أشهب: من قال للقاضي: يشهد لي فلان العبد أو النصراني أو الصبي. فقال: لا أقبل شهادتهم. ثم زالت موانعهم قبلت شهادتهم؛ لأن قوله فتوى لا حكم.
أو حرص على التأسي، بجعل غيره مثله، كشهادة ولد الزنا فيه، أي: في الزنا، فلا يقبل؛ لتهمته على أن يكون له مشارك في صفته.
ثم ذكر مثالًا آخر للقاضي، فقال: أو كشهادة من حط فيما حد فيه بعد أن تاب، فلا تقبل على المشهور من قول ابن القاسم.
وقال ابن كنانة: تقبل.
وفهم من قوله: (فيما حد فيه) أنه لو شهد في غير ما حد فيه كمن حد للشرب وشهد في القذف مثلًا قبل، وهو كذلك.
[أقسام الحرص: ]
وأشار للمانع الخامس، وهو: الحرص، وهو ثلاثة أقسام: على القبول، وعلى الأذى، وعلى التحمل، والأول والثاني مانعان دون الثالث.
وأشار لأولها بقوله: ولا إن حرص على القبول كمخاصمة مشهود عليه مطلقًا، أي: في حق اللَّه تعالى، أو حق آدمي؛ لدلالة ذلك في حق الآدمي على التعصب، وعلى شدة الحرص في حق اللَّه عند ابن القاسم.
المازري: مخاصمتهم على شدة الحرص على إنفاذها قد يحملهم ذلك على تحريفها، أو زيادة فيها.
أو شهد وحلف على صحة شهادته، لم تقبل، قاله ابن شعبان، وظاهر كلام المؤلف: عاميًّا كان أو غيره.
[أنواع الحرص على الأداء: ]
ثم ذكر الحرص على الأداء، وهو ثلاثة أنواع:
الأول: تمحض حق الآدمي، وإليه أشار بقوله: أو رفع شهادته -أي:
стр. 3012
أدائها- قبل الطلب لها منه في محضر حق الآدمي، فإنه قادح في شهادته، ولكن يجب عليه إعلام صاحب الحق.
وأشار لما فيه حق للَّه تعالى ويستدام فيه التحريم بقوله: وفي محض حق اللَّه تعالى لا تقدم المبادرة ولا الرفع قبل الطلب، بل تجب المبادرة فيه بالإمكان، حيث أمكنه، والتأخير حينئذٍ جرحة، وأما إن لم يكن لعذر فلا يقدم التأخير.
ومحل وجوب المبادرة إن استديم تحريمه، أي: المشهود به، كعتق لأمة أو عبد وطلاق لزوجته ووقف، وأطلق ليشمل ما على معين أو غيره، وكذا أطلق الباجي وابن رشد، وفي الجواهر: على غير معين.
ورضاع لزوج مع زوجته، وإلا بأن كان الحق للَّه ولا يستدام تحريمه خير، كالزنا وشرب الخمر الماضيين، فلا يجب الرفع؛ للستر.
تنبيه:
أطلق هنا وقيد في توضيحه عن الإكمال، بأن هذا في غير المشهور بالفسق والمعاصي المجاهر بها، فقد كره مالك وغيره الستر على مثله، ولترفع عليه الشهادة بما اعترف، ليرتدع عن فسقه.
[الحرص على التحمل: ]
ثم ذكر الحرص على التحمل، فقال: بخلاف الحرص على التحمل كالمختفي المتواري عن المشهود عليه؛ ليشهد على إقراره، والمشهور العمل بها، وعليه مالك وعامة أصحابه.
[المانع السادس من موانع الشهادة: ]
وأشار للمانع السادس، وهو: الاستبعاد، بقوله: ولا إن استبعد وقوع مثله عادة، كبدوي يشهد لحضري؛ إذ يبعد أن يترك الحضري أهل قريته ويشهد لأهل الباديه.
اللخمي والمازري: وذلك إذا كتب بخطه في الوثيقة والصداقات،
стр. 3013
وهما في الحضر مع تيسير الحاضرة، وأما لو سمعه أو مر به فلا تهمة.
وأشار المصنف لهذا التقييد بقوله: بخلاف إن سمعه يقر، أو يبيع منه سلعة، أو حصل بينهما منازعة في عقد نكاح، فاعترف به أحدهما، أو جمعهم سفر، أو مر به فسمعه يقر، فإنها جائزة؛ إذ لا ريبة.
ومفهوم كلام المؤلف: قبول الحضري على البدوي.
ابن وهب: وأنا أرى أنها جائزة، إلا أن يدخلها ما دخل عكسها من الظنة والتهمة، ورأى قوم منعها.
[شهادة السائل: ]
ولما كانت شهادة السائل منخرطة في سلك الاستبعاد أتبعها له بقوله: ولا تجوز شهادة فقير سائل إن شهد في شيء كثير؛ لأن العادة لم تجر باستشهاد مثله، وترك الأغنياء المشهودين.
ومفهوم (كثير) قبولها في التافه اليسير، وهو كذلك، إذا كان عدلًا، قاله في المدونة.
تنبيهان:
الأول: قيده اللخمي بما إذا قصد الشهادة، وأما لو قال: مررت بهما يتنازعان، وأقر فلان لفلان بكذا، فإنه يقبل، كما في الفرع السابق.
الثاني: ظاهر كلام المصنف سواء سأل لمصيبة نزلت به أم لا.
وقال ابن كنانة: من سأل لمصيبة نزلت به أو دية وقعت عليه، لم ترد شهادته.
بخلاف من لم يسأل، سواء كان يأخذ إذا أعطى، أو لا يقبل، أو من يسأل الإمام أو الأعيان من الناس، فيقبل مطلقًا في الكثير والقليل.
ابن الحاجب: على الأصح.
ومقابله: لا يقبل في الكثير.
стр. 3014
[المانع السابع: ]
وأشار لمانع الجر، وهو السابع، بقوله: ولا إن جر بها -أي: بشهادته- نفعًا لنفسه، وذكر لذلك أمثلة أشار لأحدها بقوله: كعلى مورثه المحصن بالزنا أو قتل العمد، فلا تقبل شهادته عليه؛ لاتهامه في المسألتين على قصد قتله؛ ليرثه، وسواء كان الشهود كلهم ورثة أو بعضهم ممن لا تتم الشهادة إلا به.
وخرج بـ (المحصن) البكر، وبـ (العمد) الخطأ، فتقبل.
وقيد أشهب عدم القبول بكون مورثه غنيًّا، واعتمده، فقال: إلا الفقير، فيقبل، ويدخل في كلامه الوارث المزكى لشاهد القتل.
وأشار لثاني الأمثلة بقوله: أو يشهد بعتق من يتهم في ولائه، بأن أباه أعتقه، ولم يذكر ما قيد به صاحب المدونة من كون العبد يرغب في ولاية، ولا أن يكون في الورثة من لا حق له في الولاء، كالبنات والزوجات، ولا كون التهمة حاصلة الآن بأنه لو مات الآن لورثه، مع أنه ذكر ذلك في توضيحه، وكأنه استغنى عنه بقوله: أو شهد بدين لمدينه؛ لاتهامه على أخذ دينه منه (١).
стр. 3015
وظاهره: غنيًّا كان أو فقيرًا، اتحد الدينان أو اختلفا، بشرط كونه مالًا، وأما غيره فيقبل فيه، قاله غير واحد من الأشياخ، وهو المشهور.
وظاهره: كان الدين حالًا أو لا.
بخلاف شهادة المنفق: بكسر الفاء للمنفق عليه، فإنها جائزة له، قريبًا كان أو أجنبيًّا، وأما شهادة من في النفقة للمنفق فلا تجوز.
وبخلاف شهادة كل من الشهود للآخر، سواء شهد الثاني على المشهود عليه أو على غيره، إن لم يكن ذلك بالمجلس الأول، بل وإن كان بالمجلس الأول، وهو المشهور وقول ابن القاسم.
تنبيه:
يتلخص من كلامه منطوقًا ومفهومًا صور:
الأولى: إن شهد الشاهد على رجل بأن لفلان عليه عشرة دراهم، ويشهد فلان المشهود له بأن على المشهود عليه للشاهد عشرة دراهم لمجلس واحد، فهاهنا اتحد المشهود عليه والمشهود به والزمان والمكان، فقال مطرف وابن الماجشون: لا يقبلان.
وظاهر كلام المؤلف: القبول، وهو ظاهر كلام ابن القاسم.
стр. 3016
الثانية: إذا تعدد المشهود عليه، والمسألة بحالها، فالمذهب القبول، وروى اللخمي عدمه.
الثالثة: تعدد المجلس والمسألة بحالها، وهي كالتي قبلها فيما تقدم، وحكى المازري فيها الاتفاق، ولم يعتبر رأي اللخمي.
الرابعة: أن يختلف الكل ويطول الزمان، ولا يعلم من هذه خلاف في القبول.
وبخلاف شهادة القافلة بعضهم لبعفر في حرابة، فتقبل على من حاربوه؛ إذ لا سبيل لغير ذلك.
وظاهره: عدولًا كانوا أو لا (١)، وفي المدونة: إن كانوا عدولًا، وسواء شهدوا بمال أو قتل أو غيره.
стр. 3017
لا شهادة المجلوبين من موضع واحد، فلا يقبل بعضهم لبعض، إلا النفر الكثير منهم كعشرين فأكثر، فيقبل بعضهم لبعض، وأباه سحنون في العشرين؛ لأنهم تأخذهم حمية البلدية (١).
стр. 3018
وفهم بعض مشايخي أنه لا يقبل من المجلوبين، إلا أن يكون الشهود منهم عشرين.
[مسألة: ]
ولا تقبل شهادة من شهد له بكثير ولغيره بكثير أو قليل بوصية، أي: فيها؛ للتهمة، وفي الجلاب قبولها لغيره فقط، وإلا بأن شهد لنفسه فيها بقليل ولغيره بقليل أو كثير قبل لهما، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
وظاهر كلامه: كانت الوصية مكتوبة أو لا، ولابن رشد تفصيل، انظره في الكبير.
فائدة:
وهذه من الشهادات التي يقبل بعضها، ويرد بعضها، ومنها شهادة رجل وامرأتين على السرقة، لا قطع على السارق بشهادة النساء، ويغرم المال، ومنها شهادتهن في دين وطلاق، وتجوز في الدين، وترد في الطلاق، ومنها شهادة رجلين على رجلين هما عدوان لأحدهما في ذكر
стр. 3019
حق، فشهادتهما ساقطة، وإن شهدا لفظًا سقطت عن العدو، وجازت لغيره.
[المانع الثامن: ]
وأشار لمانع ثان، وهو الدفع، أو هو تتميم للسابع، كما في توضيحه، وذكر له مثالين:
أحدهما قوله: ولا إن دفع الشاهد بشهادته ضررًا لولاها لنا له، كشهادة بعض العاقلة بفسق شهود القتل كلهم أو بعضهم عمن يثبت به القتل خطأ على من يعقل الشاهد عنه.
وأشار للمثال الثاني بقوله: أو المدان: بضم الميم وفتح الدال المعسر الذي لا مال له يشهد لربه -أي: لرب الدين- واحترز به من الغني الذي لا يستضر بدفع ما عليه، فإن شهادته له جائزة عن ابن القاسم وجماعة.
[مسألة: ]
ولا يقبل شهادة مفت على مستفتيه إن كان المسؤول عنه مما ينوى فيه، ولو أقر به عند القاضي، أو أسرته البينة، يحكم عليه به، كقوله للمفتي: كانت زوجتي موثقة، وقالت: أطلقني. فقلت: أنت طالق، وأردت من الوثاق، فيفتيه المفتي بأن لا شيء عليه، ولو طلبت زوجته من المفتي الشهادة لها بذلك، فلا يشهد لها به، قاله ابن القاسم.
ابن المواز: ولو شهد لها لم ينفعها.
وأما ما أقر به عند الفقيه بما لا ينوى فيه من طلاق أو حد أو حق ثم أنكر فليشهد عليه، وإليه أشار بقوله: وإلا بأن كان مما لا ينوى فيه، بل يستوي فيه المفتي والقاضي، رفع الشهادة بذلك، ولا تقبل الشهادة إن شهد باستحقاق لشخص في دار مثلًا، أو ثوب، وقال: أنا بعته له؛ لأن المؤثر قوله: أنا بعته له.
стр. 3020
تنبيه:
قال في النوادر: سئلت عمن شهد لرجل استحق ثوبًا بأنه له، وقال: أنا بعته منه، فأجبته بأن الشهادة لا تجوز؛ لأن من شهد له بشيء أنه يملكه بشرائه من فلان لا تتم الشهادة، حتى يقولوا: وإن فلانا البائع يملكه، أو يحوزه حيازة الملك، حتى باعه من هذا.
[مسألة: ]
ولا إن حدث -أي: ظهر من الشاهد- فسق بعد الأداء، لشهادته عند الحاكم، وقبل الحكم بها؛ فإنها ترد.
تنبيه:
عبَّر عن ظهوره بحدوثه، وسواء كان الفسق بما يسر كالزنا والشرب، أو لا كالجرح والقتل والقذف، وهو قول ابن القاسم وأصبغ.
وقال ابن الماجشون: لا تبطل. واختاره غير واحد.
بخلاف ظهور تهمة جر بعد الأداء، كتزويجه بامرأة بعد أن شهد لها؛ فإنها لا ترد، وقيده ابن رشد بأنها لا تعرف خطبتها له قبل ذلك.
وبخلاف طروء تهمة دفع كشهادته بفسق رجل، ثم بعد ذلك شهد الشهود بفسقه على رجل أنه قتل رجلًا خطأً، والشاهد الأول من عاقلة القاتل، فإنها لا ترد.
وبخلاف ظهور عداوة بعد الأداء، كوقوع خصومة بينه وبين المشهود عليه، وقيد بما إذا لم يتبين لذلك سبب سابق.
[كلام العلماء بعضهم في بعض: ]
ولا تقبل شهادة عالم على مثله (١)، حكاه ابن رشد عن ابن القاسم؛ لأنهم أشد تحاسدًا.
البساطي (١): ربما يؤخذ من مثله أنهما من أهل مذهب واحد، أو فن واحد؛ لشهادة الوجدان بالمنافرة.
تنكيت:
كان الغبريني ينكر هذا القول. وقال ابن عرفة: العمل على خلافه.
وقول الشعباني: (تقبل شهادة القراء -أي: العلماء- في كل شيء، إلا في شهادة بعضهم على بعض، لتحاسدهم كالضرائر، والحسود ظالم؛ لا
стр. 3032
تقبل شهادته على من يحسده) قال بعضهم: هذا كلام ساقط، لمناقضة بعضه بعضًا؛ لأنه أثبت لهم وصف الظلم، ومن ثبت له ذلك، لم تجز شهادته على أحد ولا روايته؛ لأن الظلم فسق، وهو من موانع الشهادة، وهو مناقض لقوله أولًا: (تقبل شهادتهم في كل شيء)، ورد شهادتهم على الإطلاق لم يقل به أحد، ثم هذا الكلام إن أريد به من ثبت ذلك بينهم فغير مختص بهم، وإن أريد العموم فمعارض لأدلة الشرع، وما أظنه يصدر من عالم، ولعله وهم من النقلة، وبماذا يخرج نفسه منهم؛ لأنه إن كان منهم قد وقع في ذلك، فقوله غير مقبول، أو من غيرهم فلا عبرة بقوله.
[مسألة: ]
ولا تقبل شهادة الشاهد إن أخذ مالًا من العمال المقامين على جهات الخراج، ونحوه المضروب على أيديهم، وسواء أخذه على وجه الهبة أو الرزق على عمل من الأعمال عند مالك.
تنبيه:
قال ابن رشد: هذا ما لم يفوض لهم جباية الأموال وصرفها في وجوهها كالحجاج وشبهه من أمراء البلاد المفوض إليهم جميع أمورها، فإن جوائزهم حينئذٍ كالخلفاء.
أو أكل عندهم، فلا تقبل شهادته، بخلاف الأخذ من جوائز الخلفاء والأكل عندهم؛ فإنه غير قادح.
[مسألة: ]
ولا تقبل شهادة الشاهد إن تعصب بالحيف حمية، أو بشيء كالرشوة مثلث الراء؛ والتشبيه لإفادة الحكم، وعرفها بعضهم بأنها: بذل مال لتحقيق باطل أو إبطال حق.
تنبيه:
يحتمل أن يريد المؤلف أخذها أو دافعها أو هما معًا، وأما إن دفعت لإبطال ظلم فجائزة للدافع ومحرمة على الأخذ.
стр. 3033
[تلقين الخصم الحجة: ]
ثم عطف بالجر على (رشوة) قوله: وتلقين خصم من الحجة ما لا يحل؛ ليظفر بها على خصمه، وأما ما يثبت به حقه من ذلك فليس بقادح.
[لعب النيروز: ]
ولعب نيروز؛ إذ هو من فعل النصارى.
[مطل الغني: ]
ومطل من غني في حق عليه، لخبر: "مطل الغني ظلم" (١).
والظالم لغيره ترد شهادته.
[الحلف بالطلاق والعتق: ]
وحلف بعتق وطلاق؛ لخبر: "إنهما من أيمان الفساق" (٢).
[مسألة: ]
وترد الشهادة بمجيء مجلس القاضي ثلاثًا، أي: مرات في اليوم بلا عذر؛ لأن مجلسه عورة، وأما لعذر أو حاجة فلا.
стр. 3034
[مسألة: ]
وتجارة لأرض حرب؛ لما فيه من الذل وعدم القدرة عما يشينه في دينه لطلب الدنيا.
[مسألة: ]
وسكنى دار مثلًا مغصوبة، غصبها هو أو غيره، وسكناه مع ولد له شريب -أي: يكثر شرب المسكر-.
[مسألة: ]
وترد بوطء من لا توطأ؛ لصغر أو مانع كحيض أو استبراء.
[مسألة: ]
وترد بالتفاته في الصلاة؛ لدلالته على قلة اكتراثه بها، وأحرى من لا يقيم صلبه في ركوعها دون عذر، ولا سهو، ولو نافلة.
[مسألة: ]
وترد باقتراضه حجارة من المسجد يبني بها، أو يرم.
[مسألة: ]
وترد مع عدم أحكام الوضوء والغسل، وأحرى جهل ذلك، وكذا من لا يعرف التيمم حيث لزمه، وكذا كل شروط الصلاة.
[مسألة: ]
وعدم معرفة الزكاة لمن وجبت عليه وفي كم تجب، أو معرفة قدر النصاب، قاله سحنون.
[مسألة: ]
وبيع نرد وطُنبور: بضم الطاء، والطِنبار بكسرها لغة فيه.
стр. 3035
[مسألة: ]
وترد شهادة ولد في استحلاف أبيه في حق أنكره فيه، ولا تنافي بين له استحلافه أو لا، وإذا حلفه كان جرحة؛ لقدح كثير من المباحات في الشهادة، وسواء حلفه عالمًا بالحرمة أو جاهلًا (١).
стр. 3036
[مسألة: ]
وقدح في الشاهد المتوسط في العدالة جمل من الموانع السابقة لتجريح وعداوة وقرابة.
[مسألة: ]
وقدح في المبرز بالعداوة بينه وبين المشهود عليه، وقرابة بينه وبين المشهود له ولا يسمع القدح به بغيرهما كالتجريح، ولا يشترط كون القادح في المبرز مثله أو أعلى منه، بل يجوز وإن بدونه، فالباء بمعنى من، كغيرهما، أي: بغير العداوة والقرابة، وإليه ذهب مطرف وابن الماجشون، واختاره اللخمي؛ ولذا قال: على المختار، واختاره ابن عبد السلام أيضًا.
[مسألة: ]
وزوال العداوة بين الشاهد والمشهود عليه وزوال الفسق من الشاهد يحصل ذلك في كل منهما بما يغلب على الظن زواله، أما العداوة فيعرف ذلك بصيرورة أمرهما إلى سلامة وصلاح، بأن يرجعا إلى ما كانا عليه قبل العداوة، وأما زوال الفسق فبعد ثبوت ثبوته، لا بقوله: ثبت، بل لا بد من القرائن الدالة على صدقه واتصافه بصفات العدالة، بلا حد بزمن كستة أشهر أو سنة كما قيل، وأنكر ابن عرفة وجودهما في المذهب.
[مسألة: ]
ومن امتنعت شهادة شخص له لقرابته المانعة ونحوها، لم يزك شاهده، أي: شاهد الممتنعة له؛ لأنها في معنى جر النفع له، ولم يجرح شاهدًا شهد عليه؛ لأنها في معنى الدفع عنه.
стр. 3037
ومن امتنعت شهادة شخص عليه في عداوة ونحوها فالعكس، أي: لا يزكي من شهد عليه، ولا يجرح من شهد له.
[شهادة بعض الصبيان على بعض: ]
ثم أخرج من الشروط والموانع السابقة شهادة بعض الصبيان على بعض، كما يأتي، فلا يشترط فيها جميع الشروط، ولا انتفاء كل الموانع، بل بعض ذلك، فقال: إلا الصبيان، فتجوز شهادة بعضهم لبعض.
اللخمي والمازري: وهو معروف مذهب مالك وأصحابه، إلا ابن عبد الحكم، فإنه يمنعها.
وعلى الأول: جماعة من الصحابة وغيرهم، وعلى الثاني: أبو حنيفة وأحمد والشافعي وجماعة.
[شهادة بعض النساء على البعض: ]
لا نساء اجتمعن في كعرس ومأتم وحمام ووليمة، فلا يقبل بعضهن لبعض ولا على بعض، في قتل أو جرح، وصححه ابن الحاجب، وصرح في التوضيح بتشهيره، ومقابله الجلاب، وفرق للمشهور بأن شهادة الصبيان على خلاف الأصل فلا يقاس عليها.
[محل الشهادة الصبيان: ]
ثم بيَّن محل شهادتهم بقوله: في جرح أو قتل عند ابن القاسم، وهو المشهور.
[شروط شهادتهم: ]
ولجواز شهادتهم شروط، أشار لأحدها بقوله: والشاهد: [أولها] حر، لا قن كله أو بعضه؛ لأن شهادة كبارهم لا تقبل، فصغارهم أحرى.
تنبيه:
سكت عن ذكر الإسلام للاتفاق على اشتراطه، فلا تقبل شهادة أهل الذمة، ولا فرق بين أن يشهد صغار المسلمين على حر أو عبد، والجاني كذلك.
стр. 3038
وأشار لثانيها بقوله: مميز.
البساطي: بالفعل، لا ينظر إلى السن، وإنما لم تجز شهادة غير المميز لعدم ثبوته على ما يعاينه من الأمور، فلا تنضبط أحواله، ولا يحرص على ما يصدر منه من الأقوال.
ولثالثها بقوله: ذكر: فلا تقبل صغار البنات، ولو مع صبي على المشهور.
ولرابعها بقوله: تعدد اثنان فصاعدًا.
ولخامسها بقوله: ليس بعدو للمشهود عليه، ولا قريب للمشهود له.
البساطي: وسواء كانت العداوة بين الصبيان أنفسهم، أو بين آبائهم؛ لأن الوروثة أعظم من غيرها.
ولسادسها بقوله: ولا خلاف بينهم، كشهادة واحد أن فلانًا قتله، وآخر إنما قتله غيره؛ لنقصان النصاب فيهما، أو شهد اثنان منهم أن هذين قتلاه، وقال المشهود عليهما، بل أنتما قتلتماه.
وأشار لسابعها بقوله: ولا فرقة بينهم؛ ففي المدونة: تجوز شهادتهم ما لم يفترقوا أو يخببوا، أي: يعلموا.
ابن عرفة: مقتضاهما أنهما غير مترادفين.
إلا أن يشهد عليهم قبلها، أي: الفرقة، ثم يفترقوا؛ فإنه يعمل بالأولى.
وأشار لثامنها بقوله: ولم يحضر رجل كبير معهم أو امرأة عدل أو فاسق، عبد أو كافر.
ولتاسعها وهو كون شهادة بعضهم على بعض بقوله: أو يشهد الصبيان عيله -أي: على الكبير للصغير- أو له -أي: للصغير على الكبير- فلا تقبل، خلافًا لمطرف وابن الماجشون.
стр. 3039
ولا يقدح في شهادتهم رجوعهم عنها، بل يعمل بالأولى رجعوا قبل الحكم أو بعده.
تذييل:
قوله: (رجوعهم) أي: حال صباهم، أما لو تأخر الحكم لبلوغهم وعدلوا لقبل رجوعهم، وجعله اللخمي المذهب.
ولا يقدح تجريحهم، ابن المواز: لم يختلفْ أنه لا ينظر لذلك.
[مراتب البينة في الشهادة: ]
ولما كانت مراتب البينة في الشهادة أربعة:
أحدها: يوجب المشهود بغير يمين.
وثانيها: يوجبه مع اليمين.
وثالثها: يوجب حكمًا بعضه بغير يمين، وبعضه مع اليمين.
ورابعها: لا يوجب المشهود به، بل يوجب غيره.
وقرر الشارحان المراتب الأربعة أربعة عدول أو عدلان وامرأة وهي واضحة من كلام المؤلف.
وعلى ما ذكرنا أشار لأولها بقوله: وللزنا واللواط أربعة، لكل واحدة منهما، واعتبر هذا العدد في الزنا إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾.
فائدة:
قال البساطي: فإن قلت: الزنا نسبة يستوي فيها الرجل والمرأة، فإن كان المتمسك بهذه الآية فقد فرق فيها بين الذكر والأنثى، وحكم في الأنثى بالحبس إلى الموت، وأنتم لا تقولون بذلك كله.
وأجاب بأن الآية منسوخة بالرجم في الذكر والأنثى والجلد فيهما، ولا يلزم من رفع الإمساك والتفرقة رفع ما عداهما. انتهى.
стр. 3040
وطلب التشديد بالأربعة لقصد الستر، ودفع العار اللاحق للزاني ولها ولأهلها، وقيل غير ذلك.
وتكون شهادة الأربعة بوقت ورؤيا اتحدا، بأن يكون وقت شهادتهم واحدًا، ووقت الزنا واحدًا، فلو تفرقوا بأن شهد واحد أنه زنى وقت الصبح، وآخر وقت الظهر، وآخر وقت العصر، وآخر وقت المغرب، أو شهد واحد أنه زنى يوم السبت، والآخر يوم الأحد، ثم كذلك، لم يحد المشهود عليه، وحد الشهود.
وإذا اجتمعوا لأداء الشهادة في الزنا واللواط فرقوا في هاتين الشهادتين فقط وجوبًا، كانت فيهم ريبة أو لا.
وقال أشهب: إنما يفرقون للريبة.
[صفة الشهادة على الزنا: ]
وصفة شهادتهم أن يشهدوا أنه أدخل فرجه في فرجها، كالمرود في المكحلة، فلو شهد أربعة بزنا رجل بامرأة، شهد اثنان بطوعها، واثنان بغصبها، حد الأربعة.
[مسألة: ]
ويجوز لكل من شهود الزنا واللواط النظر للعورة قصدًا للتحمل، ولا تبطل شهادتهم لتعمده، ونحوه في المدونة.
[ما يندب في سؤال الشهود: ]
وإذا شهدوا عند الحاكم بذلك ندب سؤالهم عن الرؤية، وكونها كالمرود في المكحلة، بوطء واحد، ووقت واحد، وكيف اجتماعهم، ومن أين دخلوا، وما الباعث لهم، وكيف خفي عليهما وصولكم إليهما.
كالسرقة فيقول لهم: ما هي من الأنواع وكيف أخذت، ومن أين أخذوها، وإلى أين ذهب بها، ونحو ذلك.
стр. 3041
[المرتبة الثانية من مراتب الشهادة: ]
وأشار للمرتبة الثانية بقوله: ولما ليس بمال ولا آيل له، ومثل له بثلاثة أمثلة:
أشار لأولها بقوله: كعتق، وهو: عقد لازم لا يفتقر لعاقدين، وفيه إخراج، ومثله الوقف والطلاق غير الخلع والعفو عن القصاص والوصية بغير المال، ويلحق به الولاء والتدبير (١).
وللمثال الثاني بقوله: ورجعة، وهو كالأول، إلا أن فيه إدخالًا، ومثله الاستلحاق والإسلام والردة، ويناسبه الإحلال والإحصان.
стр. 3042
وللثالث بقوله: وكلتابة، وهو: عقد يفتقر لعاقدين، ومثله النكاح والوكالة في غير المال والخلع، ويلحق به العدة.
[شروط هذه العقود: ]
عدلان لا يثبت إلا بهما، وإلا بأن كانت الشهادة بمال أو بما يؤول إليه فعدل وامرأتان بغير يمين، أو أحدهما عدل وحده بيمين أو امرأتان وحدهما بيمين، أي: معه، فيكتفي بذلك، كأجل في ثمن مبيع، ويدعي البائع أنه تعد، أو أن بعضه باق، ويقول البائع: بل انقضى.
البساطي: أو أجله بعد أن انقضى.
وخيار يدعيه أحدهما، والآخر البت، وشفعة، أي: ما يتعلق بها من أخذ أو ترك أو إسقاط أو غيبة الشفيع أو شفع قبل السنة أو بعدها، وإجارة، كاستأجرت وأجرته، وينكر الآخر، وجرح خطأ، يدعيه وينكر الآخر، أو جرح مال، وهو ما لا يقتص منه في العمد؛ لكونه متلفًا، كجائفة وعظم صدر وعنق ورض أنثيين، وكفسخ العقود، وسواء الاختيار كالإقالة، والاضطرار كالفساد.
وأداء نجوم كتابة، ويترتب عليه العتق، وإيضاء بتصرف فيه، أي: في المال، لكن إن كان في حياة الموصي فوكالة، وبعد موته كأعطوا فلانًا كذا أو تصدقوا بكذا فوصية على المشهور، خلافًا لعبد الملك، لا يكفي عنده فيهما إلا شاهدان.
[الشهادة على غير مال وتؤول إليه: ]
ثم أشار إلى ما تكون الشهادة فيه على غير مال وتؤول إلى مال بقوله: أو بأنه حكم له به، ومثل ذلك الشارح بقوله: كشراء زوجته إذا ادعى شراءها، كفي فيه شاهد وامرأتان، أو أحدهما بيمين، فتصير ملكًا، وينفسخ النكاح.
وقال البساطي: عندي معنى قوله: (أو بأنه حكم له به) إذا حكم لشخص بمال، ثم أراد تنفيذه عند إنكار الخصم، كفي فيه الشاهد وامرأتان،
стр. 3043
وليست هذه مسألة إنهاء الحاكم لغيره، وجعلها الشارح تمثيلًا، ولا أدري معنى قوله على هذا التقرير. انتهى. وانظر الكبير.
وكشهادة رجل وامرأتين أو أحدهما بيمين لشخص على تقدم دين عتقًا من مدين، فيكتفي بذلك، ويرد العتق، أو يقيم القاذف شاهدًا وامرأتين أن المقذوف عبد، فيسقط الحد منه.
[مسألة: ]
ثم ذكر مسألة يكتفى فيها بشاهد وامرأتين، وليست بمال ولا آيلة إليه، لكنه استوعب الصور التي يكتفى فيها بذلك، فقال: وقصاص في جرح عمدًا، وهي إحدى المسائل المستحسنة.
[المرتبة الثالثة من مراتب الشهادة: ]
وأشار للمرتبة الثالثة بقوله: ولما لا يظهر للرجال غالبًا امرأتان، ولم يقع عند البساطي (امرأتان)، ومثل لمؤلف لذلك بقوله: كولادة ادعيت، فأنكرت، ولا يشترط حضور الشخص المولود على المشهور، وهو قول ابن القاسم.
واشترط سحنون حضوره ليشاهده الرجال، واختاره ابن رشد.
وعيب فرج في أمة، اختلف فيه البائع والمشتري، بخلاف عيب فرج الحرة، فالمشهور تصديقها، ولا ينظرها النساء، خلافًا لسحنون، وتجوز شهادتهن على استهلال وعدمه.
وظاهره: كان البدن موجودًا أو معدومًا، إلا أن يقلن في الموجود مثله: لا يستهل.
تنبيه:
أشعر قوله: (استهلال) بعدم قبولهن في كونه ذكرًا أو أنثى، وهو قول أشهب، وأجازه ابن القاسم، لكن مع يمين القائم بشهادتهن.
وتجوز شهادتهن على حيض من أمة، وأما الحرة فمصدقة فيه.
стр. 3044
تنبيه:
لا ينافي تصديقها إقامة الزوج البينة على حيضها عند إنكارها في كثير من المواضع.
[المرتبة الرابعة من مراتب الشهادة: ]
ثم أشار للمرتبة الرابعة، وهي ما لا يوجب المشهود به ويوجب حكمًا غيره ولا مثلتها، بقوله: وبشهادة على نكاح بعد موت برجلين أو رجل وامرأتين، أن فلانًا تزوج فلانة على صداق قدره كذا، فإن المال يثبت دون النكاح عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب: لا يثبت الميراث، إلا بعد ثبوت النكاح، وهو لا يثبت بذلك.
أو شهد رجلان أو رجل وامرأتان سبقيته، أي: سبقية موت أحد الوارثين على الآخر.
أو شهدا على موت لشخص، ولا زوجة له، ولا مدبر له، ولا أوصى بعتق ونحوه، وليس هناك غير قسمة المال، كما في المدونة.
وثبت الإرث في المسائل الثلاث، وثبت النسب في مسألة الاستهلال دون ما بعدها له -أي: للميت- وعليه بلا يمين، مع شهادة المرأتين.
ويثبت المال دون القطع بشهادة رجل وامرأتين في سرقة اتفاقًا، وأما لو شهد بالسرقة وأخذ لحلف معه، ويثبت المال ولا قطع، وكقتل عبد شهد رجل عليه وامرأتان أنه قتل عبدًا آخر لشخص ثبت المال بشهادتهما، وهو قيمة المجني عليه، أو رقبة الجاني، إن لم يقده سيده، بل أسلمه في جنايته، وكذا لو قام لسيد المجني عليه شاهد واحد حلف معه، وكان الحكم كما سبق.
[ما يترتب على مراتب الشهادة قبل تمامها: ]
ولما ذكر حكم مراتب الشهادة الأربع إذا تمت ذكر ما يترتب عليها قبل تمامها، وهو منخرط في سلك ما يوجب حكمًا غير المشهود به، وكان من جملة ذلك مسألة الحيلولة، ويقال لها: العقلة، ويقال لها: الإيقاف
стр. 3045
ذكرها، فقال: وحيلت أمة ادعت حرية مطلقًا رائعة كانت أو لا، طلبت ذلك أو لا، كان سيدها مأمونًا أو لا، كذا قرر ابن عرفة كلام ابن الحاجب أنها ادعت الحرية، وقرره ابن عبد السلام على أنها ادعى مدع ملكها، لا أنها ادعت الحرية وأطلقها المصنف؛ لأنه رأى أنه لا فرق.
كغيرها، أي: غير الأمة من المعينات، كبقرة أو فرس مثلًا، يجب فيه الحيلولة، إن طلبت ذلك مدعيه، وأتى بعدل شهد له بذلك أو اثنين مجهولين يزكيان: بفتح الكاف، أي: يحتاجان للتزكية، وظاهره: أنه لا فرق بين أن يكون المعين بيد غريب أو غيره.
وقال البساطي: الفقه يقتضي أن المعين كفرس مثلًا، يؤخذ من يد الغريب، أو يقيم ضامنًا على نظر في قبول الضامن هنا؛ لاحتمال الهرب وتغييب العين.
ثم قال: وأما العقار فالظاهر فيه أنه لا يحال بينه وبينه، إلا بنصاب كامل (١).
стр. 3046
وبيع ما يفسد لو بقي لكمال البينة، كلحم وطعام، ووقف ثمنه بيد عدل معهما، أي: مع الشاهدين المجهولين.
تنبيه:
صفة الإيقاف: غلق الدار، ومنع حرث الأرض، ووقف خراج ماله خراج، ومنع عقد الكراء.
بخلاف شهادة العدل فيحلف المدعى عليه أن المدعي لا يستحق عليه فيه شيئًا، وبقي بيده، كما كان على وجه الملك، يتصرف فيه كيف شاء، ويضمن إن كمل النصاب، أو أخره حتى تلف.
تنبيه:
استشكل بأنه كما لو وقف مع الواحد وقف مع الاثنين، فما الفرق؟
وفرق عبد الحق بأن مقيم العدل الواحد قادر على إثبات حقه بيمينه، فتركه لذلك اختيارًا؛ لتمكينه منه، بخلاف مقيم المجهولين، لا قدرة له على إثبات حقه دون تعديلهما، انظر الكبير.
وإن سأل ذو العدل الذي شهد له أن العبد، أو سأل مقيم بينة سمعت أن عبدًا سرق له كما يدعي، وإن لم تقطع، أي: وإن لم تشهد على القطع، وله بينة ببلد آخر، وضع قيمة العبد عند القاضي أو نائبه،
стр. 3047
ويأخذه، ليذهب به المدعي إلى بلد يشهد له فيه على عينه عند قاضي ذلك البلد أجيب لذلك، لا إن انتفيا، أي: العدول وبينة السماع، وطلب إيقافه، ووضع قيمته؛ ليأتي ببينة قريبة، وإن بكاليومين والثلاثة، فلا يجاب لذلك؛ لأنه يريد بذلك إضرار المالك، وإيصال منفعة العبد تلك المدة، إلا أن يدعي بينة حاضرة على الحق، أو يدعي سماعًا فاشيًا يثبت به حقه، فيوقف العبد، ويوكل به، أي: بالمدعي، حتى تأتي بينة قريبة في كيوم ونحوه.
تنبيه:
تلخيص من كلامه أن لمسألة الحيلولة طرفين، كما في المدونة:
الطريق الأول: إرادة المدعي الذهاب بالعبد؛ ليشهد على عينه، وهو قسمان:
أحدهما: بشاهد عدل.
- أو بينة بالسماع، وإن لم تكن على القطع.
والطرف الثاني: إرادة إيقافه؛ ليأتي ببينة؛ فإن لم يأت بشيء مما ذكر فلا يدفع له.
وهذا معنى ما في أثناء شهادات التهذيب، وكأن الشارح لم يستحضر هذا، فذكر عنها ما في آخر تضمين الصناع، وهو قولها: ومن اعترفت بيده دابة، وقضي عليه، فله وضع قيمتها بيد عدل، ويخرج بها إلى بلد البائع، لتشهد البينة على عينها، وكذلك العروض والعبيد.
وتبعه البساطي، فقال: ظاهر هذا أن دافع القيمة هو المدعى عليه، وأن من أقام البينة قضي له به، وتمكين هذا من العبد بعد القضاء لغيره؛ لأنه يرجع على البائع؛ ولذا قال: ليشهدوا على عينه.
والغلة الحاصلة عن الشيء المحال له -أي: مستمرة للمدعى عليه- للقضاء به للطالب، وهو لمالك في المدونة.
والنفقة قبل القضاء وبعد الدعوى على المقضي له به منهما، فإن
стр. 3048
قضي به للمدعى عليه فواضح، أو للطالب رجع المدعى عليه بها.
تنبيهان:
الأول: قال أبو عمران: هذا إن لم تكن له غلة، فإن كانت فمنها.
الثاني: قال ابن ناجي: من هنا يعلم حكم مسألة كثيرة الوقوع بين البادية في امرأة يدعيها رجلان، كل يقول: زوجتي. وآل الأمر لإيقافهما، لمن يثبتها منهما، وطلبت النفقة.
[أقسام الشهادة على الخط: ]
ولما كانت الشهادة على الخط ثلاثة أقسام:
- خط المقر.
- وخط الشاهد الميت أو الغائب.
- وخط نفسه.
والأولى: أقواها، والثانية: تليها، والثالثة: أضعفها، ذكرها المؤلف على هذا الترتيب، فقال: وجازت على خط مقر، قال: أقر فلان أن عليه أو في ذمته كذا، وعمل بها اتفاقًا عند ابن المواز، وعلى المشهور من روايتين، حكاهما في الجلاب، بلا يمين على المقر له، وصححه ابن الحاجب.
وظاهره: سواء كانت شهادته عليه في ذكر الحق، أو كتب ذكر الحق على نفسه، ولم يكتب شهادته.
وأشار للقسم الثاني بقوله: وجازت على خط شاهد مات أدركه الشاهد على خطه أو لا، إذا حصل له العلم بطريق الخبر، ولا يقبل على الخط، إلا فطن عارف به ممارس له، أو على خط شاهد غاب، لم يختلف قول مالك في الأمهات المشهورة في إعمالها وإجازتها.
ابن فرحون: هو المشهور من المذهب.
اللخمي: هو الصحيح؛ للضرورة.
стр. 3049
الباجي: مشهور قول مالك أنها لا تجوز.
ولم ينبه المصنف على هذا التشهير.
[شروط الشهادة على خط الغائب: ]
أشار لشروطها على خط الغائب، وهي ثلاثة بقوله:
- ببعد، فلا يجوز في الغيبة القريبة، وأطلق في البعد، ولعله يريد عدم التحديد، وحده ابن عبد السلام بما ينال الشاهد فيه مشقة.
ثم قال: وجرت العادة عندنا أن اختلاف عمل القضاة ينزل منزلة البعد، وإن كان ما بين العملين قريبًا.
وحده ابن الماجشون بمسافة القصر، وأصبغ بما بين مكة والعراق، وإفريقية من مصر.
ثم بالغ المصنف على جوازها في المال وغيره بقوله: وإن بغير مال فيهما أي: في الشهادة على خط المقر وعلى خط الغائب أو الميت ونحوه للشارح.
وقال البساطي: ضمير التثنية يرجع للصورتين المتقدمتين (خط المقر)، و (خط الميت)، فيجوز في الطلاق والعتق والنكاح والحد وغيره، وهو الذي جرى به العمل بتونس.
[شروط صحة الشهادة على خط الميت أو الغائب: ]
وأشار لشروط صحتها على خط الميت أو الغائب، وهي ثلاثة، فقال:
- إن عرفته -أي: الخط- فيشترط حضوره؛ ليشهد على عينه، كالمعين.
ابن عات: الخط عندنا شخص قائم، ومثال مماثل، تقع العين عليه، ويميزه بالعقل، كما يميز سائر الأشخاص والصور.
- وأنه -أي: المشهود على خطه- كان يعرف مشهده، قاله ابن زرب.
стр. 3050
ابن رشد: وهو صحيح لا يختلف فيه.
- وأنه تحملها حال كونه عدلًا ولم يزل على ذلك لموته.
[القسم الثاني من أقسام الشهادة على الخط: ]
وأشار للقسم الثالث بقوله: لا على خط نفسه، وإن عرفه حتى يذكرهما بأنها شهادته، وإن لم يذكرها أدى بلا نفع لطالبها، وظاهره: وإن لم يكن في الكتاب محو ولا ريبة فليشهد.
وقال مطرف: لا يشهد حتى يذكر بعضها.
تنبيهات:
الأول: ظاهر كلام المؤلف سواء كان ذكر الحق والشهادة بخطه أو لم يكن بخطه إلا الشهادة، وهو كذلك على أحد قولين حكاهما ابن الحارث.
الثاني: ظاهره أيضًا كانت الشهادة في كاغد أو ورق، بباطن الكاغد أو ظاهره، وهو كذلك على خلاف فيه.
الثالث: عرف عدد المال أو لا، وهو كذلك، رواه ابن وهب في العتبية.
وقال ابن نافع: إن لم يعرف عدد المال عرف الإمام بذلك، ولا أراه ينفعه.
[مسألة: ]
ولا يشهد الشاهد على من لا يعرف نسبه، إلا على عينه، أي: شخصه، وظاهره: المنع؛ لأنه قد يتسمى بغير اسمه.
وليسجل من شهد على امرأة لا يعرف نسبها، فيكتب في سجله من زعمت أنها فلانة ابنة فلان؛ لاحتمال انتسابها لغير أبيها.
قال في التوضيح: وينبغي أن يكون الرجل كذلك.