطفه (داين) الآتي على (كجعل)؛ إذ هما معًا آيلان، فاقتضى ذلك عدم تقديمهما لطول الكلام في الثانية منهما.
وصح الضمان ممن قال لشخص داين فلانًا، أو بائعه، أو عامله، ومهما تداينه أو تبايعه أو تعامله فأنا ضامن فيه، ولزم هذا الضامن فيما ثبت من ذلك، وهذا قول ابن القاسم في المدونة.
وقال غيره فيها: إنما يلزمه ما جرت العادة به من مداينة أو معاملة هذا لمثل هذا.
стр. 2502
واختلف شيوخها هل يقيد كلام ابن القاسم بقول الغير فيها بما يعامل به مثل هذا، وهو لابن يونس وابن رشد.
المازري: وهو الأظهر.
أو قول الغير خلاف، والأول محمول على إطلاقه، وهو لغير من تقدم من الأشياخ، قاله ابن عبد السلام تأويلان.
فعلى الأول: لو قال داينته بعشرة دنانير ولم تجر العادة بمداينة مثل هذا لمثل هذا إلا بدينار لقبل قول الدافع فيما قال من المداينة بالعشرة، ولا يقبل على الثاني إلا في الدينار فقط.
وتعقب ابن عرفة قول ابن عبد السلام قائلًا: لا أذكر من حمله على الخلاف.
ومن قال لآخر داين فلانًا وأنا ضامن له الرجوع عن ذلك قبل المعاملة، وظاهره: أطلق أو قيد، فقال: عامله بمائة، وذكر المازري عن بعض أشياخه عدم الرجوع إن قيد، بخلاف من قال لمدع على آخر: احلف على دعواك وأنا ضامن به، ثم رجع قبل حلفه، لا ينفعه رجوعه، ذكرهما في المدونة؛ لأنه أحله محل نفسه.
ومن قال لغريمه: احلف وخذ ما حلفت عليه، لا رجوع له، معللا للثانية بأنه حق واجب.
وأشار لركن آخر بقوله: إن أمكن استيفاؤه أي: ألحق المضمون من ضامنه، فلا يصح ضمان معين، ولا حد ولا قصاص ولا تغرير.
وصح الضمان وإن جهل قدر الحق المضمون حالًا ومالًا.
وقول الشارح: (لو اعتنى عن هذه بقوله داين فلانًا إلى آخره لكفى) واضح.
وأشار لركن آخر بقوله أو إن جهل من له الحق، وهو المضمون له؛ إذ لا يختلف الغريم بمعرفته وعدمه.
стр. 2503
وصح الضمان بغير إذنه أي: المضمون، واستدل المصنف لذلك بقوله: كأدائه، أي: كما يصح أن يؤدي شخص دينا عن آخر بغير إذنه، إذا كان ذلك رفقا به، ويرجع به عليه عند مالك وطائفة، لا إن قصد بضمانه والأداء عنه عنتا: بفتح العين المهملة، وفتح ثانيه، وآخره مثناة فوقية، أي: أضرار العداوة بينهما.
قال في القاموس: العنت محركة دخول المشقة على الأنسان، وأعنته غيره وإلقاء الشدة.
وهو معطوف على (رفقا)، وإذا أدي عنه عنتا فيرد فعله.
ثم شبه في الحكم السابق، فقال: كشرائه دينا عليه، فيرد إن قصد الضرر.
وهل إن علم بائعه، أي: فلابد من علمهما معا، وإلا لم يرد، ويباع الدين على المشتري، فيرتفع الضرر، وهو الأظهر عند ابن رشد على اصطلاح المصنف، لكنه لم ينقله في توضيحه عن غير ابن يونس، أو يرد إن علم قصد المشتري وحده الضرر، وهو ظاهرها عند ابن يونس وغيره؟ تأويلان.
ثم أخرج من قوله: (ولزم فيما ثبت) قوله: لا إن ادعى شخص دينا على غائب فضمن آخر الغائب فيما ادعى به عليه، ثم أنكر الغائب عند حضوره، لم يلزم الضامن شيء، إن لم يثبت حق المدعي ببينة.
أو قال شخص لمدع على حاضر منكر لما ادعاه: إن لم آتك به لغد، فأنا ضامن لما عليه، ولم يأت به في الغد لم يلزم الضامن شيء، إن لم يثبت حقه على المضمون ببينة، فإن ثبت بها فهو ضامن فيه.
وهل يلزم الضامن المدعي به بإقراره، أي: المدعى عليه؛ لأن إقراره كقيام البينة عليه.
قال بعضهم: وهو دليل الكتاب.
أو لا يلزم الضامن شيء، وهو قول عياض: لو أقر هذا المتكفل عنه
стр. 2504
بعد لا يلزم الضامن شيء، وهو نص ما في كتاب محمد، وعليه حمل بعضهم الكتاب؟ تأويلان.
وظاهر كلام المصنف: أن التأويلين في المسألتين معا، ولكن لم يذكرهما الشارحان إلا في الثانية، ولو أتي بـ (واو) قبل إقراره لكان حسنا.
ثم شبه في عدم اللزوم المطوي في كلامه، فقال: كقول المدعي عليه المنكر للطالب: أجلني اليوم، فإن لم أوافك كدا ما تدعيه فالذي تدعيه عليّ حق، ولم يوفه، فلا شيء عليه، إلا أن يقيم المدعي بينة على ما ادعاه.
البساطي: ووقع في عباراتهم: فإن لم أرضك، أي: موضع أوفك.
وإذا دفع الضامن شيئًا رجع على الأصيل بما أدى عنه، أي: بمثله، عينا كان أو طعاما، ولو كان ما أداه مقوما عند ابن القاسم، وهو المشهور؛ لأنه كالسلف، وأشار بـ (لو) لقول غير ابن القاسم: يرجع في المقوم بالقيمة.
وظاهره: ولو كان المقوم عرضًا اشتراه، على أنه حكى في توضيحه عن ابن رشد الاتفاق على أنه يرجع بثمن ما اشتراه، ما لم يجاب، فلا يرجع بالزائد، ولم يذكره هنا، وساقه صاحب الشامل كالقيد.
وهذا إن ثبت الدفع ببينة أو بإقرار صاحب الدين لسقوط الحق بأحد الأمرين.
وظاهره: أنه لا عبرة بإقرار المضمون عنه، وهو كذلك لعدم سقوط الحق عنه، ولو قال له الضامن أنت مقر لي بالدفع عنك لعدم توثقه بالإشهاد، وقاله ابن القاسم.
وظاهره أيضًا: ولو دفع عنه بحضوره، وهو كذلك على أحد قولي ابن القاسم، واستظهره ابن رشد.
فائدة:
هذه إحدى المسائل التي يضمن فيها المقوم بالمثل، ومنها:
стр. 2505
- جزاء الصيد يضمن قاتله مثله، إن كان له مثل ومنها شاة الزكاة إذا أتلف المالك الغنم بعد الحول.
- ومنها: الحيوان المقترض.
- ومنها الجارية المقترضة، حيث يجوز قرضها يلزمه مثلها.
- ومنها من هدم مسجد أو بعضه لزمه إعادته كما كان؛ لئلا يؤدي أخذ القيمة لبيع الوقف وتغييره عما كان عليه.
ونظمتها تذكرة لحفظ من يعرف صورتها، فقلت:
مقوم يضمن عنه المثل في ... ست فخذها أيها الخل الوفي
شياة زكاة وجزاء الصيد مع ... فرض أما ضامن لا يختفي
وهادم لمسجد أو بعضه ... وقرضك الحيوان يا ذا المتحف
وجاز صلحه -أي: الضامن- عنه، أي: الغريم، ويحتمل عن الدين بما جاز للغريم أن يصالح رده على الأصح، فيتنزل منزلته، فكما يجوز للغريم أن يصالح بعد الأجل عن دنانير طيبة بدنانير أدنى منها، جاز للضامن؛ لأنه يعلم أن الغريم إنما يدفع الأدنى والعكس؛ لأنه يعلم أنه لا يدفع إلا ماله عليه.
تنكيت:
تعقب البساطي المصنف بصورتين يجوز للغريم الصلح فيهما، ولا يجوز ذلك للضامن:
إحداهما: إذا حل أجل طعام السلم لم يجز الضامن أن يصالح بالأجود ولا بالأدنى مع جواز ذلك للأصيل، كما في المدونة.
الثانية: إذا صالح الأصيل بغير الجنس جاز بشرطه، ولا يجوز ذلك للضامن، وكذا إذا صالح بدراهم عن دنانير وعكسه انتهى.
وذكره بعض مشايخي، وأقره، وقد يجاب عن المصنف بأنه إنما لم يستثن هاتين المسألتين لأنه إنما ذكر الأولى فيهما في توضيحه عقب قوله:
стр. 2506
(ما جاز للغريم أن يدفعه جاز للضامن).
قال: لكن المازري قال: لم يطرد هذا -أعني: الجواز- في المدونة في الطعام من السلم؛ فإنه منع الكفيل إذا صالح من له الدين، إذا حل الأجل بطعام أجود مما تحمل به، أو بطعام أدنى منه، وإن فعل ذلك قضاء عن الغريم؛ لا ليشتريه لنفسه؛ لأنه يبيع الطعام قبل قبضه انتهى. فلم يعتمد هنا ما ذكره المازري عنها.
وأما الثانية: ففي التوضيح قبل هذه بنحو صفحة: اختلف قول المدونة إذا صالح على مخالف لجنس الدين، فمنعه في السلم الثاني، وأجازه في الكفالة ابن عبد السلام، وهو أقرب؛ لأن الباب معروف، انتهى.
فدرج هنا على ما استقر به ابن عبد السلام من قوليهما انتهى.
وما لا يجوز للغريم أن يدفعه عوضًا عما عليه، لا يجوز للضامن، فلو ضمنه في عروض عليه من سلم لم يجز للضامن أن يصالح عنها قبل الأجل بأدنى صفة، وقدر الدخول ضع وتعجل، ولا بأكثر لدخول حط الضمان وأزيدك.
ورجع الضامن إذا صالح بمقوم عما في الذمة بالأقل منه، أي من الدين أو من قيمته، أي: المصالح به؛ فأيهما كان أقل رجع به، ويحتمل عود ضمير (منه) لما صالح الضامن به، أي: يرجع بنفس ذلك الشيء، إن كان أقل، أو قيمته إن كانت أقل، ولا يلزم الرجوع بنفس ذلك الشيء، وإن برئ الأصل، وهو: الغريم بوجه من الوجوه بإعطاء أو حوالة أو هبة أو إبراء برئ الضامن مطلقًا، لأن طلبه فرع ثبوت الدين على الأصل، لا عكسه، وهو إذا برأ الضامن لا يبرأ الأصيل مطلقًا، قد يبرأ، وقد لا يبرأ، فيستويان في البراءة بالإعطاء، وأما إن أبرأ رب الدين الضامن لم يبرأ الأصل.
وعجل الحق المؤجل المضمون بأحد أمرين، أشار لأولهما بقوله: بموت الضامن قبل حلوله، فيؤخذ من تركته؛ لخراب ذمته، وإن كان المضمون حاضرًا مليئًا، ورجع وارثه على المضمون بعد أجله، فلو مات
стр. 2507
الضامن عند الأجل، أو بعده والغريم حاضر مليء لم يطالب كالحي.
وأشار للأمر الثاني بقوله: أو الغريم أي: يعجل الحق من ماله بموته، إن تركه، فإن لم يترك مالًا لم يطالب الكفيل بشيء، حتى يحل الأجل؛ إذ لا يلزم من حلول الدين على الغريم حلوله على الحميل لبقاء ذمته، ولا يطالب الضامن بالدين إن حضر الغريم موسرا على أحد قولي مالك في المدونة المرجوع إليه، وهو المشهور، وبه أخذ ابن القاسم، وعليه العمل، وبه القضاء.
ولمالك في المدونة -أيضًا له- مطالبة من شاء منهما، وبه صدر ابن الحاجب كذلك.
وكذا لا يطالب الضامن إذا غاب الغريم، وله مال حاضر يعدي فيه، أي: يسلطه الحاكم على الأخذ منه؛ لأنه حينئذ بمنزلة الحاضر المليء، فيؤدي من ماله كما في المدونة، وفسرت بما إذا لم يبعد إثباته عليه، ولا النظر فيه، ونصها: وإذا كان للغائب مال حاضر يعدي فيه، فلا يتبع الكفيل.
وقال غيره: إلا أن يكون في تثبيت ذلك وفي النظر فيه بعد فيؤخذ من الحميل.
ابن رشد: قول الغير تفسير، لا خلاف.
وكذا حمله من أدركنا من الشيوخ، وبه العمل، وقول البساطي: (الظاهر: إن لم يبعد حال، وصاحبه الغريم، والمعنى: أن الغريم قد يكون حاضرًا موسرا، وتتوجه المطالبة على الضامن بأن يكون في إثباته عليه بعد ومشقة، فتنزل منزلة المعسر هذا الذي يدل عليه كلامه) ظاهر.
والقول له -أي: للضامن- في ملائه، أي: الغريم إذا طالبه المضمون له، لا قول المضمون له: إنه عديم عند ابن القاسم؛ استصحابا بالملاء، إلا أن يقيم الطالب -وهو رب الدين- بينة بعدمه على الأظهر عند بعض الأشياخ.
وأفاد شرط الطالب في أخذ أيهما شاء مبدأ على الآخر على المشهور.
стр. 2508
وأفاد شرط تقديمه -أي: الحميل- على الغريم عكس الحكم السابق؛ لأن الشرط إذا كان لحق آدمي يوفي له به.
وظاهره: سواء كان للشرط فائدة لكونه أم لا، أو اسمح أو أيسر قضاء أو لا، قاله في البيان.
وللشارح هنا تقرير خلاف هذا، تعقبه البساطي، انظره في الكبير.
أو شرط الحميل أنه لا يغرم إلا إن مات المضمون، أفاد شرطه ونحوه في تبصرة اللخمي.
البساطي: فإن قلت: أليس هذا هو الحكم على المشهور، فما فائدة هذا الشرط وذكره.
قلت: فائدته الاتفاق على إعماله، فإن من قال: يطالب أيهما شاء يسلم أنه إذا شرط أن لا يطالب إلا عند تعذر الأخذ من الغريم يعتبر شرطه.
ثم شبه في إفادة الشرط قوله: كشرط ذي -أي: صاحب- ضمان الوجه التصديق في إحضار المضمون بغير يمين، نحوه قول المتيطي: وإذا اشترط ضامن الوجه أنه مصدق في إحضار وجهه دون يمين يلزمه، كان له شرطه.
وهذا أحسن من تقرير الشارحين بأن ضامن الوجه إذا شرط سقوط المال عنه أفاده؛ لقولى المدونة: لو شرط حميل الوجه: إن لم أجده برئت، لم يلزمه، إلا ما شرط.
ووقع في نسخة البساطي دين الوجه: (فقال)، أي: يشرط الحميل أن لا دين في حالة الوجه.
أو شرط رب الدين التصديق في عدم الإحضار، هو كقول المتيطي، وإن انعقد في وثيقة الضمان تصديق المضمون له في إحضار وجهه إن ادعى الضامن أنه قد أحضره دون يمين يلزمه، فهو من الحزم للمضمون له، ويسقط عنه اليمين إن ادعى الضامن إحضاره انتهى.
стр. 2509
وحذف المصنف في الإحضار من التي قبل هذه لدلالة هذا عليه، وذكر البساطي احتمالا آخر، انظره في الكبير.
وله أي: الضامن طلب المستحق، وهو رب الدين، وإلزامه بتخليصه من الضمان، بأن يقول له عند حلول أجله وسكونه من طلب المضمون أو تأخيره، إما أن تطلب حقك، أو تسقط عني الضمان.
وفهم من قوله: (بتخليصه) أن هذا في الموسر؛ لأنه الذي يقال له: إما أن تطلب حقك، أو تسقط عني الضمان، ولا يقال له في المعسر.
وظاهره: سواء طولب الضامن بما على الغريم أو لا، وهو كذلك.
ومفهوم عند الأجل: أنه ليس له ذلك قبله.
لا بتسليم المال، أي: ليس للضامن طلب المضمون إليه، أي: إلى الضامن عند الأجل ليؤديه للمضمون له، وإن سلمه له فضاع ضمنه الكفيل، إن اقتضاه لتنزله منزلة صاحب المال، فهو وكيل عنه بغير إذنه متعد.
لا إن أرسل به؛ لأنه حينئذ آمين، فلا يبرأ الغريم إلا بوصوله للطالب، ولزمه أي: الضامن تأخير ربه، أي: رب الدين المضمون المعسر.
ابن رشد: ولا كلام للضامن في هذا اتفاقًا؛ لوجوب إنظار المعسر.
والمعسر: بالنصب من إضافة المصدر لفاعله.
ولما ذكر ابن رشد هذا ذكر لتأخير الموسر ثلاثة أحوال، أفادها المؤلف باختصار، مشيرا للحالة الأولى منها بقوله: أو الموسر أي: يلزم الضامن تأخير رب الدين الموسر، وهو منصوب أيضًا عطفا على المعسر، إن سكت الضامن مع علمه بالتأخير.
وأشار للثانية بقوله: أو لم يعلم بالتأخير حتى حل الأجل الذي انظر رب الدين المدين إليه، إن حلف رب الدين حينئذ أنه لم يؤخره مسقطا للضمان، وإن نكل رب الدين عن اليمين سقط الضمان.
وأشار للثالثة بقوله: وإن أنكر الضامن التأخير حين علمه، ولم يرضه
стр. 2510
حلف رب الدين أنه لم يسقط ضمانه حين أخر المضمون، بل أخره على أن يبقى الضامن على ضمانه، فإن التأخير يسقط عن الضامن، ولزمه الضمان.
قال في الشامل: على الأصح.
وكذا يسقط التأخير إن نكل، ويبقى الحق والضمان في هذه ثابت على كل حال عند ابن القاسم في المدونة، لكنه سكت فيها عن اليمين.
تنبيه:
سكت المصنف هنا عن قول ابن رشد هذا كله في التأخير الكثير، وأما اليسير فلا حجة فيه للضامن، مع ذكره لذلك في توضيحه.
وتأخر غريمه -أي: غريم رب الدين، وهو: المدين- بتأخيره للحميل، إلا أن يحلف رب الدين أنه ما قصد بتأخيره للحميل تأخير الغريم، فله طلب الغريم، وإن نكل رب الدين لزمه التأخير، ونحوه في المدونة.
وبطل الضمان إن فسد متحمل به، كدراهم بدنانير لأجل عند ابن القاسم في المدونة والعتبية، ورواه عن مالك، وسواء كان في عقد البيع أو بعده، إلا أنه في الأول بخلاف، وفي الثاني باتفاق، وإذا بطل لم يلزم الضامن شيء.
قال في الموازية: كل حمالة وقعت على حرام بين المتبايعين في أول أمرهما، أو بعد فهي ساقطة لا يلزم الحميل بها شيء، علم المتبايعان بحرام ذلك أو جهلاه، علم الحميل بذلك أو جهله.
أو إن فسدت أي: الحمالة نفسها، لم يلزم الحميل شيء، ومثل ذلك بقوله: كبجعل من غيره أي: من غير رب الدين لمدينه، وهذا صادق بكون الجعل من رب الدين للضامن، أو من المدين للضامن، أو من أجنبي للضامن.
ومفهومه: أنه إن كان من ربه لمدينه على أن يأتيه بحميل فجائز، وهو
стр. 2511
كذلك عند مالك وابن القاسم وأشهب وغيرهم، وعن أشهب أيضًا عدم الصحة.
اللخمي: والأول أبين.
ووجه الفساد أن الضامن إن غرم رجع بما غرم مع زيادة ما أخذ، وإن لم يغرم كان له الجعل باطلا، فهو دائر بين أمرين ممنوعين قاله المازري.
وقررنا قوله: (إن فسدت) على عدم لزوم شيء للحميل ليندفع ما أورد بعض مشايخي من لزوم الخلل في كلام المؤلف، فإنه قال:
تنبيه:
من قاعدة العربية: أنه لابد أن يغاير المعلق المعلق عليه، وهنا ليس كذلك، فكيف هذا؟
وبيانه: أنه حكم ببطلان الضمان، أي: فسدت الحمالة، والحمالة الضمان، والبطلان والفساد مترادفان عندنا وعند الجمهور، فكأنه قال: وفسد الضمان إن فسد، أو بطل إن بطل، ولا خفاء بخلل مثل هذا الكلام، فتأمل والتمس جوابا، وفقني اللَّه وإياك انتهى.
وبالغ على بطلان الضمان بجعل، فقال: وإن كان الجعل ضمان مضمونه، بأن ضمن كل صاحبه؛ ليضمنه الآخر؛ لئلا يتوهم إخراج هذه الصورة.
ثم استثنى من المنع قوله: إلا أن يكون ضمان كل للآخر ليضمنه الآخر في اشتراء شيء معين بينهما على السواء؛ فإنه جائز لعمل الماضين.
أو في بيعه أي: شيء بينهما بالسوية، على أن أحدهما ضامن للآخر، وهو الصحيح عند ابن رشد، كقرضهما على الأصح شيئًا من رجل بالسوية بينهما، فيجوز ضمان كل منهما للآخر.
ابن عبد السلام: وهو الأصح عندي.
وقيده بالسوية في المسائل الثلاثة؛ لأنه لو كان لأحدهما أكثر مما
стр. 2512
للآخر لم يجز، إلا أن يضمن أحدهما قدر ما ضمنه فيه الآخر فقط، فيجوز، نص عليه عبد الحق.
وإن تعدد حملاه: اثنان فأكثر في شيء واحد، وليس واحد منهم حميلا عن الآخر، أتبع كل منهم بحصته فقط، وأحوى إن شرطوا أن لا يؤخذ أحد بزائد على ما تحمل به، ففي حمالة اثنين يتبع كل بالنصف وثلاثة بالثلث، وقس على ذلك.
إلا أن يشترط في عقد الحمالة حمالة بعضهم عن بعض، فيتبع كل بالجميع، لكن فيه تفصيل، ذكره في توضيحه، وتركه هنا لفهمه مما تقدم، فقال: إن قال لهم صاحب الدين أيكم شئت أخذت بحقي لم يكن له أن يأخذ بعضهم ببعض، إلا في العدم أو الموت، لأن الحميل لا يوخذ بالحق في ملاء الغريم وحضوره على الرواية المشهورة.
ثم شبه في إتباع أحدهم بالجميع فقال: كترتبهم بأن يأخذ كفيلا، فله في عدم الغريم أن يأخذ بحقه أي الفرعين شاء، ونحوه في المدونة.
تنبيه:
تقرير الشارح لهذا المحل برواية ابن وهب عن مالك في المدونة فيمن كتب حقه على رجلين، واشترط أن يأخذ حيهما عن ميتهما، ومليئهما عن معدمهما، فذلك كحمالة أحدهما عن الآخر: بعيد، وإن أقره البساطي وغيره، وكذا الاحتمال الثاني الذي ذكره البساطي، وهو: إفادة شرط الترتيب، كما لو شرط عليه أن لا يأخذ من شخص عن شخص إلا بعد عجز الأول.
قال: وهذا قليل الجدوى؛ إذ الحكم كذلك عند عدم الشرط، إلا أن يقال عند عدم هذا الشرط يرتفع الخلاف انتهى.
ورجع المودي اسم فاعل، فاعل (رجع)، وهو الغارم للمكفول له بغير المؤدى اسم مفعول عن نفسه؛ فإنه لا يرجع منه شيء، بكل ما على
стр. 2513
الملقى بفتح القاف: اسم مفعول كذا أعربه البساطي ومن وافقه (١).
وقال بعض من تكلم عن هذا الموضع: (بكل) بدل من (بغير): بدل بعض من كل، والعامل فيهما (رجع)، و (الملقي) بكسر القاف مشدد الياء اسم مفعول من الثلاثي.
ثم ساواه في غرم ما دفع عن غيره، كثلاثة اشتروا سلعة بثلثمائة درهم عن كل مائة درهم، وكل حميل عن الآخر، فلقي البائع أحدهم فأخذ منه الجميع: مائة عن نفسه، ومائتين عن صاحبيه، فإذا وجد الغارم أحدهما أخذه بمائة عن نفسه، وبخمسين عن نصف ما دفع عن الثالث، ثم من وجد الثالث منهما أخذه بخمسين.
ثم ذكر المصنف مسألة المدونة في الحملاء الستة التي أفردها الناس بالتصنيف، مفرعا لها على ما قدمه أولا كالمثال له، فقال: فإن اشترى ستة سلعة بستمائة على كل مائة بالحمالة أي: كل حميل بالجميع، فلقي رب المال أحدهم أخذ محه الجميع، وهو: الستمائة: مائة عن نفسه أصالة، وخمسمائة حمالة عن الخمسة، ثم إن لقي هذا الدافع أحدهم أي: الخمسة أخذه بمائة عن نفسه، ثم تبقى أربعمائة يساويه فيها، فيرجع عليه أيضًا بمائتين منها، فكل منهما غرم مائتين عن الأربعة، فصارا غارمين، فإن لقي أحدهما ثالثًا من الباقيين أخذه بخمسين نصف حصته؛ لأن الثاني غرم عنه أيضًا خمسين، وبقي لهذا الذي غرم مائة وخمسين حمالة يساويه فيها، ويأخذ منه خمسة وسبعين؛ لأنه دفع ثلثمائة: مائة عن نفسه، ومائتين عن هذا الثالث، وعن الثلاثة الباقية عليه منها خمسون، فإن لقي الثالث الذي
стр. 2514
دفع خمسين وخمسة وسبعين رابعا أخذه بخمسة وعشرين التي أداها عنه؛ إذ لا رجوع بالتي أداها عن نفسه، وقد أبي عن نفسه وعن صاحبه خمسة وسبعين: حصته منها خمسة وعشرون، ويرجع عليه أيضًا بخمسة وعشرين مثلها أداها حمالة عن الاثنين الباقيين، وغرم هذا الرابع خمسة وعشرين عنهما، ثم إن لقي هذا الرابع خامسا أخذه باثنى عشر ونصف؛ لأنه يقول: دفعت خمسة وعشرين عن نفسي، وخمسة وعشرين عنك وعن صاحبك، بقي لي اثنا عشر ونصف، أنت شريكي فيها حمالة، فعلي منهما ستة وربع، وأرجع عليك بستة وربع، ثم إن لقي هذا الخامس السادس أخذه بستة وربع؛ لأنها هي التي أداها عنه وحده.
وسكت المؤلف عن هذا الأخير لوضوحه، وسكت -أيضًا- عن استيفاء العمل حتى يصل إلى حقه كاملا، وقد ذكره في توضيحه عن المازري.
قال بعض مشايخي: وفيه تطويل تنفر منه النفوس.
ثم ذكر طريقا، قال: وإن كان لا يناسب كلام المؤلف كل المناسبة، فقال: وإذا لقي البائع أحد المشتريين، وأخذ منه الستمائة، ثم لقي هذا الدافع واحدًا من شركائه في الشراء طالبه بثلثمائة: بحصته، ومائتين بطريق الحمالة؛ لأنه يقول له: دفعت ستمائة مائة، تخصني لا رجوع لي بها، وخمسمائة عنك وعن أصحابك، يخصك منها مائة، يبقى أربعمائة عن أصحابنا الأربعة، أنت حميل معي بها؛ فلذلك يطالبه بالثلثمائة، فإذا أخذها منه استقر أن كل واحد دفع ثلثمائة، وقد علمت تفصيلها، فإذا لقيا ثالثًا طالبًا بمائة تخصه، ويبقى ثلثمائة هو معهما حميل بها، فيطالبانه بمائة منها بالحمالة، فإذا أخذا المائتين يقاسمانهما، فيبقى لكل شخص منهما مائة، وللثالث أيضًا، فإذا لقي هؤلاء الثلاثة رابعًا طالبوه بمائة عن نفسه، ويبقى لهم مائتان، هو معهما حميل بها، فيطالبوه بحصته بطريق الحمالة منها، وهي خمسون، ويتقاسم الثلاثة هذه المائة والخمسين أثلاثا، فيبقى لكل خمسون، وللرابع أيضًا كذلك، وهي التي حطها بطريق الحمالة، فإذا الباقي
стр. 2515
مائتان، فإذا لقي هؤلاء الأربعة خامسا طالبوه بمائة عن نفسه، وبعشرين من المائة السادسة؛ لأن الخمسة حملاء بها، فتضم هذه العشرون إلى المائة، وتوزع على الأربعة، فينوب كلًا ثلاثون، ويبقى لكل عشرون، وللخامس أيضًا عشرون، وهي التي دفعها بطريق الحمالة، وبمجموع ذلك مائة، فيأخذها الخمسة من السادس، إذا ظفروا به، ويتقاسمونها أخماسا، فيظفر كل بمجموع حقه انتهى.
تنبيه:
هذا العمل نحوه عمل الطنيزي (١)، وقد تعقبه ابن عرفة انظره في الكبير (٢).
ولما قدم أن من دفع من الغرماء الحملاء شيئًا عن نفسه لا يرجع به، ذكر اختلاف شيوخ المدونة في فهمها فيما إذا كانوا حملاء فقط لا غرماء، ولقي صاحب الحق أحدهم، فأخذه بالجميع، ثم لقي هذا الدافع آخر، فقال: وهل لا يرجع الحميل بما يخصه (١) في الحمالة أيضًا، كالمسألة
стр. 2518
السابقة، إذا كان الحق على غيرهم حمالة فقط، وأخذ من أحدهم، ثم لقي الآخر هل يقاسمه أولًا بعد إسقاط ما يخصه من الحق، وعليه الأكثر من شيوخ الأندلسيين، أو يرجع بما يخصه أيضًا، فيقاسم بالسواء في الغرم حتى يعتدلوا؛ لأن الحق على غيرهم، وإليه ذهب ابن لبابة والتونسي وغيرهم؟ تأويلان.
فلو تحمل ثلاثة عن شخص بثلاثمائة، وغرم أحدهم جميعها، ثم لقي الآخر، فعلى الأول يقاسمه في مائتين على كل مائة، وعلى الثاني يقاسمه في ثلاثمائة على كل مائة وخمسون؛ لأنه يقول: إذا أديت ثلثمائة أنت معي حميل بها.
ولبعض مشايخي: كيفية التراجع في هذه على الأول: إن دفع المال كله لا يأخذ ممن لقيه المائة التي تخص الدافع، وإنما يطالب بالمائة التي تخص الملقي، ثم يطالبه بنصف المائة الثالثة؛ لأنه حميل بها معه، فإذا لقي الثاني الثالث أخذه بخمسين، وهي التي أداها عنه بالحمالة، وعلى الثاني يأخذ الأول من ملقيه مائة وخمسين؛ إذ يقول أديت ثلثمائة أنت معي حميل بها، فإذا لقي الثاني الثالث أخذه بخمسة وسبعين؛ إذ هي نصف ما غرم، وما غرم كان حميلا بغرمه. انتهى.
стр. 2519
تنبيه:
(أو لا) في كلام المؤلف: منونا، كذا رأيته بخط الأقفهسي ضبطا بالقلم، وهو الموافق لكلام المصنف كما قررناه، وأما بغير تنوين قسيما لما لا يرجع بما يخصه، كما هو ظاهر كلام الشارحين، فينعكس النقل؛ إذ يصير ما عليه الأكثر هو التأويل الثاني، وليس كذلك.
وصح الضمان بالوجه، وهو: عبارة عن الإتيان بالغريم للذي له عليه الدين وقت الحاجة، ولا اختلاف في صحته عندنا، وعبر بالصحة تبعا لابن الحاجب، وعبر ابن عرفة بالجواز كالإرشاد، ونحوه قول صاحب الشامل: وجاز بوجه والعضو المعين كالجميع، أي: لا فرق بين الوجه وغيره.
وإذا علمت هذا ففي تفسير البساطي بقوله: (التزام إحضار عينه؛ لأنه يعبر بالذات عن العين وبالوجه) شيء (١).
وللزوج رده أي: ضمان الوجه، إن حصل من زوجته، ولو بغير مال، لأنه يقول: قد تحبس، فأمنع منها، وقد تخرج للخصومة، وليس ذلك علي، وأما ضمانها للمال فقد تقدم صحته في قدر ثلثها فدونه، فأغناه ذلك عن إعادته هنا.
وبرئ ضامن الوجه بتسليمه -أي: المضمون له للمضمون- له.
تتمة:
زاد في المدونة بمكان فيه حاكم، وأما مكان لا سلطان فيه، أو في حال فتنة، أو مفازة، أو مكان يقدر الغريم على الامتناع منه، لم يبر.
وبالغ بقوله: وإن سلمه له بسجن أي: فيه.
قال في المدونة: لأنه يحبس له بعد تمام ما حبس فيه.
الباجي: وسواء كان سجنه في دم أو غيره.
стр. 2520
اللخمي: ولو كان تعديًا.
ابن عرفة: في التعدي نظر؛ لأنه مظنة في إخراجه برفع التعدي عنه.
أو بتسليمه أي: المضمون نفسلى للمضمون له، فإن الحميل يبرأ بذلك، كما في المدونة، وزاد المؤلف ما في الموازية، وهو قولها: إن أمره الضامن به، أي: التسليم؛ لأنه كوكيله، ولو قال: سلمت نفسي عن من تحمل بوجهي لم تسقط الكفالة، كما لو سلمه أجنبي على المشهور فيهما.
وأشار لشرط البراءة بالتسليم بقوله: إن حل الحق المضمون به؛ إذ لا فائدة في إحضاره قبل حلوله، قاله المازري وغيره.
وبريء بتسليمه له بغير مجلس الحكم، إن لم يشترط مجلس الحكم، فإن اشترط لم يبرأ إلا به، قاله في الكافي.
ومفهومه: لو أحضره بمجلس الحكم فوجده غائبًا لم يبرأ لفقد التسليم، وهو كذلك، إلا أن يشترط الضامن أنه إن لم يجده ولا وكيله فلا ضمان عليه، فإنه يشهد على ذلك ويبرأ على أحد القولين.
وبغير بلده إن كان به حاكم، وظاهره: سواء كان مكان الاشتراط باقيًا على حاله، تجري فيه الأحكام أم لا، كما لو خرب، وهو كذلك على المشهور، وإذا حضر برئ، ولو كان عديمًا، وهو المشهور.
وإلا بأن لم تحصل براءة حميل الوجه بوجه مما سبق أغرم ما على الغريم على المشهور، والشاذ لابن عبد الحكم لا غرامة؛ لأنه لم يلتزم إلا إحضاره، وهو لا يقتضي الغرم، والغرم بعد خفيف تلوم على المشهور، وإنما يكون التلوم إن قربت غيبة غريمه كاليوم واليومين.
ومفهومه: إن بعدت غيبته غرم دون تلوم، وهو كذلك.
ولا يسقط الغرم عن الحميل بإحضاره أي: الغريم إن حكم [به، أي: ] بالغرم؛ لأنه حكم مضي، فلا يسقط على المشهور.
стр. 2521
ومفهوم الشرط: لو حضر بعد الأجل والدعوى قبل الحكم لم يبرأ، وهو كذلك اتفاقًا.
قال المصنف: واختلف في المراد بالحكم: هل هو إشهاد الحاكم على الحكم بالغرم، أو القضاء بالمال ودفعه لربه؟ قولان لعبد الملك وبعضهم.
لا إن أثبت حميل الوجه عدمه أي: الغريم في غيبته، فإنه يسقط غرمه، قاله اللخمي؛ بناء على أن يمين العدم استظهار، وأما على أنه جزء نصاب فلا يسقط، وعلى هذا الثاني شيء في الفلس، حيث قال: وغرم إن لم يأت به، وإن أثبت عدمه، وهو قول ابن رشد في مقدماته، فهما قولان، ويترجح ما هنا؛ لذكره في بابه.
أو أثبت موته، فيسقط غرمه بذلك أيضًا في غيبته: متعلق بقوله (أثبت)، لا بقوله: (أو موته)، وعلقه الشارح بهما، ونظر فيه؛ بقوله: ولو كان موته بغير بلده، أي: الضمان عليه؛ لأن النفس المكفولة ذهبت.
أشهب: لا أبالي مات غائبًا أو بالبلد.
فيبرأ الغريم، وهو مذهب المدونة.
ورجع حميل الوجه على رب الدين به، أي: بما أدى له إن ثبت موت الغريم قبل الحكم عليه بالغرم، ونحوه في المدونة.
وصح الضمان بالطلب، وهو يشترك مع ضمان الوجه في لزوم الإحضار، ويختص الوجه بالغرم عند التعذر؛ ولهذا لا يصح ضمان الوجه في غير المال، وصح في ضمان الطلب؛ ولذا قال: وإن كان الطلب في قصاص؛ لأنه لا يلزم فيه غرم، ولضمان الطلب صيغ، منها:
- ما فيه لفظ الطلب، كـ: (أنا حميل بطلبه)، أو على أن أطلبه، أو: (لا أضمن إلا الطلب)، أو: (أنا مطالب بطلبه)، وشبهه.
стр. 2522
- ومنها: (عليّ إحضاره)، أو: (التزمت بإحضاره)، ونحوه مما يشعر بالطلب، وليس نصًا فيه.
- ومنها أن يتعرض لنفي المال، كـ: (لست من المال في شيء)، وإليه أشار بقوله: أو اشترط نفي المال، أو قال: لا أضمن إلا وجهه، قاله ابن المواز، ولزم الضامن طلبه، أي: المضمون، أي: بما أي: شيء يقوى عليه عند ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون: يخرج لطلبه، قرب أو بعد، ما لم يتفاحش، فأما ما يكون من أسفار الناس فليخرج أو يرسل أو يؤدي عنه.
والفرق بين القولين ما أشار إليه في توضيحه من أن لفظة (قوي) تعطي من الوسع ما لا يعطي سفر مثله.
وحلف حميل الطلب إن ادعى أنه لم يجده، وكذبه الطالب، وصفة يمينه أنه: ما قصر في الطلب، ولا دلس، وأنه لا يعلم له مستقر.
أو غرم حميل الطلب إن فرط بعد الأجل حتى هرب، أو هربه بإنذارها له، وثبت ذلك عليه ببينة، وعوقب بالسجن بقدر ما يرى السلطان.
تكميل:
بقي هنا نوع آخر من الضمان لم ينبه عليه، وذكره في المدونة، وسماه: ضمان الدرك، فقال: ومن تكفل لرجل بما أدركه من درك في جارية ابتاعها من رجل أو دار أو غيرهما جاز ذلك، ولزمه الثمن حين الدرك في غيبة البائع وعدمه وأطال في ذلك، فانظره.
ثم أشار لصيغة الضمان، وهي كما قال ابن عرفة: ما دل على الحقيقة عرفا، بقوله: وحمل الكفيل في مطلق قوله: أنا حميل، أو: زعيم، أو: أذين بذال معجمة، وقبيل، وعندي، وإليّ شبهه، كـ: عليّ وصيير، ووكيل، وكفيل، ومأمن، وغرير بمعجمة فرآين مهملتين بينهما مثناة تحتية، واشتقاق الكل من الحفظ والحياطة، قاله في التنبيهات.
على المال على الأرجح عند ابن يونس؛ لقوله: هو الصواب.
стр. 2523
وعلى الأظهر عند ابن رشد؛ لقوله في مقدماته: هو الأصح.
ابن عرفة: في لفظ حملها العاري عن بيان لفظ أو قرينة على المال أو النفس نقلا عياض عن شيوخنا.
ابن رشد: الأصح الأول؛ لخبر: "الحميل غارم" انتهى.
واحترز بقوله: (مطلق) عما لو قال: أردت بالإطلاق بالوجه أو المال فإنه يلزمه ما أراد.
تنبيهات (١):
الأول: قال المصنف: ينبغي أن يعتمد هنا على الألفاظ التي يستعملها أهل العرف في الضمان، لا على غيرها.
الثاني: تلخص من كلامه منطوقا ومفهوما ثلاثة أحوال:
الأول: أنه أراد بالإطلاق في قوله: مطلق أنا حميل عروه عن المال والوجه، وهو موضع الخلاف الذي أشار إليه بالأرجح والأظهر، ومفهومه: أنه لو لم يعر بل قيد الإطلاق بالمال، بأن قال: أردت المال، أو بالوجه، فقال: أردت الوجه، لزمه ما أراد، وهما الحالان الآخران.
الثالث (٢): يندفع بهذا التقرير قول البساطي: (اعلم أنهم قالوا في المطلق إن أراد الوجه لزم وإن ادعى أنه لم يرد شيئًا فهاهنا الاختلاف والاختيار)، ولا يفهم هذا من كلامه.
لا إن اختلفا، وحقق كل منهما ما وقعت به الحمالة، فقال الحميل: إنما تحملت بالوجه، وقال الطالب: بل بالمال، فالقول قول الحميل؛ لأن الأصل براءة الذمة، كذا في توضيحه وتبعه الشارح.
وقال البساطي: ظاهر كلام ابن يونس أنه بحث لقوله: ينبغي أن يكون القول قول الحميل انتهى.
стр. 2524
ويدخل في قوله: (اختلفا) ما في كتاب ابن حبيب: قال أصبغ في الحميل يأتي برجل، ويقول: تحملت بهذا فتسلمه، فيقول: إنما تحملت بفلان غيره: إن القول قول الحميل مع يمينه، ولا شيء على الذي جاء به؛ لأنه أبرأه.
ولم يجب على منكر الحق إذا طلب منه بينة على دعواه، فيدعي غيبتها، فيقيم لي وكيلا، لم يلزمه وكيل بقيمة للخصومة عنه، إذا طلب المدعي المهلة لإقامة بينة بسبب دعواه.
وقال: أخاف إن أثبت بالبينة أن لا أجدك، فأقم لي من يخاصم عنك.
ويجب: بفتح أوله، وكسر ثانيه.
وكيل: فاعله.
وللخصومة: متعلق بوكيل.
تنبيه:
سيذكر أواخر الشهادات اختلاف الشيوخ في فهم المدونة في هذه المسألة.
ولا يجب كفيل بالوجه بالدعوي، أي: بسببها، فالباء في (بوجه) متعلقة بـ (كفيل).
وفي (بالدعوى) سببية، متعلقة بـ (يجب)، البساطي: ويحتمل بمجردها.
ويقويه قوله: إلا بشاهد أي، فيجب إقامة كفيل معه؛ لترجيح الدعوى به.
تنبيه:
سيأتي (١) أواخر الشهادات أنه يجب بالمال مع إقامة الشاهد، إذا أراد إقامة ثان، ولو اقتصر على ما هناك لسلم من التكرار.
стр. 2525
وإن ادعى الطالب أن له بينة على المدعي عليه بكالسوق وجناب البلد الآخر والمكان القريب، أو ببعض القبائل، كما في المدونة وقفه القاضي، أي: المدعي عليه عنده مقدار ما يأتي بها، فإن جاء وإلا خلي سبيه.
* * *
باب ذكر فيه الشركة وما يتعلق بها
وهي كسر الشين وفتحها وكون الراء فيها وفتح الشين وكسر الراء والأولى أفصحها وهي لغة الاختلاط والامتزاج.
البساطي: هي دائرة على التعدد.
وعرفها المصنف كابن الحاجب بقوله: الشركه إذن في التصرف لهما مع أنفسهما، أي: إذن كل منهما لصاحبه أن يتصرف مع نفسه.
فقوله: (مع أنفسهما) فصل أو خاصة، مخرج الوكالة، لا حشو؛ إذ ليس في الوكالة إذن من الوكيل للموكل أن يتصرف مع نفسه، بخلاف الشركة، لا يكون الشريك شريكا لصاحبه حتى يشركه في رقاب الأموال على الإشاعة، وأما إن لم يشاركه في رقابها فخليط، فالخلطة أعم من الشركة.
وللشركة أركان، منها: العاقدان، وأشار لهما بقوله: وإنما تصح من أهل التوكيل؛ لأنه إذن لغيره في التصرف في ماله، ومن أهل التوكل، أي: بأن يكون وكيلا؛ لأنه متصرف عن غيره.
ولما كان كل من الشريكين وكيلا عن صاحبه حسن تشبيههما بالوكيل والموكل، وهذا مانع من صحة وكالة المجنون والعبد غير المأذون والمحجور والصبي.
ومقتضى كلامه: عدم صحة شركة مسلم لكافر، وهو كذلك.