ماله إذا أقرا لأهل وهو القائل أو ما في معناه كحمل ومسجد وقنطرة مثلًا، وخرج به إقراره لحجر مثلًا بكذا أو الفرس، لم يكذبه المقر له فهو صفة لأهل أي غير مكذب فضميره المرفوع لأهل والمنصوب إذ لا يصح دخول مال الغير في ملك أحد جبرا، إلا في الميراث.
تتمة:
لو أن المقر لإقراره بعد تكذيب المقر له فله ذلك ثم لا رجوع للمقر له إلا أن يعود المقر للإقرار فللمقر له حينئذ التصديق.
ولم يتهم في إقراره هو صفة أيضًا لأهل فلا يقبل إقراره لبينته مع ابن عمه الوارث معها بخلاف العكس كالعبد غير المأذون يؤاخذ بإقراره في غير المال، كجرح أو قتل عمد مما فيه القصاص أو الحد كالسرقة بالنشبة القطع لا الغرم.
стр. 2592
ونبه بقوله: (في غير المال) على أن هذه الأمور اعتبارية شرعية، يعني أن الشرع حجر على العبد بالنسبة للمال، فلا يقبل تصرفه فيه، ولم يحجر عليه بالنسبة إلى نفسه في قتل أو جرح وما أشبه ذلك، فيؤاخذ به وقد يجمع الأمران فيؤاخذ ببعض دون بعض كالسرقة يقطع ولا يغرم.
تنبيه:
إنما لم يقيد العبد بغير المأذون له لأن قوله بلا حجر مغن عنه.
وبهذا يندفع قول الشارح ينبغي أن يقيد كلام المؤلف بغير المأذون.
وأخرس بالجر عطف على عبد، فيؤاخذ بإقراره بما يفهم عنه من إشارة ونحوها؛ إذ هو صفة إقراره، ودفع به توهم عدم مؤاخذة بذلك.
وإقرار مريض يؤاخذ به إن ورثه ولد أو ابن ابن إذا أقر لأبعد، أي: لوارث أبعد منه سواء استغرق الولد المال كابن أولا وأقر بعصبة مثلًا، وسيأتي حكم إقراره للمساوي والأقرب والمتوسط.
أو إقرار مريض لملاطف أجنبي، فيؤخذ بإقراره له ولأجنبي غير ملاطف يؤاخذ به اتفاقا.
تذييل:
إن لم يوجد تصدق به تعد تعريفه كاللقطة.
أو أقر لمن لم يرثه من أقاربه أصلا كالخال أو أجنبيا (١) من الابن فيؤاخذ به.
стр. 2593
تنكيت:
تمثيل البساطي بقوله: (أو حجب لكنه قرابة) غير ظاهر مع قول المصنف قبله: (إن ورثه ولد لأبعد).
أو أقر لمجهول حاله هل قريب وارث أو قريب غير وارث أو أجنبي فيؤاخذ به كما قال ابن رشد وأنظر حكم ما إذا وجد هذا المجهول وما إذا لم يوجد في الكبير.
تنبيه:
الشرط في قول المصنف أولا إن ورثه ولد قيد في الملاطف وغير الوارث والمجهول لا في الإقرار لوارث فقط وتلخص من كلامه إن إقرار المريض لغير زوج على خمسة أقسام لوارث لقريب غير وارث لملاطف لأجنبي لمجهول.
ولما ذكر حكم إقرار المريض غير الزوج ذكر حكم إقرار الزوج فقال:
стр. 2594
كزوج يؤاخذ بإقراره لزوجة علم بغضه لها.
ومفهومه سقوط إقراره لها إن علم ميله إليها وصابته بها إلا أن يحيزه الورثة وهو كذلك.
أو جهل حاله معها وورثه في هذا الحال ابن واحد ذكر غير أو كبير أو من غيرها فيؤاخذ بإقراره لها أو ورثه بنون ذكور أو إناث أو ذكور وإناث عددا أخذ بإقراره لها.
وقول البساطي: (ظاهر كلامهم إذا كان الولد ذكورا وإناثا إن حكمهم حكم الذكر فتخصيص المؤلف ذلك بالذكور ليس بجيد) يرد بقول بعض شيوخ شيوخنا: إنهم داخلون في بنون.
تنبيه ان:
الأول: حكم إقرار الزوجة لزوجها كإقراره لها سواء سواء واللَّه أعلم.
الثاني: لا فرق بين أن يقر أحدهما لصاحبه بدين، أو بأنه قبض ماله عليه من دين.
إلا إن تنفرد الزوجة بالولد الصغير من البنين، بكونه منها وبقيتهم كبار منها، أو من غيرها، فلا يقبل إقراره.
تنبيه:
تلخص من كلامه منطوقا ومفهوما ثلاثة أحوال علم بغضه لها وعلم ميله إليها وجهل حاله معها وتقدمت مرتبة على هذا الوجه.
وفي جواز إقراره لها مع وجود الإناث من الولد والعصبة ومنعه قولان، ففي توضيحه عن ابن رشد إن كان الولد إناثا يرثه مع العصبة فسواء كان واحدة أو عددًا صغارًا كن أو كبارًا من غيرها أو كبارًا منها، يتخرج ذلك عندي على قولين:
أحدهما: أن إقراره جائز.
والثاني: أنه لا يجوز من اختلافهم في إقراره لبعض العصبة إذا ترك
стр. 2595
ابنة وعصبة، فإن كن صغارًا منها لم يجز إقراره لها اتفاقًا، واللَّه أعلم.
تنبيه:
قد علمت أن القولين مخرجان لا منصوصان فأما إن المصنف أطلع عليهما منصوصين بعد ما ذكره في توضيحه أو بناء على أن المخرج قول.
ثم شبه في القولين فروعا أشار لأحدها بقوله: كإقراره للولد العاق، يحتمل مع أخر غير عاق وهما مخرجان أيضًا، ويحتمل أن يريد منع إقراره لها مع ولد كبير عاق.
وأشار لثانيهما بقوله: أو لأمه أي أقر لأم ولده العاق ففي منعه وجوازه قولان هذا والذي في كلام ابن رشد أنه لا فرق بين كون الولد العاق منها أو من غيرها انظر نصها في الكبير.
أو لأن من لم يقر له أبعد وأقرب، أي: كما لو كان بعض الورثة أبعد من بعض وبعضهم أقرب من البعض الأخر كام وأخت وعم وأقر للأخت، فمن نظر إلى الأم أجاز الإقرار ومن نظر للعم منع ويدخل في كلامه ما إذا كان البعض أقرب والبعض الآخر مساو، لا المساوي فقط لا يصح الإقرار له مع مساويه كابنين وأخوين، ولا الأقرب، لا يصح الإقرار له دون الأبعد، كإقراره لأمر مع أخت ابن رشد اتفاقًا فيهما.
ثم شبه بما فيه قولان على فهم الشارح، فقال: كأخرني لسنة مثلًا وأنا أقر لك بما ادعيته علي، فأخره هل يكون ذلك إقرار معمولا به أولا قولان ورجع القائل أخرني لسنة وأنا أقر لك لخصومته معه على القول بأنه ليس إقرارا.
وجعله البساطي مشبها بما قبله فقال ليسر بإقرار على الصحيح ويرجع لما كان عليه من الخصومة بعد السنة أو قبلها انتهى.
قال بعضهم: ويحلف، ويلزمه.
стр. 2596
[متى يلزم الإقرار: ]
ولزم الإقرار:
[١] لحمل إن وطئت أم ذلك الحمل، بأن كان لها زوج مرسل عليها بعد الإقرار له.
[٢] ووضع ذلك الحمل لأقله، وهو ستة أشهر، ومثله لابن الحاجب تبعا لابن شاس.
ومفهوم كلام المصنف أنها لو وضعته لأكثر من ستة أشهر وهي توطأ لم يلزمه؛ لاحتمال أن تكون إنما حملت بعد الإقرار، وهو كقول ابن الحاجب: (وإن وضعته لأكثر وهي توطأ لم يلزمه)، وهو متعقب؛ لأن حكم السنة حكم الأكثر منها لا ما دونها.
ابن عبد السلام: من غير خلاف أعلمه في المذهب.
وصوب ابن عرفة تعقبه، ومثله لابن هارون، وحينئذ فكلام المؤلف هنا متعقب منطوقا ومفهوما، والعجب من الشارح بل من الشارحين كيف أبقياه على ظاهره، واللَّه أعلم.
تنكيت:
قول البساطي معنى قوله إن وطئت أن لها زوجا حاضرًا هذا مراده لا ظاهره غير ظاهر؛ إذ لا يلزم من حضرته أن يكون مرسلا عليها.
وإلا بأن لم توطأ أو لم تحمل بعد الإقرار فلأكثرة، أي: فالإقرار لازم لمن وضعته لأكثرة، وهو أربع سنين على المنصوص، هذا كما اقتصره عليه ابن الحاجب، وإلا فالجاري على المذهب أو خمس على الخلاف في التشهير في أكثره وإذا جاوز الأكثر لم يلزم الإقرار.
تكميل:
ما يدل على وجود الحمل يوم الإقرار وهو موضعه لأقل من ستة أشهر وما يدل على عدمه هو وضعه لأكثر من أربع سنين من يوم الإقرار
стр. 2597
ولو وضعته لما بين هذين الوقتين وليست بذات زوج ولا سيد مرسل عليها يطأها حمل على أن الولد كان مخلوقا؛ إذ لا تحل إضافته للزنا، قاله المازري.
[التسوية بين التوأمين: ]
وإذا وقع الإقرار لحمل سوي بين توأميه فيه: ذكرين كانا أو أنثيين، إن وضعا حيين، وإلا فهو للحي فقط إذ لا يصح تملك الميت ولذا لو كانا ذكر أو أنثى.
وقال عن إرث ولم يزد أو وصية أو هبة أو صدقة أو عن أخ لأم أو عن أخ ولم يبين، وهو كذلك لكن على أحد القولين في الأخيرة فيقسم نصفين.
ابن عبد الحكم: وبه أقول.
وقيل: يجزأ أثلاثا للذكر جزء، وللأنثى جزء، والجزء الثالث يدعيه الذكر كله، والأنثى نصفه، وسلمت للذكر نصفه فيقسم النصف بينهما لتداعيهما إياه.
إلا لبيان الفضل، كقوله لهذا الحمل من دين لأبيها وترث أمها منه إن كانت زوجة.
[الإقرار بالصيغة الصريحة: ]
ولما كان للإقرار صيغة يؤاخذ به المكلف فيها وهي على ضربين صريحة ومجملة شرع في بيان ذلك مبتدأ بالصريحة فقال: بِعَلَيَّ لك كذا، أو في ذمتي أو عندي أو أخذت منك كذا، لزمه ما أقر به، ولو قال عقب لفظ من هذه الألفاظ: إن شاء اللَّه أو قضى اللَّه، أو أراد أو يسر أو أحب؛ لأن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد في غير اليمين باللَّه.
وأشار بلو لقول ابن المواز لا يلزمه، وفي بعض النسخ بدل (قال): (زاد)، وهو أصرح.
стр. 2598
قال المصنف: قل أن يوجد للإمام نص في مسائل الإقرار؛ فلذا تجد أكثرها مشكلا.
البساطي: أكثر هذا الباب لابن عبد الحكم.
أو قال من بيده شيء لمدعيه: وهبته لي أو بعته لي، فهو إقرار بالملك، وعليه البينة لما ادعى، أو طولب بدين، فقال لمدعيه: وفيته لك؛ لأنه أقر به وبعد نادما بقوله وفيته.
أو قال لآخر: أقرضتني ألفا فهو إقرار، ويحتمل أن يريد به ما.
قال الشارح: إنه يشير به لقول ابن سحنون: من قال لرجل أليس قد أقرضتني بالأمس ألفا فقال الطالب: بلى أو نعم فجحد المقر فالمال يلزمه.
تنبيه:
ما ذكره الشارح نحوه في التوضيح عن ابن سحنون وهو مناسب لقوله هنا: (أقرضتني) بالجزم، ويحتمل أن الناسخ أسقط همزة الاستفهام من أقرضتني، واللَّه تعالى أعلم.
وأما قول البساطي: (يعني أن من ادعى على رجل أن له معه قراضا، فقال: لا بل أقرضتني إياه فهو إقرار) فغير ظاهر.
أو ما أقرضتني أو ألم تقرضني، فقال: نعم أو بلى، أو قال لمن قال لي عليك كذا: ساهلني فإقرار، أو قال: اتزنها مني أو لا قضيتك اليوم أو لأقضينك فإقرار، أو قال: نحم أو بلى، أو أجل بفتح الهمزة والجيم واللام ساكنة، بمعنى: نعم، جوابا لا ليس لي عندك.
قال الشارحان: فهم كلما تقدم من قوله ساهلني على وجه الاستفهام فإقرار قاله ابن عبد الحكم.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: التقييد بالجواب راجع لهذه الحروف دون ما قبلها.
أو قال أليس لي عندك مائة فقال: ليست لي ميسرة، فإقرار وكأنه
стр. 2599
قال: نعم وسأله الصبر، ومثله أنا معسر أو أنظرني أو لست منكرًا أو أرسل رسولك.
ولو قال له شخص: لي عندك مائة فقال: لا أقر، لا: نافية، وأقر: مضارع مثبت، لم يلزمه شيء لأنه وعد.
أو قال له أخر لي عندك مائة فأجابه: عليّ أو على فلان لم يلزمه شيء، قاله ابن المواز ومحمد وابن عبد الحكم، وكذا على أو على هذا الحجر.
أو قال في الجواب: من أي ضرب تأخذها ما أبعدك منها، سحنون: ليس بإقرار.
وهو محتمل أنه أجاب بهما معا، أو بكل وحده، فإن كان بهما فواضح، وكذا بالثاني، وأما بالأول فقال ابن عبد الحكم: الأقرب أنه ليس بإقرار، إلا أنه يحلف أنه لم يرد إلا الإنكار أو التهكم أو شبهه.
وفي كونه جوابه كمن قال أقضي المائة التي عندك بقوله حتى يأتي وكيلي وشبهه كحتي يقدم غلامي، واتزن وخذ قولان، إقرار وهو قول سحنون أو ليس بإقرار، لأنه لم ينسب ذلك لنفسه، وهو قول ابن عبد الحكم، قال: إن زاد اتزن مني فإقرار؛ لأنه نسبه لنفسه.
ثم شبه في القولين من غير نظر للقائل فقال: كللك على ألف في ما أعلم أو أعتقد أو أظن، وفيما ظننت أو فيما أحسب أو حسبت، أو فيما رأيت أو أرى، أو علمي، أو اعتقادي، فقال سحنون: إقرار.
وقال محمد بن عبد الحكم: هو شك، وليس بإقرار، وقاس ذلك على الشهادة، فإن هذه الألفاظ تبطلها دون الإقرار.
ولزم الإقرار إن نوكر المقر في ألف أقر بها، وقال بعد إقراره: من ثمن خمر أو خنزير أو ميتة أو شيء لا يصح بيعه، ويعد نادما بعد اعترافه بتعمير ذمته، وهذا هو الصحيح عند من يبعض كلام المقر، وأما من لم
стр. 2600
يبعضه فقال ابن عبد السلام: الأقرب عدم اللزوم لأن أول الكلام مرتبط بآخره.
ومفهوم نوكر أن المدعي لو سلم له ذلك لم يلزمه شيء وهو كذلك.
أو طالبه بألف فقال: هي علي من ثمن عبد ابتعته منك، ولم أقبضه فإنها تلزمه ويعد قوله: (لم أقبضه) ندما، كدعواه الربا عقب إقراره بألف، وأقام بينة أنه راباه في ألف، فتلزمه الألف على الأصح لعدم التعيين، خلافًا لسحنون، لا إن أقامها أي البينة على إقرار المدعي أنه لم يقع بينهما إلا الربا، فلا يلزمه القدر الزائد على الأصل ويرد لرأس ماله قولا واحدا.
وفهم من كلامه أنه لو لم تكن بينة وإنما هو مجرد دعوى الربي لم يقبل وهو كذلك.
تنبيه:
تلخص من كلامه ثلاثة أحوال:
- دعواه الألف.
- وإقامة البينة على إقرار الطالب أن التبائع لم يقع بينهما إلا على الربا.
- ومجرد دعواه الربا
وتقدمت على هذا الترتيب.
أو اشتريت خمرًا بألف: معطوف على أقامها، وفيه تعقب الإقرار بما يشبه رافعه لم يلزمه شيء، لأنه لا يقر بشيء في ذمته، ومثله اشتريت عبدا بألف ولم أقبضه، لأن اشتريت لا يوجب عمارة الذمة إلا بالقبض ولم يوجد.
قال المؤلف: وفيه بحث لا يخفي.
أو قال لمدعي عليه بإقرار: أقررت لك بكذا وأنا صبي، لم يلزمه ذلك إذا كان كلامه نسقا.
стр. 2601
ابن رشد: وهو الأصح.
ولو قال: أقررت لك في نومي أو قبل إن أخلق صدق بيمينه، خلافًا لسحنون، كأنا مبرسم، أي: أقررت لك وأنا مبرسم لم يلزمه ذلك، إن علم تقدمه له، أي: البرسام، وهو: ضرب من الجنون، وإن لم يعلم تقدمه لزم الإقرار.
أو أقر بشيء طلب منه فقال هو لزيد اعتذارا، أي: على وجه الاعتذار حتى لا يدفعه للطالب، لم يلزمه كونه للمقر له إلا ببينة تشهد له به قبل الإقرار.
أو أقر بقرض شكرا لم يلزمه على الأصح، ومقابل قول الأصح قول بعض القرويين باللزوم.
ابن يونس: وكذا على وجه الذم، كـ: أساء معاملتي، وضيق علي حتى قضيته، خلافًا لبعض القرويين يلزمه في الذم، ولا وجه للفرق بينهما، والصواب أنهما سواء انتهى.
تنبيه:
يحتمل أن المصنف ترجح عنده ما قاله بعض القرويين من اللزوم في الذم لا مما صوب ابن يونس من تساويهما، ويحتمل أنه لم يعتبر المفهوم وأنهما هما عنده سواء وهو بعيد جدا.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل مستشكلا: قول المؤلف على الأصح بأن تصويب ابن يونس إنما هو في الذم، فالصواب أن يقول على الأرجح، وإن الواقع في بعض النسخ أو بقرض شكرًا أو ذما على الأرجح انتهى.
ولم نقف على هذه النسخة، وعلى ثبوتها فيصير في الكلام إجمال؛ إذ لا يعلم هل تصويب ابن يونس في الشكر والذم أو في الذم فقط.
стр. 2602
تنبيه:
ربما أشعر قوله: (بقرض) أنه لو أقر لا بقرض بل قال لفلان على كذا وقضيته بأنه يلزمه ولو نسقا، وهو كذلك، حكاه ابن عرفة عن كتاب ابن سحنون، قال: إلا أن يقيم بينة بإجماعنا.
وقبل أجل مثله في له على ألف إذا كان في بيع، وأنكر البائع التأجيل، ولا يلزمه إلا إلى ذلك الأجل.
ابن الحاجب: على الأصح.
ومفهومه: لو ادعى غير أجل مثله لم يقبل، وهو كذلك ويحلف المقر له، ويأخذ الألف حالة.
لا إن ادعى التأجيل في قرض، فلا يصدق ويحلف المقر له، ويأخذه حالا؛ لأن الأصل فيه الحلول، ونحوه لابن الحاجب وابن عبد السلام، وأنكره ابن عرفة قائلًا: لا أعرفه لغير ابن الحاجب، ولا فرق بين القرض وغيره، بل قبوله في القرض أولا.
[الإقرار بالصيغة المحتملة: ]
ولما تكلم على الإقرار بالصيغة الصريحة والظاهرة شرع في ذكر المحملة فقال: وقبل تفسير ألف أقر بها مبهمة.
ثم عطف عليها عددًا مفسرًا بفتح السين في قوله: (كألف) ودرهم أو وبيضة أو وصيف لم يلؤمه غير ما فسر به، ولا يكون المعطوف مفسرًا للمعطوف عليه، سواء فسره بما جرت العادة به أولا، وهو قول ابن القصار.
وقبل قوله في مجموع عقبه بإخراج بعضه، يعني: سواء استحق ذلك الاسم دون المخرج أو لم يستحقه دونه، فمن الأول له عندي خاتم فصُّه لي إذا قاله نسقا من غير مهلة، ومن الثاني له الباب، ومساميره لي، فلو لم يكن نسقا، بل بعد مهلة لم يقبل، ويلزمه الجميع.
والفص: بفتح الفاء وكسرها.
стр. 2603
إلا في غصب، كـ: غصبته الخاتم وفصه لي، فقولان في كون الفص للمقر عند أشهب ومن وافقه، أو جميعه للمقر له، وهو قول ابن عبد الحكم.
ولا يقبل تفسيره بجذع وباب مركب في قوله: له من هذه الدار أو الأرض حق، ورجع إليه سحنون، وكان يقول: يقبل، كفي أي: كما لا يقبل تفسيره بذلك في قوله: له في هذه الدار حق، على الأحسن عند المصنف، وهو لسحنون.
وقال ابن عبد الحكم: يقبل في الثانية.
والفرق عنده إن من تقتضي التبعيض وفي للظرفية فالحق في الدار لا منها.
ولو قال: له علي مال لزمه نصاب من زكاة أهل المقر من العين ذهبا أو فضة.
ابن عبد السلام: هو الأشهر في المذهب.
وقيل: نصاب السرقة، إذ فيه القطع، وبه يحل البضع.
وعلى هذا ففي قوله: (نصاب) إجمال.
وقال ابن القصار: لا نص عن مالك، والذي يوجبه النظر الثاني.
والأحسن عند الابهري وغيره تفسيره ولو بقيراط أو حبة وإذا فسره حلف.
ثم شبه فقال: كشيء وكذا يقبل تفسيره فيهما، لكن في الأول بأقل الأشياء؛ لأن الأشياء أنكر النكرات.
وفي الثاني قال ابن عبد الحكم: لا يكون إلا بواحد كامل، ومثله للمصنف في توضيحه، وتبعه الشارح.
ابن عرفة: في منع تفسير كذا بالنصف وغيره من الأجزاء نظر، وإنما يمنع ذلك إذا ذكر مضافا، والفرض كونه منفردا انتهى.
وإن امتنع من التفسير سجن له، ولو طال، واللام تحتمل التعليل
стр. 2604
والغاية، ويقبل تفسيره النيف في كعشرة ونيف بما كثر أو قل، ولو بدرهم أو دانق.
والنيف: الزيادة حتى يبلغ العقد الثاني، ويخفف ويشدد ويقدم ويؤخر.
وسقط ما يحتاج للتفسير وهو شيء في كمائة وشيء له عندي؛ لأنه مجهول، ويلزمه المائة، ولو قال له علي مائة إلا شيء اعتبر، وطولب بتفسيره.
تنبيهان:
الأول: تلخص أن لإقراره بشيء ثلاثة أحوال:
- إفراده.
- واستثناؤه.
- وذكره بعد معلوم.
وقد علم حكم كل منها.
الثاني: الفرق بين ذكره مفردا فيلزم تفسيره، ومعطوفا فلا يلزم به شيء، لأن لغوه مفردا يؤدي إلى إهمال اللفظ المقر به، ومعطوفا يسلم من ذلك لإهماله في المعطوف عليه.
ولو قال له: علي كذا درهما لزمه عشرون درهما، وكذا وكذا أحد وعشرون وكذا كذا أحد عشر، لأن (كذا) موضوع للكناية عما يدل عليه المميز، والمميز في الأعداد إن كان لفظا واحدًا منصوبا، ولفظ كذا مفرد كالمثال الأول، فأول عدد وجد ذلك فيه عشرون، والزائد عليه يحتاج إلى دليل، وإن كان لفظ كذا معطوفا على مثله كالمثال الثاني فأول عدد وجد ذلك فيه أحد وعشرون، وإن كان لفظ كذا مركبا كالمثال الثالث فأول عدد وجد ذلك فيه أحد عشر، وما زاد يحتاج إلى دليل، وهو ظاهر فيمن له علم بالعربية، ولذا قال سحنون: لا أعرف هذا، ويرجع إلى تفسيره.
ولو قال: علي بضع من الدراهم، أو ثلاثة عشر درهما وبضع، لزمه
стр. 2605
ثلاثة؛ لأن البضع من الثلاثة إلى التسعة فيلزمه المحقق.
أو قال: له عندي دراهم أو دنانير لزمه ثلاثة عند مالك؛ لأنه أقل الجمع، وكذا لو أقر بها مصغرة، فقال: درهيمات أو دنينيرات.
ولو قال: له على دراهم كثيرة لزمه أربعة تحقيقا؛ لفائدة كثيرة.
أو قال: له عندي دراهم لا كثيرة ولا قليلة لزمه أربعة؛ لأنه لزمه بدراهم ثلاثة، وبقوله: لا قليلة، لابد من زيادة وأقلها درهم فإذا قال: لا قليلة، لزمه الزائد على الثلاثة، وأقله درهم، فيجب صرف لا كثيرة لما زاد على الأربعة من متناولات كثيرة جمعا بين الكلامين.
ولو قال: له علي درهم لزمه الدرهم المتعارف عند الناس، وإلا بأن لم يكن لهم درهم متعارف فالشرعي، وهو: سبعة أعشار دينار من الفضة.
قال المصنف: ينبغي إذا كان بالبلد دراهم مختلفة الوزن والجودة أن يحمل كلام المقر على أقلها وزنا وصفة فإن خالف المقر له حلف.
ولو قال: له عندي درهم مغشوش أو ناقص قبل منه غشه ونقصه إن وصل ذلك بإقراره، ولا يلزمه درهم كامل ولا خالص وإن لم يصله لم يقبل وأخذ بما أقر به، قاله ابن المواز.
ونحوه في التوضيح ويحتمل أنه فسر المقر به بكونه ناقصًا مغشوشًا معا.
ولو قال: له علي درهم مع درهم أو درهم تحته درهم أو درهم فوقه درهم أو درهم عليه درهم أو درهم قبله درهم أو درهم بعده درهم أو درهم ودرهم أو درهم ثم درهم لزمه درهمان في كل صورة، وسقط الدرهم في قوله: علي درهم لا بل ديناران، أو بل دينار ولزمه الديناران أو الدينار، ونحو هذا للشارح.
وقال البساطي: يحتمل أن يعود فاعل سقط إلى المقر به أولا، ويعني به أن من أقر بشيء ثم تكلم بلا وبعدها، بل وأثبت أعظم من الأول سقط الإقرار الأول وثبت الثاني.
стр. 2606
ولو قال: له علي درهم درهم بإعادته بلفظه لزمه درهم واحد، أو قال: له علي درهم بدرهم لزمه درهم، وإنما لم يلزمه درهمان لأنه في الصورة الأولى يحتمل التوكيد، والأصل براءة الذمة، وفي الثانية تحتمل الباء العوضية، ولأجل الاحتمال قال: وحلف -أي: المقر- ما أرادهما، أي: الدرهمين لم يشبه في الحكمين السابقين اللزوم والحلف، فقال: كإشهاد في ذكر بمائة، وفي ذكر آخر بمائة متساويتين نوعا وقدرًا لزمه مائة واحدة، وحلف المقر إن ادعاهما المقر له، فإن اختلفا نوعًا أو سببًا لزمتاه معًا، وإن كان هذا مع ذكر الحق بوثيقة فأحرى بدونها.
ونحو هذا لابن الحاجب ولابن عرفة هنا مناقشة، انظرها في الكبير.
وكإشهاد في موطن بمائة وفي موطن آخر بمائتين لزمه الأكثر، وهو المائتان فقط، سواء تقدم الأكثر أو تأخر.
ولأصبغ: إن كان الأكثر أولا لزمه ثلثمائة وإن كان الأقل أولا دخل في الأكثر، وبه قرر الشارح كلام المؤلف، وهو بعيد.
وكذا حمله المسألة على الإشهاد في ذكر بمائة وفي آخر بمائتين؛ لأن ابن الحاجب لم يذكر في هذه أن الإشهاد في ذكر، وكذا في التوضيح، واللَّه تعالى أعلم.
تذييل:
لو اختلف الشهود بموطن واحد ففي البرزلي: لو شهد على إقرار امرأة في مجلس واحد، فقال: أحدهما بأربعمائة، وقال الآخر: ثلثمائة وهي منكرة فمذهب ابن القاسم وبه الفتوى وعليه العمل تصح شهادتها في الثلثمائة المتفق عليها بغير يمين على الطالب، ويحلف المقر في المائة الرابعة إلا على القول باليمين مع الشاهد، فيخير الطالب معه في الأربعمائة ويستحقها أو الثلثمائة دون يمين على المقر.
وفي قوله: علي جل المائة أو قربها أو نحوها لزمه الثلثان منها فأكثر بالاجتهاد من الحاكم.
стр. 2607
سحنون: وعليه الأكثر. لكن إنما ذكروه في الوصية، وهو موافق للإقرار هنا.
وقيل: يقتصر على الثلثين.
وهل يلزمه في عشرة في عشرة عشرون؛ وهو أقرب لعرف العامة؛ لأنهم إنما يريدون بذلك الجمع لا الضرب، الذي هو تكرير أحد العددين بقدر ما في الأرض من الآحاد، أو يلزمه مائة؟ وهو قول سحنون، قولان.
ونحوه لابن الحاجب، ولابن عرفة عليه تعقب، انظره في الكبير، ولفظ في الأولى من التركيب، والثانية بمعنى مع.
ولو قال: له عندي ثوب في صندوق أو زيت في جرة لزمه الثوب والزيت، وفي لزوم ظرفه وهو الصندوق والجرة عند سحنون وابنه وجماعة، لكن إنما هو فيمن قال: غصبت من فلان ثوبا في منديل هل يلزمه الثوب والمنديل، وعدم لزومه وهو لابن عبد الحكم؟ قولان في كل من الفرعين.
لا دابة في إصطبل فلا يلزمه الإصطبل اتفاقًا، ولو علق إقراره على فرع، كقوله: له على ألف إن استحل ذلك، فقال: استحللته.
أو قال: له ألف إن أعارني رداءه مثلًا فأعاره لم يلزم من علق ذلك؛ لأنه يقول: ظننت أنه لا يستحله أو لا يعيرني، كذا عللوه وهو واضح.
وقول البساطي: "عندي أن استحلاله لا يعلم، وقوله: (استحللت قد يكذب فيه) وقوله: (إن أعارني) لغو من الكلام" غير ظاهر؛ لأن المقر لم يعلقه على ما في النفس، بل على قوله: (إن استحل) وقد وقع المعلق عليه.
ثم شبه فيما لا يلزم فقال: كإن حلف أي قوله: له على ألف إن حلف أو إذا حلف أو متى حلف أو حين حلف أو قد يحلف أو مع يمينه أو بعده، كذا قاله ابن أبي زيد، إذا كان ذلك في غير الدعوى عليه بذلك، بأن كان ذلك ابتدأ فحلف لم يلزمه؛ لأنه بقول ظننت أنه لا يحلف باطلا.
سحنون: لا شيء عليه في إجماعنا.
стр. 2608
وانظر هل ذلك بمجرد الدعوى عليه عند الحاكم وإن لم يوجه الحاكم اليمين أو حلفه بعد توجيهها عليه، وأما قبله فلا.
تنبيه:
قال ابن عبد السلام تأمل هذا مع ما لمالك في حمالتها فيمن قال لرجل أحلف إن الحق الذي تدعيه قبل أخي حق وأنا ضامن ثم رجع لا ينفعه رجوعه ويلزمه ذلك إن حلف الطالب وإن مات قبل حلفه كان ذلك في ماله وأجاب المؤلف بأنه قد يقال إن مسألة المدونة خارجة عن هذه وهي من باب الالتزام المرتب على شرط.
أو قال: له على ألف إن شهد له فلان، فيشهد، لم يلزمه، كذا قال مالك، وقيده ابن القاسم بما إذا شهد غير العدل قال وأما العدل فيقبل عليه.
تنبيه:
ربما أشعر قوله إن شهد فلان بأنه لو قال إن حكم بها فلا لرجل سماه فتحاكما إليه فحكم بها عليه لزمته كذا قاله في توضيحه انتهى.
وانظر: هل يشترط في هذا ما في الحكم، أو لا يشترط ذلك هنا.
[الإقرار بأحد شيئين على الشك: ]
ثم تكلم على الإقرار بأحد شيئين على الشك بقوله: وتحقق المقر به بقوله: هذه الشاة أو هذه الناقة لزيد لزمته الشاة التي أقر بها قبل حذف الشك، وهو أو وحلف المقر عليها أي على الناقة أنها ليست للمقر له.
وظاهره سواء أدعي المقر له أرفعهما أو كليهما بقي المقر على إقراره أو رجع عنه.
وما قاله المؤلف واضح إذا زال شك المقر، وأما مع بقائه فكيف يحلف على الناقة، ولذا قال في توضيحه: وفيما قالوه في هذه المسألة نظر لا يخفي انتهى.
стр. 2609
ولو قدم الناقة في المثال فقال: هذه الناقة أو هذه الشاة لزيد لزمه ما قبل حرف الشك.
ولو قال: هذا الثوب أو هذا العبد مثلًا غصبته من فلان وعينه كزيد، لا بل من آخر، وعينه، كخالد، فهو للأول منهما؛ لإقراره له به أو لا ويتهم في إخراجه عنه ثانيا، وقضى للثاني بقيمته، إن كان مقوما، وإلا فمثله على المعروف من المذهب ابن القاسم، ولا يمين عليهما، كذا أطلق المصنف.
وقال عيسى: إلا أن يدعيه الثاني فله اليمين على الأول فإن حلف كما تقدم وإن نكل الأول حلف الثاني وأخذه ولا شيء على المقر.
ابن رشد: هو تفسير لقول ابن القاسم.
ولو قال: لك أحد ثوبين معينين أو أحدهما تين الأمتين، عيّن المقر أحدهما للمقر له لأن إقراره يحتمل الإبهام والشك وله دعوى زوال الشك وعلى كل له التعيين فإن عين أجودهما أخذه وكذا إن عين أدناهما وصدقه دون يمين وإن كذبه حلف المقر ودفعه له فإن نكل حلف المقر له وأخذه الأعلى وبقي الأدنى.
وإلا بأن لم يعين المقر، وبقي على شكه: فإن عين المقر له أجودهما حلف عند ابن القاسم، وإن عين الأدنى أخذه دون يمين.
وإن قال المقر له أيضًا: لا أدري عين ثوبي منهما، حلفا على نفي العلم المقر ثم المقر له، واشتركا فيهما بالنصف.
ابن عرفة: وكذا إن نكلا أو حلف أحدهما.
[الاستثناء في الإقرار: ]
ولما كان الاستثناء كالتعقب بالرافع ذكره، فقال: والاستثناء هنا في باب الإقرار كغيره من الأبواب، كـ: الطلاق والعتق من كونه بأدوات مخصوصة وشروط كالاتصال وما في حكمه كما تقدم في غير هذا الباب، فيصح استثناء الأكثر عند الأكثر، خلافًا لابن الماجشون، وكذا يصح استثناء
стр. 2610
المساوي عند الأكثر، كـ: عشرة إلا خمسة، ولا يصح المستغرق اتفاقًا عند الأكثر.
وحكى القرافي عن أبي طلحة فيمن قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا أنه ينفعه، وعلى ما عليه الأكثر ففي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية تلزمه تسعه، وإلى الواحد خمسة؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات (١)، فيحط الأخير مما يليه، ثم باقيه مما يليه وكذلك حتى الأول فما
стр. 2611
حصل فهو الباقي، فيحط الواحد من الاثنين، فيقي واحد يحطه من ثلاثة، يبقي اثنان يحطهما من خمسة يبقي ثلاثة يحطها من ستة يبقي ثلاثة يحطها من سبعة تبقي أربعة يحطها من تسعة تبقي خمسة يحطها من عشرة تبقي خمسة هي المقر بها.
ولما كان ما يؤدي الاستثناء هنا عرفا يعتبر، ولو خالف اللغة، وكان يعتبر لفظه، قال: وصح الدار التي بيدي والبيت الفلاني منها لي، فلا فرق بينه وبين إلا البيت الفلاني فهو لي، وصح الاستثناء بغير الجنس المستثنى منه، كألف له علي إلا عبدا على الأصح.
وعبر عنه ابن راشد بالمشهور فيوصف ويقوم بصفته وينقص من الألف، ولذا قال: وسقطت قيمته.
وفهم منه أن قيمته لا تكون مساوية ولا أكثر؛ لئلا يستغرق، كما نص عليه ابن شاس، وكذا له عندي عبدا لا ثوب فيطرح قيمة الثاني من الأول.
стр. 2612
وإن أبرأ فلانًا مما له قبله بكسر القاف وفتح الباء الموحدة، أي: جهته برئ، أو أبرأه من كل حق برئ أيضًا، أو أبرأه بأن قال: أبرأتك، ولم يزد برئ مطلقا من الحقوق المالية، وكذا من البدنية، مثل القذف، ما لم يبلغ الإمام، فإن بلغه فليس له إسقاطه، إلا أن يريد المقذوف سترًا على نفسه، وكذا يبرأ من الحقوق المالية، التي يفوتها الإتلاف كغرم مال السرقة لأحدهما؛ لأنه حق للَّه تعالى، لا للمسروق متاعُه.
[عدم قبول الدعوى على المبرأ: ]
وإذا برئ من عليه الحق بصيغة مما تقدم، ثم قام صاحب الحق وادعى على من أبرأه فلا تقبل دعواه بنسيان أو جهل، أو بقوله: إنما أبرأت مما فيه الخصومة فقط، وإن كانت دعواه بصك، أي: وثيقة مكتوبة بما يدعيه، إلا ببينة تشهد له أنه -أي: الصك الذي أحضره- بعده، أي: بعد الإبراء، فتقبل دعواه به حينئذ، وأما قبله فلا.
[ما لا يبرأ منه: ]
وإن أبرأه مما معه برئ من الأمانة وديعة وقراضا وإبضاعا ونحوه، لا الدين، فلا يبرأ منه، ولعل هذا كما قال الشارح: إذا كان العرف كذلك.
* * *
فصل
ذكر فيه الإستلحاق، وهو: الإقرار بالنسب، وألحقه بالإقرار بالمال لشبهه به، وإن خالفه في بعض الصور.
[من له حق الاستلحاق: ]
إنما يستلحق الأب لا الأم اتفاقًا، ولا الجد على مشهور، ولا يستلحق غيرهما من الأقارب، وأما ما يأتي أواخر الفصل إن أقر عدلان بثالث ثبت النسب فهو إقرار لا استلحاق.
стр. 2613
[شروط الاستلحاق: ]
وإذا استلحق الأب فإنما يستلحق [١] مجهول النسب، لا مشهوره؛ لتشوف الشارع للحوق نسب، مراده: أن الأب يستلحق ولا يستلحق غيره، وأن مجهول النسب هو الذي يستلحق، ولا يستلحق غيره، وعبارته تدل على المعنى الثاني فقط عند التأمل.
[٢] إن لم يكذبه، أي: الأبَ العقلُ لصغره عن من استلحقه، وعبر ابن شاس عن العقل بالحس أو العادة، ككونه لم يدخل حيث ولد المستلحق بالفتح، أو لم يكذبه الشرع، كاستلحاق مشهور النسب.
[٣] ولم يكن أي المستلحق بالفتح الذي باعه المستلحق بالكسر وهو الأب رقما لمكذبه، أي: لمكذب الأب، فلا يصدق الأب حينئذ؛ لأنه يتهم على خلاصه من الرق؛ إذ لو صدقه لنقض البيع، ولحق به.
أو لم يكن مولى لمكذبه، فإن كان مولى لم يصدق، ولو صدقه لنقض البيع والعتق.
لكنه يلحق به في الصورتين؛ إذ لا يمتنع كونه أبناء لمن استلحقه ومولى المعتقة أو عبدا لمن ملكه، فإن أعتقه ورث أباه وورثه قاله أشهب في المدرنة.
وفيها أيضًا قول آخر أنه يصدق في الصورة المذكورة فينتقض البيع إن لم يعتقه، بل وإن أعتقه مشتريه وينقض عتقه وقرره الشارحان على خلاف هذا فأنظر الكلام معهما في الكبير، إن لم يستدل على كذبه.
ويلحق الولد المجهول النسب مستلحقه بالكسر وإن لم يكبر بأن كان صغيرا، بل وإن كبر، أي: كان كبيرًا وقت استلحاقه، أو مات الولد، فكذلك يلحقه؛ لأنه لما لم يشترط تصديق الولد لمستلحقه لم يلتفت لتصديقه وتكذيبه، حكاه المصنف عن النوادر، وهو طريق صاحب البيان وابن شاس، وجزم ابن عبد السلام السلام وابن هارون وطريق ابن خروف وألحو في اشتراط تصديق الكبير ومثله لصاحب الكافي.
стр. 2614
فائدة:
كبر ككرم، كبرا كعنب، وكبرا بالضم، وكبارة بالفتح: نقيض صغير، وكبر كفرح كبرا كعنب، ومكبرة كمتركة صغر في السن، قاله في القاموس.
[المستلحق يرث: ]
وإن استلحق الأب ولدا كبير ميتًا ورثه الأب إن ورثه -أي: الولد- ابن واحد فأكثر؛ لبعد التهمة في استلحاقه حينئذ ليسارة ما يرثه.
ولمفهوم الشرط صور منها:
- أن يترك بنتا فأكثر أو بنت ابن فأكثر.
- ومنها: أن يترك وارثا غير ولد عاصب كأخ أو عم.
- ومنها: أن لا يترك وارثا أصلا، فلا يرثه في كل منها:
أما الأولى، فقال في الشامل: على الأصح. وفي المدونة يرثه إن كان له ولد.
وأما الثانية، فكذلك في المدونة، لكن قيدها فضل بما إذا كان المال كثيرا.
وأما الثالثة، فعلى الأصح عند ابن الحاجب، بناء على أن المسألتين كالوارث أولا.
[بيع العبد ثم استلحاقه: ]
أو باعه، أي: باع المستلحق بالكسر ولده على أنه عبده ثم استلحقه لحق به، ونقض البيع، وهذه مكررة مع قوله وفيها أيضًا بصدق وأعادها ليرتب عليها قوله: ورجع بنفقته على مستلحقه ليوم استلحاقه، إن لم يكن له خدمة، فإن كانت وأقر بها المبتاع أو ثبتت لم يرجع على الأرجح عند ابن يونس؛ لقوله هو أعدل الأقوال، وإن ادعى من باع أمة ولا ولد معها استيلادها بسابق، أي: بولد سابق على بيعها، فقولان فيها، أي: المدونة، انظر محملها فيها في الكبير.
стр. 2615
وجعل الشارحان ضمير (فيها) للأمة، و (سابق) صفة الملك، وجوز البساطي عوده للمدونة.
[الاستلحاق بعد بيع الأم: ]
وإن باعها فولدت عند مشتريها ما بينه وبين أربع سنين فاستلحقه البائع دون المشتري لحق به، ولم يصدق فيها، أي: في الأم، إن اتهم بمحبة لها، أو عدم كثرة ثمن أو وجاهة، فإن انتفت هذه الأمور صدق، ورد ثمنها.
ابن يونس: لإقراره أنه ثمن أم ولد.
ولحق به الولد مطلقا، سواء اتهم أو لا، أحدث فيه المشتري عتقا أو لا، مات أو لا.
تنكيت:
في جعل البساطي من صور الإطلاق سواء ولد بعد الشراء أو قبله مع قول المصنف فولدت نظر.
[اشتراء مستلحقة: ]
وإن اشترى مستلحقة، أي: من كان استلحقه، والملك لغيره، وكذبه المالك حين الاستلحاق، عتق على من استلحقه لاعترافه بحريته.
ثم شبه بها، فقال: كشاهد شهد بعتق عبد فلم تقبل شهادته وردت شهادته لمانع قام به، ثم اشتراه عتق عليه لاعترافه بحريته، وإن استلحق شخص وارثا غير ولد، فإن كان لهذا المستلحق وارث معروف النسب، كـ: أخ وعم، لم يفد استلحاقه ثبوت نسبه، ولم يرثه، إن لم يكن هناك قريب وارث غيره؛ لاتهامه على إغناء ورثته، وإلا بأن كان هناك وارث غيره فخلاف: هل يرث معه أو لا؟ هذا ظاهر كلامه، وعليه قرره الشارحان.
ثم تعقبه الشارح بأنه عكس ما عليه أصحابنا، وأن الخلاف إنما هو مع عدم الوارث، وأما مع وجوده فلا، انتهى.
стр. 2616
وما تعقب به الشارح مثله للمصنف في أثناء فصل التنازع في الزوجية حيث قال: وفي الإقرار بوارث وليس ثابت النسب خلاف.
والعجب من الشارحين كونهما لم ينبها على ذلك، ولعل المصنف اطلع على تشهير ما هنا أيضًا.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل في النسخ الصحيحة: (إن كان وارث) بالشرط المثبت، ولا يصح غيره انتهى.
وخصه المختار، أي: خص اللخمي موطن الخلاف بما إذا لم يطل الإقرار بالوارث، وأما مع الطول فلا خلاف في الإرث به؛ لدلالة الطول على صدقه غالبا.
[مسألة: ]
وإن قال شخص لأولاد أمته الثلاثة مثلا: أحدهم ولدي، ومات ولم يعرف عين المقر به، عتق الأصغر منهم كله، لأنه حر على كل تقدير؛ لأن المقر به إن كان هو الأكبر فالثلاثة أحرار، وإن كان الأوسط فهو والأصغر حران، وإن كان الأصغر فحر وحده، وعتق ثلثا الأوسط؛ لأنه حر بتقديرين، ورقيق بتقدب واحد، وعتق ثلث الأكبر؛ لأنه حر بتقدير واحد، ورقيق بتقديرين.
تكميل:
قال في التوضيح: ولا خلاف أنه لا إرث لأحد منهم للشك، وهذا إذا اتحدت أمهم.
[افتراق الأمهات: ]
وإن افترقت أمهاتهم، فكان كل واحد من أم، ومات المقر ولم يعلم عين المقر به فواحد منهم حر فقط بالقرعة، كقوله: أحد عبيدي حر.
[اختلاط ولد حرة بولد أمة: ]
وإذا ولدت زوجة رجل حرة وأمة شخص آخر ضيف أو غيره،
стр. 2617
واختلطا، ولم تعرف كل واحدة منهما ولدها، أو تداعيتا أحدهما، وبقي الأخر، عينته القافة.
وفهم من قوله: (أمة آخر) أنها لو كانت أمته فلا قافة، وهو كذلك.
ولما قرر البساطي كلامه بنحو ما قلنا قال: وقررنا كلامه على ما هو من ظاهره ليشمل مسألتين منصوصتين:
الأولى: نزل ضيف على رجل له أم ولد، فولدت وولدت زوجة الضيف، واختلط الولدان أن القافة تدعى لهما.
والثانية: إذا ولدت امرأته جارية وأمته جارية (١)، واختلطا، يعني: ولد الحرة وولد الأمة، فإن القافة أيضًا تدعى لهما.
فقوله: (وأمة آخر) لم يرد به إلا أم الولد، لا الرقيقة، كما أنه لم يرد بزوجة رجل ما هو أعم من الأمة، بل الحرة، فالجامع لهذا ولد حرة وولد أمة انتهى.
فائدة:
قال الشهاب القرافي في الفرق الأول من قواعده ما معناه: لا يشترط اقتصار القافة على بني مذلج، بل إذا وجد في عصر من الناس من يودعه اللَّه تلك الخاصة قبل قوله (٢).
وعن ابن القاسم فيمن وجدت مع ابنتها بنتا أخرى ولم تعرف بنتها منهما لا تلحق به أي بزوجها واحدة منهما؛ لأن القافة لا تدعى لهما.
وقال سحنون: تدعي لهما القافة.
تنبيه:
قول الشارح (إنّما أتى بهذه عقب التي قبلها لأن ظاهرهما التعارض (١)، أي لأنهم أعملوا القافة في الأولى دون الثانية.
стр. 2621
ولا فرق) غير ظاهر لأن عدم أعمالها في هذه احتمال كون البنت الأخرى بنت حرة والقافة لا تكون بين الأحرار.
[شروط اعتماد القافة: ]
стр. 2622
وإنما تعتمد القافة في الإلحاق على أب حي أو ميت لم يدفن، لا على شبه العصبة في موت الأب، خلافًا لسحنون، ويكفي قائف واحد على المشهور.
فائدة:
المتردد بين الخبر والشهادة: هذه، والترجمان، وكاشف البنيان، وقايس الجرح، والناظر في العيوب كالبيطار؛ لأنه علم وضعه اللَّه تعالى فيه، والمستنكة للسكر، أي: إذا أمره الحاكم به، وأما الشهادة على الشرب فلابد من اثنين كالتقويم للسلع والعيوب والرقبة والصيد في الحج.
واختلف في الحكمين والمزكي وكاتب القاضي والمحلف، ونظمتها في الكبير.
[إقرار وارثين عدلين بوارث ثالث: ]
وإن أقر عدلان من الورثة بثالث ثبت النسب والميراث، ومفهوم الشرط لو كانا غير عدلين لم يثبت بهما النسب، وهو كذلك إجماعا، حكاه ابن يونس.
تنبيهان:
الأول: تعبيره بأقر كابن الحاجب وابن يونس وابن زرقون وكذا غير واحد صوابه كما قال ابن يونس والحوفي إن شهد وارثان لأن الإنسان يجوز إقراره مما يظنه دون تحقيق ولا يشهد بذلك.
الثاني: ثبت النسب والميراث بعدلين أجنبيين لكن قوله بثالث مشعر بأنهما من النسب ولا خصوصية لهما بذلك.
[إذا ثمة عدل واحد: ]
وإن أقر عدل واحد يحلف المقر به معه، أي: مع إقرار المقر، ويرث ولا نسب، مثله الباجي والطرطوشي وابن الحاجب وابن شاس والذخيرة وابن عبد السلام، مع أنه قال في توضيحه: المذهب خلافه على ما نقله العلماء قديما وحديثا.
стр. 2623
والمذهب أن العدل كغيره، وليسس للمقر به الأخذ إلا من المقر انتهى.
ولعله اعتمد هنا على ما في الولاء من المدونة: إن أقرت ابنتان لرجل بأنه اعتق أباهما وهما عدلتان حلف وورث الباقي.
وإلا فحصة المقر إن لم يكن عدلا كالمال، أي فلا يرث إلا من حصة المقر فقط، فيشاركه المقر به، ويأخذ منه ما زاد على تقدير دخوله مع الورثة فلو ترك ابنين فأقر أحدهما بثالث وأنكره الآخر فالإنكار من اثنين والإقرار من ثلاثة تضرب اثنين فيها بستة وتقسم على الإنكار لكل ابن منهما ثلاثة، ثم على الإقرار لكل ابن اثنان يفضل عن المقر واحد يأخذه المقر به.
[الإضراب في تعيين الأخ: ]
ومن مات وترك أبناء فقال الابن لشخص: هذا أخي، ثم أضرب عنه وقال: بل هذا هو أخي، فللأول من المقر بهما نصف إرث أبيه؛ لاعترافه له بذلك؛ إذ إضرابه عنه لا يسقط حقه، وللثاني نصف مما بقي بيد المقر؛ لأنه الذي بيده، وقد اعترف بأن له نصفه.
أشهب: للمقر له ثانيا جميع النصف؛ لاعترافه أنه يستحقه.
وعلى الأول، لو قال لثالث: بل هذا أخي، لكان له ثمن ما بيده.
[إقرار الأم بوجود ابن وارث: ]
وإن مات وترك أما وأخا فأقرت بأخ آخر منها أو من غيرها وأنكره الآخر، فله أي المقر به منها أي من حصة الأم السدس، لاعترافها أنها لا تستحق غيره؛ إذ هو فرضها مع الأخوين فأكثر ولا شيء من المنكر للسدس المقر به لاعترافه إن الأمر ترث معه الثلث وهو مذهب الموطأ وعليه العمل وإنكار ابن عرفة كونها في الموطأ تعقب إنكاره.
[مسألة: ]
وإن أقر ميت بأن فلانة جاريته ولدت منه فلانة وسماها، ولها أي لجاريته ابنتان أيضًا من غيره، ونسيتها الورثة والبينة، أي: نسوا اسمها،
стр. 2624
فإن أقر بذلك الورثة، أي: صدقوا إقرار المقر مع نسيانهم اسمها فهن أي الثلاثة أحرار، ولهن ميراث بنت واحدة بالسوية بينهن، ولا نسب لهن.
وإلا بأن لم يقر الورثة بل أنكروا إقراره جملة مع نسيان البينة اسمها كذا قال ابن شاس، لم يعتق شيء من الثلاثة، وإن لم ينس الشهود الاسم فلا إشكال سواء أنكر الورثة أو اعترفوا ومن المشكل عدم العتق مع شهادة البينة يعتق واحدة مع نسيانهم اسمها.
تنبيه:
يظهر الفرق بين هذه وبين السابقة في قوله: (وإن قال: لأولاد أمته أحدهم ولدي) أن تلك ليس هناك وارث يكذبه وهنا الورثة تكذبه، واللَّه تعالى أعلم.
[مسألة: ]
وإن استلحق ولدا في محل يلحق به، ثم أنكره، وقال: ليس بولدي، ثم مات الولد عن مال وترك أباه، فلا يرثه الأب لإنكاره، ووقف ماله إن لم يكن للأب حاجب، فإن مات الأب فلورثته، أي: ورثة الأب ميراث ابنه؛ لأن إنكاره لا يقطع حقهم.
وقضي به دينه أي: دين الأب، إن كان، وإن قام غرماؤه، أي: غرماء الأب وهو حي أخذوه، واقتسموه إن كان قدر دينهم فأقل، وإلا أخذوا قدر دينهم وتركوا باقيه موقوفا على حاله، حتى يموت.
* * *
باب
ذكر فيه الوديعة وأحكامها وما يتعلق بها، وعرفها بقوله: الإيداع توكيل بحفظ مال، فيدخل إيداع الوثائق بذكر الحقوق، ويخرج إيداع الأب ولده لمن يحفظه؛ لانتقاء لوازم الوديعة من الضمان، والأمة المتواضعة؛ لأن
стр. 2625
القصد إخبار الأمين بحالها، لا حفظها، والإجارة على حراسة المال؛ لوجوب المقابل للمنفعة والأجل، فليس بمجرد حفظ.
تذييل:
الوديعة من حيث ذاتها للفاعل والقابل مباحة، وقد يعرض وجوبها كخائف فقدها الموجب هلاكه أو فقره إن لم يودعها مع وجود قابل لها يقدر على حفظها وحرمته، كمودع شيء غصبه ولا يقدر القابل على جحدها ليردها إلى ربها وللفقراء، بأن كان المودع مستغرق الذمة؛ ولذا ذكر عياض في مداركه عن بعض الشيوخ أن من قبل وديعة من مستغرق الذمة ثم ردها إليه ضمنها للفقراء.
ثم قال: وندبها حيث يخشى ما يوجبها دون تحقيقه، وكراهتها حيث يخشى ما يحرمها دون تحقيقه انتهى.
[ما يكون به التعدي في الوديعة: ]
ولما كانت الوديعة أمانة والأصل في الأمانة عدم الضمان، أخذ يذكر أسبابا يكون بها متعديا فيضمن، فقال: تضمن بسقوط شيء من المودع بالفتح عليها، وإن كان خطأ؛ إذ هو كالعمد في أموال الناس، لا إن انكسرت في نقل مثلها بغير تفريط، فلو لم ينقلها نقل مثلها ضمن، ويضمن بخلطها مع غيرها له، أو لغيره بحيث يتعذر تمييزها.
ثم استثنى مما يضمن بالخلط قوله: إلا أن يخلط مثليا، كقمح بمثله جنسا وصفة فلا ضمان.
أو إلا يخلطها بغير جنسها بحيث تتميز بغير كلفة كخلط دراهم بدنانير، وقطن بكتان.
وقيد عياض المدونة بما إذا كان الخلط للإحراز، فاعتمده المصنف، لكن ظاهر كلامه هنا: أن القيد في هذه والتي قبلها، وفي توضيحه إنما هو في الأولى فقط، وكأنه رأى أن لا فرق.
ومفهوم (بمثله): لو خلط سمراء بمحمولة لضمن وهو كذلك اتفاقا.
стр. 2626
ثم إن تلف بعضه، أي: المثلي المخلوط فبينكما على قدر المالين، ويتحاصان فيما بقي؛ لأن الذي لكل منهما غير معروف بعينه؛ ولذا قال: إلا أن يتميز ما لكل منكما فمصيبته من ربه عند مالك ومن وافقه، فلو ضاع دينار من ثلاثة واثنين، وواحد لثلاثة فنسبة ما لكل فعلى صاحب الثلاثة نصف، وعلى صاحب الاثنين ثلث، وعلى ذي الواحد سدس.
وقيل: غير ذلك.
[المنتفع ضامن: ]
ويضمن بانتفاعه بها إن تلفت فيما تعطب في مثله، وأما فيما لا تعطب في مثله فلا، انظر ذلك في الكبير مثلية كانت أو مقومة، كحنطة بأكلها، أو دابة يركبها.
أو سفرة بها إن قدر على أمين يجعلها عنده، فإن لم يجد أمينا، وخشي التلف إن تركها فالضمان، قاله اللخمي.
إلا أن ترد سالمة لموضعها بعد انتفاعه بها وبعد سفره فلا يضمنها إن تلف بعد ذلك؛ لأن موجب الضمان الهلاك، لا مجرد الانتفاع.
وظاهر كلامه: أنه يصدق في دعوى الرد، ولو بغير إشهاد، وهو كذلك؛ لأنه لا يعلم إلا منه.
وظاهره أيضًا: سافر بأهله وماله أم لا، سفر نقلة أو تجارة أو زيارة، وهو كذلك، قاله في الكافي.
[السلف المقوم للمودع: ]
وحرم على مودع عنده مليء أو معدم سلف مقوم، كعرض وحيوان اتفاقًا؛ لاختلاف الأغراض فيه، ولأنه من شراء الشيء بغير إذن ربه.
وحرم سلف معدم مثليا كان أو مقوما، ابن عبد السلام: ومن بيده قدرها وأزيد منها بيسير كالمعدم، وأقره المصنف، واستظهره صاحب الشامل.
стр. 2627
[مسألة: ]
وإن لم يكن المودع مقوما ولا المودع عنده معدما كلره النقد والمثلي للمليء، كذا في وديعتها، وفي لقطتها: المنع، كالتجارة بها يكره.
[الاتجار بالوديعة: ]
وإن تجر بها كان الربح له؛ إذ لو تلفت لضمنها، ونحوه في المدونة، ومثلها لو تجر بمال اليتيم.
[ضياع المحرم: ]
وبرئ متسلف الوديعة إن رد غير المحرم، وهو تسلفه النقد أو المثلي للمليء فضاع على المشهور، رده بإشهاد أو لا، كانت مربوطة أو مختومة، وعلى المشهور لا يصدق إلا بيمين، إلا بإذن مطلق في التسلف منها، أو مقيد كأن يقول: إن احتجت فخذ؛ فإنه يضمن ما أخذه ولا يبرئه الرد لأمانته؛ لأن السلف من المالك فصار كسائر الديون، وإذا أخذ الوديعة بإذن مطلق أو مقيد ورده وضاع مع الباقي، ضمن المأخوذ فقط، ولا يبرئه دعوى الرد.
وتعقب البساطي تقرير الشارح هنا واضح، انظرهما في الكبير.
[المخالفة توجب الضمان: ]
ولما كان من أسباب الضمان المخالفة قال: أو قفل عليها بقفل نهي عنه، كضعها في تابوتك مثلًا ولا تقفل عليها، فقفل، ضمن؛ لطمع السارق في القفل.
ومفهومه: عدم الضمان إن لم ينهه فقفل ومفهومه أيضًا عدم الضمان إن لم يقفل وهو كذلك.
أو خالف بوضع بنحاس في أمره بوضعها بفخار؛ لما فيه من إغراء السارق.
стр. 2628
[ما لا ضمان به: ]
لا إن زاد قفلا أو عكسه في الفخار على ما أمره به؛ فإنه لا يضمن، ولم يبين المؤلف آلة القفل على من إذا قال: أقفل.
وفي المذهب لابن راشد: القفل والغلق على رب الوديعة.
أو أمر بربط بكم فأخذ باليد فضاع لم يضمن؛ لأن اليد أكثر حفظا.
ابن شاس: إلا أن يريد بجعلها في الكم إخفاءها عن غاصب فيضمن بجعلها في اليد.
وتوركُ البساطي على المؤلف بقوله: (لم نر زيادة الربط في الرواية) غيرُ ظاهر؛ لأن المصنف ليس مقيدا بالاقتار على الرواية، وقد قال ابن شعبان: لو ربطها في داخل كمه أو خارجه كان حرزا، ولو شدها في وسط كان حرزا، ولو ثنى عليها بالسراويل بغير شدها لم يكن حرزا.
حكى ذلك عنه ابن عرفة، وفي المذهب لابن راشد: لو أودعها في المسجد فجعلها في نعله فضاعت لم يضمن، ولو نثرها منه نسيانا ضمن.
ابن وهب: ولو كانت صرة فجعلها في نعله ضمن.
كجيبه لا يضمن بوضعها فيه إذا خالف الكم على المختار عند اللخمي، لاسيما جيب أهل المغرب.
[الضمان بالنسيان: ]
وضمن بنسيانه في موضع إيداعها وضمن بدخوله الحمام بها.
قال سحنون: من أودع وديعة فصرها في كمه مع نفقته ودخل بها الحمام فضاعت ثيابه بما فيها ضمن.
وانظر: هل لقوله الحمام مفهوم.
[مسألة: ]
وضمن بخروجه بها في كمه يظنها له فضاعت؛ لأنه جناية، لا إن
стр. 2629
نسيها في كلمه فضاعت حيث أمره بجعلها فيه فوقعت منه فلا ضمان على الأصح.
[اشترط الضمان يسقطه: ]
ولا يضمن إن شرط عليه ربها الضمان؛ لأن شرطه مخرج لها عن حكم الوديعة.
[مسألة: ]
وبضمن بإيداعها عند غيره، وإن كان أمينا؛ إذ لم يرض ربها إلا بأمانته، وهذا هو الفرق بين هذا وبين الملتقط يودع عند مثله في الأمانة لا ضمان عليه.
وإن أودعها بسفر، إلا لعذر كما يأتي، ومحل الضمان إذا أودع لغير أمة أو زوجة، وأما لهما فلا ضمان عند مالك.
ابن القاسم: وعدم ضمانه إن عتيدا بذلك، فلو لم يعتد كل منهما بذلك بأن أودع عندهما عقب التزويج أو الشراء ضمن، وحمله أكثر الأشياخ على التفسير، وبعضهم على الخلاف.
تنبيه:
تخصيصه الزوجة والأمة مخرج لأجيره الذي في عياله، ولعبده، وجعلها في المدونة كالزوجة والأمة، وعليه درج صاحب الشامل.
وهل حكم إيداع الزوجة عند زوجها كإيداعه عندها أو لا؟ قولان.
وترك التاء من اعتيدا نظرًا للتخصيص.
[مسألة: ]
إلا أن يودع لعورة حدثت، كذا قيد أشهب العورة بحدوثها، كـ: خراب منزله إذا أودع فيه عامرا فخرب، أو زاد خرابه، وأما لو بقي على حاله، وربها عالم، فالضمان.
стр. 2630
أو أودع لسفر، أي: لإرادته عند عجز الرد لربها، فإن سافر مع القدرة على ردها وضاعت ضمنها.
وظاهره كالمدونة، لا فرق بين العين وغيرها، وتردد البساطي في جعل العجز عن الرد قيدا في هذه فقط، أو فيها وفي التي قبلها.
وإن سافر بها سفرا لا ضمان فيه، ثم أودع بسفر لمسافر أو عورة أو غيره فلا ضمان عليه، وكذا لو طرحها خوف لصوص، أو طرحها لمن ظن نجاته بها، كراكب أو عالم أو صالح، فضاعت، فلا ضمان عليه، ولا يصدق أنه خاف عورة منزله، أو أنه أراد سفرا، كما في المدونة، بل لابد من ثبوت ذلك؛ ولذا قال: ووجب الإشهاد بالعذر، أي: يشهدهم العذر، ولا يكفي أن يقول: اشهدوا أني إنما أودعت لعذر.
[مسألة: ]
وبرئ المودع بالفتح إن رجعت سالمة من إيداعه إياها لغيره، ثم ضاعت بعد ذلك، فهي غير مكررة مع قوله قبل: (إلا أن ترد سالمة)، وهو خلاف تقرير الشارحين له بما يوجب التكرار، فتأمله.
[مسألة: ]
وعليه وجوبًا استرجاعها إذا أودعها لعذر إن نوى الإياب عند إيداعها وقت سفره، ثم سافر ورجع؛ لأنه التزم حفظها لربها، ولا يسقط عنه إلا للعذر الذي سافر فيه، وإن لم ينو الإياب عند إيداعها بل سافر منتقلا، أو لا نية له، ثم عاد لم يجب عليه استرجاعها.
تتمة:
ولا يعلم من هذا عين الحكم. وقال البساطي: المنصوص الاستحباب.
[مسألة: ]
ويضمن ببعثه بها لربها بغير إذنه فتلفت، أو يأخذها اللصوص، ويدعي إذن ربها، وينكر بها ذلك.