← Фикх малики

Фикх малики · id 150676

جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر

التتائي

Полный текст (3 498 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

[٣] وأشار لسبب آخر من أسباب الاختصاص بقوله: وبإقطاع من الإمام. قال في التوضيح: وليس هو من الإحياء، وإنما هو تمليك مجرد، فله بيعه وهبته، ويورث عنه. [شرط الاقتطاع: ] ولا يقطع الإمام معمور العنوة ملكًا، بل إمتاعًا، وأقطع ﷺ الزبير أرضًا فيها نخل من أمول بني النضير، وأقطع عمر الناس العقيق أجمع. [٤] وأشار لسبب آخر من أسباب الاختصاص بقوله: وبحمى إمام من أئمة المسلمين. [شروط جوازه: ] ولجوازه شروط أشار لأحدها بقوله: محتاجًا -أي: دعت الحاجة- له؛ لنفع المسلمين. ولثانيها بقوله: قل ذلك الحمى بالنسبة لغيره، وفضل عن منافع غير أهله. ولثالثها بقوله: من بلد عفا، أي: لا عمارة فيه بغرس ولا بنائل في الأطراف، بحيث لا يضيق على ساكن. ولرابعها بقوله: لكغزو، وروى الصعب بن جثامة (١) أن النبي ﷺ حمى النقيع (٢)، بالنون.

стр. 2837

[شرط إحياء الموات: ] وافتقر إحياء الموات لإذن من الإمام، إن لم يكن المحيي مسلمًا، بل وإن كان مسلمًا إن قرب من العمران على المشهور، وإلا بأن أحيا بغير إذنه فللإمام إمضاؤه بإجازة فعله، أو له جعله متعديًا، فيعطي قيمة بنائه مقلوعًا، وهذا التفصيل هو المشهور. وقيل: قيمته قائما. بخلاف إحياء البعيد من الموات، لا يحتاج لإذن، قال في البيان: على المشهور. ولو كان المحيي ذميًّا بغير جزيرة العرب، اللخمي: هي الحجاز والمدينة واليمن. زاد الشيخ: ولابن الحبيب. قال الأخوان: مكة والمدينة والحجاز كله والنجود (١).

стр. 2838

ابن القاسم: ويملكه كالمسلم. [ما يحصل به الإحياء: ] ولما قدم أن من أسباب الاختصاص الإحياء، وذكر عياض أنه يحصل بأحد عشرة أمور: فيها سبعة متفق عليها، وثلاثة مختلف فيها، بين المصنف ذلك، وذكر جميعها، عاطفًا بعضها على بعض، وكل من السبعة مجرور بالباء، وما عطف عليه بغيرها فتابع له، ذكر الثلاثة المختلف فيها مخرجًا لها بلا، فقال: والإحياء: [١] بتفجير ماء من الأرض بحفر بئر أو فتق عين. [٢] وبإخراجه منها من غامرها، كذا قال الشارح، وبه يخالف ما قبله. وقول البساطي: (إخراجه بأن يكون كمينًا في جبل مثلًا، فيفتق الجبل حتى يخرج منه الماء) غير ظاهر؛ لدخوله فيما قبله. [٣] وببناء عليها. [٤] وبغرس فيها. [٥] وبحرث وتحريك أرض، بأن يجعل أعلاها أسفلها، والتحريك أعم من الحرث، فهو من عطف العام على الخاص، ولو اقتصر عليه لكفي. [٦] وبقطع شجر كان بها. [٧] وبكسر حجرها وتسويتها، بأن يعدل أرضها. [ما لا يحصل به الإحياء: ] وأشار للثلاثة الأخر التي لا يحصل بواحد منها الإحياء عند ابن القاسم خلافًا لأشهب بقوله:

стр. 2839

[١] لا بتحويط عليها، كضرب حدود حول ما يريد إحياءه منها؛ قصدا لمنع الناس عنه. [٢] ورعي كلأ فيها. [٣] وحفر بئر ماشية فيها. [الإحياء المعنوي: ] وجرت عادة أهل المذهب بذكر الإحياء المعنوي عقب الإحياء الحسي، وهو القيام بحقوق المساجد، وتبعهم المؤلف، فقال: [ما يجوز فعله بالمسجد: ] [١] وجاز بمسجد سكنى لرجل تجرد للعبادة، كـ: صلاة وتلاوة وتعلم وتعليمه، وخرج بذلك المرأة والرجل الذي يتخذه كالدار، ويعده للادخار؛ لأنه تغيير له عما وضع له. [٢] وجاز فيه عقد نكاح، واستحسنه جماعة. [٣] وجاز فيه قضاء دين. البساطي: إذا كان يسيرًا يخف معه الوزن أو العدد. [٤] وقتل عقرب ونحوها. [٥] ونوم بقائلة لمقيم أو مسافر، وأحرى المتجرد للعبادة. [٦] وجاز تضييف -أي: إنزال الضيف- بمسجد بادية، قال مالك: ذلك شأن تلك المساجد. [٧] وجاز إناء -أي: اتخاذه فيه- لبول إن خاف سبقًا بالقاف قبل خروجه، وفي بعض النسخ (سبعًا) بالعين موضع القاف، ونحوه لابن رشد. كمنزل يجوز اتخاذه تحته، ومنع عكسه، بأن يجعل السفل مسجدًا، والعلو منزلًا.

стр. 2840

[ما يمنع بالمسجد: ] ثم شبه في الممنوع بالنسبة للمسجد، فقال: كـ: [١] إخراج ريح، وإن كان خاليًا؛ لحرمة المسجد والملائكة. وفهم من قوله: (إخراج): أن خروجه غلبة لا يمنع. [٢] ومكث فيه بنجس: قل أو كثر. [ما يكره بالمسجد: ] وكره: [١] أن يبصق بأرضه، أي: عليها، وإن فعل حكه، ويحتمل أنه يكره أن يحك البصاق بغير الأرض، كبصقه بكفه أو بثوبه ثم يحكه بأرض المسجد. وفهم من قوله: (بأرضه) جوازه تحت الحصبا أو الحصير. [٢] وكره تعليم صبي. [٣] وبيع وشراء. ظاهره: مطلقًا؛ لأنهما مظنة المشاحة المؤدية للغط، وفسره البساطي بأن يوضع فيه الأشياء للبيع والشراء، وأما قول البائع: بعت، والمشتري: اشتريت، لغائب أو حاضر غير مقصود إحضاره لذلك فخفيف. [٤] وكره فيه سل سيف ومدية ونبل؛ للنهي عن سل السف فيه. [٥] وكره إنشاد ضالة فيه؛ لخبر: "إذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردها اللَّه عليك" (١).

стр. 2841

وقال بعض من تكلم على هذا المحل: يريد ونشدها أيضًا، ويبين لك الفرق بينهما قول الشاعر: أصاعت الناشد للمنشد. [٦] وكره فيه هتف بميت، بأن يقول بصوته على سنة الجهر: فلان قد مات بالمسجد أو بابه، وأما ما يفعله النذير بمصر وزعقات المؤذنين فمن النهي المنهي عنه. [٧] وكره فيه رفع صوت بعلم أو غيره، إلا بالتبليغ، كرفعه -أي: الصوت- بعلم مطلقًا في المسجد أو غيره. مالك: ما للعلم ورفع الصوت. [٨] وكره فيه وقيد نار، البساطي: المستغنى بالقناديل. [٩] وكره دخول كخيل أو بغال وحمر فيه، مما بوله وروثه نجس؛ لنقل إليه أو منه؛ للضرورة، وأما ما بوله وروثه طاهر كالإبل والبقر فجائز دخوله. [١٠] وكره فيه فرش يجلس عليه. [١١] أو متكأ، كوسادة ونحوها، حكاه ابن حبيب عن مالك. [المياه والآبار والعيون والكلأ: ] ولما جرت عادة أهل المذهب إلحاق الكلام على الإحياء بالكلام على المياه والآبار والعيون والكلأ، وما يتعلق بذلك، وكانت المياه أقسامًا، تبعهم المصنف بالكلام على أقسامه فقال:

стр. 2842

[أولًا - الكلام على المياه: ] ولذي مأجل بفتح الجيم، الجوهري عن أبي عمران: وهو الماء المستنقع والجمع المآجيل. انتهى. البساطي: المراد به الصهريج. ولذي بئر في ملكه وماجل في أرضه من مطر أو سيل أو فتق عين. ومرسال مطر، وهو: الذي يجري من أرضه لأرض غيره، كماء يملكه يحوزه في آنية منعه من غيره، وله بيعه على المشهور. قال يحيى بن يحيى في العتبية: أربع لا تمنع: الماء، والنار، والحطب، والكلأ. ثم استثنى من متعلق قوله: (له منعه) إلا من خيف عليه الهلاك أو المرض الخطر، ولا ثمن معه لذلك، فإنه يأخذ مجانًا؛ لوجوب مواساته؛ للخوف عليه، وتقدم في أثناء باب الصيد أنه يجب المواساة بفضل الطعام والشراب بشرطه، والأرجح أخذه بالثمن، الذي ليس معه. ثم شبه في الوجوب وفي الخلاف في أخذه بثمن أو لا، فقال: كفضل ماء بئر زرع يجب على جار فضل عن سقي زرع دفعه بالثمن على الأرجح عند ابن يونس، ولذلك شروط أربعة، ذكرها الباجي. وأشار لها بقوله: كفضل، فلو لم يفضل عن زرعه شيء لم يجب عليه. وبقوله: خيف على زرع جاره أو نخله الهلاك عطشًا، فلو لم يخف عليه لم يجب، رواه أشهب. وفهم من قوله: بهدم بئره أو نزحه أنه زرع على ماء، فلو زرع على غير ماء لم يجب على جاره؛ لمخاطرته وتعريضه للتلف، قاله ابن الماجشون وغيره. وبقوله: وأخذ يصلح، بأن شرع في إصلاح ما يحتاج له من عمارة،

стр. 2843

فلو لم يشرع في إصلاحه واعتمد على السقي بفضل ماء غيره، فروى أشهب: ليس له أن يسقيها إن كانت وديًا حتى تبلغ، وإنما ينظر في هذا إلى قدر ما ينزل. وقال مطرف: يسقي بذلك إلى أن يبني بئره، وقاله مالك، ومقابل الأرجح أخذه بغير ثمن. وإذا وجدت هذه الشروط أجبر عليه، أي: قضي على الجار بإعطاء الفضل في الفرعين. ثم شبه في الفرعين قوله: كفضل ماء بئر ماشية حفرها بصحراء، فإنه يجبر على دفع فضل مائها هدرًا؛ لأنه لا يجوز له بيعه ولا هبته ولا يورث، إن لم يبين الملكية، فإن بين فله المنع، ومن البيان أن يشهد عند الحفر أنها لنفسه. وإذا اجتمع على ما فضل عن ربه مستحقون والماء يكفيهم بدئ بمسافر حاضر، وله -أي: للمسافر- على الحاضر. وقال البساطي: على ذي الماء. عارية آلة، كـ: دلو ورشا وحوض، إن احتاج لذلك في استخراج الماء. والرشا، ممدود: الحبل. ثم حاضر بعد المسافر، ثم دابة ربها، أي: البئر، وكل من قدم بجميع الري، وإلا يكن في الماء كفاية لجميع الري فبنفس المجهود، ويحتمل إن لم يكن فضل لري الجميع بدئ بالمجهود عطشًا: آدميًّا كان أو غيره. ابن رشد: فإن استووا في الجهد تواسوا عند أشهب. وزاد ابن لبابة: إلا أن أهل الماء أحق بتقديم أنفسهم ودوابهم، وأما إن قل الماء وخيف على بعضهم بتبدئة بعض الهلاك بدئ بأهل الماء،

стр. 2844

فيأخذون لأنفسهم بقدر ما يذهب عنهم الخوف، فإن فضل أخذ المسافرون لدوابهم بقدر ما يذهب عنهم الخوف، ولا اختلاف عندنا في هذا الوجه. وإن سال مطر بمباح من أرض ليست مملوكة لأحد، وأسفل منها جنان، سقي الأعلى منها قبل غيره، إن تقدم إحياؤه على الأسفل، وينتهي استحقاقه في الزرع بلوغ الماء في أرضه للكعب، ثم يرسله لمن هو أسفل، فيسقي كذلك، وهكذا حتى يكتفوا، ما لم يحتج الأول لإعادة السقي ثانيًا، وأما إذا لم يكن في الماء فضل، ولا يتأتى به السقي إلا لواحد، فلا حق للأسفل، إلا فيما يفضل عن الأعلى. وأمر صاحب الأعلى بالتسوية لأرضه، إن كان بعضها أعلى من بعض، وأمكنه ذلك، وإلا يمكنه تسويته، وكان السقي لا يبلغ الكعبين في الأعلى حتى يكون في الأسفل أكثر من ذلك، فكحائطين، يسقي الأعلى ثم الأسفل. وقسم الماء للمتقابلين من الحوائط، فلا يقدم أحدهما عند سحنون، كالنيل في جميع ما تقدم في السيل، وإن ملك الماء أولًا ولأصحاب علو وسفل بإجماعهم على إجرائه لأرضهم قسم بينهم بقلد: بكسر القاف وسكون اللام، أو غيره من الآلات التي يتوصل بها لإعطاء كل ذي حق حقه من الماء من غير نقص ولا زيادة. ابن عرفة: وأقرب ما يحقق به أن يقسم ماء الليل وحده، وماء النهار وحده، بالساعات الرملية المحققة. انتهى. ثم إن رضي الشركاء بتقديم بعضهم على بعض فذاك، وإلا أقرع بينهم للتشاح في السبق، ولا يمنع أحد صيد سمك من ماء الأودية والأنهار والأراضي التي ليست مملوكة؛ لأن الماء لما كان غير مملوك والصيد غير مملوك كان كسائر المباحات من سبق لها فهو أحق. وإن كان السمك في أرض من ملكه، فليس له المنع عند ابن القاسم، وروي عن مالك في المدونة في الأرض المملوكة: لا أرى له منع أحد يصيد.

стр. 2845

وهل قوله: لا أرى، هل هو في أرض العنوة فقط؛ لأنها في الحقيقة لا تملك، إنما هي أرض خراج واستمتاع، وأما المملوكة حقيقة فله المنع؛ إذ قوله: لا أرى له المنع مطلقًا أرض عنوة، أو غيرها إلا أن يصيد المالك فيها فله المنع تأويلان. وظاهره: سواء طرحها فتوالدت، أو جرها الماء، وهو كذلك، خلافًا لأشهب في قوله: إن توالدت فله المنع، وإن جرها فلا. [ثانيًا - الكلأ: ] وأشار إلى أن الكلأ -وهو العشب يابسًا كان أو رطبًا، والعشب الكلاء الرطب- على أربعة أقسام: إذا كان في الأرض المملوكة، أشار لأحدها بقوله: ولا يمنع كلأ مقصور مهموز بفحص، وهو: الأرض التي ترك صاحبها زرعها استغناءً عنها، ولم يبورها لأجل المرعى، فنبت الكلأ فيها. ولثانيها بقوله: وعفًى لا يمنع أحد منه، وهو ما عفي من الزراعة، وفضل كل منهما عن حاجة صاحبه، إذا لم يكتنفه زرعه، فإن اكتنفه بحيث يكون عليه ضرر في وصول الناس إليه بدوابهم ومواشيهم فله المنع. وأشار لثالثها بقوله: بخلاف مرجه، وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب، وحماه وهو الذي بوره من أرضه للمرعى، فإن له منعه وبيعه في كل من المسألتين. وسكت المؤلف عن ذكر الرابع، وهو الأرض المحظرة لدخولها في الحمى من باب أولى، وقد قال ابن رشد: لا اختلاف فيما كان فيها من الكلأ أن صاحبها أحق ببيعه وبمنعه، احتاج إليه أو لا، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2846

باب ذكر فيه الوقف وما يتعلق به، فقال: صح ولزم وقف مملوك من غير حكم حاكم، وعبر بالصحة لل تنبيه على قول أبي حنيفة: لا يصح ولا يلزم في حال الحياة، وهو ملك يورث عنه، إلا أن يحكم الحاكم بصحته أو يعلقه على موته، كإذا مت فداري وقف على كذا. وقيل: يجوز عنده، ولا يلزم، فيورث ويرجع عنده ويباع. تنبيه: عبر كابن الحاجب بالوقف دون الحبس؛ لأنه أصرح في الدلالة؛ لإفادة التأييد من غير ضميمة، قاله عبد الوهاب، وهما عند ابن رشد وغيره سواء. وشمل قوله: (مملوك) الأرض والطريق والدار والحانوت والقنطرة والمسجد والمصحف وكتب العلم وغيرها والمشاع، خلافًا لأبي حنيفة في عدم صحة كتب العلم والمشاع. وظاهر كلام المؤلف: كان المشاع ممن ينقسم أو لا، وللخمي فيه تفصيل، انظره في الكبير. وإن كان الموقوف المملوك منفعته بأجرة، كاكترائه أرضًا مثلًا سنين، فيتخذها مسجدًا في تلك المدة أو بعضها، فيكون النقض للباني، كما في المدونة. وأشار بالمبالغة لمخالفة قول ابن الحاجب: (يصح في العقار والمملوك لا المستأجر)، والمشهور: صحة وقف المملوك، ولو حيوانًا ورقيقًا. وأشار بالمبالغة للقول بالمنع فيهما، كعبد يصح وقفه على مرضي يخدمهم، ما لم يقصد ضرره بذلك، فإن قصد فلا.

стр. 2847

[وقف الطعام ونحوه: ] وفي جواز وقف كطعام لا يعرف بعينه إذا غيب عليه كالحنطة لتسلف فتجدد دائمًا، وهو مذهب المدونة، ومنعه وبه قال ابن شاس وابن الحاجب، تردد. وعلى هذا التقرير في التردد نظر؛ لأن أحد شقيه في المدونة، ويحتمل، وفي كراهة وقف طعام ونقد مما لا يعرف بعينه كما في البيان ومنعه تردد. [أحكام الموقوف عليه: ] ولما قدم ما يفهم منه الركن الأول وهو الواقف فإن الموقوف لا بد له من واقف، ذكر الركن الثاني وهو الموقوف عليه، فقال: على أهل للتملك، وفي بعض النسخ للتمليك، كمن سيولد مثال من أمثلة من يصح تملكه وكالجنين. ولما كان لا يشترط فيه ظهور القربة؛ لأنه من باب الصدقات والهبات، قال مبالغًا على ذلك: وذمي وإن لم تظهر قربة كالغني، أو يشترط واقفه تسليم غلته من ناظره، الذي أقامه عليه؛ ليصرفها الواقف في مصرفها. وقول البساطي: (يشترط معطوف على وإن لم تظهر قربة، ومعناه: إن عدم ظهور القربة لا ينافي الوقف، وكذا اشتراط عود ربه إليه ليصرفه، لا ينافيه، إذا لم يعد في شيء مما حبس، ولا جعل النظر إليه) فيه إجمال. وأحسن منه قول بعض من تكلم على هذا المحل: يشترط مجزوم عطفًا على ما بعد (إن)، لا على ما بعد (لم). أو ككتاب وسلاح وقفه وحيز عنه، ثم عاد إليه، أي: إلى الواقف؛ لينتفع به كغيره بعد صرفه في مصرفه؛ لأن خروجه من يده حوز له عنه، وعوده بعد صحة الحوز لا يضر في صحة الوقف.

стр. 2848

[ما يبطل الوقف: ] وبطل: [١] الوقف على معصية كجعل ربعه في ثمن خمر. البساطي: لا يبعد القول بكفر من فعل ذلك (١). [٢] ويبطل على حربي؛ لأنه فيه قوة على حربه، كالوصية له. [٣] وبطل من كافر ذمي أو غيره وقدرنا من؛ لأنه من عطف الجمل؛ إذ ما قبله معمول (على)، ولا يصح هذا فيه، فيكون المعنى: من كافر. لكمسجد أو رباط أو على الكعبة، قال مالك في نصرانية بعثت بدينار للكعبة: يرد عليها، ولا يكون في الكعبة. [٤] أو على ذكور بنيه دون بناته، فإنه يبطل؛ لأنه من عمل الجاهلية. [٥] أو عاد الواقف لسكنى مسكنه الذي حبسه على محجوره، كما في التي بعدها، وخرج منه واقفه، وحيز عنه، ثم عاد لسكناه، قبل مضي عام من حين خروجه (٢)، فإنه يبطل.

стр. 2849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2850

وفهم من قوله: (عاد) أنه لو لم يسكن أولًا، وحيز عنه، ثم سكنه قبل عام، لم يبطل، كما أنه لا يبطل إذا عاد لسكناه بعد عام، فالعام حد للحيازة. تنبيه: إنما يبطل في عوده قبل عام لضعف الحوز بسكنه فيه أولًا وآخرًا.

стр. 2851

[٦] أو جهل سبقه -أي: الوقف- لدين على الواقف وعدم سبقه له فيبطل، وللغريم بيعه في دينه، وأحرى إن كان الدين سابقًا عليه؛ تقديمًا للواجب على الشرع، وأما إن سبق الوقف لم يبطل، إن كان الوقف على محجوره، قيد في هذه والتي قبلها. وجوز الشارح كونه قيدًا في التي قبلها فقط، وجعله غيره شرطًا في هذه فقط، وإنما بطل وقف المدين لأن المحبس هو من صح تبرعه وقبوله. [٧] أو وقف على نفسه خاصة، فيبطل اتفافا؛ لتحجيره على نفسه وعلى دارته بعد الموت، بل يبطل ولو بشريك، كعلى نفسه وعلى زيد على المشهور. وأشار بـ (لو) لخلاف ابن شعبان بصحته في الثانية عليهما معًا. [٨] أو وقف على شرط أن النظر له، وجزم الشارح ببطلانه، وتبعه البساطي، ثم قال: والذي للمتقدمين أنه لا يجوز. [نوعا الحوز: ] ولما كان الحوز حسيًّا وحكميًّا، أشار للأول بقوله: أو لم يحزه كبئر رشيد أو غيره وقف عليه، أي: حتى فلس الواقف أو مات، فإنه يبطل إن لم يكن الكبير سفيهًا، بل ولو كان سفيهًا. وأشار بـ (لو) للخلاف في صحة حوزه وبطلانه، وأشار للحوز الحكمي، وهو: حوز ذي ولاية لمن هي عليه، بقوله: أو ولي صغير؛ لأن القصد من الحيازة إن كان على معين دفع بما وافقه عنه بتسليمه لغيره، وعدم عوده له لنفعه به على ما كان، وإن كان على غيره معين كالمساجد والقناطر فحوزه تخليته بين الناس وبينه، فإن لم يفعل بطل؛ ولذا قال: أو لم يخل بين الناس وبين كمسجد، ووقت اعتبار هذا الحوز حصوله قبل فلسه ومرضه وموته، فإن لم يحز عنه حتى حصل واحد من هذه الثلاثة بطل الوقف.

стр. 2852

[الوقف على محجور: ] ولما كان على الوقف على معين لا بد من حوزه، استثنى منه من وقف على محجوره، فقال: إلا لمحجوره -أي: عليه- فلا يشترط الحوز الحسي، وأما الحوز الحكمي -وهو حوز الولي لمن في حجره- فيشمل المحجور والسفيه، ويشمل الحاجر الأب والوصي والمقام. وعدم البطلان إذا وجدت فيه الشروط الثلاثة المشار لها بقوله: إذا أشهد الواقف على التحبيس على المحجور، ويشترط في هذا الإشهاد معاينة البينة، لقبض المحبس عليه، ولا يكتفي بإقرار المحبس؛ لأن المنازع المحبس عليه إما الوارث وإما الغريم، فلو اكتفى ذلك بالإقرار لزم قبول إقرار الإنسان على غيره. ويشترط أيضًا صرف الغلة ولم تكن وقف دار سكناه، أي: الواقف، وعاد لسكناها بعد أن حيزت عنه قبل عام، وهذا مفهوم قوله: فيما سبق مما يبطل عوده لسكنى مسكنه بعد عام. أو وقف على وارث له بمرض موته، أي: المخوف الذي يحجر فيه على المريض، فيبطل ويرجع ميراثًا كالوصية، فلو لم يكن موته بأن صح منه ثم مات لم يبطل، وهو كذلك، وكذا لو أوقف في صحته. [مسألة ولد الأعيان: ] ثم استثنى من عدم صحة وقف المريض على الوارث المتصلة المعروفة بمسألة ولد الأعيان، سحنون: هي من حسان المسائل، وقل من يعرفها، فقال: إلا حبسًا معقبًا دارًا أو غيرها، خرج ذلك المعقب من ثلثه، أي: الواقف المريض؛ لأنه وصية، فلو لم يخرج كله من الثلث عمل فيما خرج منه ما يعمل فيما يحمله الثلث، فكميراث، أي: حكمه كميراث للوارث، فيصح ويقسم على البطن الأول، وهم الذين لا يصح الوقف عليهم لو انفردوا على العقب، ويدخل في البطن الأول من لم يوقف عليه شيء من الورثة، ويكون بأيديهم وقفًا لا ملكًا، ويكشف ذلك تمثيله

стр. 2853

بقوله: كثلاثة أولاد لصلب، وهم أولاد للأعيان، وأربعة أولادِ أولادٍ وعقبه الواقف بتشديد القاف، بأن قال: على ولدي وعقبهم؛ لأن التعقيب شرط في المسألة؛ ولذا تعقب على ابن الحاجب تركه، ولكونه وقفًا لم يبطل ما ناب أولاد الصلب؛ لتعلق حق غيرهم به؛ لأنه لو مات أولاد الصلب رجع جميعه وقفًا على أولاد الأولاد وأعقابهم. ولو مات الواقف وترك السبعة المذكورين وترك معهم أمًّا وزوجة للواقف، فيقسم جميع الموقوف على السبعة لولد الأعيان ثلاثة، وإذا أخذوها فيدخلان -أي: الأم والزوجة- فيما للأولاد الثلاثة: للأم سدسها، وللزوجة ثمنها إرثًا، ثم يقسم الباقي بين الثلاثة، أو ثلاثًا، وعملها بطريق الفرضيين: أن أصل المسألة من أربعة وعشرين؛ لأن فيها سدس وثمن، وهما متفقان بالنصف، فتضرب نصف أحدهما في كامل الآخر ما يبلغ ما تقدم للأم السدس أربعة، وللزوجة السدس ثلاثة، تبقى سبعة عشر للأولاد الثلاثة، لا يصح عليهم، ولا توافق، فتضرب عدد الرؤوس المنكسر عليها، تبلع اثنين وسبعين، ومنها تصح للأم اثنا عشر، وللزوجة تسعة، تبقى إحدى وخمسون، لكل واحد من الثلاثة سبعة عشر، وأربعة أسباعه الباقية بعد أخذ أولاد الأعيان حصتهم -وهي ثلاثة أسباع- لولد الولد الأربعة وقف. ابن القاسم: والذكر والأنثى فيه سواء على المشهور. وقال سحنون ومحمد: إن كانت حاجتهم واحدة، وإلا فعلى قدر الحاجة. [انتقاض القسم بحادث: ] وانتقض القسم الواقع بين السبعة بحدوث ولد لهما اتفاقًا، سواء كان من جانب واحد أو من جانبين، وتصير في الأول على ثمانية، وفي الثاني على تسعة، وكذا ينتقض وإن حدث أكثر كموته، أي: واحد من الجانبين فأكثر، فينتقض القسم ويقسم على ستة، على الأصح، إن كان الميت واحدًا، فإن كان من ولد الأعيان أخذ ولد الولد ثلثي الستة، وأخذ الباقيان من ولد الأعيان الثلث، وهما السهمان الباقيان، وقسماهما على ورثة

стр. 2854

الواقف، فتأخذ الأم السدس، والزوجة الثمن، ثم يقسم باقي السهمين على ثلاثة للولدين الباقيين سهمان، ويحيا الميت بالذكر فما نابه فلورثته من كانوا موقوفًا بأيديهم على الفرائض. وتدخل فيه زوجة الواقف إن كانت أم الميت، ومن كان من ولد الولد الميت أو من غيره ممن يرثه. قال ابن يونس: فيصير بيد ولد الولد نصيب، بمعنى القسم من جده في القسم الأول والثاني، ونصيب بمعنى الميراث من أبيه. وكذا ينتقض القسم لو مات ثان، وقسم على خمسة، وإن مات ثالث صار الجميع لولد الولد حبس، فإن كان الميت من والد لولد صار لولد الأعيان النصف، ولولد الولد النصف. لا الأم والزوجة، فلا ينتقض القسم بموتهما اتفاقًا، ولا بموت إحداهما، ويكون ما بيد من مات منهما وقفًا لورثتهما، وكذا موت وارثهما. ودخلا (١) -أي: الأم والزوجة- فيما زيد للولد بسبب موت واحد من ولد الولد، ونقضت القسمة، وصار لولد الأعيان النصف، ثلاثة يقسم بينهم وبين الأم والزوجة على الفرائض، وكذا ينتقض القسم إن مات أكثر. وإذا لم يبق أحد من ولد الولد انتفع أولاد الأعيان بالوقف انتفاع الملك، وتدخل معهم الأم والزوجة. ابن يونس: وهو الصحيح. التونسي: هو الصواب. تنبيهان: الأول: قولهم انتفاع الملك لأنه ليس ملكًا حقيقة؛ ولذا قال ابن الحاجب: كميراث.

стр. 2855

الثاني: التاء من قوله: (ودخلا) جائز، وهو كقوله في سترة العورة: (إن تركا القناع)، وذكرنا وجهه هناك، فانظره (١). [صيغة صحة الوقف، والفرق بين الوقف والتحبيس: ] ثم أشار إلى الصيغة التي تصح بها، وهي كما قال ابن عرفة: ما دل على ماهية قولًا أو فعلًا؛ لتسميتهم ما يفهم من حال الشيء كلامًا. فقال: بحبست، وهو يقتضى التأييد بمجرده عند ابن رشد. وقال غيره: لا بد من قرينة. ووقفت يقتضي التأييد بمجرده اتفاقًا عند عبد الوهاب، وأجرى غيره الخلاف من حبست. أو تصدقت ويقتضي التأبيد إن قارنه قيد، كـ: لا يباع، ولا يوهب، أو قارنته جهة لا تنقطع، كـ: صدقة على الفقراء والمساكين، أو طلبة العلم، أو المساجد، أو لمجهول، إن لم يحصر، كـ: صدقة على غير معين، ولا محصور، بل وإن حصر، كـ: صدقة على فلان وعقبه (٢).

стр. 2856

ومفهوم الشرط: إن لم يقترن به ما يدل على التأييد لا يكون وقفًا، وهو كذلك على إحدى روايتين، ذكرهما ابن الحاجب. [رجوع الحبس: ] ورجع الحبس المؤبد إن انقطع ما حبس فيه لأقرب فقراء عصبة المحبس يوم المرجع على المشهور، ولا يشاركهم أغنياؤهم، ولو أخذ فقراؤهم ما صاروا به أغنياء وفضل شيء فلهم، وقيل: لغيرهم من الأغنياء. ويدخل في مرجع الأحباس من النساء امرأة لو رجلت، أي: فرضت رجلًا عصبت، أي: كان عاصبة، كالبنت والأخت وبنت الأخ وبنت العم وبنت المعتق، لا الخالة وبنت البنت والجدة للأم. وهذا إذا كان له مرجع، فإن لم يكن له مرجع فالفقراء، فإن ضاق المرجع عن العصبة والبنات قدم البنات عليهم، وإن لم يضق وكان فيه سعة قسم بينهم، قاله ابن القاسم. ولو وقف على اثنين معينين عطف أحدهما على الآخر بالواو، كـ: (زيد)، و (بكر)، وأشار لهما كهذين.

стр. 2857

وبعدهما على الفقراء، كان نصيب من مات من الاثنين لهم، أي: للفقراء، لا لرفيقه، وهو اختيار ابن رشد. انظر ما في هذا في الشرح الكبير. إلا إذا وقف على عدم محصور وذكر في وقفه ما يدل على مدة صريحًا أو غير صريح، كـ: على عشرة مثلًا، معينين وعدهم، ويقول: هؤلاء حياتهم، أو ما عاشوا، فلا يكون معقبًا، ويقسم بينهم على السواء. وأما إن ماتوا فيملك بعدهم للواقف الحي أو لورثته، إن مات، وأدخل الكاف ليفهم أن غير هذا العدد كذلك، ولو أدخلها على عشرة لكان أحسن. وفي الوقف على كقنطرة، فهدمت، بحيث لم يرج عودها صرف ربع الموقوف عليها في مثلها، وفي قوله: (في مثلها) نوع إجمال؛ لأنه يحتمل المثل حقيقة كقنطرة أخرى، ويحتمل مما ثلثها في منفعة الناس كمسجد وطريق، وهما قولان. وإلا وقف لها، أي: وإلا بأن رجا عودها وقف لها، ومن قال: داري هذه صدقة لفلان فله ملكًا، قاله عياض. أو صدقة للمساكين ملكوها، وبيعت، وفرق ثمنها عليهم بالاجتهاد من الناظر، ولا يلزمهم التعميم لتعذره؛ ولأنه غير مراد. [ما لا يشترط في الموقوف: ] ولا يشترط التنجيز حين الوقف، فلو أبقاه لنفسه مدة ووقفه بعدها صح، كـ: داري وقف بعد شهر أو عام مثلًا، وسوا بيته أو علقه على محقق، كـ: إذا جاء شهر كذا، أو على غير محقق، كـ: إذا قدم زيد. وحمل الوقف في الإطلاق على التقييد بتأجيل أو تخيير عليه؛ لمقارنته لفظ الإنشاء لمعناه، كتسوية أنثى بذكر عند الإطلاق في ربعه، كـ: هذا وقف على أولادي، وكالإقرار لهم؛ إذ الخروج عن التسوية يحتاج لدليل كالميراث. ولا يشترط فيه التأبيد، بل يصح وقفه مدة، ثم يرجع ملكًا، ففي

стр. 2858

الموازية والمجموعة عن عبد الملك: من قال: داري حبس على عقبي، وهو لآخرهم ملك، فهو لآخرهم كذلك. ولا يشترط في الموقوف تعيين مصرفه، فإن وقف ولم يعينه صح، وصرف ربعه في غالب مما يحبس أهل مكانه فيه، وإلا يكن لهم أوقاف أصلًا، أو لهم وليس لها غالب، فالفقراء يستحقونه دون غيرهم، ونحوه في المدونة. ولا يشترط عند عقد الوقف قبول مستحقه؛ لأنه قد لا يكون موجودًا، أو يكون مجنونًا أو صغيرًا، وقد لا يتصور منه القبول جملة، كالمسجد والقنطرة، إلا المعين الأهل للقبول، كـ: زيد البالغ الرشيد، فيشترط قبوله، فإن قبل فواضح، وإن رد كمنقطع من حبس عليه، فيرجع حبسا عند مالك لأقرب فقراء عصبة المحبس على المشهور (١). وقيل: يرجع ملكًا. واتبع شرطه، أي: الواقف وجوبًا إن جاز شرعًا، ولا يجوز العدول عنه، إلا أن يتعذر فيصرف في مثله، كما تقدم في القنطرة.

стр. 2859

[أمثلة الجائز: ] ومثل للجائز بقوله: كتخصيص أهل مذهبه، كـ: المالكية أو الحنفية مثلًا، أو تخصيص ناظر به، كـ: زيد مثلًا، أو شرط تبدئة فلان منه على غيره من الموقوف، بأن قال: يجري عليه من غلته كل عام كذا وكان للموقوف غلة كثيرة في عام، ولا غلة له في آخر بعده، فإنه يبدأ بكذا، وهو القدر الموقوف عليه فيأخذه عن العام الذي لا غلة فيه من العام الذي فيه فاضل غلة قبله، وهو مراده بقوله: وإن من غلة ثاني عام، وهذا إن لم يقل يجري عليه من غلة كل عام كذا، فإن قال ذلك وأتى عام لا غلة فيه لم يعط من غلة الذي قبله شيء. ونحو ما قررناه في معين الحكام والمتيطية واختصارها لابن هارون، وقد ذكرنا لفظه في الكبير، وبه يظهر لك ما في كلام الشارحين. أو شرط الواقف أن من احتاج من المحبس عليه باع حطه منه، اتبع شرطه، ويدخل في قوله: (من احتاج) الكل والبعض، وهو كذلك، ونحوه في اختصار المتيطية لابن هارون. تنبيه: من ادعى منهم الفقر أو الحاجة فعليه إثباته، ويحلف أنه لا مال له ظاهر ولا باطن، وحينئذٍ يمكن من بيعه، إلا أن يشترط الواقف تصديقه، فله البيع بدعواه، ولا يأبى هذا كلام المؤلف؛ إذ من ادعى الحاجة فلا بد له من إثباتها، ونحوه في اختصار المتيطية، ولعل المصنف إنما تركه لوضوحه. أو شرط إن تسور عليه قاض أو غيره من الولاه أو غيرهم رجع له، أي: للواقف ولوارثه إن مات. تنبيه: وكذلك لو شرط رجوعه صدقة لفلان عند التسور عليه اتبع شرطه، قاله المتيطي.

стр. 2860

[ما يرجع للواقف ملكًا: ] ثم شبه فيما يرجع للواقف ملكًا، فقال: كعلى ولدي ولا ولد له، يشمل مسائل: إحداهما: لمالك: إذا لم يكن له ولد حين الوقف وبلغ سنًّا لا يولد لمثله، أو حصل مانع من الولد بوجه. الثانية: لابن القاسم: أن يكون له ولد فيموت. الثالثة: إذا حبس على أولاده وأعقابهم فأنقرض ولده وأعقابهم وهو حي، قال في اختصار المتيطية: رجع الحبس إلى المرجع، إلا أن يولد له، فيرجع الحبس إلى ولده، ولا يوقف الحبس في الفترة بعد موت المحبس عليهم إلى أن يولد له؛ لاحتمال أن لا يولد له أصلًا؛ فيكون في إيقاف الغلة ضررًا على أهل المرجع. [شروط مهملة: ] ثم شرع في ذكر شروط لا يعمل بمقتضاها، عاطفًا ذلك على الجائز، فقال: لا بشرط إصلاحه على مستحقه، فلا يتبع شرطه، بل يلغى، ويصح الوقف، قال في المدونة: ومر سنة من غلته، وعلل بطلان الشرط برجوعه إلى الكراء المجهول، وصحة الوقف بأنه فات في سبيل اللَّه. ثم شبه بالمسألة السابقة مسألة أقامها شيوخ المدونة من المشبة بها، فقال: كأرض موظفة شرط أخذ ما وظف عليها من الموقوف عليه، فإن الشرط يبطل، ويصح الوقف، إلا أن يقول الواقف: يؤخذ ما عليها من التوظيف من غلتها، فيجوز على الأصح عند غير واحد، ومقابله المنع، والأول أصوب. ولما شارك ابن يونس غيره في التصحيح لم يقل المؤلف على الأرجح. أو شرط الواقف عدم بدء بإصلاحه ونفقته بطل شرطه؛ لأنه يؤدي لإبطال أصله، وما أدى لذلك لا يوفى به.

стр. 2861

[النفقة على الحبس: ] ثم تكلم على النفقة على الحبس بقوله: وأخرج الساكن الموقوف عليه للسكنى إن لم يصلح مسكنه، فيخرج ليكرى له قدر ما يصلح به، ثم يعود للسكنى بعد ذلك. البساطي: قوله: (للسكنى) من صلة الموقوف عليه، وقوله: (ليكرى) عاقبة، و (له): متعلق بقوله: (ليكرى)، والضمير للإصلاح. وأنفق في فرس لكغزو ورباط من بيت مال، ولا يلزم ذلك المحبس ولا المحبس عليه، فإن عدم بيت المال أو كان ولم يوصل إليه بيع، وعوض به سلاح، ونحوه مما لا يحتاج نفقة؛ إذ هو أقرب للخيل من غيره، ولغرض الواقف، كما يباع الفرس الحبس لو كلب: بكسر اللام، أي: أصابه الكلب، بحيث صار لا ينتفع به، والكلب: شيء يعتري الخيل كالجنون، ويشتري بثمنه سلاح. تنبيه: يحتمل أن جواز بيع الكلب الذي لا ينتفع به خاص بالحبس، وأن غيره لا يباع، كما تقدم أن من شرط البيع كونه منتفعًا به، ويحتمل جوازه مطلقًا. [بيع ما لا ينتفع به إلا العقار: ] وبيع أيضًا ما صار من الحبس إلى حال لا ينتفع به فيما وقف له، كالفرس بهرم، والعبد يعجز، والثوب يخلق من غير عقار، فإنه لا يباع كما يأتي. وإذا بيع غير العقار صرف ثمنه في مثله من فرس أو عبد مثلًا، إن بلغ ثمنه ذلك، أو شورك فيه في شقصه، إن لم يبلغ اتباعًا لفرض الواقف، وهذا إن وجد من يشتريه مشقصًا، وهذا في الفرس، وفي المدونة: إن الثوب إذا لم يبلغ ثمن ثوب آخر تصدق به، وهو خلاف ظاهر كلام المؤلف.

стр. 2862

وقال بعض القرويين: هما وفاق، فيحمل مسألة الثوب على ما إذا لم يوجد من يشتريه كذلك، ومسألة الفرس على ما إذا وجد. كأن أتلف الحبس من فرس أو ثوب بجناية، فما يؤخذ من الجاني يجعل في مثله أو شقصه، ويباع فضل الذكور عن النزو من نتاجها، وما كبر من الإناث في إناث توقف ليقسم ألبانها على المساكين. [عدم بيع العقار وإن خرب: ] لا عقار حبس فلا يباع، وإن خرب، ولا يناقل به، وإن خرب، وفي الرسالة: جواز ذلك. ولا يباع نقض: بكسر النون، ولو بغير خرب، وحكى ابن الحاجب في بيع النقض قولين. تنبيه: لم يتكلم الشارحان على المبالغة: هل هي في مسألة العقار فقط، أو فيه وفي النقض، وتعقب الثاني بعض من تكلم على هذا المحل (١)، قائلًا: ظاهر كلامه أنه في المسألتين. قال: لكني لم أره إلا في الربع الخرب. انتهى. ثم استثنى مما لا يجوز بيعه من العقار بقوله: إلا لتوسيع كمسجد ونحوه، فيباع العقار الحبس لذلك. وأظهر كلامه الجواز في كل مسجد، كان بمدينة أو لا، وهو كذلك فيهما، وإذا قلنا بالبيع فيباع ولو جبرًا بالقضاء، إن أبي مستحقه أو ناظره. وإذا أجبر على ذلك في الحبس ففي الملك أحرى، وأمروا -أي:

стр. 2863

المحبس عليهم ممن لهم ولاية ذلك- بجعل ثمنه الذي به في التوسعة لغيره، أي: لحبس غيره. [مسألة: ] ومن هدم وقفًا تعديًا فعليه إعادته كما كان، لا قيمته؛ لأن قيمته كبيعه، ولابن عرفة هنا مناقشة، انظرها في الكبير. وفهم من قوله: (وقفًا) أن من هدم ملكًا ليس كذلك، وهو كما أفهم، والحكم فيه لزوم قيمته لا إعادته. [ألفاظ الواقف: ] ثم شرع في بيان ألفاظ الواقف باعتبار ما يدل عليه، وذكر منها خمسة وعشرين لفظًا، فقال: وتناول الذرية في قول الواقف: وقفت على ذريتي الحافد، وهو ولد البنت. ابن العطار: اتفاقًا؛ لأن عيسى من ولد إبراهيم، قال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾، وهو ولد بنت. وحكى ابن رشد قولًا بعدم دخول ولد البنت، وهو ينقض الاتفاق، إلا أن يكون طريقًا. تتمة: قال ابن عرفة: إنه شاع في أوائل القرن -الذي هو فيه- الخلاف فيمن أمه شريفة (١) وأبوه ليس شريفًا: هل هو شريف أم لا؛ وأفتى أبو إسحاق بن عبد الرفيع (٢) قاضي بلدنا تونس بأنه غير شريف، وأفتي أبو علي

стр. 2864

منصور المدعو بناصر الدين (١) من فقهاء بجاية بثبوت شرفه، وتبعه جل أهل بلده، وخطَّأه ابن عبد السلام وغيره، وألف الفريقان في المسألة (٢). ثم ذكر عن نفسه أن له شرفًا ما أرفع من منزلة من ليست أمه شريفة، لا الشريف العرفي، انظر بقية كلامه في الكبير. وتناول ولدي فلان وفلانة، إذا سمى الذكور والإناث، ثم قال: وأولادهم الحافد عند مالك وجميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين، أي: بعود الضمير إلى جميعهم. ابن عرفة: هو الصواب.

стр. 2865

وخطأ ابن رشد قول ابن زرب: لا يدخلون، والدار مثلًا وقف على أولادي الذكور والإناث وأولادهم، يتناول الحافد، وحذفه من الأول والثاني لدلالة هذا الثالث. [ألفاظ لا تتناول الحافد: ] ثم ذكر ألفاظًا لا يتناول كل واحد منها الحافد، أشار لأحدها بقوله: لا نسلي، فلا يتناول وقفه عليهم الحافد، وإنما يتناول أولاده الذكور والإناث، ويتناول بعدهم ولد الولد الذكر والإناث، ولا يتناول من ينسب للواقف من جهة امرأة، سواء كانت ابنته أو ابنة ابنه. وضابط ذلك: أن كل ذكر أو أنثى يحول بينه وبين المحبس أنثى فليس بولد ولا عقب. وأشار لثانيها بقوله: وعقبي، فلا يتناول ولد البنات. ولثالثها بقوله: وولدي، والولد والعقب واحد، فمن حبس على ولده أو عقبه فهو حبس معقب، إذا حيز عنه في صحته، تناول أولاده الذكور والإناث، من كان منهم موجودًا يوم الحبس، ومن وجد بعد، ولا يتناول أولاد البنات. ولرابعها بقوله: وولد ولدي، لا يتناول ولد البنات، واختاره غير واحد. ولخامسها بقوله: وأولاد وأولادي، وليس مكررًا مع ما قبله؛ لأنهم إنما يتكلمون على بيان مقتضى ألفاظ الواقف، وهذا اللفظ غير الذي قبله. وأشار لسادسها بقوله: وبني وبني بني، لا يتناول أولاد البنات. الباجي: وعليه أصحاب مالك. وقيل: يتناولهم. وفي تناول ولدي وولدهم لولد البنات، وبه أفتى أهل قرطبة، وقضى

стр. 2866

به ابن السليم (١)، وعدم تناوله، وهو قول مالك: قولان.

стр. 2867

والفرق يين هذه وبين ولدي وولد ولدي: أن ضمير (ولدهم) يرجع ولدي، فيدخل ظاهر أولاد البنات، وهذا الضمير مفقود في ولد ولدي. وتناول الأخوة في قوله: وقف على أخوتي الأنثى من الأخوات، من جهة كانوا، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (١).

стр. 2868

وقد أجرى الإناث في الحجب مجرى الذكور، وتناول رجال أخوتي ونساؤهم الصغير والصغيرة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. وتناول بني أبي إخواته الذكور: أشقاء، أو لأب، وأولادهم، ظاهره: ذكورًا أو إناثًا. وتناول آلي وأهلي العصبة؛ لأن الثاني أصل للأول، فيدخل الابن والأب والجد والأخوة وبنوهم الذكور والأعمام وبنوهم، ويدخل من النساء من لو رجلت -أي: فرضت رجلًا- عصبت، وهن البنات والأخوات وبنات الابن وبنات العم، ولو بعدن، وهو المشهور. وفي بعض النسخ عصب بغير تاء التأنيث. ويتناول أقاربي أقارب جهته من قبل أبيه وأمه مطلقًا: ذكورًا وإناثًا، فيدخل كل من يقرب لأبيه من جهة أمه أو أبيه، وكل من يقرب لأمه من

стр. 2869

جهة أمها وأبيها، فتدخل العمات والأخوال والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. ثم بالغ على دخول الأقارب، ولو كانوا ذميين بقوله: وإن نصرى، لصدق اسم القرابة عليهم، وعزاه في الذخيرة لمنتقى الباجي عن أشهب، ولم أقف على هذا اللفظ، والذي في الصحاح: النصارى جمع نصراني ونصرانية، كالندامى جمع ندمان وندمانة. ثم قال: ولكن لم يستعمل نصران إلا بياء النسب؛ لأنهم قالوا: رجل نصراني وامرأة نصرانية. وتناول مواليه المعتق: بفتح التاء، فيدخل من باشر الواقف عتقه، وولده -أي: ولد هذا العتيق- ومعتق أبيه -أي: الواقف- ومعتق ابنه، وتناول قومه -أي: الواقف- عصبته، فلا تدخل الأنثى ولو كانت لو رجلت عصبت؛ ولذا قال: فقط، حكاه الباجي عن ابن شعبان. وتناول قوله: طفل وصبي وصغير من لم يبلغ، اعتبارًا بالعرف لا اللغة. وتناول قوله: شاب وحدث من بلغ وينتهي للأربعين، وهل بدخوله فيها، وإن لم تكمل، أو لكمالها؟ تقريران لابن عرفة والبساطي. ولما ذكر من الموقوف عليه من طفل إلى شاب ولم يبق غير صنفين كهول وشيوخ ذكر سن كل منهما، وهو يستلزم معرفة الحكم إذا وقف على واحد منهما، فقال: وإلا يكن سن مما سبق فكهل للسنين وإلا بأن زاد على سن الكهولة فشيخ إلى منتهى عمره، وشمل جميع ما تقدم من قوله وطفل إلى فشيخ الأنثى، فلا يختص الوقف على واحد منهم بالذكر، كالأرمل يشمل الذكر والأنثى، والملك في الموقوف للواقف. الباجي: هو لازم تزكية حوائط الأحباس على ملك محبسها. وقول اللخمي آخر الشفعة: الحبس مسقط ملك المحبس، قال ابن عرفة: غلط.

стр. 2870

لا الغلة فليست للواقف، بل لمن جعلها له، وإذا كان الملك للواقف وينتقل بعده لوارنه مسلوب المنفعة، فله ولوارثه منع من يريد إصلاحه، إذا خرب أو احتاج للإصلاح؛ لأن غير المالك لا يجوز له التصرف في ملك غيره بغير إذنه، ولا يفسخ كراؤه لزيادة. ظاهره: مطلقًا، وقيده في الجواهر بما إذا وقع الكراء على وجه الغبطة. ولا يقسم من كرائه إلا ماض زمنه؛ إذ لو دسم قبل مضيه لزم أن يعطي من لا يستحق إذا مات، وحرمان المولود والغائب. وظاهره: سواء كان على معينين أو على الفقراء وشبههم. [أمد الكراء: ] ثم تكلم على أمد كرائه بقوله: وأكرى ناظره لغير من مرجعه له، إن كان موقوفًا على معين كالسنتين، وإكراء لمن مرجعها كالعشر سنين ونحوها، وإن بنى محبس عليه في الحبس فإن مات ولم يبين كون بنائه ملكًا أو وقفًا فهو وقف، قل أو كثر، وهو لمالك في المدونة، ولا شيء لورثته فيه، وإن بين أن له فله، ويورث عنه. وقال ابن القاسم: هو لورثته. واستصوبه أكثرهم، وإذا وقف على من لا يحاط به، كالفقراء والمساكين وفي سبيل اللَّه وابن السبيل، أو وقف على قوم وأعقابهم، فإنهم وإن أحيط بهم لا يستوعبون. أو وقف على كولده أو ولد ولده وأخوته أو بني عمه، ولم يعينهم فضل المولى على الواقف، وهو ناظره في المسائل الثلاث، أهل الحاجة والعيال على غيرهم، ممن ليس كذلك في غلة وسكنى: متعلق بقوله: (فضل)، على المشهور، ومقابله لابن الماجشون: لا يفضل إلا بشرط من المحبس.

стр. 2871

وفهم من كلامه: أنه إذا عين كـ: (ولدي: زيد وبكر وهند) أن المولى يسوي بينهم. وفهم من قوله: (أهل الحاجة) تفضيله، ولو كان غيره أغنى منه. وفهم منه أيضًا: أن الغني لا يعطى شيئًا، وهو كذلك، ولو كان من فوقه أغنى منه، وهو أنزل بدرجة، كـ: أب غني وولد فقير، وأنهم لو استووا في الحاجة فلا تفضيل. واعتبار الحاجة في الابتداء لا في الدوام؛ ولذا قال: ولم يخرج ساكن سكن بوصف استقرار فقره، ثم استغنى لغيره، ممن هو محتاج. وقيده ابن شاس بما إذا لم يكن في الدار سعة، إلا بشرط من المحبس أن من استغنى خرج لغيره، فإنه يعمل بشرطه. أو حصول سفر انقطاع، كسفره ليقيم، فإن حقه يسقط، وأما لو سافر ليعود فإن حقه باق، أو حصول سفر بعيد؛ فإنه كسفر الانقطاع. وظاهر كلام المؤلف: ولو جهل حاله فيه؛ لأن غيبته محمولة على الانقطاع حتى يتبين خلافه في ظاهر قول مالك، وظاهر قول ابن القاسم محمول على الرجوع وعدم الانقطاع حتى يتبين خلافه. خاتمة: قال في التوضيح: من كان يسكن من أهل الحبس مع أبيه فبلغ، فإن كان قويًّا يمكنه الانفراد فله مسكنه من الحبس، وإن لم يتزوج إذا ضاق عليه مسكن أبيه، وأما من ضعف عن الانفراد فلا مسكن له، إلا أن يتزوج فله حقه في المسكن، وأما الإناث فلا مسكن لهن؛ لأنهن في كفالة الأب، قاله عبد الملك في المجموعة. * * *

стр. 2872

باب ذكر فيه الهبة وما يتعلق بها، وعرفها المصنف بقوله: الهبة تملك بلا عوض، نحوه قول اللخمي: نقل الملك بغير عوض. والعطية لثواب اللَّه في الدار الآخرة صدقة. تنبيه: قد علم من هذا الفرق بين الهبة والصدقة؛ لأن الهبة لا يقصد بها ذلك، وإن قصد بها ذلك فهي الصدقة، فحقيقتها مختلفة. [أركان الهبة: ] وأشار لأحد أركانها بقوله: وصحت في كل مملوك للواهب ينقل، أي: يقبل النقل شرعًا، فلا تصح في حر ومدبر وأم ولد واستمتاع بزوجة أو قز، وتعقب بجواز هبة ما لا يجوز نقل الملك فيه، كجلد الأضحية، وأجيب: بأن جلدها قابل للنقل، وإنما الممتنع نقله بوجه خاص، وهو البيع. وقال البساطي: لا تصح هبة ملك الغير، ويطلب الفرق بينه وبين صحة بيعه. انتهى. وقد يفرق بأن الصحة هنا غير مطلقة، بل مقيدة، ولذا قال: ممن له تبرع بها. وأشار به للواهب، وهو أحد أركانها؛ لأن ملك الغير ليس له تبرع به وتتبع، وبيع الفضولي غير مباح، كما في تنبيهات عياض، وقدمنا فيه في البيع عن ظاهر الطراز جوازه، واحترز بقوله: (تبرع بها) عن المحجور مطلقًا، أو مقيدًا كالصغير والمريض والزوجة في زائد الثلث. وتصح الهبة إن لم يكن الموهوب مجهولًا، بل وإن كان مجهولًا قدر أو صفة على المعروف من المذهب، وإن كان الموهوب كلبًا مأذونًا فيه.

стр. 2873

ابن عبد السلام: اتفاقا؛ لأنه يورث، وأما غير المأذون، فقال بهرام: الظاهر عدم جوازه. أو كان الموهوب دينًا صح على المشهور، وهو -أي: الدين بهبته- إبراء إن وهب لمن هو عليه. وظاهره: أنه لا يحتاج إلى قبول وهبته للثواب كبيعه، وإلا بأن وهبه لغير من هو عليه فكالرهن في قبضه، فيصح إن أشهد له بذلك، وجمع بينه وبين غريمه، ودفع له ذكر الحق، إن كان معه أو عنده. عبد الحق: دفع ذكر الحق شرط في الصحة. وقال ابن العطار: كمال. ورهنًا: بالنصب عطفًا على مجهولًا، فيصح هبته، إن لم يقبض للمرتهن؛ إذ لا يتم الرهن إلا بحوز، وهو أحق به من المرتهن، إن كان الراهن موسرًا، وإليه أشار بقوله: وأيسر راهنه، وأما لو كان معسرًا لكان مرتهنه أحق به. تنبيه: إنما أبطلت الهبة الرهن مع تأخرها عنه لأننا لو أبطلناها ذهب الحق جملة، بخلاف الرهن، لو أبطلناه لم يذهب حق المرتهن، أو رضي مرتهنه بدفعه للموهوب له بعد قبضه منحت هبته، ولو كان الواهب معسرًا. وإلا بأن قبض المرتهن الرهن قضي عليه -أي: على الراهن- بفكه، كذا في المدونة، وقيدها بعض القرويين بما إذا لم يكن الدين عرضًا، وأما إن كان عرضًا مؤجلًا فلا يجبر المرتهن على أخذها، ويبقى رهنًا. وإلى هذا أشار بقوله: إن كان الدين مما يعجل، كفرض حال أو دنانير ودراهم، وإلا بأن كان العرض مؤجلًا لم يقبض على الراهن بفكه، وبقي رهنًا بيد مرتهنه لبعد الأجل، فيقضي الراهن الموسر الدين، ويأخذ الموهوب له الرهن، وليس له أن يعطي رهنًا آخر.

стр. 2874

تنكيت: قول البساطي: (مفهوم لم يقبض لو قبض لم يصح الرهن وسيصرح بخلاف ذلك) عجيب منه؛ لأن الذي وعد بالتصريح به هو قوله: (وإلا قضي بفكه). [صيغة الهبة: ] ثم أشار إلى ركن من أركانها، وهو الصيغة بقوله: بصيغة كلفظها، وما تصرف منه، كـ: وهبت، وأنا واهب، وهبة، أو مفهمها، كـ: أعطيت، وبذلت، ونحلت، وكالمعاطاة، وإن كان إفهام ذلك بفعل؛ إذ المقصود الرضى، فأي شيء دل عليه اعتبر. تنبيه: قال في الذخيرة: ظاهر مذهبنا الجواز، وإن تأخر القبول عن الإيجاب؛ لما سيأتي من إرسالها للموهوب له مع الرسول. ومثل للفعل بقوله: كتحلية ولده بحلي، فإنه له دون بقية ورثة أبيه إن مات أبوه، وفي بعض النسخ كتحلته، فهو مثال لمفهمها. ولما كان كل فعل لا يدل على نقل الملك، قال: لا بِابْنِ مع قوله داره، أي: لا ينتقل الملك بقول رجل لولده: ابْنِ في هذه العرصة دارًا مثلًا، ففعل في حياة أبيه، وصار أبوه يقول لما بنى: ابني داره كذا وكذا، فإن الابن لا يستحق العرصة بذلك، وهي موروثة، وليس للابن الباني إلا قيمة عمله متفوضًا، قاله ابن مزين (١).

стр. 2875

وحيز الموهوب، ولو كان الحوز حكمًا، كما تقدم في الحبس، وصحت الهبة، وإن كان الحوز بلا إذن من الواهب؛ لأن المذهب لغو التحريز في الحوز. [تأخير الحوز: ] وبطلت هبته، إن تأخر حوزها، وغاية التأخير المبطل لدين محيط بمال الواهب، ولو لم يحكم القاضي بفلسه، أو تأخير حوزها حتى وهب الواهب لثان، وحاز الثاني بطلت هبتها للأول عند أشهب ومحمد، وأحد قولي ابن القاسم. وظاهره: علم الأول وفرط أو لا، مضى من الزمان ما يمكن فيه القبض أو لا، وهو كذلك. أو اعتق الواهب الرقيق الموهوب قبل حوز الموهوب له، علم الموهوب أم لا، كان العتق ناجزًا أو لأجل، كتابةً كان أو تدبيرًا، وهو كذلك. أو استولد الواهب الأمة قبل الحوز، ولا قيمة للموهوب له على الواهب في المسائل الثلاث. وقال الشارح في العتق والاستيلاد. أو استصحب الواهب هدية لغائب عنه، أو أرسلها له مع رسول فمات الواهب المستصحب لها، أو رسوله، أو مات الموهوب له المعينة له قبل دخولها إليه في صورتي الاستصحاب والإرسال بطلت الهبة في الصور الأربع، إن لم يشهد واهبها على ما أرسل، ورجعت له إن كان حيًّا أو لوارثه لفوات الحوز إن مات الواهب، وعدم القبول إن مات الموهوب له. ويحتمل قوله: (المعينة له) أي: بأن القول لفلان، لا لوارثه ولا لغيره. ومفهوم الشرط: عدم البطلان في الصور الأربع، إن أشهد، ثم تكون للمرسل إليه أو وارثه، فهذه ثمان صور.
следующие страницы →