الشركاء، وجعل اسم كل بورقة مثلًا، ووضعها ببندقة من شمع مثلًا، ثم رمى كل بندقة منها في جهة من الجهات المعدلة، فمن خرج اسمه على هبة أخذه، إن كان قدر نصيبه، وإلا أخذه وما يليه، لمنتهى حقه.
ثم ذكر صفة أخرى، فقال: وكتب القاسم المقسوم، وجعل كل جهة منه ببندقة، وأعطى كلا من البنادق التي من الجهات لكل من أصحاب تلك الأسماء، فأي جهة ظهرت فيها فهي له.
وقيل: يكتب الأسماء، ويكتب الجهات، ويجعل كل تحت ساتر، ثم يأخذ واحدًا من الأسماء وواحدًا من الجهات، فما ظهر من الجهات فهو لصاحب الاسم.
فائدة:
القرعة مشروعة في اثنين وعشرين مسألة انظرها في الكبير.
[اشترا الخارج من القسمة: ]
ومنع اشتراء الخارج من القسمة، وظاهره: كان المشتري شريكا أو أجنبيا، وقرره الشارحان على منع الشراء لأجنبي، ونحوه قول التهذيب: ولا يجوز لأجنبي أن يشتري من أحدهم ما يخرج له بالسهم من هذه الثياب؛ إذ لا شركة له فيها، وإنما جاز ما أخرج السهم في تمييز حظ الشريك خاصة؛ لأن القسم عند مالك بالقرعة ليس من البيوع، والقسم يقارن البيع في بعض الحالات انتهى.
وهذا التعليل يقتضي أنه لا فرق بين الأجنبي وغيره، وكذا تعليل الشارح بجهل الخارج، والبساطي بأنه قد يخرج ما لا يوافق غرضه، وتعذر تسليمه عند العقد.
[متى يلزم القسم: ]
ولزم القسم بأنواعه إن وقع بوجه صحيح، وليس لأحد من الشركاء نقضه، ونظر في دعوى جور أو غلط في المقسوم، وإن لم يظهر شيء مضى القسم، وإن اعترف الشريك الآخر قضى بما يوجبه اعترافه.
стр. 2732
وإن أنكر حلف المنكر، وإن تفاحش الجور أو الغلط، أو ثبتا بشهادة أهل المعرفة، بأن يقولوا: بها تغابن أو تفاحش، نقضت، ونحوهما التهذيب.
تتمة:
ابن يونس: التفاحش أن يكون الغبن الثلث وما قبله، ولو كان دونه، وعزاه عياض لها ولأشهب وابن حبيب.
وهذا في قسمة القرعة دل عليه قوله كالمراضاة إن أدخلا مقوما بينهما، فينظر الحاكم أيضًا في دعوى جور أو غلط، وأما المراضاة من غير إدخال مقوم فلا نقض، ولو تفاحش الجور والغلط، وأجبر لها -أي: القسمة- كل من الشركاء؛ إذ طلبها بعض وامتنع غيره، سواء كانت حصة الطالب أو غيره.
البساطي: ولذا أعاد لفظة كل؛ إذ لو قال: (وأجبر لها كل إن انتفع) عاد الضمير على (كل) و (كل) إنما هو الممتنع، فلا يدخل انتفاع الطالب في الشرط، فتأمله. انتهى.
ومفهوم الشرط: المنع إن لم ينتفع كل، وهو لمالك، واختاره ابن القاسم وابن الماجشون.
[مسألة: ]
وأجبر للبيع شريك في كل ما لا يجبر فيه بالقسمة من حيوان أو عرض، إذا انتفع منه، إن نقصت حصة شريكه، إذا بيعت مفردة عن ثمنها في بيع الكل.
ابن عرفة: كذا قيده غير واحد، وهو كذلك عند الأكثر.
تنبيهان:
الأول: إذا وقف هذا البيع على ثمن، فلكل من الشركاء أخذه به، طالب البيع أو غيره، وبه القضاء، خلافًا للداودي في أن مريد البيع ليس له
стр. 2733
أخذه، وحمل المدونة عليه، قائلًا: ليس في المذهب غيره.
الثاني: قيد اللخمي الجبر بما إذا لم يقل الشريك: أنا أدفع النقص الذي ينال شريكي في بيع نصيبه مفردا، فلا مقال لشريكه حينئذ؛ لارتفاع ضرره، ولم يعتبره المؤلف.
لا كربع غلة، فلا يجبر من أبي البيع فيه من شريكه؛ لأن رباع الغلة لا يحط ثمن بعضها، إذا بيع مفردا عن بيعه مع الجملة، بل ربما زادت الرغبة في البعض بخلاف دور السكنى.
أو اشترى بعضا، وأراد بيعه، فلا يجبر شريكه الممتنع عن البيع عليه معه؛ لأنه اشترى بعضا، فيبيع كذلك.
[الطارئ على قسمة: ]
ولما كان الطارئ على القسمة أمور، ذكرها فقال: وإن وجد أحد الشركاء عيبا بالأكثر فيما خصه من القسمة، بأن زاد على النصف والباقي سالم، فله ردها -أي: القسمة- إن كان المقسوم قائما بيد الشركاء، ثم ابتدؤوا القسم، ويأتي مفهوم الأكثر، فإن فات ما بيد صاحبه -وهو الذي لم يظهر له عيب- بكهدم أو بناء أو قطع الثوب تبابين أو تحبيس أو صدقة أو هبة أو نحوه مما أدخلته الكاف، رد صاحب الفائت نصف قيمته -أي: الفائت- لمن ظهر العيب بنصيبه.
[المعتبر في التقويم: ]
والمعتبر في التقويم يوم قبضه وما سلم ولم يفت بينهما، فتلخص من هذا: أن الفائت بينهما والمعيب بينهما، فتأمله.
وإن فات من صاحب المعيب ما بيده، وهو المعيب، رد على الذي بيده السالم من العيب نصف قيمته، وما سلم بينهما نصفان.
قال المصنف: وكذا لو فات النصيبان معا، فيرجع على من أخذ السالم بنصف ما زادته قيمة السالم على قيمة المعيب.
стр. 2734
وإلا بأن لم يكن المعيب بالأكثر بل بالنصف فأقل لم ينتقض القسم، وإذا لم ينتقض فلا يرجع فيما بيد شريكه، بل بنسبة المعيب مما في يده، فإن كان المعيب قدر سبع رجع على صاحبه بنصف المعيب، أي: بثمن قيمة نصف المعيب من الصحيح، وهو نصف سبع مما في يده ثمنا، لا أنه يرجع شريكا.
وإذا رجع بقيمة نصف المعيب عاد المعيب بينهما مشتركا، وهذا مفهوم الأكثر، ومفهومه: لو كان المعيب جميع النصف لكان النقص أحرى.
ولما فرغ من الكلام على الطارئ الأول تكلم على الثاني: وإن استحق نصف أو ثلث مما بيد بعض المقسوم عليهم خير المستحق من يده بين نقض القسمة وبقائها والرجوع على صاحبه بنصف ذلك.
قال الشارح: وتخييره بين النقض ورجوعه شريكا فيما بيد صاحبه بقدر ما استحق من يده.
لا إن استحق ربع فأقل، فلا يخير، ويرجع بنصف قيمته ثمنا، وفسخت استحقاق الأكثر من النصف، ولا خيار ولا رجوع، ومفهوم (الأكثر) لو استحق جميع حصة شريكه لفسخ من باب أحرى.
تتمة:
يستثنى من ذلك ما قاله ابن فرحون في ألغازه: إذا استحق نصيب واحد قبل قسم الغنيمة لا ينتقض القسم.
ثم ذكر من الطوارئ أربعا متفقا حكمها مشبها لها بما يفسخ فقال: كطرو غريم وحده على ورثة وحدها، أو على وارث موصى له بالثلث، أو طرو موصى له بعدد من دنانير ونحوها وحدها على ورثة وحدها، أو طرو موصى له بعدد وحده على وارث وموصى له بالثلث، وإذا فسخت فقال ابن القاسم: يعطي الغريم أو الموصى له حقه، ثم يبتدئ القسم.
стр. 2735
[قيود الفسخ: ]
والفسخ مقيد بما إذا كان المقسوم كدار أو بستان أو حانوت؛ لتعلق الغرض بها.
وإن كان المقسوم:
- عينا: ذهبا أو فضة.
- أو مثليا، كـ: قمح أو عسل لم يفسخ القسم.
رجع الطارئ على كل من بيده شيء من ذلك بما يخصه، إن كان قائما، وإن فات رجع بمثله، ومن أعسر فعليه، ويتبع به دون غيره من الأملياء، إن لم يعلموا بالطارئ، قاله ابن القاسم، وأما إن قسموا مع العلم بالطارئ رجع على المليء بالجميع لتعديهم.
وإن دفع جميع الورثة الدين أو الموصى له للطارئ لعمد القسمة مضت لوصول كل منهما لحقه؛ إذ لا حق لهما في الفسخ، وهو المشهور من قول ابن القاسم المنصوص في المدونة.
ومفهومه: لو امتنعوا أو بعضهم من الدفع فسخت؛ لأن الدين والوصية مقدمان على الميراث، ولا ملك للوارث إلا بعدهما.
ثم شبه في الإمضاء وعدم الفسخ فقال كبيعهم بلا غبن، ثم طرأ الدين.
ابن المواز: ويضمنون الدين بالبيع وبغبن أحرى وهو كذلك على أحد القولين.
وإذا قلنا بإمضاء البيع فباع بعضهم نصيبه، وبقي نصيب بعض استوفى الطارئ جميع حقه مما وجد من التركة، ثم تراجعوا: فيرجع من أدى على من لم يؤد، ومن أعسر فعليه، ويتبع مما أخذ، إن لم يعلموا بالطارئ، فإن علموا فمتعدون.
стр. 2736
ثم ذكر للطارئ أربع صور أيضًا متبعة في الحكم، وبها تمت الطوارئ العشرة، فقال:
وإن طرأ غريم على مثله، أو وارث على مثله، أو موصى له بجزء -أي: بنصيب- على وارث اتبع الطارئ كلا ممن طرأ عليه بحصته، ولا ينتقض القسم، ولا يأخذ مليئًا عن معدم، فإن وجد ما بأيديهم أخذ من كل منهم ما يجب له إن كان مكيلًا أو موزونًا، وإن كان حيوانًا أو عرضًا انفسخت؛ لما يدخل عليه من الضرر لتبعيض حصته، وقوله: (بجزء) هو قسيم قوله: (بعدد) فيما سبق.
[مسألة: ]
وأخرت قسمة تركة لوضع حمل، وستأتي آخر الفرائض، لا دين على ميت، فلا يؤخر قضاؤه، وفى تأخير مال الوصية لوضع الحمل وتعجيله قولان، حكاهما ابن رشد.
[مسألة: ]
وقسم عن صغير أب، ما لم يكن كافرا، فلا يقسم عن ابنته البكر، كما لا يجوز له تزويجها، وخرج بالأب الأم، إلا أن تكون وصية على ابنها، ومفهوم كلامه: أن الأب لا يقسم على كبير غائب.
أو وصي أو مقدم القاضي إن لم يكن ملتقط اسم فاعل يقسم عن ملتقطه، كقاض عن غائب يجوز قسمه عنه، إن طلب شركاؤه ذلك.
لا ذي شرطة، فلا يقسم عن صغير ولا غائب، أو كنف أخ أخا صغيرا، أي: أحاطه وقام به، فلا يجوز قسمه عنه، ولا بيعه له، وغير من كنف أحرى في المنع.
وظاهر كلامه: ولو مع القاضي، وهو كذلك، وظاهره: كان المقسوم كثيرا أو قليلا، وهو كذلك.
أو أب لا يجوز قسمه عن ولد كبير رشيد، وإن غاب بالغ عليه؛ لدفع توهم الجواز مع الغيبة.
стр. 2737
[مسألة: ]
ثم ختم الباب بمسألة مستقلة، ولذا نسبها للمدونة، فقال: وفيها: قسم نخلة وزيتونة مشتركتين بين اثنين، إن اعتدلتا في القسم مع اختلاف جنسهما، وأصل ابن القاسم منع النوعين المختلفين كعبد ودابة.
واختلف شيوخ المدونة: هل هي قسمة قرعة أجيزت للقلة، وهو فهم ابن يونس؛ لقولها: إن اعتدلتا، واعتذروا عن قوله: (تراضيا)، أي: بالاستهام؛ لقولها بعد: وإن تركوها لم يجبر، ولقولها: اعتدلت.
أو مراضاة، اعتبارا بقولها: تراضيا، واعتذروا عن قوله: اعتدلتا، بأن التراضي لا يشترط فيه الاعتدال، بأنهما دخلا على بيع لا غبن فيه؟ تأويلان.
ومفهوم الشرط: إن لم يعتدلا في القسم لم يجز.
* * *
[تم بفضل اللَّه وحسن توفيقه الجزء السادس]
стр. 2738
جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر
للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء السابع
دار ابن حزم
стр. 2739
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
стр. 2740
جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر
للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء السابع
دار ابن حزم
стр. 2741
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
стр. 2742
باب
ذكر فيه القراض وتعلقاته، وهو لغة أهل الحجاز، مأخوذ من القرض، وهو: القطع؛ لأن رب المال قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها بقطعة من الربح، ولغة أهل العراق: المضاربة، إما لأن كلًّا منهما يضرب في الربح بنصيب، وإما من الضرب في الأرض، الذي هو السفر.
ولما كان كل أحد لا يقدر على تنمية ماله بنفسه شرع لضرورة الاستعانة بغيره.
[تعريف القراض: ]
وعرفه المصنف بقوله: القراض توكيل، كالجنس، يشمل الوكالة على خلاص الحق، وقضاء الدين، والوكالة على الخصومة، وعلى بيع سلعة، أو قضاء حاجة، ونحوه.
على تجر: فصل، خرج به ما عدا الشركة.
في نقد: خرج به الشركة؛ لجوازها في النقد وغيره من العروض.
مضروب: خرج به التبر والحلي ونحوهما.
مسلم: خرج به اشتراط يده معه ومراجعته أو أمينًا عليه.
стр. 2743
بجزء: كالنصف والثلث ونحوهما، فلا يجوز أن يعمل فيه بعدد معين من الدراهم أو الدنانير.
من ربح: لا بجزء من ربح غيره.
إن علم قدرهما، أي: قدر المال المدفوع والجزء المشترط، فلا يجوز في المجهولين، أو أحدهما.
ولو كان النقد مغشوشًا على الأصح، خلافًا لعبد الوهاب.
[شروط القراض: ]
[١] لا بدين عليه فلا يجوز لرب الدين أن يقول لمن عليه دين: اعمل فيه قراضًا بربح كذا، واستمر دينًا على حاله، لا قراضًا للعامل ربحه، وعليه خسره، خلافًا لأشهب في كونه يصير قراضا.
ما لم يقبض من المدين، فإن قبض زالت التهمة؛ لأنه قبل القبض يحتمل أنه أخره ليزيده فيه.
ولما كان إحضار الدين مع الإشهاد كالقبض، قال: أو يحضره ويشهد أنه ليس دينًا عليه، وإن لم يقبضه، فإن لم يشهد فالمشهور المنع.
[٢] ولا يصح القراض برهن بيد العامل، ولو كان بيد أمين؛ لأنه في الأول شبيه الدين، وفي الثاني بالتقاضي، أو وديعة لسواء كانت بيد المودع بالفتح، أو بيد غيره، بأن كان المودع أودعها لعورة حدثت، أو لسفر؛ لاحتمال اتفاقهما، فتصير دينًا، فالمبالغة في قوله: (وإن بيده) راجعة للمسألتين، ولو أحضر الرهن والوديعة صح.
[٣] ولا يصح القراض بتبر لم يتعامل به ببلده، أي: ببلد العقد، فإن تعومل به فيه صح اتفاقًا، ولا يشترط عمومه، بل بلد العقد كاف، فلا يشترط التعامل به في البلد الذي يسافر إليه، وهذا مقابل قوله: (مضروب).
كفلوس لا يصح بها عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب: قليلة كانت أو كثيرة.
стр. 2744
وعرض: عطف على (كفلوس)، فلا يجوز به إن تولى العامل بيعه بنفسه، سواء جعلا رأس المال ثمنه، أو على أن يرد مثله عند الفصل؛ لزيادة منفعة البيع في الأول، وللغرر في الثاني؛ لأنه إن غلا ربما استأصل الربح، فيذهب عمله باطلًا، أو رخص فيذهب بعض رأس المال، وسواء كان في بيعه كلفة أو لا.
ثم شبه في المنع قوله: كأن وكله على دين يقتضيه، ثم يعمل به؛ فإنه لا يجوز، ولو كان على حاضر مليء، خلافًا للخمي.
أو دفع له تعديًا؛ ليصرف، ثم يعمل بما صرفه قراضًا، سواء كان للصرف بال أو لا، ثم إن وقع القراض بعرض وما بعده وعمل على ذلك فأجر مثله في توليه بيع العرض وخلاص الدين وعمل الصرف، ثم له أيضًا قراض مثله في ربحه.
ثم شبه في قوله ثم قراض مثله مسائل فقال: كلك شرك في الربح بنظير عملك، والحال أنه لا عادة في ذلك، فلو كانت لهم عادة من نصف أو ثلث مثلًا لعمل عليها، أو القراض بجزء مبهم من الربح، كاعمل ولك جزء، أو أجل يشمل صورتين:
- تأجيل ابتداء العمل، كإذا جاء رمضان فاعمل.
- وانتهاؤه، كـ: اعمل به سنة، من وقت كذا، وفيه قراض المثل.
أو ضمن المال للعامل، ويصح بناؤه وما قبله للفاعل والمفعول، أو اشتر سلعة فلان، كعبد مثلًا، ثم بعها واتجر في ثمنها، أو لا تشتري إلا بدين، أو لا تبع إلا به، أو شرط عليه أن يشتري ما يقل وجوده.
قال ابن بشير في تحريره: فاشترى في الدين بالنقد، وفي الثانية غير ما أمر به. انتهى.
وظاهر كلام المؤلف الإطلاق.
ثم شبه في هذه المسائل مسألة يرد العامل فيها لقراض المثل، وليست فاسدة؛ لأنها في المدونة كذلك، فقال: كاختلافهما -أي: العامل ورب
стр. 2745
المال- بعد العمل في قدر الربح المجعول للعامل، وادعيا ما لا يشبه، فيرد إلى قراض المثل، وأما لو ادعى أحدهما ما يشبه والآخر ما لا يشبه، فالقول لمدعي الأشبه.
ونظم بعضهم هذه النظائر، فقال:
لكل قراض فاسد أجر مثله ... سوى تسعة قد فصلت ببيان
قراض بدين أو بعض ومبهم ... وبالشرك والتأجيل أو بضمان
ولا تشتري إلا بدين فيشتري ... بنقد وإن يبتاع عبد فلان
ويتجر في أثمانه بعد بيعه ... فهذي إذا عدت تمام ثمان
ولا يشتري ما لا يقل وجوده ... فيشتري سواه اسمع حسن بيان
كذا ذكر القاضي عيض وأنه ... خبير بما يروي فصيح لسان
وفي النظم ما يشهد لما قال ابن بشير في تحريره على ما قدمناه.
[مسألة: ]
ويلزم فيما فسد غيره -أي: غير ما ذكر من القراض- أجرة المثل في الذمة، سواء حصل ربح أو لا، وهذا أحد الفروق بين أجرة المثل وقراض المثل.
[أمثلة: ]
وأشار لأمثلة دخلت تحت قوله: (فسد غيره) فقال: كاشتراط رب المال عمل يده مع العامل، أو مراجعته فيما يبيع، أو يشتري، أو أمينًا عليه؛ لمخالفته سنة القراض، ولما لم يأتمنه أشبه الأجير، فكان له أجر مثله، بخلاف شرط عمل غلام لرب المال مع العامل غير عين عليه، بل على وجه المعونة له بنصيب من الربح له، أي: للغلام.
ابن القاسم وغيره: وهو المعروف.
وكأن يشترط عليه يخيط أو يخرز ما يشتريه من قماش أو جلود، أو يشترط عليه إن يشترك غيره، أو إن يخلط مال القراض بمال نفسه، ويعمل
стр. 2746
فيهما، أو إن يبضع بأن يرسل مال القراض مع غيره ليشتري به، أو أن يزرع؛ لأن رب المال ازداد عمل العامل في الزرع، وأما إن شرط عليه الزرع بمعنى أنه ينفق في المال في الزرع، ولا يصنع شيئًا بيده، ففي التوضيح: ينبغي جوازه.
أو أن لا يشتري بالمال حتى يبلغ إلى بلد كذا، ثم يكون بعد ذلك مطلقًا ففاسد، وفيه أجرة المثل، أو بعد اشترائه سلعة أخذ من شخص مالًا لينقده فيها، وتكون قراضًا بينهما، إن أخبره بالسلعة والبائع فقرض لإقراض، ويلزمه رده، وما حصل في السلعة من ربح أو وضيعة فللمشتري وعليه.
فمفهوم الشرط: إن لم يخبر رب المال بما اشترى ولم يسم السلعة ولا البائع جاز، وقاله ابن المواز.
أو عين للعامل شخصًا وحجر عليه في الشراء منه، أو عين زمنًا للبيع والشراء، كاشتر الصوف زمن الصيف وبعه في الشتاء، أو عين محلًّا للعمل كالسوق الفلاني فقراض فاسد في المسائل الثلاث للتحجير.
كأن أخذ مالًا ليخرج به لبلد فيشتري به صنفًا موجودًا فيه ففاسد، وفيه أجرة المثل، والفرق بين هذا وبين قوله فيما تقدم أو لا يشتري إلى بلد كذا واضح.
[مسألة: ]
وعليه -أي: العامل- ما جرت به العادة، كالنشر والطي الخفيفين، وعليه الأجر إن استأجر على ما يلزمه فعله، وجاز للعامل جزء قل أو كثر.
[مسألة: ]
وجاز للمتفاوضين على جزء ورضاهما بعد، أي: بعد العقد عليه، أو العمل على ذلك قل أو كثر، وزكاته -أي: الربح- المفهومة من قوله: (جزء قل أو كثر)، يجوز اشتراطه على أحدهما: رب المال أو العامل، وهو
стр. 2747
-أي: الجزء المشترط- للمشترط، فيأخذه، وإن لم تجب زكاته على مشترطه.
تنبيه:
يشمل كلامه ثلاث صور:
- ما لو كان المشترط رب المال، وقصر الجزء، ورأس المال على النصاب.
- وما لو تفاصلا قبل الحول، كان المشترط العامل أو رب المال.
- وما لو كان العامل ممن لا تجب عليه الزكاة لرق أو كفر، وإنما جاز لعدم الجهالة في جزء العامل برجوع الجزء المشترط لقدر معلوم، وهو ربع العشر.
[مسألة: ]
وجاز الربح -أي: جعله كله- لأحدهما: رب المال أو العامل، أو لغيرهما أجنبي، وضمنه -أي: العامل- يضمن مال القراض في مسألة اشتراط الربح له؛ لأنه حينئذٍ كالقرض، فانتقل من الأمانة للذمة.
وهذا إن لم ينفه -أي: الضمان- فإن نفاه فلا ضمان، وإن لم يسم قراضًا، فإن سماه فقال: اعمل منه قراضًا، لم يضمنه على المشهور.
[مسألة: ]
وجاز شرطه -أي: العامل- عمل غلام ربه في الكثير، أي: رب المال.
ابن فرحون: مجانًا، أو عمل دابته في المال الكثير.
[مسألة: ]
وجاز للعامل خلطه، وإن بماله، والخلط هو الصواب، إن خاف بتقديم أحدهما -أي: المالين- رخصا في البيع أو الشراء، إذا كان لو قدم ماله رخص الآخر في البيع، أو قدم مال القراض على الآخر.
стр. 2748
وشارك -أي: العامل- رب المال، إن زاد على مال القراض ثمنًا موجلًا، كما لو اشترى بمائتين: إحداهما حالة، وهي مال القراض، والأخرى مؤجلة نسيئة، أو على التقاضي، فيكون شريكًا بقيمته، أي: المؤجل.
[مسألة: ]
وجاز للعامل سفره عند الإطلاق؛ ولذا قال: إن لم يحجر ربه، بأن نهاه عن السفر قبل شغله، فإن شغله فله السفر، وليس له منعه للزومه بالشغل.
وظاهره: كان المال كثيرًا أو قليلًا، والسفر بعيد أو قريب، وهذه إحدى المسائل التي لا تلزم إلا بالعمل.
[مسألة: ]
وجاز القراض إذا قال العامل لشخص: ادفع لي مالًا قراضًا، فقد وجدت رخيصًا أشتريه.
[مسألة: ]
وجاز بيعه -أي: العامل- بعرض؛ لأنه من التجر المأذون فيه.
[مسألة: ]
وجاز رده بعيب اطلع عليه فيما اشتراه، وإن أبي رب المال؛ لتعلق العامل بالزيادة، وللمالك قبوله -أي: المعين- إن كان المردود الجميع، أي: جميع مال القراض، كما في المدونة، وقيدها أبو عمران بما إذا لم يكن المعيب عرضًا، واعتبره المؤلف، فقال: والثمن عين؛ إذ من حجة ربه أن يقول: لو رددته لنض المال، وكان لي أخذه، فإن كان لي أخذه فإن كان الثمن عرضا لم يكن له ذلك؛ لأن العامل يرجو ربحه إذا عاد ليده.
[مسألة: ]
وجاز لرب المال مقارضة عبده وأجيره، ظاهره: أجير خدمة أو تجر.
стр. 2749
تنبيه:
هذه المسائل من قوله: (وادفع لي) إلى هنا ثابتة عند الشارح في الأوسط والصغير، وساقطة في الكبير والبساطي.
[مسألة: ]
وجاز لمريد قراض دفع مالين معًا لعامل واحد، كمائتين: إحداهما ذهب، والأخرى فضة، أو فضة على أن يعمل في كل مائة وحدها، أو على اختلاف الربح فيهما.
أو دفع مالين متعاقبين: أحدهما بعد الآخر، لكن دفع الثاني قبل شغل الأول، إن كانا بجزئين متفقين، بل وإن كانا بمختلفين، كنصف في الأول وثلث في الثاني، إن شرطا خلطا في المالين وقت العقد في المسألة الأولى، وعند دفع الثاني في المتعاقبين لم يجز، ويأتي مفهوم الظرف.
وأما مفهوم الشرط: إن لم يشترطا الخلط في المدفوعين معًا والمتعاقبين لم يجز، وبه صرح ابن الحاجب.
وأشار لمفهوم الظرف بقوله: أو شغله، أي: المال الثاني بعد شغل الأول جاز، وإن لم يشترطه، أي: الخلط.
ظاهره: ولو مع اختلاف الجزئين، وعن مالك لا يعجبني ذلك، مع اختلافهما، يريد للتهمة، وأما لو اشترطه لم يجز، ولو اتفق الجزءان؛ لأنه قد يخسر في الثاني، فيلزمه أن يجبره بما ربح في الأول، فيلزمه أن يجبره مما ربح في الأول، وقاله في المدونة.
كنضوض الأول، فيجوز لرب المال دفع مال آخر ليعمل فيه مع الأول بشرطين، أشار لأحدهما بقوله: إن ساوى بأن نض رأس المال الأول بغير ربح فيه ولا خسران، كما لو كان ألفًا، ونض ألفًا.
وأشار للثاني بقوله: أو اتفق جزؤهما، فيكون الربح للعامل في الثاني كالأول.
стр. 2750
ومفهومه: المنع إن نض الأول بربح أو خسران، وهو كذلك؛ لأنه في الربح قد يضيع على العامل ربحه، وفي الخسران قد يجبر الثاني خلل الأول، فهو في الحالتين كاشتراط الزيادة على العامل.
تتمة:
لم يعلم من كلامه بعد المنع حكم ما لو ربح في الأول وعمل فيه مع الثاني، ونص عليه ابن يونس، فقال: يقسم الربح عليهما، فما حصل للأول فعلى قراضه، وما حصل في الثاني فلربه، وعليه للعامل أجرة المثل، وإن خسر فيهما نص كذلك، فما خص الأول من الخسران جبر بربحه الأول، وما خص الثاني فعلى ربه وللعامل الأجرة. ومفهوم: (اتفق جزؤهما) لو اختلفا المنع.
[مسألة: ]
وجاز اشتراء ربه منه، أي: من عامله من مال القراض، إن صح الشراء، بأنه لا يقصد التوصل لأخذ شيء من الربح قبل المفاصلة.
[مسألة: ]
وجاز اشتراطه على العامل أن لا ينزل واديًا أو يمشي بليل أو ببحر؛ لما في كل من الخطر، أو اشتراطه أن لا يبتاع سلعة عينها؛ لأنه عرض صحيح، إما لقلة ربحها، أو لوضيعة فيها، وضمن العامل المال، إن خالف واحدًا مما ذكر.
ثم شبه في ضمان العامل فقال: كأن زرع أو ساقى بموضع جور له، أي: للعامل لتعديه، وزاد لفظة (له) على ابن الحاجب، لقوله في توضيحه: إن الموضع قد يكون موضع ظلم، ولا يعد العامل بزرعه متعديًا، لوجاهته، وبسط يده.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: كأنه احترز مما إذا كان الجور عامًا في كل سبب ومتجر، فلو لم يكن موضع جور جاز، ولا ضمان؛ لأنه من أنواع التنمية.
стр. 2751
ثم ذكر مسائل تشارك ما قبلها من ضمان العامل، منها:
- قوله: أو حركه العامل، بأن اشترى به سلعًا، أو سافر به بعد موته، أي: موت رب المال، حال كون مال القراض عينًا، وحكمه بالضمان يدل على المنع التزامًا.
وقيل: إنه أولى.
وعليه درج ابن الحاجب.
- ومنها قوله: أو شارك العامل بمال القراض صاحب مال بغير إذن، فيضمن، وإن عملا معًا. ثم بالغ فقال: وإن شارك عاملًا آخر لرب المال أو لغيره.
- ومنها قوله: أو باع بدين بغير إذن، أو قارض بلا إذن، فيضمن، والربح لهما، والخسارة على العامل الأول على المشهور، إذ القراض كالجعل، إنما يستحق بالعمل، وقوله: (بلا إذن) قيد في هذه وفي اللتين قبلها.
[مسألة: ]
وغرم العامل الأول للعامل الثاني الزائد، إن دخل على أكثر مما دخل عليه الأول، كما لو أخذه الأول على الربع، ودفعه على الثلث على المشهور، خلافًا لأشهب في أن الثاني أحق بما دخل عليه، ورب المال يتبع الأول ما زاد لو دخل الثاني على أقل، كما لو كان الأول على النصف، والثاني على الثلث، لكان الثلثان لرب المال، ولا شيء للأول، وهذه ثلاثة أحوال.
كخسره -أي: المال- يغرمه العامل الأول لرب المال، وإن حصل الخسر قبل عمله فيه، ثم دفع باقيه للعامل الثاني، والربح لهما -أي: لرب المال والعامل الثاني- كأخذه خمسين مثلًا على النصف، فخسر فيها عشرين، ثم دفع العامل الأول الثلاثين الباقية للعامل الثاني على النصف، فصارت ستين، فإن رب المال يأخذ خمسين من رأس ماله، وخمسة نصف
стр. 2752
ما بقي، ويأخذ العامل الثاني خمسة، ويرجع على الأول بعشرة، هي تمام نصف ربحه الزائد على قدر الثلاثين، التي دفعها للأول.
ككل آخذ مال للتنمية فتعدى عليه، فالخسران عليه، والربح لهما، كما قدمه فيمن شارك بلا إذن وما بعده.
[مسائل مخرجة: ]
ولما ذكر أن الربح لهما في كل تعد أخرج منه مسائل، منها قوله:
- لا إن نهاه رب المال عن العمل قبله، فتعدي وعمل، فالربح له خاصة؛ لبقاء المال تحت يده كالوديعة؛ لأن عقد القراض منحل.
- ومنها قوله: أو جنى كل من: رب المال، أو العامل على المال.
- ومنها قوله: أو أخذ أحدهما شيئًا منه فكأجنبي يتبع به، ولا يكون للمأخوذ حصته من الربح، بل رأس المال هو الباقي، والقراض صحيح؛ لأن ربه قد رضي بذلك، إن كان هو الجاني، وإن كان العامل فكجناية، ونحوه في المدونة.
[مسألة: ]
ولا يجوز اشتراؤه -أي: العامل- من ربه -أي: رب المال- سلعًا، كذا أطلق ابن الحاجب، وتبعه، مع قوله في توضيحه: هذا مقيد بأن يشتري منه سلعًا للقراض، وأما أن يشتري لنفسه فجائز، نص عليه في العتبية.
وظاهره: المنع، وظاهر المدونة: الكراهة.
أو شراؤه بنسيئة لا يجوز، وإن أذن له رب المال في ذلك عند العقد أو بعده، فإن فعل ضمن، والربح له، أو شراؤه بأكثر من مال القراض لا يجوز، ولو كان من غير رب المال، لضمان الزائد في ذمته، ويكون في القراض.
[مسألة: ]
ولا يجوز له أخذه الضمير للقراض أو للعامل من غيره، أي: غير
стр. 2753
رب المال، إن كان القراض الثاني يشغله عن العمل في المال الأول، وإلا جاز.
[مسألة: ]
ولا يجوز لرب المال بيع ربه سلعة من القراض بلا إذن من العامل، وللعامل إجازته ورده، وإذا منع في سلعة فأحرى الجميع، وجبر خسره في الأول يربح الثاني، ما دام تحت يد العامل بالعقد الأول.
[مسألة: ]
وجبر بالربح ما تلف، وإن كان التلف من العامل قبل عمله فيه، ولو أحضره لربه، وقال: لا أعمل حتى تجعل الباقي رأس المال ويرضى، إلا أن يقبض المال لربه في هذه والتي قبلها، ونحوه في المدونة، وله -أي: لرب المال- إذا كان المال مثلًا الخلف، ولزم العامل العمل، كما لو كان مائة فاشترى بها سلعة للقراض، وتلف نصفها قبل إقباضها، فإن أخلفه رب المال صار مال القراض مائة وخمسين، وإن لم يخلفه غرم العامل خمسين، وصار شريكًا، فإن تلف جميعه لم يلزم رب المال الخلف، ولا العامل العمل ولا قراض؛ لأنه لما ضاع المال الأول انقطعت المعاملة فيه بينهما، وإن أخلفه فقراض مؤتنف.
[مسألة: ]
ولو اشترى العامل سلعة وضاع المال لزمته، وخير رب المال في دفع ثمنها على القراض، فإن أبي لزم العامل الثمن، وكانت له خاصة، وإن لم يكن له مال بيعت عليه، وما ربح فله، وما خسر فعليه، ونحوه في المدونة.
[مسألة: ]
وإن تعدد العامل بأن أخذ اثنان فأكثر مالًا فالربح مفوض عليهما كالعمل، فلا يجوز استواؤه مع تفاوت العمل، ولا تفاوته واستواء العمل عند ابن القاسم، فإن وقع مختلفًا بأن وقع عمل واحد النصف، والآخر الثلث، فقال ابن حبيب وابن القاسم: يقسم الربح على ما سمي،
стр. 2754
ويرجع صاحب الثلث على صاحب النصف بفضل عمله.
[نفقة العامل: ]
وأنفق العامل على نفسه من مال القراض إن سافر من بلد القراض زمن سفره وإقامته ببلد التجر حتى يعود لوطأته، ومفهوم الشرط: أنه لا نفقة له في الحضر، إن قام ببلد القراض، ولو في وقت شرائه وتجهيزه، كما في المدونة وغيرها.
وظاهره: ولو شغله عن الوجوه التي يقتات منها، وهو كذلك، خلافًا للخمي.
[شروط إنفاقه: ]
ولإنفاقه على نفسه شروط، أشار لأحدها بقوله: ولم يبن بزوجته التي تزوجها في سفره بغير بلده، فإن بنى بها سقطت نفقتها، وأطلق السقوط في المدونة بالتزويج، وقيدها ابن المواز بالبناء بها، وتبعه المؤلف.
وأشار لثانيها بقوله: واحتمل المال الإنفاق؛ لكثرته، فلا نفقة له في اليسير، ولم يحد الكثير، ولمالك في الموازية: يرجع للاجتهاد، ووقع له: السبعون يسير، وله: ينفق في الخمسين، وجمع بينهما لحمل الأول على السفر البعيد، والثاني على القريب.
وأشار لثالثها وهو كون السفر للمال بمفهوم قوله: لغير أهل وحج وغزو، فإن سافر لواحد منها فلا نفقة له، وإن كان له الإنفاق فهو بالمعروف عادة، وحيث وجب بالمعروف فهو في المال، لا في ذمة ربه، فلو أنفق العامل من مال نفسه، ثم تلف المال فلا رجوع له على ربه، وكذا لو زاد على المال.
واستخدم العامل -أي: اتخذ خادمًا من المال المحتمل- إن تأهل لذلك، لا دواء لمرض أصابه؛ لأنه ربما طال فأنفق غالب المال، واكتسى من مال القراض إن بعد سفره عرفا، بحيث يمتهن ما عليه، وألحق ببعد
стр. 2755
سفره إقامته بموضع يحتاج فيه لكسوة، وفهم منه: أنه لا يكتسي في القريب.
ابن القاسم: كما بين مصر ودمياط.
وظاهر كلام المؤلف: أن له جميع الكسوة، وهو المذهب.
تنبيه:
ربما أشعر كلامه بأن مال البضاعة ليس كالقراض في النفقة والكسوة، وهو كذلك على أحد الأقوال الثلاثة.
والثاني: أنهما له كالقراض.
والثالث: الكراهة.
[مسألة: ]
ووزع الإنفاق إن خرج العامل لحاجة له مع خروجه لمال القراض على قدر الحاجة والقراض، وهو مذهب المدونة؛ ففي العتبية وغيرها: ينظر قدر نفقته في طريقه لحاجته، فإن كانت مائة والقراض سبعمائة فعلى المال سبعة أثمان النفقة.
قال في التوضيح: وفي هذا التوزيع نظر لا يخفى.
ثم بالغ على ذلك بقوله: وإن كان خروجه لحاجة بعد أن اكترى وتزود لخروجه للقراض، وإن اشترى العامل للقراض من يعتق على ربه حال كونه عالمًا بقرابته له كالأبوة مثلًا.
ابن عبد السلام: هذا هو العلم المشترط في هذا الفصل لا علمه بأن الحكم إعتاقه؛ إذ العلم بالحكم أو الجهل لا أثر له عندهم هنا، عتق عليه -أي: على العامل- لتعديه إن أيسر، وغرم ثمنه وحصة رب المال من ربحه قبل الشراء، أو جعل ذلك في القراض والولاء لرب المال.
وإلا بأن لم يكن العامل موسرًا، فقال المصنف تبعًا للمدونة: بيع منه بقدر ثمنه الذي اشتراه به، وقدر ربحه الذي يخص رب المال قبله -
стр. 2756
أي: قبل الشراء- إذ لا يربح رب المال فيمن يعتق عليه، ولا يعتبر الربح فيما بيع منه على العامل، وعتق باقيه إن وجد من يشتريه مشقصًا، فإن لم يوجد من يشتريه مشقصًا، وإنما يشتري الجميع بيع كله، وكذا إن لم يوجد من يشتريه برأس المال والحصة، وإنما يشتري بأكثر، فيباع منه بقدر ذلك.
مثاله: لو كان أصل القراض مائة، وربح فيه قبل شراء القريب مائة، واشترى القريب بالمائتين، وكان القريب يساوي ثلثمائة، فإنه يباع منه النصف بمائة رأس المال وخمسين حصة المالك قبل الشراء، ويعتق منه النصف؛ لأن حصة العامل قبل الشراء خمسين أفسدها على نفسه بعلمه، والمائة الربح في نفس العبد هدر.
[مسألة: ]
وإن اشترى العامل من يعتق على رب المال غير عالم بقرابته لرب المال فعلى ربه يعتق؛ نظرًا لدخوله في ملكه، ولا شيء على العامل؛ لعذره بعدم علمه، وللعامل ربحه فيه على المشهور، وهو مذهب المدونة.
[مسألة: ]
ولو اشترى العامل من يعتق عليه هو كأبيه مثلًا، وعلم أنه والده، عتق عليه، ويتبعه رب المال بالأكثر من قيمته.
قال في التوضيح: يوم الحكم.
وقال ابن عرفة: يوم الشراء أو يوم الحكم، إن كانت قيمته أكثر من الثمن؛ لأنه مال أخذه لينميه لصاحبه، فليس له أن يختص بربحه أو يتبعه بالأكثر من ثمنه، إن كان أكثر من القيمة؛ لأنه أتلفه على رب المال لغرضه في والده، إن كان في المال فضل، لتحقق الشركة له حينئذٍ فيه، فيعتق عليه ما ملكه منه، ويكمله عليه.
وكذا لو لم يكن في المال فضل وأيسر، وإلا بأن اشتراه العامل ولم يعلم بأنه أبوه، وفيه ربح، عتق عليه أيضًا كالعالم، ولم يفترق الحكم هنا بالعلم، وإنما يفترق فيما على العامل فيما تقدم بالأكثر، وأما هنا فبقيمته -
стр. 2757
أي: الشيء- بما ينوب رب المال من رأس المال وربحه.
تنبيه:
قررناه على هذا لأنه في توضيحه تعقب قول ابن الحاجب بقيمته قائلًا: ظاهره أنه يغرم جميع القيمة، وليس كذلك، بل يعتق نصيب العامل من الفضل، وعليه لربه ما ينوبه من قيمته من رأس المال وربحه، إن أيسر فيهما، أي: في صورتي العلم وعدمه.
وإلا يكن العامل موسرًا بل معسرًا وتعذر العتق لذلك وتعذر أيضًا بيع الكل إذ لا تسلط لرب المال على ما يقابل ربح العامل بيع منه بما وجب لرب المال يوم الحكم، وعتق الباقي كما لو اشتراه بمائتين ورأس المال من ذلك مائة، وقيمته يوم الحكم مائة وخمسون، فإنما يباع منه بمائة وخمسة وعشرين.
تلخيص:
تلخص من كلامه هنا ثمان صور كما في المقدمات، وهي:
- أن يكون العامل عالمًا أم لا، ثم كل من الصورتين:
إما أن يكون موسرًا أم لا،
ثم إما أن يكون في المال فضل أم لا. صارت ثمانيًا.
[مسألة: ]
وإن أعتق العامل عبدًا من رقيق القراض مشترًى قصدًا للعتق وهو موسر عتق عليه وغرم ثمنه الذي اشتراه به؛ لأنه التزم ثمنه حين اشتراه، ويغرم أيضًا لربه ربحه، إن كان؛ لأن شراءه للعتق لا يسقط حق رب المال من ربحه، وإن اشتراه للقراض ثم أعتقه وهو موسر غرم لربه قيمته يومئذ.
البساطي: يوم شرائه؛ لأنه قوته عليه.
وغرم له ربحه الذي يخصه يوم عتقه، إن كان فيه ربح عن قيمته يوم
стр. 2758
الشراء مثلًا، أو اشتراه بمائة وقيمته حينئذٍ مائة وعشرون، وفي يوم العتق مائة وثلاثين فعليه مائة وخمسة وعشرون، وكذا تفهم هذه ال مسألة ، وإن كانت عبارتهم أن عليه القيمة يوم العتق، لا أدري معنى قولهم: ويغرم الربح مع ذلك، ثم رأيت في نسخ معتبرة ثمنه، ولا إشكال عليها. انتهى.
وهذا مع يسره في الصورتين؛ ولذا قال: وإن أعسر به بيع منه بما لربه من رأس مال وربحه وعتق على العامل ما بقي إن كان ربح وإلا لم يعتق شيء.
[مسألة: ]
وإن وطئ العامل أمة مشتراة للقراض قوم ربها على العامل يوم الوطء إن شاء، أو أبقى على القراض إن لم تحمل، موسرًا كان أو معسرًا، لكن إن كان معسرًا ورضي رب المال بإلزامه القيمة بيعت الأمة في تلك القيمة، فإن لم يف ثمنها بها أتبعه بالقيمة، قاله مالك في الموازية.
ومفهوم الشرط: لو حملت لم يخير هذا التخيير، بل تخييرًا آخر أشار له بقوله: فإن أعسر أتبعه رب المال بها أي بالقيمة وبحصة رب المال من قيمة الولد إن شاء، ومقتضى كلام ابن الحاجب: أن القيمة يوم الوطء، لا يوم الحمل ولا يوم الأكثر منهما، أو إن شاء رب المال باع له العامل منها بقدر ماله، أي: الذي له من رأس المال وحصته من الربح، ويبقى باقيها بحساب أم ولد.
ومفهوم (إن أعسر) أنه لو أحبلها موسرًا لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أفهم أنها أم ولد، وعليه قيمتها يوم الوطء عند مالك من رواية ابن القاسم.
وإن أحمل العامل الموسر أمة مشتراة للوطء من مال القراض فالثمن لربه، قاله ابن القاسم، وأتبع به -أي: بالثمن- إن أعسر.
стр. 2759
تتمة:
سكت عن حكم ما لو اشتراها (١)، ولم يعلم هل للقراض أو لنفسه، فحمله مالك على أنها للقراض، ولم يصدقه، فتباع كما تقدم، وصدقه ابن القاسم، فلا تباع.
стр. 2760
ابن رشد: هذا محل الخلاف، وأما إن قامت بينة على شرائها للوطء لم تبع قولًا واحدًا.
[مسألة: ]
ولكل من رب المال والعامل فسخه والرجوع عنه قبل عمله على المعروف؛ لأنه عقد غير لازم، فإطلاق الفسخ عليه مجاز، كربِّهِ له فسخه، وإن تزود العامل لسفر ولم يظعن، أي: لم يسر من بلده.
ومفهومه: لو ظعن لم يكن لكل منهما فسخه للزومه حينئذٍ، وربما أشعر قوله: (كربه) اختصاصه بالفسخ دون العامل.
وإلا بأن عمل العامل بالمال أو ظعن فلنضوضه، ولا فسخ لأحدهما حتى ترجع السلع عينًا، وإن استنضه رب المال -أي: طلب نضوضه- بعد العمل وأبى العامل فالحاكم ينظر فيه، فإن رأى تأخيره مصلحة أخره، وإلا أمره بالبيع، وأما إن وافقه العامل على نضوضه فواضح.
[مسألة: ]
وإن مات العامل قبل نضوضه فلوارثه الأمين أن يكمله بالعمل، وإلا يكن وارثه أمينًا أتى بأمين كالأول، وإلا يأت ورثته بأمين سلموا المال لربه، وكان العمل السابق هدرًا بغير ربح ولا أجرة.
[حكم التنازع بينهما: ]
ثم شرع في بيان الحكم في التنازع بين رب المال والعامل بقوله: والقول للعامل في تلفه كله أو بعضه؛ لأنه أمين. وظاهره: ولو كان غير أمين؛ لأن ربه رضيه أمينًا.
والقول له أيضًا في خسره مع يمينه، إن كان متهمًا على المشهور، وأما إن حقق الدعوى فاليمين اتفاقًا. وظاهره: قبوله مطلقًا.
وقيده اللخمي بما إذا أتى بما يشبه، ويعرف ذلك بسؤال التجار في تلك السلعة: هل تخسر مثل هذا المال في هذه المدة أم لا؟ وإن أشكل
стр. 2761
صدق العامل، ذكره في توضيحه، وتركه هنا.
والقول للعامل في رده مال القراض إن قبض من ربه بلا بينة، وأما ببينة فلا يبرأ إلا بها على المشهور، ويحلف اتفاقًا؛ لأن رب المال حقق عليه الدعوى، ولذا شقلب عليه، إن نكل العامل، بخلاف الصناع؛ لأنه اتهمه فقط.
تنبيه:
ظاهر كلامه كالمدونة: عدم اشتراط قصد التوثق بها، والاكتفاء بحضورها لقبضه، وفي كلام غير واحد من الشيوخ تقييدها بأنها للتوثق؛ ولذا فسرها اللخمي بما في الوديعة.
أو قال العامل: هو قراض بجزء، وقال ربه: بضاعة بأجر، فالقول للعامل بيمينه، ويأخذ الجزء إذا كان مما يشبه القراض عليه؛ لأن الاختلاف هنا راجع للاختلاف في جزء الربح، فإن نكل العامل حلف الآخر، ودفع الأجرة.
وعكسه دعوى العامل بضاعة بأجر، وربه قراضًا، فالقول للعامل مع يمينه، أو ادعى رب المال عليه، أي: على من المال بيده الغصب أو السرقة، وقال: العامل بل قراض، فالقول لمن بيده؛ إذ الأصل عدم الغصب، ونحوه في المدونة.
أو قال العامل قبل المفاصلة: أنفقت من غيره لأرجع فالقول له بمجرد دعواه، ويرجع به، ربح المال أو خسر، كان المال عينًا أو سلعًا، القول للعامل إن تنازعا بعد العمل في جزء الربح مع يمينه بشرطين، أشار لأحدهما بقوله: إن ادعى مشبهًا.
الباجي: وغيره سواء.
ادعى رب المال ما يشبه أو لا، وإن ادعيا ما لا يشبه حلفا ورجعا لقراض المثل.
وأشار لثانيهما بالجملة الحالية، وهي قوله: والمال بيده حسًّا أو
стр. 2762
معنًى، ككونه وديعة بيد أجنبي، أو عند ربه، ولذا قال: وإن لربه، وظاهر قوله: (والمال بيده) أنه جميعه حتى لو بقي الربح فقط بيد العامل لم يكن القول قوله، ونحوه لابن الحاجب.
[مسائل يقبل فيها قول رب المال: ]
ثم ذكر مسائل يقبل فيها قول رب المال دون العامل ضد ما قبلها، فقال: والقول لربه مع يمينه إن ادعى في جزء الربح الشبه فقط، ولم يشبه ما قال العامل، أو قال رب المال: قرض في قول العامل قراض أو وديعة؛ لأن العامل يدعي عدم الضمان فيما وضع يده عليه، أو تنازعا في جزء قبل العمل مطلقًا، سواء ادعى مشبهًا أو لا، ويرد المال، إلا أن يرضى العامل بقول ربه.
وإن قال رب المال: وديعة عندك، وقال العامل: بل قراض، ضمنه العامل إن عمل كدعواه أن ربه إذن له في تحريكه، والأصل عدمه.
ومفهوم الشرط: عدم الضمان إن ضاع قبل العمل لاتفاقهما على أنه كان أمانة؛ لاشتراط القراض والوديعة في ذلك.
[مسألة: ]
ولما قدم ما يصدق فيه العامل وما يصدق فيه رب المال ذكر ما هو أعم فقال: والقول لمدعي الصحة من رب المال أو عامله على المنصوص، لا قول مدعي الفساد، فلو قال رب المال: عقد على النصف ومائة تخصني، وقال العامل: على النصف فقط، فالقول للعامل، وعكسه لرب المال.
ومن هلك وقبله -أي: عنده- كقراض، ولم يعلم أنه رده، ولا ادعى تلفه، ولا ما يسقطه أخذ من ماله، وإن لم يوجد لاحتمال إنفاقه أو ضياعه بتفريط ونحوه، وإن كان عليه ديون حاص غرماؤه، وإطلاقه ضمان القراض ظاهره: ولو طال، وأدخل بالكاف الوديعة، وسكت هنا عن تقييدها بعدم الطول؛ لأنه قدم أن ضمانها ما لم يتقادم عهدها كعشر سنين.
стр. 2763
وتعين القراض أو الوديعة إن أبرزه أو شخصه بوصية، كهذا قراض زيد أو وديعته، وقدم صاحبه على غيره من أر باب الديون في الصحة والمرض، ولا يحاصونه، سواء كانت ديونهم مبيعة أو لا، ولم يذكر تقييد القراض أو الوديعة بكونه لمن لا يتهم عليه مع قول ابن رشد في التقييد: إنه صحيح؛ لا اختلاف في شيء منه، إما لوضوحه أو لما تقدم في الإقرار.
[مسألة: ]
ولا ينبغي لعامل في القراض هبة بشيء منه أو تولية لما اشتراه للقراض بأن يجعله بالثمن لغيره؛ لتعلق حق رب المال بربحه، وقيد بما إذا لم يخف الوضيعة، ووسع له مالك -رحمه اللَّه تعالى- أن يأتي بطعام كغيره، أي: مثله ليشتركوا في أكله، إن لم يقصد العامل التفضل على من شاركه في الطعام، وإلا بأن قصد التفضل وأتى بأفضل مما جاء به غيره فليتحلله، أي: يسأله أن يجعله في حل من ذلك، فإن فعل فواضح، وإن أبي أن يحلله فليكافئه بقدر ما يخصه من الفضل.
* * *
باب
ذكر فيه المساقاة وفروعها، وهي مشتقة من السقي؛ لأنه غالب عملها، ولفظها مفاعلة، إما من الواحد كسافر، وهو قليل، أو لوحظ فيها العقد، وهو منها، وهي جائزة لازمة عند جمهور الفقهاء، مستثناة من أصول ممنوعة، كـ: الإجارة بالمجهول، وكراء الأرض مما يخرج منها، وبيع الثمرة قبل طيبها، بل قبل ظهورها، وبيع الغرر.
[شروط صحة المساقاة: ]
وإنما يجوز وتصح صحة مطلقة عجز ربه أولًا:
[١] مساقاة شجر، ذي أصل ثابت تجني ثمرته وتبقي أصوله ويندرج في الشجر النخيل، وإن كان الشجر بعلًا، أي: على غير ما كشجر الشام
стр. 2764
وإفريقية، وهو مذهب المدونة لاحتياجه لعمل ومؤنة.
[٢] ذي ثمر هو شرط في المعقود عليه.
[٣] ويشترط أيضًا كونه لم يحل بيعه على مذهب المدونة؛ إذ لو حل بيعه لم تجز مساقاته، لعدم الضرورة الداعية لذلك.
[٤] ويشترط كونه لم يخلف، أي: لم يكن له خلفه، فلو كان مما يخلف كالموز لم تجز مساقاته، إلا أن يكون ما يخلف وما يحل بيعه مما يخلف تبعًا، كحائط نخل فيه موز ثلث فما دونه.
[أوجه المساقاة: ]
ولما كانت المساقاة على ثلاثة أوجه:
أشار لأحدها بقوله فيما تقدم: (إنما تصح مساقاة شجر).
ولثانيها بقوله: (ولم يخلف) فلا ينافي في عجز ولا غيره، وسيأتي.
الثالث: وهو مما يساقي حال العجز فقط في قوله: (كزرع).
[شرط ما يأخذه العامل: ]
ويشترط فيما يأخذه العامل مع الشروط كونه بجزء قل كعشر مثلًا، أو كثر كثلثين مثلًا، شاع ذلك الجزء في جميع الثمرة فلا يجوز لك ربع ثمرة النخل وثلاثة أرباع الزيتون، ولا لك هذه النخلات المعينة ولا عدد كعشرة صح.
وأشار لشرط الجزء بقوله: علم، وأشار لصيغتها التي لا تصح إلا بها بقوله: بساقيت.
ابن رشد: لا تنعقد إلا به عند ابن القاسم، لا بلفظ الإجارة، كما لا تجوز الإجارة بلفظ ساقيت، وعند سحنون تصح بمثل ساقيت وعاملت.
[ما لا تصح المساقاة به: ]
ولا تصح المساقاة على نقض من في الحائط يوم عقد المساقاة من
стр. 2765
دقيق ودواب، ولا يصح اشتراط العامل تجديد شيء لم يكن فيه عند العقد، إلا دابةً أو غلامًا في الحائط الكبير، ولا زيادة لا يصح اشتراطها لأحدهما.
[عمل العامل: ]
ويشترط عَمِلَ العاملُ جميع ما يفتقر الحائط إليه عرفًا، ولا يشترط تفصيله، لقيام العرف مقام الوصف، وإن لم يكن عرف فلا بد من وصفه من عدد حرث وسقاء ماء، وسائر العمل، قاله الباجي، كإبَّار، وهو: التلقيح، أي: عمله، وأما ما يلقح به فعلى رب الحائط، ولمالك أيضًا: إنه على العامل، وجمع مالك بين قوليه: مرة أنه على العامل، ومرة أنه على رب الحائط، بما تقدم.
وتنقية لعين ومنافع الشجر (١)، وعلى العامل إقامة الأدوات من دلاء
стр. 2766
ومساحي، ودواب وأجراء ونحو ذلك، وأنفق العامل على ذلك، وكسا ما يحتاج لذلك.
[ما ليس من عمل العامل: ]
لا أجرة من كان فيه يوم السقاء، فإنه على رب الحائط، أو خلف من مات أو مرض مما كان في الأرض يوم السقاء؛ فإنه على ربه.
ظاهره: ولو شرط على العامل، وهو كذلك؛ لمخالفة السنَّة، فلا يجوز.
[ما اختلف فيه بين العامل وصاحب الحائط: ]
كما رث -أي: بلي- من دلاء أو حبله ونحوهما، فإنه على العامل، واستظهره الباجي؛ ولذا قال: على الأصح.
وقيل: على رب الحائط.
وذكر المؤلف القولين في توضيحه، ولم يرجح واحدًا منهما، بل ذكر استظهار الباجي، وقدم الآخر.
[شروط مساقاة الشجر: ]
ثم شبه بقوله أول الباب: (إنما تصح مساقاة شجر)، فقال: كزرع وقصب سكر وبصل ومقثأة، فتصح مساقاة ذلك بشروط أربعة، أشار لأولها بقوله: إن عجز ربه عنه.
الباجي: أي عن عمله الذي يتم به، أو ينمو، أو يبقى، وقد يكون عاجزًا وإن كان له مال.
ولثانيها بقوله: وخيف موته، بأن تكون له مؤنة، لو تركت لمات.
стр. 2767
ولثالثها بقوله: وبرز من أرضه واستقل.
ولرابعها بقوله: ولم يبد صلاحه؛ إذ لو بدا لم تجز مساقاته.
[حكم الورد ونحوه: ]
واختلف: هل كلذلك الورد ونحوه كالياسمين والآس، مما تجنى ثمرته، وهو باق، ثم يثمر ويجنى أيضًا، وما يختلف حاله باختلاف البلاد، وهو: القطن؛ فإنه ببعض البلاد تجنى ثمرته وأصله باق، ثم يثمر ويجنى سنين، وفي بلاد لا يجنى غير مرة، لا تجوز مساقاته كالزرع، إلا بشروط، وهو تأويل بعض الشيوخ، أو كالأول، وهو الشجر، فيجوز من غير عجز عنه، وعليه الأكثر من الشيوخ؛ تأويلان في قولها: ولا بأس بمساقاة الورد والياسمين والقطن.
[مسألة: ]
وأقتت بالجذاذ، وهو: قطع الثمرة، لا بسنة محدودة، ولا بشهور.
قال بعض الشيوخ: ويكون التاريخ بالعجمي لا بالعربي (١)؛ لأنها به تنتقل.
وإن كانت الثمرة تطعم بطنين في العام حملت على جذاذ الأول، إن لم يشترط ثان، فإن اشتراط البطن الثاني فإليه.
[شروط بياض النخل والزرع: ]
وكبياض نخل، وهو: الخالي من الأرض، أو بياض زرع، يجوز إدخاله في المساقاة بشروط، أشار لأحدها بقوله: إن وافق الجزء منه الجزء المشترط للعامل، فإن تخالفا لم يجز.
ولثانيها بقوله: وبذره العامل من عنده، فإن كان من عند رب الحائط، والعمل على العامل فسد، ورد لمساقاة مثله في الحائط، ولأجرة مثله في البياض، قاله ابن حبيب.
стр. 2768
وثالثها بقوله: وكان ثلثًا فدونه، ولما كان الثلث منسوبًا لنفس الثمرة؛ لأنها مع نفقتها (١)، فقال: بإسقاط كلفة الثمرة، كما لو كان البياض منفردًا عشرة، والثمرة تساوي بعد إسقاط كلفتها عشرين.
وإلا بأن اختل شرط بأن لم يكن جزء البياض موافقًا لجزء المساقاة، أو كان لكن ليس البذر من عند العامل، أو كان ولكن البياض أكثر من الثلث فسد.
ثم شبه بما فسد فقال: كاشتراطه -أي: البياض- ربه -أي: الحائط- ليعمله لنفسه؛ لقول الموطأ: لا يصلح لنيله سقي العامل، أي: لأن سقي العامل يناله، فهو زيادة اشترطها على العامل.
[إلغاء البياض: ]
وأُلغي البياض للعامل إن سمكتا عنه عند العقد، أو اشترطه العامل لنفسه.
تنبيه:
تلخص من كلامه: أن للبياض اليسير أربعة أحوال:
- إدخاله في المساقاة.
- واشتراطه رب الحائط لنفسه.
- وإلغاؤه للعامل.
- واشتراط العامل له.
[ما يدخل لزومًا في المساقاة: ]
ودخل في المساقاة لزومًا شجر تبع زرعًا، فيكون بينهما، ولا يجوز إلغاؤه لأحدهما، قاله ابن القاسم؛ لأن السنه إنما وردت بإلغاء البياض لا الشجر.
стр. 2769
[ما يجوز في المساقاة: ]
[١] وجاز مساقاة زرع وشجر بعقد واحد، وإن كان أحدهما غير تبع، وللشارح هنا كلام، انظره في الكبير.
[٢] وحوائط تجوز مساقاتها بعقد واحد إن لم تختلف، بأن كانت نوعًا واحدًا، بل وإن اختلفت أنواعها، وكانت بجزء متفق، وإن كان بعضها أفضل لمساقاته ﷺ أهل خيبر على الشطر، وفيه الجيد والرديء، فإن اختلف الجزء لم يجز، كنصف في حائط وثلث في آخر وربع في آخر مثلًا.
إلا أن تكون مساقاة الحوائط في صفقات متعددة، فيجوز اختلاف الجزء.
[٣] وغائب بعيد تجوز مساقاته إن وصف ما فيه كالبيع، ونحوه في المدونة.
[٤] ووصله الساقي قبل طيبه، فإن لم يصله لم يجز.
تنبيه:
لو تشاغل في طريقه فلم يصله إلا بعد طيبه لم يفسد؛ لوقوع العقد قبل طيبه.
[٥] وجاز اشتراط جزء الزكاة على أحدهما، كالقراض.
[٦] وجازت المساقاة سنين ما لم تكثر جدًّا بلا حد، قال صاحب المعين: من سنة لأربع، فإن طالت جدًّا فسخ.
وقال البساطي: البعد هو الذي يحتمل أن لا يبقى الحائط فيه على حاله.
[٧] وجاز اشتراط عامل على رب الحائط دابةً أو غلامًا يعمل معه في الحائط الكبير، وحيث اشترط لم يجز إلا بشرط الخلف.
ومفهومه: المنع في الصغير.
стр. 2770
[٨] وجاز اشتراط قَسْمُ الزيتون حبًّا كعصره بشرط على أحدهما، ويلزمه، فإن لم يشترط فبينهما.
ابن القاسم: ما لم تكن عادته على العامل.
[٩] وجاز اشتراط إصلاح جدار وكنس عين وسد حظيرة وإصلاح ضفيرة على العامل؛ ليسارة ذلك، أو ما قل من غير المذكور.
وإنما خص اشتراط ذلك على العامل لعدم بقائه بعد انقضاء هذه المساقاة غالبًا؛ ولأنه للمالك، فلا معنى لاشتراطه عليه.
وكنس العين: تنقيتها.
وسد: يروى بسين مهملة ومعجمة.
والحظيرة: بالظاء المشالة، الزرب بأعلى الحائط.
والضفيرة: بالضاد غير المشالة، مجتمع الماء.
وقال يحيى بن يحيى: ما حضر بزرب فبالمعجمة، وبجدار فبالمهملة.
ولو قدم (ضفيرة) عقب (جدار) لأغنى عن إعادة إصلاح الثاني.
وفهم من كلامه: أنه لا يجوز أن يشترط على العامل ما له بال، كحفر بئر، أو بناء ضفيرة، ونحوهما.
تنبيه:
تلخص من كلامه أن الأعمال ثلاثة:
- عمل لازم بمقتضى العقد، وهو: الذي قدمه في قوله: (وعمل العامل. . . إلى آخره).
- وعمل بمقتضى الشرط، وهو منطوق كلامه هنا.
- وعمل لا يجوز اشتراطه، وهو المأخوذ منه مفهوم كلامه هنا.
[١٠] وجاز تقايلهما للمساقاة حال كون التقايل هدرًا بغير شيء.