زاد ابن الحاجب: ولا يقبل قوله: "قضيت بكذا"؛ لأنه مقر على غيره.
[تعدد القضاة: ]
وجاز تعدد مستقل من القضاة بمملكة الخليفة أو بلده، واستدل على جواز التعدد بالقياس على تولية الواحد لبقاء حكم الإمام معه، أو تعدد خاص بناحية أو خاص في نوع من أنواع الفقه، كـ: قاضي المياه والأنكحة، أو تعدد مستقل بناحية خاص بنوع أو عكسه مستقل بنوع خاص في ناحية، ويجوز أن يستثني عليه، قدرًا لا يحكم عليه.
تنبيه:
أشعر قوله: (مستقل) بمنع تعدد مشتركين بتوقف نفوذ حكمهما على اتفاقهما، وهو كذلك عند ابن شعبان.
[مسألة: ]
والقول للطالب عند تنازع الخصمين في اختيار قاض من المتعددين، وإن خالفه المطلوب؛ لأن الحق له، وإن كان كل طالبًا، فأشار المازري إلى أنه يرجح من جاء رسوله أولًا، درج عليه المؤلف فقال: ثم من سبق رسوله.
وظاهره: ولو سبق طلب الآخر، وظاهره أيضًا: كانت دعواهما واحدة أو مختلفة.
وقال اللخمي: لكل منهما أن يطلب صاحبه عند من شاء، ويطلب الآخر عند من شاء. انتهى.
وهو واضح، وإن كانت دعواهما مختلفة، ومشكل إن اتحدت، وإلا بأن لم يسبق رسول أحدها بل استويا أقرع بينهما إن اتفقا على القرعة، وإلا فالحاكم يقرع بينهما، كالادعاء في تقديم الجالب على غيره، وإلا فالقرعة بينهما أيهما يقدم في دعواه.
стр. 2942
[من يجوز تحكيمه: ]
وجاز تحكيم:
[١] غير خصم، ينفق الخصمان عليه، ليحكم بينهما في نازلة، وليس مولى من قبل الإمام، ولا من قبل القاضي، نص على ذلك اللخمي والمازري.
تنبيه:
قال ابن عرفة: ظاهرهما الجواز ابتداء، وظاهر الروايات أنه بعد الوقوع، فلو حكما خصمًا لم يجز، وإن حكم لم يمض حكمه اتفاقًا.
وقيل: مختلف فيه.
[٢، ٣] وغير جاهل وكافر، فلا يجوز تحكيم أحدهما.
ثم عطف على المفهوم، فقال: وغير مميز كمجنون وموسوس، فلا يجوز تحكيم أحدهما، وإن حكم واحد من هؤلاء الأربعة لم يمض اتفاقًا، حكاه اللخمي، والمازري في الجاهل، وابن رشد في الكافر والمجنون والموسوس، وقصرنا على المميز على غير الصبي؛ لأنه يذكر تلو هذه.
[محل حكم الحكم: ]
ثم ذكر المحل الذي فيه حكم الحكم بقوله: في مال وجرح فقط، لا حد من سائر الحدود، ولا قتل عمد، ولا لعان، ولا ثبوت ولاء لشخص على آخر، ولا نسب كذلك، ولا طلاق وعتق، وامتناع التحكيم في هذه المسائل لأنها يتعلق بها حق لغير الخصمين، إما للَّه كالطلاق والعتاق؛ لمنع بقاء المطلقة البائن في العصمة، ورد العتق في العبد، وإما لآدمي كحق الولد في اللعان بقطع النسب، وكذا النسب والولاء.
[مضي الحكم: ]
ومضى حكم المحكم إن حكم صوابًا، وأدب فيما لا يجوز تحكيمه فيه، ولا ينقضه واحد منهما، ولا حاكم غيرهما.
стр. 2943
قال المؤلف في توضيحه كغيره: إلا أن يكون جورًا بينًا، وبين عبارتيه فرق.
[حكم الصبي المميز: ]
وفي صحة حكم صبي مميز محكم وعبد وفاسق وامرأة، وعدمها أربعة أقوال:
أولها: الصحة لأصبغ.
وثانيها: عدمها لمطرف.
وثالثها: الصحة إلا في تحكيم الصبي، فلا يصح؛ لأنه غير مكلف، ولا إثم عليه إن جار، لأشهب.
ورابعها: الصحة، إلا في صبي وفي فاسق لعبد الملك.
[ضرب القاضي الخصم: ]
وجاز للقاضي ضرب خصم لد، إذا تبين لدده وظلمه، كما في المدونة.
ابن ناجي: يأمر أعوانه بذلك، ولو ضربه بيده جاز.
[عزل الأمير القاضي: ]
وجاز للأمير أو الخليفة عزله -أي: القاضى- لمصلحة؛ لكون غيره أقوى، أو أحكم، أو لنقله لبلد أخرى، أو غير ذلك، ولم ينبغ عزله إن شهر كونه عدلًا بمجرد شكية، وإن وجد بدلًا منه؛ لأن في ذلك فساد الناس على قضاياهم، قاله مطرف.
وليبرأ من عزل من غير سخط، كما فعل عمر بشرحبيل بن حسنة، حيث قال له: أعن سخط يا أمير المؤمنين. قال: لا، ولكن وجدت أقوى منك. قال: إن عزلك لي عيب، فأخبر الناس بعذري، ففعل.
стр. 2944
[التعزير بالمسجد: ]
وجاز خفيف تعزير بمسجد، أي: فيه.
قال مالك: كخمسة أسواط وعشرة؛ لأنه مظنة السلامة مما يخاف على المسجد منه، بخلاف شديد التعزير والحد، ولذا قال: لا حد، فلا يقيمه في المسجد.
تتمة:
لا يعلم من كلامه عين الحكم، فيحتمل المنع والكراهة، وجوزهما في توضيحه عند قول ابن الحاجب: (ولا تقام الحدود في المسجد).
[جلوس القاضي بالمسجد: ]
وجلس القاضي به للحكم فيه؛ ففي المدونة: هو من الحق، والأمر القديم.
قال المصنف: والأولى في زماننا الكراهة؛ لكثرة التساهل، ورفع الأصوات فيه.
تكميل:
في النوادر: يجعل للنصارى يومًا أو وقتًا يجلس لهم في غير المسجد.
بغير عيد الفطر أو أضحى، وغير قدوم حاج وخروجه ومطر، ونحوه، كـ: يوم التروية ويوم عرفة وكثرة الرحل المضر بالطريق، ونحو ذلك.
البساطي: وأيام كسر النيل بمصر، وأيام الاستسقاء، وقدوم السلطان من غزواته. انتهى.
وقد يقال: أما مصر ونحوها فينبغي له الجلوس أيام خروج الحاج وقدومه وسفر القوافل للشام وغيرها؛ لما في ذلك من الفصل بين الأكرياء الذين يأخذون أموال الناس، فإذا غفل عنهم في تلك الأيام هربوا.
стр. 2945
[ما يجوز للقاضي اتخاذه: ]
وجاز له اتخاذ حاجب يحجب عنه من لا شغل عنده؛ لمشقة مباشرة ذلك بنفسه.
وجاز له اتخاذ بواب يمنع من لا حاجة له عنده، ويكون البواب ثقة عادلًا، وينهى عن حجبهم وقت حاجتهم إليه.
[من يبدأ به: ]
وبدأ أول ولايته استحبابًا بمحبوس، فينظر في حاله، ثم في أمر وصي مع إيتامه، وفي مال طفل مع وصيه أو مقدم عليه، ويحتمل في مال مهمل، وحال مقام عليه، أقامه من قبله على يتيم، ورتبة هذه الثلاثة واحدة عند المؤلف، وعند المازري رتبة المقام تلي رتبة مال الأطفال؛ لعطفها بثم.
ثم في أحوال ضال ولقطة، ونادى بمنع معاملة يتيم لا وصي له، ولا مقام عليه، وسفيه غير محجور عليه، ورفع أمرهما إليه؛ لينظر في شأنهما.
ولا يعلم من كلامه رتبة هذه، وكلام أصبغ يدل على أنها من الأول.
ثم في أمر الخصوم من تقدمة ومساواة وغير ذلك.
[تعيين كاتب لجلساته: ]
ورتب كاتبًا يكتب الوقائع والحكم، ويكون عدلًا؛ ففي المدونة: لا يتخذ للمسلمين إلا العدل المرضي، ولذا قال: شرطًا، لا استحبابًا، كما قيل به، واستظهره ابن الحاجب بعد أن قال: (ولا نص في الكتابة، ولا يشترط تعدده).
وليس في كلامه ما يدل على أنه ينظر في كتابه، ولا بد منه؛ لاحتمال زيادة أو نقص، أو هما سهوًا أو غفلة، أو عمدًا لرشوة، وإذا كان هذا في العدل ففي غيره إذا لم يوجد العدل أحرى؛ ولأنه إذا نظر ما كتب أشهد على نفسه بأمر يتفننه، وإذا صدق عول على مظنون مع قدرته على
стр. 2946
اليقين، ويأمره بكتابة الدعوى والإنكار، وأسماء البينة والمتداعيين، وأنسابهم وما يعرفون به، ويحفظه عنده.
ثم شبه في عدالة الكاتب قوله: كمزك، يتخذه عنده؛ ليخبره عن الشهود سرًّا في مساكنهم وأعمالهم، ولا يقتصر في سؤاله واحدًا واثنين بل أكثر من ذلك؛ خيفة أن يزكيه أهل وده، ويجرحه أعداؤه، واختارهما القاضي بأن يكونا من أعدل الموجودين عنده.
والمترجم عند من لا يعرف العربية مخبر عند القاضي، الذي لا يعرف لسان المترجم عنه، أو عن العربية عند القاضي، الذي لا يعرفها، فيكفي واحد.
وقيل: بتعدده؛ بناءً على أنه من باب الشهادة.
ولا يترجم كافر، ولا عبد، ولا مسخوط، وقيد ابن رشد منع قبول ترجمة الكافر ومن معه بوجود العدل، وأما لو اضطر إليهم لعمل على قولهم.
كالمحلف يكفي فيه الواحد، وأحضر العلماء عند قضائه، أو شاورهم فيما يقضي به قبل الحكم، أما إحضارهم فبسيرة عثمان ﵁، وأما مشورتهم فبسيرة عمر ﵁.
وأحضر شهودًا يشهدوا على من أقر؛ خشية الإنكار؛ لقول مالك وابن القاسم: إذا سمع إقرار الخصم لا يحكم عليه حتى يشهد عنده بإقراره شاهدان، وهو المشهور، واقتصر عليه المؤلف، وإحضارهم واجب.
ولم يفت القاضي في خصومة من أبواب المعاملات مطلقًا على المشهور؛ لما فيه من تعليم الخصوم وإعانتهم على الفجور، وهذا بناء على أن (يفت) مبني للفاعل، ويحتمل بناؤه للمفعول، فيقتضي بظاهره المنع له ولغيره، خلافًا لابن عبد الحكم.
وقد جرت العادة باستقبال الوكلاء لأرباب المذاهب في الوقائع بين موكليهم، فإذا وجد الوكيل مذهبًا يوافق كون موكله غالبًا حمله على الدعوى
стр. 2947
عند القاضي الموافق لها، ولو كان موكله غير محق (١).
[ما لا يسع القاضي فعله بمجلسه: ]
ولم يشتر بمجلس قضائه؛ لما فيه من شغل باله، ولأن البائع ربما نقص من الثمن حياءً منه ومن جلسائه.
وفهم من قوله: (مجلس قضائه) أن له ذلك في غيره، ونقله المازري عن أصحاب مالك، زاد ابن الحاجب: ولا يشتري له وكيل معروف.
كسلف منه أو له، وقراض له، وإبضاع له مع آخر، بأن يرسل مع غيره ما يشتري له، ويحتمل أن يبضع معه.
تنبيه:
عدل عن قول ابن الحاجب وابن شاس: ويتورع عن العارية والسلف والقراض؛ لقوله في توضيحه: ظاهره: أن هذه الأمور أخف من المبايعة له؛ لتعبيرهما عن الشراء بـ (لا يفعل)، وهنا بـ (يتورع)، والعكس أولى؛ لأن العارية ونحوها انتفاع بمال الغير بغير عوض، وفي التي قبلها إنما يتوهم ذلك، ولا يتحقق.
وحضور وليمة، ظاهره: المنع، إلا وليمة النكاح، فلا يمنع له حضورها؛ للحديث (٢)، وإذا حضر وليمة فإن شاء أكل، وإن شاء ترك.
ومنع قبول هدية ولو كافأ عليها أضعافها؛ لركون النفوس للمهدي، وقول ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهة قبول الهدية، ومذهب مالك وأهل السنة محمول على المنع.
стр. 2948
وظاهر كلام المؤلف: كان المهدي عنده في خصومة أو لا، وهو كذلك.
إلا أن تكون الهدية من قريب للقاضي.
سحنون: كأبيه وابنه وخالته وعمته وابنة أخيه، ومن لا يدخل عليه منهم ظنة؛ لشدة الدخلة والمثاقبة، أي: المعاونة.
[مسائل فيها قولان: ]
وفي جواز قبول هدية من اعتادهما قبل الولاية، وهو لابن عبد الحكم، وعدم جوازه، وهو قول مطرف وعبد الملك: لا ينبغي ذلك، وهو ظاهر في الكراهة قولان.
وفي كراهة حكمه في مشيه، وهو لسحنون وأشهب وطائفة، وعدم جوازه، وهو لأشهب أيضًا، بشرط أن لا يشغله المسير وزحمة الناس والنظر إليهم: قولان.
تنبيه:
عدل عن قول ابن الحاجب في مروره للمسجد؛ لتعقبه له، فإنه لا خصوصية للمسجد.
أو كراهة حكمه حال كونه متكئًا، وهو قول اللخمي: لا يفعل؛ لأن فيه استخفافًا للحاضرين، وللعلم حرمة، وجوازه وهو لأشهب وسحنون: قولان.
وفي جواز إلزام يهودي حكما بسبته، بأن يمكن المسلم من خصامه له فيه، وكراهته: قولان للقرويين.
وفي جواز تحديثه بمجلسه للقضاء لضجر نزل به أو هم، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم.
قال الشارح: ومنعه لمطرف.
ومن منعه البساطي، أو يكره: قولان.
стр. 2949
وفي اشتراط دوام الرضا من الخصمين في التحكيم للمحكم، فلأحدهما الرجوع قبله، وهو لسحنون، وعدم اشتراطه، فلا رجوع لأحدهما، ويلزمهما الحكم بالرضا، وإليه ذهب ابن الماجشون: قولان.
[موانع الحكم: ]
ولا يحكم مع ما: شيء، يدهش عن الفكر، أي: عن تمامه من غضب وجوع وحزن ونحوه.
تنبيه:
لا يفهم من كلامه كابن الحاجب عين الحكم، وهو الكراهة، صرح به في المجموعة عن مالك، وفي الواضحة: لا ينبغي.
وإن حكم في حال من هذه الأحوال مضى حكمه، خلافًا لداود (١).
[تعزير شاهد الزور: ]
وعزر القاضي شاهد زور ثبت زوره ولم يأت تائبًا.
قال مالك: يعزره بقدره وقدر الواقعة.
في الملأ مهموز ومقصور: الجماعة، بنداء ممدود، أي: ينادى عليه بذلك؛ لئلا يفهم أنه لغير ذلك، ويطاف به في الأسواق والجماعات، ولا يحلق رأسه أو لحيته ولا بسخمه في وجهه بسواد، خلافًا لابن العربي.
стр. 2950
[شهادة شاهد الزور بعد التعزير: ]
ثم في قبوله بعد تعزيره عدم قبوله تردد في حكاية طريقين، ذكرهما ابن عبد السلام.
[مسألة: ]
وإن أدب الشاهد التائب من زوره، فأهل للأدب، حكاه اللخمي عن ابن القاسم.
[مسألة: ]
وعزر القاضي من أساء على خصمه بما يستحق الأدب به وجوبًا؛ لأنه مرصد لخلاص الأعراض، كالأموال، إلا أن يكون فلتة من ذي مروءة، فليتجاوز عنه.
و(مَنْ) معطوفة على شاهد في قوله: (وعزر شاهد زور)، أو على (التائب) معنى، من غير شرط وجوابه.
أو أساء على مفت أو على شاهد، كـ: شهدت علي بالزور، أو لست من أهل العدل، ولا من أهل الدين، فيؤدب عند سحنون بقدر القائل والمقول.
لا بشهدت بباطل، فلا يؤدب، كلخصمه عند دعواه بشيء كذبت علي؛ إذ لا يعد الفقهاء تكذيب الخصم فيما ادعى عليه من السباب، كـ: كذبت، وشبهه.
[التسوية بين الخصوم: ]
وليسوا بين الخصمين، ظاهره: وجوبًا، وجعله ابن الحاجب كابن شاس من أدب القاضي، فيحتمل الوجوب والندب، والتسوية في: القيام والجلوس والكلام والإسماع ورفع الصوت والنظر وغير ذلك، مسلمين كانوا أو كافرين، وإن كانا مسلما وكافرا على المشهور، وإن تزاحم المدعون قدم المسافر خوف فوات الرفقة.
стр. 2951
وظاهره: الوجوب.
وجعله البساطي من أدبه كابن شاس.
وظاهره: ولو كثر أو حصل الضرر، وقيده المازري بما إذا لم يكثروا.
وإن كثروا فيصار إلى القرعة، قدم ما يخشى فواته، لو اشتغل بغيره فسد، وظاهره: الوجوب.
وقول البساطي: (الفقه يقتضي إذا تعارض عنده المسافر بشرطه وما يخشى فواته القرعة) غير ظاهر.
ثم يلي ما تقدم السابق في الزمان، قال المازري من عند نفسه: وإن بحقين بلا طول يضر بغيره، كما لو خاصم الأول، وطال خصامه معه، وربما كان تخاصم اثنين كخصام واحد يطول معه الخصام.
ثم أقرع بين المدعيين، إن لم يعرف السابق، كذا في التوضيح، وتبعه الشارحان، مع أن كلامه يشمل صورة أخرى، وهي الاستواء في الحضور عنده، وصفتها أن يكتب أسماءهم في رقاع، ثم يؤخذ إحدى الرقاع بعد خلطها، فمن وجد اسمه فيها قدم، وهكذا.
وينبغي له أن يفرد يومًا معينًا أو وقتًا كذلك للنساء، كانت خصومتهن فيما بينهن، أو مع الرجال؛ لأنه أستر لهن، كالمفتي والمدرس يقدمان السابق عند التزاحم، ثم يقرع.
تنبيه:
لم يذكر ابن الحاجب المفتي والمدرس، وذكرهما ابن شاس، فقال ابن عرفة: لا أعرفه نصًّا.
ثم قال: لكن تخريجهما على تزاحم الخصوم واضح.
[مسألة: ]
وأمر مدع تبين أنه مدع، ثم عرفه بقوله هو: من تجرد قوله عن مصدق بالكلام، وأسكت الآخر حتى ينتهي المدعي، فيأمره بالسكوت، وإلا
стр. 2952
بأن لم يتبين له المدعي من غيره منهما ولا اتفقا عليه فالجالب منهما مقدم؛ لدلالة قرينة الحال على صدقه، وإلا بأن ادعى كل أنه الحالب، ولم يصلحا على تقديم أحدهما، أقرع بينهما، قاله ابن شعبان.
ولابن عبد الحكم: يقدم أيهما شاء.
فيدعي بمعلوم محقق، كـ: لي عنده مائة من ثمن مبيع مثلًا، قال المازري: وكذا لي عنده شيء، تعمرت به ذمته، وجهلت مبلغه، وأطلب جوابه بإقرار أو إنكار، وصوبه البساطي.
فائدة:
قال ابن عبد السلام: لا يقال العلم والتحقيق مترادفان، أو كالمترادفين؛ فأحدهما يغني عن الآخر؛ لأنا نقول: المعلوم راجع إلى تصور المدعي فيه، فلا بد أن يكون مميزًا في ذهن المدعي والمدعى عليه، والقاضي والمحقق راجع بجزم المدعي بأنه مالك لما وقع النزاع فيه؛ فهو من نوع التصديق، فقد رجع كل واحد من اللفظين لمعنى غير الذي رجع إليه الآخر، فلاشتراط العلم لا يسمع لي عليه شيء، ولاشتراط التحقيق لا يسمع أشك أن لي عليه كذا، وأظن، وما أشبهه.
وإلا بأن يكن معلومًا بل مجهولًا، كشيء أو مظنونًا لم تسمع، كـ: أظن أن لي عنده كذا، أو في ظني، وأحرى أشك.
[مسألة: ]
ولما كان لا بد للمدعي من بيان السبب قال: وكفاه في بيان المسبب بعت وتزوجت، ونحوهما، وحمل على العقد الصحيح، فلا يحتاج لبيان أركانه.
تنبيه:
مثل بمثالين لمخالفة الشافعي في الثاني، فلا بد أن يقول عنده: عقدته بصداق وولي وشاهدين، ولا يلزم انتفاء الموانع.
стр. 2953
وإلا بأن لم يذكر السبب فليسأله الحاكم عن السبب، نحوه في المتطية عن ابن حارث، ثم أمر مدعى عليه، وهو من ترجح قوله بمعهود، كدعوى شخص على آخر وديعة وعارية، فيدعي ردها له فمدعي الرد هو المدعى عليه؛ لما عهد في الشرع أن الرد لا يحتاج بينة.
أو من ترجح قوله بسبب أصل ذكره بجوابه، متعلق بأمر، ابن عرفة: مقتضى المذهب أمر القاضي الخصم بجوابه إذا استحقت الدعوى جوابًا لقول، ولا يتوقف أمره بالجواب على طلب المدعي لذلك؛ لوضوح دلالة حال المتداعى عليه. انتهى.
[مسألة: ]
وإن لم تستحق الدعوى جوابًا لقول المدعي هذا: أخبرني البارحة أنه رأى هلال الشهر، أو سمع من يعرف بلفظه، فلا يأمره بالجواب، ومثال مدعي الأصل مدعي رق شخص، فيجيب الآخر بالحرية، فالمدعي عليه هو مدعي الحرية؛ لأنها الأصل في الناس، وإنما عرض لهم الرق بسبب السبي بشرط الكفر، والأصل عدم السبي، ما لم يثبت عليه حوز الملك، فيكون دعوى الحرية حينئذٍ ناقلة عن الأصل، فلا تسمع إلا ببينة؛ لكونه مدعيًا، ولأن العرف يكذبه، إن خالطه المدعي بدين من سلف، أو بيع بالدين ولو مرة، أو تكرر بيع بنقد، هذا ظاهر كلامه.
البساطي: هو منصوص ابن القاسم. وتعقبه الشارح بأن الذي يذكره الأشياخ أن الخلطة في توجه اليمين لا في الدعوى، قال: والأمر في ذلك قريب. انتهى.
وما ذكره من أن الخلطة شرط في توجيه اليمين، عليه جماعة.
وقال ابن رزقون عن ابن نافع: لا يعتبر الخلطة. انتهى.
وهو الذي عليه عمل القضاة بمصر.
ابن عرفة: وعليه عمل القضاة عندنا.
стр. 2954
[مسألة: ]
ويثبت وإن بشهادة امرأة واحدة عند ابن القاسم، فالرجل أولى، لا ببينة جرحت في هذه الشهادة، أو غيرها.
المتيطي: إن جاء الطالب ببينة بالدين فسقطت بوجه تسقط به الشهادة أو جرحها المطلوب فليس ذلك بخلط يوجب اليمين عند مالك وابن القاسم وسحنون، وكذلك إن ترافعا قبل ذلك للحاكم في حق آخر، فقضى بينهما، فليس ذلك بخلطة.
[المسائل التي لا تسمع فيها الدعوى: ]
ثم استثنى المسائل الثمانية التي تسمع فيها الدعوى، وتتوجه اليمين بغير خلطة، فقال: إلا لصانع؛ لأنه نصب نفسه للناس، فهو في معنى الخلطة، قاله يحيى بن عمر.
ويندرج فيه التاجر والمتهم بسرقة أو تعد أو ظلم، قاله أصبغ.
والضيف يدعى عليه، قال بعض الأشياخ: وفي معين، كدعوى سارق شراء المسروق، فليحلف ربه، والوديعة على أهلها، وهو من يودع عنده مثلها، وقيد ذلك اللخمي بثلاثة قيود:
- كون المدعي يملك مثل ذلك في جنسه، وقدره.
- وكون المودع ممن يودع مثل ذلك.
- وحصول أمر يوجب الإيداع.
وكلام المؤلف يشمل هذه القيود.
والمسافر على رفقته، أنه دفع لهم أو لبعضهم مالًا أودعه، ودعوى مريض أنه له على غيره، كذا نص عليه أصبغ.
أو بائع على حاضر المزايدة في سلعة، أنه ابتاعها منه، أو يقول البائع: بعتك بكذا. ويقول هو: بل بكذا.
стр. 2955
تنبيه:
ما ذكره المؤلف نحوه في المتيطية، والظاهر: أن بعض هؤلاء مدعى عليه كالصانع والمتهم، وبعضهم مدع كالضيف والمريض.
فإن أقر المدعى عليه فله -أي: المدعي- الإشهاد عليه، بإقراره، خوف إنكاره.
وللحاكم تنبيهه عليه، أي: على الإشهاد إن غفل عنه، وليس من تلقين الخصم الحجة؛ لما فيه من تلفين الخصام، وقطع النزاع وتحصين الحق.
[إنكار المدعى عليه: ]
وإن أنكر المدعى عليه، قال القاضي للمدعي: ألك بينة، فإن قال: نعم، أمره بإحضارها وسمعها، وأعذر فيها لخصمه، فإن لم يأت بدافع حكم عليه، وإن ادعى مدفعًا أمهله إتيانه به، فإن لم يأت به قضي عليه، وإن نفاها بأن قال: لا بينة، واستحلفه المدعي، أي: طلب يمينه، وحلفه القاضي، فلا بينة له بعد ذلك مسموعة، إن جاء بها على الأشهر.
وعن مالك: تسمع.
وفهم من كلامه: أن القاضي لا يحلف إلا بطلب الغريم، اللَّهم إلا أن تقوم قرينة على ذلك، إلا لعذر في قيامه بها كنسيان لها (١)، أو عدم
стр. 2956
علم بها، ثم يذكرها، أو أعلم بها، فله حينئذٍ القيام بها.
أو وجد المدعي شاهدًا ثانيًا عند من يرى الشاهد مع الأول، وتوجهت عليه اليمين معه، فنكل عنها، ثم أعلم بالشاهد الثاني أو تذكره قبل الحكم عليه، فأقام شهادته مع الأولى.
стр. 2957
وأما إن رد اليمين على المدعى عليه فحلف وقضي عليه لم يلفق الثاني مع الأول؛ لأنه لما نكل عن اليمين مع شاهده فقد رضي بإسقاط شهادته، وترك القيام بها.
أو وجد شاهدًا ثانيًا مع يمين لم يره القاضي الأول، لحكم عليه لقطع خصامه الآن فقط، فله القيام بالثاني عند هذا القاضي دون غيره، قاله محمد.
قال ابن محرز: ضم ابن القاسم شهادة الشاهد الذي قام به الآن إلى شهادة الأول صحيح، وليس يختلف فيه كما اختلف فيمن أقام شاهدًا آخر؛ لأن هذا لم يمكن من اليمين مع شاهده، أي: بخلاف الأول؛ فإنه تمكن منها، ونكل عنها.
وله -أي: المدعى عليه- يمينه -أي: المدعي- أنه لم يحلفه أولًا على هذه الدعوى.
المازري: وبه القضاء والفتيا عندنا.
وله رد اليمين عليه، أنه استحلفه على هذه الدعوى، ثم لا يحلف له مرة أخرى.
قال المازري: وكذا إذا أقام المدعي شهودًا يشهدون بما ادعاه، فللمدعى عليه تحليفه أنه عالم بفسق شهوده.
تنبيه:
ذكر المازري في كل من هذين الفرعين خلافًا، وأنه اختار ما ذكره عنه المؤلف، وعلى هذا فكان ينبغي للمصنف أن لا يذكره بصيغة الفعل.
وأعذر القاضي للمدعى عليه بأبقيت لك حجة بعد إقامة البينة عليه.
[تعدد التوجيه: ]
وندب توجيه متعدد فيه، أي: في الإعذار اثنين فصاعدًا، وعبر
стр. 2958
المتيطي وصاحب المعين عن ذلك بينبغي، قالا: وإن أعذر إليه بواحد أجزأه.
[المسائل التي لا إعذار فيها: ]
ثم استثنى مما يعذر فيه خمس مسائل لا إعذار فيها، فقال: إلا الشاهد بما في المجلس من إقرار أو غيره، فلا إعذار فيه عند الأكثر؛ لسماع القاضي ذلك، وبه العمل.
وموجهه، وهو: من وجهه للشهادة، كالموجه للحيازة فيما لا بد أن يحاز، وإلى تنفيذ ما لا يمكنهم إنفاذه في مجالسهم.
ومزكي السر: بفتح الكاف، وظاهر تقرير البساطي: كسرها، والمبرز في العدالة، وهو من فاق أقرانه فيها، بغير عداوة، وأما العداوة فيعذر الخصم فيها، ومن يخشى منه على الشاهد لا يعذر إليه فيه.
ويحكى عن القاضي ابن بشير أنه قال للوزير لما سأله عمن شهد عليه: مثلك لا يخبر بذلك.
وزاد سادسة، وهي: من قبلت شهادته بالتوسم للخير فيه، لا إعذار فيه فيما يشهد فيه بين المسافرين في سفرهم من المعاملات على مذهب ابن حبيب، ولا يجوز فيما سوى ذلك دون تعديل، وهذا هو المجهول الحال، ونظمتها فقلت:
وخمس حسان ليس يعذر حاكم ... لآت بها فاحفظ وقت من الزلل
مبرز وفي السر زكى موجة ... ومن يخشى أو في مجلس الحكم للعمل
ثم وقفت عليها منظومة مع زيادة التوسم
ودونك حسنًا ليس بعذر حاكم ... بها فاحفظ الأشياء فمنها كما تنشى
موجه أو في السر ذكي مبرز ... توسم أو في مجلس الحكم أو يخشى
стр. 2959
[مسألة: ]
وإذا قال القاضي للمدعى عليه: أبقيت لك حجة، فقال: نعم، أنظره لها، وضرب له أجلًا باجتهاده، ما لم يتبين لدده، ثم حكم عليه بعد الإنظار بما قال خصمه، وعجزه عن الإيتان بدافع كنفيها، أي: الحجة، كأن يقول: لا حجة لي، فحكم عليه، وليجب قاض طالبًا سأله عمن جرح بينته، فيخبره عن المجرح لها؛ لاحتمال إتيانه بما يمنع التجريح.
وأشعر قوله: (جرحت) بأن القاضي لو علم جرحته لم يلزمه الجواب.
ويعجزه، معطوف على قوله: (ثم حكم عليه) بالحق، وعجزه، فلا تقبل له حجة بعد لدده.
[مسائل لا يعجّز فيها: ]
واستثنى مما يعجز فيه مسائل لا يعجز فيها بقوله: لا في دم وحبس وعتق ونسب وطلاق.
ابن سهل: ويشبه الحبس الطريق العامة لمنافع المسلمين.
ونظمتها قديمًا، فقلت:
إذا ما دمت أمرًا ليس فيه ... لقاضِ المشروع تعجيز الخصوم
فعتق مع طلاق ثم حبس ... دم نسب ويقنع للعموم
كطرق أو مشابهًا فهذا ... تمام الست يا حاوي العلوم
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف: أن التلوم باجتهاد الحاكم من غير تحديد، والذي في (مفيد الحكام) أنه موكول إلى اجتهاده خمسة عشر يومًا ثم ثمانية ثم ثلاثة. انتهى.
стр. 2960
وفي وثائق ابن القاسم: في الأصول الشهران والثلاثة، وفي الديون ثلاثة أيام (١).
وفي البيان: وحل العقود ثلاثون يومًا، وفي غير الأصول ثمانية أيام، ثم ستة، ثم أربعة، ثم ثلاثة، فهي سبعة وعشرون يومًا، وللقاضي جمعها، وبتفريقها جرى به العمل.
[مسألة: ]
وإذا ذكر أن له بينة بعيدة، وحكم عليه كتبه في كتابه، ومتى أحضرها فهو على حجته، وعبَّر ابن رشد عن ذلك بينبغي.
[مسألة: ]
وإن لم يجب من ادعي عليه بإقرار ولا إنكار، بل سكت، أو قال: لا أخاصمه، حبس، حتى يقر أو ينكر، رواه أشهب.
ابن رشد: وبه جرى العمل.
وظاهره: عدم الاحتياج لإذن المدعي في ذلك، وإن تمادى على عدم الجواب أدب بالضرب حتى يقر أو ينكر، وبه أفتى فقهاء قرطبة.
ثم إن استمر على ذلك حكم عليه بلا يمين، قاله ابن المواز، ويعد ذلك إقرارًا منه.
[مسألة: ]
ولمدعى عليه السؤال عن السبب الذي ترتبت عليه الدعوى، فإذا قال: لي عليك مائة، ولم يذكر سببها، فللمدعى عليه أن يقول: من أي وجه، أمن بيع أو قرض؟ ونحوه لأشهب في المدونة، فإن بين طلب الآخر بالجواب؛ لاحتمال أن يذكر سببًا فاسدًا، لا يلزم به غرم، أو يلزم به أقل
стр. 2961
مما ادعى، أو يذكر في جوابه ما يرد دعواه، وإن أبي لم يطلب الآخر بالجواب، وتقدم قبل هذا أن الحاكم يسأله عن السبب.
وإن سئل عن السبب فادعى نسيانه قبل نسيانه بلا يمين، قاله أشهب.
[مسألة: ]
وإن أنكر مطلوب المعاملة فالبينة على المدعي، للحديث (١)، ثم إن أقام المدعي البينة بالمعاملة وأقام المنكر لها بينة، بأنه قضاه، لا تقبل بينته بالقضاء؛ لأنه أكذبها بإنكاره للمعاملة، بخلاف ما لو قال المطلوب بحق: لا حق لك علي، فأقام بينة بالحق، وأقام المدعي بينة بالقضاء، فإنها تقبل؛ إذ ليس في جوابه ما يكذب بينته.
[ثبوت الدعوى: ]
وكل دعوى لا تثبت إلا بعدلين، فلا يمين على المدعى عليه بمجردها، ولا ترد كنكاح، فقال في الكبير: كمن ادعت نكاح امرأة بغير شاهد وهي منكرة، وأراد يمينها على ذلك، فلا يمين عليها، ولا ترد هذه اليمين، ونحوه لابن الحاجب.
قال في التوضيح: لو سكت عن قوله: (لا ترد) لم يستفد منه إلا أنها لا تتوجه.
ولا يفهم منه أنها إذا توجهت بشاهد فنكل عنها، فتبين إنها لا ترد مطلقًا.
[الأمر بالصلح: ]
وأمر القاضي بالصلح ذوي الفضل وذوي الرحم، إذا تشاجروا أو ترافعوا إليه؛ لأنه أقرب لتأليف النفوس والصلح بترك بعض ما يتداعونه مما يذهب بما على الصدور، والجزم بالحق يؤثر في النفوس شيئًا، كأن خشي
стр. 2962
تفاقم الأمر، أي: تعاظمه، فإنه يأمر بالصلح، ولو ظهر له وجه الحق.
[مسألة: ]
ولا يحكم الحاكم لمن لا يشهد له، كابنه وأبيه ويتيمه ونحوهم، كـ: زوجته، على المختار عند اللخمي، خلافًا لأصبغ في تجويزه الحكم لمن لا يشهد له، إذا لم يكن من أهل التهمة.
[أحكام أنواع القضاة: ]
ولما أخبر ﷺ أن القضاة ثلاثة: جائر وجاهل وعدل، أفاد المصنف أحكامها على هذا الترتيب، فقال: ونبذ -أي: طرح وألغي- حكم جائر في حكمه، خارج عن الحق عمدًا، ونبذ أيضًا حكم عدل جاهل لم يشاور أهل العلم.
وظاهره: وإن كان صوابًا؛ لكونه بالحدس والتخمين، والقضاء بهما باطل.
وإلا بأن شاورهم تعقب حكمه، فيما شاور فيه، ومضى منه غير الجور، فنبذ منه ما كان جورًا، ولا يتعقب حكم العدل العالم، فلا ينظر فيه من ولي بعده، نص عليه غير واحد، لئلا يكثر الهرج والخصام، ونقض العدل العالم ما تبين له خطؤه مما رفع إليه من الأحكام في المسائل الآتية، لا أنه يتعقب أحكام العدل العالم. وظاهره: وجوب النقض كذلك، صرح به ابن الحاجب.
[مسألة: ]
وإذا نقض بين السبب الذي بين الحكم لأجله مطلقًا، حكمه أو حكم غيره، لكنه في الثاني لا بد من بيان السبب قولًا واحدًا، وفي الأول على المشهور.
[ما فيه النقض: ]
ثم ذكر المصنف ما فيه النقض بقوله: ما اطلع هو أو غيره على
стр. 2963
أنه خالف فيه قاطعًا من نص كتاب أو سنَّة أو إجماع أو جلي قياس، أي: قياسًا جليًّا، وهو إما مفهوم الموافقة، أو ما اتفق فيه على العلة.
زاد في الذخيرة: أو خالف القواعد مع سلامة جمع ذلك على المعارض الراجح.
كاستسعا معتق بعضه، وهو يشبه ما خالف النص والقياس، وليس داخلًا فيه؛ لأن مسلمًا وغيره رووا حديث الاستسعاء.
وكذا ينتقض حكمه في شفعة جار، وإن وردت أحاديث تقتضيها.
وكذا مع ما وقع له من حكم على عدو له، أو بشهادة كافر مطلقًا على مسلم، أو على كافر مثله.
وميراث ذوي رحم، كـ: عمة أو خالة أو ميراث مولى أسفل من معتقه.
أو بعلم سبق مجلسه بشيء بين الخصوم، سواء علمه قبل ولايته أو بعدها، وبنقضه هو وغيره.
واحترز بـ (سبق العلم مجلسه) عما علمه بمجلسه؛ فإنه لا ينقض.
أو ما حكم به من جعل بتة طلقة واحدة، فينقض، ويفرق بينهما، حكاه ابن عبد الحكم عن ابن القاسم.
أو أنه قصد كذا؛ ليحكم به فأخطأ، وحكم بغيره ببينة: متعلق بـ (قصد)، أي: إذا شهدت البينة عند القاضي الثاني أن الأول قصد كذا، ولكنه أخطأ، فإنه ينقض.
أو ظهر بعد قضائه أنه قضى بعبدين أو كافرين أو صبيين أو فاسقين، معتمدًا على عدالتهما حين قضائه، فينقض في الثلاث الأول اتفاقًا، وفي الرابعة على أحد قولي مالك في شهادات المدونة، وبه أخذ ابن القاسم، والآخر لمالك أيضًا في حدودها.
سند: وبه أخذ أشهب.
стр. 2964
كأحدهما -أي: ظهور أحدهما- بالصفة السابقة، والآخر عدل، فينقض، إلا أن يكون بمال قضي به للطالب وأخذه فلا يرد المال المطلوب، ويوقف بيد الطالب، إن حلف استحقه بالشاهد واليمين، وإلا بأن نكل الطالب أخذه منه المطلوب إن حلف، ونحوه في رجم المدونة.
وإن ظهر أن أحدهما عبد أو نحوه في قصاص نفس وحلف ولي الدم في القصاص خمسين يمينًا مع عاصبه: واحدًا كان أو أكثر؛ إذ لا يحلف في العمد أقل من رجلين، كما سيأتي.
وإن نكل الولي ردت شهادة الشاهد الباقي، إذا لم يبق من ترجع إليه اليمين، وغرم شهود علموا أن من شهد معهم عبد أو نحوه، سواء علموا أن شهادته مردودة أو لا، وهو كذلك على المشهور.
وإلا بأن لم يعلموا أنه عبد أو نحوه فعلى عاقلة الإمام غرم الدية؛ لتسببه، فظهر خلاف اجتهاده، بخلاف الشاهد، فإنه لا يجتهد في حال من يشهد معه، بل قد لا يعلمه، وأيضًا لو علم لكانت دية في ماله، لا على عاقلته، وهذا في النفس وفي الجراح التي تشبه المال.
وإن نكل القاطع عن اليمين في قطع ليد مثلًا، حلف المقطوع يده مع الشاهد الباقي أنها -أي: الشهادة- باطلة، واستحق دية.
وإن نكل فلا شي له، وهذا كله إذا ظهر خلل الشهادة بعد الاستيفاء، وما قبل الاستيفاء فسيأتي.
[قسيم ما ينقضه: ]
ولما ذكر ما ينقضه هو وغيره، ذكر قسيمه، فقال: ونقضه هو فقط دون غيره من القضاة، وذلك في ثلاث مسائل، أشار لإحداهما بقوله: إن ظهر أن غيره أصوب منه، وهو قول ابن القاسم. ابن راشد: وهو المشهور.
وقال سحنون: لا يجوز نقضه.
وصوبه ابن محرز وعياض وغيرهما، والقولان متأولان على المدونة.
стр. 2965
ولثانيها بقوله: وخرج في قضائه عن رأيه، بأن رآه أنه خالفه، فله نقضه ما دام في ولايته.
ابن رشد: وهو المشهور.
ولثالثها بقوله: أو خرج عن رأي مقلده: بفتح اللام.
عياض: عندي أن القاضي إذا التزم مذهبًا يحكم به بتقليده، لا باجتهاد، فحكم بحكم يرى أنه من مذهبه فغلط، فله نقضه دون غيره.
ورفع حكم الحاكم الخلاف في عين الجزئيات التي حكم فيها فقط، فلا يجوز لمن يرى خلاف ما حكم به أن يحكم بما يراه مخالفًا له، لا على معنى أنه يجوز لمن يعتقد خلافه، تناول ما حكم به المخالف؛ ولذا قال: لا أحل حكم الحاكم المخالف حرامًا، فلا يحل لمالكي نكاح امرأة طلقها ثلاثًا، وحكم مخالف بصحة النكاح محللها، وهو عندنا عام في الأموال وفي الفروج وغيرها.
[حكم ما يصدر من القاضي من أحكام: ]
ولما كان ما يصدر من القاضي تارةً يكون حكمًا اتفاقًا، وتارةً يختلف فيه: هل هو حكم أم لا، وتارة ليس حكمًا اتفاقًا؟ أفاد جميعها على هذا الترتيب، فأشار للأول بقوله: ونقل ملك عن شخص لآخر، وفسخ عقد في نكاح رفع إليه، أو شراء أو شركة حكم.
وأشار للثاني بقوله: وتقرر نكاح زوجت امرأة نفسها فيه بغير ولي، رفع إليه فأقره، ولم يحكم بفسخه.
قال ابن القاسم: حكم، لا ينقض. وأجازه ابن محرز.
وأشار للثالث بقوله: لا إن رفع إليه هذا النكاح، فقال: لا أجيزه، فليس بحكم، أو أفتى القاضي في أمر رفع إليه، فليس فتياه حكمًا اتفاقًا.
وحكم الحاكم جزئي، فإذا حكم في أمرين اثنين أو أكثر في جزئية، لم يتعد حكمه لمماثل لتلك الجزئية، بل أن تجدد مثلها، فالاجتهاد ثانيًا.
стр. 2966
ومثل لذلك بمثالين، أشار لأحدهما بقوله: كفسخ لنكاح رفع إليه برضع كبير، بسبب أن أحدهما رضع أم الآخر، وهو كبير، فالقدر الثابت في هذا الحكم هو فسخ هذا النكاح فقط، وإنما تحريمها في المستقبل فلا يثبت بهذا الحكم، بل يبقى معرضًا للاجتهاد فيه، فلو عاد هنا الزوج وتزوجها مرة أخرى، أو وقعت جزئية أخرى مثلها في رضاع كبير ورفعت له أو لغيره فلا بد من اجتهاد، فإن اجتهد وأداه اجتهاده إلى أن رضاع الكبير لا ينشر الحرمة أباحها له.
وأشار للمثال الثاني بقوله: وتأبيد منكوحة عدة رفع إليه أنها تزوجت في عدتها، ورأيه مع فسخ نكاحها تأبيد حرمتها، وحكم بذلك، فإن حكمه لا يتعدى الفسخ، فإن تزوجها بعد ذلك، ورفع أمرها بعد تغيير اجتهاده لعدم تأبيد التحريم، أو رفع أمرهما لمن لا يرى التحريم لم يكن الحكم الأول مانعًا من ذلك؛ ولذا قال: وهي -أي: المفسوخ نكاحها لرضاع الكبير أو المحكوم بفسخه لوقوعه في العدة- كغيرها في المستقبل ممن لا يقع له مثل ذلك، ونحوه لابن الحاجب تبعًا لابن شاس، واستصوبه ابن عرفة في مسألة العدة، لا في رضاع الكبير.
ولا يدعو القاضي لصلح بين الخصمين إن ظهر له في الحكم وجهه، ما لم يخش تفاقم الأمر، كما سبق.
[قضاء القاضي بعلمه: ]
ولا يستند في حكمه لعلمه (١)، إلا في التعديل والتجريح اتفاقًا،
حكاه المازري وغيره، إذ لو لم يحكم بعلمه لافتقر لمعدلين آخرين، وهكذا فيتسلسل، وانقطاعه بظهور عدالتهما نادر.
ووجهه بعضهم بأن حال العدول والفسقه شهير عند الناس قل ما ينفرد القاضي بعلمه دون غيره، فبعدت تهمته، فأفهم الحصر أنه لا يحكم بعلمه في غيرهما، فلو حكم بعلمه ففي فسخه قولان.
ثم شبه بما يعتمد عليه على علمه مسألتين، الثمار لإحداهما بقوله: كالشهرة بذلك، فقد يشهد من هو مشهور الاسم عنده دون الغير، كابن أبي حازم شهد عند قاضي المدينة أو عاملها، فقال له: أما الاسم فعدل، ولكن من يعرف أنك ابن أبي حازم.
وأشار للثانية بقوله: أو إقرار الخصم المشهود عليه بالعدالة للشاهد عليه، وإن أنكر محكوم عليه إقراره ضد الماضي مما حكم به عليه بعده،
стр. 2970
أي: بعد الحكم، لم يفده إنكاره حينئذٍ، لاعترافه بالحكم عليه، وإقراره بالإنكار، فيمضي الحكم عليه، وقيد الظرف مخرج لما إذا أنكر إقراره قبل الحكم، فليس له الحكم عليه حينئذٍ، وهذا التفصيل لمالك وابن القاسم.
اللخمي: وهو المشهور.
وعبر عنه المازري بالمعروف.
وقال ابن الماجشون وسحنون: يحكم.
ولا يعلم هذا إلا من ابتلي بالقضاء (١).
[مسألة: ]
وإن شهدا على القاضي بحكم وادعى أنه نسيه أمضاه، عند مالك.
ابن الحاجب: وهو الأصح.
أو شهد عليه بحكم أنكره أمضاه، رواه ابن وهب عن مالك. وسواء كان معزولًا أو لا.
تنبيه:
فرضها في الجلاب في الإنكار؛ لأنه أشد من النسيان.
[مسألة: ]
ولما كان إنهاء الحاكم بتبليغ حكمه لقاض آخر إذا أراد ذلك يحصل بوجهين، أشار لأحدهما بقوله: وأنهى لغيره بمشافهة منه بما حكم به، إن كان كل منهما بولايته.
تنبيهان:
الأول: نحوه لابن الحاجب وابن شاس، وأقره ابن عبد السلام وابن هارون.
стр. 2971
وقال ابن عرفة: لا أعلم من جزم بهذا في المذهب.
الثاني: في هذا الوجه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكونا قائمين ببلد واحد، ولكل منهما جهة منها تخصه.
والثاني: أن يكونا ببلدين متجاورين.
والثالث: أن يكونا ببلد واحد مشتركين مطلقًا.
ففي الأول والثاني يقف كل منهما في ولايته، ويخبر الآخر بحكمه، فجعلوا محل ولايته كزمنها؛ ولذا اشترطوا كون كل بمحل ولايته فالمشافهة في محل ولايته، والسامع منه كذلك، ولو كان المشافهة في محل ولايته، والسامع في غير محل ولايته، ثم رجع السامع لمحل ولايته، لم يحل له الحكم بما سمعه بغير محل ولايته، لحكمه حينئذٍ بعلمه، والوجه الثالث: أن يشافه كل منهما الآخر بما عنده في محلها.
تتمة:
هذا في الحكم، وأما لو أنهى إليه أنه ثبت عنده بشهادة حاضر فتردد المازري؛ بناءً على أنها نقل شهادة، فلا تسمع، وعليه جماعة من الموثقين، أو هو كالحكم.
تنبيه:
قال البساطي: ينبغي أن يحترز القاضي من مثل هذا؛ فإن الحنفي ثبت عنده بكل مسلم مجهول الحال، وأيضًا فكثير من القضاة غيرهم يسامح، ولا سيما من يظهر الصلاح، ومن جملة إظهاره قبوله كل أحد.
وأشار للوجه الثاني من وجهي الإنهاء بقوله: وبشاهدين على حكمه مطلقًا، أي: في كل حق، سواء كان المحكوم به مما يثبت أصله
стр. 2972
بأربعة كالزنا، أو باثنين، أو بواحد وامرأتين، أو بواحد ويمين، أو بامرأتين، أو بواحد ولفيف (١)، أو بواحد فقط، أو بامرأة فقط.
واعتمد المنهي إليه عليهما إن لم يخالفا بشهادتهما كتابة، بل وإن خالفا بها كتابة، وطابقت الدعوى.
[ما يندب في كتاب القاضي: ]
وندب للقاضي ختمه للكتاب، ولم يفد كتابه وحده مجردًا عن الإشهاد، ولو كان مختومًا.
[مسألة: ]
وإذا أشهدهما القاضي على كتابه أديا ما أشهدهما به، وإن عند قاض غيره.
[مسألة: ]
وإن عزل أو مات أفاد كتاب قاض لآخر أرسله إليه، فيعمل بما فيه، وينفذه إن أشهدهما على نفسه أن ما فيه حكمه، أو أشهدها أن ما فيه خطه.
ابن عبد السلام: وهو الصحيح عندي.
كالإقرار من كاتب وثيقة، قال: اشهدوا علي بما فيها، وأنا عالم بما أقررت به على نفسي فيها.
[مسألة: ]
وإذا حكم القاضي على غائب، وطلب المحكوم له منه أن يكتب له كتابًا إلى حاكم بلد كتب له، وميز فيه ما يتميز به الغائب المحكوم عليه من اسم له ولأبيه وجده، وحرفة وغيرهما من حلية ومسكن وشهرة، فينفذ
стр. 2973
الثاني المرسل إليه بعد الكشف عنه، إن كان القاضي الأول قد استوفى جميع حجته، ولم يجد بتلك الصفة غير واحد.
[مسألة: ]
وإذا كان القاضي الأول لم يستوف الحجج، بل اقتصر على سماع البينة، وأشهد بذلك، بنى الثاني، وكمل ما يتوقف عليه الحكم، كأن نقل المرسل إليه من خطه كشرطه أو غيرها بأن ارتفع عنها لخطة أخرى، كالقضاء؛ فإنه يبني على ما مضى له، قاله ابن عتاب، لما سأله ابن سهل: هل يستأنف ما وقع بين يديه من الأحكام، ولم يكمله، أو يكمله.
تنكيت:
شرح البساطي لكلام المصنف بقوله: (وكذلك في خطتين من بلد واحد) غير ظاهر. انتهى.
والخطة، بالضم: الأمر والقصة، بالكسر: الأرض يختطها الرجل لنفسه ويعلم عليها علامة بالخط، ليعلم أنه قد اختارها ليبنيها دارًا.
[مسألة: ]
وينفذ الثاني ما جاءه عن الأول، وإن لم يكن حدًّا، بل وإن كان حدًّا وقصاصًا وعفوًا، إن كان الأول أهلًا للقضاء، بأن اجتمعت فيه شروطه، أو لم يعرفه بهذه الصفة، ولكنه قاضي مصر من الأمصار الجامعة، كـ: مكة والمدينة ومصر والعراق ونحو ذلك؛ فإنه مظنة العلم والعدالة.
وإلا يكن أهلًا للقضاء ولا من قضاة الأمصار الجامعة فلا ينفذ الثاني كتابه.
[تشابه الأسماء والأوصاف: ]
كأن شاركه، أي: يشارك المحكوم عليه غيره: واحدًا فأكثر في اسمه واسم أبيه وجده وبقية أوصافه، وإن كان المشارك له ميتًا، فلا ينفذ الحكم على واحد حتى تشهد البينة على عينه.
стр. 2974
تنبيه:
هذا ما لم يطل زمان الميت، ويعلم أنه غير المراد؛ لبعده، فيلزم الحي، وكذا لو لم يطل ولكن تاريخ وثيقة الحق بعد موته.
[مسألة: ]
وإن لم يميز هذا القاضي المكاتب المحكوم عليه، بل ترك تمييزه؛ ففي إعدائه، أي: القاضي المكتوب إليه للطالب على صاحب الاسم المكتوب إلا أن يثبت صاحب الاسم أن بالبلد من يشاركه في الاسم والصفة أو لا يعديه عليه، حتى يثبت الطالب أحديته، أي: انفراده بذلك قولان.
قال المصنف: والشهادة في ذلك على العلم.
قال في الصحاح: العدوى طلبك إلي وال ليعديك على من ظلمك، أي: ينتقم منه.
[أقسام الغيبة: ]
ولما أفاد أن القاضي يحكم على الغائب، وكانت الغيبة ثلاثة أقسام: قريبة وبعيدة ومتوسطة، ذكرها على هذا الترتيب، فقال: والغائب القريب الغيبة كاليومين والثلاثة مع أمن الطريق كالحاضر، فتسمع الدعوى عليه والبينة.
ابن الماجشون: العمل عندنا نسمع البينة حضر الخصم أو لم يحضر، ثم يعلم بهم، فإن كان له مدفع، وإلا قضي عليه في كل شيء، بعد الإرسال إليهم إعلامه بمن قام عليه، ودعواه، وما ثبت عليه، وتسمية الشهود والمنقول منهم، وتسمية المعدلين لهم، ولم يرها سحنون إلا بمحضره، إلا أن يكون غائبًا غيبة بعيدة.
والقسم الثاني: الغيبة البعيدة جدًّا كإفريقية من المدينة ونحوها، يقضى عليه في كل شيء من ربع وأصل وعرض وحيوان ودين.
وفهم من قوله: (قضي عليه) أنه لا يقيم عليه وكيلًا ينوب عنه في
стр. 2975
حجته، وهو كذلك، كما لا يقيمه عن طفل لانقطاع حجتهما بحجة وكيلهما، فكان ذلك أنفع لهما؛ لبقاء حجتهما بيمين القضاء على الطالب أنه ما أبرأ ولا استوفى ولا اعتاض، ولا احتال ولا وكل على الاقتضاء فيه، ولا في بعضه، وتسمى يمين الاستبراء.
وهل هي واجبه، وهو ظاهر كلام المصنف، أو استظهار؟ قولان.
ابن رشد: وهي متوجهة على من يقوم على ميت أو غائب أو يتيم، أو على الأحباش أو المساكين، أو على وجه من وجوه البر، أو على بيت المال، أو على من استحق شيئًا من الحيوان، ولا يتم الحكم إلا بها.
[مسألة: ]
وإذا قضى على غائب سمى الشهود المقضي عليه بشهادتهم؛ ليتمكن من رد القضاء بتجريح أو غيره؛ لأن المشهور إبقاء الحجة له، وإلا بأن لم يسم نقض حكمه، واستؤنف.
ثم أشار للغيبة المتوسطة بقوله: والعشرة الأيام مع عدم خوف الطريق أو اليومان مع الخوف يقضى عليه -أي: الغائب- معها -أي: مع يمين القضاء- في كل شيء غير استحقاق العقار، فلا يقضى عليه فيه؛ ففيها عن ابن القاسم: سمعت من يذكر عن مالك أنه لا يقضى على الغائب في الدور وهو رائي، إلا في الغيبة البعيدة كالأندلس وطنجة، وما بعد، فليقض عليه، وما علمت في هذا اختلافًا. انتهى.
وهل ترجى له الحجة، وهو الأرجح، أو لا؟ قولان.
[مسألة: ]
وحكم القاضي بما يتميز -أي: يقبل التمييز- كعبد وفرس، إذا كان أو في حال كونه غائبًا بالصفة، ومفهوم: (بما يتميز) أن ما لا يتميز لا يطلب تمييزه؛ إذ لا معنى لطلب ما يتعذر حصوله، فتقول البينة: غصب له حديدًا مثلًا قيمته كذا، كدين اختلف الشارحان في تقريره:
- فقال الشارح: إن المحكوم به إن كان مما يتميز بالصفة في غيبته،
стр. 2976
كالعبد والدابة ونحوهما، فلا يطلب حضوره، بل تميزه البينة بالصفة، ويصير حكمه حكم الدين، وهو المشهور (١).
- وقال البساطي: ليس المراد إفادة الحكم، وإنما المراد كما يحكم بالدين المتميز بالصفة، بمعنى لا فرق. انتهى.
تنبيه:
وهذا حكم بالغائب لا على الغائب.
[الحكم على الحاضر: ]
ثم تكلم على الحكم على الحاضر وما في معناه، فقال: وجلب القاضي الخصم مع مدعيه بخاتم أو رسول أو رقة ونحوها.
تتمة:
أجرة الرسول على المدعي، إلا أن يمتنع المدعى عليه من الحضور لأداء الجواب أو الإعطاء؛ لما ثبت عليه بإقراره أو بينة، فتكون حينئذٍ من مال الممتنع؛ لأنه ظالم، والظالم أحق أن يحمل عليه.
لا يقال: الظلم لا يوجب استباحة مال الظالم؛ لأنا نقول: كما قال
стр. 2977
ابن عرفة: والظلم الذي لا يوجب استباحة مال الظالم هو الذي لا يؤدي لتلف مال المظلوم، وأما إن أدى إليه فلا يبعد إغرامه، كمانع آلة الذكاة المفتقر لها، حتى مات المذكى المفتقر لها؛ فإنه ضامن. انتهى.
[مسافة الجلب: ]
ثم ذكر المؤلف المسافة التي يجلب الخصم منها، فقال: إن كان المدعي على مسافة العدوى من مجلس القاضي، وهو أن يأتي إليها ويرجع يبيت بمنزله، والطريق مأمون، وحد الباجي في سجلاته القرب بثلاثة أميال.
لا أكثر من مسافة العدوى زيادة واضحة كستين ميلًا، فلا يجلب منها، إلا بشاهد يقيمه عند القاضي بحقه، فحينئذٍ يكتب له، إما أن يحضر أو يرضي خصمه.
[مسألة: ]
ولا يزوج امرأة ليست بولايته، اختلف الشارحان في تقريره:
- فقرره الشارح بما معناه: أنها بمحلها في غير ولايته، كانت من أهل ولايته وخرجت منها، أو كانت من غير أهل ولايته؛ لأنه إذا خرج عن محل ولايته صار معزولًا عن الحكم في ذلك المحل، فكذلك إذا كان المحكوم عليه خارجًا عن ولايته.
- وقال البساطي: لا يزوج امرأة ليست بولايته، يعني: إذا حضرت بولايته امرأة محلها في غير ولايته فلا يزوجها، قالوا: لأنه تعتبر الأشخاص كما تعتبر البقاع.
[مسألة: ]
وهل يدعي بالحق حيث يكون المدعى عليه، إذا كان ببلدة قاض، والمدعي ببلد قاض آخر، وبه عمل.
مطرف: به جرى الحكم بالمدينة. وحكم به ابن البشير بالأندلس، أو إنما يدعى حيث يكون المدعي فيه، وهو قول عبد الملك.
стр. 2978
[مسألة: ]
وأقيم منها، أي: أقامه فضل من المدونة، وظاهره: سواء كان المدعي به عقارًا أو شيئًا يتعلق بالذمة، وهو كذلك.
تنبيه:
الظاهر: أن العمل مرجح للقول مطلقًا، وهو واضح، إن كان العرف عامًّا في كل بلد، وأما إن اختلف العرف بأن جرى العمل به في بلد، وجرى في آخر بغيره، فغير واضح؛ فرب شيء شهد العرف أنه للرجال دون النساء في بلد، وشهد آخر للنساء دون الرجال، وربما اختلف العرف في البلد الواحد، فلا ينبغي أن يعم، واللَّه أعلم (١).
стр. 2979
[مسألة: ]
وفي تمكين الدعوى من محتسب قام لغائب بلا وكالة منه في شيء تسور عليه فيه، أو أخذ له، أو في عيب حدث عليه في داره أو أرضه، وهو قول ابن القاسم، وإليه ذهب سحنون، وعدم تمكينه من إقامة البينة ومن الخصومة إلا بتوكيل من الغائب، وهو قول مطرف وابن الماجشون تردد.
وهذان القولان من جملة خمسة أقوال؛ ثالثها: لا يمكن من ذلك إلا الأب والابن، ومن له قرابة قريبة.
ورابعها: يمكن من إقامة البينة لا من الخصومة.
خامسها: يمكن القريب والأجنبي من الخصومة في العبد والدابة والثوب دون توكيل، ولا يمكن من الخصومة في غير ذلك، إلا الأب والابن حكاه ابن حبيب.
تنبيهات:
الأول: ظاهر كلام الشارح أن التردد في الأقوال الخمسة.
الثاني: قال البساطي: الذي يظهر لنا من هذا الكلام أن الغائب إذا كان له مال عند أحد، وخيف عليه أن يؤخذ، فهل لأحد من أقاربه أو أصدقائه أن يدعي عنه من غير وكالة؛ رعيًا لحفظ المال، أو ليس له نظرًا لعدم الوكالة في ذلك تردد.
الثالث: ما قررنا به نحوه للشارح في الأوساط، وقال البساطي: حمله الشارح على أن الغائب مدعى عليه، فهل يشترط في قبول هذه الدعوى وكيل، أو يكفي وجود المال؟
стр. 2980
قال ابن عبد السلام: لا فائدة لاشتراط حضور الوكيل؛ لأن الغائب إن كان له مال فوجود الوكيل كعدمه. انتهى. وما ذكره هو معنى ما للشارح في الكبير.
* * *
باب
ذكر فيه الشهادة وأحكامها وترك تعريفها كابن الحاجب.
فائدة:
قال القرافي: قول الشاهد: (أشهد بكذا) إنشاء لا إخبار (١)؛ إذ لا تصح بالخبر البتة.