يتمسك بها، ويدفع قيمة هذه المنافع لهما، وقتًا بعد وقت، بحسب ما يري، وهو قول ابن المواز؟ أقوال.
فائدة:
لو كان معتقًا إلى موت فلان فعليهما قيمة خدمته إلى أقصى العمرين: عمر العبد وعمر الذي أعتق إلى موته، قاله في التوضيح، وفي الشامل أقصى عمر العبد وسيده.
وإن كان رجوعهما عن شهادتهما بعتق تدبير من سيده فالقيمة عليهما معجلة، واستوفياها من خدمته التي أبقياها لسيده؛ لأنهما منعاه البيع والتصرف، ويرجع الباقي لسيده، فإن عتق بموت سيده فعليهما، أي: فات عليهما ما بقي لهما لفوات المحل، وإن رق بعضه استوفيا منه، وهما -أي: الشاهدان- أولى من أرباب الديون باستيفاء ما غرماه، إن رده -أي: التدبير- دين سابق عليه، أو رد الدين بعضه؛ لأنه لما رد بطل حكم الشهادة بالتدبير، ورجع العبد رقًّا، وقد أخذ السيد قيمته منهما، وهي دين متعلق بالعبد، فقد ما فيه على غيرهما.
كالجناية: التشبيه في تقديم المجني عليه على غيره، وإن كان رجوعها عن شهادتهما بكتابة فالقيمة، أي: قيمة المشهود بكتابته لازمة لهما ناجزًا، لا يوم الحكم، خلافًا لمحمد.
واستوفيا ذلك من نجومه، ثم يأخذ السيد ما بقي منها على المشهود، وإن رق لعجزه عن بقيته نجومها فمن رقبته، تباع ويستوفي، فإن لم يبلغ ما بقي فلا شيء لهما، شهره المازري وغيره، وإن كان رجوعهما عن شهادتهما على السيد باستيلاء فالقيمة يغرمانها كاملة على المشهور ناجزًا، ولا يخفف عنهما شيء من قيمتها لأجل ما بقي له فيها من الاستمتاع، خلافًا لابن عبد الحكم.
وأخذا ما غرماه من أرش جناية عليها، كجرح أو قتل إن كان، وما بقي للسيد.
стр. 3082
وهل لهما أن يرجعا فيما استفادته بعمل أو هبة أو غيره، وهو قول سحنون، أو لا شيء لهما في ذلك، وهو للسيد مع ما أخذ، وهو قول ابن المواز؟ قولان.
[الشهادة بالعتق فيما مضى: ]
ولما ذكر المسائل المرجوع فيها عن الشهادة بالتدبير أو الكتابة أو الاستيلاد، تكلم على ما إذا شهدا بالعتق في واحد منها، فقال: وإن كان رجوعهما عن شهادتهما على سيد أم ولد بعتقها فلا غرم عليهما، إذا لم يفوتا عليه غير الاستمتاع بها، ولا قيمة له، أو إن كان رجوعهما عن شهادتهما بعتق مكاتب فالكتابة يغرمانها، عينًا كانت أو عرضًا؛ إذ هي التي أتلفاها.
تنبيهان:
الأول: سكت عن صفة تأديتهما لها، وفي الموازية يؤديانها على النجوم.
ثانيهما: عدل عن قول ابن الحاجب: (غرما قيمة كتابته)؛ لقوله في توضيحه: ظاهره خلاف المنصوص.
وإن كان رجوعهما عن شهادتهما ببنوة لشخص ادعاها، وأنكرها أبوه ونفاه وحكم بها، فلا غرم عليهما؛ إذ لم يتلفا على الأب شيئًا بشهادتهما.
ثم استثنى من عدم الغرم قوله: إلا بعد أخذ المال بإرث، أخذه الابن من الأب، وللأب ورثة يحجبهم هذا الولد، أو يشاركهم، فيغرمان ما أخذه الولد، فإن لم يكن له مشارك غرما جميع التركة لبيت المال.
واحترز بقوله: (بإرث) عما يأخذه بدين أو نحوه، فلا غرم على الشاهدين فيه.
إلا أن يكون المشهود له بالبنوة عبدًا للمشهود عليه، وحكم بحريته، وثبوت نسبه، فقيمته أولًا يغرمانها للمشهود عليه؛ لأن شهادتهما بالبنوة نفذت وعتق.
стр. 3083
[فرع: ]
ثم فرع على ما يترتب على موت المشهود عليه بعد الحكم الأول، فقال: ثم إن مات الأب المشهود عليه بالبنوة، وترك ولدًا آخر ثابت النسب، فالقيمة التي أخذها الأب من الشاهدين تدفع للآخر الثابت النسب فقط؛ لأن أخاه المشهود له بالبنوة مقر أن لا حق لأبيه فيها؛ لصحة نسبه على دعواه، وأن أباه ظلم الشهود فيها، فلا ميراث له فيها، وتقسم التركة بين الولدين: الثابت النسب والآخر نصفين.
وإذا قسمت غرما له -أي: للثابت النسب- نصف الباقي، بعد أخذ القيمة، وإن ظهر على الأب الميت دين مستغرق للتركة أخذ من كل من الولدين ثابت النسب والآخر نصفه الذي أخذه منها.
فضمير (نصفه) للولد، لا للدين؛ فإن وفى المأخوذ منهما الدين فواضح.
وإن لم يوف كمل بالقيمة التي اختص بها ثابت النسب، وإن فضل منها شيء فله، ورجعا -أي: الشاهدان- على الأول الثابت النسب بما غرمه العبد -أي: الأخ الذي كان عبدًا وشهد ببنوته- للغريم الذي هو رب الدين؛ لأنهما إنما غرماه بسبب إتلافهما له بشهادتهما، فلما ثبت الدين على أبيهما وجبت التركة للمدين، فلم يتلفا عليه شيئًا.
وإن كان رجوعهما في شهادتهما برق حكم لحر -أي: على مدعي حرية- ثم رجعا، فلا غرم عليهما في قيمة رقبته؛ لأن الحر لا قيمة له.
تنكيت:
ما قررناه من أن مدعي الحرية هو العبد خلاف قول الشارح: (إن شهد على رجل أنه عبد لفلان، وفلان يدعي الحرية)، فإنه جعل مدعي الحرية فلان، وهذا سرى إليه من قول التوضيح: (إذا شهد على رجل أنه لفلان، وهو يدعي الحرية)، فإن فهم الضمير الواقع بعد (فلان) راجع له، وليس كذلك؛ فتأمله.
стр. 3084
إلا أن عليهما الغرم لكل ما استعمل العبد؛ لأنه لا يملكه، ويغرمان أيضًا كل مال انتزع من يده، ولا يأخذه أي: لا يأخذ المشهود له ما يغرمه الشاهدان؛ لأنه عوض عما أخذه، وورثه عنه هذا المال، فيرثه من يستحقه بالحرية، لا هذا السيد.
وله -أي: للعبد- عطيته هبة أو صدقة، ويرث باقيه ورثته، لا تزوج منه؛ لأن النكاح ينقصه.
وإن كان رجوعهما عن شهادتهما بمائة لزيد وعمرو ثم قالا: إنها لزيد وحده، غرما خمسين للغريم فقط، وهو المشهود عليه، ونحوه لابن الحاجب.
وفي بعض النسخ موضع (للغريم): (لعمرو) فاعترضت، وقال بعضهم: هو تصحيف فظيع.
وأشار بعض الشراح للاعتراض والجواب بقوله: والصواب غرما مائة عمرو.
وإن رجع أحدهما بعد القضاء بشهادتهما في حق غرم الراجع نصف الحق للمشهود عليه عند ابن القاسم ومن وافقه، كرجل شهد مع نساء ورجع، فعليه نصف الحق، وعليهن النصف، إن رجعن دونه؛ لأنهن وإن كثرن كرجل واحد، وهذا فيما تجوز فيه شهادتهن مع الرجال.
وهو -أي: الرجل- معهن في الرضاع كاثنتين، نحوه لابن الحاجب تبعًا لابن شاس، وهو متعقب بأنه معهن هنا كامرأة.
[حكم الرجوع عن بعض الحق: ]
ولما قدم رجوع أحد الشاهدين عن الحق ذكر ما إذا رجع عن بعضه، فقال: وعن بعضه غرم نصف البعض، فعن النصف يغرم الربع، وعن الثلث يغرم السدس، وعلى ذلك وإن رجع من يستقل الحكم بعدمه فلا غرم عليه حينئذٍ، فإذا رجع غيره بعده مما لا يستقل الحكم بعدمه فالجميع مشتركون في الغرم بالسوية، فإذا رجع اثنان من أربعة فلا غرم عليهما؛ لبقاء النصاب،
стр. 3085
فإن رجع ثالث غرم مع الأولين النصف أثلاثًا على المشهور.
وللمقضي عليه إذا رجع الشاهدان بعد الحكم وقبل الغرم مطالبتهما بالدفع عنه للمقضي له، كما في النوادر، وللمقضي له ذلك، أي: طلبهما، إذا تعذر الغرم من المقضي عليه، كذا في ابن الحاجب، وتبعه هنا؛ لقوله في توضيحه: إنه مقتضى الفقه؛ لأن الشهود غرما غريمه، ثم تعقبه بأنه خلاف ما في الموازية مما معناه: أن الشاهدين لا يلزمهما غرم للمشهود له حتى يغرم المقضي، فيغرمان له حينئذٍ. انتهى.
وتعقب ابن عبد السلام كلام ابن الحاجب قائلًا: لا أعلم من أين نقله.
وقال ابن عرفة: هو وهم؛ لأنه خلاف المنصوص.
[العمل عند تعارض البينتين: ]
ولما فرغ من الكلام على رجوع الشهود ذكر تعارض البينتين، وهو عند الأصوليين تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى الآخر، أو بعض مقتضاه (١).
стр. 3086
وقريب منه ما في التوضيح وابن عرفة: إنه اشتمال كل منهما على ما ينافي الآخر، وهو كتعارض الأثرين على الأصوليين (١).
[أولًا - محاولة التوفيق: ]
وأشار لذلك بقوله: وإن أمكن جمع بين البينتين جمع، أي: صير للجميع كشهادة إحداهما بأنه أقر لزيد بخمسين، وتشهد الأخرى بأنه أقر له بمائة، فالجمع بينهما باختلاف الزمان.
[ثانيًا - الترجيح وطرقه: ]
وإلا بأن لم يمكن الجمع بينهما، بل تعارضا بكل وجه، كشهادة
стр. 3092
إحداهما بإقراره بمائة يوم كذا، وتشهد الأخرى بموته قبل ذلك اليوم، فيقضي بالراجحة منهما، والترجيح يحصل بأحد وجوه منها ما أشار له، بقوله:
- رجح بسبب ملك يذكره مع شهادته بالملك، كنسج لشقة شهد أنه نسجها لنفسه، وتشهد الأخرى بمجرد الملك، ونتاج لحيوان تشهد به عنده مع الشهادة له بملكه، كما قيده به أشهب، وتشهد الأخرى بالنتاج عنده، ولم تشهد له بالملك.
وأشار بقوله: إلا بملك من المقاسم لقول المدونة: ولو أن أمة ليست بيد أحدهما، فأتى أحدهما ببينة أنها له، لا يعلمونها خرجت من ملكه بشيء، حتى سرقته له، وأقام الآخر بينة أنها ولدته عنده، لا يعلمونها خرجت عن ملكه بشيء، قضي لصاحب الولادة.
وقيد ابن القاسم هذا بما إذا لم تشهد البينة الأخرى أنه اشتراها من المقاسم، فإن شهدت بذلك كان صاحب المقاسم أحق، إلا أن يدفع الثمن الذي اشتراها به، ولو كانت بيد صاحب النتاج (١).
стр. 3093
- أو تاريخ: معطوف على (سبب)، فتقدم الشهادة به على التاركة له، وعزاه في توضيحه لأشهب، وزاد عنه: إلا أن يكون في شهادة التي لم تؤرخ أن الحاكم قضى بهذا العبد لمن شهدت له، ولم يذكر هذه الزيادة هنا.
أو شهدت إحداهما بالتاريخ مع تقدمه على شهادة تاريخ الأخرى، فالشاهدة بالمقدم مقدمة، كشهادة إحداهما بملكه منذ عام، والأخرى بملكه منذ عامين؛ ففي المدونة: أقضى ببينة أبعد التاريخين، إن عدلت، وإن كانت الأخرى أعدل، ولا أبالي بيد من كانت الأمة منهما، إلا أن يحوزها الأقرب تاريخًا بالوطء والخدمة، والادعاء لها بمحضر الآخر، فقد أبطل دعواه.
стр. 3094
وإنما رجح بالملك السابق لأن الملك قد ثبت، والأصل استصحابه.
ورجح بزيادة عدالة في إحداهما على الأخرى، لا بزيادة عدد فيها، فلا يرجح به على المشهور.
تتميم:
فرق القرافي للمشهور بأن المقصود من القضاء قطع النزاع، ومزيد العدالة أقوى في التعذر من زيادة العدد؛ إذ كل واحد من الخصمين يمكنه زيادة العدد في الشهود بخلاف العدالة.
ورجح بشاهدين في جانب على شاهد ويمين في جانب آخر، أو على شاهد وامرأتين في جانب آخر، على أحد قولي ابن القاسم.
ورجح بيد عند تساوي البينتين مع اليمين، سواء كان ما لبيد دارًا أو عرضًا، أو دنانير أو دراهم، أو غير ذلك، كما في المدونة، وهو المشهور.
وهذا إن لم ترجح بينة مقابله، أي: مقابل ذي اليد، فيحلف ذو البينة الراجحة، وهو المشهور، وترجح البينة الشاهدة بالملك على بينة الحوز، ولو كانت بينة الحوز متقدمة؛ لأن الحوز أعم؛ إذ قد يكون بغير ملك، والملك أقوى وأخص، والأعم لا يدل على الأخص.
فائدة:
قدمنا في البيع تعريف الملك ونعيده هنا لبعده.
قال ابن عرفة: الملك استحقاق التصرف في الشيء بكل أمر جائز فعلًا أو حكمًا، لا بنيابة.
فيدخل ملك الصبي ونحوه؛ لاستحقاقهما ذلك حكمًا، ويخرج تصرف الوصي والوكيل وذي الإمارة.
ورجح بنقل فترجح البينة الناقلة على بينة مستصحبة، كأن تشهد بينة أن هذه دار زيد بناها، ولا يعلمونها، خرجت عن ملكه، وتشهد أخرى أن عمرو اشتراها بعد ذلك، فبينة الشراء عمل.
стр. 3095
[شروط صحة الشهادة في الملك: ]
ثم شرع في ذكر شروط صحة الشهادة في الملك، وهي أربعة.
وأشار لها بقوله:
- وصحة الملك إن شهد لها بالتصرف التام.
- وعدم منازع له فيه.
- وحوز طال على هذه الحال، كعشرة أشهر على ظاهر المدونة.
أبو محمد: سنة.
وظاهره: أنه خلاف.
- ومن تمام صحة شهادة الملك أن يقولوا: إنها لم تخرج عن ملكه في علمهم ببيع ولا هبة ولا وجه من الوجوه إلى الآن، ونحوه قول شهادتها: إذا شهدوا بأن هذه الدار لأبيه أو جده فلا تتم الشهادة حتى يقولوا: لا نعلم أنها خرجت عن ملكه إلى أن مات، وتركها.
وفي عاريتها ما يدل على أنه غير شرط، ففيه: إن شهدوا أن الدار له وإن لم يقولوا: لا نعلم أنه باع ولا وهب، فإنه يحلف أنه ما باع ولا وهب ولا تصدق، فشهادتهم باطلة.
واختلف الشيوخ هل هو خلاف، وهو حمل ابن عبد السلام وابن هارون على القولين، أو وفاق في شهاداتها على الكمال، وعليه حملها المغربي، وهو أبو إبراهيم الأعرج، وإليه أشار بقوله: وتؤولت على الكمال في الأخير، واستظهر ابن عرفة أن ما في عاريتها تفسير.
تنبيه:
ظاهر كلام المصنف سواء كان المشهود له ميتًا أو حيًّا، وحملها بعضهم على أن الأول شرط في وثيقة الميت دون الحي، بأن يطلب ذلك الورثة عن مورثهم، فلا بد من الزيادة، وإلا بطلت، وإن لم يقولوا ذلك في ملك الورثة تمت الشهادة.
стр. 3096
قال ابن العطار: وهو الذي به العمل اليوم.
وصحة الملك بأن تشهد البينة بما تقدم، لا بالاشتراء: مخرج من قوله: (وصحة الملك) وما معه، ومعناه ما قال سحنون: من رأى رجلًا اشترى سلعة من السوق، فلا يشهد أنها ملكه، ولو أقام شخص بينة أنها ملكه، وآخر بينة أنه اشتراها من السوق فهي لصاحب الملك، وقد يبيعها من لا يملكها.
وأما قول الشارح: (مثل أن تشهد أن أحد الخصمين اشتراها من الآخر، فإنها تستصحب، ولا يقبل قول المشهود عليه: إنها عادت إليه) فمتعقب، انظره في الكبير.
وإن شهد عليه بإقرار بالأمس أنها ملك لزيد استصحب حكم إقراره، وكفت الشهادة، وإن لم يزد الشهود، ولا نعلم خروجها عن ملكه إلى الآن؛ إذ في شهادتهم عليه بالإقرار إسقاط لحقه بخصومه، فعليه بيان صحة ملكه بعد بشراء من المشهود عليه، أو بغير ذلك من أسباب الملك.
[إسقاط البينتين عند تعذر الترجيح: ]
وإن تعذر ترجيح لأحد البينتين عند تساويهما بكل وجه، وكان المتنازع فيه بيد غيرهما سقطتا (١)، وبقي المدعى فيه بيد حائزه.
تنكيت:
ما قرر به الشارح على أنه بيد أحدهما، وتبعه البساطي، يلزم عليه التكرار مع قوله قريبًا: (وبيد إن لم ترجح بينة مقابله)، ويرشح ما قررناه قوله: أو لمن يقر له به هذا الحائز، فيكون للمقر له.
وقسم المتنازع فيه على قدر الدعوى إن لم يكن بيد أحدهما، بل كان بيد غيرهما، ولم يقر به لأحدهما، ولا مرجح لبينة أحدهما، وذلك بعد أيمانهما، كما في المدونة، وهو قول سحنون، أو لم تكن بيد أحدهما، كتنازعهما في عفو من أرض أو زرع في أرض لشخص لا يدعيه، أو كان بأيديهما معًا.
وكلامه يشمل الصور الثلاث، والنسخة التي قررناه عليها قال بعضهم: هي أكثر النسخ، وعند الشارحين: (ولو لم يكن بيد أحدهما وتعقباها بأن محل الخلاف إذا كان بيد غيرهما.
تنبيه:
قول البساطي: (فالصواب في المبالغة أن يقول: ولو لم يكن بيد غيرهما) فيه نظر؛ لصدقه على ما في يد أحدهما، فتأمله.
وعلى المشهور من أنه يقسم على الدعوى، فقال مالك وأكثر أصحابه: كالعول في فريضة زادت أجزاء واجبها على الجميع؛ لتساوي أقدامهم، وتعذر الترجيح.
وقال ابن القاسم وعبد الملك: يختص مدعي الأكثر بالزائد؛ لأن مبنى المسألة على التنازع، فمن سلم لخصمه شيئًا سقط حقه منه.
فعلى المشهور لو تداعى اثنان الكل والنصف عالت بالنصف، فيقسم من ثلاثة لمدعي الكل اثنان، ولمدعي النصف واحد، ولو تداعى ثلاثة الثمن، والثلث والثلثان فمن أربعة وعشرين، وتقسم من سبعة وعشرين ثلاثة لمدعي الثمن، وثمانية لمدعي الثلث، وستة عشر لمدعي الثلثين.
ولم يأخذه من شهد له بأنه كان بيده أمس، اختلف الشراح في معنى
стр. 3100
هذا الكلام، والصواب: أن يقرر بما قرر به، هو قول ابن الحاجب: (ولو شهدا أنه كان بيد المدعي أمس لم يأخذه بذلك)، قال ابن عبد السلام: لأن كونه في يده لا يدل على أنه مالكه، ولا يستحقه؛ لأن وضع اليد أعم من ذلك كله، والأعم لا إشعار له بالأخص، فلم يبق إلا مطلق الحوز، وهو هنا محوز بيد الآخر.
[مسألة: ]
وإن ادعى أخ أسلم على أخيه النصراني أن أباه أسلم، ومات مسلمًا، وادعى الآخر النصراني أن أباه مات نصرانيًّا، فالقول للنصراني؛ لدعواه الاستصحاب.
تنبيه:
قال البساطي قوله: (أسلم) لا بد منه في فرض المسألة؛ لأنه لو كان مسلمًا حكمًا كان ذلك بإسلام الأب ليس إلا على المشهور، وهذا حيث لا بينة لهما.
وأما لو أقام كل منهما بينة قدمت بينة المسلم؛ لأنها ناقلة.
ثم استثنى من تقديم بينة المسلم فقال: إلا أن تشهد بينة النصراني بأنه تنصر، أي: نطق بالنصرانية معتقدًا لها، ومات عقبه، وشهدت بينة المسلم بأنه نطق بالإسلام، ومات عقبه، فمتعارضان، ويصار للترجيح، فإن لم يكن قسم بينهما، وهذا إن جهل أصله، أي: الأب.
ومفهوم الشرط: إن علم أصله فهي المسألة السابقة.
كمجهول الدين ولا بينة فيقسم المال بينهما؛ لاستواء دعواهما.
[مسألة: ]
وقسم المال الموروث عن مجهول الدين على الجهات المدعى بها بالسوية، ولا ينظر لعدد كل جهة منها، فلو كانت الجهات ثلاثًا قسم
стр. 3101
أثلاثًا، كدعوى بعضهم موت أبيهم مسلمًا، وبعضهم نصرانيًّا، وبعضهم يهوديًّا.
ولو كانت جهتين، لقسم نصفين، وسواء كان المال بيد أحدهم، أو بأيديهم؛ إذ لا يد عليه؛ لأنه قد علم أصله.
وإن كان معهما -أي: المتداعيين- اختلاف دين أبيهما أخ طفل فهل يحلفان، ويوقف الثلث مما بيد كل واحد منهما، وهو السدس، فيكون المجموع ثلث جميع المال إلى بلوغ الطفل.
وإذا بلغ فمن وافقه الطفل وادعى دعواه أخذ حصته منه، وهو السدس، ورد على الآخر ما كان أوقفه له، وهو السدس.
تنبيه:
إنما وقف له ثلث أولًا لاحتمال أنه إذا بلغ ادعى جهة غير الذي ادعى أخواه.
وإن مات الصغير قبل بلوغه حلفا -أي: أخواه- واقتسما ميراثه، وهو قول سحنون، أو يوقف للصغير النصف من موروث أبيه؛ لأن كلًّا منهما مقر به، ويجبر على الإسلام، ويقسم النصف الآخر بينهما، وهو قول أصبغ: قولان.
تتمة:
قال سحنون: فإن مات أحدهما قبل بلوغ الصغير، وله ورثة يعرفون، فهم أحق بميراثه، وإن لم يكن وقف، فإذا كبر الصغير وادعاه، كان له.
[مسألة الظفر: ]
ثم تكلم على المسألة الملقبة عند أصحابنا بمسألة الظفر، فقال: وإذا قدر من له حق على غيره يتوصل على أخذ شيئه فله أخذه، علم غريمه أو لم يعلم، وذلك بشرط:
- إن لم يكن شيئه غير عقوبة؛ لأن العقوبة لا بد لها من الرفع
стр. 3102
للحاكم، وكذا إذا كان حقًّا للَّه تعالى كالحدود.
- وأمن فتنة تحصل بسبب ذلك، كقتال أو إراقة دم، وأمن رذيلة تنسب إليه، كسرقة وغصب وحرابة ونحو ذلك، ولم يلزمه الرفع للحاكم (١).
стр. 3103
تكميل:
شمل قوله: (شيئه) دينه على ممتنع من أدائه، فله أخذ قدره من جنسه أو غير جنسه، وإن كان غريمه مدينًا، أخذ قدر حصته في الحصاص فقط.
تنبيه:
سكت عن إخراج الوديعة التي تحت يده، فإنه لا يأخذ قدر حقه منها؛ لما قدمه في بابها.
[مسألة: ]
وإن قال من ادعى عليه وكيل بحق لموكله: أبرأني موكلك الغائب أُنظِر المدعى عليه إلى حضور الموكل، ولا يحلف الوكيل عند ابن القاسم.
وقال ابن كنانة: يحلف.
وظاهر كلام المؤلف: كانت الغيبة قريبة أو بعيدة، وهو كذلك، إلا أنه لا يقضى عليه في القريبة اتفاقًا، وفي البعيدة عند ابن القاسم.
[مسألة: ]
ومن استمهل -أي: طلب المهلة- لدفع بينة قامت عليه بحق، أمهل، بأن يضرب له أجل بالإجتهاد من الحاكم بغير حد، بل بحسب الدعوى والمدعى فيه، وتقدم في باب القضاء، وأن العمل بتفريق التأجيل.
كحساب يظهره وشبهه من شيء مكتوب عنده؛ ليتحقق ما يجب به من إقرار أو إنكار، ويكون الإمهال بكفيل -أي: معه- بالمال، لا بالوجه؛ لأن المال ثبت، والإمهال إنما هو لدفع البينة.
المازري: كأن أقام المدعي شاهدًا، وأراد إقامة شاهد ثان، وطلب المهلة، فعلى المطلوب حميل بالمال؛ لأن له الحلف مع شاهده، أو لأن الحق ثبت بالواحد، واليمين استظهار.
أو طلب المدعي كفيلًا بعد دعواه بإقامة بينة -أي: بسبب إقامتها- فبحميل بالوجه.
стр. 3104
المازري: اتفاقًا.
أي: لأنه لم يثبت له شيء، ونحوه في شهادات المدونة، وفيها أيضًا في حمالتها: نفيه -أي: تفي لزوم الحميل- وهو قولها: من كان بينه وبين رجل خلطة في معاملة، فادعى عليه حقًّا، لم يجب له عليه كفيل بوجهه، حتى يثبت حقه.
قال غيره: إذا ثبتت الخلطة فله عليه كفيل بنفسه ليوقع البينة على عينه.
واختلف: هل ما في الموضعين خلاف؟ وهو ظاهر كلام ابن سهل، أو وفاق، وهو أحد وجهين:
أحدهما لأبي عمران: المراد بالكفيل في الشهادات وكيل يلازمه؟ لأنه يطلق على الوكيل كفيل، أو معنى قول غير ابن القاسم فله عليه كفيل إن لم تعرف عينه؟ أي: عين المدعى عليه، بأن لم يكن مشهورًا لتوقع البينة على عينه، وأما إن كان معروفًا فليس للطالب عليه كفيل يوجهه؛ لأنا نسمع البينة عليه في غيبته، وهو تأويل ابن يونس، تأويلات ثلاث.
تنبيه:
انظر ما هنا مع آخر باب الضمان: ولم يجب وكيل للخصومة ولا كفيل بالوجه بالدعوى، إلا بشاهد، وإن ادعى بكالسوق أوقفه القاضي عنده.
[مسألة: ]
ويجيب عن دعوى جناية القصاص العبد، إذا ادعى عليه به؛ لأنه الذي يتوجه عليه الحق، ويقع عليه الحكم، ويجيب عن الإقرار من العبد في موجب الأرش السيد؛ لأنه هو المطالب به، واليمين في كل حق باللَّه الذي لا إله إلا هو على المشهور، وما ذكره المؤلف هو صفة اليمين، إن لم يكن الحالف كتابيًّا، بل ولو كان كتابيًّا.
وتؤولت على أن النصراني يقول في يمينه في حق لعان أو غيره باللَّه فقط، ولا يزيد الذي لا إلا هو، يريد: ويزيد اليهودي: الذي لا إله إلا هو.
стр. 3105
قيل: لأنه يقول بالتوحيد دون النصراني؛ لقوله المسيح ابن اللَّه. وتعقب بأن اليهودي يقول: العزير (١) ابن اللَّه (٢).
стр. 3106
تنبيه:
تعقب البساطي قوله وتؤولت بأنه صريح لا تأويل لقولها: ولا يحلف اليهودي ولا النصراني إلا باللَّه وإنما الذي أولها هو الراد لها إلى الأولى، فقال: معنى قوله إلا اللَّه، أي: لا يحلفون بشيء من أيمانهم التي يعتقدونها، وليس مراده الاقتصار على لفظ اللَّه فقط.
[مسألة: ]
وغلظت يمين حالف في ربع دينار أو عدله فضة أو غيرها فصاعد إلا دونه؛ إذ هو أقل مال له بال، ويكون التغليظ بجامع -أي: فيه من مسلم- لا في المسجد، ولو مسجد جماعة وقبائل، ولا يختص بمكان منه.
وظاهر كلامه: أن التغليظ واجب، وهو كذلك على أحد القولين.
وقيل: مستحب.
كالكنيسة للنصراني، والبيعة لليهودي، وبيت النار للمجوسي.
زاد في المدونة: وحيث يعظمون.
وغلطت بالقيام فيها في ربع دينار، وبه القضاء، ولا تغليظ بالإستقبال، وهو مذهب المدونة.
стр. 3107
وغلظت بمنبره ﵊ فقط، وهل الباء بمعنى (عند) كما هو ظاهر المدونة، أو بمعنى (على) (١)، وهو قول ابن المواز.
تنبيه:
قال البساطي: منبره ﵊ كان موجودًا معروفًا في زمن مالك، وأما في هذه الأيام فينظر: هل هذا الحكم في المنبر الذي هو بمسجد المدينة، أو موضع منبره ﵊. انتهى.
وظاهر كلام المؤلف: أنها لا تغلظ بالزمان في المال، وهو كذلك، وأما في الدماء واللعان فتغلظ بالمكان والزمان.
[مسألة: ]
وخرجت المخدرة -أي: الملازمة للخدر، وهو: الستر، ولا تطلق غالبًا إلا على الأبكار- فيما ادعت به من حق؛ لتحلف عليه إن كانت طالبة لكمال النصاب، أو ليمين ردت عليها مغلظة بالجامع في ربع دينار كالرجل، وهو المشهور.
أو ادعي عليها لتحلف لرد الدعوى، إلا التي لا تخرج نهارًا، وإن
стр. 3108
كانت مستولدة فليلًا، وخص المستولدة دون المكاتبة والمدبرة مع أن ابن عبد السلام ذكر عن المدونة أنها كالحرة لقوله في توضيحه: لم أجد هذا في كل النسخ، بل في بعضها.
تنبيه:
قول الشارح: (لا وجه للفاء في قوله: "فليلًا"؛ لأنه معمول خرجت) تعقبه البساطي بأن هذه الفاء تسمى عند أهل المعاني بالفصيحة (١)، فيقدرون لها شرطًا يكون له جواب، فيقال هنا هكذا، فالتي لا تخرج نهارًا ما الحكم فيها، فيقال: إذا كانت لا تخرج نهارًا فليلًا.
وتحلف المرأة في أقل من ربع دينار ببيتها، ويرسل الحاكم لها من يحلفها، ولا تخرج للمسجد؛ لأنه لا يغلظ فيه اليمين بالمكان.
[مسألة: ]
وإن ادعيت أيها المدين قضاء لدين عليك ببينة على وفاء ميت لم يحلف على نفي العلم، إلا من يظن به العلم من بالغي ورثته يوم موته، كقريب القرابة لا بعيدها.
البساطي: وقد يكون البعيد من الورثة مخالطًا للميت، والقريب بضده، فينظر الحاكم في ذلك.
стр. 3109
[مسألة: ]
ومن دفع لآخر دنانير أو دراهم فاطلع الآخذ فيها على نقص أو غش، فردها لدافعها، فأنكرها، حلف الدافع في دعوى نقص بتًّا، وفي دعوى غش علمًا، أي: على نفي العلم؛ لأن الجودة والرداءة قد تخفي، ولا يتحقق عين دراهمه.
وظاهره: صيرفيًّا كان أو غيره، وهو قول ابن القاسم.
وقيل: هذا في غير الصيرفي، وأما الصيرفي فيحلف على البت مطلقًا. واعتمد البات في إقدامه على حلفه بتًّا على ظن قوي كخط أبيه أو قرينة من خصمه، أو شاهد لأبيه يغلب على ظنه صدقه، ولا يحتاج الباب للقطع بموجب حلفه عند مالك.
ويمين المطلوب على قدر معين كعشرة مثلًا، ما له عندي كذا، أي: ذلك القدر المعين، ولا شيء منه؛ لأن المدعي بالعشرة مدع بكل آحاديتها، فحق اليمين نفي كل واحد؛ لما تقرر أن إثبات الكل إثبات لكل أجزائه، ونفي الكل نفي لكل أجزائه.
ونفى الحالف سببًا إن عين، ونفى غيره، كأن يدعي عليه عشرة من سلف، فيحلف ما له عندي عشرة من سلف ولا غيره.
قال أشهب: لو لم يزد (ولا غيره) لم يجزئه اليمين.
فإن قضى المطلوب سلفًا كان عليه، وجحده الطالب، وأراد تحليفه أنه ما تسلف منه حين حلف، ونوى في سره سلفًا يجب لك علي رده الآن، قاله ابن عبدوس، لما قيل له إن حلف ما أسلفه شيئًا لزم أن يحلف كاذبًا، أو يغرم ما ليس عليه.
وإن قال من ادعى عليه بشيء معين في يده هو وقف أو هو لولدي الكبير أو الصغير، لم يمنع مدع لذلك الشيء من إقامة بينته؛ لأن هذا لم ينازعه فيه، وينتقل خصام المدعي لناظر الوقف وللولد الكبير ولوالد الصغير.
وإن قال المدعى عليه: هو لفلان فإن حضر فلان -أي: كان
стр. 3110
حضرًا ادعى عليه -أي: نقلت الدعوى له- باعتراف الأول، فإن صدقه سلم له، وانقلبت الدعوى له باعتراف المقر، ثم لا يخلو من أن يحلف أو ينكل، فإن حلف المقر له فللمدعي تحليف المقر الذي بيده الشيء للمقر به، وهي يمين تهمة، وصفة يمينه: أنه ما أقر إلا بالحق، فإن حلف فواضح، وإن نكل المقر حلف المدعي، وغرم المقر ما فوته عليه بإقراره مقومًا أو مثليًّا.
[تفريع: ]
ثم ذكر قسيم قوله: (فإن حضر)، فقال: أو غاب المقر في المسألة السابقة غيبة بعيدة لا يعذر له فيها، لزمه -أي: المقر- أحد أمرين:
- يمين.
- أو بينة أنه لفلان الغائب أودعه عنده أو رهنه.
وإذا وجد أحد هذين الأمرين انتقلت الحكومه له، أي: للغائب، فبقي على حقه.
وجوز البساطي أن يكون مقيم البينة هو المدعي، لا المقر، وإذا أقامها تسلم الشيء، ويبقى الغائب على حجته.
وإن نكل المقر عن اليمين أخذه المدعي بلا يمين؛ إذ لا معنى لليمين هنا؛ لأنها لا تقطع حجة الغائب.
وإن جاء الغائب المقر له بعد نكول المقر، وتسلم الشيء المدعى به، فصدق المقر فيما أقر به أخذه بإقرار المقر، ومفهوم (صدق) أنه لو كذب سقط حقه.
واختلف هل يكون ببيت المال أو يسلم لمدعيه؛ إذ لا منازع له فيه، وبيت المال لم يحز حتى يدافع الإمام عنه، أو يبقى بيد حائزه؟ أقوال.
وإن استحلف -أي: طلب يمين غريمه- وله بينة حاضرة بالبلد لم يعلمها، أو قريبة كالجمعة يعلمها، وأراد إقامتها بعد ذلك لم تسمع عند ابن
стр. 3111
القاسم؛ لأن استحلافه إسقاط لها، واحترز بقوله: يعلمها مما لم يعلمها، فله القيام لها.
وظاهره كابن الحاجب: أن مجرد استحلافه مسقط لها، وإن لم يحصل حلف.
وفي الشارح: إذا حلف ليس له إقامة بينة بعد ذلك، ولا تسمع.
وإن نكل مدعى عليه عن اليمين في مال وحقه كخيار وأجل استحق ما ادعاه به، أي: بسبب نكوله بيمين من المدعي مع النكول، لا بمجرد النكول، وهذا إن حقق المدعي معرفة ما ادعى به، فالتحقيق قيد في اليمين، وأما إن كان موجب اليمين التهمة فلا حاجة ليمين المدعي؛ لأن المشهور توجهها وعدم انقلابها، والنكول امتناع من وجبت عليه اليمين أو له يمين منها.
[ذكر أسباب الحكم: ]
وليبين الحاكم للمدعى عليه حكمه، فيقول له: إن نكلت، حلف غريمك، واستحق ما ادعاه.
وظاهره: وجوب البيان، وظاهر قول ابن شاس وابن الحاجب (ينبغي): الاستحباب.
[مسألة: ]
ولا يمكن مدعى عليه منها، أي: من العود لها، إن نكل عنها، ثم بدا له العود لها، رواه عيسى عن ابن القاسم؛ لأنه تعلق لخصمه حق بنكوله، فلا يمكن من إبطال ما تعلق به، بخلاف مدعى عليه التزمها، أي: اليمين، ثم رجع عنها، فله ذلك، وإن ردت بيمين مطلوب على مدع فسكت زمنًا غير ملتزم ولا نأكل، ثم أراد الحلف، فله الحلف، ولا مقال للمدعى عليه؛ إذ لا يعد سكوته نكولًا، وسواء طال أو لا.
стр. 3112
[أنواع الحائزين: ]
ولما كان الحائزون أنواعًا:
- أجانب غير شركاء.
- وأجانب شركاء.
- وأقارب.
والمحوز:
- إما عقار.
- أو عرض.
- أو حيوان.
والحوز:
- إما أن يطول زمانه.
- أو لا.
- وإما أن يقترن به فعل.
أم لا.
والمؤلف يتكلم على ذلك، وبدأ بالأول، فقال: وإن حاز أجنبي غير شريك.
[شروط الحوز: ]
وأشار لصفة الحوز ضمن شروطه بقوله: وتصرف -أي: الأجنبي الحائز- وهذا هو الشرط الأول.
وأشار للثاني بقوله: ثم ادعى حاضر مع الحائز، وخرج بالحاضر الغائب غيبة بعيدة، كسبعة أيام، لا القريبة كالأربعة مع العذر.
وأشار لثالثها بقوله: ساكت فلو نازع الحاضر الحائز لم يسقط حقه.
стр. 3113
وأشار للرابع بقوله: بلا مانع من خوف سلطان أو قرابة، ويدخل فيها ما إذا لم يعلم أنه ملكه مع تصرف الحائز، بأن قال: لا علم لي أنه ملكي، وما وجدت وثيقة إلا عند فلان، أو كان وارثًا وادعى أنه لم يعلم قبل قوله مع يمينه، قاله صاحب الوثائق المجموعة.
وللشرط الخامس بقوله: وكان سكوته عشر سنين لم تسمع دعواه، وهذا جواب الشرط، ومشى هنا على قول ابن رشد في باب الاستلحاق: المشهور أن الحيازة تكون بينهم في عشرة أعوام، وإن لم يكن هدم ولا بناء.
تنكيت:
قول الشارحين: (الحيازة بشروطها تنقل الملك) خلاف قول ابن رشد: إنها لا تنقله عن المحوز عنه للحائز اتفاقًا، لكنها تدل على الملك، كإرخاء الستور، ومعرفة العفاص، والوكاء، فيكون القول قول الحائز مع يمينه.
ولو أقام المدعي بينة على الحائز لا تسمع بينته إلا أن تشهد له بإسكان ونحوه للحائز، أو إعمار، أو مساقاة، أو مزارعة، فيحلف مع بينته، ويقضي له كشريك أجنبي حاز فيها، أي: في العشر سنين، إن هدم وبنى، وتثبت له الحيازة بذلك.
تنبيه:
جعل الشارح ومن تبعه هذا الشرط في مسألة الحائز الأجنبي غير الشريك أيضًا، وأقررناه على أن الهدم والبناء مخصوصان بهذه، وهو الذي يؤخذ من توضيحه.
تنبيه:
قال الشارح: أجمل المؤلف في التصرف ليشمل الإتلاف كبيع العبد وعتقه ووطء الأمة، إلا أن هذا لا يحتاج معه للطول المذكور، إذا علم المدعي، ولم ينكر، وسلمه البساطي.
стр. 3114
قال: وحاولنا حين توهم هذا السؤال الجواب بأن جعلنا عشر سنين معمولًا لساكن، لا لحائز، ومع ذلك لا نخلص؛ لأن ما يحتاج إلى الحوز الطويل يخرج، والحق أن كلامه هنا إنما هو في النذور ونحوها.
[النوع الثالث: ]
وأشار للنوع الثالث بقوله: وفي حيازة الشريك القريب معهما -أي: مع الهدم والبناء- قولان: لابن القاسم، فمرة قال: عشر سنين حيازة، ومرة قال: لا تكون حيازة، إلا أن يطول الأمر.
يريد: مثل الأربعين، وسواء كانوا أخوة أو غيرهم، وفهم من قوله بالهدم والبناء أنها لا تكون بينهم بالسكنى والإزدراع.
ابن رشد: إلا ما تأوله بعض الناس على المدونة، وهو بعيد.
لا بين أب وابنه، فلا تعتبر هذه الحيازة، إلا مما يحصل به التفويت ومثله بكهبة وبيع وصدقة وعتق وتدبير وكتابة ووطء وما أشبهه، مما لا يفعله الشخص إلا في ماله، فيعتبر اتفاقًا، قاله ابن رشد.
ولا تعتبر الحيازة بينهما بالهدم والبناء إذا فعله أحدهما وادعاه لنفسه قام على الآخر في حياته أو بعد وفاته على المشهور، إلا أن تطول معهما -أي: مع الهدم والبناء- ما -أي: زمان- تهلك البينات معه، وينقطع فيه العلم معه، فتعتبر الحيازة بينهما حينئذٍ.
ابن رشد: ولا خلاف بينهما بالسكنى والإزدراع.
البساطي: قوله: (إلا بكهبة) مستثنى من النفي، وكذا: (إلا أن يطول).
والفرق بين الإستثناءين: أن أحدهما معتبر في تلك الحيازة، فهو داخل فيها، وفرد من أفرادها على أي وجه كان، بالبناء أو الهدم أو غيرهما، قاله التيطي.
قال البساطي: ومدة الحيازة بالنسبة للأقارب سواء، لا فرق بين الرياع والأصول، والثياب والحيوان والعروض.
стр. 3115
وإنما تفترق الدار من غيرها في حيازة الأجنبي (١)، ففي الدابة بالنسبة
لركوب الأجنبي السنتان، وفي أمة الخدمة السنتان، ويزاد على ذلك في عبد وعرض، نحوه لأصبغ.
وزاد: وما أحدث الأجنبي في غير الأصول من بيع أو عتق أو كتابة أو تدبير أو صدقة أو وطء في الأمة بعلم مدعيه أو بغير علمه، ولم ينكر حين علمه استحقه الحائز بذلك (١).
* * *