الثالث هاتان المسألتان يلزم فيهما القيمة، ولا يجوز فيهما البيع، ولهما نظائر، انظرها في الكبير.
[مسألة: ]
وإذا جنى على المغصوب أجنبي، أي: غير الغاصب فأتلفه خير ربه في اتباع الأجنبي بقيمته يوم الجناية أو الغاصب بها يوم الغصب، وإنما خير فيهما لأن كل واحد منهما صل منه ما يوجب الضمان: هذا بالغصب، وهذا بالإتلاف.
وفهم منه: أنه لا خيار له مع إتلاف الغاصب، وإنما له القيمة يوم الغصب على المشهور من قولي ابن القاسم؛ لأنه لا يعتبر تعدد الأسباب في الضمان إذا كانت من واحد، واقتصر على هذا المشهور لقوله في توضيحه: هو الصواب.
[مسألة: ]
فإن تبعه أي: تبع المغصوب منه الغاصب، وأخذ منه القيمة، تبع هو -أي: الغاصب- الجاني بجميع قيمة السلعة؛ لأن أخذ ربها قيمتها من الغاصب تمليك للغاصب لها، وهذا إذا كانت القيمة مساوية لما أخذ منه، أو أقل.
وأما إن كانت القيمة يوم الجناية أكثر فقد نبه عليه بقوله: فإن أخذ ربه -أي رب المغصوب- أقل القيمتين من الغاصب أو من الجاني فله -أي: رب المغصوب- الزائد، وهو تمام أكثر القيمتين من الغاصب فقط، لا من الجاني، وإن كان أخذ من الجاني أولا، وإن أخذ الأقل من الغاصب أولا فلا رجوع له على الجاني ولا على الغاصب على المشهور.
وله -أي: للمغصوب منه خشبة أو عمود- هدم بناء عليه، وأخذه، قاله ابن القاسم في المدونة، وله إبقاؤه وأخذ قيمته.
стр. 2662
تنبيهان:
الأول: لو امتنع الغاصب من الدفع مع رضى المغصوب منه لم يلزم الغاصب، قاله ابن القصار.
وقال اللخمي وعبد الحميد: يلزم الغاصب.
الثاني: ظاهر كلام المصنف: ولو عظم البناء كالقصور، وهو كذلك.
[مسألة: ]
وللمغصوب منه غلة مغصوب مستعمل كعبد ودابة ودار وغيرهما، وسواء استعمله بنفسه أو أكراه على المشهور.
وظاهره: أن الغلة للمغصوب منه، ولو هلك المغصوب، وهو كذلك، فيأخذ الغلة وقيمة المغصوب.
وللمغصوب منه صيد عبد اتفاقًا وجارح كباز وكلب على المشهور.
[مسألة: ]
وله كراء أرض بنيت دارا أو نحوها، سكنها الغاصب أو استغلها، وهذا إذا كانت الأرض له خاصة، وأما لو كانت مشتركة وبنى أحد الشريكين أو غرس فليقتسما، فإن وقع بناؤه أو غرسه في حصته دفع لشريكه أجرة الأرض فيما مضى، وإن وقعت في حصة شريكه خير من وقفت في حصته بين دفع قيمته مقلوعا أو أمره بقلعه، قاله ابن القاسم.
ثم شبه في أن كراء الأرض للمالك والزائد للغاصب فقال: كمركب نخر: بنون فخاء معجمة فراء، أي: بالٍ متفتت، غصبه وأصلحه فاستعمله، فغلة الأصل للمالك، والزائد للغاصب، فيقال: كم تساوي أجرته نخرا لمن يعمره ويستغله؟ فما قيل لزم الغاصب، قاله أشهب.
وقال محمد: الجميع للمالك.
اللخمي: والأول أبين.
ابن راشد: أقيس.
стр. 2663
ابن عبد السلام: الثاني أظهر.
[مسألة: ]
وإذا أخذ المالك المركب أخذ معها ما لا عين له قائمة، كزفت وقلفطة (١) بغير شيء، وأما ماله عين قائمة كحبل ومقذاف وقلاع ونحوه فللغاصب، فإن كان بموضع لابد للمركب منه في سيرها لموضع الغصب، ولا يجده في ذلك الموضع فرب المركب مخير بين قيمته بموضعه كيف كان، أو يسلمه للغاصب، ومثل المركب النخر الدار تنهدم يصلحها الغاصب ويستعملها.
[مسألة: ]
وله -أي: الغاصب- صيد شبكة غصبها اتفاقًا، وعليه أجرتها، كـ: الحبل والشرك والرمح والقوس، وألحقوا بذلك ما لا فعل له في الصيد، لكن يدرك به كالفرس.
[مسألة: ]
وللغاصب ما أنفق على المغصوب من علف ومؤنة وكسوة وسقي أرض وعلاجها مما لابد للمغصوب منه، ويكون ذلك في الغلة مقامة منها، لا في غيرها؛ ففي الغلة ظرف لقوله: (ما أنفق)؛ ولذا لو زاد ما أنفق على الغلة لم يرجع به الغاصب، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
وتقرير البساطي بأن: "للغاصب إذا أخذت منه الغلة أن يرجع بما أنفق حين حصلت، فقوله: (في الغلة) أي: في حصولها" فيه نظر؛ لأنه يقتضي أن يكون له ما أنفق ولو زاد على الغلة.
[مسألة: ]
وهل يلزم الغاصب الثمن إن أعطاه، أي: أعطى رب المغصوب فيه،
стр. 2664
أي: في المغصوب المقوم متعدد عطاء فبه، أي: بذلك العطاء، لا قيمة، وهو قول مالك.
وقال سحنون: القيمة.
أو يلزمه بالأكثر منه، أي: من العطاء المتعدد، ومن القيمة، فأيهما كان أكثر لزمه، وهو قول عيسى؛ لوجود السببين؟ تردد في قول عيسى: هل هو خلاف كما قاله بعض الشيوخ، فهي ثلاثة أقوال، أو تفسير لقول مالك: "إنما يلزمه ذلك إذا كان أكثر، وإن كان أقل لزمته القيمة"، كما قاله بعض المتأخرين.
[مسألة: ]
وإن وجد المغصوب منه غاصبه بغيره، أي غير المغصوب المقوم، وفي غير محله، أي: الغصب، فله -أي: للمالك- تضمينه القيمة.
ابن رشد: اتفاقا.
لما عليه في الصبر من الضرر، وله أن يصبر لمحل الغصب، ويكلف الغاصب أو وكيله الخروج معه لإقباض ذلك.
[مسألة: ]
وإن وجد الغاصب بغير محله والمغصوب المقوم معه أخذه عند سحنون.
ظاهره: حيوانا كان أو عرضا؛ لأن نقله ليس فوتا، وهذا إن لم يحتج لكبير حمل كالدواب ووخش الرقيق، وأما الذي يحتاج لحمل فيخير بين أخذه أو قيمته يوم الغصب، لا إن هزلت جارية ثم عادت لسمنها، أو نسي عبد صنعة ثم عاد لمعرفتها فلا تخيير، وليس للمالك غيرهما، والتغيير في الأولى حسي والثاني معنوي، وتبع المصنف في هذا ابن الحاجب وابن شاس، وأنكر ابن عرفة معرفته لذلك في المذهب، قائلًا: ولم أقف عليه لغيرهما.
стр. 2665
أو أخصاه الغاصب فلم ينقص، فليس لربه غيره، وفهم منه: أنه لو زاد لم يضمن من باب أولى، وأنه لو نقص لضمن، وهو كذلك، نص على المسائل الثلاثة في الجواهر، وزاد: ويعاقب.
أو جلس على ثوب غيره في صلاة، وقام صاحب الثوب فانقطع، فلا شيء عليه؛ لأنه مما تعم به البلوى في الصلوات والمجالس، قاله عبد الملك، وعليه فلا خصوصية لقوله: (في صلاة)، وذكر بعض شيوخنا عن بعض شيوخه أن هذا بخلاف من وطيء نعل غيره فانقطعت فإن الواطيء يضمنه انتهى.
ويقاس على ما قاله ما يقطعه حامل الحطب من الثياب في الطريق، أو دل لصًا على مال أو غيره فأخذه فلا شيء على الدال، وكذا لو دل غاصبًا، ولولا الدلالة لم يعرفه.
أبو محمد: وضمنه بعض أصحابنا.
تتمة:
قال ابن يونس: من اتفق مع آخر على أن يقر له بالرق ليبيعه ويقتسمان الثمن ففعل، وهلك البائع، ضمن المقر الثمن للمبتاع لغرره.
أو أعاد الغاصب مصوغا كسره على حاله الأول، فلا شيء عليه عند ابن القاسم وأشهب.
محمد: يضمن قيمته، واستُظهر.
تنبيه:
لو باعه الغاصب فكسره المشتري وأعاده لحاله لم يأخذه المغصوب منه إلا بدفع أجرة الصياغة؛ لعدم تعديه.
وإن أعاده على غيرها، أي: على غير حالته الأولى فقيمته ككسره، أي: المصوغ، فيلزم الغاصب قيمته، وإليه رجع ابن القاسم، وكان يقول: إنما عليه ما نقصته الصياغة.
стр. 2666
وهذا إن قدر على صياغته، فإن لم يقدر فعليه ما نقصه.
[مسألة: ]
أو غصب منفعة فقط فتلفت الذات، قال الشارح: لم يبين ما الذي يضمنه، والمذهب أنه يضمن ما استولى عليه، وهو السكنى.
وقال البساطي: ظاهر كلامه: أنه يضمن قيمة الذات؛ لعطفه على ما تضمن فيه القيمة، والمنصوص يضمن قيمة المنافع، ويحتمله كلامه، لكنه بحث في توضيحه بحثا يقتضي أنه يضمن قيمة الذات، كما قالوا في المستأجر إذا تعدي وجاوز المكان.
[مسألة: ]
أو كله -أي: المغصوب- مالكه، بأن قدمه له غاصبه ضيافة، فأكله بغير علم، فلا شيء على الغاصب؛ لأنه متسبب، وربه مباشر، وأحرى إن علم مالكه.
تنبيه:
لو أسقط قوله: (ضيافة)؛ ليشمل ما لو أكرهه على أكله، وما لو دخل المالك دار الغاصب وأكله بغير إذنه كما نص عليهما في الذخيرة لكان حسنا.
[مسألة: ]
أو غصب شيئًا في زمان ثم قام به في زمان آخر، ولم يتغير بدنه لكنه نقصت لسوق، فلا شيء على الغاصب.
[مسألة: ]
أو غصب دابة فسافر بها، ورجع بها من سفره، ولم يتغير، فلا شيء لربها سواها من قيمة، زلا كراء لتلك المسافة، ولو بعد السفر، كسارق سرقها وتغير سوقها، فليس لربها سواها.
وله -أي: للمالك- في تعد كمستأجر على دابة بزيادة مسافة، أو قدر
стр. 2667
في محمول كراء الزائد في مسافة أو حمل إن سلمت على المشهور.
وإلا بأن لم تسلم بأن حصل فيها ما نقصها خير ربها فيه، أي: في كراء الزائد معها، وفي قيمتها وقته، أي: التعدي، وإن تعيب المغصوب المقوم بسماوي، إن لم يقل العيب، بل وإن قل على المشهور، ونحوه في المدونة، ومثل للعيب القليل بقوله: ككسر نهديها إذا غصبها قائمتهما.
وأشار بالمبالغة لقول الجلاب: إنه لا يضمن ذلك بحدوث العيب اليسير، وإن رجحه بعض المتأخرين من شيوخ عياض.
[مسألة: ]
ولما كان لا فرق بين السماوي وجناية الغاصب والأجنبي على مذهب المدونة قال: أو جنى هو -أي: الغاصب- أو أجنبي على المغصوب خير المالك فيه، أي: في الغصب، لكنه أجمل في ذلك، وبيانه: أنه مخير في السماوي بين أمرين:
- أخذ قيمة المغصوب يوم الغصب.
- أو أخذه بعيبه بغير أرش؛ لأن المغصوب منه كان قادرا على تضمين الغاصب جميع القيمة فتركها.
وفي جناية الأجنبي يخير بين أخذه ناقصا، ويتبع الأجنبي بأرش الجناية أو قيمته من الغاصب يوم الغصب، ثم يتبع الأجنبي الغاصب، وفي جناية الغاصب يحتمل أنه كالسماوي، أو أنه كأجنبي، انظر الكبير.
كصبغه بسواد مثلًا لثوب غصبه أبيض يخير مالكه في قيمته أبيض، أو أخذ ثوبه مصبوغا، ودفع قيمة الصبغ.
تنبيه:
ظاهر إطلاقه هنا: تخيير بين الأمرين، سواء زادت قيمة الصبغ في الثوب أو لم تزد ولم تنقص، أو نقصه، وفي توضيحه عن المدونة: إنه مخير في الزيادة والمساواة، وأما النقص فيخير بين قيمة ثوبه أو أخذه مجانا.
وجعل البساطي المساواة كالنقص.
стр. 2668
[مسألة: ]
وإذا بنى الغاصب خير المالك في أخذ بنائه في أخذه ودفع قيمة نقضه بعد سقوط كلفة في نقضه إن لم يتولها الغاصب، بأن لم يكن من شأنه توليها بنفسه أو خدمه، وأما إن تولاها بنفسه أو خدمة لم يسقط في نظيرها شيء.
وسكت عن الشق الآخر، وهو لزوم الغاصب قلع بنائه، وهذه المسألة مكررة؛ لأنه شبهها بالعارية في بابها.
تنكيت:
تفسير البساطي للشق الثاني بلزوم القيمة سبق قلم؛ لأن المنقول فيها كما ذكرناه، لا ما قاله من لزوم القيمة للغاصب، وقد يقال: إنها غير مكررة؛ لأن العارية إنما ذكرها مشبهة بما في الغصب، وللمسألة نظائر، انظرها في الكبير.
[مسألة: ]
وضمن الغاصب منفعة البضع بالتفويت، مثله في الجواهر، وعبر عنه ابن الحاجب بالاستيفاء، ففي وطء الحرة صداق مثلها، ولو ثيبا، وفي الأمة ما نقصها، وضمن منفعة بدن الحر بالتفويت.
ومفهومه: أنه لو لم يفوت البضع بل منع الحرة أو الأمة من التزويج لم يضمن شيئًا، ولو غاب عليهما، وهو كذلك.
كحر باعه غاصبه وتعذر رجوعه، مالك: يكلف بطلبه، فإن أيس منه ودى ديته لأهله.
[مسألة: ]
وضمن الغاصب غيرهما، أي: غير البضع والحر بالفوات، وإن لم يستغل ولا استعمل عند مطرف وجماعة، وصوب، وتقدم أن مذهب ابن القاسم عدم الضمان، وهو المشهور.
стр. 2669
فتلخص من هذا: أنه ذكر في ال مسألة قولين: مشهورا ومصوبا.
[مسألة]
ومن شكا شخصًا هل يضمن شاكيه لمغرم غرمه مالا زائدا: مفعول (يضمن) على قدر أجرة الرسول إن ظلم الشاكي المشكو في شكواه له، وبه أفتي بعض شيوخ ابن يونس.
ومفهوم الشرط: أنه لو لم يظلم بل كان مظلوما لا يقدر أن يتلخص منه إلا بذلك فلا يغرم الزائد على قدر أجرة الرسول، بل يغرم أجرته فقط.
أو المضمون الجميع: أجرة الرسول والزائد. ابن يونس: وأفتي به بعض شيوخنا. وإن لم يظلم لم يغرم شيئا.
أو لا يغرم شيئًا مطلقا، وإن ظلم بشكواه، وأحرى إن لم يظلم، وعليه الإثم والأدب إن ظلم، وعليه كثير، أقوال.
وحكى ابن عرفة عن المازري في ضمان من أتلف مالا بسببه بالقول: قولين. وتقدم عند قوله: (أو دل لصا).
وملكه الغاصب إن اشتراه بعد غصبه، إن لم يغب المغصوب، ولو غاب ببلد آخر؛ بناء على أن الأصل سلامته بموضعه.
وأشار بـ (لو) لقول أشهب: إنما يجوز بيعه منه غائبًا بشرط أن يعرف القيمة، ويبذل ما يجوز فيها.
تنبيه:
هذا على أحد شقي التردد في البيع، حيث قال: لا يباع إلا من غاصبه، وهل إن رد لربه مدة تردد.
أو غرم الغاصب قيمته كدعواه إباقه أو تلفه فإنه يملكه بذلك إن لم يموه، أي: يكذب في دعواه الإباق أو التلف، فإن موه فللمغصوب منه الرجوع على الغاصب.
ولو وصفه الغاصب وقوم على ما وصفه وأخل من وصفه بما نقص
стр. 2670
قيمته ثم ظهر أنه أكمل مما وصفه بأمر واضح رجع عليه مالكه بفضلة أخفاهما، كوصفه بصفة تقتضي أن تكون قيمته عشرة، ثم ظهر أنه بصفة تقتضي أن تكون قيمته خمسة عشر على المشهور، ونحوه في المدونة، وزاد: فكأن الغاصب لزمته القيمة فجحد بعضها، وقاله أشهب.
والقول له -أي: للغاصب- في تلفه إن ادعاه وأنكره ربه، وفي نعته، أي: وصفه، إن أتى بما يشبه وخالفه ربه.
تنبيه:
قال ابن ناجي: تتعين الصفة بأحد أمرين:
- إما وصف الطول والعرض والصفاقة والخفة ونحو ذلك.
- وإما أن يأتي الغاصب بمثل ما غصب، ويقول: هو مثل هذا، وقاله في المجموعة، ومشى عليه المغربي.
وفي قدره من كيل أو وزن أو عدد لأنه غارم وحلف الغاصب في المسائل الثلاث كما نص عليه في المدونة.
تذييل:
هذا إذا أتى بما يشبه، وأما إذا أتى بما لا يشبه، وأتى ربه بما يشبه فالقول لربه مع يمينه، وأما لو أتيا بما لا يشبه فقال ابن ناجي: يقضى في ذلك بأوسط القيم بعد إيمانهما بنفي كل منهما ودعوى صاحبه انتهى.
ثم شبه بما تقدم قوله كمشتر منه -أي: من الغاصب- فيصدق في التلف والصفة والقدر مع يمينه، إذا قام عليه ربه وكذبه، وسواء علم أن البائع غاصب أو لا.
وظاهره: أن القول له، سواء كان مما يغاب عليه أو لا.
[وقت الضمان: ]
ثم بين وقت ضمان ما يغاب عليه، فقال: ثم غرم لآخر رؤية رؤي عنده عليها بعد شرائه، بخلاف الصانع أو المرتهن يدعي ضياعه بعد رؤيته
стр. 2671
عنده بعد شهر مثلًا، فإنه يضمن القيمة يوم القبض؛ لأنهما قبضاه على الضمان ولما غيباه اتهما على استهلاكه، فأشبها المتعدي، بخلاف المشتري قبضه على الملكية فلا يتهم.
[مسألة: ]
ولربه -أي: المغصوب- إمضاء بيعه -أي: بيع الغاصب- لأنه فضولي.
وظاهره: علم المشتري أنه غاصب أم لا، كان المالك حاضرًا أم لا، قريب المكان بحيث لا ضرر على المشتري في الصبر إلى أن يعلم ما عنده أو لا، وهو كذلك في الجميع، وفي كل حلاف.
[مسألة: ]
وله -أي: لربه- نقض عتق المشتري -أي: المشتري من الغاصب- وله إجارته، فيتم العتق وما يترتب عليه كشهادة وارثه، ونحوه لابن المواز.
وإن كانت أمة فأخذها سيدها رجع المقتص منه على عاقله الإمام بدية اليد ويرجع سيدها عليه بما نقصها.
[مسألة: ]
وضمن مشتر من غاصب لم يعلم كونه غاصبا في إتلاف المغصوب بفعل عمد، كأكل الطعام وإبلاء ثوب للبس مثلًا وهدم دار وقت ضمانه يوم وضع يده عليه، أما لو علم بغصبه فحكمه كالغاصب.
لا تلفه عند المشتري غير العالم بسماوي لا صنع لأحد فيه، فلا يضمنه اتفاقًا، وكذا لا ضمان عليه في غلة استغلها.
تنبيه:
استشكل الحكم له بالغلة؛ لأنه يدل على أن الضمان منه، وقولهم: (لا ضمان عليه في السماوي) يدل على أن الضمان ليس منه، فما وجه الجمع؟
стр. 2672
قال المصنف: قيل: إنما نفينا سببًا خاصًا من أسباب الضمان لا مطلق الضمان انتهى.
وأخذ البساطي هذا فجعله سؤالا لا جوابا.
[مسألة: ]
وهل الخطأ من جناية المشتري في إتلافه أو تغييبه كالعمد وهو لأشهب في المجموعة.
أبو الحسن: ظاهر المدونة التسوية.
ابن عبد السلام: وهو القياس؛ لأن الخطأ كالعمد في أموال الناس.
أو هو كالسماوي، إليه ذهب ابن القاسم في العتبية، واختلف في المدونة على أي القولين يحمل، فجعل في البيان ما في العتبية مفسرا لها، وحمل ما فيها من الضمان إذا قطع المشتري يدها على الخطأ.
وقال أبو الحسن: ظاهرها أنه لا فرق بين كون الجناية عمدا أو خطأ، وهو مراد المؤلف بقوله تأويلان.
[مسألة: ]
ووارثه -أي: الغاصب- وموهوبه الذي وهب الغاصب له المغصوب إن علما فينزلان منزلته كهو أنه غاصب، ويتبع المغصوب أيها شاء، ويرجع عليهما بالغلة؛ لأنهما لما علما خوطبا بالرد، ولما لم يفعلا صارا متعديين.
وإلا بأن لم يعلم الموهوب له بالغصب بدئ بالغاصب في الرجوع عليه بقيمة الموهوب وغلته على المشهور؛ إذ هو المسلط له عليه، وهو لابن القاسم في المدونة.
وقيل بالموهوب له.
وإذا بدئ بالغاصب رجع عليه المغصوب منه بغلة موهوبه، أي: التي استغلها الموهوب له.
стр. 2673
اللخمي: اتفاقًا؛ لأن هبته لا تسقط عنه المطالبة المرتبة عليه بسبب الغصب.
[عسر الغاصب: ]
فإن أعسر الغاصب فعلى الموهوب له الرجوع اتفاقًا؛ لأنه المستهلك، ثم يرجع بها الموهوب له على الغاصب إذا أيسر، قاله في البيان.
[تلفيق شاهد على الإقرار: ]
ولفق شاهد شهد لزيد على بكر بالغصب لأمته لآخر شهد له على إقراره بالغصب لها وتمت الشهادة، ففي المدونة: "وإن أقصت شاهدًا أن فلانًا غصبك هذه الأمة، وشهد آخر على إقرار الغاصب أنه غصبكها، تمت الشهادة"، أي: بالغصب وقضي لك بها من غير يمين القضاء، ولم تتم بالملك؛ إذ قد تكون بيدك وديعة أو عارية، كشاهد بملكك لها فإنه يضم لثمان بغصبك، أي: بغصبها منك، فإن شاهد الغصب قد شهد بالملك، وإلا لم يشهد بالغصب، إلا أنه لا يقضى له بذلك، بل جائز فقط في المسألتين؛ ولذا قال: وجعلت ذا يد، أي: جائز، لا مالكا.
وهذا حيث لا يمين ولذا قال: إلا أن تحلف مع شاهد الملك أنه شهد لك بحق وتحلف أيضًا يمين القضاء أنك ما بعت ولا وهبت ولا خرجت عن ملكي بوجه.
وهذا على إثبات الواو قبل (يمين) كما في نسخة الأقفهسي، وعند الشارحين بغير واو؛ فهي يمين واحدة يجمع فيها بين الأمرين، قالا: ويحلف مع أيهما شاء، فمع شاهد الملك أنه ملكه لم يخرج عنه بوجه، ويقضى له به ملكا، وهو مع شاهد الغصب أنه غصبه، ويقضى له به حوزا.
[ادعاء الاستكراه: ]
وإن ادعت استكراهما كذا وجد بأصل المؤلف، وبعده بياض كمله الأقفهسي بخطه، فقال: على غير لائق به بلا تعلق حدت له، أي: حد
стр. 2674
القذف وحد الزنا، إن ظهر بها حمل، ولا شيء عليه اتفاقًا، وبتعلق لا حد إلا أن يظهر حمل فالزنا.
[التعدي: ]
ولما أنهى الكلام على الغصب وكان بينه وبين التعدي مناسبة عقبه له، فقال: والمتعدي جان على بعض من السلعة، والغاصب على كلها.
ولما كان هذا لا يعم صور المتعدي لأن المكتري والمستعير إذا تعديا إنما يتعديان على الجميع، وليس لهما حكم الغاصب زاد: غالبا ليدخلهما ونحوهما.
فإن أفات التعدي المقصود مما تعدى عليه كقطع ذنب دابة ذي هيئة كقاض وكاتب وشاهد أو قطع أذنها أو قطع طيلسانه لأن إتلاف المنفعة المقصودة من العين كإتلاف جملتها.
قال الشارح: وإنما قال: (دابة) ولم يقل: (بغلة) ليشمل الفرس والحمار، إذا كان فارها لا يركبه إلا ذوو الهيئات غالبا لإبطال الغرض من مثله.
أو لبن شاة هو المقصود منها أذى تعدي عليها بما أذهب لبنها، وقلع عيني عبد أو قطع يديه لإفاتته الغرض المقصود منه.
ثم ذكر جواب الشرط بقوله: فله -أي: المالك المتعدى عليه إن حصلت إفاتة- أخذه ونقصه، أو له قيمته وتركه للمتعدي، فهو مخير بين الأمرين عند مالك وابن القاسم، وهو مذهب المدونة، وإليه رجعا.
وإن لم يفته -أي: لم يفت المتعدي المقصود من المتعدي عليه- فنقصه -أي: ليس له غيره- ثم أخذه.
ثم مثل لغير المفيت بقوله: كلبن بقرة أو ناقة ولو مقصودا؛ لأنهما وإن كانتا كذلك فلهما منافع غير ذلك، وقطع يد عبد، أو قلع عينه؛ لعدم تعطيل منافعه جملة أو جلها، فالمشهور أن لربه أخذه أو أخذ قيمة التألف.
стр. 2675
[مسألة: ]
وإذا تعدى على رقيق غيره، فقطع يديه أو فقأ عينيه عتق عليه إن قوم عليه، بأن طلب سيده قيمته، وأما إن أخذه وما نقص لم يعتق عليه، وعلى هذا فهم جماعة قول ابن القاسم، وهو ظاهر كلام المؤلف.
ابن يونس: وهذا الذي ذهبوا إليه خلاف كلام ابن القاسم؛ فإنه قال: ليس لسيده إمساكه، بل يعتق عليه، وهو الصواب، أحب سيده أم كره؛ لظهور قصد الضرر لعدم عتقه؛ لأن قيمته عوضه، وإلى هذا أشار بقوله: ولا منع لصاحبه في الفاحش على الأرجح للمتعدي، ورفا الثوب إن خرقه وشعب القصعة إن شقها مطلقا، أي: يسيرًا كان ما أفسده أو كثيرا، ويغرم ما نقصه بعد رفو اليسير اتفاقا.
[لزوم أجرة الطبيب: ]
وفي لزوم أجرة الطبيب للمتعدي يجرح تنزيلا للطب منزلة الرفو واستحسنه اللخمي، وعدم لزومه؛ لأن الرفو يتحقق أمره في الثوب بخلاف هذا، فيأخذه مع نقصه.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر المذهب. قولان متساويان عند المصنف.
* * *
فصل
في الاستحقاق، وذكر فيه حكما كان مشتركا بين الغاصب والمتعدي، فقال: وإن زرع الغاصب أو المتعدي أرضا فاستحقت، أي: قام مالكها.
البساطي: وليس المراد الاستحقاق المشهور أي فقط.
فإن لم ينتفع بالزرع، بأن كان قبل ظهوره أو بعده أخذ ذلك الزرع لرب الأرض بلا شيء عوضًا عن البذر، ولا أجرة الحرث أو غيره.
стр. 2676
تنكيت:
ظاهره: القضاء له بأخذه، ولو أراد ربه قلعه، وليس كذلك، بل يؤمر بقلعه (١)، فإن أبي أخذ حينئذ بغير شيء، كما في توضيحه.
وظاهره: أنه ليس له إبقاؤه لربه وأخذ كرائه، وهو كذلك عند ابن المواز.
وإلا بأن بلغ حدًا ينتفع به فله -أي للمستحق- قلعه، بأن يأمر ربه بذلك، إن لم يفت وقت لم تراد له الأرض، سواء أريد زرعها بجنس ما زرع فيه أو غيره، ونحوه في نوازل ابن رشد، وفي نوازل أصبغ خلافه، وهو ما حمل عبد الحق وغيره المدونة عليه، وأن المراد بالإبان ما زرعه فيها الغاصب فقط، وهو ظاهر تقرير الشارح.
[مسألة: ]
وله -أي: رب الأرض- أخذه بقيمته مقلوعا، ويبقيه لنفسه بأرضه
стр. 2677
إذا أبقاه، يتنزل منزلة زرعه، وله أن يزرع، وله أن يبقيه على المختار عنه اللخمي؛ لقوله: إنه صواب.
وفهم من قوله: (بقيمته) أنه ليس له جبره على أخذه مجانا ليبقيه بأرضه، وهو كذلك على المشهور.
وإلا بأن فات وقت ما تزاد له فكراء السنة كلها لربها على الغاصب عند مالك، ولا حق له في النسخ، وليس له قلعه؛ إذ لو قلع لم ينتفع بأرضه.
ثم شبه في حكم ما إذا لم يفت الإبان فقط لا في جميع أحوال الغاصب السابقة، فقال: كذي شبهة من وارث أو مشتر لم يعلم بالغصب وزرع واستحقت؛ ففي المدونة عن ابن القاسم: وإن كانت الأرض تزرع في السنة مرة فاستحقها وهي مزروعة قبل فوات إبان الزراعة فكراء تلك السنة للمستحق، وليس له قلع الزرع؛ لأن المكتري زرع بوجه شبهة، ولو كان الزارع غاصبا لرب الأرض قلعه.
وفهم الشارح أن التشبيه في جميع أحوال الغاصب، فاعترض بما في المدونة من الفرق بين الغاصب وغيره.
أو جهل حاله -أي: مكري الأرض- هل هو غاصب أو مبتاع أو هل ابتاع عالما أو غير عالم، ثم زرعها المكتري فاستحقت فمكريها كالمشتري في التي قبلها ونحوه في المدونة.
وإن لم يزرع المكتري الأرض فاتت بحرثها فيما بين مُكر ومكتر، كذا لعياض عند قولها: (ومن أكترى أرضا بعبد أو ثوب ثم استحق أو بما يوزن من نحاس أو حديد بعينه يعرفان وزنه، ثم استحق ذلك، فإن استحق قبل أن يزرع أو يحرث انفسخ الكراء، وإن كان بعدم زرع أو أحدث فيها عملا فعليه قيمة الأرض).
ابن ناجي: أي كراء المثل.
стр. 2678
[الحكم بين المكتري والمستحق: ]
ولما ذكر الحكم بين المكري والمكتري أفاد الحكم بين المكتري والمستحق بقوله: وللمستحق أخذها من المكتري، ودفع كراء الحرث له، فإن أبى مستحقها من دفع كراء الحرث للمكتري قيل له -أي: للمكتري-: أعط كراء سنة، فإن أعطاه فواضح.
وإلا بأن لم يعطه أسلمها لربها بلا شيء، مثله لابن القاسم في المستخرجة.
[تأجير الأرض سنين: ]
وإذا أجر الأرض مش هي في يده سنين، وزرعت سنة مثلًا، ثم استحقت، وفات الإبان، وقام المستحق، فلا شيء له فيما مضى من الأجرة، ويفسخ العقد إن شاء، أو يمضي في باقيها، كذا أطلق في المدونة، وقيدها اللخمي وغيره بما إذا كانت نسبة أجرة باقي المدة معلومة.
وللقيد أشار المؤلف بقوله: إن عرف النسبة لما يقابل الأرض في الباقي لا بعدد السنين.
ومفهوم الشرط: لو لم يعلم النسبة لكانت الأجرة مجهولة، ويصير كجمع الرجلين سلعتهما في البيع.
ولا خيار للمكتري، بل يلزمه العقد، وليس من حجته أن يقول: لي الخيار؛ للعهدة -أي: لأخلص منها، وانتقد المستحق حصته فيما بقي من المدة، إن انتقد الأول -أي: المكري- وأمن هو -أي: المستحق- من دين يحيط به، وأبرز الضمير لجريانه على غير عوده (١).
стр. 2679
والغلة لذي الشبهة كمشتر ومكتر أو المجهول الذي لا يعلم وهبه غاصب أم لا، ويستحقها كل منهم للحكم بالاستحقاق على من هو يده، ثم تكون للمستحق ولام (للحكم) للغاية، كوارث من غاصب وموهوب ومشتر منه لمهم الغلة، إن لم يعلموا بالغصب، فإن علموا فالغلة للمستحق، واللَّه أعلم.
تنبيه:
ظاهر كلامه: أن المعتبر علم الوارث والموهوب له والمشتري.
وقال ابن ناجي عن أبي عمران: لا ينظر لمعرفة الموهوب، وإنما ينظر لمعرفة الناس لذلك، وأما المشتري فإنما ينظر لمعرفة نفسه، فإن عرف أن البائع غاب لم يكن له عليه غلة، وإلا كانت انتهى.
بخلاف ذي دين على وارث، كدار دفعها له في دينه فاغتلها، ثم استحقت رد الغلة؛ إذ لا ينتفع مع بقاء دينه، كوارث طرأ على وارث مثله.
стр. 2680
اختلف الشارحان في هذا المحل: فقرره بهرام تابعا لما في التوضيح بقوله: أي لا غلة لوارث طرأ على وارث آخر مثله في المنزلة، يريد: أو أقرب منه، وإن لم يعلم؛ لأنه ليس بضامن، ويأخذ القادم الكراء.
ثم قال عن ابن القاسم: وأما إن سكن هذا الوارث ثم طرأ عليه أخ لم يعلم به فالاستحسان أن لا رجوع لأخيه عليه بشيء.
إلا أن ينتفع بنفسه قاموا، وعليه فلا يرجع الطاريء على أخيه بثلاثة شروط:
- أن لا يسكن بنفسه.
- وأن لا يكون في نصيبه ما يكفيه.
- وأن لا يعلم بأخيه.
وقرره البساطي بأن الطاريء المساوي في الدرجة إن لم يعلم من حاز الميراث، إلا أن ينتفع الجائز بالكراء فللطاريء نصف الكراء، وانظر ما قيل على كل من التقريرين في الكبير.
[مسألة: ]
وإن غرس ذو الشبهة أو بنى في أرض فاستحقت قيل للمالك له: أعطه قيمته -أي: ما بنى أو غرس- قائما، فإن أخذ فواضح، وإن أبي فله -أي: للغارس أو الباني- دفع قيمة الأرض بغير غرس ولا بناء.
فإن دفع فلا كلام، وإن أبي فشريكان: هذا بقيمة أرضه وهذا بقيمة بنائه، وبهذا قضي عمر ﵁، والمعتبر في التقويم يوم الحكم لا يوم الغرس ولا يوم البناء.
[الأرض المحبسة: ]
إلا الأرض المحبسة تستحق بعد الغرس فيها أو البناء فالنقض: بضم النون، متعين لصاحبها كالمغروس؛ إذ ليس ثم من يعطيه قيمته قائما، وليس له أن يعطي قيمة البقعة؛ لأنه بيع الحبس، ولا يكون شريكا بذلك.
стр. 2681
[مسألة: ]
وضمن مشتر قيمة الأمة المستحقة بالملك لا بالحرية، لتعلق حق مستحقها بقيمتها لا بعينها على خلاف فيها، وضمن قيمة ولدها أيضًا لمستحقها، والتعبير في فوات يوم الحكم، وإليه رجع مالك.
قال في المدونة: وعليه جماعة الناس.
لا يوم القبض الذي أفتى به مالك لما استحقت أم ولده.
تنكيت:
قول الشارح: استحقت بحرية أو ملك سبق قلم.
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله: (قيمة ولدها) أنه لو لم يحصل فيها غير الوطء لم يلزمه شيء.
الثاني: إذا قوم الولد وله مال فبدونه. الفاكهاني: على المشهور. واللَّه أعلم.
الثالث: إذا مات الولد قبل ذلك فلا شيء عليه على المنصوص.
[مسألة: ]
وإن قتل الولد ضمن الأب للمستحق الأقل من قيمته عبدا حيا، ومما أخذ من قيمته إن أخذ له دية عن خطأ أو عمد، كما يأتي.
وفهم منه: أنه لو قتل عمدا أو اقتص الأب لم يكن للمستحق شيء، وهو كذلك، نص عليه في المدونة.
قال ابن عرفة: إن قتل خطأ فعلى عاقلة قاتله ديته منجمة على ثلاث سنين، وعلى الأب الأقل منها، ومن القيمة يوم القتل، فإن استحقت قبل أن يقبض الأب شيئًا لم يغرم حتى يقبض، فيقضي من أول نجم، فإن لم يف
стр. 2682
منه فمن الثاني، ثم الثالث، وإن استحقت بعد أن انفق الأب الدية فلا شيء للمستحق على العاقلة؛ لأن المقال عليها بالحرية، والمقال على الأب الرق.
وإن قتل عمدا فللأب القصاص والعفو، وإلا مقال للمستحق على القاتل، ولا على الأب، وإن صالح على الأقل من الدية فللمستحق الأقل من ذلك ومن قيمته يوم القتلى.
[مسألة: ]
ولا يضمن مبتاع صداق حرة اشتراها على أنها أمة ووطئها بكرا كانت أو ثيبا ثم استحقت عند مالك وابن القاسم.
قال المصنف: وهو المشهور المعروف، ولا يضمن ما نقصها.
قال في الشامل: على الأصح.
أو غلتها لا يضمنها كما ورث دارا مثلًا فاستحقت حبسا لإخراج عليه عند ابن القاسم.
ابن رشد: وبه جري العمل عندنا.
[مسألة: ]
وإن هدم مكتر لكدار من ذي شبهة ما اكتراه تعديا منه، ثم استحق المهدوم، فللمستحق على المتعدي بالهدم النقض: بضم النون، وقيمة الهدم؛ إذ له أخذه قائما.
ثم بالغ بقوله: وإن أبرأه مكريه مما هدم قبل ظهور الاستحقاق، وأحرى إن لم يبرئه، كان الهادم مليئًا أو معدما، ولا رجوع للمستحق على المكري؛ لأنه فعل ما يجوز له.
ومفهوم (تعديا): أن المكري لو أذن للمكتري في الهدم لم يلزمه شيء، وإنما له النقض إن وجده، أو ثمنه إن باعه، ونحوه في المدونة.
كسارق عبد من مبتاع أبرأه المبتاع من قيمته، ثم استحق العبد،
стр. 2683
فللمستحق قيمته على السارق خاصة، بخلاف مستحق شخص مدعي حرية استعمله شخص، ثم استحق أجرة عمله لمستحقه، وإن مات.
قال في الشامل: على الأصح.
إلا العمل القليل، كـ: سقي دابة مثلًا، فلا شيء لمستحقه فيه.
وظاهره: سواء طالت إقامته وهو يدعي الحرية أو لا، أتلف الأجره أو لا، وهو كذلك؛ لأن مستعمله لم يتعد في الدفع إليه.
تنبيه:
المخالفة بين هذه ومن استحقت بحرية في تلك بعد ظهور الرق وعكسه هنا.
[مسألة: ]
وله -أي: لمستحق عرصة دار- هدم مسجد بني فيها، وله إبقاؤه؛ ففي المدونة: (من بنى داره مسجدا ثم استحقها رجل فله هدمها، كمن ابتاع عبدا فأعتقه، ثم استحق، فلربه رد للعتق).
[مسألة: ]
وإن استحق بعض فكالمبيع ورجع للتقويم، وفي بعض النسخ: (فكالبيع)، ومعناها واحد، وتقدم ذلك في فصل الخيار.
ومحصله: أنه يفرق فيه بين وجه الصفقة وأقلها، ففي الأول ينقض البيع، ويرد ما بقي، ولا يجوز التمسك بالأقل، ولو رضي البائع، وفي المكيل والموزون يرجع بحصة القليل من الثمن، ويلزم الباقي، ويخير في الكثير بحسب ما بقي من حصته أورده، وفي البائع يرجع بحصته من الثمن فقط.
[مسألة: ]
وله -أي: للمشتري- رد أحد عبدين اشتراهما في صفقة، ثم استحق أفضلهما بحرية؛ لأنه وجه الصفقة، وله التمسك بالآخر، وهذا ظاهر قول
стр. 2684
التهذيب، فله على أنه تعقب في صفقة، بأن الذي في الأمهات إن كان وجه الصفقة رد الباقي، وظاهره الحتم.
تنبيهان:
الأول: قال محمد: وجه الصفقة ما زاد على النصف، فلو استحق أدناهما ألزم الباقي بحصته من الثمن بعد التقويم، وكذا لو تساويا.
الثاني قوله بحرية تبعا للرؤية.
كأن صالح عن عيب ظهر عليه في عبد ابتاعه بآخر، ثم استحق أحدهما فليس له الرد.
ابن ناجي: وهو المشهور. فهي خلاف التي قبلها.
[مسألة: ]
وهل يقوم العبد الأول مع الثاني المأخوذ في العيب يوم الصلح.
عياض: لأنه يوم تمام قبضها، وقاله أبو عمران.
أو تقوم الأول يوم البيع، والثاني يوم الصلح، وذكره عبد الحق في نكته؟
تأويلان على قول ابن القاسم فيهما، كأنهما في صفقة واحدة، وعاب أبو عمران التأويل الثاني، فقال: ابن القاسم يقول: كأنهما في صفقة، وهو يقول في صفقتين.
[مسألة: ]
وإن قام شخص وادعى على آخر بشيء فأقر له به، وصالح المدعى عليه بشيء فاستحق المصالح به، وهو معنى قوله: ما بيد مدعيه رجع المدعي في مقر به: بفتح القاف، إن لم يفت بتغير سوق أو بدن، وهو عرض أو حيوان.
وإلا بأن فات ففي قيمة عوضه كالبيع، ونحوه في المدونة، وإن كان مثليا رجع بمثله، كإنكار صالح عليه فاستحق ما أخذه المدعي رجع بقيمة ما
стр. 2685
قبض أو مثله إن وجد له مثل على الأرجح عند ابن يونس؛ لقوله: إنه الصواب. فالتشبيه فيما بعد الاستثناء.
[مسألة: ]
لا يرجع إلى الخصومه للغرر؛ إذ لا يدري ما يصح له، فلا يرجع من معلوم لمجهول، كمن صالح عن دم عمد بعبد، فاستحق، فإنه يرجع بقيمة العبد؛ إذ لا ثمن معلوم لعوضه، وإن استحق ما بيد المدعى عليه -وهو المصالح عنه- ففي الإنكار يرجع على المدعي بما دفع له، فيأخذه منه إن لم يفت بما تقدم.
وإلا بأن فات فقيمته في المقوم، ومثله في المثلى، وسواء كان ذلك بحضرة الصلح أو بعد الطول.
[مسألة: ]
وإن استحق ما بيد المدعي عليه، وهو المصالح عنه ففي الانكار يرجع على المدعي بما دفع له، فيأخذه منه إن لم يفت بما، وإلا بأن فات فقيمته في المقوم، ومثله في المثلي، وسواء كان ذلك بحضرة الصلح أو بعد الطول، وإن استحق ما في يد الإقرار لا يرجع على المدعي بشيء لإقراره أنه له وإنه أخذه منه ظلما.
وتلخص من كلام المصنف أربع صور: اثنتان في الإقرار واثنتان في الإنكار.
كعلمه -أي: المشتري المستحق من يده- صحة ملك بائعه لما استحق، فلا يرجع عليه بشيء عند ابن القاسم وأشهب، لتحقيقه أن المستحق ظلمه.
وقال غيرهما: يرجع.
لا إن لم يعلم صحة ملكه لما استحق، وإنما قال داره فاستحقت من المشتري، فإنه يرجع على بائعه.
стр. 2686
[مسألة: ]
ورجع في بيع عرض بعرض استحق أحدهما بما خرج منه وهو عرضه، لا في عرض غيره الذي استحق إن وجده، أو قيمته إن لم يوجد، وكان مقوما، وإلا فمثله إن كان مثليا.
[المستثنى في المسألة: ]
إلا نكاحا صدقها فيه عبد فاستحق، فإنها ترجع بقيمة العبد بخلاف ما قبله.
وإلا خلعا على عبد فاستحق العبد.
وإلا صلح عمد بعبد فاستحق.
وإلا عبدا مقاطعا به عن عبد اشترى نفسه من سيده فاستحق، وعبدا مقاطعا عن كتابة مكاتب فاستحق، أو عبدا عن عمري دار عمرها له وصالحه به عنها، فاستحق العبد، ورجع المستحق من يده بقيمة العبد المستحق في المسائل السبع، وتقدمت قبل هذا.
[مسألة: ]
وإن أنفذت وصية مستحق بفتح الحاء برق متعلق بمستحق بعد قوله لم يضمن وصي تصرف في ماله بالإيصاء، وصرفه في مصرفه، وكذا لا يضمن حاج حج عنه إن عرف هذا المستحق فتح الحاء بالحرية بين الناس.
ومفهوم الشرط: أنه لو كان غير معروف بها لضمن الوصي في مال غيره، وهو كذلك، نص عليه الباجي.
[مسألة: ]
وأخذ السيد المستحق بكسر الحاء ما كان قائما من تركته لم يبع وما بيع منها وهو قائم بيد مشتريه لم يفت بالثمن، متعلق بقوله: (أخذ) فيدفع الثمن لمشتريه، ونحوه في المدونة، زاد فيها: (ويرجع على من باع تلك
стр. 2687
الأشياء فيقبض منه ثمن ما باع من مال عبده، وأما ما فات بزوال عينه أو بتغير صفته أخذ ثمنه خاصة، قاله ابن القاسم.
ثم شبهها بمسألة قالها مالك فقال كمشهود بموته بيعت تركته رقيق وغيره، وتزوجت زوجته، ثم قدم حيا، إن عذرت بينته الشاهدة بموته في دفع تعمد الكذب عنها كرؤيتها له في معركة القتلى وطعن فظنت موته فإن زوجته ترد له، أو يأخذ ما وجده من متاعه لم يبع وما بيع وهو قائم لم يتغير أخذه بالثمن، وما وجد قد فاتت عينه عند مبتاعه أو تغير في بدنه أو فات بعتق أو تدبير أو كتابة أو أمة حملت من السيد أو صغير كبر فإنما له الرجوع بالثمن على من باع ذلك كله.
وإلا بأن لم تعذر بينته بأن تعمدت الزور فكالغاصب، فإنه إذا وجد متاعه عنده أخذه إن شاء، وإن شاء أخذ ثمنه، وما فات من متاعه فالثمن له يرجع به على البائع، وهذا مقابل قوله: (لم يفت)، كما لو دبر المشتري عبدا اشتراه من التركة أو كاتبه أو أعتقه أو كبر صغير عند المشتري فله أخذه أو ثمنه، وكذا لو كانت أمة أولدها المشتري فله أخذها وقيمة ولدها يوم الحكم كالمغصوبة.
قال البساطي وذكر التدبير وكبر الصغير يصلح مثالا للأولى والثانية انتهى.
وهاتان المسألتان نحوهما في المدونة، واللَّه -تعالى- أعلم بالصواب.
* * *
باب
ذكر فيه الشفعة وما يثبت وما لا يثبت، وهي بسكون الفاء وضمها، وهي خارجة عن الأصول، وأرخص فيها لضرر الشركة أو لضرر القسمة.
واصطلاحا قال ابن الحاجب: (أخذ الشريك حصته جبرا شراء).
стр. 2688
[شرح التعريف: ]
فـ (أخذ): كالجنس، و (الشريك) كالفصل مخرج للجار، فلا شفعة له، و (حصته) يحترز به عن أخذه منه ما ليس بينه وبينه فيه شركة؛ إذ قد يقضى للشريك على شريكه بحق غير متعلق بالشركة، و (جبرا) مخرج للشراء اختيارًا، و (شراء) مخرج للاستحقاق.
ولابن عرفة تعقب على هذا الحد، انظره في الكبير، ولم يحدها المصنف، بل بدأ بالكلام على الأخذ، فقال: الشفعة أخذ شريك في الشقص المبيع بعضه حين بيعه غيره، فيخرج بائع بعض شقصه، وإن كان شريكا حين البيع؛ لأن البيع ليس من غيره.
حادثة:
قال ابن ناجي: وقعت بتونس وهي وصي على أيتام باع عليهم نصفه لضرورتهم، ثم أراد الأخذ بالشفعة لهم، فقال شيخنا: لا يأخذ لهم. وخالفه بعض شيوخنا، واختار أنه يشفع لهم.
نظائر:
أربعة لا شفعة لهم:
- إذا باع أحد المتفاوضين حصته من دار من شركتهما.
- والوصي من دار مشتركة بينه وبين يتيمه.
- والأب لابن صغير من شركة بينهما.
- ومن كل على حصة في دار هو شفيعها.
[مسألة: ]
ثم بالغ بقوله ولو كان الشريك ذميا باع شريكه المسلم حصته لذمي أخر.
وأشار بلو لقول ابن القاسم: (لا شفعة للنصراني)؛ لأن خصمه نصراني، والمخاصمة بينهما في الشفعة لا ينظر القاضي فيها.
стр. 2689
تنبيهان:
الأول: خص الذمي بالذكر لأنه موطن الخلاف.
الثاني: ظاهر كلامه أن للمسلم الأخذ ولو باع الذمي لذمي بخمر أو خنزير، وهو كذلك، لكن اختلف: هل يأخذ بقيمة الشقص أو بقيمة الثمن؟ قولان لأشهب وابن عبد الحكم.
كذميين تحاكموا إلينا في الشفعة فإنا نقضي بينهم فيها، وإن لم يتحاكموا إلينا فلا، ونحوه في المدونة.
وأفهم قوله: (تحاكموا) أنه لابد من ترافعهم، فلو طلب ذلك بعضهم وأبي بعضهم لا نحكم بينهم.
[تحبيس الشريك حصته: ]
أو كان الشريك محبسا لحصته فله الشفعة، لبقاء الحبس على ملكه إن أخذ بالشفعة ليحبس، وإلا فلا شفعة له، كسلطان له الأخذ بالشفعة لبيت المال.
سحنون: لو قتل مرتد وله شفعة، أخذه السلطان لبيت المال، إن شاء.
[مسائل تتعلق بمن لا شفعة له: ]
[١] لا محبس عليه، فلا شفعة له، ولو أخذ ليحبس، وهو مذهب المدونة.
وأشار بلو لخلاف مطرف وابن الماجشون: له ذلك إن أراد إلحاقه بالحبس.
[٢] ولا جار لا شفعة له وإن ملك تطرقا بأن كان شريكا في الممر، أو كان مالكا لمنفعة التطرق، كمن له طريق في دار فبيعت الدار لا شفعة له فيها.
[٣] وناظر وقف لا شفعة له فيما بيع مشتركا بين الوقف وغيره.
стр. 2690
قال في الشامل: على الأصح.
ثم عطف على (ناظر)، فقال: وكراء فلا شفعة لشريك أكرى شريكه حصته المشتركة بينهما على أحد قولي مالك، أو الشفعة على قوله الآخر، ولم يذكره المؤلف.
[مسألة: ]
واختلف في ناظر الميراث: هل لا شفعة له، وهو قول مالك، أو له الشفعة لبيت المال، وهو قوله أيضًا؟ قولان، وأطلق المؤلف الخلاف، وقيده بعضهم بما إذا لم يجعل السلطان له ذلك، وأما إذا جعله له فهو بمنزلته.
[شروط المأخوذ منه: ]
ثم تكلم على المأخوذ منه، وهو من اجتمعت فيه شروط، أشار لأولها بقوله: ممن تجدد ملكه، خرج به ما لو اشترى اثنان فأكثر دارا دفعة، فلا شفعة لواحد منهم على الآخر.
ولثانيها بقوله: اللازم، وهو: صفة لملك، وتحرز عن المبيع بخيار، فلا شفعة فيه قبل لزومه، وأما بعد لزومه فالشفعة فيه؛ ولذا قال البساطي: فيه مناقشة لا تضر مع العلم بالمراد انتهى.
وسواء كان الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما أو لأجنبي، وكذا لو أسقط هو شفعته قبل تمام الخيار لكان له القيام إذا تم، قاله ابن المواز.
ولثالثها بقوله: اختيارا احترازًا عما يدخل الملك قهرا كالميراث بمعاوضة، فلا شفعة فيما تجدد ملكه اللازم بصدقة أو تمليك على الأصح عند ابن يونس وغيره.
[مسألة: ]
ولو كان تجدد الملك ببيع عقار موصًى ببيعه للمساكين كمن أوصى بثلثه لهم وفيه عقار فباعه الوصي ففيه الشفعة للورثة على الأصح عند ابن
стр. 2691
الهندي، وعلى المختار عند اللخمي.
وأشار بالمبالغة لقول سحنون: (لا شفعة)؛ لأن بيع الوصي كبيع الميت، لا موصى له معين كزيد ببيع جزء من عقار، أي: يكون هو المشتري، فلا شفعة للورثة لئلا يبطل قصد الموصي.
ثم ذكر المأخوذ وهو معمول أخذ المتقدم أول الباب بقوله: عقارا كالدور والأرضين وما يتصل بها من بناء أو ثمرة، كما قال ابن شاس، فلا شفعة في غير العقار من حيوان وعرض.
[حكم المناقلة: ]
وبالغ بقوله: ولو مناقلا به، والمناقلة: بيع الشقص بعقار، كأن يناقل شريك بحصته رجلًا بحصته من دار أخرى أو بدار، فلشريكه أخذ الحصة عند مالك، واقتصر عليه المصنف لقول ابن رشد في بيانه: هو الصحيح.
وظاهر كلامه: سواء علم أن المراد الناقلة دون المبايعة أو لا، كان المناقل معه شريكا له في هذه الدار أو لا، دفع مع ما نافل به نقدًا أو لا.
[شرط العقار الذي فيه الشفعة: ]
ثم أفاد أن شرط العقار الذي فيه الشفعة قبوله للقسم بقوله إن انقسم، أي: قبل القسم، فإن لم يقبله أو قبله بفساد كالحمام فلا شفعة.
ابن عبد السلام وفي المدونة ما يدل له.
وفيها أيضًا الإطلاق أي قبل القسم أو لا، وهو لمالك أيضًا، وعمل به.
قال صاحب المعين: وبه القضاء.
ابن حارث: وهي حادثة وقعت بقرطبة، وافق فيها فقهاؤها (١).
стр. 2692
[المأخوذ به: ]
ثم أشار للمأخوذ به بقوله: بمثل الثمن المدفوع للبائع نقدًا أو غيره من المثليات، ولو كان الثمن المثلي دينا على البائع عوض فيه الحصة فمثله.
وهذا إن وجد المثلي، وإلا فقيمته، قاله مالك فيمن اشترى بعين فلم يجده الشفيع.
أو قيمته إن كان مقوما، كبيعه الحصة بعبد أو فرس، وإذا بيع من الشقص بثمن مع رهن أو ضامن أخذه الشفيع يرهنه، وضامنه، ولو كان الشفيع أملى من المشتري لتحقق المثلية، وقاله أشهب.
стр. 2693
[كيفية الأخذ: ]
ويأخذه أيضًا بمثل أجرة دلال وأجرة كاتب عقد شراء وثمن ما يكتب فيه معتادًا لازمًا على العادة، وبه أفتى ابن عتاب (١) وغيره.
المتيطي: ولا أظن لهم مخالفا.
[حكم المكس: ]
وفي لزوم المكس للشفيع، وهو: ما يؤخذ ظلما؛ لأنه مدخول عليه، وعدم لزومه؛ لكونه ظلما تردد؛ لعدم نص المتقدمين.
[مسألة: ]
ولما أفاد أن الشفيع يأخذ بمثل الثمن مثليا كان أو مقوما فدخل تحت التقويم فقال: أو قيمة الشقص المشفوع فيه المأخوذ من زوجة لزوجها في كخلع، ومن زوج لزوجة في مهر، فالأخذ بالشفعة بقيمة ذلك الشقص؛ إذ الخلع والمهر لا قدر لهما معلوم، فرب كارهة تدفع كثيرا، وراغب يدفع أكثر من مهر المثل، فالرجوع للقيمة أعدل، ولا يشفع بصداق المثل، وإن استغربه ابن عبد السلام.
[مسألة: ]
وبقيمة شقص مدفوع في صلح جرح عمد؛ لأن الواجب فيه القود، ولا قيمة له، بخلاف الخطأ، ففيه الدية، فيؤخذ من العاقلة قيمة الإبل إن كانت أهل إبل، أو ذهب وورق إن كانت أهله، وينجم عليه ذلك كالعاقلة، ونحو هذا كله في المدونة.
تنكيت:
قول البساطي تبعا لابن عبد السلام: (المشهور الأخذ بالشفعة في الخلع
стр. 2694
والمهر)، وقول صاحب الشامل: (قيمة شقص دفع في خلع وكذا في صلح عمد، ولا تبطل على الأصح)، قال ابن عرفة: لا أعرف خلافًا في الخلع ودم العمد.
[مسألة: ]
ويأخذ الشفيع بقيمة الشقص يوم الشراء في جزاف نقد بيع الشقص به.
تنبيه:
تبع المصنف في ذلك ابن شاس وابن الحاجب مع تعقب ابن عبد السلام لهما، قائلًا: في صحة فرض دراهم جزافا على المذهب نظر؛ لأن الدراهم والدنانير لا يجوز بيعها جزافا.
[مسألة: ]
وأخذ الشفيع الشقص المبيع مع غيره في صفقة بما يخصه من الثمن إن صاحب غيره بعد تقويمها، ونحوه في المدونة، ففيها: من ابتاع شقصًا من دار وعرض صفقة بثمن واحد فالشفعة في الشقص خاصة بحصته من الثمن بقيمته مع قيمة العرض يوم الصفقة، وليس للشفيع أخذ العرض، ولا ذلك عليه إن أباه.
وقول البساطي: (وقول الشارح: "قولها: وليس للشفيع. . إلى آخره، أشار له المصنف بقوله ولزم المشتري الباقي" فيه نظر) غير ظاهر؛ لأنه إذا لم يكن للشفيع أخذ الباقي هو عليه إن أباه، ولا للمشتري رده على التفريق إذا أخذ الشفيع ما له فيه الشفعة، فتعين لزومه له.
[مسألة: ]
وإذا بيع الشقص مؤجلًا أخذه الشفيع إلى أجله إن أيسر الشفيع بالثمن، أو إن ضمنه مليء به، ولا يشترط تساويهما في الملاء على المشهور.
وفهم من قوله: (أجله) أن الشفيع لو لم يقم حتى حل الأجل وطلب
стр. 2695
ضرب الأجل كالأول لم يوجب، وهو كذلك عند مالك وأصبغ وغيرهما؛ لأن الأول مضروب لهما معا، ولمطرف ومن وافقه يضرب له كالأول، وصوبه ابن يونس وابن راشد.
[مسألة: ]
وإلا يكن الشفيع مليئًا ولا وجد ضامنًا ملئًا عجل الثمن للبائع، إلا أن يتساويا، أي: المشتري والشفيع عدما، فلا يلزم الشفيع حينئذ الإتيان بضامن على المختار؛ لأن الشفيع مليء بالحصة.
ومفهومه: إن كان أشد عدما لزمه، وهو كذلك. قال ابن رشد: اتفاقا.
[مسألة: ]
ولا يجوز للمشتري إحالة البائع على الشفيع به، أي: بالثمن المؤجل؛ لأن الحوالة إنما تكون بدين حال، ولما فيه من بيع دين بدين؛ لأن البائع ترتب له في ذمة المشتري دينا باعه بدين على الشفيع.
ثم شبه في المنع فقال، كأن أخد مستحق الشفعة من أجنبي مالا ليأخذ بشفعته ويربح ما يأخذه من الأجنبي مع الثمن بكماله، وإذا أخذ ذلك سقطت شفعته؛ ولذا قال: ثم لا أخذ له بعد ذلك، ويحتمل أنه يأخذ من الأجنبي مالا على أن يأخذ بالشفعة لنفسه ليس للأجنبي غرض في دفع المال غير ضرر المشتري، ويربح الشفيع المال، والمدونة محتملة لهما.
أو باع مستحق الشفعة قبل أخذه بشفعته؛ لأن من ملك أن يملك لا يعد مالكا بخلاف أخذ مال يأخذه المستحق بعده، أي: بعد الأخذ بالشفعة من المشتري أو غيره ليسقط حقه من الشفعة، فإنه جائز، ويسقط حقه بذلك، ويحتمل بعد عقد البيع.
ومفهوم (بعده) أنه لو أخذ من المشتري مالا قبل الشراء لم يجز، ولا يسقط حقه، كشجر مشترك بأرض حبس أو معارة، وبناء مشترك بأرض حبس، أو بأرض معير، باع الشريك حصته من ذلك، فلشريكه الأخذ بالشفعة على المشهور.
стр. 2696
[المسائل التي استحسنها الإمام: ]
ومسألة البناء هي إحدى مسائل الاستحسان الأربع التي استحسنها الإمام، ولم يسبقه أحد إليها، والشفعة في الثمار، والقصاص بشاهد ويمين، وفي الأنملة من الإبهام خمس من الإبل، بخلاف كل أثملة من غيره، فإنما فيها ثلث ما في الأصبع، ونظمها بعضهم فقال:
وما استحسن المتبوع إن عد أربع ... فالاثنان منها صاحب الوتر يشفع
بناء وتمر والقصاص بشاهد ... وأنملة الإبهام للخمس تربع
والأوليان هما المشار إليهما بقوله صاحب الوتر يشفع.
وإذا جاز ذلك للشفيع قدم المعير، وهو صاحب الأرض، يحتمل تقدمته على الشفيع، ويحتمل على المشتري، ويفسخ البيع بينه وبين المبتاع، فيرجع على البائع بما دفع له، وهما تأويلان على المدونة، وإذا قدم فيأخذ بنقضه، أي: بقيمة بنائه منقوضا إن شاء، ويبقيه بأرضه، أو ثمنه الذي باع به، فيأخذه بأقلهما، فـ (أو) للتخيير، وعليه درج ابن الحاجب، ويحتمل أنهما قولان، فالرجوع على الأول بقيمة الشقص فقط، وعلى الثاني بالثمن فقط، حكاهما عياض وغيره، وهما تأويلان على المدونة.
أبو الحسن: وظاهرها أنه ليس على المعير إلا قيمة النقص.
سواء مضي من يعار له أم لا، وقيدها أبو عمران بما إذا مضى زمن يعار لمثله، وإلا فله قيمة بنائه قائما، وعليه درج المؤلف، فقال: إن مضى زمن ما يعار له، وإلا فقائما.
تنبيه:
وهذا كله في العارية المطلقة، وأما المقيدة بزمن ولم ينقض فقالا ابن رشد: إن باع قبل انقضاء أمد العارية على البقاء فللشريك الشفعة، ولا مقال لرب الأرض، ولو باعها على النقض قدم رب الأرض.
стр. 2697
وكثمرة للشريك أخذها بالشفعة، إذا باعها شريكه على أحد الروايتين، وتقدمت قريبا.
ابن القاسم: ومقثأة، وباذنجان، وقرع، وقطن.
الباجي يريد وكلما له أصل تجني ثمرته مع بقاء أصله.
وبالغ بقوله: ولو مفردة للتشبيه على خلاف أصبغ القائل: إن بيعت مع أصولها ففيها الشفعة، وإلا فلا، إلا أن تيبس الثمرة فلا شفعة فيها، ويشمل كلامه مسألتين:
إحداهما: إذا بيعت قبل حبسها، ولم يقم الشفيع حتى يبست.
والأخرى: بيعت يابسة.
وهما لمالك في المدونة.
[مسألة: ]
وإذا اشتري الأصل مع الثمرة حط عن الشفيع حصتها، إن أزهت أو أبرت يوم البيع، وأخذها الشفيع بعد يبسها فلا شفعة له في الثمرة، ويأخذ الأصل بالشفعة بحصته، ويحط عنه ما ينوب الثمرة؛ لأن لها حصة في الثمن.
[مسألة: ]
ولما قدم عن المدونة أن الشفيع يأخذ الثمرة ما لم تيبس، قال: وفيها أيضًا: أخذها الشفيع ما لم تيبس أو تجذ.
واختلف هل هو -أي: ما في الموضعين منها- خلاف، فمرة قال: ما لم تيبس.
стр. 2698
ومرة قال: ما لم تجذ.
أو وفاق، والأول: إذا اشتراها [مع أصلها فالشفعة ما لم تجذ] (١)، بغير أصل فالشفعة ما لم تيبس، فإن جذت قبل اليبس فله أخذها.
والثاني: إذا اشتراها مع أصلها، فالشفعة ما لم تجذ، سواء أخذت قبل اليبس أو بعده؟ تأويلان.
[مسألة: ]
وإن اشترى المبتاع أصلها فقط وليس فيها ثمر، قاله الشارحان، أو فيها ثمر لم يؤبر، وقال الشفيع: أخذت بالشفعة مع الأصول، إن لم تؤبر قبل أخذها، وإن أبرت ورجع المبتاع على الشفيع بالمؤنة من علاج وسقي، قاله في المدونة، وهو المشهور، والقول له فيما ادعى من المؤنة مع يمينه ما لم يتبين كذبه.
وكبئر أو عين لم تقسم أرضها وباع الشريك حصته من ذلك فالشفعة، ويقسم شرب العين بالقلة، وإلا بأن قسمت الأرض خاصة فلا شفعة للشريك، قاله في المدونة؛ لأن القسم يمنع الشفعة، وفي العتبية له الشفعة.
واختلف: هل ما في الكتابين خلاف، وإليه ذهب الباجي، قال: وهو مبني على الخلاف في الشفعة فيما لا يقسم، فالبئر والعين كالنخلة، أو وفاق، وإليه ذهب سحنون، فقال: معنى ما في المدونة بئر متخذة، وما في العتبية آبار كثيرة.
وقال ابن لبابة: معنى المدونة بئر لا قناة لها، ومعنى العتبية بئر لها قناة وأرض مشتركة.
وشمل التوفيقين قوله: وأولت أيضًا بالمتحدة، أي: غير المتعددة وغير ذات القناة.
стр. 2699
[ما لا شفعة فيه: ]
[١] لا عرض، فلا شفعة فيه.
[٢] ولا في كتابة، كذا (١) حكى ابن الحاجب الخلاف كابن شاس، [و] (٢) تعقبه ابن عرفة بأن مقتضاه أن أحد الشريكين في عبد كاتباه إذا باع أحدهما خطه من الكتابة على أحد الأقوال بجوازه أن لشريكه فيه الشفعة، ولا أعرفه، وإنما وقع في المذهب كون المكاتب أحق بما بيع من كتابته.
[٣] ولا في دين، قال في الموازية: لم يقل أحد في الدين بالشفعة، لكن الذي هو عليه أحق به؛ للضرر.
مالك: إنه لحسن أن يكن أحق به.
وفي المجموعة: روى ابن القاسم وأشهب: إلا أن يبيعه من عدوه، وهو من الضرر، قاله في التوضيح.
وظاهر المذهب: أنه لا يكون أحق به، وكذلك الكتابة، وقيد في سماع أشهب كون المكاتب أحق بما إذا بيعت كلها؛ لأنه معتق، أما ما لا يعتق به فلا يكون أحق به؛ إذ لا يرجع لحرية، ليس هذا حقيقة الشفعة.
[٤، ٥] ولا شفعة في علو شخص على سفل لآخر وعكسه، إذا باع أحدهما، ونحوه في المدونة لأنها جاران.
[٦] ولا شفعة في زرع إن لم يبع مع أصله، ولو بيع بأرضه، والشفعة في الأصل بما ينوبها من الثمن، وسواء بيع بعد يبسه، أو وهو أخضر، أو قبل نباته عند ابن القاسم.
وفرق بين الأرض مع الزرع، وبين الثمر مع الشجر، بأن البائع إذا استثنى الثمرة قبل أبارها لم يجز، وإذا استثنى الزرع جاز؛ لأن الزرع
стр. 2700
مقصود، وإن لم يصح بيعه منفردا حينئذ، وبأن الزرع غير ولادة والثمرة ولادة.
[٧] ولا شفعة في بقل، كـ: هندباء ونحوها، وقول البساطي: (وقرع) سبق قلم؛ لما تقدم أنه كالمقاتي.
[٨] ولا شفعة في عرصة، يحتمل صورتين:
إحداهما: إذا باع أحدهما حصته من العرصة.
والثانية: إذا باع حصته من الدار المقسوم بيوتها وبقيت عرصتها وهما صحيحان.
[٩] ولا شفعة في ممر، وهو الطريق المشترك، إن قسم متبوعه، وبقي هو ليتوصل منه للبيوت ليرتفقوا به، فلا شفعة فيه، وضمير (متبوعه) عائد على المذكور منهما، ومثلهما الساباط ومسيل الماء، ذكرهما في الجلاب.
[١٠] ولا شفعة في حيوان رقيق أو دواب، إلا أن يكون في كحائط، ففيه الشفعة تبعا، وأما منفردا فلا شفعة فيه اتفاقًا، واللَّه أعلم.
تنبيه:
لا فرق بين أن يكون الحيوان له عمل في الحائط، أو معدا للعمل.
قال الشارح: ولعله أدخل الكاف على (حائط) لهذا.
[١١] ولا شفعة في إرث، أي: موروث على المشهور.
[١٢] ولا في هبة بلا ثواب على المشهور، وإلا بأن كانت بثواب فبه بعده، أي: بعد أخذ العوض، فإن كان مثليا فبمثله، أو مقوما فبقيمته، وجعل ابن عبد السلام الحكم به كأخذه.
[١٣] ولا شفعة في مبيع خيار لبائع أو مشتر أولهما أو لأجنبي، إلا بعد مضيه اتفاقًا، واختلف هل الخيار الحكمي كالشرطي أو لا، ووجبت الشفعة لمشتريه، أي: الخيار إن باع المالك داره مثلًا نصفين: نصفها خيارا