← Фикх малики

Фикх малики · id 150676

جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر

التتائي

Полный текст (3 498 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

[تضمين الصناع: ] ولما كانت السياسة الشرعية القضاء بتضمين الصناع؛ لأنه من المصالح العامة، كما قضي به الخلفاء، قال: وصانع في مصنوعه الذي فيه صنعته، كسيف صاغه، وكتاب نسخه، لا غيره، لا يضمن غير مصنوعه، سواء كان مصنوعه مستغنى عنه، كزوجي خف ليصلح أحدهما، أو لا يستغنى عنه ككتاب ينسخ منه، ولو محتاجًا له عمل. وقيل: يضمن فيما ليس فيه عمل. وإن عمله ببينة، أو بلا أجر، سواء تلف بصنعته أو بغير صنعته. تنبيه: إطلاقه هنا يعم ما فيه تغرير، وما لا تغرير فيه، وذكر في توضيحه عن ابن رشد: أن ضمانه في الصنعة ما لم يكن فيها تغرير، كنقش الفصوص، وثقب اللؤلؤة، وتقويم السيوف، وحرق الخبز عند الفران، والثوب بقدر الصناع؛ فإنه لا ضمان، إلا أن يعلم أنه تعدى، وأخذها على غير وجه أخذها. [شرطا الضمان: ] وأشار لشرطي الضمان فللأول بقوله: إن نصيب نفسه للصنعة تحرزًا عن صانع مخصوص، فلا ضمان عليه. وللثاني بقوله: وغاب عليها، فلو عملها بحضرة ربه أو ملازمته فلا ضمان، وإذا ضمن الصانع فبقيمته يوم دفعه للصانع، وليس لربه أن يقول: أنا أدفع الأجرة، وأخذ قيمته معمولًا؛ لأن القيمة لما كانت إنما تلزم يوم الدفع لم تلزم أجرة الصنعة. تنبيه: إنما ضمن الصانع هنا مصنوعه بقيمته يوم الدفع، وفيما تقدم يوم تلفه؛ لأن تلك الأشياء لا ضمان فيها بالأصالة، وهذه الضمان فيها أصلي.

стр. 2802

[مسألة: ] وضمان الصانع ثابت ولو شرط نفيه عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب، وهما روايتان، أو دعا الصانع ربه لأخذه، وضاع قبل أخذه، فالصانع ضامن، إلا أن تقوم بينة على تلفه بغير تفريط ولا تعد، وتسقط الأجرة عن ربه، ولا ضمان على الصانع. ثم استثنى من ضمان الصانع، فقال: وإلا أن يحضره الصانع لربه مصنوعًا بشرطه على الصفة التي شرطها عليه، ثم تركه عنده فادعى ضياعه، لا ضمان عليه، وصدق الراعي إن ادعى خوف موت على بعير أو شاء فنحر أو ذبح، ونازعه ربه، وقال: بل تعديت؛ لأنه أمين. أو سرقة منحوره، إن ادعى الراعي أنه نحره أو ذبحه وسرق، فإنه مصدق، ونحوه في المدونة. أو قلع ضرس، قال الحجام: أمرتني به، وقال ربه: بغيره، صدق الحجام، وله أجر مثله، ولا ضمان عليه، أو صبغ يصدق الصانع فيه فنوزع، سواء كان تنازعهما في الصنعة، كقوله: أمرتك بصبغه أحمر، وقال: بل بأسود، أو في قدر الأجرة، بأن قال الصانع: بعشرة، وقال ربه: بخمسة، أو في قدر ما يصبغ به، بأن قال ربه: بعشرة دراهم من عصفر، وقال الصانع: بخمسة. وقال الشارح: قوله: (نوزع) راجع إلى المسائل الأربع من ادعى أنه خاف على الشاة الموت فذبحها أو سرقت بعد ذبحها أو أنه قلع الضرس المألوم أو أنه صبغ الثوب بكذا. [ما يفسخ الإجارة: ] ثم شرع في ذكر ما يطرأ على الإجارة، فقال: [١] وفسخت: بتلف ما -أي: كل شيء- تستوفي منه المنفعة، كموت دابة معينة، لا بتلف ما يستوفي به المنفعة، فلا ينفسخ على الأصح، واستثنى من ذلك مسائل يستوفى بها المنفعة وتنفسخ الإجارة بتلفها،

стр. 2803

فقال: إلا صبي تعلم ورضع وفرس نزو وروض لتعينها، وفسخت إجارة على سن لقلع فسكنت قبل القطع، كعفو ذي القصاص عن المقتص منه؛ لتعذر الخلف، وبغصب من لا تناله الأحكام لرقبة الدار وغصب منفعتها، فتنفسخ على المشهور. [٢] وفسخت بسبب أمر السلطان بإغلاق الحوانيت؛ إذ هو في معنى غصب منفعتها. [٣] وفسخت بظهور حمل ظئر، بأن كانت وقت العقد غير ظاهرته، وبهذا التقرير تخالف هذه ما تقدم من أن أهل الطفل يجبرون إذا حملت بعد العقد، وإلا فكلامه متخالف حيث حكم هناك بالتخيير وهنا بالفسخ بغير تخيير، وإن حمل ما هنا على التخيير تكررت المسألة. [٤] أو بحصول مرض لا تقدر معه على رضاع فتنفسخ، ونحوه في المدونة، وزاد: ولو صحت في بقية منها أجبرت على الإرضاع بقيتها، ولها من الأجرة بقدر ما أرضعت، وليس عليها أن ترضع ما مرضت. قال غيره: إلا أن يكون الكراء فسخ بينهما، فلا تعود إلى الرضاع. [٥] وفسخت بسبب مرض عبد مؤجر في زمن مرضه الذي لا يقدر معه على فعل ما استؤجر عليه. [٦] وكذا مع هربه لكعدو بأرض الحرب أو ما ينزل منزلتها من الأقطار البعيدة في الإسلام، إلا أن يرجع العبد لصحته أو لموضع هربه في بقيته، أي: بقية زمن الإجارة، فيلزمه بقية عمله؛ توفية للعقد، ويسقط كراء أيام المرض. وفي نسخة الأفقهسي بخطه: (بقية)، أي: من الإجارة، بخلاف مرض دابة بسفر ثم تصح في بقية المدة، فلا ترجع للإجارة بعد الفسخ؛ لأنه قد لا تلحقه. تنبيه: قال في النكت: افتراق الجواب في العبد والدابة لاختلاف السؤال،

стр. 2804

فالعبد في الحضر، والدابة في السفر، ولو كانت في الحضر والآخر في السفر لاستوى الجواب. [مسألة: ] وخير المستأجر في فسخ إجارة العبد وفي بقائها إن تبين أنه سارق؛ لأن السرقة عيب يوجب الخيار كالبيع، ونحوه في المدونة، والفرق بينه وبين المساقي تبيين أنه سارق، تقدم في المساقاة. البساطي: وعندي أن أجير الخدمة فيه نوع وكالة، والمساقي له نوع شركة، ولا يخفى بعد ذلك الفرق. [٧] وفسخت برشد صبي عقد عليه نفسه، أو على سلعه ولي: أب أو وصي أو مقدم، إلا لظن عدم بلوغه قبل انقضاء المدة، التي أجره إليها، وقد بقي منها كالشهر فيلزمه، كذا قرره الشارحان، ومثله في الشامل، ولنا فيه تقرير غير هذا، انظره في الكبير. ثم شبه في اللزوم في كالشهر، فقال: كسفيه بالغ أجر عليه وليه ربعه أو رقيقه أو داره ثلاث سنين، فإنه يبقي فيها على حكم الإجارة، وإن انتقل إلى حال رشده؛ لأن الولي فعل يومئذٍ ما يجوز له. [٨] وفسخت بموت مستحق ربع وقف آجر سنين، ومات قبل تقضيها؛ لتناوله بالإجارة ما لا حق له فيه على الأصح عند ابن راشد وغيره، ومقابله إذا أكرى مدة يجوز الكراء إليها لزم باقيها. ووقع عند الشارحين: ابن رشد بدل ابن راشد، وهو سبق قلم؛ إذ لو كان التصحيح له لقال على الأظهر كعادته. وفهم منه أنها لا ينفسخ بموت غير مستحق الوقف، كالمالك والناظر، ولا بموت المتواجدين، وهو كذلك. [ما لا يفسخ عقد الإجارة: ] [١] لا بإقرار المالك، لا ينفسخ بقول الآجر للدار أو العبد أو الدابة:

стр. 2805

لغيري، وأنه كان اشترى ذلك مني قبل عقدي للإجارة؛ لاتهامه على نقضها على المعروف. تتمة: وإذا قلنا: لا تنفسخ الإجارة قبل إقراره على نفسه لمن أقر له إن صدقه (١). [٢] أو خلف رب الدابة المعينة إذا استأجرها ليركبها في زمن غير معين كملافاته زيد أو تشييعه أو واعده على إتيانه بها غدًا، فأتى بها بعد يومين أو ثلاثة، فإنها لا تنفسخ. ابن المواز: كاشتراء سلعة بعينها يدفعها غدًا، فمطله. وفي غير حج وإن فات على المكتري مقصده من ملاقاة أو تشييع. ومفهومه: أنها تنفسخ في المعين، كـ: يوم كذا، أو شهر كذا، أو ليحج عليها في هذا العام، وفات الوقت المعين، وهو كذلك، ونحوه في المدونة. [٣] أو بظهور فسق مستأجر للدار، فإنها لا تنفسخ، وإذا لم تنفسخ آجر الحاكم عليه، إن لم يكف، وأخرج منها. [٤] أو بعتق عبد مؤجر أو أمة، لا تنفسخ به الإجارة، ويبقى حكمه على الرق في شهادته وقصاصه، وأجرته بعد العتق في بقية زمن الإجارة لسيده، إن أراد السيد أنه حر بعدها. تنبيه: أشعر قوله: (في شهادته وقصاصه)، بأنه في غيرهما ليس كذلك، كما لو كانت أمة، فإنه ليس للسيد وطؤها. * * *

стр. 2806

فصل ذكر فيه كراء الدواب، فقال: وكراء الدابة كذلك في اشتراط الأركان السابقة. قال الشارح: ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك، وأن ما جاز هناك يجوز هنا، وما امتنع يمتنع، وأن الكراء لازم بالعقد. [ما يقتضي الأصل منعه وهو جائز: ] ولما كان هنا ما يقتضي الأصل منعه للجهل والغرر مع أنه جائز نص عليه، فقال: وجاز أن تكتري دابة: [١] على أن عليك علفها أو طعام ربها أو عليه -أي: على ربها- طعامك، نحوه في المدونة، وزاد: وأن توصف النفقة، وذلك معروف. تنبيه: قال المغربي: وعليه طعامك، معناه: إذا لم يكن اكتراها بطعام غير يد بيد. [٢] أو يكريها ليركبها في حوائجه شهرًا، نحوه في المدونة، وزاد: على ما يركب الناس، فيقيد كلامه بزيادتها، وهذا الذي قرره الشارح. ويحتمل أن يريد قول اللخمي: أجاز ابن القاسم في المدونة أن يستأجر دابة شهرًا على أن يركبها في حوائجه ما شاء، وإن كانت الحوائج تقل مرة وتكثر أخرى لأجل الضرورة، ويحتمل أن يريدهما معًا. [٣] ويكريها ليطحن بها شهرًا بعينه جاز، وإن لم يذكر ما يطحن، ونحوه في المدونة، وزاد: لأن وجه طحين الناس معروف. تذييل: لو أكراها بطحن الحنطة جاز أن يطحن عليها غيرها مما لا يضرها، وإن شرط أن لا يطحن إلا الحنطة جاز؛ لأنه لا يتعذر وجودها، وإن شرط

стр. 2807

أن لا يطحن إلا هذه الحنطة ففي جوازه قولان. [٤] أو ليحمل على دوابه مائه، إضافة الدواب له يفهم أنها كلها، وهو كذلك، وسواء كان مالكًا أو وكيلًا، وهو كذلك، وأما إن كان بعضها له وبعضها لغيره لم يجز. وعمم في ضمير المائة ليشمل جواز المكيل والموزون، وهو كذلك. ولو لم يسم مقدار ما لكل من الدواب، ويحمل على كل واحدة قدر قوتها، ونحوه في المدونة. [٥] وجاز الكراء على حمل آدمي لم يره صاحب الدابة حين الكراء، ولزمه حمله لتقارب الأجسام، ولم يلزمه حمل الفادح، وهو: الثقيل العظيم. ابن يونس: والكراء باق. بخلاف ولد ولدته المرأة في أثناء ركوبها فإن الحمال يلزمه حمله. [٦] وجاز بيعها -أي: الدابة-. [٧] واستثناء ركوبها اليوم واليومين والثلاث؛ لخبر جابر بن عبد اللَّه في إباحة القريب. قال مالك: وكان بين المدينة وموضع البيع مرحلتان وشيء. لا جمعة فأكثر، لا يجوز، وكره المتوسط بينهما، كالأربعة ففوق، ونحوه لمالك في المدونة. [٨] وجاز كراء دابة معينة لركبها شهرًا، إن لم ينقد، أي: بشرط عدم النقد عند ابن القاسم، ومنعه غيره. ومفهوم (شهرًا) جواز ما دونه وإن نقد، ومفهوم (إن لم ينقد) المنع إلى شهر إن نقد. [٩] وجاز الرضى بغير الدابة المستأجرة المعينة الهالكة ببعض الطريق ليستوفي من الثانية ما بقي من المسافة الأولى، وسواء كانت الأخرى معينة

стр. 2808

أو مضمونة، إن لم ينقد كراؤها، مفهومه: إن نقد لم يجز؛ لأنه فسخ ما وجب له من الأجرة في دين آخر. ثم عطف على الجائز قوله: أو نقد الكراء واضطر للثانية، فيجوز إلى زوال الضرورة، وفعل المستأجر الشيء المستأجر عليه بعينه ومساويه ودونه، لا أضر منه. [١٠] وجاز استئجار على حمل لدوابه برؤيته ولا يشترط بيان جنسه للاكتفاء برؤيته. ابن القاسم: ويكون قدر المحمول عرفًا أو نصًّا. أو كيله أو وزنه أو عدده، وقيد الثلاثة الأخيرة بقوله: إن لم تتفاوت؛ لأن بعضها وإن تساوى في الكيل وما بعده قد يكون أثقل من بعض، كإردب فول وإردب شعير مثلًا، وجعله البساطي قيدًا في العدد فقط غير ظاهر. [١١] ومن اكترى دابة بحج أو غيره جازت الإقالة بزيادة في الحمل قبل النقد، سواء غاب أو لم يغب، كأنت على رأس المال أو أزيد (١)، كانت الزيادة دنانير أو دراهم أو عرضًا نقدًا؛ لأنه اشترى الركوب الذي وجب للمكتري بالزيادة التي وجبت له، ويمنع لأجل؛ لأن المنافع دين عليه، للمكتري لفسخها في دين إلى أجل. وبعده -أي: بعد النقد- تجوز الإقالة من المكتري، إن لم يغب

стр. 2809

عليه، كانت الزيادة منه أو من المكتري، وإلا بأن غاب فلا تجوز الإقالة؛ لتهمة الزيادة، إلا من المكتري فقط، فتجوز بشرط مركب من أمرين: أشار لأحدهما بقوله: إن اقتصا بصاد مهملة مشددة، أي: وقع بينهما مقاصة، حيث لم تكن الذمتان معمرتين. وظاهر كلام الشارح: أنه بالمعجمة، والمعنى واحد. ولثانيها عاطفًا له على المكتري، لا على اقتصا، بقوله: أو بعد سير كثير، عند مالك وابن القاسم؛ إذ لا تهمة، وتجوز الزيادة حينئذٍ من كل منهما، واستحسنه اللخمي. ومفهوم (كثير) أن اليسير كالعدم، وهو كذلك. [١٢] وجاز اشتراط حمل هدية مكة على الجمال، إن عرف قدر ذلك، كذا قرره الشارح، وقرره البساطي على أنه يجوز لرب الدابة أن يشترط على الحاج هدية مكة، ونسب كل منهما ذلك للمدونة. [١٣] وعقبة الأجير يشترطها المستأجر على الجمال جائز ذلك، وهي معروفة عندهم رأس ستة أميال. [ما لا يجوز: ] لا حمل من مرض فلا يجوز، وصورها الشارح في رجال أكثروا على حمل أزوادهم، وعلى حمل من مرض منهم؛ لأنه مجهول. والبساطي: على ما إذا اكترى مشاة محملًا لأزوادهم اشترطوا حمل من مرض منهم لم يجز؛ لما فيه من وجه الجهالة، وقد يظهر في الصحيح المرض، فيؤدي للتخاصم، والصورتان متقاربتان. ولا يجوز اشتراط إن ماتت دابة معينة أو عجزت أتاه المكري بغيرها إلى انتهاء سفره؛ لأن الكراء معين مضمون، ولا ينافيه قول ابن القاسم: إن سأله أن يحوله من محمل الزاملة ويرد عليه دينارًا أو من زاملة لمحمل ويزيده دينارًا أنه جائز؛ لأن هذه انتقال من صفة، والأولى في الركوب، والفرض أنه معين وغير معين. كدواب لرجال شتى، لكل دابة، أو لواحد واحدة، ولغيره أكثر،

стр. 2810

والحمل مختلف، أما لو اتحد الحمل أو الجزء لجاز، أو دواب في صفقة لأمكنة مختلفة، كبرقة (١)، وإفريقية (٢)، . . . . .

стр. 2811

وطنجة (١)، من غير تعيين لم يجز، ولو كان المالك واحدًا. ابن يونس: لاختلاف أغراض المتكاريين؛ لأن المكتري قد يرغب في ركوب القوية للبعيدة، وربه يريده للضعيفة؛ لئلا يضعف القوية، فيدخله التخاطر. أو لم يكن العرف في البلد نقد كراء معين، ككراء دابة مثلًا بعرض أو بحيوان أو طعام، وطلب المكري تعجيله، وأبى المكتري لم يجز الكري، وتنفسخ. وإن نقدا -أي: عجلا النقد- فنقد الأول: مصدر مضاف. لمعين: خبر يكن. والثاني: فعل، فاعله الألف. ومفهومه لو كان العرف في البلد بنقد ذلك المعين جاز، وأشعر قوله: (العرف) بأنه لو اشترط حال العقد لاتبع، سواء وافق العرف أو لا، وهو كذلك.

стр. 2812

أو كان كراء الدابة مثلًا بدنانير عينت، وطلب المؤجر قبضها، وأبي المستأجر، فإن كان الكراء في البلد بالنقد قضي بنقدها، وإلا لم يجز الكراء، إلا بشرط الخلف لما تلف، ونحوه في المدونة، أو كان اكتراها ليحمل عليها ما شاء، لم يجز؛ لأن بعض الأشياء أضر من بعض، زاد في المدونة: إلا من قوم عرف حملهم، فذلك لازم على ما عرفوا من الحمل. أو ليركبها لمكان شاء من الأمكنة لم يجز؛ لأن بعضها أشق وأوعر من بعض، أو ليشيع عليها رجلًا؛ ففي المدونة: لا يجوز حتى يسمي مكان التشييع، أو بمثل كراء الناس، ولم يسم شيئًا لم يجز للجهالة، أو قال المكتري: إن وصلت إلى الموضع الفلاني في كذا يومًا فبكذا درهمًا، وإلا فبكذا، لم تجز. تتمة: زاد في المدونة: ويفسخ قبل الركوب، فإن ركب للمكان الذي سماه فله كراء المثل في سرعة السير وإبطائه، ولا ينظر لما سميا. أو لينتقل المكتري بالدابة لبلد غير الذي اكتراها إليه لم يجز، وإن ساوت كل منهما الأخرى مسافة وسهولة وصعوبة عند ابن القاسم، إلا بإذنه، أي: ربها. وقال غيره: لا يجوز، وإن رضيا؛ لأنه فسخ دين في دين. كإردافه، أي: ربها رديفًا خلفك على دابة اكتريتها بعينها، فإنه لا يجوز. وإرداف: مصدر مضاف للفاعل، والمفعول محذوف. وخلف: ظرف. أو حمل عليها معك متاعًا له أو لغيره لم يجز، وكأنك ملكت ظهرها، والكراء لك يا مكتري، إن أردف ربها أو حمل معك إن لم تحمل زنة معلومة، فإن اكتريت زنة معلومة فكراء الدابة لربها، كالسفينة شبهها

стр. 2813

بالدابة في جميع ما تقدم، كما ألحقها بها في المدونة فيما للمكري والمكتري. ومن اكترى دابة ثم أكراها فعطبت أو ضاعت ضمن إن أكرى لغير أمين. ومفهومه عدم الضمان إن أكرى لأمين، أو ادعى تلفها لم يضمن الثاني، إلا أن يأتي من سببه، ويتبين كذبه، ويضمن المكتري لربها لتعديه. [زيادة المكتري: ] ولما كان لزيادة المكتري صورتان زيادة في المسافة وزيادة في الحمل تكلم على ذلك، فقال: أو عطبت من المكتري بزيادة مسافة على ما أكراها إليه فيضمن. تنبيه: سكت عن بيان ما يضمنه لربها، وذكر ابن الحاجب كالمدونة أنه مخير بين قيمتها أو كراء المثل ما بلغ بعد كرائها الأول في الحالتين، ومفهوم كلامه: لو لم تعطب بسبب الزيادة بل بقيت على حالها ردها مع كراء الزيادة فقط. وأفهم قوله: (بزيادة) أنه بسببها، سواء كانت تعطب بمثلها أو لا. أو عطبت بزيادة حمل تعطب به، أي: بمثله، فيضمن قيمتها يوم التعدي إن شاء ربها، ولا كراء له، أو أخذ قيمة الزيادة بإلغاء ما يلغي مع الكراء الأول، ولا فرق بين الوزن أو تفاوت الضرر كقنطار رصاص مثلًا موضع قنطارين، وإلا بأن زاد ما تعطب بمثله وعطبت أو لم تعطب فالكراء، أي: كراء الزيادة ما بلغ مع الكراء الأول، ولا ضمان عليه عطبت أو لم تعطب، كأن زاد ما تعطب بمثله ولم تعطب فكراء المثل، ونحو هذا كله عن مالك في المدونة.

стр. 2814

تنبيه: فرَّق ابن يونس وغيره بين ضمان زيادة المسافة إذا عطبت قليلة كانت أو كثيرة وبين الزيادة في الحمل، بأن زيادة المسافة كلها تعد، بخلاف زيادة الحمل بعضها تعد وبعضها مأذون فيه. ثم استثني من قوله: (وإلا فالكراء)، فقال: إلا أن يحبسها مكتريها زمانًا كثيرًا على ما اكتراها، كما لو اكتراها يومًا أو يومين فحبسها شهرًا، فله مع كراء اليوم كراء الزائد، الذي حبسها فيه، إذا ردها بحالها لم تتغير، وسواء استعملها أم لا، أو قيمتها بعد التعدي. ومفهوم (كثيرًا) أنه لو حبسها يسيرًا كاليوم ونحوه ليس له إلا كراء الزائد، ومن قوله: (فله) أنه مخير في أحد الأمرين، وهو كذلك، ونحوه في المدونة. وظاهره: كان ربها معها أو لا، وهو كذلك، وقيل غير ذلك. ولك أيها المكتري فسخ كراء بعير مثلًا عضوض يعض من يقرب منه، أو جموح، وهو: القوي الرأس الذي لا ينقاد إلا بعسر، أو أعشى لا يبصر ليلًا. ابن ناجي: إذا كان يحتاج إليه ليلًا. أو كان دبره -أي: عقره- فاحشًا تضر رائحته براكبه، وظاهر كلامه: سواء اطلع على ذلك أو حدث فيه، كأن يستأجر ثورًا مثلًا يطحن لك كل يوم إردبين بدرهم، فوجد أن لا يطحن إلا إردبًا، فلك الخيار في الفسخ وعدمه، وسكت عما يلزم إذا لم يفسخ، وهو نصف درهم، وإن زاد ما يطحن الثور عن إردبين أو نقص عنها ما يشبه الكيل فلا لك، يا صاحب الثور شيء في الزائد، ولا عليك في النقص. وقرره الشارحان بمن اكترى دابة ليحمل عليه أرادب مسماة فحملها

стр. 2815

ذلك، ثم وجد الأرادب زادت زيادة تشبه تفاوت الكيل أو نقصت كذلك، أو زاده المكري ذلك المقدار، فلا شيء في ذلك. وكلام المؤلف يحتمل التقررين معًا، واللَّه اعلم. * * * فصل في كراء الحمام والدار والعبد والأرض واختلاف المتكاريين، جاز كراء حمَّام وما أشبهه كفرن، ومعمل فروخ. وجاز كراء دار غائبة وربع وحانوت وأرض. وظاهره: ولو كانت الغيبة بعيدة، كاكترائه دارًا بمصر وهو بمكة برؤية سابقة، أو بوصف، كبيعها -أي: الحمام أو الدار- وفي بعض النسخ كبيعهما، أو نصفها مثلًا مشاعًا، أو نصف عبد أو دابة، ولا خصوصية للنصف؛ إذ هو وغيره من الأجزاء سواء. وجاز كراء الدار شهرًا على شرط إن سكن منه يومًا فأكثر لزم الشهر كله؛ ولهذا الشرط شرط أشار له بقوله: إن ملك المكتري البقية من الشهر للسكنى فيها أو لكرائها، إن خرج منها، وإلا لم يجز بحال، ونحوه في المدونة. وقول الشارح: (إن ملك الكري) غير ظاهر. وجاز لمن اكترى شهرًا أو سنة عدم بيان الابتداء، وحمل على أن أول ذلك يكون من حين العقد؛ إذ لو لم يحصل ذلك لفسد العقد؛ لأن الكراء لا يجوز على سنة غير معينة. وجاز كراء الدار ونحوها مياومة ومشاهرة ومساناة، كأكريتها منك كل يوم أو كل شهر بكذا، وصح العقد، ولم يلزم لهما، أي: للمتعاقدين فيما ذكر من الشهر ونحوه، سواء سكن بعضه أو لا عند ابن القاسم وروايته عن

стр. 2816

مالك في المدونة، واختاره ابن يونس، وروى مطرف وابن الماجشون لزومها في الأقل مما سمي من شهر ونحوه، واختاره اللخمي. ثم استثنى من عدم اللزوم قوله: إلا بنقد في يوم أو شهر ونحوهما فقدره، أي: يلزم قدر ما نقد فقط، فلو قال: كل يوم مثلًا بدرهم ودفع له عشرة دراهم لزمه عشرة أيام. ولما كانت الوجيبة عندهم هي اللازمة شبهها بما يلزم، فقال: كوجيبة (١)، واقتصر فيها على ذكر أربعة ألفاظ ذكرها ابن رشد: أولها: التسمية، وأشار لها بقوله: بشهر كذا مثلًا، أو سنة كذا. وثانيها: الإشارة، وأشار لها بقوله: أو هذا الشهر، وهذه السنة. والثالث: التنكير دون إضافة للمنكر، وأشار له بقوله: أو شهرًا، أي: اكتريها شهرًا. والرابع: لوقت (٢) كذا، وإليه أشار بقوله: أو إلى كذا، وفي كون سنة أو شهر بكذا وجيبة فتلزم كالمعين، وهو تأويل ابن لبابة والأكثر، أو غير وجيبة، فلا تلزم، وهو تأويل أبي محمد صالح، تأويلان. وجاز كراء أرض مطر عشرًا إن لم ينقد، أي: بشرط عدم النقد، لا شرط النقد، ولا مع السكوت، ومفهومه: إن شرط لم يجز، ويفسد العقد.

стр. 2817

ثم بالغ على الفساد مع حصول النقد بقوله: ولو نقد سنة واحدة من العشرة، ونحوه في المدونة، إلا الأرض المأمونة التي كالنيل والمعينة، بفتح الميم وكسر العين، وهي التي تسقي بالمعين الثابتة والآبار المعينة، فيجوز النقد فيها. وكالنيل: يحتمل التمثيل، ويحتمل التشبيه، وإنما قال: يجوز مع قوله قبل وجاز ليبين أن بعض ما حكم له بالجواز قد يجب النقد فيه؛ ولذا قال: ويجب -أي: يقضي به- لرب الأرض على المكتري في مأمونه النيل إذا رويت؛ لعدم احتياجها للسقي فيما يستقبل، وبريها يكون المكتري قابضًا لما اكترى، وأما أرض السقي والمطر فلا يجب على المكتري نقد الكراء فيها حتى يتم الزرع ويستغني عن الماء، قاله ابن رشد. وخرج بمأمونة: الري غير مأمونته، كالمرتفعة التي لا يبلغها النيل غالب؛ لعلو أرضها. وجاز كراء قدر من فدادين من أرضك التي بموضع كذا، إن عين موضعه أو تساوت في نفسها وفي الأغراض، وأما إن اختلفت فلا يجوز حتى يسمي موضعه، واحترز بالقدر من جزء معين كربع أو نصف مثلًا، فلا يشترط تعيينه منفردًا. وجاز كراء أرض على شرط أن يحرثها المكتري ثلاثًا، ثم يزرعها أو على أن يزبلها إن عرف، هذا كقول المدونة: من اكترى أرضًا على أن يكريها ثلاث مرات ويزرعها في الكراب الرابع جاز، وكذا على أن يزبلها بشيء معروف. الصقلي وغيره: يريد إذا كانت مأمونة؛ لأن زيادة الكراب والتزبيل منفعة تبقى في الأرض، إن لم يتم زرعه، فإن نزل في غير المأمونة ولم يتم زرعه نظر كم يزيد كراؤها لزيادة ما اشترط على معتاد حرثها، وهو عندنا حرثه على كرائها دون ما اشترطت زيادته على المعتاد، فيرجع بالزائد؛ لأنه كنقد اشترط فيها، ولو تم زرعه فيها كان عليه كراء مثلها، بشرط تلك الزيادة؛ لأنه كراء فاسد، قاله التونسي.

стр. 2818

وجاز كراء أرض استؤجرت أولًا سنين ماضية لذي شجر غرسها الماء هذا المستأجر سنين مستقبلة، تلي السنين الأولى. فسنين مستقبلة: معمول لجاز، وفي كلامه تقديم وتأخير، أي: وجاز كراء أرض اكترت سنين ماضية سنين مستقبلة لصاحب شجر غرسها بها في السنين الماضية، وهذا كقول المدونة: وإن اكتريت أرضًا سنين مسماة فغرست بها شجرًا إن انقضت المدة وفيها شجرك فلا بأس أن تكريها من ربها سنين مستقبله. وأما جعل الشارح سنين الأولى مستقبلة، والثانية بدل منها، فغير جلي، مع أنه ساق ما في المدونة، وإن تبعه البساطي. ثم بالغ بقوله: وإن كان الشجر لغيرك بأن اكتريتها سنين وأكريتها لمن غرسها، ثم انقضت مدة الكراء وفيها غرسه، فلك أن تكريها من ربها سنين تلي الأولى، ثم إن أرضاك الغارس، وإلا قلع غرسه، ونحوه في المدونة. لا زرع أي: لا إن كان الذي في الأرض زرعًا لغيرك، فلا يجوز لك أن تكتريها بسنين، بل يجوز أن تكريها المدة التي يحتاجها الزرع. وجاز شرط كنس مرحاض في دار ونحوها على المكتري؛ لأنه معروف وجهه، ويدل كون الشرط على المكتري قوله: أو مرمة: بفتح الميم. عياض: هي البناء والإصلاح، يجوز اشتراطه على المكتري عند الاحتياج إليه. ونحوه في المدونة. وجاز اشتراط تطيين الدار على المكتري. المغربي: وهو جعل الطين على سقفها وسطوحها، وهو الطري. ولما كان ظاهر المدونة أنه زايد على الكراء، وأنها قيدت بكونه منه، اعتبر المصنف القيد، فقال: من كراء وجب، بأن كان على النقد في

стр. 2819

عرفهم، أو بالشرط، قاله ابن فتحون (١)، وقيدت المدونة بأن يسمي مرة أو مرتين في السنة؛ لأنه معلوم، وأما إن قال: كلما احتاجت، لم يجز؛ لأنه مجهول. وتركه المؤلف، ولا بد منه. لا إن لم يحب، فلا يجوز، كإجارتها سنة، واشترط تعيينها عليه، ويكون ما بطينها به سلفًا في ذمته، فيفسخ؛ لأنه سلف وكراء. تتمة: إذا نزل ذلك فله قيمة ما سكن، وللساكن قيمة مارم، قاله ابن القاسم، وحذف المؤلف قوله: (من كراء وجب) من التي قبلها لدلالة هذه عليه. فائدة: استنبط البساطي من هذه المسألة جواز ما يقع بمصر من الالتزام بعد عقد الكراء على الأرض، فيكتب الموثق، والتزم المستأجر بما على الحصة المستأجرة من المغارم السلطانية؛ لأنه معلوم تقريبًا. أو يقع العقد على شرط كون ما تحتاج إليه الدار من المرمة أو التطيين من عند المكتري لم يجز للجهالة. أو على كون حميم أهل ذي الحمام في غسلهم من مائها على المكتري أو على كون نورتهم كذلك، لم يجز مطلقًا، سواء علمت عدتهم أو لا، ولمالك الجواز إن علمت.

стр. 2820

أو لم يعين بالبناء للمفعول في الأرض بناء أو غرس وبعضه أضر بالأرض من بعض، ولا عرف، فأمن بأحدهما، فلا يجوز، وجملة: (بعضه أضر) حالية. قال في توضيحه: والفساد أشبه بمذهب غير ابن القاسم، وهو مخالف لظاهر مذهب ابن القاسم فيها. ولا يجوز كراء وكيل دارًا أو أرضًا بمحاباة؛ لتعديه، أو كراؤها بعرض؛ لمخالفة العادة في أنهما لا يكريان به. ابن يونس: وله فسخه، وإجارته. تنبيه: إطلاقه الوكيل يشمل المفوض، على بحث فيه. وعلل البساطي المنع بأنه مشتر، فيحتاج لتوكيل خاص، وعليه فيلزم بيع المفوض بالعرض، قال: وتلزمه. أو كراء أرض مدة كعشر سنين مثلًا لغرس معلوم سماه المكتري، فإذا انقضت مدة الكراء فهو -أي: الغرس- يكون ملكًا كله لرب الأرض أو نصفه مثلًا؛ فإنه ممتع للجهل بالأجرة، وتنقضي السنة في أرض المطر بالحصاد لزرعها. وظاهره: ولو تأخر الزرع للسنة أو عنها؛ لأنه ليس لصاحب الأرض قلع ولا أجرة. وتنقضي السنة في ذات السقي بعين أو سانية بالشهور؛ لتمام السنة، فإن تمت شهور وله فيها زرع أخضر فكراء مثل الأمد الزائد إلى تمامه. وإذا انتثر للمكتري حب في الأرض فنبت قابلًا، أي: فيما يستقبل، فهو لرب الأرض؛ لأن الأول أعرض عنه عادة، وسواء انتثر بآفة أو غيرها، ونص عليهما في غير المدونة، كمن -أي: كصاحب أرض- جره

стр. 2821

-أي: جر البذر أو النابت من الزرع- السيل إليه -أي: إلى أرضه- فهو لرب الأرض الذي انجر إليها. ولزم الكراء لمكتري الأرض بالتمكن من التصرف فيها، وإن فسد زرعه فيها بعد زرعه لجائحة، لا تعلق لها بالأرض، كـ: برد أو جليد أو طير أو جراد؛ لأنه سلم جميع المنفعة، فالمصيب بمنزلة غاصب الزرع، أو غرق بعد وقت إبان الحرث، بحيث لا يمكن الانتفاع بها إذا انكشفت، ويلزمه الكراء؛ لأنه كالجراد. تنبيه: غرق يحتمل المصدرية عطفًا على بجائحة ويحتمل أنه فعل. البساطي: وهو أحسن. ومفهوم كلام المؤلف: لزومه إن غرقت بعد الحرث وانكشفت بعد إبانه. أو عدمه -أي: المكتري- بذرًا يبذره بها، فالكراء لازم له بالتمكن من إجارتها، أو سجنه بفتح السين ما لم يكن قصد المنعة منها، أو انهدمت شرفات البيت ونحوها مما لا ينقص شيئًا من منافعه المقصودة، ونحوه في المدونة. أو سكن أجنبي بعضه، فالكراء لازم له جميعه، ويرجع على الأجنبي بحصته منه، وقيده اللخمي بما إذا لم يزد لأجلها شيء في الكراء. وأشار للتقييد بقوله: لا إن نقص شيء بهدم الشرفات ونحوها من قيمة الكراء، فيحط بقدره، وإن قل، ولا خيار للمكتري، وكذا ما به جمال كالبياض، كما صرح به اللخمي، وجعله ابن يونس محل نظر. أو انهدم بيت فيها لا ضرر فيه على المكتري، أو سكنه -أي: البيت- منها مكريه أو لم يأت مكريه بسلم للأعلى المحتاج في الانتفاع به للسلم، أو عطش بعض الأرض أو غرق بعضها فبحصته قيمة لا مساحة، كما في المدونة، وهو راجع للمسائل الست المعطوفة بـ (لا)، وذكرها وإن

стр. 2822

كانت داخلة في المفهوم لعدم اعتباره لزومًا. وأما إن عطش جلها أو كلها أو غرق فلا شيء على المكتري. وخير المكتري في مضر -أي: بسببه- ولو كان يسيرًا في الصورة، كهطل، وهو: تتابع المطر بحيث ينزل من السقف، وتخييره بين أن يفسخ أو يبقى، فإن بقي فالكراء جميعه لازم له؛ لزوال ضرره بالتخيير. تنبيه: تلخص من كلام المؤلف منطوقًا ومفهومًا في انهدام الدار أو بعضها أربعة أوجه: - هدمها. - أو ما فيه ضرر كثير. - أو يسير. - أو ضرر. والأول والأخير واضحان، والثاني له لفسخ، إلا أن يرفع عنه الضرر، والثالث وهو اليسير المنقص يحط عنه بقدره. ثم شبه في لزوم الكراء قوله: كعطش أرض صلح صالح الكفار عليها وزرعها، فعطشت فالكراء لازم لهم، وهل مطلقًا، عينوا للأرض شيئًا أو لا، بل وقع الصلح مجملًا، أو يلزمهم إلا أن يصالحوا على الأرض بخراج معين، فلا يلزمهم ذلك، إذا عطشت، تأويلان في قول المدونة: إذا عطشت أرض الصلح التي صالحوا عليها فعليهم الخراج؛ لأنه ليس إجارة محققة، بخلاف أرض الخراج، كأرض مصر، فقوله: (صالحوا عليها) حمله أبو عمران على إطلاقه، وحمله بعض القرويين على أن على الأرض خراجًا معينًا، ولزم الكراء فيما تقدم. عكس تلف الزرع، أراد بالعكس المقابلة، فهنا يسقط جميع الكراء، إذا كانت الآفة منها لكثرة دودها أو فأرها أو عطش، أو تلف زرعها وبقي

стр. 2823

منه القليل كخمسة أفدنة أو سنة من مائة، ولم يجبر آجر بمد الهمزة على إصلاح لما انهدم من الدار مطلقًا، سواء كان ما يحتاج للإصلاح يضر بالساكن أو لا، حدث بعد العقد أو لا، أمكن السكن معه أو لا، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، ولغيره فيها: يتغير. ابن عبد السلام: وعليه العمل في زماننا. وعلى الأول يخير الساكن في السكنى بجميع الأجرة، أو الفسخ. بخلاف ساكن أصلح له رب الأرض ما انهدم بقية المدة المكتراة قبل خروجه، فلا يخير، بل يجبر على السكنى. ومفهومه: لو أصلح له بعد خروجه وقبل انقضاء المدة لم يلزم رجوع. وإن اكتريا حانوتًا أو بيتًا وتنازعا فأراد كل منهما مقدمه؛ لوقوع الكراء غير معين، قسم بينهما إن أمكن قسمه؛ للزوم الكراء لهما، وإلا يمكن قسمه أكرى عليهما؛ لأنه ضرر. وإن غارت عين مكترًى سنين للزراعة، أو انهدمت بيده بعد زرعه، وقبل انتهائه، نفقت حصة سنة منها فقط، ويطالب بذلك المكري، فإن أبي فالمكتري، فإن أنفق أقل لقيامه عن المؤجل بالواجب، إنما كان كذلك لأن الزرع لو فسد لم يلزم المكتري كراء، فإذا أصلح انتفع ولم يضر المكري، فلا يمنع المكري من أمر ينتفع به غيره، ولا ضرر عليه فيه. وفهم من قوله: (بعد زرعه) أنه ليس له الإنفاق قبله إن أبي ربها، إذا لم يتقدم له فيها عمل. ومفهوم (فقط) أنه ليس له أن ينفق أكثر، وهو كذلك على المشهور، ولو أنفق أكثر من حصته فهو متبرع. وإن تزوج ذات بيت مالكة له أو لمنفعته وإن بكراء وسكن معهما، فلا كراء لها عليه؛ لجريان العادة بطيب النفس بذلك، إلا أن تبين له عند سكناه معها أن الكراء عليه فيلزم، ونحوه لابن القاسم في المدونة.

стр. 2824

والقول للأجير أنه وصّل كتابًا استؤجر على إيصاله لآخر، زاد في المدونة: في أمد يبلغ في مثله؛ لأنه ائتمنه عليه، وعليه دفع كرائه، وترك المصنف القيد للعلم به. والقول للأجير في أنه استصنع فيه، وقال ربه: بل هو وديعة عندك، وإنما قبل لعسر الإشهاد على الصانع. أو خولف الأجير في الصفة، كما لو صبغ الثوب أسود أو خاطه قميصًا، وقال ربه: إنما أمرتك بأحمر أو جبة مثلًا، أو خولف الأجير في مقدار الأجرة، كقوله: بعشرة، وربه: بخمسة مثلًا، فالقول للأجير مع يمينه، إن أشبه ما قال، وحاز المصنوع تحت يده. مفهومه: إن لم يشبه لم يكن القول قوله، وهو كذلك. قال في التوضيح: ويحلف المالك إن أشبه، فإن أتيا بما لا يشبه فللصانع أجر مثله. تنبيه: حاز: بالحاء المهملة، وأجاز الشارح كونه بالجيم من الجواز؛ احترازًا عما لو ادعى الأجير ما لا يجوز فلا يصدق. لا كبناء، فليس القولة قول الصانع؛ لعدم حوزه؛ إذ الحائز له ربه. ويجوز في (بناء) كسر الموحدة وتخفيف النون وفتحها وتشديد النون. ولا في رده -أي: ليس القول للصانع في رد المصنوع لربه- وإذا لم يقبل في رده فلربه، أي: القول قوله في الصورتين، لكن في أولاهما إن أشبه. ثم بالغ في عدم قبول قول الصانع في الرد ولو أقبضه بغير نية مشيرًا للخلاف فيه بقوله: ولو كان قبضه بلا نية؛ لأنه مقبوض على الضمان كالرهن، وأما مع النية فالضمان مطلقًا، وإن ادعاه -أي: الاستصناع صباغ مثلًا- في ثوب بيده، وقال ربه: سرق مني أبيض، وأراد ربه أخذه؛ لأنه

стр. 2825

مخير فيه وفي تضمينه للصانع، أخذه ودفع للصانع قيمة الصبغ بيمين على رب الثوب أنه لم يستصنعه، ومحل يمينه إن زادت دعوى الصانع عليها، أي: على قيمة الصنعة. ومفهوم الشرط: إن كانت دعواه مثل قيمتها أو أقل دفع ذلك للصانع بغير يمين. وإن اختار رب الثوب حين خير أولًا تضمينه فإن دفع الصانع قيمته أبيضر فلا يمين على واحد منهما، ولا كلام لصاحبه، وإلا بأن أبي الصانع من دفع قيمته أبيض حلفا: رب الثوب أولًا أنه ما استصنعه، وحلف الصانع أنه استصنعه، واشتركا: صاحب الثوب بقيمة أبيض، والصانع بقيمة صبغه؛ لأن كلًّا منهما مدع على الآخر، لا إن تخالفا بالخاء المعجمة في لت السويق، فقال اللات: أمرتني أن ألته بعشرة، وقال ربه: ما أمرتك بشيء، لم يتحالفا بالحاء المهملة، ولم يشتركان فيه، وبهذا خالفت التي قبلها، ويقال لصاحب السويق: إن شئت فأغرم له ما قال، وهو العشرة، وخذ سويقك ملتوتًا، فإن فعل فواضح. وإن أبي من دفع ما قال اللآت فمثل سويقه غير ملتوت، ولا يلزمه دفعه ملتوتا، وهذا قول غير ابن القاسم في المدونة. والقول له -أي: الأجير- وللجمال بيمين من كل في عدم قبض الأجرة، إن ادعاه كل على الآخر، سواء بلغا الغاية، وإن لم يبلغا الغاية، وهي المكان الذي تعاقدا إليه. زاد في المدونة: إن كانت الأحمال بيده أو بعد تسليمها للمكتري بالقرب كيوم أو يومين. وأما مع الطول فأشار إليه بقوله: إلا لطول بعد التسليم فلمكتريه -أي: القول له- بيمين، إلا أن يقيم الجمال بينة أنه لم يقبض. وإن تخالفا في المسافة واتفقا على قدر الأجرة بأن قال الجمال: أكريتك بمائة لبرقة، وقال المكتري: بل بها لإفريقية حلفا، كل على

стр. 2826

دعواه، أو فسخ العقد إن عدم السير جملة، أو قل، بحيث لا ضرر على الجمال في رجوعه، ولا على المكتري في صرخ متاعه، إن لم ينقد الكراء، وإن نقد عند مالك في المدونة. وأشار بالمبالغة لقول غيره فيها: إن انتقد الجمال وكان يشبه ما قال فقوله، وإلا بأن كان اختلافهما بعد سير كثيرًا أو بلوغهما المسافة فكفوت المبيع، إذا قبضه المشتري، وفات بيده فالقول قوله، ووزانه هنا أن القول قول المكتري؛ لقبضه المنفعة لشبه قوله فقط. وتحصيل هذه المسألة على قول ابن القاسم أنها على أربعة أوجه: - إما أن يكون المشبه قول المكتري. - أو المكري فقط. - أو يشبها معًا. - أو لا يشبها معًا. فأشار للوجه الأول بقوله: (وإلا فكفوت المبيع)، وللوجه الثاني بقوله: وللمكري، وهو الجمال في اختلافهما في المسافة فقط، بأن قال الجمال حين وصولهما لبرقة: هنا انتهت المسافة، وقال المكتري بل لإفريقية، فالقول للجمال إن أشبه قوله فقط. وأشار للوجه الثالث بقوله: أو أشبها معًا، وانتقد المكتري الكراء، بأن دفعه للجمال. وهذان الوجهان الثاني والثالث يقبل فيهما قول الجمال إذا استقل قوله بالأشبه أو أشبها، وترجح قوله بالنقد فقط، الأولى قيد في المسافة احترازًا عما لو أخلفا فيها وفي الأجرة معًا، وفقط الثانية احترازًا عما لو أشبه المكتري وحده، وهو الوجه الأول، وعما لو أشبه قولهما معًا. ثم ذكر قسيم قوله: (انتقد)، وهو تمام الوجه الثالث بقوله: وإن لم ينتقد مع شبه قولهما حلف المكتري ولزم الجمال ما قال من بقية

стр. 2827

المسافة، إلا أن يحلف الجمال أيضًا على ما ادعى من المسافة بعد حلف المكتري، فله -أي: الجمال- حصة المسافة المنتهى إليها وهي برقة على دعوى المكتري وفسخ الباقي، وهذا كله مع الاشتباه. وأشار للوجه الرابع وهو انتقاد الشبهة من الجانبين بقوله: وإن لم يشبها حلفا، وفسخ العقد، وحوسب الجمال بكراء المثل فيما مشى من المسافة، ودفعه للجمال، وكل من نكل منهما قضي عليه للآخر. وإن تخالفا في المسافة والأجرة معًا، بأن قال الجمال: أكريتك للمدينة بمائة وبلغاها وقال المكتري: بل لمكة بأقل كخمسين، فإن نقده المكتري الخمسين فالقول للجمال فيما يشبه؛ لأنه اجتمع له شيئان: النقد ودعوى الشبه في المسافة التي بلغاها؛ لأنه ائتمنه، ونحوه لابن القاسم في المدونة. وحلفا فيحلف الجمال ما أكريتك إلا للمدينة بمائة، ويحلف المكتري: إنما اكتريت منك لمكة بخمسين، وفسخ العقد بينهما فيما بقي. وإن لم ينقد للجمال شيئًا فالقول للجمال في المسافة أنها للمدينة، ولا يقبل قوله أنها بمائة، والقول للمكتري في حصتها مما ذكر من الكراء كونه خمسين، ولا يقبل في أنه لمكة؛ لأن بلوغ المسافة المدعاة يرجح قول مدعيها، وعدم النقد يرجح قول المكتري بعد يمينهما على ما ادعاه كل منهما. وإن أشبه قول المكري وهو الجمال فقط دون المكتري فالقول له -أي: الجمال- بيمين، فيأخذ ما حلف عليه، وهو المائة، وإن أقاما بينتين تشهد كل بينة لمن أقامها بدعواه قضي بأعدلهما، وهو يشمل صورتين: - ما إذا كانتا عدلتين: واحدا أزيد عدالة. - وما إذا كانت إحداهما عدلة فقط. وإلا بأن تساوتا سقطتا عند ابن القاسم، وصارا كما لا بينة لهما. وإن قال المكتري لأرض أو دار مثلًا: اكتريت منك عشرًا بخمسين،

стр. 2828

وقال ربها: بل اكتريت مني خمسًا بمائة، ولا بينة لهما حلفا، وفسخ العقد، إن كان تخالفهما بحضرته، كما في المدونة؛ ولذا قال: وإن زرع بعضًا ولم ينقد من الكراء شيئًا فلربها ما أقر به المكتري فيما مضى إن أشبه قوله، وحلف على ما أقر به، سواء أشبه قول الآخر أم لا. وإلا بأن لم يشبه قول المكتري فقول ربها مع يمينه إن أشبه ما قال. وإن لم يشبها، بأن ادعى كل منهما ما لا يشبه، حلفا ووجب لرب الأرض كراء المثل فيما مضى مما زرع، وفسخ الباقي بالنسبة لما يستقبل مطلقًا. قال الشارح: في جميع الصور. وقال البساطي: أشبه قوله أحدهما أو لا. ثم ذكر قسيم قوله: (وإن لم ينقد)، فقال: وإن نقد في الماضي فتردد: هل هو كما لو لم ينقد فيرجع فيه للأشبه، أو القول قول المكري؛ لرجحان قوله بالنقد، واللَّه أعلم. * * * باب ذكر فيه الجعل وما يتعلق به، صحة الجعل، عبر بالصحة لأنه في معنى الإجارة، فكان القياس عدم صحته، بل عدم جوازه؛ للغرر، لكنه خرج عن ذلك للدليل والضرورة. [شروط صحة الجعل: ] وأشار بقوله: بالتزام أهل الإجارة إلى أن من شرطه كون عاقده جاعلًا أو مجعولًا له ممن تصح منه الإجارة. وقال بعض من مشاه: صحة الجعل بالتزام المناهل لعقد الإجارة ثمنًا.

стр. 2829

وظاهره: قصر الشرط على الجاعل دون المجعول، وليس كذلك؛ إذ لا يصح شيء من ذلك إلا من الرشيد أو من المحجور بإذن وليه. انتهى. جعلا معمول التزام علم لهما مبني للمفعول صفة لـ (جعل)، فلا يصح بمجهول، كـ: إن جئتني بعبدي الآبق فلك نصفه مثلًا؛ لأنه لا يدري ما دخله. يستحقه السامع للجاعل، ويفهم منه أنه لا يشترط في صحته كونه من الجانبين بالتمام، فلا يستحقه من عمل البعض، إلا فيما سيذكره. ككراء السفن، مثال للجعل، وقد يقع كراؤها إجارة أيضًا، واللَّه أعلم. تنبيه: دخل بالكاف مشارطة الطبيب على البر، والمعلم لحفظ القرآن، والحافر على استخراج الماء، فالثلاثة مترددة بين الجعالة والإجارة، إلا أن يستأجره على التمام لعمل أو يجاعل عليه، فبنسبة عمل الثاني يستحق الأول، سواء كانت الجعالة في عمل الثاني قدر جميع الأول أو أقل أو أكثر، كما لو جاعل على فعل شيء إلى موضع معين بدينار مثلًا، فنقله نصف الطريق، ثم ترك، فجاعل غيره على ثقله بقية المسافة بدينار أو نصفه أو ربعه، فللأول في النصف الذي نقله نسبة ما أجر الثاني دينارًا أو نصفه أو ربعه عند مالك. وقال ابن القاسم: له قيمة عمله يوم عمل. ثم بالغ بقوله: وإن استحق الشيء الجاعل على تحصيله عبدًا أو غيره لغير من جاعل عليه، فإن الجعل يلزم الجاعل، إذا أتى به العامل عند ابن القاسم، ولو لم يتسلمه الجاعل؛ لأنه هو المدخل له في العمل. ظاهره: ولا رجوع له بالجعل على من استحقه، وهو كذلك عند ابن القاسم. ثم بالغ أيضًا عما لو استحق بحرية، فقال: ولو بحرية، فإن الجعل

стр. 2830

لازم للجاعل عند ابن القاسم، وعليه جماعة، وأشار بـ (لو) لقول أصبغ بسقوطه عنه تبعًا. بخلاف موته بعد الإتيان به وقبل تسليمه لربه؛ لعدم تمام العمل، وأما لو تسلمه للزمه الجعل، بلا تقدير زمن. البساطي: يمكن تعلقه بصحة الجعل أو بالتمام، والمعنى: أنه لا يجوز تقدير زمن لعمل الجعل؛ لأن الأصل عدم جوازه للغرر، لكن اقتضت ضرورة الناس له جوازه، وتقدير الزمن يزيد غرره، فلو قدر زمن يقع فيه ربما انقضى قبل تمام عمله فيذهب عمله باطلًا. إلا بشرط ترك شيء متى شاء، أي: إلا أن يشترط الترك متى شاء. ثم عطف على تقدير، فقال: ولا نقد مشترط، تقييد النقد بالاشتراط يفهم منه أن التقدير من غير شرط لا يضر، فلو قال: ولا شرط ينقد لكان أحسن؛ لأن ظاهر كلامه أن المفسد حصول النقد المشترط، ومقتضى التقدير أن اشتراط النقد مفسد، حصل النقد أم لا. تنبيه: قال البساطي: قول الشارح: (إنه معطوف على "بلا تقدير") سهو. في كل ما جازت فيه الإجارة بلا عكس، قال الشارح: هذا متعلق بقوله: (صحة الجعل)، والمعنى: أن الجعل يجوز في كل ما جازت فيه الإجارة، ولا ينعكس؛ إذ ليس كلما جاز فيه الجعل يجوز فيه الإجارة، وقاله في المدونة. وقال البساطي: هو متعلق بما تضمنه قوله: (بالثمار من العمل)، أي: لا يتقيد العمل هذا بكل شيء جازت فيه الإجارة، بل يجوز في أشياء لا يجوز فيها، وكلما جازت فيه الإجارة جاز فيه الجعل بلا عكس، ولعل هذا المعنى على ما قررنا لا يوجد في غير هذا الكتاب. انتهى.

стр. 2831

تنبيهان: الأول: اعلم أن هذه الكلية التي ذكرها المؤلف عكسها قول التهذيب: كل ما جاز فيه الجعل جازت فيه الإجارة، وليس كل ما جازت فيه الإجارة جاز فيه الجعل انتهى، أي: فالإجازة أعم. الثاني: قولُ الشارح بعد ما قرر كلام المؤلف بما قدمناه عنه: (وقاله في المدونة) سبقُ قلم. وجاز الجعل على شراء شيء أو بيعه إن لم يكن في الكثير، بل ولو في الكثير على الصحيح، خلافًا لعبد الوهاب في منعه الكثير. ثم استثني من جواز البيع قوله: إلا كبيع سلع كثيرة، فلا يجوز الجعل عليها إذا كان لا يأخذ شيئًا إلا بالجميع، ومفهومه: لو كان على ما باعه يأخذ بحسابه جاز، وهو كذلك، ويحتمل عوده للبيع والشراء، ويعضده ما في بعض النسخ: كبيع، بالكاف. قال ابن المواز: يجوز عند مالك وأصحابه الجعل على الشيء فيما قل وكثر، في الحضر والسفر، لا بأس أن يجعل له على مائة ثوب يشتريها دينارًا، إذا كان على أن ما اشتري له لزمه، وأما إن كان على أن ما اشتراه هو فيه بالخيار فلا خير فيه، ومنع لجعل على بيع ما كثر ففرق، فقال ابن المواز وعياض وجماعة من القرويين وغيرهم: البيع والشراء سواء، فحملوا المنع في البيع على أن العرف فيه لا يأخذ شيئًا إلا ببيع الجميع، فيمنع بخلاف الشراء. ولو كان على أنه إذا باع شيئًا كان له بحسابه جاز، وألوا الإطلاق في الشراء على أن العرف جار بأنه اشترى شيئًا أخذ بحسابه، ولو كان لا يأخذ شيئًا إلا بعد شراء الجميع لمنع، فصار البيع والشراء سواء في المنع والجواز.

стр. 2832

تنبيه: ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين كون ما يشتري له يلزم أو يخير فيه، وهو خلاف ما تقدم لابن المواز. وفي شرط صحة منفعة الجاعل وعدم شرط حصولها قولان، نحوه قول صاحب المقدمات: اختلف هل من شرط صحته أن يكون فيه منفعة للجاعل أو لا؟ على قولين. ولمن لم يسمع قول رب الآبق: من جاء بعدي فله كذا، وجاء به جعل مثله، إن اعتاده -أي: طلب الإباق- وسواء كان ذلك مثل المسمى أو أقل أو أكثر، كحلفهما بالحاء المهملة بعد تخالفهما بالخاء المعجمة، بأن ادعى العامل أنه سمع وأتى به لذلك، وقال ربه: لم تسمع، بل أتيت به بغير سماع، فللعامل جعل مثله، ويحتمل تخالفهما في قدر الجعل، كما في ابن الحاجب تبعًا لابن شاس. ويشمل تخالفهما بأن قال العامل: سعيت في رده، وأنكر ربه إذا جاء العامل بالآبق قبل التزام ربه بالجعل، كان لربه تركه وإلا يكن الآتي بالأبق لم يسمع قول ربه، ولا له عادة بالطلب، فالنفقة واجبة له على ربه، بخلاف اللقيط لا نفقة لواجده. والفرق: أن هنا لازمة له؛ لكونه رقيقه، وهو مليء، والآتي به دخل على العوض، وفي اللقيط غير لازمة، وإن ظهر له أب؛ لأن المنفق عليه لا يقصد العوض غالبًا لحريته ولعدم العلم، بأن أبا. وإن أفلت الآبق ممن جاء به فجاء به آخر غياه لربه، فلكل منهما من الجعل نسبته، فإن جاء به الأول ثلث الطريق مثلًا، والثاني ثلثاه، كان للأول ثلث الجعل، وللثاني ثلثاه. وإن جاء به ذو درهم سماه له، وذو أقل كنصف، سماه له، وجاءا به معًا، اشتركا فيه، يريد في الأكثر، وهو الدرهم، فيقتسمانه بنسبة ما سمي لهما، ونسبة النصف لدرهم، ونصف ثلث، ونسبة الدرهم لذلك ثلثان،

стр. 2833

فيقتسمان الدرهم أثلاثًا، وهو قول ابن القاسم في المدونة. وقال ابن نافع وابن عبد الحكم: لكل نصف ما سمي له، واختاره اللخمي. تنبيه: أطلق الاشتراك على ما قلناه وإن كان الأصل فيه عند الإطلاق النصف؛ لوضوحه ولعدم من يقول به هنا. ولكليهما الفسخ قبل الشروع في العمل؛ لأنه عقد جائز على المشهور. وقيل: لازم لهما. وقيل: للمجعول له فقط. ولزمت العقدة الجاعل بالشروع في العمل، فيسقط خياره، ويبقى العامل على خياره على المشهور، وهو لمالك في المدونة وغيرها. وفي الجعل الفاسد جعل المثل إن تم العمل، ردًّا له لصحيح نفسه، فإن لم يتم العمل فلا شيء له. وقيل: له أجر مثله سواء تم العمل أم لا ردًّا له لصحيح أصله وهو الإجارة. ثم استثنى مما فيه جعل المثل من الفاسد، فقال: إلا إن عقداه بجعل مطلقًا، أي: سواء تم العمل بأن أتى به أو لم يتمه، كقوله: إن أتيت به فلك كذا، وإن لم تأت به فلك طعامك وكسوتك، فأجرته، أي: يلزمه أجرة مثله على أظهر الأقوال عند ابن رشد، واللَّه اعلم. * * *

стр. 2834

باب ذكر فيه إحياء الموات: بفتح الميم والواو، وعرفه المصنف تبعًا لابن الحاجب وابن شاس تبعًا للغزالي (١) مقدمًا تعريف الموات ليتوصل به لمعرفة الإحياء، فقال: موات الأرض ما سلم عن الاختصاص، لكن الواقع للغزالي الاختصاصات بالجمع، فاستغنى المؤلف كما قال في توضيحه عنه بالاسم المحلى بـ (أل) المفيدة للعموم. [أسباب الاختصاص: ] ثم عد أسباب الاختصاص التي إذا انتفت كانت الأرض مواتًا بقوله: [١] بعمارة متعلق باختصاص، ولو اندرست تلك العمارة وعادت الأرض كما كانت عليه أولًا، إلا لإحياء ثانيًا بعد اندراس الإحياء الأول، فيزول الاختصاص الأول عند ابن القاسم، خلافًا لسحنون في بقائه للأول. [٢] وأشار لسبب آخر من أسباب الاختصاص بقوله: وبحريمها، أي: العمارة، وهو ما ليس لأحد أن يحدث فيه ما يضر بها. ولما كان ذلك يختلف باختلاف العمارة أخذ في بيانه، فقال: كـ: [أ] محتطب ينتفع بحطبه لوقود وغيره.

стр. 2835

[ب] ومرعى للمواشي يلحق كل منهما غدوًا ورواحًا في يوم بالنسبة لبلد. ومفهومه: أن ما لا يدرك في يوم فهو بعيد، ليس من حريمها، وهو كذلك عند ابن القاسم وسحنون. [ج] وما لا يضيق على وارد بمواشيه حريم لبئر المواشي، وأما حريم غيرها كبئر الزرع والدار، فقال: وما لا يضر بما لبئر، وليس لذلك حد مخصوص بقياس عند مالك وابن لقاسم في المدونة وغيرها، بل يختلف ذلك باختلاف الأرض بشدة ورخاوة، وليس للجار أن يحفر بئرًا تضر ببئر جاره، خلافًا لأشهب. ولم يعتمد المؤلف على شيء من التحديد بالقياس مما وقع لسحنون وغيره. [د] وما فيه مصلحة لنخلة فهو حريم لها، كذا أجاب مالكٌ بنَ غانم (١) لما سأله عن حريمها، قال: وسألت عن ذلك أهل العلم به، فقالوا: اثني عشر ذراعًا من نواحيها كلها إلى عشرة. وسئل عن كل شجرة وعن الكرم أهل العلم بهما، فقالوا: لكل شجرة قدر مصلحتها. [هـ] ومطرح تراب ومصب ميزاب حريم لدار في موات. [المحفوفة بالأملاك: ] وأشار للمحفوفة بالأملاك بقوله: ولا تختص محفوفة بأملاك بالانتفاع بحريمها بل هي وغيرها فيه سواء، ولذا قال: ولكل الانتفاع ما لم يضر غيره.

стр. 2836

[٣] وأشار لسبب آخر من أسباب الاختصاص بقوله: وبإقطاع من الإمام. قال في التوضيح: وليس هو من الإحياء، وإنما هو تمليك مجرد، فله بيعه وهبته، ويورث عنه. [شرط الاقتطاع: ] ولا يقطع الإمام معمور العنوة ملكًا، بل إمتاعًا، وأقطع ﷺ الزبير أرضًا فيها نخل من أمول بني النضير، وأقطع عمر الناس العقيق أجمع. [٤] وأشار لسبب آخر من أسباب الاختصاص بقوله: وبحمى إمام من أئمة المسلمين. [شروط جوازه: ] ولجوازه شروط أشار لأحدها بقوله: محتاجًا -أي: دعت الحاجة- له؛ لنفع المسلمين. ولثانيها بقوله: قل ذلك الحمى بالنسبة لغيره، وفضل عن منافع غير أهله. ولثالثها بقوله: من بلد عفا، أي: لا عمارة فيه بغرس ولا بنائل في الأطراف، بحيث لا يضيق على ساكن. ولرابعها بقوله: لكغزو، وروى الصعب بن جثامة (١) أن النبي ﷺ حمى النقيع (٢)، بالنون.

стр. 2837

[شرط إحياء الموات: ] وافتقر إحياء الموات لإذن من الإمام، إن لم يكن المحيي مسلمًا، بل وإن كان مسلمًا إن قرب من العمران على المشهور، وإلا بأن أحيا بغير إذنه فللإمام إمضاؤه بإجازة فعله، أو له جعله متعديًا، فيعطي قيمة بنائه مقلوعًا، وهذا التفصيل هو المشهور. وقيل: قيمته قائما. بخلاف إحياء البعيد من الموات، لا يحتاج لإذن، قال في البيان: على المشهور. ولو كان المحيي ذميًّا بغير جزيرة العرب، اللخمي: هي الحجاز والمدينة واليمن. زاد الشيخ: ولابن الحبيب. قال الأخوان: مكة والمدينة والحجاز كله والنجود (١).

стр. 2838

ابن القاسم: ويملكه كالمسلم. [ما يحصل به الإحياء: ] ولما قدم أن من أسباب الاختصاص الإحياء، وذكر عياض أنه يحصل بأحد عشرة أمور: فيها سبعة متفق عليها، وثلاثة مختلف فيها، بين المصنف ذلك، وذكر جميعها، عاطفًا بعضها على بعض، وكل من السبعة مجرور بالباء، وما عطف عليه بغيرها فتابع له، ذكر الثلاثة المختلف فيها مخرجًا لها بلا، فقال: والإحياء: [١] بتفجير ماء من الأرض بحفر بئر أو فتق عين. [٢] وبإخراجه منها من غامرها، كذا قال الشارح، وبه يخالف ما قبله. وقول البساطي: (إخراجه بأن يكون كمينًا في جبل مثلًا، فيفتق الجبل حتى يخرج منه الماء) غير ظاهر؛ لدخوله فيما قبله. [٣] وببناء عليها. [٤] وبغرس فيها. [٥] وبحرث وتحريك أرض، بأن يجعل أعلاها أسفلها، والتحريك أعم من الحرث، فهو من عطف العام على الخاص، ولو اقتصر عليه لكفي. [٦] وبقطع شجر كان بها. [٧] وبكسر حجرها وتسويتها، بأن يعدل أرضها. [ما لا يحصل به الإحياء: ] وأشار للثلاثة الأخر التي لا يحصل بواحد منها الإحياء عند ابن القاسم خلافًا لأشهب بقوله:

стр. 2839

[١] لا بتحويط عليها، كضرب حدود حول ما يريد إحياءه منها؛ قصدا لمنع الناس عنه. [٢] ورعي كلأ فيها. [٣] وحفر بئر ماشية فيها. [الإحياء المعنوي: ] وجرت عادة أهل المذهب بذكر الإحياء المعنوي عقب الإحياء الحسي، وهو القيام بحقوق المساجد، وتبعهم المؤلف، فقال: [ما يجوز فعله بالمسجد: ] [١] وجاز بمسجد سكنى لرجل تجرد للعبادة، كـ: صلاة وتلاوة وتعلم وتعليمه، وخرج بذلك المرأة والرجل الذي يتخذه كالدار، ويعده للادخار؛ لأنه تغيير له عما وضع له. [٢] وجاز فيه عقد نكاح، واستحسنه جماعة. [٣] وجاز فيه قضاء دين. البساطي: إذا كان يسيرًا يخف معه الوزن أو العدد. [٤] وقتل عقرب ونحوها. [٥] ونوم بقائلة لمقيم أو مسافر، وأحرى المتجرد للعبادة. [٦] وجاز تضييف -أي: إنزال الضيف- بمسجد بادية، قال مالك: ذلك شأن تلك المساجد. [٧] وجاز إناء -أي: اتخاذه فيه- لبول إن خاف سبقًا بالقاف قبل خروجه، وفي بعض النسخ (سبعًا) بالعين موضع القاف، ونحوه لابن رشد. كمنزل يجوز اتخاذه تحته، ومنع عكسه، بأن يجعل السفل مسجدًا، والعلو منزلًا.

стр. 2840

[ما يمنع بالمسجد: ] ثم شبه في الممنوع بالنسبة للمسجد، فقال: كـ: [١] إخراج ريح، وإن كان خاليًا؛ لحرمة المسجد والملائكة. وفهم من قوله: (إخراج): أن خروجه غلبة لا يمنع. [٢] ومكث فيه بنجس: قل أو كثر. [ما يكره بالمسجد: ] وكره: [١] أن يبصق بأرضه، أي: عليها، وإن فعل حكه، ويحتمل أنه يكره أن يحك البصاق بغير الأرض، كبصقه بكفه أو بثوبه ثم يحكه بأرض المسجد. وفهم من قوله: (بأرضه) جوازه تحت الحصبا أو الحصير. [٢] وكره تعليم صبي. [٣] وبيع وشراء. ظاهره: مطلقًا؛ لأنهما مظنة المشاحة المؤدية للغط، وفسره البساطي بأن يوضع فيه الأشياء للبيع والشراء، وأما قول البائع: بعت، والمشتري: اشتريت، لغائب أو حاضر غير مقصود إحضاره لذلك فخفيف. [٤] وكره فيه سل سيف ومدية ونبل؛ للنهي عن سل السف فيه. [٥] وكره إنشاد ضالة فيه؛ لخبر: "إذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردها اللَّه عليك" (١).
следующие страницы →