ثم إن تلف بعضه، أي: المثلي المخلوط فبينكما على قدر المالين، ويتحاصان فيما بقي؛ لأن الذي لكل منهما غير معروف بعينه؛ ولذا قال: إلا أن يتميز ما لكل منكما فمصيبته من ربه عند مالك ومن وافقه، فلو ضاع دينار من ثلاثة واثنين، وواحد لثلاثة فنسبة ما لكل فعلى صاحب الثلاثة نصف، وعلى صاحب الاثنين ثلث، وعلى ذي الواحد سدس.
وقيل: غير ذلك.
[المنتفع ضامن: ]
ويضمن بانتفاعه بها إن تلفت فيما تعطب في مثله، وأما فيما لا تعطب في مثله فلا، انظر ذلك في الكبير مثلية كانت أو مقومة، كحنطة بأكلها، أو دابة يركبها.
أو سفرة بها إن قدر على أمين يجعلها عنده، فإن لم يجد أمينا، وخشي التلف إن تركها فالضمان، قاله اللخمي.
إلا أن ترد سالمة لموضعها بعد انتفاعه بها وبعد سفره فلا يضمنها إن تلف بعد ذلك؛ لأن موجب الضمان الهلاك، لا مجرد الانتفاع.
وظاهر كلامه: أنه يصدق في دعوى الرد، ولو بغير إشهاد، وهو كذلك؛ لأنه لا يعلم إلا منه.
وظاهره أيضًا: سافر بأهله وماله أم لا، سفر نقلة أو تجارة أو زيارة، وهو كذلك، قاله في الكافي.
[السلف المقوم للمودع: ]
وحرم على مودع عنده مليء أو معدم سلف مقوم، كعرض وحيوان اتفاقًا؛ لاختلاف الأغراض فيه، ولأنه من شراء الشيء بغير إذن ربه.
وحرم سلف معدم مثليا كان أو مقوما، ابن عبد السلام: ومن بيده قدرها وأزيد منها بيسير كالمعدم، وأقره المصنف، واستظهره صاحب الشامل.
стр. 2627
[مسألة: ]
وإن لم يكن المودع مقوما ولا المودع عنده معدما كلره النقد والمثلي للمليء، كذا في وديعتها، وفي لقطتها: المنع، كالتجارة بها يكره.
[الاتجار بالوديعة: ]
وإن تجر بها كان الربح له؛ إذ لو تلفت لضمنها، ونحوه في المدونة، ومثلها لو تجر بمال اليتيم.
[ضياع المحرم: ]
وبرئ متسلف الوديعة إن رد غير المحرم، وهو تسلفه النقد أو المثلي للمليء فضاع على المشهور، رده بإشهاد أو لا، كانت مربوطة أو مختومة، وعلى المشهور لا يصدق إلا بيمين، إلا بإذن مطلق في التسلف منها، أو مقيد كأن يقول: إن احتجت فخذ؛ فإنه يضمن ما أخذه ولا يبرئه الرد لأمانته؛ لأن السلف من المالك فصار كسائر الديون، وإذا أخذ الوديعة بإذن مطلق أو مقيد ورده وضاع مع الباقي، ضمن المأخوذ فقط، ولا يبرئه دعوى الرد.
وتعقب البساطي تقرير الشارح هنا واضح، انظرهما في الكبير.
[المخالفة توجب الضمان: ]
ولما كان من أسباب الضمان المخالفة قال: أو قفل عليها بقفل نهي عنه، كضعها في تابوتك مثلًا ولا تقفل عليها، فقفل، ضمن؛ لطمع السارق في القفل.
ومفهومه: عدم الضمان إن لم ينهه فقفل ومفهومه أيضًا عدم الضمان إن لم يقفل وهو كذلك.
أو خالف بوضع بنحاس في أمره بوضعها بفخار؛ لما فيه من إغراء السارق.
стр. 2628
[ما لا ضمان به: ]
لا إن زاد قفلا أو عكسه في الفخار على ما أمره به؛ فإنه لا يضمن، ولم يبين المؤلف آلة القفل على من إذا قال: أقفل.
وفي المذهب لابن راشد: القفل والغلق على رب الوديعة.
أو أمر بربط بكم فأخذ باليد فضاع لم يضمن؛ لأن اليد أكثر حفظا.
ابن شاس: إلا أن يريد بجعلها في الكم إخفاءها عن غاصب فيضمن بجعلها في اليد.
وتوركُ البساطي على المؤلف بقوله: (لم نر زيادة الربط في الرواية) غيرُ ظاهر؛ لأن المصنف ليس مقيدا بالاقتار على الرواية، وقد قال ابن شعبان: لو ربطها في داخل كمه أو خارجه كان حرزا، ولو شدها في وسط كان حرزا، ولو ثنى عليها بالسراويل بغير شدها لم يكن حرزا.
حكى ذلك عنه ابن عرفة، وفي المذهب لابن راشد: لو أودعها في المسجد فجعلها في نعله فضاعت لم يضمن، ولو نثرها منه نسيانا ضمن.
ابن وهب: ولو كانت صرة فجعلها في نعله ضمن.
كجيبه لا يضمن بوضعها فيه إذا خالف الكم على المختار عند اللخمي، لاسيما جيب أهل المغرب.
[الضمان بالنسيان: ]
وضمن بنسيانه في موضع إيداعها وضمن بدخوله الحمام بها.
قال سحنون: من أودع وديعة فصرها في كمه مع نفقته ودخل بها الحمام فضاعت ثيابه بما فيها ضمن.
وانظر: هل لقوله الحمام مفهوم.
[مسألة: ]
وضمن بخروجه بها في كمه يظنها له فضاعت؛ لأنه جناية، لا إن
стр. 2629
نسيها في كلمه فضاعت حيث أمره بجعلها فيه فوقعت منه فلا ضمان على الأصح.
[اشترط الضمان يسقطه: ]
ولا يضمن إن شرط عليه ربها الضمان؛ لأن شرطه مخرج لها عن حكم الوديعة.
[مسألة: ]
وبضمن بإيداعها عند غيره، وإن كان أمينا؛ إذ لم يرض ربها إلا بأمانته، وهذا هو الفرق بين هذا وبين الملتقط يودع عند مثله في الأمانة لا ضمان عليه.
وإن أودعها بسفر، إلا لعذر كما يأتي، ومحل الضمان إذا أودع لغير أمة أو زوجة، وأما لهما فلا ضمان عند مالك.
ابن القاسم: وعدم ضمانه إن عتيدا بذلك، فلو لم يعتد كل منهما بذلك بأن أودع عندهما عقب التزويج أو الشراء ضمن، وحمله أكثر الأشياخ على التفسير، وبعضهم على الخلاف.
تنبيه:
تخصيصه الزوجة والأمة مخرج لأجيره الذي في عياله، ولعبده، وجعلها في المدونة كالزوجة والأمة، وعليه درج صاحب الشامل.
وهل حكم إيداع الزوجة عند زوجها كإيداعه عندها أو لا؟ قولان.
وترك التاء من اعتيدا نظرًا للتخصيص.
[مسألة: ]
إلا أن يودع لعورة حدثت، كذا قيد أشهب العورة بحدوثها، كـ: خراب منزله إذا أودع فيه عامرا فخرب، أو زاد خرابه، وأما لو بقي على حاله، وربها عالم، فالضمان.
стр. 2630
أو أودع لسفر، أي: لإرادته عند عجز الرد لربها، فإن سافر مع القدرة على ردها وضاعت ضمنها.
وظاهره كالمدونة، لا فرق بين العين وغيرها، وتردد البساطي في جعل العجز عن الرد قيدا في هذه فقط، أو فيها وفي التي قبلها.
وإن سافر بها سفرا لا ضمان فيه، ثم أودع بسفر لمسافر أو عورة أو غيره فلا ضمان عليه، وكذا لو طرحها خوف لصوص، أو طرحها لمن ظن نجاته بها، كراكب أو عالم أو صالح، فضاعت، فلا ضمان عليه، ولا يصدق أنه خاف عورة منزله، أو أنه أراد سفرا، كما في المدونة، بل لابد من ثبوت ذلك؛ ولذا قال: ووجب الإشهاد بالعذر، أي: يشهدهم العذر، ولا يكفي أن يقول: اشهدوا أني إنما أودعت لعذر.
[مسألة: ]
وبرئ المودع بالفتح إن رجعت سالمة من إيداعه إياها لغيره، ثم ضاعت بعد ذلك، فهي غير مكررة مع قوله قبل: (إلا أن ترد سالمة)، وهو خلاف تقرير الشارحين له بما يوجب التكرار، فتأمله.
[مسألة: ]
وعليه وجوبًا استرجاعها إذا أودعها لعذر إن نوى الإياب عند إيداعها وقت سفره، ثم سافر ورجع؛ لأنه التزم حفظها لربها، ولا يسقط عنه إلا للعذر الذي سافر فيه، وإن لم ينو الإياب عند إيداعها بل سافر منتقلا، أو لا نية له، ثم عاد لم يجب عليه استرجاعها.
تتمة:
ولا يعلم من هذا عين الحكم. وقال البساطي: المنصوص الاستحباب.
[مسألة: ]
ويضمن ببعثه بها لربها بغير إذنه فتلفت، أو يأخذها اللصوص، ويدعي إذن ربها، وينكر بها ذلك.
стр. 2631
[مسألة: ]
ويضمن بإنزائه عليها بأن يحمل عليها الذكور فمتن من الإنزاء، وإن من الولادة، قاله ابن القاسم.
وبالغ على ذلك لمخالفته قول مالك: لا ضمان إن متن من الولادة.
ولأشهب: عدم الضمان في الموت من الإنزاء كأمة زوجها المودع بغير إذن سيدها فماتت من الولادة، وكذا من الوطء.
ابن ناجي: على المشهور.
وعليه لو اقتصر على قوله: (فماتت)، لكان أحسن؛ ليشمل المسألتين.
وأشعر قوله: (أمة) بأنه لو زوج العبد لم يضمن، وهو كذلك، والسيد مخير.
[مسألة: ]
ويضمن بجحدها من أصلها إن أعسر بها بعده، أو قامت البينة، وإلا فلا ضمان.
تنبيه:
لو لم يجحدها، بل قال: لا يلزمني تسليم شيء إليك، لَقُبِلَ؛ إذ لا تناقض بين كلامه، ونحوه في النوادر عن ابن حبيب.
ثم في قبول بينة الرد بعد الجحد لأنه أمين، واستحسنه اللخمي، وعدم قبولها وهو المشهور خلاف.
[مسألة: ]
ويضمن بموته، أي: المودع، ولم يوص بها ولم توجد بعينها في تركته، عينا كانت أو عرضًا أو طعاما، ويحمل على أنه تسلفها، قاله مالك.
إلا أن يتقادم الأمر لكعشر سنين، فيحمل على أنه ردها حينئذ لربها.
قال: والسنة يسيرة.
стр. 2632
ومفهوم (لم يوص): أنه لو أوصى بها لا يكون ضامنا، فإن كانت باقية أخذها ربها، وإن تلفت فلا ضمان.
ويدخل في قوله: (أوصى بها) ما لو قال: هي بموضع كذا، ومات ولم توجد، فإنه لا ضمان، وتحمل على الضياع؛ لأنه لم يستلفها.
وظاهر كلام المنصف الإطلاق، سواء كانت الوديعة ثابتة ببينة أو باعتراف المودع، وتبعه في إطلاقه صاحب الشامل، وهو تبع ابن الحاجب، وقبله ابن عبد السلام وابن هارون، وتعقب ذلك ابن عرفة، انظره في الكبير.
[مسألة: ]
وأخذهما -أي: الوديعة- مالكها بكتابة إن ثبت عليها أنها له تفسير لكتابة إن ثبت أن ذلك خطه، أي: مالكها، أو ثبت أنه خط الميت عند أصبغ.
وقال ابن القاسم: إذا وجد عليها خط الميت أي لا خط صاحبها.
ابن دحون: لاحتمال أن يكون بعض الورثة أخرجها له، فكتب عليها اسمه.
وظاهره: ولو انفردت هذه الوديعة بالكتابة عليها دون غيرها.
[مسألة: ]
ويضمن بسعيه، أي: مشي المودع بالفتح بها، أي: بالوديعة لمصادر، أي: ظالم.
وقال بعض متأخري المغاربة: هو المكاس والعشار.
والأول أعم، ومصادر: اسم فاعل، ويصح كونه اسم مفعول.
[مسألة: ]
ويضمن بموت المرسل معه بمال لبلد يوصله لآخر بضاعة أو غيرها،
стр. 2633
إن لم يصل إليه أي: البلد، ولم يوجد المال معه، ويكون في تركة الرسول.
ابن يونس: ويحمل على أنه تعدى عليها.
ومفهوم الشرط: أن الرسول لا يضمنها بعد وصوله إن زعم المرسل إليه أنه لم يدفع له شيئًا ولم توجد في تركة الرسول، ويحمل على أنه دفعها.
[مسألة: ]
ويضمن بانتفاعه بكلبس الثوب وركوب الدابة.
قال الشارحان: هو مستغنى عنه بقوله فيما سبق: (وبانتفاعه بها). وقد يقال: أعاده ليرتب عليه قوله: والقول له، أي: مع يمينه إن ردها سالمة إن أقر بالفعل، كاللبس والركوب؛ إذ لم يعرف ذلك إلا بقوله.
ومفهوم الشرط: لو قامت بينة بالفعل فادعى أنه ردها سالمة لم يقبل قوله، وهو كذلك عند محمد.
قال: وهو قول أصحابنا.
وإن أكراها، أي: الدابة المودعة لمكة مثلًا، ورجعت بحالها سالمة كما كانت عليه، إلا أنه حبسها عن أسواقها، بحيث منعك يا مالكها منها، فلك إن شئت قيمتها يوم كرائه؛ إذ هو يوم التعدي عليه، ولا كراء لك إن أخذت قيمتها، أو أخذه -أي: كراءها- وأخذهما معه.
[مسألة: ]
ويضمن بدفعها لشخص مدعيا أنك يا مودع أمرته به، أي: الدفع، وأنكرت ذلك، وحلفت أنك لم تأمره به، وإلا بأن نكلت عن اليمين حلف المودع -بالفتح- وبرئ من الضمان، إلا ببينة على الأمر، مستثنى من الذي اقتضاه قوله: (وبدفعها)، أي: وضمن بدفعها إلا ببينة على الأمر.
وقول البساطي: (في الاستثناء شيء) ظاهر.
стр. 2634
وحيث ضمن وغرم إذا دفع مدعيا أنك أمرته ولم تصدقه رجع على القابض بما أخذه منه، وإن بعثت إليه بمال فقال المبعوث إليه: تصدقت به علي وأنكرت، وقلت: بل هو وديعة، فالرسول شاهد عليك بالصدقة.
قال في الشامل: على الأصح، فيحلف معه ويأخذه.
[مسألة: ]
وهل تقبل شهادة الرسول مطلقا سواء كان المال باقيًا بيد المبعوث إليه أو لا، أو إنما تقبل شهادته إن كان المال باقيًا بيده، أي: بيد المبعوث إليه في ذلك تأويلان:
الأول: قول لابن القاسم بالجواز.
والثاني: لأشهب بعدمه.
واختلف هل قول أشهب وفاق، فيكون معناه: أن المبعوث إليه بعد، أو خلاف؟ وعليه فالتأويلان ليسا على عادته، بل عادته في مثل هذا أن يقول: وهل خلاف أو وفاق تأويلان، انظر الكبير.
[مسألة: ]
ويضمن الوديعة بدعوى من هي بيده الرد على وارثك يا مودع بالكسر؛ لأنه يأتمنه عليها أو المرسل إليه المنكر، أي: ويضمن بإنكار المرسل إليه مال مع رجل على وجه السلف أو الصلة أو الصدقة أو ثمن مبيع، أو ليشتري به سلعة للمرسل إذا قال الرسول: دفعته كعليك، أي: كدعوى من بيده الوديعة ردها لربها، إن كانت له، أي: لربها ببينة شاهدة به، أي: بالإيداع، مقصودة تلك البينة للتوثق؛ إذ لم يأتمنه حينئذ على ردها، بل على حفظها فقط؛ ولذا لو ادعى ضياعها صدق، قاله مالك وجميع أصحابه، ولو دفعها بغير بينة لقبل قوله في ردها، وكذا لو لم تكن البينة مقصودة للتوثق، بل كان حضورها اتفاقيا فكالعدم.
لا بدعوي التلف، فلا يضمن إن ادعاه، ولو قبضها ببينة مقصودة؛ لأنه أمين على حفظها، أو دعوى عدم العلم بالتلف أو الضياع، أي: فلا
стр. 2635
يضمن إذا ادعى أنه لا يعلم هل تلفت أو ضاعت لكفاية كل منهما في عدم الضمان، وحمله الشارح على أنه قال: لا أدري أضاعت أم رددتها.
ولما حمله على ذلك احتاج إلى تقييد كلام المؤلف بما إذا لم تكن هناك بينة.
وقال البساطي بعد أن قرره بنحو ما قلناه: ويحتمل أن يريد أن أحدهما اقترن مع الرد، فقال: لا أدري أتلف أم رددتها، أو: لا أدري أضاعت أم رددتها، فإن أراده حمل على ما إذا قبضها بغير بينة.
[مسألة: ]
وحلف المتهم (١)، البساطي: هو الذي شأنه التساهل، إذا ادعى الرد
стр. 2636
حيث يقبل، أو ادعى التلف أو الضياع.
وظاهر كلام المصنف: أن غير المتهم لا يحلف، والمنقول أنه يحلف في دعوى الرد بلا نزاع؛ لأنه تحقق عليه الدعوى، وفي دعوى التلف أو الضياع مشهورهما يحلف المتهم دون غيره، ويحتمل أن يريده المؤلف؛ لأنه عقبه لما يتعلق بالتلف والضياع، لكنه أخل على هذا التقدير بحكم اليمين في الرد انتهى.
وفيه نظر، بل حلف المتهم متفق عليه في دعوى الرد على المشهور، وجعلُ الشارح في الوسط الرد موضع الخلاف والتلف موضع الاتفاق، سبقُ قلم؛ ولذا أصلح في بعض النسخ.
ولم يفده -أي: المودع بالفتح- شرط نفيها -أي: اليمين- في
стр. 2637
دعوى التلف أو الرد، وحيث لم يفده الشرط فإن نكل المتهم عن اليمين حلفت يا رب الوديعة وغرمها المتهم على المشهور.
[مسألة: ]
ولا ضمان على رسول إن شرط الدفع للمرسل إليه بلا بينة، إذا ثبت الشرط، ويضمن بقوله -أي: المودع بالفتح- تلفت قبل أن تلقاني بعد منعه دفعها لربها لعذر اعتذر به، ثم قال بعده: ذهبت قبل أن تلقاني؛ لإقراره بها.
وفهم منه أنه اعتذر من قوله كقوله: تلفت بعده، أي: بعد ما لقيتني بلا عذر، فإن كان لعذر لم يضمن.
البساطي: فإن قلت: موضوع المسألة أنه اعتذر، قلت: الاعتذار ثابت في الصورتين، ولكن ليس كل اعتذار يكون عذرا في الشرع.
[مسألة: ]
لا إن قال والمسالة بحالها: لا أدري متى تلفت: أقبل أن تلقاني أو بعده لم يضمن؛ حملا على أنها تلفت قبله، ولم يعلم بذلك، أو حال الملاقاة؛ إذ الأصل فيها عدم ضمانها.
[مسألة: ]
وضمن بمنعها عند طلبها حتى يأتي الحاكم بفتح الميم أو ضمها، إن لم تقم بينة بالتوثق بإيداعها لقبول قوله حينئذ.
ومفهوم الشرط: إن قامت بينة لم يضمن للعذر، وسأل البساطي: هل للحاكم خصوصية حتى لو وجد بينة تشهد بالرد فامتنع يكون باقيًا على عذره، أو المقصود من الحاكم ما بيده، ولا خصوصية للحاكم.
قلت: في تعليل بعض هذه الأقوال ما يدل على خصوصية الحاكم أنه
стр. 2638
يقول: أخاف أنه طرأ عليه سفه أو نحوه.
لا إن قال عند طلبها منه: ضاعت منذ سنين وكنت أرجوها، سواء لم يحضرها صاحبها أو ولو حضر صاحبها، فلا يضمنها عند ابن القاسم؛ لأن الأصل براءة الذمة، كالقراض يدعي ضياعه فلا ضمان عند ابن القاسم.
[مسألة: ] (١)
وليس له -أي: المودع بالفتح- الأخذ منها -أي: يحرم عليه الأخذ من
стр. 2639
الوديعة- لمن ظلمه في شيء من بيع أو شراء أو إيداع أو غيره بمثلها عند مالك في المدونة؛ لخبر: "أد الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك" (١).
стр. 2640
وقصرُ الشارح المثلية على أن الأولى وديعة أيضًا قصورٌ، وفهم من قوله: (بمثلها) المنع بما لو ظلمه بغيرها أحرى.
[أخذ الأجرة على الوديعة: ]
ولا له أخذ أجرة حفظها؛ لأنه ليس من سنتها، ولخروجها عن هذا الاسم بالأجرة مع ثبوت هذا الاسم لها لغة، بخلاف أجرة محلها، فله ذلك، ونحوه قول ابن الحاجب: (وله أجرة موضعها دون حفظها)، أي: إذا كانت مما يشغل منزلا فطلب أجرة موضعها فذلك له، ونحوه في المقدمات.
ابن عبد السلام: أطلق المصنف وغيره هذا، وعندي أنه يتقيد بمن يقتضي حاله طلب الأجرة، كما هو المذهب في رب الدابة بإذن لرجل، ويقول راكبها: إنما ركبتها عارية، ويقول ربها: إنما كان الإذن بإجارة، فالقول لربها إذا كان مثله يكري الدواب انتهى.
ولم يقيد به المصنف هنا مع أنه ذكره في توضيحه، وأقره، وفهمُ البساطي أن تعقب ابن عبد السلام في أجرة الحفظ لا المحل غيرُ ظاهر، فتأمله.
[مسألة: ]
ولكل من ربها ومن المودع تركها بعد وقوعها، فلربها أخذها، وللمودع ردها.
[مسألة: ]
وإن أودع صبيا أو سفيها وديعة، أو أقرضه شيئًا، أو باعه فأتلف ذلك كله، لم يضمن شيئًا من ذلك، وفاعل (يضمن) أحدهما لا بعينه.
وإن كان ذلك بإذن أهله، هذا بعد الوقوع، ولا يؤخذ منه جواز إذنهم له اتبداء، بل مكروه؛ نص عليه في التهذيب، وكذا يكره الإذن للسفيه للتغرير بإتلاف المال.
стр. 2641
[مسألة: ]
وتعلقت بذمة العبد المودع بالفتح المأذون له في التجارة إذا تعدى عليها عاجلا، أي: فتؤخذ منه الآن كالحر، ولا يستأنى بذلك خلافًا لأشهب، قائلًا: ولا تتعلق برقبته.
وفهم من قوله: (بذمته) أي لا فيما بيده من مال السيد، وليس للسيد فسخ ذلك عنه.
وتعلقت بذمه غيره، أي: غير المأذون، فيتبع بها إذا عتق، لا برقبته؛ إذ ليست جناية كسائر الجنايات، إن لم يسقطه السيد عنه، وإن كان له الإسقاط؛ لأنه يعيبه.
[مسألة: ]
وإن قال من عنده الوديعة لاثنين مثلا: هي لأحدكما ونسيته، فلا أميزه الآن، تحالفا، أي: حلف كل منهما أنها له، وقسمت بينهما نصفين، كما لو نكل أحدهما أخذها الحالف.
ولو عين من هي عنده أحدهما قبل مع يمينه، ولو قال: ليست لواحد منكما لم يقبل، وكانت بينهما بالأيمان.
وفهم من قوله: (قسمت) أنه لا يلزمه قدرها للآخر، وهو كذلك، حكاه ابن يونس.
ابن المواز: يلزمه قدرها له.
وأشعر كلامه بأمور منها:
- أن هذا الحكم مع بقائها تحت يد المودع، وهو كذلك؛ إذ لو قال: رددتها لأحدهما، فإن لم يثبت أيهما هو ضمن قدرها لكل منهما.
- ومنها: أن هذا [في الوديعة دون الدين، وهو كذلك
стр. 2642
عند ابن عبد الحكم] (١) [يغرمه لكل منهما محمد هما سواء ومنها إن هذا] (٢) مع اتحاد قدرها، وأما لو اختلف بأن أودعه واحد مائة، وآخر خمسين، ونسي من صاحب المائة منهما، وادعاها كل منهما، فقال سحنون: تحالفا على المائة، واقتسماها، وأما الخمسون الباقية فتبقى بيد المودع؛ إذ ليس لها مدع.
[مسألة: ]
وإن أودع عند اثنين وديعة جعلت بيد إلا عدل منهما، وفهم منه: أنهما لو تساويا لكانت بأيديهما معا.
قال في الشامل: ولا ضمان إن اقتسماها.
وفهم من: (أعدل) أنهما لو كانا غير عدلين لم يكن الحكم كذلك، وحينئذ فيحتمل أن يجعلها الحاكم عند غيرهما كالوصيين، ويحتمل أن تبقى بأيديهما، فانظره، واللَّه تعالى أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه العارية وفروعها، فقال: صح وندب إعارة مالك منفعة بملك أو إجارة أو عارية، فلا يشترط فيها ملك الرقبة، ففي وصايا المدونة الثاني: للرجل إن يؤاجر ما أوصى له به من سكنى دار وخدمة عبد.
وقيد مالك المنفعة بقوله: بلا حجر عليه، وإن كان مالك المنفعة مستعيرًا.
و(إعارة): فاعل (صح)، لا نائب فاعل (نُدِب)، فلا تصح من عبد
стр. 2643
ولا صبي ونحوهما، ووجه تعيين كون فاعل صح أنه المحدث عنه بالأصالة، وأيضًا بلا حجر إنما هو قيد في الصحة لا في الندب، وكذا قوله: (وإن مستعيرا)؛ إذ لم يقل أحد أنه يندب للمستعير أن يعير، بل الخلاف في الصحة.
[من لا تصح منه الإعارة: ]
لا مالك انتفاع، وهو: من ملك المنفعة المعبنة، فلا يعير، كسكنى بيوت المدارس والربط والجلوس في المساجد والأسواق، ويستثنى من ذلك ما جرت به العادة من إنزال الضيف المدارس المدة اليسيرة، فلا يجوز إسكان بيت المدرسة دائمًا ولا إيجاره إن عدم الساكن، ولا الخزن فيه، ولا بيع ماء الصهاريج، ولا استعماله فيما لم تجر به العادة، ولا يتغطى ببسط الوقف، وليس للضيف بيع الطعام، وله إطعام الهر والسائل.
[شرط المتبرع له: ]
وأشار للركن الثاني بقوله: من أهل التبرع عليه بالشيء المعار، وهو متعلق بقوله: (إعارة)، فلا يعار مسلم لكافر، كما يأتي.
[شرط المستعار: ]
وأشار للركن الثالث، وهو المستعار وشرطيه، بقوله: عينا لمنفعة، مع بقاء ذاتها، فالمعار العين، والمقصود من إعارتها حصول منفعة مباحة، وعدل عن قول ابن الحاجب: (المستعار منفعة مع بقاء العين)؛ لأنه متعقب.
تنبيه:
قال البساطي: وقع للشارح أن اللام هنا للتعليس، وأن عينا معمول: (مالك منفعة)، فإنه قال: عينا معمول لما قبله، وكلاهما سهو انتهى.
أي: فإن عينا معمول للمصدر، الذي هو إعارة، واللام كما قال:
стр. 2644
تشبه لام العاقبة (١)، وبيانه: أن عاقبة حصول الثواب المندوب فعله، لا أنها لأجل المنفعة، وقد يجاب عن الشارح بأن قوله: (لما قبله) صادق بالمصدر، وبأن الظاهر أن اللام للعلة.
[من ليس من أهل التبرع: ]
ثم أخرج من أهل التبرع قوله: [١] لا كذمي مسلما، فلا يعار؛ لما فيه من إذلال المسلم، وهو ممنوع، ونبه بالذمي على أن المنع في الحربي أحرى.
ودخل بالكاف: المصحف والسلاح لقتل مسلم، والآنية لشرب الخمر ونحوه.
[٢] وجارية للوطء، فلا تعار لذلك؛ للإجماع على انحصار حل الوطء في نكاحها أو ملكها التام.
تنكيت:
لو قال (استمتاع) بدل (وطء) لكان أحسن.
[٣] أو خدمه لغير محرم منها يحرم ذلك، وظاهره: ولو كان مأمونا، وله أهل متجالة أو لا، شيخا فانيا أو لا، وللخمي: الجواز للمأمون ذي الأهل، وأما إعارتها لمحرمها فجائز؛ لانتفاء المانع.
стр. 2645
ويشبه المحرم من لا تحل له من أقارب المعير إذا أصابها كولده وأبيه وجده والصغير والمحرم.
[٤] أو إعارتها لمن تعتق عليه؛ فإنه ممنوع، وهي -أي: منفعتها من عاريتها ممن تعتق عليه- لها، دون المعير والمعار له.
تنبيه:
تخصيص الجارية بالمسألة الجارية الأولى والثانية ظاهر؛ إذ لا يعار العبد للاستمتاع، وفي الثانية يجوز إعارتها للخدمة، وأما الثالثة فلا فرق بينهما.
[ما ليس من باب العارية: ]
والأطعمة والنقود قرض لا عارية، وعلله المصنف وغيره بأن الانتفاع بها يستلزم زوال عينها.
[لفظ الإعارة: ]
وأشار للركن الرابع، وهو: ما تكون به الإعارة بقوله: بما يدل على معناها قولا، كـ: أعرتك، أو نعم، جوابا لـ: أعرني، أو فعلا كالمناولة مع تقدم طلب، أو إيماء برأسه.
وجاز أعني بغلامك يوما أو يومين لأعينك بغلامي، كذلك حكاه ابن أبي زيد.
قال الشارح: ويكون إجارة أي: حال كونه إجارة، وأعربه البساطي تمييزا (١)، وهو ظاهر كلام المصنف أنه لا يشترط اتحاد موضع الإعانة؛ لأن أحدهما عوض عن الآخر.
стр. 2646
ابن رشد: إنما يجوز فيما قرب. أي: لأنه إنما مع البعد نقد في منافع معين يتأخر قبضها.
[ضمان المستعار المغيب: ]
وضمن المستعير المستعار المغيب عليه، كالثياب والحلي والعروض، إذا ادعي التلف، إلا لبينة على التلف بغير سببه، فلا يضمن، خلافًا لأشهب.
تتمة:
لم يذكر المؤلف وقت ضمانة، ولا ما يضمنه، ابن عرفة: وفي ضمان ما يقبض منها يوم العارية أو يوم ضاعت فقاسها اللخمي على الخلاف في الرهن، فإن كانت عين العارية عنده بالأمس فقيمتها يومئذ: قلّت أو كثرت، وإن لم تر من يوم أعيرت، وقيمتها يوم العارية عشرة، ويوم ضاعت ثمانية غرم عشرة؛ لأن المعير يكذبه في بقائها ليوم ضياعها، وإن كانت في اليومين على العكس أحد عشرة؛ لأنه يصدق في دعوى بقائها، والقدر المضمون منها جميعها إن لم ينقصها استعمالها بحسب ذاتها، أو قصر مدتها، وما ينقصها استعمالها يضمن باقيها بعد نقصها ذلك، ولو ثبت استهلاكه إياها قبل استعمالها بحسب ذاتها؛ لأنه صار فيها به كشريك، انظر بقية كلامه في الكبير.
[مسألة: ]
وهل ضمان ما يغاب عليه ثابت على المستعير، وإن شرط نفيه، وعزاه في المقدمات لابن القاسم، وهو المشهور، أو ضمانه غير ثابت، وهو أيضًا لابن القاسم؛ لأنه معروف، وإسقاط الضمان معروف آخر، إلا
стр. 2647
أن يكون ذلك من باب إسقاط حق قبل وجوبه، فلا يلزم على أحد القولين؟ تردد، انظر وجهه والبحث مع البساطي فيه في الكبير.
[لا ضمان في غير المغيب: ]
لا غيره أي لا غير المغيب عليه، كالدور والحيوان ولو صغيرا كطير، فلا يضمنه المستعير عند مالك وأصحابه إن لم يظهر كذبه، ولو بشرط من المعير أن ضمانه على المستعير، فظاهره: ولو شرط الضمان لأمر خافه، كطريق أو نهر أو شبهه، وهو كذلك، خلافًا لمطرف.
وإذا لم يضمن ما لا يغاب عليه فقال اللخمي: يضمن الغرس ويضمن سرجها ولجامها.
وحلف المستعير فيما علم أنه حصل في المعار بلا سببه، أي: بغير صنعه، كسوس في الثوب، وقرض فأر، وخرق مسمار، وحرق نار.
وصفة يمينه أنه ما فرط، ولا ضمان عليه، وبرئ المستعير في ما حصل بسببه، مثل كسر كسيف، ونحوه من آلة حرب استعاره للقتال، إن شهد له أنه كان معه في اللقاء للعدو، أو شهد له أنه ضرب به ضرب مثله، و (أو) في كلامه بمعنى الواو، وهو قول سحنون، انظر الكلام على هذا في الكبير؛ فإن الشارحين لهما في ذلك ما تركناه لطوله ولما فيه.
وفعل المستعير المشيء المأذون له فيه، كاستعارته دابة ليحمل إردب حنطة لموضع كذا ففعل، ومثله كعدس مكانها، ودونه كشعير مكانها، لا أضر منه، فليس لك ذلك، كقول مكانها أو أحجار.
[متى تلزم قيمة المستعار: ]
ثم تكلم على ما إذا خالف، فقال: وإن زاد على ما استعارها له ما أي: شيئًا تعطب وعطبت فله أي: للمعير قيمتها فقط يوم التعدي، أو كراؤه، أي: الزائد المتعدي فيه فقط لا غيره؛ لأن الخبرة تنفي الضرر.
قال في المدونة: وإن استعار دابة ليحمل عليها حنطة فحمل حجارة فكل ما عليها مما هو أضر مما استعارها له فعطبت فهو ضامن، وإن كان
стр. 2648
مثله في الضرر لم يضمن، كحمله عدسا مكان حنطة، أو كتانا أو قطنا مكان بر. انتهى.
وقول البساطي: (الذي يظهر لي أن المخير فيه قيمتها وكراء الذي تعدى فيه بكماله) بعيد.
كرديف تعدى المستعير في حمله معه يخير ربها كالتي قبلها، وأتبع الرديف إن أعدم المستعير والرديف مليء، ولم يعلم بالإعارة؛ لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء.
ومفهومه: لو كان المستعير مليئًا والرديف غير عالم لم يتبع الرديف، بل يتبع المستعير، وإن كان الرديف عالما والمستعير مليئًا تبع من شاء منهما، وكذا لو كان عديما، والآخر عالما.
وإلا يكن الزائد مما تعطب به فكراؤه، أي: الزائد فقط؛ لأن عطبها من اللَّه لا من الزيادة.
وظاهره: عطبت أو لا، وقول البساطي: (وعطبت) فيه نظر.
[العارية المقيدة بعمل: ]
ولزمت -أي: العارية- المقيدة بعمل، كزراعة أرض بطنا فأكثر مما لا يخلف كقمح، أو مما يخلف كقصب وقضيب، أو أجل كسكنى دار شهرا مثلا؛ لانقضائه أي العمل أو الأجل.
وإلا تكن مقيدة بأحدهما كأعرتك هذه الأرض أو الدار أو الدابة أو الثوب، فالمعتاد لازم في مثلها؛ لأن العرف (١) كالشرط.
стр. 2649
وظاهره: لزومها بالقول قبل القبض، وهو كذلك على أحد القولين.
[مسألة: ]
وله -أي: المعير الذي لم يقيد بعمل ولا أجل- الإخراج، أي: إخراج المستعير مما أعاره له في كبناء أو غرس إن دفع المعير للباني ما أنفق؛ لأنه التزم ما لا غاية له، وإن كان العرف يقيده فليس هو كتقييد الشرط.
قال في المدونة: ومن أذنت له أن يبني في أرضك أو يغرس فلما فعل أردت إخراجه، فإما بقرب ذلك مما لا يشبه أن يعيره إلى مثل تلك المدة القريبة فليس لك إخراجه، إلا أن تعطيه ما أنفق.
كذا في باب العارية، وفيها أيضًا في باب بعده: قيمته، وإلا تركته إلى مثل ما يرى الناس أنك أعرته إلى مثله من الأمد.
стр. 2650
[مسألة: ]
واختلف هل ما في الموضعين خلاف، وهو تأويل غير واحد، أو وفاق، فيجمع بينهما.
عبد الحق: يحتمل ثلاثة أوجه:
الأول: قيمته، أي: ما أنفق إن لم يشتره، بل كان ما بنى به من طين أو آجر ونحوه في ملكه، وما أنفق إذا اشتراه للعمارة بثمن.
أو قيمته إن طال الأمد؛ لتغيره بانتفاعه، وما انفق إذا كان بالقرب جدًا كاليوم واليومين فلا يكون اختلافا على هذين الوجهين انتهى.
أو قيمته إن اشتراه بغبن كثير، فيعطي القيمة بالعدل لا بحسب ما فيه مما يتغابن الناس بمثله، وما أنفق إذا لم يكن فيه تغابن، أو كان وهو يسير، وعلى هذا فلا يكون اختلاف قول تأويلات.
تنبيهان:
الأول: ظاهر قوله: (ما أنفق) أي: بغير زيادة، وفي توضيحه عن مختصر حمديس: إذا أعطى ما أنفق يعطيه إجارة مثله في كفايته، ليس على قيامه فقط؛ لأن رب الأرض قد يجد ما ينفق، ويعجز عن القيام، ولولا ذلك لشاء من عجز عن القيام أن يعير أرضا، فإن استوى البناء أو الغرس أخرجه، وقال: هذه نفقتك.
الثاني: قال أبو الحسن: وإذا أعطاه قيمته قائما فمعناه على التأبيد، بخلاف الاستحقاق؛ فإنه إذا أعطاه قيمته قائما فإنه لتمام المدة.
[مسألة: ]
وإن أنقضت مدة البناء أو الغرس المعتادة أو المشترطة فكالغاصب للأرض، فيخير المعير بين دفع قيمته مقلوعا أو أمره بقلعه، وألحقوا المستعير في هذا بالغاصب في أخذه القيمة مقلوعا كمن لا شبهة له، ولم
стр. 2651
يلحقوه بالباني بوجه شبهة كالمستحق من يده، فإنه يأخذ قيمته قائما؛ لأن شبهه به أشد.
[مسألة: ]
وإن ادعاها -أي: العارية- الآخذ لها، وادعى المالك الكراء فالقول له، أي: للمالك في الكراء؛ لأن المستعير يدعي أمرا زائدا الأصل عدمه بيمين ليدفع دعوى المستعير، إلا أن يأنف مثله عنه، أي: عن الكراء لشرفه، فالقول قول المستعير مع يمينه، فإن نكل حلف المالك، وأخذ الكراء الذي زعمه، فإن نكل أخذ كراء مثله، كزائد المسافة القول فيه قول المعير مع يمينه، إذا اختلفا، فقال المعير: من مصر مثلًا إلى العقبة، وقال المستعير: إلى الأزلم (١).
وهذا إن لم يرد أي: لم يركب المستعير الزائد الذي ادعاه، وهو الأزلم، بأن ركب المستعير الزائد، وتنازعا في الأزلم، فللمستعير أي: القول له حينئذ في نفي الضمان إن عطبت الدابة فيه، وفي نفي الكراء للزائد إن رجعت سالمة عند ابن القاسم.
ثم بالغ على أنه لا فرق في الحكم بين أن يكون المستعير هو القابض للمستعار أو رسوله بقوله: وإن كان قبض العارية برسول أرسله المستعير مخالف للمستعير، أو للمعير، أولهما؛ لأنه إنما شهد على فعل نفسه، كدعواه -أي: المستعير- في كونها مقبولة مع يمينه في رد ما لم يضمن، وهو ما لا يغاب عليه، كبعير مثلا.
ابن المواز: كل من يقبل قوله في التلف فهو مقبول في الرد، ولو ردها مع عبده أو أجبره فعطبت أو ضلت لم يضمن؛ لأن شأن الناس هذا، وإن لم يعلم ضياعها إلا بقول الرسول مأمونـ[ـا]، أو غير مأمون، ذلك سواء.
وفهم من قوله: (رد ما لم يضمن له) لو ادعى رد ما يضمن مما يغاب عليه لم يقبل، وهو كذلك.
стр. 2652
[مسألة: ]
وإن زعم حر أو رقيق أنه مرسل لاستعارة حلي من زيد لبكر، فدفع له ما طالبه، وتلف ضمنه مرسله إن صدقه أنه أرسله، إن كان مما يضمن، وبرئ الرسول.
وإلا بأن لم يصدقه أنه أرسله حلف أنه ما أرسله برئ، ثم حلف الرسول أنه أرسله وبرئ، وكانت هدرا.
[مسألة: ]
وإن اعترف الرسول بالعداء ضمن الحر في ذمته، وضمن العبد في ذمته، ويتبع إن عتق، لا في رقبته، وإن قال الرسول أوصلته لهم، أي: لمن أرسلوني، وأنكروا ذلك، فعليه اليمين أنه أوصله لهم، وعليهم اليمين أنه لم يصل إليهم، ونحو هذا كله في العتبية.
[مسألة: ]
ومؤنة أخذها -أي: حملها لمكان المستعير- على المستعير، قاله في المقدممات، كردها لمكان أخذها، فإنه على المستعير أيضًا على الأظهر؛ لأنها معروف، فلا يكلفه أجرة بعد معروف صنعه.
[مسألة: ]
واختلف في علف الدابة المستعارة وهي عند المستعير هل هو على المعير؛ إذ لو كان على المستعير لكان كراء، وربما كان علفها أكثر من الكراء، إن كان زمن غلاء، فيخرج من العارية للكراء، أو هو على المستعير؟ قولان حكاهما أبو الحسن الصغير.
وظاهر كلامه: طالت مدة العارية أو لا، وهو كذلك، ولبعض المفتين: هو على المعير في الليلة والليلتين، وأما المدة الطويلة فعلى المستعير.
* * *
стр. 2653
باب
ذكر فيه الغصب وما يتعلق به، وهو لغة: أخذ الشيء ظلما، وفي المقدمات: التعدي على رقاب المال سبعة أقسام، لكلٍّ حكمٌ يخصه، وكلها مجمع على تحريمها:
[١] الحرابة.
[٢] والغصب.
[٣] والاختلاس.
[٤] والسرقة.
[٥] والجناية.
[٦] والإدلال.
[٧] والجحد.
واصطلاحا قال المصنف كابن الحاجب: الغصب أخذ مال قهرا تعديا بلا حرابة.
فأخذ: جنس يشمل الغصب، وأخذ مال الإنسان نفسه من مودع وغيره والمشتري المبيع من بائعه.
وإضافته للمال مخرج لأخذ الحر.
وقهرا مخرج للمأخوذ اختيارا، كـ: السلف، والعارية، والقرض، والقراض، والصدقة، والإبضاع، ونحوها.
وتعديا مخرج للمأخوذ قهرا بغير تعد، كأخذ المغصوب منه ماله من الغاصب، والزكاة كرها من الممتنع.
وبلا حرابة مخرج لها لاختلاف أحكامها من حيث الجملة، وإلا فهي غصب من غير شك.
стр. 2654
[عقوبة الغاصب: ]
وأدب غاصب مميز بضرب وحبس بقدر اجتهاد الحاكم، قاله ابن رشد وابن شعبان واللخمي؛ دفعا للفساد بين العباد، لا للتحري كما يؤدب على الزنا والسرقة وغيرهما؛ تحقيقا للاستصلاح، وتهذيبا للأخلاق؛ ولذلك تضرب البهائم استصلاحا وتهذيبا لأخلاقها.
ومفهوم (مميز) عدم أدب غيره، وأما البالغ فيؤدب اتفاقًا، كمدعيه على صالح لا يتهم فيؤدب لجنايته على عرضه.
[مسألة: ]
وفي حلف المجهول حالة يدعى عليه الغصب وعدم حلفه وهو لأشهب واستظهر قولان بغير ترجيح.
[الغاصب يضمن: ]
وضمن الغاصب مميزًا أو غير مميز الشيء المغصوب بالاستيلاء عليه؛ أي: بمجرد حصوله في حوزه، ولو تلف بسماوي أو جناية غيره عليه، لقوله ﵊: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (١)؛ لأن (على) تدل على الوجوب، وقد رتبه ﷺ وصف الأخذ، فيكون وضع اليد للأخذ سببًا للضمان.
وإلا بأن لم يكن من الغاصب استيلاء فتردد في الضمان وعدمه، وقد يمثل لهذا لمن فتح باب دار فيها دواب وأهلها فيها فذهبت فلا ضمان عند ابن القاسم في المدونة؛ لوجود الحافظ، ويضمن عند أشهب إن كانت
стр. 2655
مسرحة، وإن كان فيها أهلها؛ لتيسير خروجها قبل علمهم، واختاره جماعة.
تنبيه:
ذكر هنا ترددا، وسينص على الضمان إذا لم يكن فيها أهلها، ولعله ترجح عنده.
كأن مات (١) عبد مغصوب ساعة غصبه، أو قتل عبد بعد غصبه قصاصا ضمنه الغاصب؛ لحصول الفوات تحت يده.
أو ركب دابة فهلكت ضمنها، وتقدم أن مجرد وضع اليد موجب للضمان فكيف بالركوب.
أو ذبح شاة مثلًا، فالضمان، فالذبح مفيت، وفي هذه والتي قبلها إشكال؛ لأنه تقدم أنه يضمن بمجرد الاستيلاء؛ ولذا قال ابن عرفة: لا أعرفه في الذبح نصا، بل تخريجا.
أو جحد وديعة عنده؛ لأنه حالة الجحد متعد.
стр. 2656
[سبب السبب كالسبب: ]
ثم تكلم على أن سبب السبب كالسبب ولا تشترط المباشرة بقوله: أو أكل شخص من الغاصب ما غصبه بلا علم أنه مغصوب، فإن الأكل يضمنه، ولا يريد أنه يختص بضمانه، لكن يبدأ على الغاصب لمباشرته.
أو أكره شخص شخصًا غيره على التلف لشيء ضمنه المكره بالكسر، ويضمنه المكره بالفتح أيضًا تقديما لسبب السبب.
أو حفر بئرا تعديا في أرض غيره، أو في طريق المسلمين، فإنه يضمن، فلو غرم بملكه بقصد معين لم يضمن، وقدم عليه المردي، أي: على الحافر تقديما للمباشرة لقوتها على السبب، ومثله لابن شاس وابن الحاجب.
إلا أن يحفرها لمعين قصدا لإتلافه فرده غيره فسيان القصاص في الإنسان والضمان في غيره.
أو فتح قيد عبد قيد لئلا يأبق فأبق ضمنه، كان الإباق عقب الفتح أو بعده، فلو قيد لا لهذا، بل القصد النكال لم يضمن.
أو فتح بابا على غير عاقل من بهيمة أو غيرها فذهب ضمن، إلا إن كان الفتح بمصاحبة ربه، أي: بأن كان فيها فإنه لم يضمن.
أو فتح حرزه فذهب منه شيء ضمنه، قال الشارح: على التفصيل السابق.
[ما يضمنه الغاصب: ]
ثم تكلم على ما يضمنه الغاصب، فقال: يضمن المثلي مكيلا أو موزونا أو معدودا إذا عيبه أو أتلفه، ولو غصبه بغلاء، وحكم عليه زمن رخاء بمثله، وكذا عكسه.
وإن تعذر المثلي لعدم إبانه أو يكون المغصوب لا مثل له صبر لوجوده في إبانه عند ابن القاسم في المدونة، وليس له طلبه.
стр. 2657
وقال أشهب: له ذلك.
[مسألة: ]
وإذا وجد رب المثلي الغاصب في بلد غير البلد المغصوب فيه صبر وجوبًا حتى يوجع لبلده، إن لم يكن مع الغاصب، بل كان باقيًا ببلد الغصب، ولو صاحبه في غير بلد الغصب عند ابن القاسم؛ لقوله: لا يلزمه إلا مثله في مكان الغصب.
وأشار بـ (لو) لقول أشهب: يخير الغاصب بين أخذه فيه، أو في مكان الغصب، وسواء كان البلد الذي هو فيه قريبا أو بعيدا، وهو كذلك عند ابن القاسم ومن وافقه.
[منع الغاصب من التصرف في المثلي: ]
ومنع الغاصب منه أي: من التصرف في المثلي المغصوب للتوثق، أي: لأجل التوثق لربه برهن أو ضامن اتفاقًا، ولا رد له، أي: ليس للمغصوب منه إلزام الغاصب برد المغصوب لبلد الغصب، وأجاز الشارح احتمالا آخر، ومثل له بمثال فيه نظر، انظره في الكبير.
كإجازته -أي: المغصوب منه- بيعه، أي: الغاصب معيبا زال عيبه، ولم يعلم ربه بزواله، وقال: أجزت البيع لظن بقائه، أي: العيب، ثم ظهر لي أنه زال قبل إجازتي، فلا رد له، ونحوه في المدونة.
[تسلط للمالك: ]
ولما كان لا تسلط للمالك على عين المثلي إذا وجده بغير بلده، كذلك لا تسلط له عليه إذا وجده على غير صفته، قال: كنقرة، أي: قطعة من ذهب أو فضة صيغت حليا، فليس لربها أخذها مصوغة، وإنما له مثلها وزنا وصفة عند ابن القاسم.
ومثل طين لبن، أي: ضرب لبناء يلزمه المثل، إن علم مثله، وإلا فقيمته، وكغصب قمح طحن يلزمه مثله عند ابن القاسم في المدونة وغيرها، وكغصب بذر ثم زرع لزمه مثله، وكغصب بيض وحضنه حتى أفرخ فعليه
стр. 2658
مثله، والفرخ للغاصب، إلا إن غصب من الطير ما باض إن حضن المغصوب بيض نفسه، فالفرخ للمغصوب منه.
وظاهره: ولو كان الذكر للغاصب، وهو كذلك، ومفهوم الشرط لو حضنه تحت غيره أو حضنه بيض غيره لكان الفرخ للغاصب، وعليه أجرة الحضن.
ثم عطف على ما قبل الاستثناء، فقال: وغصب عصير تخمر بعد غصبه يلزم الغاصب عصير مثله؛ لانقلابه لما لا يجوز تملكه، وإن تخلل العصير بعد غصبه خير مالكه بين مثل عصيره أو أخذه خلا إن علم، وإن كان جزافا فقيمته.
تنبيه:
أشعر قوله: (تخلل) بأنه لو لم يكمل تخلله بأن دخله طرف تخلل فقط أن الحكم ليس كذلك، وهو كما أشعر، ويقوم على الرجاء والخوف كالثمرة.
كتخللها، أي: الخمر، إذا تخللت وهي لذمي، خير بين أخذها خلا وتركها، وأخذ قيمة الخمر على الأشهر، لا في أخذه ومثل الخمر.
وقال عبد الملك: يتعين الخل.
إذا وجبت قيمتها فقال ابن القاسم: يقومها من يعرف ذلك من المسلمين.
وقال أيضًا: يقومها أهل دينه؛ بناء على خطابهم بالفروع.
وتعين ما تخلل من خمر غصب لغيره، أي: لغير ذمي، وهو المسلم فقط، ولذا تعقبه الشارح بأن غيره يتناول الحربي المعاهد ونحوهما ضمن، ليس في أهل الذمة، وليس كذلك؛ لمساواة حكمهم للذمي، فلو قال: كتخللها لكافر لكان أحسن. انتهى.
стр. 2659
[القيمة في المقوَّم: ]
ولما فرغ من الكلام على المثلي، تكلم على المقوم، فقال: وإن صنع كغزل وحلي وغير مثلي كعرض وحيوان فقيمته؛ لتعذر إدراك المماثلة فيه، والتزام قيمته تكون يوم غصبه على المشهور؛ لأنه سبب لضمان، فوجب إضافة الحكم، وذكر لي بعض من وقف على خط المؤلف -رحمه اللَّه تعالى- أنه بضاد معجمة فمثناة تحتية مشددة مبني للفاعل، وغير بالرفع (١)، وغصبه فعل ماض.
قال في الشامل: ولو استهلك غزلا أو أتلف حليا فالقيمة. وظاهر كلام المصنف بأن الغزل والحلي مثلي؛ لقوله: (غير مثلي)، بناه على أصل غير ابن القاسم أن الصنعة لا تنقله، وأما على أصل ابن القاسم فإن المثلي إذا دخلته صنعة نقلته عاد بسببها من ذوات القيم فمقوم.
стр. 2660
فائدة:
قال في الذخيرة: يقضي بالمثل في غير المثليات في أربع مسائل هذه، وإذا هدم بناء وجب عليه إعادته، وإن دفن في قبر غيره وجب عليه حفر مثله، ومن قطع ثوبا رقاه، وزيد خامسة، وهي: الجزاف إذا تلف، وتلزم القيمة.
[مسألة: ]
وإن كان المغصوب جلد ميتة لم يدبغ إذا أتلفه، وإن كان لا يجوز بيعه، قاله ابن القاسم في المدونة، واستدل له بقوله: كما لا يباع كلب ماشية وزرع وصيد، وعلى قاتله قيمته، ولما رأي المصنف أنه لا فرق بين غصبه وإتلافه قال: أو كلبًا.
وبالغ على غير المدبوغ لأنه المتوهم، وأما المدبوغ فقيمته جميعه عند ابن القاسم.
نعم، بالغ على لزوم القيمة في الكلب بقوله: ولو قتله تعديا بغير غصب.
وفهم منه: أنه لو قتله على غير وجه العداء كما لو عدا عليه لم يثبت له هذا الحكم.
تنبيهات:
الأول: لم يؤقت مالك في المدونة في أثمان الكلاب بأن في كلب الماشية شاة، وفي كلب الصيد أربعون درهما، وفي كلب الزرع فرقا من طعام، وإنما على فأقله قيمته.
الثاني: أطلق في الكلب اعتمادًا على قوله: (تعديا)؛ لأن المباح قتله منها، وهو ما لم يأذن.
الشارح: في اتخاذه لا شيء على قاتله.
стр. 2661
الثالث هاتان المسألتان يلزم فيهما القيمة، ولا يجوز فيهما البيع، ولهما نظائر، انظرها في الكبير.
[مسألة: ]
وإذا جنى على المغصوب أجنبي، أي: غير الغاصب فأتلفه خير ربه في اتباع الأجنبي بقيمته يوم الجناية أو الغاصب بها يوم الغصب، وإنما خير فيهما لأن كل واحد منهما صل منه ما يوجب الضمان: هذا بالغصب، وهذا بالإتلاف.
وفهم منه: أنه لا خيار له مع إتلاف الغاصب، وإنما له القيمة يوم الغصب على المشهور من قولي ابن القاسم؛ لأنه لا يعتبر تعدد الأسباب في الضمان إذا كانت من واحد، واقتصر على هذا المشهور لقوله في توضيحه: هو الصواب.
[مسألة: ]
فإن تبعه أي: تبع المغصوب منه الغاصب، وأخذ منه القيمة، تبع هو -أي: الغاصب- الجاني بجميع قيمة السلعة؛ لأن أخذ ربها قيمتها من الغاصب تمليك للغاصب لها، وهذا إذا كانت القيمة مساوية لما أخذ منه، أو أقل.
وأما إن كانت القيمة يوم الجناية أكثر فقد نبه عليه بقوله: فإن أخذ ربه -أي رب المغصوب- أقل القيمتين من الغاصب أو من الجاني فله -أي: رب المغصوب- الزائد، وهو تمام أكثر القيمتين من الغاصب فقط، لا من الجاني، وإن كان أخذ من الجاني أولا، وإن أخذ الأقل من الغاصب أولا فلا رجوع له على الجاني ولا على الغاصب على المشهور.
وله -أي: للمغصوب منه خشبة أو عمود- هدم بناء عليه، وأخذه، قاله ابن القاسم في المدونة، وله إبقاؤه وأخذ قيمته.
стр. 2662
تنبيهان:
الأول: لو امتنع الغاصب من الدفع مع رضى المغصوب منه لم يلزم الغاصب، قاله ابن القصار.
وقال اللخمي وعبد الحميد: يلزم الغاصب.
الثاني: ظاهر كلام المصنف: ولو عظم البناء كالقصور، وهو كذلك.
[مسألة: ]
وللمغصوب منه غلة مغصوب مستعمل كعبد ودابة ودار وغيرهما، وسواء استعمله بنفسه أو أكراه على المشهور.
وظاهره: أن الغلة للمغصوب منه، ولو هلك المغصوب، وهو كذلك، فيأخذ الغلة وقيمة المغصوب.
وللمغصوب منه صيد عبد اتفاقًا وجارح كباز وكلب على المشهور.
[مسألة: ]
وله كراء أرض بنيت دارا أو نحوها، سكنها الغاصب أو استغلها، وهذا إذا كانت الأرض له خاصة، وأما لو كانت مشتركة وبنى أحد الشريكين أو غرس فليقتسما، فإن وقع بناؤه أو غرسه في حصته دفع لشريكه أجرة الأرض فيما مضى، وإن وقعت في حصة شريكه خير من وقفت في حصته بين دفع قيمته مقلوعا أو أمره بقلعه، قاله ابن القاسم.
ثم شبه في أن كراء الأرض للمالك والزائد للغاصب فقال: كمركب نخر: بنون فخاء معجمة فراء، أي: بالٍ متفتت، غصبه وأصلحه فاستعمله، فغلة الأصل للمالك، والزائد للغاصب، فيقال: كم تساوي أجرته نخرا لمن يعمره ويستغله؟ فما قيل لزم الغاصب، قاله أشهب.
وقال محمد: الجميع للمالك.
اللخمي: والأول أبين.
ابن راشد: أقيس.
стр. 2663
ابن عبد السلام: الثاني أظهر.
[مسألة: ]
وإذا أخذ المالك المركب أخذ معها ما لا عين له قائمة، كزفت وقلفطة (١) بغير شيء، وأما ماله عين قائمة كحبل ومقذاف وقلاع ونحوه فللغاصب، فإن كان بموضع لابد للمركب منه في سيرها لموضع الغصب، ولا يجده في ذلك الموضع فرب المركب مخير بين قيمته بموضعه كيف كان، أو يسلمه للغاصب، ومثل المركب النخر الدار تنهدم يصلحها الغاصب ويستعملها.
[مسألة: ]
وله -أي: الغاصب- صيد شبكة غصبها اتفاقًا، وعليه أجرتها، كـ: الحبل والشرك والرمح والقوس، وألحقوا بذلك ما لا فعل له في الصيد، لكن يدرك به كالفرس.
[مسألة: ]
وللغاصب ما أنفق على المغصوب من علف ومؤنة وكسوة وسقي أرض وعلاجها مما لابد للمغصوب منه، ويكون ذلك في الغلة مقامة منها، لا في غيرها؛ ففي الغلة ظرف لقوله: (ما أنفق)؛ ولذا لو زاد ما أنفق على الغلة لم يرجع به الغاصب، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
وتقرير البساطي بأن: "للغاصب إذا أخذت منه الغلة أن يرجع بما أنفق حين حصلت، فقوله: (في الغلة) أي: في حصولها" فيه نظر؛ لأنه يقتضي أن يكون له ما أنفق ولو زاد على الغلة.
[مسألة: ]
وهل يلزم الغاصب الثمن إن أعطاه، أي: أعطى رب المغصوب فيه،
стр. 2664
أي: في المغصوب المقوم متعدد عطاء فبه، أي: بذلك العطاء، لا قيمة، وهو قول مالك.
وقال سحنون: القيمة.
أو يلزمه بالأكثر منه، أي: من العطاء المتعدد، ومن القيمة، فأيهما كان أكثر لزمه، وهو قول عيسى؛ لوجود السببين؟ تردد في قول عيسى: هل هو خلاف كما قاله بعض الشيوخ، فهي ثلاثة أقوال، أو تفسير لقول مالك: "إنما يلزمه ذلك إذا كان أكثر، وإن كان أقل لزمته القيمة"، كما قاله بعض المتأخرين.
[مسألة: ]
وإن وجد المغصوب منه غاصبه بغيره، أي غير المغصوب المقوم، وفي غير محله، أي: الغصب، فله -أي: للمالك- تضمينه القيمة.
ابن رشد: اتفاقا.
لما عليه في الصبر من الضرر، وله أن يصبر لمحل الغصب، ويكلف الغاصب أو وكيله الخروج معه لإقباض ذلك.
[مسألة: ]
وإن وجد الغاصب بغير محله والمغصوب المقوم معه أخذه عند سحنون.
ظاهره: حيوانا كان أو عرضا؛ لأن نقله ليس فوتا، وهذا إن لم يحتج لكبير حمل كالدواب ووخش الرقيق، وأما الذي يحتاج لحمل فيخير بين أخذه أو قيمته يوم الغصب، لا إن هزلت جارية ثم عادت لسمنها، أو نسي عبد صنعة ثم عاد لمعرفتها فلا تخيير، وليس للمالك غيرهما، والتغيير في الأولى حسي والثاني معنوي، وتبع المصنف في هذا ابن الحاجب وابن شاس، وأنكر ابن عرفة معرفته لذلك في المذهب، قائلًا: ولم أقف عليه لغيرهما.
стр. 2665
أو أخصاه الغاصب فلم ينقص، فليس لربه غيره، وفهم منه: أنه لو زاد لم يضمن من باب أولى، وأنه لو نقص لضمن، وهو كذلك، نص على المسائل الثلاثة في الجواهر، وزاد: ويعاقب.
أو جلس على ثوب غيره في صلاة، وقام صاحب الثوب فانقطع، فلا شيء عليه؛ لأنه مما تعم به البلوى في الصلوات والمجالس، قاله عبد الملك، وعليه فلا خصوصية لقوله: (في صلاة)، وذكر بعض شيوخنا عن بعض شيوخه أن هذا بخلاف من وطيء نعل غيره فانقطعت فإن الواطيء يضمنه انتهى.
ويقاس على ما قاله ما يقطعه حامل الحطب من الثياب في الطريق، أو دل لصًا على مال أو غيره فأخذه فلا شيء على الدال، وكذا لو دل غاصبًا، ولولا الدلالة لم يعرفه.
أبو محمد: وضمنه بعض أصحابنا.
تتمة:
قال ابن يونس: من اتفق مع آخر على أن يقر له بالرق ليبيعه ويقتسمان الثمن ففعل، وهلك البائع، ضمن المقر الثمن للمبتاع لغرره.
أو أعاد الغاصب مصوغا كسره على حاله الأول، فلا شيء عليه عند ابن القاسم وأشهب.
محمد: يضمن قيمته، واستُظهر.
تنبيه:
لو باعه الغاصب فكسره المشتري وأعاده لحاله لم يأخذه المغصوب منه إلا بدفع أجرة الصياغة؛ لعدم تعديه.
وإن أعاده على غيرها، أي: على غير حالته الأولى فقيمته ككسره، أي: المصوغ، فيلزم الغاصب قيمته، وإليه رجع ابن القاسم، وكان يقول: إنما عليه ما نقصته الصياغة.