وظاهر كلام المصنف كابن الحاجب: جواز دخوله الصلاة به مع علمه به، وفي المدونة: "يؤمر بغسله ما لم يره في الصلاة"، وتعقب هو به قول ابن الحاجب، ثم ارتكبه (١).
وعفي عما دون درهم من قيح وصديد، وتقدم تفسيرهما، وما ذكره هو المشهور، ونص عليهما، وإن كان أصلهما دم؛ لأنهما أقذر، فربما يتوهم عدم العفو عنهما.
وعفي عن بول فرس لغاز قليلًا كان البول أو كثيرًا، أصاب ثوبه أو بدنه بأرض حرب قيدها بأرض الحرب تبعًا لابن شاس، وقيد في توضيحه قول ابن الحاجب: (وبول الفرس للغازي) بما إذا لم يمسكه له غيره، تبعًا لما في المدونة، وترك هذا القيد هنا.
وأشعر قوله: (بول) بعد العفو عن الأرواث، وتقييد البساطي الثوب بكونه أصابه حال لبسه واضح.
وفهم من قوله: (فرس) أن البغل والحمار ليسا كذلك، وقال البساطي: مقتضى الرواية أنهما كذلك، إلا أن يقال: لا يلزم من العفو عن الأخف العفو عن الأشد.
وفهم من قوله: (غاز): عدم العفو عما يصيب ثوب المتمعش من ذلك في سفره بالدواب، ونص بعض الشيوخ على العفو عنه.
стр. 247
وعفي عن أثر ذباب من عذرة رجل عليها، ثم نزل على الثوب أو الجسد، وعن أثره من بول أولى؛ لأنه أخف، ومراعاة للقول بالعفو عما تطاير منه كرؤوس الإبر؛ ففي الاقتصار على العذرة تنبيه بالشد على الأخف، وبهذا التقرير يندفع قول البساطي: (لا نعلم لتخصيص العذرة معنى، مع ورود العفو عن أثره في الرواية عنها وعن البول).
وعن أثر دم موضع حجامة بين شرطاتها، إذا مُسِحَ الدم، وكذا عن أثر الفصد، ولا يلزم غسل الأثر إذا أراد الصلاة.
وقوله: (مسح): جملة محلها النصب على الحال من موضع؛ لأنه أضيف.
فإذا برئ الشرط غسل محله مع ما مسح وجوبًا مع الذكر والقدرة، أو على السنة؛ لأنه إذا اكتفى بمسحه مع أنه لا يزيل النجاسة مخافة الضرر، وإذا انتفت العلة انتفى المعلول، وما قررناه به هو نحو قول ابن شاس: والغسل على ما تقدم من الخلاف في إزالة النجاسة. . انتهى.
وفي قصر بعض الشراح كلام المصنف على الوجوب نظر، وقد يبحث في هذا الكلام بما تقدم من العفو عما دون الدرهم من الدم.
وبرئ: بكسر الراء مهموز في المرض والدين، يقال: برئ من المرض برءًا، ومن الدين براءة، وأهل الحجاز يفتحون الراء في المرض، يقولون: برأ من المرض.
وإلا بأن صلى ولم يغسل أعاد في الوقت، قاله في المدونة، وأوِّل ما فيها بالنسيان، وهو تأويل أبي محمد وابن يونس، وأن العامد يعيد أبدًا، وفسرها أبو عمران بالإطلاق، فيعيد في الوقت ناسيًا أو عامدًا؛ ليسارة الدم، ومراعاة لمن يقول: لا يؤمر بغسله.
وعفي عن كطين مطر بطريق يصيب الثوب أو الخف أو الرجل، إن لم يختلط به شيء من النجاسة، بل وإن اختلطت العذرة أو غيرها من سائر النجاسات بالمصيب من الطين يقينًا، ولم تكن غالبة عليه، لا إن غلبت
стр. 248
عذرة أو غيرها من النجاسة، فلا يعفى حينئذ عما أصاب منه، وإنما خص العذرة بالذكر للعلم بأن الأشد في جانب العفو يعلم منه غيره أولى.
وظاهرها، أي: المدونة العفو مع غلبة النجاسة؛ لقولها: لا بأس بطين المطر وماء الرش والمستنقع وفيه العذرة والبول والروث، وما زالت الطرق كذلك، وهو يصلون به.
وقال ابن أبي زيد: لا عفو.
ابن بشير: يحتمل التفسير والخلاف، وأن العفو ولو غلبت، لكن فيها إذا تساوت الطرق بوجود ذلك فيها، بحيث لا يمكن انفكاكه، وذكره في توضيحه، وأهمله هنا.
ولا عفو إن أصاب عينها القائمة غير المختلطة بولًا أو غيره، وأخر ذلك عن قوله: (وظاهرها العفو)؛ لئلا يتوهم عوده لها، فيخالف ما في توضيحه، ويبعد وجود الخلاف في ذلك (١).
стр. 249
تنبيه:
تلخص من كلامه أربعـ[ـة] (١) صور: اثنتان من مفهوم قوله:
стр. 250
(اختلطت)، وهما: إذا شك في وجودها وعدمها، أو ترجح احتمال وجودها، والعفو فيهما أولى على ما في المدونة اعتبار بالأصل، وقال ابن أبي زيد: يغسل في الثانية، اعتبارًا بالغالب.
واثنتان لا عفو فيهما، وهما: إذا غلبت، أو كانت قائمة، وأدخل الكاف على (طين) ليشمل ماء الرش والمستنقع في الطرق، ولو أدخلها على (مطر) كما قال البساطي لكان أولى.
وظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق بين ورود المطر على النجاسة أو عكسه، وخص بعضهم هذا الحكم بورود المطر على النجاسة.
وعفي عن ذيل امرأة مطال للستر، أي: لأجله، كما جاء في السنة (١).
وعفي عن رجل بلت يمران، أي: الذيل والرجل بنجس يابس يطهران بما يمران عليه بعده من موضع طاهر، وهذا هو المشهور، ومقابله: أن النجس الرطب كاليابس.
تنبيه:
لم يقع في الرواية تقييد الرجل بالمرور بشيء طاهر بعده في قول مالك في العتبية للسائل عمن توضأ ومشى على موضع قذر جاف: لا بأس به.
وقيدها ابن اللباد، وتبعه المؤلف، ومسألة الرِّجل مخرجة على مسألة الذيل، كما قال في الذخيرة.
ولم يذكر المؤلف تقييد المازري بأن محل ذلك ما لم تستقر الرجل على الموضع النجس، بحيث ينحل منه ما يضر، وربما أشعر بهذا التقييد قوله: (يمران).
стр. 251
وأشار البساطي لذلك بقوله: (وكأن هذا القيد مأخوذ من قوله في الرواية: مشى).
وعفي عن خف ونعل من أثر مما يصيبهما من روث دواب: خيل، وبغال، وحمير، أو بولها؛ لمشقة الاحتراز عنها في حق الماشي في الطرقات، أو للخلاف في نجاستها.
ومحل العفو: إن دلكا على المشهور، وإليه رجع مالك لعمل أهل المدينة، فإن لم يدلكا فلا عفو.
وظاهر كلامه: أنه لا فرق بين الأمصار وغيرها، ولا موضع كثرة الدواب، أو قلتها، وهو كذلك، خلافًا لسحنون في تخصيص العفو بالأمصار، وموضع كثير البغال، وجعله في توضيحه تنبيهًا على كلام ابن الحاجب، وأهمله هنا.
تكميل:
في الذخيرة عن الطراز: شرط الدلك لا يبقى بعده شيء يخرجه المسح، بل لا بد من الإنقاء، كـ: حجر الاستجمار، ولا يفهم هذا من كلام المؤلف.
لا غيره، أفرد الضمير لعطفه بأو، أي: لا غير روث وبول ما ذكر كالدم والعذرة ونحوهما، فلا عفو.
وفي أكثر النسخ: (وبولها) بالواو، وعليها فإفراد الضمير مع عدم العطف بأو شاذ.
وقال الشارح: (لا غير، أي: غير المذكور)؛ لأن المذكور في نسخته: (وبولها) بالواو.
وحيث لا عفو فلا بد من الغسل؛ ولذا قال فيخلعه، أي: الخف الماسح، الذي أصابه ما لا يعفى عنه كالدم ونحوه، إذا كان لا ماء معه وجوبًا، وإن كان متطهرًا بالماء، ويتيمم، فينتقل من الطهارة المائية للترابية عند مالك؛ لأن الوضوء له بدل، ولا بدل لغسل النجاسة.
стр. 252
تنبيه:
في إطلاق اسم الفاعل على الماسح تجوز؛ إذ الحكم لا يخصه، بل المراد من حكمه المسح، وإن لم يمسح البتة (١).
واختار اللخمي من عند نفسه إلحاق رِجْل الفقير العاجز عن خف ونعل بخف الغني ونعله في العفو عن الغسل، ويكتفي بالدلك إذا أصابه ما ذكر؛ لوجود العلة فيه دون الغني، فلا يكفي الدلك لرجله، ولا بد من الغسل.
وفي العفو عن رجل غيره، وهو الغني يصيبها ما ذكر وعدم العفو ووجوب الغسل للمتأخرين قولان؛ الأول: للتونسي، والثاني: للباجي، وعادة المصنف في هذا أن يذكر التردد.
وعفي عن واقع من سقف ونحوه على مار مثلًا، ولا يكلف السؤال عنه، وإن سأل وأجيب صدق المسلم فيما يخبره به من طهارة أو نجاسة (٢)، ومفهوم (مار) مفهوم موافقة، ومفهوم (مسلم): أن الكافر لا يصدق، وإن أخبره بالطهارة.
стр. 253
تنكيت:
معارضة البساطي لهذه المسألة بقول المصنف فيما سبق: (وقبل خبر الواحد) إِنْ بَيَّنَ وجهًا أو اتفقا مذهبًا، ترد بتقييد هذه بتلك.
وعفي عن كسيف صقيل دخل في الكاف ما شبهه في الصقالة من الحديد والجواهر؛ لأجل إفساده، أي: الصقيل بالغسل مما يصيبه من دم مباح، كـ: لطخه فيه من جهاد أو قصاص أو صيد مأذون فيه، وخص الدم دون غيره من النجاسة؛ للعفو عن يسيره.
تنبيه:
في التوضيح تبعًا لابن عبد السلام: أكثر نقل المتقدمين في السيف إنما هو في الدم، فيحتمل القصر عليه؛ لأنه الغالب من النجاسة الواصلة للسيف، ويحتمل عدم القصر عليه.
стр. 254
وظاهر كلامه: العفو ولو لم يمسح، وهو كذلك عند مالك وابن القاسم، وعن مالك: لا عفو إلا بعد مسحه.
وخرج بـ (الصقيل) غيره، فيجب غسله، وبـ (السيف): الثوب الصقيل والجسد، وبـ (الدم المباح): دم العدوان.
وعفي عن أثر دمل حصل منه دم أو قيح، وأصاب الثوب أو الجسد، وهو: بدال مهملة، وتشديد ميمه، وتُخفف، وهذا إن لم يُنْكَ، أي: يفتح، فإن فتح لم يعف عن أثره، ووجب الغسل؛ لإدخاله النجاسة على نفسه، كذا فسره البساطي.
وقال الشارح: إن لم يعصر.
وهو بعض من تفسير البساطي، فتأمله، ولو قال: (كدمل)؛ ليدخل الجرح بمصل، لكان أحسن.
قوله: (دمل) يحتمل الواحدة، وأن المتعددة كالجرب يعفى؛ للاضطرار لنكئها، كما قال ابن عبد السلام (١)، ويحتمل الإطلاق، وهل دمله كدمل غيره؟ قولان.
стр. 255
وندب غسل أثره إن لم يفتح إن تفاحش؛ لأن التفاحش لا يكاد يتكرر، ثم شبه في العفو واستحباب الغسل عند التفاحش، فقال: كدم البراغيث، أي: خرئها، قاله الجزولي (١).
وعليه فدمها حقيقي كغيره من الدماء، وخص البراغيث لعسر التحرز عنها، وقيل بوجوب غسله إن تفاحش، وهو ظاهر المدونة والرسالة، وحملتا على الاستحباب، والتشبيه به في القليل والكثير؛ فلا يندب غسل القليل.
стр. 256
ويندب غسل الكثير في كل حال، إلا في الصلاة، ولهذا استثنى من هذه ومسألة الدماميل، قال: إلا أن يطلع على تفاحشه في صلاة، فلا يستحب غسله في هذه الحالة؛ لوجوب التمادي.
وجرت عادة الشيوخ هنا بنقل نظائر، وقد ذكرناها في الكبير، فانظره فيه منثورة ومنظومة.
[كيفية تطهير المحل النجس: ]
ولما ذكر بعض المعفوات، وعلم أنه لا بد من تطهير غيرها بالماء، تكلم على كيفية التطهير بقوله: ويطهر محل الشيء النجس -أي: المتنجس (١) - بلا نية على الأصح؛ لأن المتروك لا يحتاج لنية، والباء: للمصاحبة (٢)، ويحتمل أن يتعلق بـ (يطهر)، بغسله، ويغسل وجوبًا إن عرف محله بعينه يقينًا، وإلا يعرف بعينه وشك في محله، فبجميع المشكوك فيه اتفاقًا، ولا يجزئه التحري.
وظاهره: غسل جميعه، ولو قسم الثوب، وانظر: هل ظن موضعها كعلمها، أو كالشك، ولهذه المسألة نظائر، انظرها في الكبير.
كَكُمَّيْه يصيب أحدهما نجاسة ولم يعرفه بعينه، فيجب غسلهما على الأصح، وأطلق هنا، وقيده في توضيحه (٣) بما إذا لم يضق الوقت، ووجد من الماء ما يعمه، وإلا تحرى محلها كالثوبين.
ابن العربي: لو أفردهما جاز التحري.
стр. 257
بخلاف ما إذا أصابت النجاسة أحد ثوبيه، ولم يعرف عينه فيتحرى، أي: يجتهد في تمييز الطاهر منهما ليصلي فيه من النجس ليغسله.
وظاهر كلامه: عدم اشتراط الضرورة، واشترط سند في التحري الضرورة، بحيث لا يجد ما يغسل به أحد الثوبين بطهور، لا بكل مائع قلاع، كـ: الخل وماء الورد على المشهور.
بهرام: هو متعلق بـ (يطهر).
البساطي: بـ (غسله).
ثم نعت الطهور بقوله: منفصل، أي: عن المغسول كذلك، أي: طهورًا عن صفته، غير متغير؛ فلو انفصل غير طهور لم يطهر المحل.
تنبيه:
لم يذكر المصنف هذا الوصف عند قوله: (يرفع الحدث وحكم الخبث بالمطلق)، وذكره هنا، وبهذا يندفع دعوى التكرار.
وإذا انفصل الماء المطهر عن الشيء المغسول طهورًا بسبب زوال طعم النجاسة عنه طهور، ولا يلزم عصره مع زوال طعمه، أي: النجس؛ لأن الماء الباقي جزء المنفصل قبل انفصاله.
ومفهومه: لو بقي طعم النجس لم يطهر، ولزم عصره، وإن عسر زواله؛ لأن بقاء الطعم دليل على تمكن النجاسة من المحل وكثرة الباقي، فلا بد من الإزالة وإن عسرت.
لا إن بقي لون وريح عسرا، فلا يلزم زوالهما لعسره، ويعفى عنهما كما يعفى عن ريح الاستنجاء يبقى في اليد والمحل إن عسرا، فإن لم يعسرا أُزيلا، ولزمه العصر، فهو مخرج من المفهوم، وهو: فإن بقي طعمه لزم عصره وإن عسر زواله.
وقول البساطي: (قوله: "زوال طعمه" متعلق بـ "يطهر"، أي: يطهر بكذا مع زوال طعمه، وقوله: "لون وريح عسرا" معطوف على "زوال"،
стр. 258
أي: يطهر بقيد زوال طعمه، لا بقيد زوال لون وريح عسرا، وفيه دقة، يبعد أن يقصده المؤلف) (١)، وقد يقال: إن المؤلف يقصد غيره، وهو كما قررناه، ولا شك أن المؤلف أدق نظرًا، وأوسع باعًا من البساطي، فكيف يبعد عليه فهم ما فيه دقة؟ ! ، واللَّه الموفق.
[حكم الماء المزال به النجاسة: ]
والغسالة المنفصلة عن المتنجس المتغيرة لونًا أو طعمًا أو ريحًا نجسة كمغسولها، وغير المتغيرة طاهرة كمغسولها، لا يقال هذا مستغنى عنه بمفهوم قوله: (بطهور منفصل كذلك)؛ لأن كلامه هناك في بيان حكم المغسول فقط، وكلامه هنا في حكم الغسالة.
ويحتمل أن يريد بهذه المسألة غسالة ما عسر لونه أو ريحه؛ لأنه ربما يتوهم أنه من العفو عن المغسول العفو عن غسالته؛ فذكر ذلك دفعًا لهذا التوهم، وأحرى الغسالة في المسألة السابقة، واللَّه أعلم.
فرع:
قال ابن عرفة: التزم بعض من لقيناه لو غسلت قطرة بول في بعض جسد أو ثوب وشاعت غسالتها غير متغيرة في سائره لم تنفصل عنه كان طاهرًا.
[حكم زوال عين النجاسة بغير المطلق: ]
ولو زال عين النجاسة بغير الماء المطلق كالمضاف، وبقي حكمها لم يتنجس من بلل ذلك المغسول ملاقي محلها؛ إذ هو معنى لا ينتقل، قاله ابن أبي زيد، وعليه الأكثر.
والنجاسة المتحققة إن شك في إصابتها الثوب وجب نضحه، وظاهر
стр. 259
كلام المصنف أنه لا فرق بين كون الثوب غير مصبوغ يظهر فيه أثر النجاسة، كثوب الحائض الأبيض، أو مصبوغًا، وفرق في الجلاب فقال: ينضح المصبوغ دون غيره، وبه قيد المؤلف قول ابن الحاجب: (فإن شك في إصابتها نضح)، وأطلق هنا.
تنبيه:
حكمه بوجوب النضح يحتمل أنه لو تركه وغسل أجزأه، وهو كذلك، وخرج عدم الإجزاء على من ترك مسح رأسه وغسله.
وإن ترك النضح من وجب عليه مع الذكر والقدرة، وصلى في ثوب بغير نضح أعاد الصلاة أبدًا، قاله ابن القاسم وسحنون، ومع العجز والنسيان والجهل في الوقت (١).
ثم شبه في الحكم الثاني، فقال: كالغسل، أي: كتاركه مع تحقق النجاسة، فيفعل فيه كالنضح، فيعيد أبدًا إن تركه عمدًا مع القدرة، وفي الوقت مع السهو والجهل والعجز.
[تفسير النضح: ]
ولما كان النضح بالحاء المهملة يطلق على الرش وعلى الغسل وعلى غيرهما فسره بقوله: وهو رش باليد على المشهور، لا بالفم، خلافًا لسحنون، ولا يغمر المحل بالماء، خلافًا للداودي (١).
تنكيت:
في تفسير المصنف النضح إجمال ينكشف بذكر طرق المسألة، ابن عرفة عن عيسى بن مسكين (٢) عن سحنون: رش ظاهر ما شك فيه وباطنه.
стр. 262
عياض: هذا فيما شك في ناحيتيه، وإلا فالتي شك في نيلها فقط.
القابسي: رش موضع الشك بيده رشة واحدة، وإن لم يعمه، وإن رشه بفيه أجزأه.
عياض: لعله بعد غسل فيه من بصاقه، وإلا كان مضافًا. انتهى.
بلا نية على ظاهر المذهب؛ لكونه إزالة نجاسة، وقيل بها تعبدًا؛ لشر النجاسة.
ثم أخرج من قوله: (وإن شك) قوله: لا إن تحقق الإصابة، وشك في نجاسة المصيب، فلا تصح على المشهور؛ لأن الأصل الطهارة، أو شك فيهما، أي: الإصابة والنجاسة، فلا تصح اتفاقًا، لأن الأصل عدمها.
واختلف هل الجسد في النضح كلالثوب فيما تقدم من مسائل الشك؛ لقول مالك في المدونة: والنضح من أمر الناس، وهو طهور لكل ما شك فيه.
وهو عام؛ لدخول الجسد في هذه الكلية، وصححه ابن الحاجب تبعًا لتشهير ابن شاس (١).
أو يجب غسله؛ لأنه لا يفسد، بخلاف الثوب، وجزم به ابن رشد، وهو أيضًا في المدونة؛ لقولها: يغسل أنثييه إن خشي إصابتهما المذي، وهو يقتضي استثناء الجسد من النضح في ذلك، خلاف في التشهير.
تنبيه:
سكوته عن البقعة مشعر بأنها لا تنضح، وهو كذلك.
[الاشتباه في الماء الطهور: ]
وإذا اشتبه -أي: التبس- على مريد الطهارة ماء طهور تغير بقراره أو بتراب طاهر بمتنجس، أو إناء ماء طهور بإناء ماء نجس، كبول موافق له في
стр. 263
أوصافه صلى مريد الطهارة في الصورتين بعدد أواني النجس، أو بعدد المتنجس، وزيادة إناء، وإذا كان معه ثلاثة أوان: أحدهما متنجس أو نجس، وإناءان طاهران توضأ باثنين، وصلى صلاتين، أو متنجسان وطاهر صلى ثلاثًا، وما ذكره من الحكم في الأولى هو المشهور، ولم يعتبر تصحيح ابن العربي في القول فيهما بالتحري، كمشهور اشتباه الثياب.
تنكيت:
قولُ بهرام في الصورة الثانية من كلام المصنف: (لا نص فيها، إلا أن عبد الوهاب (١) خرجها على الأولى، فدرج عليه المصنف)، واعتراض البساطي بأن المصنف لو عمم أولى، وسلم من قوله: (وزيادة إناء) دخل في كلامه الآنية والثياب التي هذا الحكم منصوص فيها، لكان أولى: غير ظاهر؛ لأن هذا وإن نص عليه في الثياب، لكن الصحيح فيها التحري، وكذا اعتراضه على المصنف بأنه لو خصص فاقتصر على متنجس لسلم من انفراد الطرطوشي في إلحاق إناء بول وإناء ماء بما ذكر، يُرد بقول ابن عرفة: ابن العربي والطرطوشي عن المذهب اشتباه إناء بول كمتنجس (٢).
стр. 264
تتمة:
بقي على المصنف صورة ثالثة، وهي ما إذا اشتبه طهور بمائع طاهر كماء الورد مثلًا، فإنه يستعملهما معًا، ويصلي صلاة واحدة، قاله في توضيحه.
تنبيهان:
الأول: ظاهر كلامه أنه لا يغسل أعضاءه مما أصابه من الإناء الأول، وفي الجلاب (١) عن ابن مسلمة (٢): يغسل، وكأن المصنف يرى أن الغسلة الواحدة ترفع الحدث، وتزيل الخبث.
الثاني: ظاهره أيضًا أن الحكم كما تقدم وإن كثرت الأواني، ولابن
стр. 265
أبي زيد عن ابن مسلمة: يغسل، إلا أن تكثر المياه فلا يغتسل ثلاثين مرة، يريد لأنه حرج (١). . انتهى.
стр. 266
وانظر: هل يقيد كلامه هنا بذلك أو لا؟ وعلى تقييده: هل يعتبر الاجتهاد، أو ينتقل للتيمم.
[ولوغ الكلب في الإناء: ]
ثم تكلم ﵀ على مسألة ولوغ الكلب في الإناء، وأشار لخلاف يأتي فيها، فأشار لنفي القول بالوجوب بقوله: وندب غسل إناء ماء فقط عند ابن القاسم، خلافًا لقول مالك بعمومه في إناء الماء وغيره.
البرزلي: وهو مشهور مذهبه.
ولم يعتبر المؤلف هذا التشهير، أو لم يطلع عليه، وإلا لقال: خلاف، على عادته.
تنبيه:
ربما أشعر قوله غسله باشتراط ذلك، وفي الطراز: هل يشترط ذلك كالوضوء بجامع التعبد، أو يكفي إمرار الماء عليه؟ لا نص فيه.
وأشار لخلاف آخر بقوله: يراق، أي: الماء المولوغ فيه على الصحيح، وعبر عنه الشامل بالمشهور، وظاهر إطلاق المصنف ولو كثر.
وقال البساطي: لا يراق الكثير.
وأشعر قوله: (يراق) بأنه لا يغسل به الإناء.
стр. 267
وأشار لخلافية أخرى بقوله: لا إناء طعام، فلا يغسل ولا يراق طعامه؛ سلبًا للحكمين السابقين في إناء الماء بـ (لا) النافية، وفرق بجريان العادة لنيل الكلاب إناء الماء؛ لعدم الاعتناء به، بخلاف إناء الطعام للاحتفاظ بما فيه، وشهر في المعتمد وجوب غسل إناء الماء.
بهرام: وهو ظاهر المذهب.
ولا حوض: عطفًا على (طعام)، فلا يغسل ولا يراق ماؤه، وأشار لخلاف آخر بقوله: تعبدًا، وهو معمول المصدر، وهو المشهور، لا لنجاسته، ولا لقذارته، ولو كان معقول المعنى لكفى إزالة نجاسته.
تنبيه:
التعبد ما لم يطلع على حكمته غالبًا بخلاف معقولها.
وأشار لخلاف آخر بقوله سبعًا ببيان لعدد الغسل، فهو مفعول مطلق، والأكثر أنها تعبد، وأشار لخلاف آخر بقوله: بولوغ كلبٍ، وهو متعلق بقوله (غسل)، أي: بسببه، فلا غسل بإدخال يده ونحوهًا في الإناء، خلافًا للشافعي.
وأشار لخلاف آخر بقوله: مطلقًا، أي: أذن في اتخاذه أو نهي عنه؛ لعموم السبب.
وقيل: يختص بالمنهي عنه.
قال في الشامل: على الأصح، ولم يرجح في توضيحه واحدًا منهما.
стр. 268
وأشار لخلاف آخر بقوله: لا غيره، مِن كخنزير للتعبد، قال في التوضيح: على ظاهر المذهب.
وروي إلحاق الخنزير به، وشهره في المعتمد، ولم يعتمده هنا.
ابن رشد: وعلى الإلحاق لا يقتصر على الخنزير، بل كل مستعمل للنجاسة.
وأشار لخلاف آخر بقوله: عند قصد الاستعمال على المشهور، وعليه الأكثر، واختاره عبد الحق وسند؛ لما فيه مِن شائبة النجاسة.
وقيل: وقت الولوغ فورًا، وإن لم يقصد استعماله؛ لأنه تعبد.
بلا نية الذخيرة عن الباجي: لا تشترط، ويحتمل اشتراطها قياسًا على النضح، وعلى هذا فهو إشارة لخلاف تردد الباجي.
وأشار لخلاف آخر بقوله: ولا تتريب، بأن يجعل فى الأولى أو الأخيرة أو إحداهن تراب، خلافًا للشافعي في قوله بالترتيب.
وأشار لخلاف آخر بقوله: ولا يتعدد بولوغ كلب واحد في إناء مرتين فأكثر.
وأشار لخلاف آخر بقوله: أو بولوغ كلاب متعددة في إناء واحد قبل الغسل مِن الولوغ.
القرافي: لتداخل الأسباب كالأحداث.
وقيل: يتعدد فيهما لكل ولوغ.
* * *
стр. 269
فصل ذكر فيه أحكام الوضوء مِن فرائض وسنن وفضائل ومكروهات وممنوعات
[فرائض الوضوء: ]
وبدأ بالفرض، فقال: فرائض الوضوء سبعة أو ستة على ما ذكره، وزاد ابن رشد وغيره: الماء المطلق، ورد بأنه خارج عن الماهيّة، وإنما هو آلة يفعل به الوضوء وشرط فيه، وزاد ابن رشد الترتيب، ورد بأن المشهور سنيته، وهو جمع فرض (١)، وهو لغة: الحز، وتفتح واوه وتضم، قيل: مترادفان، وقيل: مختلفان، والفتح للماء، والضم للفعل، وقيل بالعكس، وعن الخليل (٢): الفتح فيهما، وحكي ضمهما، وهو شاذ.
стр. 270
فائدة:
هو مِن خصائص هذه الأمة، وخبر: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء مِن قبلي" (١)، غير صحيح (٢)، فإن سلمنا صحته فالخصوصية للأنبياء لا لأممهم؛ ففضيلة الغرة والتحجيل في المحشر لهذه الأمة دون غيرها.
الفرض الأول: غسل الوجه، واستغنى عن ذكره بتحديد عرضًا وطولًا، فقال: غسل ما بين الأذنين، سواء كان نقي الخد، أو ذا عذار على المشهور، وهذا عرضًا، وطولًا: مِن منابت شعر الرأس المعتاد وغايته منتهى الذقن، بفتح الذال المعجمة والقاف: مجمع اللحيين، بفتح اللام، وظاهره: أنه لا يغسل شيئًا من شعر الرأس.
ابن ناجي: وهو ظاهر الرسالة، وهو كذلك. انتهى.
وقال الجزولي: لا يتوصل لتعميم الوجه إلا بغسل بعض الرأس؛ لأنه مما لا يتم الواجب إلا به.
وأخرج بـ (المعتاد) الأغم والأقزع والأصلع، فيغسل الأغم ما على جبهته مِن الشعر، ولا يجب على الأقزع غسل النزعتين الخاليتين مِن الشعر على جنبتي الجبين ذاهبتين على جنبتي اليافوخ.
стр. 271
قال في الصحاح: اليافوخ هو الموضع الّذي يتحرك مِن رأس الطفل. انتهى.
ولا على الأصلع، وهو: من انحسر شعر رأسه المعتاد لأعلى منه، بل يمسح موضع الصّلع مع الرأس، وما تقدم في ذي الذقن الّذي لا لحية له.
[العمل في غسل اللحية: ]
وأشار لصاحبها بقوله: وغسل ظاهر اللِحية: بكسر اللّام وفتحها، وإن طالت على المشهور؛ لانتقال الفرض لظاهر الشعر، وهو الّذي تحصل به المواجهة الآن، وإن طالت.
قال الأبهري: لا يجب غسل ما طال، بل لمنتهى الذقن؛ لأن الفرض ما حذا المغسول مِن الوجه.
ومنشأ الخلاف: النظر للمبادئ وهو: أصلها فيجب، أو للمحاذي وهو: الصدر وغيره فلا يجب، ونظيرتها: شجرة أصلها بالحرم وغصنها بالحل، وعكسه، وعلى الأصل أو الغصن (١) صيد، فهل يصاد أم لا؟
وفهم مِن قوله: (ظاهر) أنه لا يجب غسل ما تحت ذقنه. ابن رشد: اتفاقًا.
[ما يدخل في حد الوجه: ]
ولما جرت العادة بالتنبيه على مواضع داخلة في حد الوجه؛ لخفائها على كثير مِن الناس ذكرها، فقال: فيغسل الوَترة: بفتح الواو والمثناة الفوقية، وهو: حجاب ما بين المنخرين، ويغسل أسارير جبهته، أي: خطوطها، جمع أسرار، واحده: سرر، فما ذكره هو جمع الجمع.
стр. 272
قال ابن الأثير (١) في النهاية: الأسارير: هي الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتنكسر، واحدها: سر وسرر، وجمعها: أسرار وأسرة، وجمع الجمع: أسارير. انتهى.
والجبهة: ما ارتفع على الحاجبين إلى مبدأ الرأس.
ويغسل ظاهر شفتيه، وكلما كان ظاهرًا تقع به المواجهة، لا داخل عينيه، بتخليل، أي: مصاحبًا لتخليل شعر خفيف مِن لحيته أو عذاره أو شاربه أو حاجبيه، ونحوها فيما تظهر البشرة تحته. ابن بشير، أي: عند التخاطب، والكثيفة ما لا يظهر منها ذلك انتهى بمعناه.
ولا يجب تخليل ما كثف مِن ذلك، ويؤخذ مِن قوله: (تظهر البشرة تحته) حكم ما إذا كان بعضه خفيفًا وبعضه كثيفًا، فإن لكل حكمه، وظاهره: أنه لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة والخنثى.
فائدة:
ذكر الزناتي (٢) إذا طلع للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة لم يجز لها حلق ذلك طلبًا للتجمل؛ لأنه تغيير لخلق اللَّه تعالى، ولكن تفعل في ذلك ما يجوز للرّجل أن يفعله بلحيته (٣).
стр. 273
تنكيت:
في قوله: (بتخليل) إجمال؛ للخلاف فيه، هل هو لداخل الشعر، كما قاله بعض شيوخ المازري، أو بلوغ الماء للبشرة كما حكاه المازري عن الحذاق (١).
[ما لا يغسل: ]
ثم نبّه على ما لايجب غسله، مخرجًا له مما سبق، فقال: لا جرحًا برئ، وبقي موضعه غائرًا، أو خُلِقَ غائرًا؛ لعدم مواجهته، أما لو ظهر موضعه لوجب.
قال في الطراز: تنبيه لم يقيد الاستغوار بالكثير كجماعة، وحكي ابن يونس وغيره التقييد به، واستصوب.
стр. 274
والفرض الثاني: غسل يديه بمرفقيه، أي: معهما، أو إليهما، والغاية داخلة في المغيا عند من جعلها غاية للمغسول؛ لأنه المذكور في الآية، واستعملت اليد في بعضها مجازًا كالسرقة، لا عند من جعلها غاية للمتروك؛ لأن اليد: اسم للعضو كله، والعامل: فعل مضمر، أي: اغسلوا، أو اتركوا مِن آباطكم إلى المرافق، ولا تدخل الغاية (١).
تذييل:
قوله: (يديه) بناءً على الغالب، فقد نقل عن عبد الحميد الصائغ (٢): لو نبت له ذراعان في ذراعه لوجب غسلهما، أو في عضده وامتدا للذراع
стр. 275
الأصلية لوجب غسلهما، وإلا فلا. قال: وفيه نظر (١).
وفي السليمانية في امرأة خلقت مِن سرتها لأسفل خلقة امرأة واحدة، ولفوق خلقة امرأتين: تغسل الوجهين فرضًا وسنة، وتمسح الرأسين، وتغسل الأيدي الأربع.
تنبيه:
يدخل في يديه غسل أصبع زائدة، ففي الطراز: هي مِن اليد، فيتناولها، وتدخل الأظفار وإن طالت.
الذخيرة: ولو ترك غسلها لخرج على الخلاف فيما طال مِن شعر الرأس واللحية. قال: وقد يفرق بأن الظفر مِن العضو، والشعر زيادة. وربما يشعر غسلهما بإزالة الأوساخ التي تحتها.
الجزولي: لم أر في ذلك نصًّا، إلا أنهم قالوا: تقليمها مِن الفطرة (٢)،
стр. 276
ولئلا يؤدي لاجتماع الأوساخ فتصير لمعة. انتهى.
ولابن رشد في مقدمة له: لا تجب إزالته، ورجز بها بعضهم، فقال:
ووسخ الأظفار إن تركته ... فما عليك حرج أو زلته
واجمع رؤوسها بوسط الكف ... واغسل فإن غسل ذاك يكفي
[ذهاب بعض أعضاء الوضوء: ]
ويجب غسل بقية معصم، الجوهري: هو موضع السوار مِن اليدين، إن قطع بعضه مِن دون المرفق، فحذف متعلق قطع، وكذا لو خلق ناقصًا، وإنما أتى بالشرط لأنه الغالب، وأطلقه المصنف وأراد به السَّاعد.
ومفهوم: (بقية معصم) أنه لو قطع جميعه مِن المرفق لسقط الغسل، وهو كذلك.
ككف خلق بمنكب بلا ساعد ولا عضد، فيجب غسله، وذكره فى السلمانية، بتخليل أصابعه، كذا عند الشارح بالباء، قائلًا: هي للمعية.
ابن راشد: وهو المشهور.
وعند البساطي: (وتخليل)، قال: وهو مرفوع، معطوف على (غسل)، ويحتمل النصب على المعية، ولم يختلف في أن تخليلهما مطلوب، وإنما الخلاف في وجوبه وندبه، وكلامه يقتضي الأول. انتهى.
فائدة:
صفته في أصابعهما مِن ظاهرهما؛ لأنه مِن الباطن: تشبيك، وهو مكروه، وأصابع: جمع أصبع، مونثة، وفيها عشر لغات جمعها قول الناظم:
تثليث بلا صبع مع شكل همزته ... مِن غير قيد مع الأصبوع قد كملا
стр. 277
[الوضوء بالخاتم: ]
لا إجالة خاتمه، أي: تحريكه، وفي الصحاح: الإجالة الإدارة انتهى، وهو معنى التحريك -واللَّه تعالى أعلم- فلا يجب، رواه ابن القاسم عن مالك؛ لقوة سريان الماء، وعقبه التخليل لمشابهته له ومشاركته، فيجوز رفعه ونصبه وجره.
وظاهره: عدم الإجالة ولو ضيقًا، وهو كذلك، وظاهره أيضًا: أنه لا فرق بين خاتم الذهب والفضة.
وفي الذخيرة: إن كان ذهبًا لم يعف عن غسل ما تحته في حق الرّجل؛ لتحريمه عليه، والحرمة تنافي الرخصة. انتهى. وقد يقال: إنما أطلق هُنا للعلم بذلك.
ونفض غيره: بالضاد المعجمة مبني للفاعل أو للمفعول، وضمير (غيره) للخاتم، أي: ونزع غير الخاتم مِن كل عضو مِن أعضاء الوضوء، ويحتمل أنه بالصاد المهملة، أي: ونقص غير المعصم، كنقص المعصم، وهو ظاهر تقرير الشارح، وفي كلام المصنف في هذه كلام يطول، انظره في الكبير.
والفرض الثالث: مسح ما على الجمجمة بالنصب على فعلية (على)، والجر على حرفيتها، وهو عظم الرأس المشتمل على الدماغ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وحدُّه: مِن الوجه منبت الشعر المعتاد إلى القفا على المشهور.
ابن شعبان (١): إلى منتهى منبت الشعر، وهو مِن الأذن.
стр. 278
الجزولي: ويمسح بعض وجهه؛ ليكمل مسح رأسه؛ لأن ما لا يتوصل للواجب إلا به فهو واجب.
بعظم صُدْغيه: بالصاد والسين ودال ساكنة وتضم، وهو: ما بين الأذن والعين.
والباء: بمعنى (مع) (١)، أي: يجب مسحها مع المسترخى مِن شعر الرأس عن محل الفرض، وقيل: لا يجب مسحه؛ نظرًا لمبادئه، أو لمحاذيه. الباجي: الصدغ: ما فوق العظم، يحلقه المحرم، وما دونه: العذار.
اللخمي: بياض ما فوق الأذن مِن الرّأس.
[الشعر المضفور للرجل والمرأة: ]
والشعر المضفور لا ينفض ضفره، بالضاد المعجمة الساقطة؛ لأجل مسحه، رجل أو امرأة، بل يمسحان على الضفائر، إن لم يكن حائل، أو حائل يسير.
وأما كثيف كخرق وحناء ونحوه مما يمنع وصول المسح إليه فيجب نقضه.
وأخْذُ ابن يونس جواز فتل الرّجل شعره مِن جواز مسحه عليه ظاهرٌ (٢)؛ إذ لو كان فتله ممنوعًا لم يرخص له مسحه، وهو كذلك، ففي
стр. 279
قول بعض مشايخي: (في الأخذ منه شيء؛ لجواز أن يكون ابن يونس إنما تكلم عليه بعد الوقوع) غير ظاهر.
ويدخلان يديهما تحته في ردّ المسح: مِن المؤخر للمقدم، إن بدآ به.
[غسل الرأس بدل مسحه: ]
وغسله بدل مسحه في وضوء الحدث الأصغر مجز عن مسحه على المشهور؛ لأنه مسح وزيادة (١).
стр. 280
وقوله: (مجز) مشعر بأن الأولى خلافه، وأما غسله بدلًا عنه في الجنابة فقال ابن الحاجب: يجزئ اتفاقًا (١).
والفرض الرابع: غسل رجليه بكعبيه، أي: معهما، فهما داخلان في الغسل على المشهور، ولكل رجل كعبان.
وأشار بقوله: الناتئين بمفصلي السّاقين؛ لإخراج الآخرين على المشهور، لنقل ابن الفرس والزناتي الإجماع على غسلهما فما فوقهما إلى الكعبين، خلافًا لابن بشير وابن شاس وابن الحاجب في نقلهم القول بانتهاء الغسل للكعب، الّذي في معقد الشراك، والباء: للظرفية، واستبعد جعلها للمعية، والمفصل: بفتح الميم وكسر الصاد، واحد مفاصل الأعضاء، الذخيرة عن بعض العلماء: ينبغي ختم اليدين والرجلين بالمرفقين والكعبين موافقة للغاية القرآنية تأدبًا.
تنبيه:
ما ذكره في الذخيرة عن بعضهم مخالف لقول ابن شعبان: إن السنة في غسل الأعضاء أن يبدأ مِن أولها، فإن بدأ مِن أسفلها أجزاه، وبئس ما فعل، فإن كان عالمًا ليم على ذلك، وإن كان جاهلًا عُلّم. انتهى.
[تخليل أصابعهما: ]
وندب تخليل أصابعهما، وفي الذخيرة: ظاهر المذهب: الوجوب،
стр. 281
ورجحه اللخمي وابن بزيزة (١) وابن عَبْد السَّلامِ، وكان ينبغي للمصنف أن يذكره خلافًا على عادته، أو يشير لترجيحه.
فائدة:
وصفته: أن يبدأ بخنصره اليمنى؛ لأنه يمنى أصابعها، ويختم بإبهامها، ويبدأ بإبهام اليسرى؛ لأنه يمنى أصابعها، ويختم بخنصرها، قاله في الذخيرة، والفرق بين أصابعهما وأصابع اليدين بوجوه: أحدها: انفراج أصابع اليدين دونهما، وانظر بقيتها في الكبير.
[حكم قص أو حلق ما غسل أو مسح: ]
ولا يعيد غسل موضع الظفر والشعر مِن قلم ظفره أو حلق رأسه بعد وضوئه؛ لارتفاع الحدث أولًا، ولم يحصل ناقض، وفرق في الطراز بين هذه وبين مسح الخف؛ لأن ماسح الرأس مقصوده الرأس، بخلاف الخف؛ فإنه المقصود، وكذلك الجبيرة.
وفي وجوب إعادة الغسل في حلق لِحيتِه قولان؛ لأن المغسول زال، وموضع الحلق غير مغسول، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة (٢) والشارقي،
стр. 282
وعليه لو بادر وغسل أجزأ، وإن أخر جَرَى على الموالاة وعدم إعادته؛ لأن الحدث ارتفع، ولا يعيده إلا أسبابه، وهو كمذهب المدوّنة، وذكره لهذه المسائل الثلاث إشارة لاختلاف أحكامها، وهو:
- الجواز في الأولى، ومثله في القشرة في اليد، كما ذكره ابن فرحون في الدرر.
стр. 283
- والكراهة في الثانية لغير المعمم دون المعمم على المشهور، قاله يوسف بن عمر.
- والمنع في الثالثة اتفاقًا.
والفرض الخامس: الدلك في الغسول على المشهور، وهو: إمرار اليد على العضو عند غسله، ولو علم وصول الماء إليه.
الباجي: شرط الغسل إمرار اليد على العضو قبل ذهاب الماء عنه؛ لأنه بعده مسح. . انتهى.
ويأتي في باب الغسل التنبيه على خلاف ابن أبي زيد والقابسي.
والفرض السادس: الموالاة على أحد المشهورين، وأشار له بقوله: وهل الموالاة، وهي: فعله في فور واحد مِن غير تفريق كثير بين أجزائه؛ لأن اليسير مغتفر اتفاقًا عند عبد الوهاب، واجبة إن ذكر وقدر على ما شهره غير واحد مِن الشيوخ، وإن فرق مع أحدهما بنى على ما تقدم بنية إن نسي مطلقًا، طال أو لم يطل، وإن بنى بغير نية لم يجزئه.
واستثنوا مِن العذر من فرق ناسيًا فأمر أن يبني على فعله الأول فنسي ثانيًا، يبتدئ وضوءه، ولا يعذر بنسيانه ثانيًا.
وإن عجز عن موالاته لعجز مائه مثلًا عن إتمام وضوئه مع الذكر ما لم يطل فصله، وإن طال ابتدأ الوضوء به.
[المعتبر في الطول: ]
والطول معتبر بجفاف الأعضاء بزمِن اعتدلا: الأعضاء والزمان، قاله عياض، وهو المشهور، وعلى المشهور لا يعتبر ذلك بأعضاء شيخ في شتاء، ولا شاب في صيف؛ لبطء الجفاف مع الأولين، وسرعته مع الآخرين.
أو هي -أي: الموالاة- سنة، فسنة: خبر مبتدأ محذوف؛ لأن الأصل عدم الوجوب، وشهره ابن رشد، فإن فرق ذاكرًا قادرًا جرى على الخلاف
стр. 284
في تارك السنن متعمدًا في ذلك؟ خلاف، واختار المصنف هذه العبارة دون الفور لقول ابن عَبْد السَّلامِ انعقد لاقتضائها الفورية بين الأعضاء خاصة مِن غير تعرض للعضو الأول، وتلك تعطي وجوب فعل الوضوء أول الوقت، وهذه إحدى المسائل الواجبة مع الذكر والقدرة الساقطة مع العجز والنسيان (١)، وإزالة النجاسة، والتسمية عند الذكاة، وترك طواف القدوم،