Полный текст (3 498 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
[مسألة: ]
ومن ادعى أن الأبق له، ولم يقم على دعواه بينة، أخذه إن لم يكن إلا دعواه إن صدقه، ولا منازع له.
ابن يونس: بعد التلوم، ويضمنه إياه.
وليرفع للإمام إذا لم يعرف آخذه مستحقه، إن لم يخف آخذه ظلمه، فإن خاف ذلك لم يرفع للإمام، وإن أتى رجل بكتاب قاض إلى قاض آخر، أو إلى من يلي أمور الناس في ذلك الموضع، أنه قد شهد عندي أن صاحب كتابي هذا فلان هرب منه عبد: صفته كذا، حلاه ووصفه، وعند القاضي المكتوب إليه عبد محبوس بهذه الصفة، فليدفع هذا العبد إليه بذلك، ويقبل البينة والكتاب الذي فيه الصفة، ونحوه في المدونة، واللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه القضاء وشروطه وما يتعلق به، قال في الذخيرة: وهو من العقود الجائزة من الطرفين، كالجعالة والقراض قبل الشروع في كل منهما والمغارسة والتحكيم والوكالة. انتهى.
وهو لغة الحكم، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، أي: حكم، ولم يحده المصنف (١) .
قال ابن رشد وغير واحد: الحكم بين الناس والعدل من أفضل أعمال البر وأعلى درجات الأجر، والجور فيه واتباع الهوى من أكبر الكبائر؛ لخبر عج حجر إلى ربه، قال: يا رب، عبدتك خمسين عامًا، وجعلتني في الحواشي
(١) وحده: الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام، ينظر: مغني المحتاج (٦/ ٨٦).стр. 2907
كنيف، قال: أوَلم ترض أن عدلت عنك عن معاطب القضاة (١) .
وهو محنة، من دخل فيه ابتلي بعظيم؛ لتعريضه نفسه للملاك إذ التخليص فيه عير؛ لخبر النسائي عنه ﷺ : "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رجل عرف الحق وقضى به؛ فهو في الجنة، ورجل عرف الحق، ولم يقض به، فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق، وقضى للناس بالجهل، فهو في النار" (٢) .
ابن عبد السلام: أكبر الخطط الشرعية في زماننا أسماء شريفة على مسميات حسية.
[صفات القاضي: ]
ولما كان مستحق القضاء من اجتمعت فيه أربعة أوصاف، قال المصنف: أهل القضاء:
[١] عدل، ولو عتيقًا عند الجمهور، وعن سحنون: المنع؛ لاحتمال أن يستحق، فترد أحكامه، والعدالة وصف مركب من خمسة أوصاف:
- الإسلام.
- والبلوغ.
- والعقل.
- والحرية.
- وعدم الفسق. الحواشي
(١) لم أقف عليه.(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٩، رقم: ٣٥٧٣)، والترمذي (٣/ ٦١٣، رقم: ١٣٢٢)، والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٦١، رقم: ٥٩٢٢)، وابن ماجه (٢/ ٧٧٦، رقم: ٢٣١٥)، والطبراني (٢/ ٢٠، رقم: ١١٥٤)، والحاكم (٤/ ١٠١، رقم: ٧٠١٢) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (١٠/ ١١٦ رقم: ٢٠١٤١) وأخرجه أيضًا: الروياني (١/ ٩٤ رقم: ٦٦) والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٩، رقم: ٦٧٨٦).стр. 2908
[٢] ذكر: لا امرأة (١) ؛ لخبر البخاري: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم الحواشي
(١) هذه المسألة تعد من أمات المشاكل في العصر الحاضر، حتى إن بعض المفتين قد فتن قلبه وعميت بصيرته إرضاءً للغرب الكافر، وطلبًا للتقرب منه، وقد وجدت بعض الأخوة من أهل العلم، وهو الشيخ عبد الرحمن السحيم، قد كتب فيها بحثًا جيدًا، فرأيت نقله مع تصرف يسير؛ لأنه بحق قد استقصى المسألة، وأحاط بجوانبها، وقد كنت قبل الوقوف عليه نقلت نص ابن العربي في تحريم تولي المرأة القضاء في شرحه آية: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾، يقول الشيخ السحيم: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
المنع مطلقًا، وهو قول الجمهور (الحنابلة والشافعية والمالكية وزفر من الحنفية)، قال ابن قدامه: (أحدها: الكمال وهو نوعان: كمال الأحكام وكمال الخلقة، أما كمال الأحكام فيعتبر في أربعة أشياء أن يكون بالغًا عاقلًا حرًّا ذكرًا).
قال الإمام القرافي: (وهو أن يكون ذكرًا لأن يقضي الأنوثة يمنع من زجر الظالمين وتنفيذ الحق).
قال الفيروزآبادي: (وينبغي أن يكون القاضي ذكرًا. . .).
أدلة هذا القول:
١ - قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
وجه الاستدلال:
أن (أل) هنا للاستغراق فتشمل جميع النساء والرجال في جميع الأحوال والأصل وجوب العمل بالعام حتى يأتي ما يخصصه ولا مخصص هنا، قال الإمام ابن كثير عليه رحمة اللَّه: (أي: هو رئيسها، وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذ اعوجت، بما فضل اللَّه بعضهم على بعض أي: لأن الرجال أفضل من النساء والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم لقوله ﷺ : "لم يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. . . " وكذا منصب القضاء، وغير ذلك، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: من المهور، والنفقات والكلف التي أوجبها اللَّه عليهن في كتابه، وسنة نبيه ﷺ ، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها، والإفضال، فناسب أن يكون قيمًا عليها كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵃: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ "يعني: أمراء عليها أن تطيعه فيما أمرها به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهلها حافظة لماله".
٢ - قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ =стр. 2909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٣) ﴾ [النمل: ٢٣].
وجه الاستدلال:
أ - استنكار الهدهد لوجود امرأة تحكم هؤلاء القوم.
ب - إزالة سليمان ﵇ لملكها ولو كان ذلك سائغًا لأقرها عليه ودعاها للإسلام فقط ولكنه قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾.
ج - أنه أخذ ملكها خلسة بإرسال الجن له ولو كان حكمها جائز لما أزاله بالخلسة.
٤ - قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى(٣٣) ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
وجه الاستدلال:
أن اللَّه أمر المرأة بالقرار في البيت والقضاء يوجب خروجها واختلاطها بالرجال بالبروز لهم مما ينافي الآية.
وقال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾: (أي: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة).
روى البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "قد أذن اللَّه لكن أن تخرجن لحوائجكن".стр. 2910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = يقول العيني في شرح هذا الحديث: (قال ابن بطال: في هذا الحديث دليل على أن النساء يخرجن لكل ما أبيح لهن الخروج، من زيارة الآباء والأمهات وذوي المحارم، وغير ذلك مما تمس به الحاجة).
٥ - من السنَّة: فلم يرد عن النبي ﷺ أنه ولى امرأة على القضاء أو إحدى الولايات العامة ولو كان ذلك حقًا لها لما حرمها منه النبي ﷺ .
٦ - قوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، وذلك عندما أخبر أن بنت كسرى تولت الحكم بعد أبيها.
وجه الاستلال:
أن النبي ﷺ جعل من أسباب عدم الفلاح تولي المرأة للولايات العامة والقضاء نوع من أنواع الولاية وإن كان الحديث جاء في موقف خاص فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال الصنعاني -رحمه اللَّه تعالى-: "فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقومها توليتها لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب".
قالت لجنة كبار علماء الأزهر في شرحها للحكم المستنبط من هذا الحديث: (وظاهر أن الرسول لا يقصد مجرد الإخبار عن عدم فلاح هؤلاء القوم الذين يولون المرأة أمرهم لأن وظيفته ﵊ بيان ما يجوز لأمته أن تفعله حتى تصل إلى الخير والفلاح، وما لا يجوز لها أن تفعله حتى تسلم من الشر والخسارة، وإنما يقصد نهي أمته عن مجاراة الفرس في إسناد شيء من الأمور العامة إلى المرأة، وقد ساق ذلك بأسلوب من شأنه أن يبعث القوم الحريصين على خلاصهم وانتظام شملهم على الامتثال، وهو أسلوب القطع بأن عدم الفلاح ملازم لتولية المرأة أمرًا من أمورهم، ولا شك أن النهي المستفاد من الحديث يمنع كل امرأة في كل عصر من العصور أن تتولى أي شيء من الولايات العامة، وهذا العموم تفيده صيغة الحديث وأسلوبه كما يفيده المعنى الذي كان من أجله المنع. وهذا ما فهمه أصحاب النبي وجميع أئمة السلف، لم يستثنوا من ذلك امرأةً ولا قومًا ولا شأنًا من الشؤون فهم جميعًا يستدلون بهذا الحديث على حرمة تولي المرأة الإمامة الكبرى والقضاء وقيادة الجيوش وما إليها من الولايات العامة).
٧ - قول النبي: "والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها".
وجه الدلالة:
بيان أن أهم واجبات المرأة العامة التي تسأل عنها بين يدي اللَّه تعالى (ديانة) هي على مسؤوليتها عن بيتها، وهو صريح في أن هذا هو الواجب المقدم على غيره، ثم قام بالمنع من غيره في الولاية العامة ما تقدم من الأدلة، ويعضد هذا: صيغة الحديث من =стр. 2911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = مبدئها حيث بينت مسؤولية الواجبات على أفراد المؤمنين رجالًا ونساءً في الجملة -أعني الواجبات الاجتماعية بين الناس مع بعضهم- إذ قال: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، والمرأة. . . ".
قال البغوي في شرح السنَّة: (معنى الراعي هنا: الحافظ المؤتمن على من يليه؛ أمرهم النبي بالنصيحة فيما يلونه وحذرهم الخيانة فيه بإخباره أنهم مسؤولون عنه، فالرعاية: حفظ الشيء وحسن التعهد، فقد أستوى هؤلاء في الاسم (الراعي) وإن كانت معانيهم فيه مختلفة فرعاية الإمام: ولاية أمور الرعية، والحياطة من ورائهم وإقامة الحدود والأحكام فيهم، ورعاية الرجل أهله: بالقيام عليهم في النفقة وحسن العشرة، ورعاية المرأة في بيت زوجها بحسن التدبير في أمر بيته والتعهد لخدمته وأضيافه).
والحديث ظاهر في أن الأصل في المرأة العمل داخل البيت لا خارجه، وما عداه فيحتاج فيه إلى المبرر على الخروج، والولاية العامة قد علم الناس جميعًا أن الأصل فيها الخروج والبروز لا البقاء في البيت، ولأحمد من حديث أبي هريرة أن النبي قال: "ما من راع يسأل يوم القيامة أقام أمر اللَّه أم أضاعه"، ولابن حبان بسند صحيح عن أنس: "إن اللَّه سائل كل راع استرعاه حفظ ذلك أو ضيعه".
ويؤيد هذا الأصل المفهوم من الحديث ما قرره ابن حجر ﵀ في شرح هذا الحديث: "قوله: "المرأة راعية في بيت زوجها" إنما قيد بالبيت لأنها لا تصل إلى ما سواه غالبًا إلا بإذن خاص". فإن تولته تكون مضيعة -في الغالب- لواجبها الأهم، ولقد جعل الإمام السيوطي هذا الحديث بمثابة تحديد الوالي والمولى عليه آخذًا ذلك من لفظ (راع) المستدعي رعيته، فقال: "كلكم راع" أي: حافظ مؤتمن صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره".
٨ - قوله: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل عمل الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى في الناس على جهل، فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار"؛ قال مجد الدين ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: "وهو دليل على اشتراط كون القاضي رجلًا".
وقال في النيل: "دل بمفهومه على خروج المرأة".
أي: من جواز أن تكون قاضية لقول الرسول: "رجل علم الحق، ورجل قضى في الناس على جهل، ورجل عرف الحق. . . ".
٩ - إجماع الصحابة ﵃ فلم يرد مخالفة لهم في المسألة والنبي ﷺ يقول: "عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". =стр. 2912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وما هذا الإجماع إلا تطبيقًا لما فهمه الصحابة ﵃ من النبي ﷺ .
١٠ - أن المرأة تعرض لها عوارض مستمرة كالحيض والحمل والرضاع ونحوها مما قد يؤثر في الحكم بين الناس.
١١ - أنه ثبت واقعيًا عدم تحمل المرأة النظر في بعض القضايا التي فيها قتل ودماء ونحوها وذكر المستشار المصري محمد رأفت عثمان: أن إحدى القاضيات أغمي عليها في مجلس القضاء عندما كانت تحكم في قضية قتل.
القول الثاني:
جواز توليها القضاء فيما تصح شهادتها فيه (سوى الحدود والقصاص) وهو قول الأحناف وابن قاسم من المالكية.
قال الإمام الكاشاني: (وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص لأنه لا شهادة لها في ذلك وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة).
أدلتهم:
قياس القضاء على الشهادة فأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة. . . وهذا أقوى دليل لديهم. . .
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. . .﴾ [النساء: ٥٨].
وجه الاستدلال:
أن الآية عامة فتشمل الرجال والنساء ومن أعظم الأمانات أمانة القضاء.
وقوله ﷺ : "النساء شقائق الرجال".
وجه الاستلال:
أن الآية عامة فلم تفرق بين القضاء وغيره.
وقوله: "والمرأة راعية في بيت زوجها. . . ".
وجه الاستدلال:
فقالوا بما أن النبي ﷺ قد جعل لها الولاية في بيت زوجها فهذا دليل على أنها أهل للولاية.
القول الثالث:
الجواز المطلق وهو قول ابن حزم الظاهري وابن جرير الطبري وهو قول عند الأحناف.
قال ابن حزم ﵀: (- مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ أَنْ تَلِيَ الْمَرْأَةُ الْحُكْمَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ رُوِيَ، عَنْ عُمَرَ بْن الْخَطَّاب أَنَّهُ وَلَّى الشِّفَاءَ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِهِ السُّوقَ.
فإن قيل: قَدْ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إلَى امْرَأَةٍ". =стр. 2913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٢) ﴾.
وقولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(٣٤) ﴾ [النمل: ٣٤].
٣ - قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(٥٨) ﴾ [النساء: ٥٨].
وجه الاستدلال:
أن اللَّه أمر بأداء الأمانات ومن أعظم الأمانات أمانة القضاء ثم إن اللفظ عام فيشمل المرأة والرجل على حد سواء.
٤ - استشارة النبي ﷺ لأم سلمة في عمرة الحديبية عندما رفض أصحابة التحلل فأشارت عليه أن يفعل التحلل أمامهم ويذبح الهدي ففعل ﵊ واستجاب الصحابة له.
وجه الاستدلال:
أن أم سلمة أظهرت حكمتها واستجاب لها النبي ﷺ فدل على وجود الحكمة عند النساء فلا يمنع من توليها للقضاء.
٥ - خروج عائشة ﵂ قائدة للجيش في معركة الجمل.
وجه الاستشهاد:
أن عائشة ﵂ تولت قيادة الجيش ولو كان تولي المرأة للمناصب القيادية غير جائز لما تولت عائشة ﵂ قيادة الجيش ومن تلك المناصب منصب القضاء.
٦ - أن عمر بن الخطاب ﵁ ولى امرأة اسمها الشفاء محتسبة في السوق فلو كان تولي المرأة للمناصب الكبرى محرمًا لما فعل عمر ذلك.
٧ - مشاركة الصحابيات في الجهاد أيام النبي ﷺ فدل ذلك على تحمل المرأة للمشاق وقدرتها على ذلك. . =стр. 2914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٣) ﴾.
أم في ذِكر بعثها للرشوة باسم الهدية؟ ! كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ(٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ(٣٦) ﴾. =стр. 2915
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٤) ﴾ [النمل: ٤٤].
فلما أسلمت مع سليمان لم يعُد لها مُلك، بل صارت تحت حُكم سليمان ﵊.
الجواب على الدليل الثالث:
وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. . .﴾.
نرد عليه من وجهين:
١ - أن الآية عامة وقد ورد التخصيص بالأدلة الواردة في النهي عن تولي المرأة الولايات العامة كما سبق ذكرها في القول الأول.
٢ - ثم إنه لو صح الاستدلال بهذه الاية على جواز تولي المرأة للقضاء لصح الاستدلال بها على جواز تولي المرأة للولاية العامة وهذا باطل بإجماع العلماء.
ومن النكت المفيدة في هذه المسألة:
ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢].
وقال الجصاص ﵀: "من التمني المنهي عنه أن يتمنى ما يستحيل وقوعه، مثل أن تتمنى المرأة أن تكون رجلًا أو تتمنى حال الخلافة والإمارة ونحوها من الأمور التي قد أعلم أنها لا تكون ولا تقع) اهـ.
قال الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى-: "فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها اللَّه بين عباده على مقتضى إرادته وحكمته البالغة".
وعلى هذا؛ فتصوير أمر الولاية في ميدان بحثنا على أنها أنانية من الرجل واستبداد منه، وعنفوان من قبله -ما هو إلا نوع مجازفة وانسياق غريب وخطير وراء الإرهاب الفكري والإعلامي الغربي العام، وذوبان ثقافي في الشعارات الثقافية الوافدة. . وهل =стр. 2916
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٢) ﴾ [النساء: ٣٢].
الجواب على الدليل الرابع:
أما استدلالهم باستشارة النبي ﷺ لأم سلمة فليس فيه دليل على مسألتنا.
فما وجه الدلالة أن يكون سماع الرسول لمشورة أم سلمة دليلًا على جواز انتخابها وترشيحها. . وهل جعل الى سول أم سلمة عضوًا يستشار، وهل كان لها ولأمهات المؤمنين مشورة في سياسة الأمة وهل كان لهما مع الصديق والفاروق ونظرائهم من الرجال رأي في اختيار الأمراء والوزراء، وإعداد الجيوش ونظام بيت المال! ! ولم يقل أحد: إنه يحرم لدي سلطان أن يستشير زوجته في شأن ما، أو يأخذ رأي النساء في قضية من القضايا كما للمرأة الحق في أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدل على الخير. . .
ولكن أن يكون لها الحق أو عليها الواجب أن تتولى ولاية عامة إمارة أو وزارة، أو قضاء، أو تكون عضوًا في مجلس تشريعي. . فليس في هذه القصة دليل على هذا الأمر.
الجواب على الدليل الخامس:
وهو تولي عائشة ﵂ لقيادة الجيش في معركة الجمل.
والجواب أنها لم تخرج أميرة ولا حاكمة ولا كان الجيش الذي هي فيه يرى إمامًا لهم غير علي بن أبي طالب ﵁ فقد كان بالجيش طلحة والزبير وهما اللذان كانا على رؤوس الناس، وإنما خرجوا للإصلاح وظنوا أن وجود أم المؤمنين معهم أنفع في جمع الكلمة، وتجنيب المسلمين الحرب ثم كان ما كان مما لم يقع في الحسبان.
هذا وقد ندمت أم المؤمنين ﵂ على هذا الخروج، ولامها كبار الصحابة، وجاء الحديث النبوي بالتحذير من هذا الخروج، فكيف يكون هذا دليلًا على تولي المرأة الولايات العامة.
أخرج عبد اللَّه بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي شيبة وابن سعد عن مسروق قال: كانت عائشة ﵂ إذا قرأت: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ بكت حتى تبل خمارها وما ذاك إلا لأن قراءتها تذكرها الواقعة التي قتل فيها كثير من المسلمين، وهذا كما أن الزبير ﵁ أحزنه ذلك فقد صح أنه ﵁ لما وقع الانهزام على من مع أم المؤمنين ﵂ وقتل من قتل من الجمعين طاف في مقتل القتلى فكان يضرب على فخذيه ويقول: يا =стр. 2917
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا، وليس بكاؤها عند قراءة الآية لعلمها بأنها أخطأت في فهم معناها أو أنها نسيتها يوم خرجت كما توهم بعضهم، وقد ينضم لما ذكرناه في سبب البكاء (أن النبي ﷺ قال يومًا لأزواجه المطهرات وفيهن عائشة ﵂: "كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب"، ولم تكن سألت قبل المسير عن الحوأب هل هو واقع في طريقها أم لا حتى نبحتها في أثناء المسير كلاب الحوأب، عند ماء فقالت لمحمد بن طلحة: ما اسم هذا الماء، فقال: يقولون له حوأب، فقالت: أرجعوني، وذكرت الحديث وامتنعت عن المسير وقصدت الرجوع، فلم يوافقها أكثر من معها ووقع التشاجر).
الجواب على الدليل السادس:
استدلالهم بقصة تعيين عمر للشفاء محتسبة في السوق فالرد عليها من وجهين:
١ - القصة ضعيفة السند وقد أوردها ابن حزم بصيغة التمريض (روي) بخلاف صنيعه مع الأدلة الصحيحة وقال الإمام ابن العربي في التعليق على هذه القصة: (وهي من دسائس المبتدعة).
والأثر المروي عن الشفاء ﵂ ذكره ابن الجوزي في تاريخ عمر وابن عبد البر في الاستيعاب وتبعه ابن حجر في الإصابة كلهم بدون إسناد ولا عزو لأحد ولم يذكره ابن سعد في ترجمتها ولا ابن الأثير في أسد الغابة ولا الطبراني في المعجم الكبير، كما أنه ورد بصيغة التمريض كما أسلفت (رُوي).
٢ - ثم إن ابن حزم لا يرى حجية قول الصحابي فكيف يستدل بفعل عمر في هذه المسألة.
الجواب على الدليل السابع:
أن هذا في الجهاد وليس له علاقة بمسألتنا. . ونحن لا نختلف على وجود بعض النساء ذات تحمل وقوة ولكن الأصل في النساء خلاف ذلك والعبرة بالأعم الأغلب لا بالقليل النادر.
الجواب على الدليل الثامن:
وهذا من أعجب الأدلة فكيف يستدل بمثل هذه الحوادث التاريخية وتترك الأدلة من الكتاب والسنَّة فليس لهذه الحوادث الحق في تشريع الأحكام للمسلمين.
أما شجرة الدر أم خليل التركية فقصتها معلومة، فهي في الأصل كانت مملوكة محظية للملك الصالح نجم الدين أيوب -رحمه اللَّه تعالى- وكانت لا تفارقه سفرًا ولا حضرًا من شدة محبته لها، ومات ولدها منه وهو صغير، وبعد مقتل ابنه توران شاه على أيدي المماليك بعد شهرين من توليه الحكم تولت الديار المصرية مدة ثلاثة أشهر، فكان يخطب لها وتضرب السكة باسمها، وقد تزوجت عز الدين التركماني وصار هو =стр. 2918
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الملك، ولما علمت أنه يريد الزواج عليها بابنة صاحب الموصل أمرت جواريها أن يمسكنه لها فما زالت تضربه بقباقيبها والجواري يعركن في بطنه حتى مات وهو كذلك، ولما سمع مماليكه أقبلوا بصحبة مملوكه الأكبر سيف الدين قطز فقتلوها وألقوها على مزبلة. فامرأة مثل هذه تتخذ قدوة لنا؟ !
ويضاف هنا في الرد على هذا القول:
أن القول المنسوب للإمام ابن جرير فيه اضطراب فلم يوجد هذا القول في تفسيره بل أنكره الإمام القرطبي وابن العربي. .
يقول الإمام ابن العربي: (ونقل عن محمد بن جرير الطبري وإمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية ولم يصح ذلك عنه، ولعله كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضي فيما تشهد فيه المرأة وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة في الحكم إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستبانة في القضية الواحدة، بدليل قوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير).
٢ - جزم بعدم صحة ذلك لابن جرير الطبري المفسر القرطبي ﵀ حيث قال: (ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح عنه ذلك).
مناقشة أدلة القول الأول:
إن القول الأول الذي رجحناه في هذا البحث أدلته واضحة بينة وقد رددنا على جزء من الشبه المثارة حولها في ثنايا البحث وذلك عند ذكر الأدلة.
ولكن أكثر ما ورد عليه النقاش هو الاستدلال بحديث أبي بكرة ﵁ وهو:
ما رواه البخاري -بإسناده- عن أبي بكرة ﵁ قال: لقد نفعني اللَّه بكلمة سمعتها من رسول اللَّه ﷺ أيام الجمل بعدما كِدت أن ألْحَق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم- قال: لما بلغ رسول اللَّه ﷺ أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".
وسأذكر الآن ما ورد على هذا الحديث من شبه وأذكر الرد عليها في حينه مستعينا باللَّه تعالى:
الشبهة الأولى:
لماذا لم يتذكر أبو بكرة راوية الحديث هذا الحديث إلا بعد ربع قرن وفجأة وفي ظل ظروف مضطربة؟
الجواب:
لم ينفرد أبو بكرة ﵁ بهذا الأمر، فقد جاء مثل ذلك عن عدد من الصحابة، أي =стр. 2919
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أنهم تذكّروا أحاديث سمعوها من النبي ﷺ ، ولم يرووها إلا في مناسباتها، أو حين تذكّرها.
فمن ذلك:
١ - ما قاله حذيفة ﵁ قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ مقامًا ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلَّا حدَّث به، حَفِظَه مَنْ حَفِظَه، ونَسِيَه مَنْ نَسِيَه، قد علمه أصحابي هؤلاء، إنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأرأه فأذكُره كما يذكُر الرجل وجْهَ الرَّجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عَرَفَه.
٢ - وروى مسلم عن عمرو بن أخطب قال: صلَّى بنا رسول اللَّه ﷺ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلَّى نم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأخبرنا بما كان وبما هو كائن فأعلمنا أحفظنا.
٣ - ما فعله عبد اللَّه بن الزبير ﵄ حينما تولّى الخلافة سنة ٦٤ هـ، فإنه أعاد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فإن النبي ﷺ ما تَرَك ذلك إلا لحدثان الناس بالإسلام، فلما زالت هذه العِلّة أعاد ابن الزبير بناء الكعبة.
وشكّ عبد الملك بن مروان في ذلك فهدم الكعبة، وأعاد بناءها على البناء الأول. .
روى الإمام البخاري أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل اللَّه ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول سمعتها تقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا عائشة، لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحِجْر، فإن قومك قصروا في البناء"، فقال الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فأنا سمعت أم المؤمنين تحدِّث حذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير.
فهذا عبد الملك يعود إلى قول ابن الزبير، وذلك أن ابن الزبير لم ينفرد بهذا الحديث عن عائشة ﵂، وإنما رواه غيره عنها.
هذا من جهة ومن جهة أخرى لم يقُل عبد الملك بن مروان لِمَ لَمْ يتذكّر ابن الزبير هذا إلا بعد أن تولّى، وبعد ما يزيد على خمسين سنة بعد وفاة النبي ﷺ !
إلى غير ذلك مما لا يُذكر إلا في حينه، ولا يُذكر إلا في مناسبته.
ثم إن أبا بكرة ﵁ لم ينفرِد برواية الحديث، شأنه كشأن حديث عائشة في بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، إذ لم ينفرد به ابن الزبير عن عائشة.
فحديث: "لا يُفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة" قد رواه الطبراني من حديث جابر بن سمرة ﵁. فزالت العِلّة التي علّلوا بها، وهي تفرّد أبو بكرة بهذا الحديث، ولو تفرّد فإن تفرّده لا يضر، كما سيأتي -إن شاء اللَّه-. =стр. 2920
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الشبهة الثانية:
زعم بعضهم أن الحديث مكذوب، فقال: الكذب في متن الحديث فهو القول بأن النبي ﷺ قاله لما بلغه أن الفرس ولوا عليهم ابنة كسرى. في حين أنه ليس في تاريخ الفرس أنهم ولوا عليهم ابنة كسرى ولا أية امرأة أخرى.
الجواب:
هذا أول قائل إن في البخاري حديثًا موضوعًا مكذوبًا، ولولا أنه قيل به لما تعرّضت له! لسقوط هذا القول، ووهاء هذه الشبهة!
فإن كل إنسان يستطيع أن يُطلق القول على عواهنه، غير أن الدعاوى لا تثبت إلا على قدم البيِّنة وعلى ساق الإثبات.
فإن قوله: (في حين أنه ليس في تاريخ الفرس أنهم ولوا عليهم ابنة كسرى ولا أية امرأة أخرى).
دعوى لا دليل عليها ولا مستند سوى النفي العام!
في حين أن القاعدة: الْمُثبِت مُقدَّم على النافي.
وكُتب التاريخ قبل كُتب الحديث تنص على ذلك.
قال ابن جرير الطبري في التاريخ: ثم ملكت بوران بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان.
وقد عَقَد ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) بابًا قال فيه: ذكر ملك (بوران) ابنة ابرويز بن هرمز بن أنوشروان. ثمٍ قال: لما قُتِل شهريراز مَلَّكَتْ الفرس (بوران) لأنهم لم يجدوا من بيت المملكة رجلًا يُمَلِّكونه، فلما أحسنتْ السيرة في رعيتها، وعدلتْ فيهم، فأصلحت القناطر، ووضعت ما بقي من الخراج، وردّت خشبة الصليب على ملك الروم، وكانت مملكتها سنة وأربعة أشهر. ولا يخلو كتاب تاريخ من ذِكر تولِّي (بوران) الْحُكُم.
فقد ذَكَرها خليفة بن خياط، واليعقوبي، وابن خلدون، واليافعي، وكُتب تواريخ المدن، كتاريخ بغداد، وغيرها.
على أنه لو صحّ (أنه ليس في تاريخ الفرس أنهم ولوا عليهم ابنة كسرى ولا أية امرأة أخرى).
لكان فيه دليل على قائله وليس له! كيف ذلك؟ يكون قد أثبت أنه لا يُعرف لا في جاهلية ولا في إسلام أن امرأة تولّت مَنْصِبًا! !
الشبهة الثالثة:
قول القائل: هل من المعقول أن نعتمد في حديث خطير هكذا على راوية قد تم جلده (أبو بكرة) في عهد عمر بن الخطاب تطبيقًا لحد القذف؟ ! =стр. 2921
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الجواب:
سبق أن علِمت أن أبا بكرة ﵁ لم ينفرد برواية الحديث. ثم الجواب عن هذه الشبهة أن يُقال:
أولًا: لا بُدّ أن يُعلم أن أبا بكرة ﵁ صحابي جليل.
ثانيًا: الصحابة كلّهم عدول عند أهل السنَّة، عُدُول بتزكية اللَّه لهم وبتزكية رسول اللَّه ﷺ التي أغْنَتْ عن كل تزكية.
ثالثًا: أبو بكرة ﵁ لم يفسق بارتكاب كبيرة، وإنما شهِد في قضية، فلما لم تتم الشهادة أقام عمر ﵁ الْحَدّ على من شهِدوا، وكان مما قاله عمر ﵁: وقال من تاب قبلت شهادته.
وقال لهم: من أكْذَبَ نفسه قَبِلْتُ شهادته فيما يُستَقْبَل، ومن لم يفعل لم أُجِزْ شهادته. فعمر ﵁ لم يقُل: لم أقبل روايته. وفرق بين قبول الشهادة وبين قبول الرواية.
رابعًا: مما يؤكِّد الفرق بين الرواية والشهادة ما نقله ابن حجر عن المهلّب حينما قال: واستنبط المهلب من هذا أن إكذاب القاذف نفسه ليس شرطًا في قبول توبته؛ لأن أبا بكرة لم يُكذب نفسه، ومع ذلك فقد قبل المسلمون روايته وعمِلُوا بها. على أن آية القذف في قبول الشهادة. وعلى أن هناك فَرْقًا بين القاذِف لغيره، وبين الشاهد -كما سيأتي-.
خامسًا: أبو بكرة ﵁ لم يَرَ أنه ارتكب ما يُفسِّق، ولذا لم يَرَ وجوب التوبة عليه، وكان يقول: قد فسَّقوني!
وهذا يعني أنه لم يَرَ أنه ارتكب ما يُفسِّق.
سادسًا: في الرواية تُقبل رواية المبتدع، إذا لم تكن بدعته مُكفِّرة، وهذا ما يُطلق عليه عند العلماء (الفاسق الْمِلِّي)، الذي فِسقه متعلق بالعقيدة، لا بالعمل.
وروى العلماء عن أُناس تكلّموا في القدر، ورووا عن الشيعة، وليس عن الرافضة الذين غَلَوا في دين اللَّه!
ورووا عن الخوارج لِصِدقِهم. ورووا عمّن يشرب النبيذ، وعن غيرهم من خالَف أو وقع في بدعة، فإذا كان هؤلاء في نظر أهل العلم قد فسقوا بأفعالِهم هذه، فإنه رووا عنهم لأن هؤلاء لا يرون أنهم فسقوا بذلك، ولو رأوه فسقًا لتركوه! فتأمّل الفرق البيِّن الواضح.
وأبو بكرة ﵁ مع كونه صحابيًا جاوز القنطرة، إلا أنه يرى بنفسه أنه لم يأتِ بما يُفسِّق، ولو رأى ذلك لَتَاب منه. وهو -حقيقة- لم يأتِ بما يُفسِّق.
غاية ما هنالِك أنه أدى شهادة طُلِبت منه، فلم يقذِف ابتداء، كما علِمت. والصحابة قد جاوزوا القنطرة، والطّعن في الصحابة طَعن فيمن صحِبوا. =стр. 2922
امرأة" (١) .
[٣] فطن، نص عليه الطرطوشي (٢) ، وقيل: يستغنى عنه بعدل، وهو غير ظاهر؛ لأن المراد كونه أشد تفطنًا بحجاج الخصوم وخداعهم.
[٤] مجتهد إن وجد، فلا تصح ولاية مقلد حينئذٍ، وإلا بأن لم يوجد مجتهد فأمثل مقلد، له فقه نفيس، وقوة على الترجيح بين أقاويل أهل مذهبه، والعلم بما هو أحرى على قواعده منها، مما ليس كذلك.
[شرط الإمامة العظمى: ]
وزيد على الشروط الأربعة للإمام الأعظم وهو الخليفة: قرشي (٣) الحواشي
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٥١، رقم: ٢٠٥٣٦)، والبخاري (٦/ ٢٦٠٠، رقم: ٦٦٨٦)، والترمذي (٤/ ٥٢٧، رقم: ٢٢٦٢)، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي (٨/ ٢٢٧، رقم: ٥٣٨٨).(٢) هو: محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي، أبو بكر الطرطوشي، ويقال له ابن أبي رندقة، (٤٥١ - ٥٢٠ هـ = ١٠٥٩ - ١١٢٦ م): أديب، من فقهاء المالكية، الحفاظ. من أهل طرطوشة Tortosa بشرقي الأندلس.
تفقه ببلاده، ورحل إلى المشرق سنة ٤٧٦ فحج وزار العراق ومصر وفلسطين ولبنان، وأقام مدة في الشام، وسكن الإسكندرية، فتولى التدريس واستمر فيها إلى أن توفي. وكان زاهدًا لم يتشبث من الدنيا بشيء. من كتبه (سراج الملوك - ط) و (التعليقة) في الخلافيات، خمسة أجزاء، وكتاب كبير عارض به إحياء علوم الدين للغزالي، و (بر الوالدين) و (الفتن) و (الحوادث والبدع - ط) و (مختصر تفسير الثعلبي - خ) و (المجالس - خ) في الرباط. ينظر: الأعلام (٧/ ٤٣٣).(٣) هذا في حال اختيار الخليفة أما لو تغلب على الأمر وحَكَم الناس بالقوة وجب على الناس طاعته، وحَرُم الخروج عليه ولو كان عبدًا حبشيًّا كما جاء في الحديث. =стр. 2923
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = قال القرطبي في تفسيره (١/ ٢٦٤ - ٢٧٤): "الرابعة: هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة.
ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصحبوا إمامًا يتولى ذلك.
ودليلنا قول اللَّه تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] أي: يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي.
وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك، فرجعوا وأطاعوا لقريش.
فلو كان فرض الإمام غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم، فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب. ثم إن الصديق ﵁ لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك، فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين، والحمد للَّه رب العالمين.
وقالت الرافضة: يجب نصبه عقلًا، وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية العقل، فأما معرفة الإمام فإن ذلك مدرك من جهة السمع دون العقل. وهذا فاسد، لأن العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن، وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل، وهذا واضح.
فإن قيل وهي:
الخامسة: إذا سلم أن طريق وجوب الإمامة السمع، فخبرونا هل يجب من جهة السمع بالنص على الإمام من جهة الرسول ﷺ ، أم من جهة اختيار أهل الحل والعقد له، أم بكمال خصال الأئمة فيه، ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه؟
فالجواب أن يقال: اختلف الناس في هذا الباب، فذهبت الإمامية وغيرها إلى أن =стр. 2924
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الطريق الذي يعرف به الإمام هو النص من الرسول ﵇ ولا مدخل للاختيار فيه. وعندنا: النظر طريق إلى معرفة الإمام، وإجماع أهل الاجتهاد طريق أيضًا إليه، وهؤلاء الذين قالوا لا طريق إليه إلا النص بنوه على أصلهم أن القياس والرأي والاجتهاد باطل لا يعرف به شيء أصلًا، وأبطلوا القياس أصلًا وفرعًا. ثم اختلفوا على ثلاث فرق: فرقة تدعي النص على أبي بكر، وفرقة تدعي النص على العباس، وفرقة تدعي النص على علي بن أبي طالب ﵃. والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه ﷺ لو فرض على الأمة طاعة إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك، لاستحالة تكليف الأمة بأسرها طاعة اللَّه في غير معين، ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف، وإذا وجب العلم به لم يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلة العقول أو الخبر، وليس في العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معين، وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين؛ لأن ذلك الخبر إما أن يكون تواترًا أوجب العلم ضرورةً أو استدلالًا، أو يكون من أخبار الآحاد، ولا يجوز أن يكون.
طريقة التواتر الموجب للعلم ضرورة أو دلالة، إذ لو كان كذلك لكان كل مكلف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعين وأن ذلك من دين اللَّه عليه، كما أن كل مكلف علم أن من دين اللَّه الواجب عليه خمس صلوات، وصوم رمضان، وحج البيت ونحوها، ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة، فبطلت هذه الدعوى، وبطل أن يكون معلومًا بأخبار الآحاد لاستحالة وقوع العلم به. وأيضًا فإنه لو وجب المصير إلى نقل النص على الإمام بأي وجه كان، وجب إثبات إمامة أبي بكر والعباس؛ لأن لكل واحد منهما قومًا ينقلون النص صريحًا في إمامته، وإذا بطل إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد -على ما يأتي بيانه- كذلك الواحد، إذ ليس أحد الفرق أولى بالنص من الآخر. وإذا بطل ثبوت النص لعدم الطريق الموصل إليه ثبت الاختيار والاجتهاد. فإن تعسف متعسف وادعى التواتر والعلم الضروري بالنص فينبغي أن يقابلوا على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم أيضًا في جملتها مقام النص، ثم لا شك في تصميم من عدا الإمامية على نفي النص، وهم الخلق الكثير والجم الغفير. والعلم الضروري لا يجتمع على نفيه من ينحط عن معشار أعداد مخالفي الإمامية، ولو جاز رد الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بغداد والصين الأقصى وغيرهما.
السادسة: في رد الأحاديث التي احتج بها الإمامية في النص على علي ﵁، وأن الأمة كفرت بهذا النص وارتدت، وخالفت أمر الرسول عنادًا، منها قوله ﵇: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللَّهم وال من والاه وعاد من عاداه". قالوا: والمولى في =стр. 2925
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = اللغة بمعنى أولى، فلما قال: "فعلي مولاه" بفاء التعقيب علم أن المراد بقوله "مولى" أنه أحق وأولى. فوجب أن يكون أراد بذلك الإمامة وأنه مفترض الطاعة، وقوله ﵇ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي". قالوا: ومنزلة هارون معروفة، وهو أنه كان مشاركًا له في النبوة ولم يكن ذلك لعلي، وكان أخًا له ولم يكن ذلك لعلي، وكان خليفة، فعلم أن المراد به الخلافة، إلى غير ذلك مما احتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء اللَّه تعالى.
والجواب عن الحديث الأول: أنه ليس بمتواتر، وقد اختلف في صحته، وقد طعن فيه أبو داود السجستاني وأبو حاتم الرازي، واستدلا على بطلانه بأن النبي ﷺ قال: "مزينة وجهينة وغفار وأسلم موالي دون الناس كلهم ليس لهم مولى دون اللَّه ورسوله". قالوا: فلو كان قد قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" لكان أحد الخبرين كذبًا.
جواب ثان: وهو أن الخبر وإن كان صحيحًا رواه ثقة عن ثقة فليس فيه ما يدل على إمامته، وإنما يدل على فضيلته، وذلك أن المولى بمعنى الولي، فيكون معنى الخبر: من كنت وليه فعلي وليه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم: ٤] أي: وليه. وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر علي كباطنه، وذلك فضيلة عظيمة لعلي.
جواب ثالث: وهو أن هذا الخبر ورد على سبب، وذلك أن أسامة وعليًّا اختصما، فقال علي لأسامة: أنت مولاي. فقال: لست مولاك، بل أنا مولى رسول اللَّه ﷺ ، فذكر للنبي ﷺ ، فقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه".
جواب رابع: وهو أن عليًّا ﵇ لما قال للنبي ﷺ في قصة الإفك في عائشة ﵂: النساء سواها كثير. شق ذلك عليها، فوجد أهل النفاق مجالًا فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه، فقال النبي ﷺ هذا المقال ردًّا لقولهم، وتكذيبًا لهم فيما قدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه، ولهذا ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول اللَّه ﷺ إلا ببغضهم لعلي ﵁. وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبي ﷺ لم يرد بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده، ولا خلاف أن هارون مات قبل موسى ﵇ -على ما يأتي من بيان وفاتيهما في سورة "المائدة"- وما كان خليفة بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن نون، فلو أراد بقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" الخلافة لقال: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى، فلما لم يقل هذا دل على أنه لم يرد هذا، وإنما أراد أني استخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي، كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة ربه. وقد قيل: إن هذا الحديث خرج على سبب، وهو أن النبي ﷺ لما خرج إلى غزوة تبوك استخلف عليًّا ﵇ في المدينة على أهله وقومه، فأرجف به أهل النفاق =стр. 2926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقالوا: إنما خلفه بغضًا وقلى له، فخرج علي فلحق بالنبي ﷺ وقال له: إن المنافقين قالوا كذا وكذا! فقال: "كذبوا بل خلفتك كما خلف موسى هارون". وقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى". وإذا ثبت أنه أراد الاستخلاف على زعمهم فقد شارك عليًّا في هده الفضيلة غيره؛ لأن النبي ﷺ استخلف في كل غزاة غزاها رجلًا من أصحابه، منهم: ابن أم مكتوم، ومحمد بن مسلمة وغيرهما من أصحابه، على أن مدار هذا الخبر على سعد بن أبي وقاص وهو خبر واحد. وروي في مقابلته لأبي بكر وعمر ما هو أولى منه. وروي أن النبي ﷺ لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له: ألا تنفذ أبا بكر وعمر؟ فقال: "إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس". وقال: "هما وزيراي في أهل الأرض". وروي عنه ﵇ أنه قال: "أبو بكر وعمر بمنزلة هارون من موسى". وهذا الخبر ورد ابتداء، وخبر علي ورد على سبب، فوجب أن يكون أبو بكر أولى منه بالإمامة، واللَّه أعلم.
السابعة: واختلف فيما يكون به الإمام إمامًا وذلك ثلاث طرق، أحدها: النص، وقد تقدم الخلاف فيه، وقال به أيضًا الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث والحسن البصري وبكر ابن أخت عبد الواحد وأصحابه وطائفة من الخوارج. وذلك أن النبي ﷺ نص على أبي بكر بالإشارة، وأبو بكر على عمر. فإذا نص المستخلف على واحد معين كما فعل الصديق، أو على جماعة كما فعل عمر، وهو الطريق الثاني، ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة ﵃ في تعيين عثمان بن عفان ﵁. الطريق الثالث: إجماع أهل الحل والعقد، وذلك أن الجماعة في مصر من أنصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام ولا استخلف فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إمامًا لأنفسهم اجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام، إذا لم يكن الإمام معلنًا بالفسق والفساد؛ لأنها دعوة محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد التخلف عنها لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين، قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل للَّه ولزوم الجماعة ومناصحة ولاة الأمر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة".
الثامنة: فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله، خلافًا لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد، ودليلنا أن عمر ﵁ عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك، ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود. قال الإمام أبو المعالي: من انعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر، قال: وهذا مجمع عليه. =стр. 2927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = التاسعة: فإن تغلب من له أهلية الإمامة وأخذها بالقهر والغلبة فقد قيل إن ذلك يكون طريقًا رابعًا، وقد سئل سهل بن عبد اللَّه التستري: ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا وهو إمام؟ قال: تجيبه وتؤدي إليه ما يطالبك من حقه، ولا تنكر فعاله ولا تفر منه، وإذا ائتمنك على سر من أمر الدين لم تفشه. وقال ابن خويز منداد: ولو وثب على الأمر من يصلح له من غير مشورة ولا اختيار وبايع له الناس تمت له البيعة، واللَّه أعلم.
العاشرة: واختلف في الشهادة على عقد الإمامة، فقال بعض أصحابنا: إنه لا يفتقر إلى الشهود؛ لأن الشهادة لا تثبت إلا بسمع قاطع، وليس هاهنا سمع قاطع يدل على إثبات الشهادة. ومنهم من قال: يفتقر إلى شهود، فمن قال بهذا احتج بأن قال: لو لم تعقد فيه الشهادة أدى إلى أن يدعي كل مدع أنه عقد له سرًّا، وتؤدي إلى الهرج والفتنة، فوجب أن تكون الشهادة معتبرة ويكفي فيها شاهدان، خلافًا للجُبّائي حيث قال باعتبار أربعة شهود وعاقد ومعقود له؛ لأن عمر حيث جعلها شورى في ستة دل على ذلك. ودليلنا أنه لا خلاف بيننا وبينه أن شهادة الاثنين معتبرة، وما زاد مختلف فيه ولم يدل عليه الدليل فيجب ألا يعتبر.
الحادية عشرة: شرائط الإمام، وهي أحد عشر:
الأول: أن يكون من صميم قريش، لقوله ﷺ : "الأئمة من قريش". وقد اختلف في هذا.
الثاني: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيًا من قضاة المسلمين مجتهدًا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث، وهذا متفق عليه.
الثالث: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة ورح الأمة والانتقام من الظالم والأخذ للمظلوم.
الرابع: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار والدليل على هذا كله إجماع الصحابة ﵃؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعًا فيه، ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام، وله أن يباشر الفصل والحكم، ويتفحص أمور خلفائه وقضاته، ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالمًا بذلك كله قيمًا به، واللَّه أعلم.
الخامس: أن يكون حرًّا، ولا خفاء باشتراط حرية الإمام وإسلامه وهو السادس.
السابع: أن يكون ذكرًا، سليم الأعضاء وهو الثامن. وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إمامًا وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه.
التاسع والعاشر: أن يكون بالغًا عاقلًا، ولا خلاف في ذلك.
الحادي عشر: أن يكون عدلًا؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة =стр. 2928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لفاسق، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم، لقوله ﵇: "أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون". وفي التنزيل في وصف طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الأعضاء. وقوله: ﴿اصْطَفَاهُ﴾ معناه اختاره، وهذا يدل على شرط النسب. وليس من شرطه أن يكون معصومًا من الزلل والخطأ، ولا عالمًا بالغيب، ولا أفرس الأمة ولا أشجعهم، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش، فإن الإجماع قد انعقد على إمامة أبي بكر وعثمان وليسوا من بني هاشم.
الثانية عشرة: يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الأمة، وذلك أن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل واستخراج الحقوق وإقامة الحدود وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها. فإذا خيف بإقامة الأفضل الهرج والفساد وتعطيل الأمور التي لأجلها ينصب الإمام كان ذلك عذرًا ظاهرًا في العدول عن الفاضل إلى المفضول، ويدل على ذلك أيضًا علم عمر وسائر الأمة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول، وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك واجتمعت كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم، واللَّه أعلم.
الثالثة عشرة: الإمام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم؛ لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها. فلو جوزنا أن يكون فاسقًا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله. وقال آخرون: لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شيء من الشريعة، لقوله ﵇ في حديث عبادة: "وألا ننازع الأمر أهله -قال: - إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من اللَّه فيه برهان"، وفي حديث عوف بن مالك: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة" الحديث. أخرجهما مسلم. وعن أم سلمه عن النبي ﷺ قال: "إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع"، قالوا: يا رسول اللَّه، ألا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا"، أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه. أخرجه أيضًا مسلم.
الرابعة عشرة: ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصًا يؤثر في الإمامة. فأما إذا لم يجد نقصًا فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره؟ اختلف الناس فيه، فمنهم من قال: ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم تنخلع إمامته. ومنهم من قال: له أن =стр. 2929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = يفعل ذلك. والدليل على أن الإمام إذا عزل نفسه أنعزل قول أبي بكر الصديق ﵁: أقيلوني أقيلوني. وقول الصحابة: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول اللَّه ﷺ لديننا فمن ذا يؤخرك! رضيك رسول اللَّه ﷺ لديننا فلا نرضاك! فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا، وليس لك أن تفعله. فلما أقرته الصحابة على ذلك علم أن للإمام أن يفعل ذلك، ولأن الإمام ناظر للغيب فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم، والوكيل إذا عزل نفسه. فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها، ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه، وكذلك الإمام بجب أن يكون مثله، واللَّه أعلم.
الخامسة عشرة: إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب اللَّه وسنَّة رسول اللَّه ﷺ . ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر، لئلا تفترق كلمة المسلمين. وإذا بويع لخليفتين فالخليفة الأول وقتل الآخر، واختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكون عزله قتله وموته. والأول أظهر، قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما". روأه أبو سعيد الخدري، أخرجه مسلم.
وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو عن النبي ﷺ أنه سمعه يقول: "ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوه عنق الآخر". رواه مسلم أيضًا، ومن حديث عرفجة: "فاضربوه بالسيف كائنًا من كان". وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين، ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم، لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك، على ما يأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى.
السادسة عشرة: لو خرج خارجي على إمام معروف العدالة وجب على الناس جهاده، فإن كان الإمام فاسقًا والخارجي مظهر للعدل لم ينبغ للناس أن يسرعوا إلى نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل، أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الأول، وذلك أن كل من طلب مثل هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح حتى إذا تمكن رجع إلى عادته من خلاف من ما أظهر.
السابعة عشرة: فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد وأحد فلا يجوز إجماعًا لما ذكرنا. قال الإمام أبو المعالي: ذهب أصحابنا إلى منع عقد الإمامة لشخصين في طرفي العالم، ثم قالوا: لو اتفق عقد الإمامة لشخصين نزل ذلك منزلة تزويج وليين امرأة وأحدة من زوجين من غير أن يشعر أحدهما بعقد الآخر. قال: والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط والمخاليف غير جائز وقد =стр. 2930
نسبًا، لخبر: "قدموا قريشًا، لا تقدموها" (١) . الحواشي
(١) ابن أبي عاصم (٢/ ٦٣٧، رقم: ١٥١٩) قال المناوي (٤/ ٥١٢): فيه أبو معشر قالوا: ضعيف.
قال الحافظ في الفتح (٦/ ٥٣٠): "قوله الناس تبع لقريش قيل هو خبر بمعنى الأمر ويدل عليه قوله في رواية أخرى: "قدموا قريشًا ولا تقدموها" أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح لكنه مرسل وله شواهد وقيل هو خبر على ظاهره والمراد بالناس بعض الناس وهم سائر العرب من غير قريش وقد جمعت في ذلك تأليفًا سميته لذة العيش بطرق الأئمة من قريش وسأذكر مقاصده في كتاب الأحكام مع إيضاح هذه المسألة قال عياض: استدل الشافعية بهذا الحديث على إمامة الشافعي وتقديمه على غيره ولا حجة فيه لأن المراد به هنا الخلفاء وقال القرطبي: صحبت المستدل بهذا غفلة مقارنة لصميم التقليد وتعقب بأن مراد المستدل أن القرشية من أسباب الفضل والتقدم كما أن من أسباب التقدم الورع مثلًا فالمستويان في خصال الفضل إذا تميز أحدهما بالورع مثلًا كان مقدمًا على رفيقه فكذلك القرشية فثبت الاستدلال بها على تقدم الشافعي ومزيته على من ساواه في العلم والدين لمشاركته له في الصفتين وتميزه عليه بالقرشية وهذا واضح ولعل الغفلة والعصبية صحبت القرطبي فللَّه الأمر وقوله كافرهم تبع لكافرهم وقع مصداق ذلك لأن العرب كانت تعظم قريشًا في الجاهلية بسكناها الحرم فلما بعث النبي ﷺ ودعا إلى اللَّه توقف غالب العرب عن أتباعه وقالوا: ننظر ما يصنع قومه فلما فتح النبي ﷺ مكة وأسلمت قريش تبعتهم العرب ودخلوا في دين اللَّه أفواجًا واستمرت خلافة النبوة في قريش فصدق أن كافرهم كان تبعًا لكافرهم وصار مسلمهم تبعًا لمسلمهم". =стр. 2931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقال (١٣/ ١١٧ - ١١٨): "قوله: لا يزال هذا الأمر في قريش أي: الخلافة يعني لا يزال الذي يليها قرشيًّا قوله ما بقي منهم اثنان، قال ابن هبيرة: يحتمل أن يكون على ظاهره وأنهم لا يبقى منهم في آخر الزمان إلا اثنان أمير ومؤمر عليه والناس لهم تبع قلت في رواية مسلم عن شيخ البخاري في هذا الحديث: ما بقي من الناس اثنان وفي رواية الإسماعيلي ما بقي في الناس اثنان وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى وليس المراد حقيقة العدد وإنما المراد به انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش ويحتمل أن يحمل المطلق على المقيد في الحديث الأول ويكون التقدير لا يزال هذا الأمر أي: لا يسمى بالخليفة إلا من يكون من قريش إلا أن يسمى به أحد من غيرهم غلبة وقهرًا وإما أن يكون المراد بلفظه الأمر وإن كان لفظه لفظ الخبر ويحتمل أن يكون بقاء الأمر في قريش في بعض الأقطار دون بعض فإن بالبلاد اليمنية وهي النجود منها طائفة من ذرية الحسن بن علي لم تزل مملكة تلك البلاد معهم من أواخر المائة الثالثة وإما من بالحجاز من ذرية الحسن بن علي وهم أمراء مكة وأمراء ينبع ومن ذرية الحسين بن علي وهم أمراء المدينة فإنهم وإن كانوا من صميم قريش لكنهم تحت حكم غيرهم من ملوك الديار المصرية فبقي الأمر في قريش بقطر من الأقطار في الجملة وكبير أولئك أي: أهل اليمن يقال له الإمام ولا يتولى الإمامة فيهم إلا من يكون عالمًا متحريًا للعدل، وقال الكرماني: لم يخل الزمان عن وجود خليفة من قريش إذ في المغرب خليفة منهم على ما قيل وكذا في مصر قلت الذي في مصر لا شك في كونه قرشيًّا لأنه من ذرية العباس والذي في صعدة وغيرها من اليمن لا شك في كونه قرشيًّا لأنه من ذرية الحسين بن علي وأما الذي في المغرب فهو حفصي من ذرية أبي حفص صاحب ابن تومرت وقد انتسبوا إلى عمر بن الخطاب وهو قرشي ولحديث بن عمر شاهد من حديث ابن عباس أخرجه البزار بلفظ: "لا يزال هذا الدين واصبًا ما بقي من قريش عشرون رجلًا"، وقال النووي: حكم حديث بن عمر مستمر إلى يوم القيامة ما بقي من الناس اثنان وقد ظهر ما قاله ﷺ فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم على ذلك ومن تغلب على الملك بطريق الشركة لا ينكر أن الخلافة في قريش وإنما يدعي أن ذلك بطريق النيابة عنهم. انتهى.
وقد أورد عليه أن الخوارج في زمن بني أمية تسموا بالخلافة واحدًا بعد واحد ولم يكونوا من قريش وكذلك ادعى الخلافة بنو عبيد وخطب لهم بمصر والشام والحجاز ولبعضهم بالعراق أيضًا وأزيل الخلافة ببغداد قدر سنة وكانت مدة بني عبيد بمصر سوى ما تقدم لهم بالمغرب تزيد على مائتي سنة وادعى الخلافة عبد المؤمن صاحب ابن تومرت وليس بقرشي وكذلك كل من جاء بعده بالمغرب إلى اليوم والجواب عنه أما عن بني عبيد فإنهم كانوا يقولون أنهم من ذرية الحسين بن علي ولم =стр. 2932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = يبايعوه إلا على هذا الوصف والذين أثبتوا نسبتهم ليسوا بدون من نفاه وأما سائر من ذكر ومن لم يذكر فهم من المتغلبين وحكمهم حكم البغاة فلا عبرة بهم، وقال القرطبي: هذا الحديث خبر عن المشروعية أي: لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقرشي مهما وجد منهم أحد وكأنه جنح إلى أنه خبر بمعنى الأمر وقد ورد الأمر بذلك في حديث جبير بن مطعم رفعه قدموا قريشًا ولا تقدموها أخرجه البيهقي وعند الطبراني من حديث عبد اللَّه بن حنطب ومن حديث عبد اللَّه بن السائب مثله وفي نسخة أبي اليمان عن شعيب عن أبي هريرة عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة مرسلًا أنه بلغه مثله وأخرجه الشافعي من وجه آخر عن ابن شهاب أنه بلغه مثله، وفي الباب حديث أبي هريرة رفعه الناس تبع لقريش في هذا الشأن أخرجاه في الصحيحين من رواية المغيرة بن عبد الرحمن ومسلم أيضًا من رواية سفيان بن عيينة كلاهما عن الأعرج عن أبي هريرة وتقدم في مناقب قريش وأخرجه مسلم أيضًا من رواية همام عن أبي هريرة ولأحمد من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة مثله لكن قال في هذا الأمر وشاهده عند مسلم عن جابر كالأول وعند الطبراني من حديث سهل بن سعد وعند أحمد وابن أبي شيبة من حديث معاوية وعند البزار من حديث علي، وأخرج أحمد من طريق عبد اللَّه بن أبي الهزيل قال: لما قدم معاوية الكوفة قال رجل من بكر بن وائل: لئن لم تنته قريش لنجعلن هذا الأمر في جمهور من جماهير العرب غيرهم فقال عمرو بن العاص: كذبت سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "قريش قادة الناس" قال ابن المنير: وجه الدلالة من الحديث ليس من جهة تخصيص قريش بالذكر فإنه يكون مفهوم لقب ولا حجة فيه عند المحققين وإنما الحجة وقوع المبتدأ معرفًا باللام الجنسية لأن المبتدأ بالحقيقة هاهنا هو الأمر الواقع صفة لهذا وهذا لا يوصف إلا بالجنس فمقتضاه حصر جنس الأمر في قريش فيصير كأنه قال لا أمر إلا في قريش وهو كقوله الشفعة فيما لم يقسم والحديث وإن كان بلفظ الخبر فهو بمعنى الأمر كأنه قال ائتموا بقريش خاصة وبقية طرق الحديث تؤيد ذلك ويؤخذ منه أن الصحابة اتفقوا على إفادة المفهوم للحصر خلافًا لمن أنكر ذلك وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم أن شرط الإمام أن يكون قرشيًا وقيد ذلك طوائف ببعض قريش فقالت طائفة: لا يجوز إلا من ولد علي وهذا قول الشيعة ثم اختلفوا اختلافًا شديدًا في تعيين بعض ذرية علي، وقالت طائفة: يختص بولد العباس وهو قول أبي مسلم الخراساني وأتباعه، ونقل ابن حزم أن طائفة قالت: لا يجوز إلا في ولد جعفر بن أبي طالب، وقالت أخرى: في ولد عبد المطلب وعن بعضهم لا يجوز إلا في بني أمية وعن بعضهم لا يجوز إلا في ولد عمر، قال ابن حزم: ولا حجة لأحد من هؤلاء الفرق وقالت الخوارج وطائفة من المعتزلة: يجوز أن يكون الإمام غير قرشي وإنما يستحق الإمامة من قام بالكتاب والسنَّة سواء =стр. 2933
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = كان عربيًّا أم عجميًّا، وبالغ ضرار بن عمرو فقال: تولية غير القرشي أولى لأنه يكون أقل عشيرة فإذا عصي كان أمكن لخلعه، وقال أبو بكر بن الطيب: لم يعرج المسلمون على هذا القول بعد ثبوت حديث الأئمة من قريش وعمل المسلمون به قرنًا بعد قرن وانعقد الإجماع على اعتبار ذلك قبل أن يقع الاختلاف، قلت: قد عمل بقول ضرار من قبل أن يوجد من قام بالخلافة من الخوارج على بني أمية كقطري -بفتح القاف والطاء المهملة- ودامت فتنتهم حتى أبادهم المهلب بن أبي صفرة أكثر من عشرين سنة وكذا تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج ممن قام على الحجاج كابن الأشعث ثم تسمى بالخلافة من قام في قطر من الأقطار في وقت ما فتسمى بالخلافة وليس من قريش كبني عباد وغيرهم بالأندلس كعبد المؤمن وذريته ببلاد المغرب كلها وهؤلاء ضاهوا الخوارج في هذا ولم يقولوا بأقوالهم ولا تمذهبوا بأرائهم بل كانوا من أهل السنَّة داعين إليها، وقال عياض: اشتراط كون الإمام قرشيًّا مذهب العلماء كافة وقد عدوها في مسائل الإجماع ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف وكذلك من بعدهم في جميع الأمصار قال: ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة لما فيه من مخالفة المسلمين، قلت: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته فذكر الحديث وفيه فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل الحديث، ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش فيحتمل أن يقال لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا أو تغير اجتهاد عمر في ذلك، واللَّه أعلم. وأما ما احتج به من لم يعين الخلافة في قريش من تأمير عبد اللَّه بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الإمامة العظمى في شيء بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشي في حياته، واللَّه اعلم. واستدل بحديث ابن عمر على عدم وقوع ما فرضه الفقهاء من الشافعية وغيرهم أنه إذا لم يوجد قرشي يستخلف كناني فإن لم يوجد فمن بني إسماعيل فإن لم يوجد منهم أحد مستجمع الشرائط فعجمي وفي وجه جرهمي وإلا فمن ولد إسحاق قالوا: وإنما فرض الفقهاء ذلك على عادتهم في ذكر ما يمكن أن يقع عقلًا وإن كان لا يقع عادةً أو شرعًا، قلت: والذي حمل قائل هذا القول عليه أنه فهم منه الخبر المحض وخبر الصادق لا يتخلف وأما من حمله على الأمر فلا يحتاج إلى هذا التأويل واستدل بقوله قدموا قريشًا ولا تقدموها وبغيره من أحاديث الباب على رجحان مذهب الشافعي لورود الأمر بتقديم القرشي على من ليس قرشيًا، قال عياض. ولا حجة فيها لأن المراد بالأئمة في هذه الأحاديث الخلفاء وإلا فقد قدم النبي ﷺ سالمًا مولى أبي حذيفة في إمامة الصلاة ووراءه جماعة من قريش وقدم زيد بن حارثة وابنه =стр. 2934
قال في الصحاح: قريش قبيلة، وأبوهم: النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس، فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي دون ولد كنانة ومن فوقه.
وربما قالوا: قريشي (١) ، وهو القياس (٢) . الحواشي
(١) قال الشاعر:
بكُلّ قريشي إذا ما لَقِيتُه ... سريعٍ إلى داعِي النَّدَى والتَّكَرُّم
وهو من شواهد كتاب سيبويه.(٢) قال ابن جني في الخصائص (١/ ١١٥ - ١١٦): "باب في جواز القياس على ما يقِلّ ورفضِه فيما هو أكثر منه، هذا باب ظاهره إلى أن تعرف صورته ظاهر التناقض إِلا أنه مع تأمّله صحيح وذلك أن يقِلّ الشيء وهو قياس ويكون غيره أكثر منه إلا أنه ليس بقياس.
الأول: قولهم في النسب إلى شَنُوءةَ شَنَئيّ فلك من بعدُ أن تقول في الإضافة إلى قَتُوبةٍ قَتَبِيّ وإلى رَكُوبة رَكبيّ وإلى حَلُوبة حَلَبيّ قياسًا على شَنَئيّ وذلك أنهم أجَروْا فَعُولة مجرى فَعِيلة لمشابهتها إياها من عِدّة أَوجه: أحدها أن كل واحدة من فعولة وفعيلة ثلاثيّ ثم إن ثالث كل واحد منهما حرف لين يجري مجرى صاحبه ألا ترى إلى اجتماع الواو والياء رِدْفين وامتناع ذلك في الألف وإلى جواز حركة كل واحدة من الياء والواو مع امتناع ذلك في الألف إلى غير ذلك ومنها أن في كل واحدة من فَعُولة وفَعِيلة تاءَ التأنيث ومنها اصطحاب فَعول وفَعِيل على الموضع الواحد نحو أَثِيم وأَثُوم ورحيم ورَحُوم ومَشِيّ ومَشُوّ ونَهِيّ عن الشيء ونَهُوّ.
فلمّا استمرّت حال فَعِيلة وفَعُولة هذا الاستمرار جرت واو شَنُوءة مجرى ياء حنجفة =стр. 2935
[ما يحكم به المقلد: ]
فحكم المقلِد -بكسر اللام- الذي ولى لعدم وجود مجتهد بقول مقلَّده: بفتح اللام، ويلزمه المصير إليه، إذا كان له نص في عين النازلة أو لأصحابه، وإن اختلف النقل عن إمامه وعن أصحابه أو عنه وعنهم حكم بالمشهور (١) ، وإن لم يكن راجحًا عنده هو؛ إذ لو حكم بغيره لأدى للطعن الحواشي
(١) قال في الموافقات (٥/ ١٠٠ - ١٠١): "ويذكر عن الإمام المازري أنه سئل: ما تقول فيما اضطر الناس إليه في هذا الزمان -والضرورات تبيح المحظورات- من معاملة فقراء أهل البدو في سني الجدب؛ إذ يحتاجون إلى الطعام فيشترونه بالدين إلى الحصاد أو الجذاذ، فإذا حل الأجل قالوا لغرمائهم: ما عندنا إلا الطعام، فربما صدقوا في ذلك؛ فيضطر أرباب الديون إلى أخذه منهم، خوفًا أن يذهب حقهم في أيديهم بأكل أو غيره لفقرهم، ولاضطرار من كان من أرباب الديون حضريًا إلى الرجوع إلى حاضرته، ولا حكام بالبادية أيضًا، مع ما في المذهب في ذلك من الرخصة إن لم يكن هنالك شرط ولا عادة، وإباحة كثير من فقهاء الأمصار لذلك وغيره من بيوع الآجال خلافًا للقول بالذرائع.
فأجاب: إن أردت بما أشرت إليه إباحة أخذ طعام عن ثمن طعام هو جنس مخالف لما اقتضى، فهذا ممنوع في المذهب، ولا رخصة فيه عند أهل المذهب كما توهمت. قال: ولست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه؛ لأن الورع قل، بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت =стр. 2936
فيه بالحيف، والقضاء بالشهوة، فأمر باتباع مذهبه للسياسة (١) ، لا لمقتضى أصول الشرع؛ لأن أصوله تقتضي أن القاضي والمفتي مأموران باتباع الحق.
[حكم الأعمى والأبكم والأصم: ]
ونفذ حكم أعمى وأبكم وأصم؛ إذ ليس عدمها من شروط الصحة، بل وجودها مستحب.
وظاهره كابن الحاجب، سواء ولي كذلك، أو طرأ ذلك عليه، ونحوه للشارح.
[عزل الثلاثة: ]
ووجب عزله، إن اتصف بواحد منها (٢) . الحواشي
(١) أي: تأمل أحوال الناس وأعمالهم ومتصرفاتهم: ما شهدها وما غاب عنها مما سمعه وتناهى إليه منها، وإمعان النظر فيها، ويميز بين محاسنها ومساوئها، وبين النافع والضار لهم منها، ثم ليجتهد في التمسك بمحاسنها لينال من منافعها مثل ما نالوا، وفي التحرز والاجتناب من مساوئها؛ ليأمن من مضارها ويسلم من غوائلها، وأصل ذلك صنيع عمر بن الخطاب في إلزام الناس طلاق الثلاث في اللفظ والمجلس الواحد.(٢) القول بوجوب ذلك مقيد بما كان ثمة من هو أولى منه، وإلا فلا وجوب، ألا ترى أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا خرج غازيًا استخلفه، والاستخلاف يكون فيما يسير به أمور المدينة من الصلاة وفض النزاعات ونحو ذلك. =стр. 2937
[وجوب تولي الكفء: ]
ولزم الشخص المتعين المنفرد بشروطه القبول والطلب، ولم يجز له الهروب، ووجب على الإمام توليه، أو الخائف فتنة على نفسه أو ماله أو ولده، إن لم يتول القبول والطلب، ولو كان هناك أفضل منه.
أو خاف ضياع الحق على أربابه إن تولى غيره ممن لا أهلية له، أو خاف كثرة الهرج، لزمه القبول والطلب للولاية.
وحذف (القبول والطلب) من اللتين قبل هذا؛ لدلالة هذا عليه.
وتلخص من كلامه أنه يتعين على أحد ثلاثة أشخاص.
[إجبار الكفء ولو بضرب: ]
وأجبر المتعين له الممتنع عن القبول وإن بضرب وسجن.
قيل لمالك: أيجبر بالضرب ويحبس؟
قال: نعم.
وإلا بأن انتفى كل من الثلاثة المذكورة بأن كان:
- غير صالح.
- أو لم يخف حصول فتنة.
- ولا ضياع حق.
الحواشي
(١) = قال في الإصابة (٤/ ٦٠١): "قال ابن عبد البر: روى جماعة من أهل العلم بالنسب والسير أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة في الأبواء وبواط وذي العشيرة وغزوته في طلب كرز بن جابر وغزوة السويق وغطفان وفي غزوة أحد وحمراء الأسد ونجران وذات الرقاع وفي خروجه من حجة الوداع وفي خروجه إلى بدر ثم استخلف أبا لبابة لما رده من الطريق قال: وأما رواية قتادة عن أنس أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم فلم يبلغه ما بلغ غيره". انتهى.стр. 2938
فله الهرب وإن عين؛ لينجو بنفسه، ويستعين باللَّه على خلاصه من ذلك؛ لأنه حينئذٍ فرض كفاية.
تنبيه:
وهذا بخلاف غيره من فروض الكفاية، إذا عين الإمام فيه بعضًا لم يجز له الهرب، كتعيينه طائفة لقتال العدو، فإنه متعين في حقهما.
[من يحرم عليهم القضاء: ]
وحرم القضاء:
[١] لجاهل لفقد أهليته، وربما أداه لمخالفة ما لا يحل له، كمخالفة متفق عليه، وغير ذلك، ويحرم على الخليفة توليته.
تنبيه:
في قول المصنف: (لجاهل) إشارة للتحريمين.
[٢] وحرم أيضًا على طالب دنيا يجمعها به، لما يؤديه إلى الجور بسبب ذلك.
و(دنيا) غير منون.
[من يندب له القضاء: ]
وندب لصاحب علم، ففي علمه طلبه، ليشهر علمه؛ لأن المجهول لا يعبأ بقوله، ولا يلقى إليه سمع، كـ:
[١] ورع، وهو: التارك للشبهات كبعض المباحات؛ خوف الوقوع في محرم.
[٢] غني غير محتاج، بحيث لا تتطلع نفسه لما بيد غيره؛ ولئلا تتطرق إليه مقالة السوء فيه.
[٣] حليم على الخصوم، ما لم تنتهك حرمة اللَّه.
[٤] نزه، أي: كامل المرؤة بترك ما لا يليق بمثله.
стр. 2939
[٥] نسيب، أي: معروف؛ لئلا يتسارع للطعن فيه.
[٦] مستشيرًا لأهل العلم، فلا يستقل برأيه؛ خوف الخطأ.
[٧] بلا دَيْن عليه؛ لانحطاط رتبة المدين عند الناس.
[٨] وبلا حد في قذف أو غيره، بخلاف الشاهد؛ فإنه لا يقبل فيما حد فيه، ويقبل في غيره، ويفرق بأن القضاء وصف زائد يعتبر فيه ما سقط اعتباره في غيره، واستناد القاضي للبينة بخلاف الشاهد فبعدت التهمة.
ثم عطف على دين قوله: وغير زائد في الدهاء: بفتح الدال مفتوح مهموز، وهمزته منقلبة عن الياء، لا من الواو؛ لأن ذلك يحمله على الحكم بالفراسة، وتعطيل الطرق الشرعية من البينة والإيمان، فقد عزل عمر ﵁ زيادًا لذلك، وبلا بطانة سوء.
[عود على ما هو مندوب: ]
ثم عطف على المجرور المستحب ما هو منه، فقال:
[٩] ومنع الراكبين معه والمصاحبين له لغير ضرورة؛ لئلا يظن ميلة لهم، فلا يستوفي الحكم عليهم.
[١٠] ويستحب له تخفيف الأعوان؛ إذ لم يكن لأبي بكر ولا لعمر أعوان، فإن اضطر لهم خفف منهم ما استطاع.
[١١] واتخاذ من يخبره بما يقال في سيرته وحكمه ليجتث ما يكره من ذلك، وما يقال في شهوده ليعزل غير المرضي منهم، قاله ابن عبد الحكم.
وظاهر كلام مالك: أنه على الوجوب.
[١٢] وتأديب من أساء عليه إلا في مثل اتق اللَّه في أمري، أو اذكر وقوفك للحساب، مما فيه إشارة للانتباه؛ فلا يؤدبه، وليرفق به، ويقول: رزقني اللَّه وإياك التقوى، وأذكرنا الوقوف للحساب، وعلينا وعليك أن نتقي اللَّه، وكذا يؤدب من أساء على خصمه، كـ: يا ظالم، يا فاجر.
стр. 2940
[استخلاف القاضي: ]
وإذا ولى الخليفة قاضيًا، وسكت عن الإذن له في الاستخلاف وعدمه، لم يستخلف إلا لوسع عمله المولى فيه، فله أن يستخلف في جهة بعدت منه؛ لأنه قريتة في الاستخلاف، ولا يستخلف في الجهة القريبة كالأميال القليلة، وحيث يجوز له الاستخلاف فيستخلف من علم ما استخلف فيه من أبواب الفقه: نكاح أو بيع أو قراض أو فرائض أو غير ذلك.
[ما لا يشترط في المستخلف: ]
ولا يشرط علمه بجميع أبواب الفقه، إلا أن يستخلفه في الجميع.
[عزل المستخلف: ]
وانعزل المستخلف بفتح اللام بموته، أي: موت مستخلفه بكسرها؛ لأنه كوكيله، لا هو؛ فإنه لا ينعزل بموت الأمير، الذي قدمه، ولو كان الخليفة؛ لأن الأمير أو الخليفة إنما قدمه لمصلحة المسلمين العامة.
تنبيه:
أشعر كلامه بأن مقدم القاضي على يتيم لا ينعزل بموته أو عزله، وهو كذلك، قاله المتيطي.
وقال ابن العطار: اختلف فيه فقهاؤنا.
[شهادة القاضي المعزول: ]
ولا تقبل شهادته -أي: القاضي المعزول- بعده -أي: بعد عزله- أنه قضى بكذا حين ولايته، ولو شهد معه آخر؛ لأنها شهادة على فعل نفسه، وكذا لو قال: شهد عندي شاهدان بكذا، وقبلتهما، وللطالب تحليف المطلوب أن هذه الشهادة التي بديوان القاضي ما شهد عليهما بها أحد، فإن نكل، حلف الطالب، وثبتت الشهادة، ونحوه في المدونة.
стр. 2941
زاد ابن الحاجب: ولا يقبل قوله: "قضيت بكذا"؛ لأنه مقر على غيره.
[تعدد القضاة: ]
وجاز تعدد مستقل من القضاة بمملكة الخليفة أو بلده، واستدل على جواز التعدد بالقياس على تولية الواحد لبقاء حكم الإمام معه، أو تعدد خاص بناحية أو خاص في نوع من أنواع الفقه، كـ: قاضي المياه والأنكحة، أو تعدد مستقل بناحية خاص بنوع أو عكسه مستقل بنوع خاص في ناحية، ويجوز أن يستثني عليه، قدرًا لا يحكم عليه.
تنبيه:
أشعر قوله: (مستقل) بمنع تعدد مشتركين بتوقف نفوذ حكمهما على اتفاقهما، وهو كذلك عند ابن شعبان.
[مسألة: ]
والقول للطالب عند تنازع الخصمين في اختيار قاض من المتعددين، وإن خالفه المطلوب؛ لأن الحق له، وإن كان كل طالبًا، فأشار المازري إلى أنه يرجح من جاء رسوله أولًا، درج عليه المؤلف فقال: ثم من سبق رسوله.
وظاهره: ولو سبق طلب الآخر، وظاهره أيضًا: كانت دعواهما واحدة أو مختلفة.
وقال اللخمي: لكل منهما أن يطلب صاحبه عند من شاء، ويطلب الآخر عند من شاء. انتهى.
وهو واضح، وإن كانت دعواهما مختلفة، ومشكل إن اتحدت، وإلا بأن لم يسبق رسول أحدها بل استويا أقرع بينهما إن اتفقا على القرعة، وإلا فالحاكم يقرع بينهما، كالادعاء في تقديم الجالب على غيره، وإلا فالقرعة بينهما أيهما يقدم في دعواه.
стр. 2942
[من يجوز تحكيمه: ]
وجاز تحكيم:
[١] غير خصم، ينفق الخصمان عليه، ليحكم بينهما في نازلة، وليس مولى من قبل الإمام، ولا من قبل القاضي، نص على ذلك اللخمي والمازري.
تنبيه:
قال ابن عرفة: ظاهرهما الجواز ابتداء، وظاهر الروايات أنه بعد الوقوع، فلو حكما خصمًا لم يجز، وإن حكم لم يمض حكمه اتفاقًا.
وقيل: مختلف فيه.
[٢، ٣] وغير جاهل وكافر، فلا يجوز تحكيم أحدهما.
ثم عطف على المفهوم، فقال: وغير مميز كمجنون وموسوس، فلا يجوز تحكيم أحدهما، وإن حكم واحد من هؤلاء الأربعة لم يمض اتفاقًا، حكاه اللخمي، والمازري في الجاهل، وابن رشد في الكافر والمجنون والموسوس، وقصرنا على المميز على غير الصبي؛ لأنه يذكر تلو هذه.
[محل حكم الحكم: ]
ثم ذكر المحل الذي فيه حكم الحكم بقوله: في مال وجرح فقط، لا حد من سائر الحدود، ولا قتل عمد، ولا لعان، ولا ثبوت ولاء لشخص على آخر، ولا نسب كذلك، ولا طلاق وعتق، وامتناع التحكيم في هذه المسائل لأنها يتعلق بها حق لغير الخصمين، إما للَّه كالطلاق والعتاق؛ لمنع بقاء المطلقة البائن في العصمة، ورد العتق في العبد، وإما لآدمي كحق الولد في اللعان بقطع النسب، وكذا النسب والولاء.
[مضي الحكم: ]
ومضى حكم المحكم إن حكم صوابًا، وأدب فيما لا يجوز تحكيمه فيه، ولا ينقضه واحد منهما، ولا حاكم غيرهما.
стр. 2943
قال المؤلف في توضيحه كغيره: إلا أن يكون جورًا بينًا، وبين عبارتيه فرق.
[حكم الصبي المميز: ]
وفي صحة حكم صبي مميز محكم وعبد وفاسق وامرأة، وعدمها أربعة أقوال:
أولها: الصحة لأصبغ.
وثانيها: عدمها لمطرف.
وثالثها: الصحة إلا في تحكيم الصبي، فلا يصح؛ لأنه غير مكلف، ولا إثم عليه إن جار، لأشهب.
ورابعها: الصحة، إلا في صبي وفي فاسق لعبد الملك.
[ضرب القاضي الخصم: ]
وجاز للقاضي ضرب خصم لد، إذا تبين لدده وظلمه، كما في المدونة.
ابن ناجي: يأمر أعوانه بذلك، ولو ضربه بيده جاز.
[عزل الأمير القاضي: ]
وجاز للأمير أو الخليفة عزله -أي: القاضى- لمصلحة؛ لكون غيره أقوى، أو أحكم، أو لنقله لبلد أخرى، أو غير ذلك، ولم ينبغ عزله إن شهر كونه عدلًا بمجرد شكية، وإن وجد بدلًا منه؛ لأن في ذلك فساد الناس على قضاياهم، قاله مطرف.
وليبرأ من عزل من غير سخط، كما فعل عمر بشرحبيل بن حسنة، حيث قال له: أعن سخط يا أمير المؤمنين. قال: لا، ولكن وجدت أقوى منك. قال: إن عزلك لي عيب، فأخبر الناس بعذري، ففعل.
стр. 2944
[التعزير بالمسجد: ]
وجاز خفيف تعزير بمسجد، أي: فيه.
قال مالك: كخمسة أسواط وعشرة؛ لأنه مظنة السلامة مما يخاف على المسجد منه، بخلاف شديد التعزير والحد، ولذا قال: لا حد، فلا يقيمه في المسجد.
تتمة:
لا يعلم من كلامه عين الحكم، فيحتمل المنع والكراهة، وجوزهما في توضيحه عند قول ابن الحاجب: (ولا تقام الحدود في المسجد).
[جلوس القاضي بالمسجد: ]
وجلس القاضي به للحكم فيه؛ ففي المدونة: هو من الحق، والأمر القديم.
قال المصنف: والأولى في زماننا الكراهة؛ لكثرة التساهل، ورفع الأصوات فيه.
تكميل:
في النوادر: يجعل للنصارى يومًا أو وقتًا يجلس لهم في غير المسجد.
بغير عيد الفطر أو أضحى، وغير قدوم حاج وخروجه ومطر، ونحوه، كـ: يوم التروية ويوم عرفة وكثرة الرحل المضر بالطريق، ونحو ذلك.
البساطي: وأيام كسر النيل بمصر، وأيام الاستسقاء، وقدوم السلطان من غزواته. انتهى.
وقد يقال: أما مصر ونحوها فينبغي له الجلوس أيام خروج الحاج وقدومه وسفر القوافل للشام وغيرها؛ لما في ذلك من الفصل بين الأكرياء الذين يأخذون أموال الناس، فإذا غفل عنهم في تلك الأيام هربوا.
стр. 2945
[ما يجوز للقاضي اتخاذه: ]
وجاز له اتخاذ حاجب يحجب عنه من لا شغل عنده؛ لمشقة مباشرة ذلك بنفسه.
وجاز له اتخاذ بواب يمنع من لا حاجة له عنده، ويكون البواب ثقة عادلًا، وينهى عن حجبهم وقت حاجتهم إليه.
[من يبدأ به: ]
وبدأ أول ولايته استحبابًا بمحبوس، فينظر في حاله، ثم في أمر وصي مع إيتامه، وفي مال طفل مع وصيه أو مقدم عليه، ويحتمل في مال مهمل، وحال مقام عليه، أقامه من قبله على يتيم، ورتبة هذه الثلاثة واحدة عند المؤلف، وعند المازري رتبة المقام تلي رتبة مال الأطفال؛ لعطفها بثم.
ثم في أحوال ضال ولقطة، ونادى بمنع معاملة يتيم لا وصي له، ولا مقام عليه، وسفيه غير محجور عليه، ورفع أمرهما إليه؛ لينظر في شأنهما.
ولا يعلم من كلامه رتبة هذه، وكلام أصبغ يدل على أنها من الأول.
ثم في أمر الخصوم من تقدمة ومساواة وغير ذلك.
[تعيين كاتب لجلساته: ]
ورتب كاتبًا يكتب الوقائع والحكم، ويكون عدلًا؛ ففي المدونة: لا يتخذ للمسلمين إلا العدل المرضي، ولذا قال: شرطًا، لا استحبابًا، كما قيل به، واستظهره ابن الحاجب بعد أن قال: (ولا نص في الكتابة، ولا يشترط تعدده).
وليس في كلامه ما يدل على أنه ينظر في كتابه، ولا بد منه؛ لاحتمال زيادة أو نقص، أو هما سهوًا أو غفلة، أو عمدًا لرشوة، وإذا كان هذا في العدل ففي غيره إذا لم يوجد العدل أحرى؛ ولأنه إذا نظر ما كتب أشهد على نفسه بأمر يتفننه، وإذا صدق عول على مظنون مع قدرته على
следующие страницы →