← Фикх малики

Фикх малики · id 150676

جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر

التتائي

Полный текст (3 498 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

ومفهوم الشرط: لو حضر بعد الأجل والدعوى قبل الحكم لم يبرأ، وهو كذلك اتفاقًا. قال المصنف: واختلف في المراد بالحكم: هل هو إشهاد الحاكم على الحكم بالغرم، أو القضاء بالمال ودفعه لربه؟ قولان لعبد الملك وبعضهم. لا إن أثبت حميل الوجه عدمه أي: الغريم في غيبته، فإنه يسقط غرمه، قاله اللخمي؛ بناء على أن يمين العدم استظهار، وأما على أنه جزء نصاب فلا يسقط، وعلى هذا الثاني شيء في الفلس، حيث قال: وغرم إن لم يأت به، وإن أثبت عدمه، وهو قول ابن رشد في مقدماته، فهما قولان، ويترجح ما هنا؛ لذكره في بابه. أو أثبت موته، فيسقط غرمه بذلك أيضًا في غيبته: متعلق بقوله (أثبت)، لا بقوله: (أو موته)، وعلقه الشارح بهما، ونظر فيه؛ بقوله: ولو كان موته بغير بلده، أي: الضمان عليه؛ لأن النفس المكفولة ذهبت. أشهب: لا أبالي مات غائبًا أو بالبلد. فيبرأ الغريم، وهو مذهب المدونة. ورجع حميل الوجه على رب الدين به، أي: بما أدى له إن ثبت موت الغريم قبل الحكم عليه بالغرم، ونحوه في المدونة. وصح الضمان بالطلب، وهو يشترك مع ضمان الوجه في لزوم الإحضار، ويختص الوجه بالغرم عند التعذر؛ ولهذا لا يصح ضمان الوجه في غير المال، وصح في ضمان الطلب؛ ولذا قال: وإن كان الطلب في قصاص؛ لأنه لا يلزم فيه غرم، ولضمان الطلب صيغ، منها: - ما فيه لفظ الطلب، كـ: (أنا حميل بطلبه)، أو على أن أطلبه، أو: (لا أضمن إلا الطلب)، أو: (أنا مطالب بطلبه)، وشبهه.

стр. 2522

- ومنها: (عليّ إحضاره)، أو: (التزمت بإحضاره)، ونحوه مما يشعر بالطلب، وليس نصًا فيه. - ومنها أن يتعرض لنفي المال، كـ: (لست من المال في شيء)، وإليه أشار بقوله: أو اشترط نفي المال، أو قال: لا أضمن إلا وجهه، قاله ابن المواز، ولزم الضامن طلبه، أي: المضمون، أي: بما أي: شيء يقوى عليه عند ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: يخرج لطلبه، قرب أو بعد، ما لم يتفاحش، فأما ما يكون من أسفار الناس فليخرج أو يرسل أو يؤدي عنه. والفرق بين القولين ما أشار إليه في توضيحه من أن لفظة (قوي) تعطي من الوسع ما لا يعطي سفر مثله. وحلف حميل الطلب إن ادعى أنه لم يجده، وكذبه الطالب، وصفة يمينه أنه: ما قصر في الطلب، ولا دلس، وأنه لا يعلم له مستقر. أو غرم حميل الطلب إن فرط بعد الأجل حتى هرب، أو هربه بإنذارها له، وثبت ذلك عليه ببينة، وعوقب بالسجن بقدر ما يرى السلطان. تكميل: بقي هنا نوع آخر من الضمان لم ينبه عليه، وذكره في المدونة، وسماه: ضمان الدرك، فقال: ومن تكفل لرجل بما أدركه من درك في جارية ابتاعها من رجل أو دار أو غيرهما جاز ذلك، ولزمه الثمن حين الدرك في غيبة البائع وعدمه وأطال في ذلك، فانظره. ثم أشار لصيغة الضمان، وهي كما قال ابن عرفة: ما دل على الحقيقة عرفا، بقوله: وحمل الكفيل في مطلق قوله: أنا حميل، أو: زعيم، أو: أذين بذال معجمة، وقبيل، وعندي، وإليّ شبهه، كـ: عليّ وصيير، ووكيل، وكفيل، ومأمن، وغرير بمعجمة فرآين مهملتين بينهما مثناة تحتية، واشتقاق الكل من الحفظ والحياطة، قاله في التنبيهات. على المال على الأرجح عند ابن يونس؛ لقوله: هو الصواب.

стр. 2523

وعلى الأظهر عند ابن رشد؛ لقوله في مقدماته: هو الأصح. ابن عرفة: في لفظ حملها العاري عن بيان لفظ أو قرينة على المال أو النفس نقلا عياض عن شيوخنا. ابن رشد: الأصح الأول؛ لخبر: "الحميل غارم" انتهى. واحترز بقوله: (مطلق) عما لو قال: أردت بالإطلاق بالوجه أو المال فإنه يلزمه ما أراد. تنبيهات (١): الأول: قال المصنف: ينبغي أن يعتمد هنا على الألفاظ التي يستعملها أهل العرف في الضمان، لا على غيرها. الثاني: تلخص من كلامه منطوقا ومفهوما ثلاثة أحوال: الأول: أنه أراد بالإطلاق في قوله: مطلق أنا حميل عروه عن المال والوجه، وهو موضع الخلاف الذي أشار إليه بالأرجح والأظهر، ومفهومه: أنه لو لم يعر بل قيد الإطلاق بالمال، بأن قال: أردت المال، أو بالوجه، فقال: أردت الوجه، لزمه ما أراد، وهما الحالان الآخران. الثالث (٢): يندفع بهذا التقرير قول البساطي: (اعلم أنهم قالوا في المطلق إن أراد الوجه لزم وإن ادعى أنه لم يرد شيئًا فهاهنا الاختلاف والاختيار)، ولا يفهم هذا من كلامه. لا إن اختلفا، وحقق كل منهما ما وقعت به الحمالة، فقال الحميل: إنما تحملت بالوجه، وقال الطالب: بل بالمال، فالقول قول الحميل؛ لأن الأصل براءة الذمة، كذا في توضيحه وتبعه الشارح. وقال البساطي: ظاهر كلام ابن يونس أنه بحث لقوله: ينبغي أن يكون القول قول الحميل انتهى.

стр. 2524

ويدخل في قوله: (اختلفا) ما في كتاب ابن حبيب: قال أصبغ في الحميل يأتي برجل، ويقول: تحملت بهذا فتسلمه، فيقول: إنما تحملت بفلان غيره: إن القول قول الحميل مع يمينه، ولا شيء على الذي جاء به؛ لأنه أبرأه. ولم يجب على منكر الحق إذا طلب منه بينة على دعواه، فيدعي غيبتها، فيقيم لي وكيلا، لم يلزمه وكيل بقيمة للخصومة عنه، إذا طلب المدعي المهلة لإقامة بينة بسبب دعواه. وقال: أخاف إن أثبت بالبينة أن لا أجدك، فأقم لي من يخاصم عنك. ويجب: بفتح أوله، وكسر ثانيه. وكيل: فاعله. وللخصومة: متعلق بوكيل. تنبيه: سيذكر أواخر الشهادات اختلاف الشيوخ في فهم المدونة في هذه المسألة. ولا يجب كفيل بالوجه بالدعوي، أي: بسببها، فالباء في (بوجه) متعلقة بـ (كفيل). وفي (بالدعوى) سببية، متعلقة بـ (يجب)، البساطي: ويحتمل بمجردها. ويقويه قوله: إلا بشاهد أي، فيجب إقامة كفيل معه؛ لترجيح الدعوى به. تنبيه: سيأتي (١) أواخر الشهادات أنه يجب بالمال مع إقامة الشاهد، إذا أراد إقامة ثان، ولو اقتصر على ما هناك لسلم من التكرار.

стр. 2525

وإن ادعى الطالب أن له بينة على المدعي عليه بكالسوق وجناب البلد الآخر والمكان القريب، أو ببعض القبائل، كما في المدونة وقفه القاضي، أي: المدعي عليه عنده مقدار ما يأتي بها، فإن جاء وإلا خلي سبيه. * * * باب ذكر فيه الشركة وما يتعلق بها وهي كسر الشين وفتحها وكون الراء فيها وفتح الشين وكسر الراء والأولى أفصحها وهي لغة الاختلاط والامتزاج. البساطي: هي دائرة على التعدد. وعرفها المصنف كابن الحاجب بقوله: الشركه إذن في التصرف لهما مع أنفسهما، أي: إذن كل منهما لصاحبه أن يتصرف مع نفسه. فقوله: (مع أنفسهما) فصل أو خاصة، مخرج الوكالة، لا حشو؛ إذ ليس في الوكالة إذن من الوكيل للموكل أن يتصرف مع نفسه، بخلاف الشركة، لا يكون الشريك شريكا لصاحبه حتى يشركه في رقاب الأموال على الإشاعة، وأما إن لم يشاركه في رقابها فخليط، فالخلطة أعم من الشركة. وللشركة أركان، منها: العاقدان، وأشار لهما بقوله: وإنما تصح من أهل التوكيل؛ لأنه إذن لغيره في التصرف في ماله، ومن أهل التوكل، أي: بأن يكون وكيلا؛ لأنه متصرف عن غيره. ولما كان كل من الشريكين وكيلا عن صاحبه حسن تشبيههما بالوكيل والموكل، وهذا مانع من صحة وكالة المجنون والعبد غير المأذون والمحجور والصبي. ومقتضى كلامه: عدم صحة شركة مسلم لكافر، وهو كذلك.

стр. 2526

قال البساطي: وهو المنصوص، إلا أن يتولى المسلم العقود انتهى. والذي قاله أبو الحسن الصغير: ما لم يتول عقد البيع والشراء والقضاء والاقتضاء بحضرة المسلم؛ لئلا يعمل بالربا. ويدخل في عبارة المصنف صحة شركة النساء، وهو كذلك فيما بينهن، ومع الرجال كما في المدونة، انظر الكبير. وأشار لركن آخر وهو الصيغة بقوله: ولزمت بما يدل عرفا من قول: كاشتركنا وتعاملنا في هذا المال على هذا ونحوه، أو فعل كخلط المالين والعمل فيهما بغير لفظ. ويدخل في قوله: (عرفا) الإشارة المفهمة، وحكمها ابتداء الجواز. ابن عرفة: حكمها الجوار كجزيئها: البيع والوكالة، وعروض وجوبها بعيد، بخلاف عروض توجب حرمتها وكراهتها. وما ذكره من اللزوم بالقول شهره صاحب المعين في شركة المال وفي المزارعة. وقيل: جائزة لا تلزم إلا بالخلط. ابن عبد السلام: الظاهر أنه لا مخالفة بين لزومها وجوازها. ومراد من قال بلزومها لزومها بالعقد باعتبار الضمان، فإذا هلك شيء بعد العقد كان ضمانه منهما، خلافًا لمن يقول لا تنعقد إلا بالخلط. وأشار صاحب الشامل للقولين والتوفيق بينهما بقوله: وهل تلزم بالقول، وشهر، أَوْ لا. قيل: وهو المنصوص. أو اللزوم باعتبار الضمان فقط؟ تردد انتهى. فائدة: قال ابن عرفة: حكمها الجواز، ومن أركانها المال الذي يقع به

стр. 2527

الاشتراك أو العمل كذلك، وعبر ابن الحاجب عن هذا بالمحل، فقال: محلها المال والعمل. وأشار المصنف للأول بقوله: بذهبين أي: ذهب من هذا، وذهب من الآخر، أو ورقين منهما، اتفق صرفهما، أي: الذهبين أو الورقين، وإن اختلفت سكتهما، وهو كذلك، ففي المدونة: وإن أخرج أحدهما دنانير هاشمية، وأخرج الآخر مثل وزنها دمشقية، أو أخرج هذا دراهم يزيدية، والآخر مثل وزنها محمدية، وصرفهما مختلف لم يجز، إلا في اختلاف يسير لا بال له انتهى. وسكت المصنف عن ذكر قيد اليسارة؛ لما هو مقرر من اعتقاده في غير موضع. ولو أخرج أحدهما ذهبا والآخر ورقا لم يجز؛ لأنه صرف وشركة، وهو ممنوع. وتصح الشركة بهما، أي: بذهب وورق معًا منهما، أي: من الشريكين، بأن يخرج هذا ذهبا وورقا، والآخر كذلك اتفاقًا، وتصح بعين ذهب وورق من أحدهما وبعرض من الآخر. قال ابن الحاجب: على المشهور، ومثله في حكاية المشهور لصاحب المعتمد. وأنكر المصنف وابن عرفة الشاذ. وتصح بعرضين مطلقًا من كل واحد عرض، اتفق العرضان كصوف وصوف مثلًا، أو اختلفا كصوف وحرير، وكل من العرضين يقع الاشتراك به بالقيمة والمعتبر في التقويم يوم أحضر عرضهما للاشتراك به. فـ (يوم): ظرف للتقويم، فإن اتفقت قيمتها فالاشتراك بالنصف، وإن اختلفت فيقدر الاختلاف، لا إن فات أي: لا يكون التقويم يوم الفوات، وهذا إن صحت شركتهما.

стр. 2528

ومفهوم الشرط: لو كانت فاسدة كما لو وقعت على تفاضل في الربح أو العمل فلا تقويم، ويكون رأس مال كل منهما ما بيع به عرضه؛ لأن العرض في الشركة الفاسدة لم يزل على ملك ربه، وفي ضمانه إلى يوم البيع. وكما أن البيع الفاسد لا يدخل في ضمان المشتري إلا بالعقد فكذلك هنا. ولما قدم لزوم العقد بالقول فيما سبق، ذكر شرط الصحة، فقال: إن خلطا ماليهما حسًا، بحيث لم يتميز بعضه من بعض، بل يكفي الخلط، ولو كان حكما، كجعلهما في بيت واحد بغير خلط، وإلا يكن الخلط حسا ولا حكما، بأن بقيت صرة كل منهما بيده، فالتالف منهما أي: من الصورتين من ربه خاصة وما ابتيع أي: اشترى من سلعة بغيره -أي: بغير التالف- فبينهما، كما في المدونة. وأشار لتقييد ابن يونس لها بقوله: وعلى المتلف أي: الذي تلفت صرته نصف الثمن الذي اشتريت به السلعة. واختلف: هل يكون السالمة صرته شريكا لمن ضاعت صرته فيما ابتاع، إلا أن يعلم صاحب السلعة بالتلف حين الشراء، فإذا علمه فله ما اشتراه بربحه، وعليه ما خسره، وهو قول ابن رشد وغيره، أو يكون من سلمت صرته شريكًا مطلقًا، علم بالتلف أو لم يعلم، وهو لابن يونس. ثم استثنى من محل التردد الآتي، فقال: إلا أن يدعي رب السالمة الأخذ له، أي: الشراء لنفسه فقط، فيكون ما ابتاعه له اتفاقًا، تردد. وكل من أحد الترددين فهم من قول المدونة: وإن بقيت صرة كل بيد ربها حتى ابتاع بها أحدهما أمة على الشركة، وتلفت الصرة الأخرى، فالصرة من ربها، والأمة بينهما. فهمها ابن رشد وغيره على الأول، وابن يونس على الثاني، فالجاري

стр. 2529

على اصطلاح المصنف أن يقول: تأويلان (١).

стр. 2530

ولزمت الشركة بالعقد ولو غاب نقد أحدهما، أي: أحد المالين عند مالك وابن القاسم في المدونة، وهو المشهور، واستحسنه اللخمي، وقيده بقيدين، أشار لهما المصنف بقوله: [١] إن لم يبعد، زاد في توضيحه جدا، وأطلق هنا. [٢] ولم يتجر لحضوره، أي: المال الغائب، والذي في توضيحه: لقبضه، وهو مستلزم لحضوره، بخلاف عكسه. لا بذهب من أحدهما، وبورق من الآخر، فلا يجوز للصرف والشركة. وأعاد حرف الجر لئلا يظن أن الذهب والورق معًا من كل جانب، وليس كذلك. ولا يجوز بطعامين مختلفين نوعا وصفة ومقدارا: طعام من هذا وطعام من الآخر، بل المنع ولو اتفقا على المشهور، ورجع إليه مالك؛ لأنه يؤدي لبيع الطعام قبل قبضه، إذ كل واحد باع نصف طعامه بنصف طعام الآخر، ولم يحصل قبض لبقاء يد كل واحد على ما باع، فإذا باعا كان كل منهما بائعا للطعام قبل استيفائه.

стр. 2531

تنبيه: نظر المصنف في ذلك بإجازته في المدونة الشركة بالطعام وبالنقد والطعام، ولو كانا كما ذكر من العلة لمنع انتهى. وقد يجاب بأن الطعام تبع للنقد، والشركة إنما وقعت بنقد وطعام. تتمة: قال في الشامل: حيث فسدت بالطعامين فلكل قيمة طعامه يوم خلطا. ولما كانت الشركة ستة أقسام: [١] مفاوضة. [٢] وعنان. [٣] وجبر. [٤] وعمل. [٥] وذمم. [٦] ومضاربة، وهو: القراض. ذكرها مرتبة هكذا، وأفرد للأخير بابا، سيأتي، فقال: ثم إن أطلقا التصرف في جميع ما يتجران فيه، فجعله كل منهما لصاحبه غيبة وحضورا في بيع وشراء وكراء وأكثر أو نحوه. وإن كان الإطلاق بنوع واحد من جملة ما يتجران فيه فمفاوضة في كل من المسألتين، ولا يفسدها انفراد أحدهما بشيء غير مال المفاوضة يعمل فيه نفسه إذا استويا في عمل الشركة. وأجاز البساطي معنى آخر، وهو: أن يعين كل صنفا للآخر يعمل فيه، ويشتركان في غيرهما في العمل. قال: والأول هو المنصوص. وله أي: لأحدهما أن يتبرع بغير إذن شريكه المفاوض من مال

стр. 2532

المفاوضة بهبة أو صدقة ونحوه، إن استأنف به التجارة، ونحوه في المدونة. ومفهوم الشرط: المنع على غير هذا الوجه. أو إن خف التبرع، كإعارة آلة مما جرت العادة به كماعون، ومثل دفع كسرة فقير أو شربة ماء أو غلام لسقي دابة ونحوه، وأما غير الخفيف فلا يفعله إلا بإذن. وله أن يبضع، أي: يدفع مالًا لمن يشتري به بضاعة كذا من بلد كذا. وله أن يقارض -أي: يدفع مالًا- لمن يتجر فيه بربح بغير إذن. وله أن يودع مال المفاوضة عند أمين لعذر، كنزوله في فندق، فيودعه خوف السرقة من الفندق، وإلا بأن أودع بغير عذر وتلف ضمن. وله أن يمشارك في معين شركة غير مفاوضة، كذا في المدونة؛ ولذا قال البساطي: لابد من التقييد بغير المفاوضة؛ لأنه قدم أنها تكون في المعين. وله أن يقيل من شيء باعه هو أو شريكه، وله أن يولي غيره مما اشتراه كبيعه. قال في المدونة: ما لم يجاب لأحدهما، سواء كان هو المشتري أو الأمرين. ويقبل المعيب، وإن أبي الآخر من قبوله، والمراد رده؛ ففي المدونة: وإن اشترى أحدهما عبدًا فوجد به عيبًا فرضيه هو أو شريكه لزم ذلك الآخر، فإن رده مبتاعه ورضيه شريكه لزم رضاه؛ لأنه لو اشترى عالما بأنه رده لزم الشريك. وله أن يقر بدين في مال المفاوضة، ويلزم ما أقر به، إن كان لمن لا يتهم عليه، وأما لمن يتهم عليه كأبويه أو ولده أو صديقه الملاطف ونحوه لم يقبل.

стр. 2533

وله أن يبيع بالدين، أي: لأجل على المشهور، لا الشراء به، فيمنع إلا بإذن. ثم شبه فيما لا يجوز فعله إلا بإذن الآخر، فقال: ككتابة لعبد من عبيد التجارة؛ لأن قبول العبد موقوف على إذن الشريك، ولم يوجد. وعتق لعبد من عبيد المفاوضة على مال يتعجل من العبد، وإذن لعبد من عبيد المفاوضة في تجارة لتوقف ذلك على إذن الشريك. وقولنا: (يتعجله من العبد) لأنه لو كان من أجنبي مثل قيمته فأكثر لجاز كبيعه، ونحوه في المدونة. وليس لأحدهما أن يشارك شركة مفاوضة إلا بإذن شريكه واستبد، أي: اختص أخذ قراض من أجنبي بربحه وخسارته دون شريكه الآخر. وعلله في المدونة بأن المقارضة ليست من التجارة، وإنما هو أجير أجر نفسه، فلا شيء لشريكه في ذلك. واستبد شريك مستعير دابة لحمل بلا إذن من شريكه بضمانها إن تلفت، وإن كان ما يجعل عليها للشركة، فلا شيء على شريكه. فرع: لو استعاراها معًا لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أفهم؛ ففي المدونة: وإن استعاراها جميعًا فيتعدى عليها أحدهما فالضمان على المتعدي من ماله. وقوله: (بلا إذن) يحتمل عوده على هذه وما قبلها، ويحتمل على هذه الأخيرة فقط. واستبد متجر بوديعة تحت يده بالربح فيها والخسر فيهما، إلا أن يعلم شريكه بتعديه بالتجر في الوديعة، ويرضي بتجره فيها فالربح بينهما والخسران عليهما، ونحوه في المدونة.

стр. 2534

وكلٌّ من المتفاوضين وكيل عن الآخر، فيرد طباعه أحدهما بعيب على شريك حاضر لم يتول العقد. ظاهره: مع حضور من تولى العقد، وليس كذلك بل الكلام له مع حضورهما، إلا مع من تولي العقد؛ لأنه أجير محال ما باعه. فإن تعذر الرد على من تولى العقد فيرد على شريكه؛ لأن وكيله كالغائب المتولي للبيع يرد المشتري على وكيله الحاضر، إن بعدت غيبته كالعشرة أيام، وإلا بأن قربت غيبته كاليوم ونحوه انتظر قدومه؛ ليكون الكلام معه في حكم الحاضر. ونحو ما قررناه في توضيحه، ونحوه في المدونة، وللبساطي على المؤلف هنا اعتراض، انظره. والربح والخسر الحاصل في مال الشركة يفض بين الشريكين بقدر أصل المالين وجوبًا، تساويًا أو تفاوتًا، وتفسد بشرط عقدها على التفاوت في الربح، مثل أن يخرج أحدهما مائة، والآخر خمسين، على أن يكون الربح على النصف. وكذا لو كان المال نصفين، واشترط التفاوت في الربح، ويفسخ العقد قبل العمل، وإن عملا فض الربح على المالين، ويرجع به إن قبض. ولكل أجر عمله على أنه للآخر؛ ففي الفرض الأول وهو الثلث والثلثان، يرجع صاحب الثلث على ذي الثلثين بأجرة السدس عند تساويهما في العمل. وله أي: أحدهما التبرع بزيادة في الربح أو العمل، وله السلف والهبة للآخر، إذا كان كل من المسائل الثلاث بعد العقد، بناء على أن اللاحق له ليس كالواقع فيه، وحينئذ لا مانع لظهور قصد المعروف، بخلاف قبله لظهور التوافق على الفساد، والقول لمدعي التلف للمال أو بعضه، أو الخسر فيه؛ لأنه آمين، وفي التوضيح عن الجواهر تقييده بما إذا لم يظهر كذبه، فإن اتهم استحلفه، والقول لآخذ شيء لائق أي: مشبه لحاله، إذا

стр. 2535

ادعى شراؤه له من مال الشركة، ولم يصدقه شريكه. تنبيه: كذا أطلق هنا تبعا لابن الحاجب، وفي توضيحه: هذا إنما هو في الأكل والكسوة. ابن القاسم: وذلك بخلاف شرائه لنفسه شيئًا من العروض والرقيق، هذا له أن يدخل معه فيه. والقول لمدعي النصف، ابن يونس: إذا أشرك من سأله، ثم اختلفا، فقال: أشركتك بالربع. وقال الآخر: بالنصف. وقال: نطقنا به، أو: أضمرناه بغير نطق، فالقول لمدعي النصف، وإن لم يدعه أحدهما رد إليه؛ لأنه أصل شركتهما في القضاء. وإن كانوا ثلاثة فعلى عددهم ما كانوا، وقرره الشارح في الأوسط بما إذا مات أحدهما، وقال الحي: المال بيننا نصفان. ونازعه ورثة الميت، فإنه يصدق، وإلا فهو تكرار مع ما بعده انتهى. تنبيه: وعلى دعواه عدم تكراره هنا، فهو مكرر مع قوله آخر فصل الخيار: وإن أشركه حمل وإن أطلق على النصف. وحمل اختلافهما عليه، أي: النصف في تنازعهما في قدر مال الشركة عند المفاصلة بدعوى أحدهما الثلثين والآخر الثلث عند أشهب، لكن بعد أيمانهما. تنبيه: تبع المصنف ابن الحاجب في إسقاط اليمين. وللاشتراك أي: القول لمدعيه فيما بيد أحدهما دون مدعيه لنفسه،

стр. 2536

إلا لبينة تشهد لمدعيه لنفسه على كإرثه أو بهبة له، أو التصدق عليه به، أو أنه ملكه قبل المفاوضة، ولم يفاوضه عليه، فهو له، وتصير المفاوضة فيما سواه، ونحوه في المدونة. وإن قالت بينة في شهادتها تشهد بإرثه لا نعلم تقدمه أي: الإرث لها أي: للمفاوضة، أو تأخره عنها؛ لأن الأصل عدم الشركة، وبقاؤه على ملك مالكه، فلا ينتقل عنه إلا بيقين، ويكفي هذا الاستثناء عند ابن سهل، بشرط أشار له بقوله: إن شهد بالمفاوضة، وكانوا عالمين بما يشهدون به، ولو لم تشهد بينة بالإقرار بها على الأصح عند المصنف؛ لقوله في توضيحه: هو الأظهر. وبالغ بـ (لو) لخلاف ابن العطار وابن دحون وابن الشقاق، حيث قالوا: لا يكتفي بذلك، بل لابد أن تقول البينة: أقر عندنا بالمفاوضة، وأشهدنا بها. والقول لمقيم بينة على شريكه بأخذ مائة من مال الشركة أنها باقية عنده بشرطين، أشار لأحدهما بقوله: إن شهد بها عند الأخذ، سواء طالت المدة أو قصرت، ولم يبرأ إلا بالإشهاد على ردها، كذا قال ابن المواز. وأشار لثانيها بقوله: أو لم يشهد بها، ولكن قصرت المدة، بحيث يظن أنه لم يشغلها في التجارة، أشهد أم لا، فهي باقية عنده، وإن خلا الحال عن الشرطين، فإن لم يشهد وطالت المدة لم يقبل قول الشريك في بقائها؛ لأن الغالب أنه أدخلها في مال التجارة. تنبيه: قال المصنف: ويظهر أن مراد محمد بقوله: (أشهد) أن تكون البينة مقصودة للتوثق كبينة المودع، فلا تقبل دعوى الرد معها إلا بإشهاد انتهى. وعلى هذا فكان ينبغي له أن يقول: أشهد رباعيا. كدفع صداق من أحد المتفاوضين عنه أي: عن شريكه، ولم يبين كونه من ماله أو من مال الشركة، ثم مات الدافع، فقال ورثته: هذا من

стр. 2537

مال ولينا. وقال الآخر: بل من مال الشركة. فالقول قول الدافع في أنه من المفاوضة، إلا أن يطول الأمر كسنة. ثم استثنى من قوله: إلا أن يطول كسنة، فقال: إلا ببينة تشهد بأن المدفوع عنه الصداق قد حصل له ذلك من بكإرث أو هبة أو صدقة، فإنه يعمل بها. وبالغ فقال: وإن قالت هذه البينة: لا نعلم تقدم هذا الإرث مثلًا على المفاوضة أو تأخره عنها. وسقطت هذه المسألة من نسخة البساطي. وإن أقر واحد من الشريكين بعد تفرق منهما، أو بعد موت لشريكه بدين مثلًا حال شركتهما فهو شاهد في غير نصيبه، إن كان أهلا للشهادة يحلف معه من أقر له، ويستحق. وأما نصيب المقر فلازم له، إذا أنفق كل واحد من المتفاوضين على نفسه، أو اكتسى من مال الشركة ألغيت نفقتهما وكسوتهما، وإن كانا ببلدين مختلفي السعر، وأحرى متفقيه، أو ببلد واحد؛ لدخولهما على ذلك عادة كعيالهما تلغى نفقتهم، إن تقاربا أو تساويا، وإلا تكن النفقة والكسوة متقاربة، أو كانت عيال أحدهما أكثر من عيال الآخر حسبا. ابن عبد السلام: وأما إن كان أحدهما يقنع بالحرش من الطعام أو الغليظ من الثياب، والآخر على الضد؛ لحسب كل واحد نفقته. كانفراد أحدهما به أي: بالعيال دون الآخر، فيحسب كل ما أنفق. تنبيه: سكت عن شرط ذكره في توضيحه، وهو كون الشركة على النصف، فإن كان لأحدهما الثلثان، والآخر الثلث، لم ينفق صاحب الثلث من المال إلا بتعدد جزئيه، ولم يجز أن ينفق بقدر عياله؛ ليحاسب بذلك في المستقبل؛ لأنه يأخذ من المال أكثر من صاحبه، وجعل البساطي هذا الشرط تنبيهًا.

стр. 2538

وإن اشترى أحد الشريكين من مال الشركة جارية، فشراؤه لها على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يشهد أنها لنفسه لخدمة أو وطء، ولم يمسها فللآخر ردها للشركة، وإمضاء فعله. وأشار لثانيها بقوله: إلا إن اشتراها للوطء بإذنه، فليس له ردها، وللمشتري ربحها، وعليه نقضها. وأشار للوجه الثالث، وهو على ثلاثة أوجه: أشار لأحدها بقوله: وإن وطئ جارية اشتراها للشركة بإذنه، قومت وجوبا، حملت أم لا؛ لأنها محلله. تنبيه: قول الشارح في هذا الوجه: وقد اشتراها للوطء ينافي فرض هذه الصورة، فتأمله. وأشار للوجه الثاني بقوله: أو وطئها بغير إذنه وحملت عليه وجوبا، إن كان مليئا. وأشار للوجه الثالث بقوله: وإلا بأن لم يأذن، ولم تحمل فللآخر إبقاؤها للشركة أو مقاواتها، أي: يتزايدا فيها حتى تقف على أحدهما، فيأخذها صاحب العطاء به، وهو ظاهر قول مالك في المدونة. تنكيت: ما قررنا به كلامه هو ملخص ما في توضيحه، وعليه فقول البساطي: (وإلا بأن لم تحمل والوطء بإذنه أو بغير إذنه فللآخر إبقاؤها أو مقاواتها، فيخير الشريك في الصورتين) غير جلي. [شركة العنان: ] ولما فرغ من شركة المفاوضة أتبعها بشركة العنان، فقال تبعا لابن

стр. 2539

الحاجب: وإن اشترطا نفي الاستبداد، أي: لا يستقل أحدهما بشيء دون الآخر فعنان. عياض: ضبطناه بكسر العين، وهو: المعروف وفى بعض كتب اللغة فتحها، ولم أره انتهى. وجاز لذي طير ذكر وذي طيرة أنثى أن يتفقا على أن يخليا بينهما على الشركة في الفراخ الحاصلة بينهما، كذا أطلق المصنف، ورواه ابن القاسم في الحمام لتساويهما في الحضن. قال: إذا كانت مؤنتها عليهما، وإلا فلا، إلا أن يتطوع بذلك بعد العقد فلا بأس به. والظاهر: أن المصنف إنما خص الطير لأن غيره من الحيوان إنما يحتاج لأم فقط، فلا يجوز فيه ما جاز في الحمام مما لا ينفرد بالحضن كالأوز والدجاج. تنبيه: أشعر كلامه بأن ذوي رقيقين لا يجوز أن يزوجاهما على ذلك، وهو كذلك ويفسخ، وبأن من جاء لشخص ببيض، فقال له: اجعله تحت دجاجتك والفراخ بيننا، أن الحكم ليس كذلك، وهو كما أشعر، لكنه لا يفيد عين الحكم، وهو أن الفراخ لصاحب الدجاجة، ولصاحب البيض مثله. وإن قال: اشتر سلعة كذا بكذا لي ولك فوكالة مقصورة لا تتعدي للبيع؛ لأن الوكالة الخاصة لا يتعدى الوكيل فيها لغير ما أذن له. وبما قررناه يندفع قول البساطي: في كلامه مناقشة قضية، وهي: موجود الفاء في غير محلها. وإذا قال: اشتر لي ولك جاز أن يقول له: وانقد ثمن حصتي عني لأنه معروف منعه من غير عوض، وهو سلفة له مع تولي الشراء عنه، إن لم يقل: وأنا أبيعها لك، فإن قال ذلك منع؛ لوجود السلف بزيادة، فالسلف نقده عنه، والزيادة انتفاع الناقد ببيع الآخر عنه.

стр. 2540

تتمة: قال في التوضيح عن الباجي: فإن وقع ذلك كانت السلعة بينهما، وليس عليه بيع حظ المسلف بعد ذلك، إلا أن يستأجره استئجارا صحيحا، وعليه ما أسلفه نقدا. فإن كان قد باع فله جعل مثله في بيع نصف المسلف، ولو ظهر عليه قبل النقد لأمسك المسلف، ولم ينقدوها في السلعة شريكان ببيع كل واحد منهما نصيبه إن شاء، أو يستأجر عليه. وليس له أي: المشتري إذا قال له الموكل: اشتر لي ولك وانقد عني حبسها، أي: السلعة المشتراة في الثمن، يريد: وليس له إلا المطالبة بثمنه. البساطي: فإن قلت: البائع له حبسها حتى يقبض، فما الفرق؟ قلت: الفرق أن الخارج من يد البائع هو عوض الثمن، فله التمسك حتى يأخذ العوض، ولا كذلك المسلف. إلا أن يقول له الآمر: واحبسها، حتى تقبض الثمن، لكان له ذلك، فكالرهن فيما ينقده عنه، أي: إذا اشتريتها، وصارت في ملكي صيرتها رهنا، فهو عقد معلق على الملك، ويحتمل أنها كالرهن، فيفرق بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه. ولعل المصنف إنما لم يقل فرهن لاحتياج الرهن للفظ صريح، كما تقدم في أحد التأويلين. ولما ذكر ما إذا كان المشتري مسلفا ذكر ما إذا كان المسلف غيره، فقال: وإن أسلف مخير المشتري شيئًا لمن يشتري به ما يشاركه فيه جاز عند ابن القاسم، إن كان ذلك على وجه المعروف والرفق، إلا إن كان لا لذلك، بل لكبصيرة المشتري، ومعرفته بالشراء كوجاهته، أو خصه، فلا يجوز، ويفسد؛ لأنه سلف جر نفعا.

стр. 2541

تنبيه: لعل قول ابن رشد في البيان: (لا خلاف في الجواز إذا صحت النية في ذلك، ولا في عدمه إن قصد منفعة نفسه، وإنما الخلاف حيث لا نية) طريقة. [شركة الجبر: ] ثم تكلم على شركة الجبر التي اتفق مالك وأصحابه على القول بها، فقال: وأجبر عليها إن اشترى شيئًا: طعاما أو غيره عند ابن القاسم، وغيره خلافًا لأشهب في قصرها على الطعام. وأشار إلى أن الجبر بشروط وانتفاء موانع، فمن شروطها كون الشراء بسوقه، أي: سوق ذلك الشيء، أما لو اشترى في داره أو حانوته التي ليست بسوقه، فلا جبر اتفاقا. ومن الموانع كونه للتجارة لا لكسفر أو قنية، أو عاقبة، وإذا نوزع في كونه اشتراها لكسفر صدق مع يمينه، إلا أن يظهر كذبه لكثرة ما اشتراه جدًا. ومن الشروط: شراؤها وغيره حاضر للشراء لم يتكلم من تجاره فلو غاب تجارها يوم الشراء لم يكن لهم جبر، وكذا لو كانوا حضورا وزايدوا، ولم يكونوا من تجار ذلك الشيء، فلا جبر، ولو لم يتكلموا؛ ولذا أضاف الضمير لتجاره، ولينبه على خلاف ابن الماجشون أن ذلك لجميع التجار. وفهم من قوله: (لم يتكلم) أنهم لو تكلموا حين الشراء، وقالوا: أشركنا. فقال: نعم. أو سكت لجبر من باب أولى، ويقضي له عليهم إذا امتنعوا؛ لظهور خسارة. ولو قال: لا، لو لم يشركهم؛ لأنه أنذرهم ليشتروا لأنفسهم، وفهم من قوله: (اشتر لي. . إلى آخره) أنهم لو حضورا السوق فقط، واشترى بعد ذهابهم لم يجبر، ولو قالوا له: أشركنا، لكنه يحلف ما اشترى عليهم، ولو طلبه هو لزمهم لسؤالهم، وهو كذلك في توضيحه، وتجارة بكسر التاء

стр. 2542

وتخفيف الجيم وبضم التاء وتشديد الجيم لغتان. ثم أخرج من الجبر، فقال: لا إن اشتراها في كبيته أو مجلسه أو حانوته التي ليست بسوق، فلا يشاركه فيها أحد ممن حضر جبرا اتفاقًا، قاله في البيان. تنكيت: قول البساطي: (لاحق فيه للجيران) غير جلي، بل لا جبر لمن حضر مطلقًا كما قررناه. وهل يجبر إن اشتراها وفي الزقاق: بزاي فقافين بينهما ألف، وهو قول ابن حبيب: لا فرق بين السوق والزقاق، ومسألة كبيته معداة عن القولين، أو حكم الأزقة حكم داره، فلا جبر، وهو قول أصبغ وغيره؟ قولان ذكرهما في التوضيح، ومثله للشارح هنا وفي شامله. تنكيت: قول البساطي الزقاق بزاي فألف، وحكى القولين، وعزاهما لمن تقدم، يحتاج لنقل عنهما في ذلك. ولما كان الفقهاء يطلقون الشرط على انتفاء المانع تبعناهم في ذلك، وذكرنا من الشروط ما هو مانع، كما إذا اشتراها لنفسه، لا لتجر وما بعده. ثم ذكر مسألة شركة الأبدان، فقال: وجازت بالعمل اتفاقًا بشروط، أشار لأحدها بقوله: إن اتحد العمل كخياطين، ولا تجوز إن اختلف كخياط وحداد للغرر؛ إذ قد تتفق صنعة هذا دون الآخر. ولما كان العمل المتلازم كالمتحد، قال: أو تلازم، كأن ينسج أحدهما، ويتولى الآخر ما سوى النسج. اللخمي: ليس ذلك كالصنعتين المختلفتين؛ لأنهما هنا إما أن يعملا معا، أو يتعطلا، فلا غرر.

стр. 2543

وأشار للشرط الثاني بقوله: وتساويا فيه أي: العمل سرعة، وأيضًا جودة ودناءة. ولما كان التساوي حقيقة يتعذر أو يتعسر، قال: أو تقاربا؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، فلو اختلف علمهما على أن يأخذ كل النصف فسدت، لا إن أخذ بنسبة عمله فقط، كما لو كان أحدهما يعمل مرة، والآخر مرتين: على الثلث والثلثين فيجوز. وأشار للشرط الثالث بقوله: وحصل التعاون بالاشتراك، فإن لم يحصل التعاون لم يجز، فقد سئل في العتبية عن صيادين معهم شباك، فقال بعضهم لبعض: تعالوا نتعاونها، وما أصبناه فبيننا، فنصب أحدهم شبكته، فأخذ صيدا، وأبى أن يعطي الآخرين، فقال: ذلك له، وليس لهم شيء فيما أصاب؛ لأنها شركة لا تحل. ابن رشد: لأن شركة الأبدان لا تجوز إلا فيما يحتاج الاشتراك فيه للتعاون؛ لأنهم متى اشتركوا أن يعمل كل على حدة كان من الغرر البين. ولما كان اتحاد مكان العمل غير شرط، قال: وإن تعاونا بمكانين، إذا اتحدت الصنعة، كما في العتبية، وشرط في المدونة اتحاد صنعتهما ومكانهما، وعليه درج ابن الحاجب. ابن ناجي: وهو المشهور. واختلف هل ما في الكتابين خلاف، وهو رأي اللخمي، أو لا؟ تأويلان. ولما كان ما قدمه إنما هو في صنعة لا آلة فيها، أو فيها ولا قدر لها كالخياطة، ذكر ما إذا كانت تحتاج لآلة كالصياغة والتجارة والصيد، فيزاد اشتراط اشتراكهما في الآلة بملك أو إجارة، فقال: وفي جواز إخراج كلٍّ آلة مساوية لآلة الآخر، وهو مذهب سحنون، تأول بعضهم المدونة عليه، أو لابد من اشتراكهما فيها بملك أو كراء من غيرهما، وهو لابن القاسم

стр. 2544

وغيره؛ ليضمناها، وتأولها عليه بعض آخر تأويلان وقولان (١).

стр. 2545

وفي جواز استئجاره من الشريك الآخر قدر نصيبه من آلة يخرجها من عنده. عياض وغيره: وهو ظاهر المدونة. ابن عبد السلام: وهو المشهور. أو لابد من ملك لهما أو كراء من غيرهما، وهو لابن القاسم وغيره، وعليه تؤولت المدونة أيضًا، تأويلان وقولان، وحذف التأويلين من الأولين لدلالة هذا. تنكيت: قول البساطي: (لا يخفي عليك ما في قوله تأويلان) بعد ما نقلناه أنه

стр. 2546

ظاهر المدونة، وتقدم جوابه غير مرة. ثم شبه في جواز الصنعة المتحدة بقوله: كطبيبين اتفق طبهما أو جرايحيين كذلك، اشتركا في الدواء بشراء، أو يفعل أحدهما واشترى الآخر، فلو اختلفت صنعتهما كطبيب وجرايحي لم يجز، قاله اللخمي وغيره. ويجوز مشاركة صائدين اشتركا في ملك البازين أو الكلبين، إذا كان طلبهما واحدا، وأخذهما واحدا، لا يفترقان كما في بعض روايات المدونة. وهل يجوز ذلك وإن افترقا؟ رويت عليهما، جعلوا الجوارح والكلاب كرؤوس الأموال، فإذا وقع الاشتراك فيها لم يبق غرر. ويجوز اشتراك حافرين بكركاز ومعدن وآبار وعيون ودفائن، إذا كان الموضع واحدا، وكطبخ قراميد، وقطع حجارة. ابن يونس: من الجبل إذا لم يفترقا. ونحوه في المدونة. ولم يستحق وارثه أي: وارث حافر المعدن من أحد الشريكين أو من أحدهما بقيته، أي: بقية ما أخذ مورثه منه، خلافًا لسحنون في أنه يستحق بقيته؛ لأنه لم يدركه إلا بنفقته. وإذا لم يستحقها أقطعه الإمام لمن شاء من وارث أو غيره، وقول المدونة: من مات منهما بعد إدراكه النيل لم يورث حظه من المعدن، والسلطان يقطعه لمن شاء. وظاهره (١): سواء أدركاه ولم يخرجا منه شيئًا، أو أخرجا. ولكن قيد ما فيها بما لم يبد. قال الشارح: أي حمله القابسي على ما قال المصنف؛ فإنه قال: معنى ما في الكتاب أنهما أدركا نيلا أخرجاه واقتسماه، وبقيت منه بقية.

стр. 2547

وقال البساطي: حمل القابسي المدونة على مذهب سحنون. قال: ولفظه ومعنى الكتاب إذا لم يخرجا شيئًا، وعبر عنه المؤلف بما لم يبد انتهى. ولزمه أي: أحد شريكي العمل ما يقبله صاحبه من العمل؛ إذ لا يشترط فيها أن يعقدا مقابل العمل عليهما معا، ويلزمه أيضًا ضمانه، إن كان مما يضمن، وإن تفاصلا، ونحوه في المدونة. وألغي مرض أحدهما في كيومين وغيبتهما أي: اليومين من إضافة المصدر لمفعوله، وهو الضمير المثنى، ومفسره اليومان. وفهم الشارح في الكبير: أنه عائد على الشريكين. قال البساطي: فتحير وخلط انتهى. وانظر وجه التخليط وما يتعلق به في الكبير. لا إن كثر المرض أو الغيبة، فلا يلغي ذلك الأكثر على الأكثر من اليومين، ويختص به العامل، قاله بعض القرويين. البساطي: ظاهر كلامهم: أنه لا يلغي منه شيء. وفسدت شركة عمل عقدت باشتراطه، أي: إلغاء الكثير بمرض طويل أو غيبة بعيدة، بل ما اجتمعا فيه فبينهما، وما انفرد به أحدهما اختص به. وفهم من قوله: (اشتراطه) أنهما لو لم يشترطاه، وأحب صاحبه أن يعطيه نصيبه من عمله جاز. ككثير الآله اختلف الشارحان في تقريره، فقال الشارح: تفسد إذا تطوع أحدهما بآلة لها خطب وبال، واستدل له بقولها: إذا تطاول أحد القصارين على صاحبه بشيء تافه من ماعون لا قدر له في الكراء كقصرية ومدقة جاز. وقال البساطي: تفسد إذا اشترط ما له بال من الآلات انتهى. ومقتضاه: عدم فسادها إن تبرع بكثيرها.

стр. 2548

وهل يلغي اليومان في الشركة الفاسدة باشتراط إلغاء الكثير، ويكونان شريكين في أجرة اليومين، وفي الزائد عليهما يختص به العامل كالصحيحة، وهو لبعض القرويين، أو لا يلغيان كالجميع، وهو لابن القاسم؟ تردد للمتأخرين. [شركة الذمم: ] ثم ذكر شركة الذمم، وتسمى أيضًا شركة في الوجوه، وفسرها بقوله: وباشتراكهما في الذمم، بأن يتفقا على أن يشتريا في ذمتهما ويبيعا بلا مال يخرجانه من عندها، وهو أي: ما يشتريانه بينهما اشترياه معًا أو أحدهما عند ابن القاسم، وعند سحنون ما انفرد به أحدهما اختص به. ثم ذكر المصنف تفسير بعض أهل العلم لها بقوله: وكبيع وجيه من التجار مال خامل بجزء من ربحه، ووجه فسادها: أنها إجارة مجهولة. تنبيه: تبع المصنف المدونة في الجمع بين التفسيرين، وإن كان ابن الحاجب وغيره جعلوهما قولين؛ لأنهما كالوجهين للفساد. وربما أشعر تفسيرهما بما تقدم بأنهما لو اشتريا شيئًا معينًا لا ليتجرا فيه ولا حمالة بينهما لجاز، وهو كذلك، سواء اتفق نصيبهما أو اختلف. ثم عطف على الفاسد، فقال: أو كذي رحى وذي بيت وذي دابة، اشتركوا ليعملوا على الشركة، واتفقوا على أن ربع عملهم بهذه الآلات بينهما بالسوية، فهي شركة فاسدة، إن لم يتساو الكراء، من الرحي والبيت والدابة، وجهلوا أن ذلك غير جائز لدخولهم على ما لا يعلمون صحته من فساده، وإذا كان كذلك تساووا في الغلة على حسب ما دخلوا عليه؛ لأن رؤوس أموالهم عمل أيديهم، وقد تكافؤوا فيه، وترادوا الأكرية، أي: فضلها، فيرجع من له فضل كراء على أصحابه. وظاهره: سواء أصابوا شيئًا أم لا، كما في المدونة؛ لأن ما أخرجوه مما يكرى، وقد اكتري كراء فاسدا، وكيفية الرجوع أن يجمع الكراء،

стр. 2549

ويفض على الجميع، ويسقط ما على كل واحد، ويرد من عليه شيء ما زاد لمستحقه، فإن كانت الرحى تساوي ثلاثة فيرجع على صاحب الدابة بواحد. ومفهوم الشرط: الصحة عند تساوي الكراء. وإن اشترط في العقد من رب الرحى عمل رب الدابة وعمل على ذلك، فالغلة له وعليه كراؤها، أي: الرحى والبيت. وظاهره: وإن لم يصب شيئًا، كما في المدونة، وعلله بأن عمله كأنه رأس المال. وقضي على شريك انتفع من العمارة فيما لا ينقسم كحمام، ويبر احتاج للعمارة بأحد أمرين: - أن يعمر مع شريكه. - أو يبيع ممن يعمر معه. تنكيت: في كلامه إجمال؛ إذ لا يعلم ما يباع: هل يقدر ما يعمر به فيما بقي من حقه بعد ما بيع للإصلاح؛ لأن البيع إنما أبيح للضرورة، وهو يرتفع بقدر الحاجة، وهو سماع يحيى عن ابن القاسم في كتاب السداد، أو يباع نصيب الشريك كله. ابن عبد السلام وهو ظاهر إطلاقاتهم، ورجح؛ لما فيه من تقليل الشركاء. كذي سفل إن وهى أي: ضعف، وهم بالسقوط، فيقضي على صاحبه بالعمارة خوف سقوط العلو، أو ببيع ممن يعمر، فالتشبيه في الحكم الذي قبله، فلو سقط العلو على السفل فهدمه خير رب السفل: أن يبني أو يبيع ممن يبني. وعليه أي: على صاحب السفل ولو وسطا إذا وهى واحتاج للعمارة التعليق؛ لبناء العلو إن احتاج، وعليه السقف الساتر لسفله؛ إذ لا يسمى السفل بيتا إلا به.

стр. 2550

تتميم: سمع أشهب باب الدار على رب السفل. وعليه أيضًا كنس مرحاض تسقط فضلة أصحاب العلو عند ابن القاسم وأشهب، لأنها لصاحب السفل. وقيل: على الجميع. قال في التوضيح: وهو الأظهر. وظاهر كلامه: كان في رقبة الدار أو في الفناء. ابن أبي زيد: أخذ بعض متولي الحكم من متأخري أصحابنا بالأول، وإن كان في رقبة الدار، وبالثاني إن كان في الفناء. قال: ويجري القول فيه بين الدارين على القول بالعلو والسفل فيمن له رقبة البئر أو ليست له على الاختلاف فيه. فرع: اختلف في كنس كنيف الدار المكتراة، فقال: أشهب على ربها، وروي عن ابن القاسم، وسمع أبو زيد ابن القاسم: على المكتري، وفيها دليلهما. لا سلم، وهي: الأدراج التي يصعد عليها، فإنه على صاحب العلو؛ لأنه المنتفع به. وقيل: على الأسفل. وقضي بعدم زيادة العلو، إذا أرادها ربه، ولو خشبة أثقل من أخرى بموضعها، إلا الخفيف الذي لا يضر، فلا يمنع منه، وقضي بالسقف للأسفل، إذا تنازعاه، وبالدابة للراكب عليها، لا متعلق بلجام فيها، إذا ادعاه كل منهما، ولا بينة. وإن كان ثلاثة مثلًا شركاء أقام أحدهم رحى إذا أبيا، أي: امتنع شريكاه من إقامتها معه، فالغلة لهم، أي: للشركاء الثلاثة، ويستوفي من

стр. 2551

أقامها منها أي: من الغلة ما أنفق. وهذا أحد أقوال ثلاثة كلها لابن القاسم. ثانيها: الغلة كلها لمقيمها، وعليه أجرة نصيبها خرابا. ثالثها يكون شريكا في الغلة بما زادته عمارته، ويقسم الباقي أثلاثا، ثم من أراد أن يدخل معه دفع ما ينوبه من قيمة ذلك يوم يدفعه، وبهذا القول قال ابن دينار. واقتصر المصنف على القول الأول لقول ابن عبد السلام: إنه أقواها انتهى. واختصاصه بما أنفق كاختصاصه بماء البئر يذهب ماؤها، ويأبى شريكه الإصلاح، ويصلح هو. قال عيسى: رأيت ابن بشير يحكم بهذا. وقضي على جار بالإذن في دخول جاره داره لإصلاح جدار ونحوه مما يتوقف على الدخول، كإخراج دابة لا يستطيع أحد أخذها إلا مالكها، وكذا لو ألقت الريح ثوبا، وحلف صاحب الدار لا يمسها، ونحلا اتخذ موضعا وصاحب الدار لا يدري كيف يخرجه، وغير الجار يشاركه في هذا. وإذا كان الجدار مشركا بين اثنين مثلًا قضي بقسمته إن طلبت، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. قال في التوضيح: بشرط عدم الضرر. وقيل لابن القاسم: فإن كان لكل جذوع؟ قال: إذا كان جذوع هذا من هنا، وهذا من هنا، ولم يستطع قسمته يتقاويانه بمنزلة ما لا ينقسم من العروض والحيوان. وصفة القسم عند ابن القاسم أن يقسم طولًا، فإن كان طوله من المشرق إلى المغرب مثلًا عشرين ذراعا في عرض شبرين مثلًا، أخذ كل واحد عشرة أذرع من ناحية بالقرعة.

стр. 2552

ولا يقسم بطوله عرضًا أي: بأن يأخذ كل واحد شبرا مما فيه إلى عشرين ذراعا، كما هو عند عيسى بن دينار. وقضي على جار بإعادة جداره الساتر لغيره، كما كان؛ إن هدمه ضررا، لا إن هدمه لإصلاح، أي: لوجه مصلحة، كخوف سقوط أو ليعيده بأوثق أو لشيء تحته يريد إخراجه لم يلزمه إعادته. ثم عطف على إصلاح قوله: أو هدم: مصدرا على مصدر، أي: فلا يلزمه إعادته إذا هدم بأمر من اللَّه تعالى. البساطي: هدم فعل، ومراده انهدم بنفسه. ولا يخفى ما فيه من المسامحة. وما قررناه من أن الجدار لأحدهما هو خلاف ما في ابن الحاجب وابن شاس من أنه مشترك بينهما، لكن قال في التوضيح: لم ينقل ابن يونس هذا إلا فيما إذا كان الحائط لأحدهما. وكلام المصنف هنا محتمل لهما. وقضي بهدم بناء بطريق، إن أضر بالسالك اتفاقًا، بل ولو لم يضر على المشهور. وقضي بجلوس باعة بأفنية الدور للبيع إن خف ذلك. وظاهره: لأرباب الدور وغيرهم، وهو ظاهر إطلاق الشارح، والذي في ابن الحاجب: قضى به عمر ﵁ لأرباب الدور، وبه قرره البساطي وبعض مشايخي. تنبيهات: الأول: فناء الدور ما بين بنائها فاصلا عن ممر الطريق المعد للمرور غالبا، كان بين يدي بابها أو غيره. الثاني: لا يباح لذي الفناء إدخاله داره، فإن فعل وهو مضر بالطريق هدم، ورد كما كان، وإن لم يضر ففي هدمه قولان.

стр. 2553

قال ابن عرفة: والقائلون بالأول أكثر، والثانى أظهر بقرطبة فأفتى طائفة بالهدم، وأخرى بعدمه، واللَّه أعلم. الثالث: لا يجوز بذوي الأفنية التي لا يضيق الانتفاع بها على المارة إجارتها. وقضي بأفنية الطرق غير المتملكة للسابق إليه على غيره، إن نازعه، واختلف إن قام منه ونيته العود إليه من غد، فقيل: هو أحق به حتى يتم غرضه قطعا للنزاع. وقيل: هو وغيره سواء، وأما إن لم يقم فهو أحق به. كمسجد يستحق الموضع منه من سبق له، وقد اختلف فيمن أقيم بموضع منه لتدريس أو إفتاء أو إقراء، فقال مالك: هو أحق به إذا عرف به. وقال الجمهور: وهو أحق به استحسانا لا وجوبا. عياض: ولعله مراد مالك. وفي العوفية: من وضع بالمسجد شيئًا حجره به حتى يأتي إليه يخرج على مسألة التحجير: هل هو إحياء أم لا. وقضي على جار بسد كوة فتحت، أي: أحدث فتحها، ويشرف منها على جاره إذا أريد سد خلفها مع بقاء بوضع فتحها؛ إذ لا يكفي ذلك عند مالك وابن القاسم. والكوة: ثقب البيت، وفيها الفتح والضم، والتفصيل إن كانت نافذة فالأول، وإلا فالثاني. وقضي بمنع دخان كحمام وفرن ومطبخ ومحبرة، ويمنع إحداث ذي رائحة كـ: دباغ، ومذبح، ومسبط، ومرحاض؛ لضرر رائحته. البساطي: فإن قلت: ما الفرق بين الرائحة والدخان، والكل دخان، والكل مشموم؟ قلت: الفرق على الوجه المذكور أنه عنى بالدخان المحسوس بالبصر،

стр. 2554

وبالرائحة ضده، وإن كان الكل دخانا خفيفا، وعلى الوجه الثاني أن الدخان يحصل ضرره بغير الشم، كتسويد الثياب والحيطان وما أشبه ذلك. وقضي بمنع إحداث أندر قَبِل بكسر القاف وفتح الباء تجاه بيت لضرر صاحب البيت بغباره وتبنه. ولو مال: (كبيت) ليشمل البستان لكان أحسن. وقضي بمنع فعل شيء مضر بجدار خوف سقوطه، أو وهنه أو تسبيخه. ويمنع إحداث إصطبل لكخيل عند بيت جاره؛ لما فيه من الضرر ببول الدواب وزبلها، وحركتها ليلا ونهارا. وبإحداث حانوت لبيع أو شراء أو صدقة. البساطي: أو شهود قبالة باب، سواء كان الباب بسكة نافذة، أو لا، على خلاف في النافذة. وبقطع ما أضر من شجرة بجدار لجار، إن تجددت بعد الجار اتفاقًا، وإلا بأن كانت أقدم منه، وانتشر من أغصانها ما أضر به فقولان: الأول: لمطرف يقطع المضرورة. قال جماعة: واستظهره صاحب البيان. والثاني: لا تقطع، لأنه قد علم أن هذا شأن الشجر، وصاحب الجدار حاز من حريمها، وأما أصلها القديم فقال مطرف: إذا كان على حال ما هو عليه اليوم من انبساطه لم يقطع. لا مانع ضوء وشمس وريح، فلا يقضى على الجار بمنع ذلك. وظاهره: ولو منع ذلك جملة، وهو نحو قول المدونة: ومن رفع بنيانه فسد على جاره كواه، وأظلمت عليه أبواب غرفه وكواها، ومنع الشمس أن تقع في حجرته أو منع الهواء أن يدخل له لم يمنع. وظاهره: كالمصنف وإن قصد ضرر جاره.

стр. 2555

وقول ابن نافع يمنع من رفعه ليضر دون منفعة محتمل الخلاف والتقييد (١). إلا أن يكون إنما رفعه ليمنع الشمس والريح لأندر، فيمنع من ذلك عند ابن القاسم ومن وافقه. ثم عطف على (مانع) بالجر، فقال: وعلو بناء مجاور لبناء جاره، فلا يمنع منه، وإن أشرف عليه، لكن يمنع من الضرر. وظاهره: ولو كان من علا بناؤه ذميا، وهو كذلك. ولا يمنع من صوت ككمد لدق القماش وقصار وحداد، وقول البساطي: (ومن ذلك صانع الآلآت المباحة عند تجربتها، ومعلم الأنعام عند الفعل، ومعلم الصبيان عند رفع أصواتهم، ومتخذ السمان والعصافير والحمام الهدار) فيه نظر. ولا يمنع ذو دار من إحداث باب بسكة نافذة، إن لم يقابل باب غيره اتفاقًا أو قابله عند ابن القاسم في المدونة خلافًا لسحنون. وظاهره: كانت السكة واسعة أو لا، وهو كذلك، خلافًا لابن وهب. ولا يمنع من له جانب واحد من إحداث روشن، وهو جناح يخرجه رب الدار سكة نافذة، ويبني عليه ما ينتفع به، إذا رفعه عن رؤوس المارة

стр. 2556

رفعا بينا، ولو تنازع الجاران المتحاذيان فيه قسم هواه بينهما. ولا يمنع من ساباط لمن له الجانبان من دارين بينهما طريق أن يجعل عليهما خشبا، ويقطهما، وينتفع به، إن كان بسكة نفذت. ابن شعبان: بشرط أن يرفعه عن رؤوس الركبان رفعا بينًا. ومثله لابن رشد. وإلا بأن لم تكن السكة نافذة بل منسدة الأسفل فكالملك لجميعهم، فلا يجوز لأحد من سكانها إحداث روشن أو ساباط إلا بإذن الجميع. تنبيه: إنما قال: (كالملك) لأنها ليست ملكا تاما لهم؛ إذ لو كانت ملكا تاما لهم لكان لهم تحجيرها بغلق. فائدة: قال في الذخيرة: هواء الوقف وقف، [وهواء الطلق طلق]، وهواء الموات موات، وهواء المملوك مملوك؛ إذ حكم الأهواء حكم ما تحتها. إلا بابا أن نكب، أي: حرف عن باب جاره، بحيث لا يشرف منه على ما في داره، فيجوز فتحه في السكة غير النافذة عند ابن القاسم ومن وافقه. وإلا صعود نخلة أو شجرة في دار لجني ثمرها، أو لإصلاحهما، فيجوز. ويحتمل جر (صعود) عطفا على (مانع). وأنذر صاحب النخلة جاره بطلوعه عند طلوعه، إذا كان يشرف عليه منها، وإتيانه بالفعل يدل على وجوبه.

стр. 2557

وندب عند مالك، وهو المشهور للجار إعارة جداره لغرز خشبة فيه لاستناد إليه، أو وضع سقف عليه؛ لخبر الموطأ والصحيحين: "لا يمنع أحدكم أن يغرز خشبة في جداره" (١)، يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين، واللَّه لأرمين بها بين أكتافكم. يروي بالتاء المثناة وبالنون، وروي خشبة على الجمع والإفراد. ويلحق بالندب في إعارة الجدار إرفاق بماء، وفتح باب في جواره أو طريق وشبهه، مما يتوقف على إذنه، ولا يضر به. وله أي: المالك أن يرجع فيما أعار، سواء أطال الزمان أو قصر، عاش أو مات، باع أو ورث، احتاج لجداره أو لا. وإذا رجع فقال فيها -أي: المدونة- في كتاب العارية: إن دفع للمعار ما أنفق، وفيها في باب آخر بعده، أو قيمته، لكن هذا إنما وقع فيها في إعارة العرصة للبناء، لا في الجدار. وفي موافقته أي: الموضع الثاني للأول بأن يحمل معنى ما أنفق على ما إذا اشترى ما عمر به، وقيمته إذا كان عنده، وقبل ما أنفق إذا رجع بالقرب، وعلى هذا حملها بعضهم، ومخالفته أي: الثاني للأول، بأن يحمل على ما إذا لم يكن فيه تغابن، وقيمته إن كان، وحملها عليه بعضهم تردد. والتأويلات الثلاثة ذكرها صاحب النكت، لكن جرت عادة المؤلف في التعبير عن مثل هذا بالتردد. * * *

стр. 2558

فصل ذكر فيه المزارعة وهي: عقد على علاج الزرع، وما يحتاج إليه، وعقبها للشركة لمناسبة بينهما، وخرج مسلم ﵁ ورحمه عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مسلم يغرس غرسًا، ولا يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء، إلا كانت صدقة" (١). لكلٍّ فسخ المزارعة؛ إذ هي عقد جائز القدوم عليه، ولكل الرجوع عنه إن لم يبذر، فإن بذر لزم إلحاقا له بالشركة. ابن رشد: والجواز هو معنى قول ابن القاسم في المدونة. وقيل: لازمة بالعقد تغليبا للإجارة. والبذر: بذال معجمة. وصحت بشروط، أشار لأحدهما بقوله: إن سلما من كراء الأرض بممنوع، ككرائها بطعام مطلقا: أنبتته أو لا، وببعض ما تنبته من غيره، كقطن أو كتان: زريعتهما أو شعرهما، وأما ما ليس بممنوع كذهب أو فضة أو عرض أو حيوان فجائز. تنبيه: عدل كابن الحاجب عن قول أهل المذهب: إن سلما من كراء الأرض بما يخرج منها، لقصوره، فإن عبارته تشمل ما يخرج منها وما لا يخرج من الطعام كالعسل والسمن ونحوهما، وإنما اكتفوا بتلك العبارة لأن ما لا يخرج منها لا مدخل له في المزارعة.

стр. 2559

تنكيت: في قوله: (إن سلما من كراء الأرض بممنوع) إجمال، حيث لم يبين الممنوع من غيره، ولعله اعتمد على شهرة ذلك. وأشار للشرط الثاني بقوله: وقابلها -أي الأرض- مساو لها من عمل وبقر عند مالك وأصحابه. سحنون: هو صواب. فالمساواة شرط، وعدمها مانع، وكثيرا ما يطلق الفقهاء الشرط على عدم المانع. ومفهوم ذلك: إن لم يتساويا (١) المنع، إن كان العمل أكثر من كرائه، وهو كذلك. وأشار للشرط الثالث بقوله: وتساويا (٢) أي: العاقدان في قدر المخرج أو قيمته، فإن أخرج أحدهما الأرض وثلث البذر، والزرع بينهما نصفان منعت. سحنون: كأنه أكرى سدس أرضه بسدس بذر صاحبه. إلا أن يكون عدم التساوي لتبرع بعد العقد، أي: اللازم بالبذر. وأشار للشرط الرابع بقوله: وخلط بذر إن كان، [وقد ينزل عدم الخلط منزلته، كأن يخرجا البذر معا، ويبذرانه بحيث لا يتميز بذر كل في ناحية كل. قال المصنف: وهو الجاري على قول مالك وابن القاسم. وإليه أشار بقوله: ] (٣) ولو بإخراجهما، وظاهره: وإن تميز بذر كل، يأن بذر كل في ناحية وهو كذلك.

стр. 2560

قال ابن الحاجب: فلو أخرجاه معًا وبذراه. فقيل: كالخلط. وقيل: إن علمت النواحي فلكل واحد نبت بذره، ويتراجعان في الأكرية والعمل. فإن لم ينبت بذر أحدهما وعلم، بأن كان كل في ناحية لم يحتسب به إن غر شريكه، فإن كان عالما أنه لا ينبت؛ وذلك لأن بعض البذر كحب الكتان، إذا شم رائحة الدخان لم ينبت، وعليه أي: القار لشريكه مثل نصف البذر النابت، والزرع لهما. ابن عبد السلام: وينبغي الرجوع على الغار بنصف قيمة العمل. قال المصنف: وينبغي أن يرجع عليه بنصف قيمة كراء الأرض التي غر فيها. وإلا بأن لم يغر فعلى كل منهما نصف بذر الآخر، فعلى صاحب غير النابت نصف النابت، والزرع بينهما في الصورتين. ثم شبه في الصحة مسائل أشار لإحداها بقوله: كأن تساويا في الجميع: أرضًا وعملًا وبقرًا، وجوز الشارح كون التشبيه راجعًا للتي قبلها، أي: في كون الزرع بينهما. وأشار لثانيهما بقوله: أو قابل بذر أحدهما عمل من عند الآخر، والأرض بينهما بملك أو كراء. ولثالثتها بقوله: أو قابل أحدهما من عند شريكه الآخر أرضه، وبذره، أو قابل عمله وبعض بذره أرض شريكه، ومن البذر بعضه. وأشار لشرط الصحة في هذه بقوله: إن لم ينقض مما للعامل عن نسبة بذره، كأن يكون عليه العمل وثلث البذر، وعلى الآخر الأرض وثلث البذر، وللعامل ثلث الزرع، فأما إن نقص عن نسبة بذره بأن أخرج مع عمله ثلثي البذر، وأخرج صاحب الأرض ثلث البذر على أن الزرع لهما
следующие страницы →